← Тараджим

Тараджим · id 17372

الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر

السخاوي

Полный текст (1 240 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

مَنْ جمعه مع الفنَّين الأوّلين، كان أوفرَ سَهْمًا وأحظَّ قَسْمًا، ومن اقتصر عليه كان أبخس حظًّا وأبعد حفظًا، فمن جمع الأمور الثلاثة كان فقيهًا محدثًا كاملًا، ومن انفرد باثنين منها، كان دونه، وإن كان لا بدَّ مِنَ الاقتصار على اثنين، فليكن الأول والثاني، وهل يُسمّى محدّثًا أو لا؟ فيه تردُّد، وأما من اقتصر على الثاني والثالث، فهو محدّث صِرْفٌ لا حظَّ له في اسم الفقيه، كما أنَّ مَنِ انفرد بالأول، فلا حظَّ له في اسم المحدث كما ذكرنا، فهذا هو تحريرُ المقال في هذا الفصل، وطريقُ الإنصاف فيه. قال: وقد وجدتُ لي فيما ذكرته بحثًا سلفًا من قول رجل من كبار أهل العلم والزهد، وهو أبو الفتح نصر بن أحمد المقدسي، الذي قال في حقه حجة الإسلام الغزاليّ في "منهاج العابدين" ما قال، حيث ذكر ما رواه الرامهُرمُزِيّ في "المحدث الفاصل" له، قال: حدثنا أبو عمر أحمد بن محمد بن سهيل، حدثني رجلٌ ذكره من أهل العلم، قال: وقفتِ امرأةٌ على مجلس فيه يحيى بنُ معين (١)، وأبو خيثمة وخلف بن سالم، وجماعة يتذاكرون الحديث، فسمعتهم يقولون: قال رسول اللَّه ﷺ ، ورواه فلان، وما حدَّث به غير (٢) فلان، فسألتهم عن الحائض تَغْسِلُ الموتى، وكانت غاسلة، فلم يُجبها أحد منهم، وجعل بعضُهم ينظرُ إلى بعضٍ، فأقبل أبو ثور إبراهيم بن خالد الفقيه، فقالوا لها: عليك بهذا المقبل، فالتفتت إليه وقد دنا منها، فسألته: فقال: نعم تَغْسِل، لحديث القاسم عن عائشة: أن النبي ﷺ قال: "ليستْ حيضتُك في يدك"، ولقول عائشة: كت أفرق رأس رسول اللَّه ﷺ وأنا حائضٌ، قال أبو ثور: فإذا فرقت رأس الحيِّ فالميتُ أولى. فقالوا: نعم، رواه فلان، وأخبرناه فلان، ونعرفه من طريق فلان، وخاضوا في الطُّرُق والروايات، فقالت المرأة: فأين كنتم إلى الآن؟ فقال الفقيه نصر: ليس هذا الذي وقع من يحيى بن معين (١) ورفقته بعَيْب فيهم؛ لأن اللَّه تعالى قد قسّم العلوم بين عباده، كما قسّم الأرزاق،

стр. 72

والآجال وسائر الأحكام، فوفَّق قومًا لحفظ أُصول الشريعة، وبيان الصحيح مِنْ ذلك والفاسد، ووفَّق قومًا لمعرفة معاني ذلك، واستنباط الأحكام منها، فكما لم نَعِبْ أبا ثورٍ بترك ذكر الطُّرق والأسانيد، كذلك لا نعيبُ أولئك بترك الاستنباط، إذ لكل مقام مقالٌ، وإنما العيبُ لاحقٌ بمن لم يشتغل بواحدٍ من الطرفين، وربما اجتهد الإنسان فيهما فوُفِّق لهما، قال اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، فمن قدم النيّة للَّه في شيء، وجدّ فيه وجده. انتهى. وقد سئل صاحب الترجمة ﵀ عن رجل اشتغل بعلم الحديث، وقرأ فيه على أهله أصلًا من أصوله، وبحثه وفهمه فهمًا ودراسة، ومارس أهله وحضر مجالسهم: هل يقومُ له ذلك مقام علوِّ السند، أو يُعتبر علوُّ السَّند؟ وهل إذا كان كذلك، تترجّحُ مروياته على من علا سنده، ويبلغ بعلُوِّ درجته في الفن درَجةَ المرتفعين بعلو السند، وكثرة المسموعات والمقروءات؟ وأيهما (١) أولى بأن يؤخذ عنه، ويقرأ عليه، فأجاب بما قرأته من خطه: لا يكون حافظًا ولا محدّثًا في الاصطلاح إلا مَنْ عرفَ الأمرين، ومارس الفنين، وأما مَنِ اقتصر على أحدهما، كمن اقتصر على المرويات، ومارس القراءة والسماع، ورحل في ذلك للقاء الأشياخ (٢)، وحصّل مِنْ ذلك ما يُطلق عليه اسم الاستكثار مِنْ ذلك عُرفًا، وأهمل -مع ذلك- معرفة الاصطلاح، بحيث لا يصلُح أن يُدَرِّسه ويُفيدُه، فهذا يقال له: مِسنِد وراوٍ، وقد يطلق عليه اسم مُحدِّث، لكن بالنسبة لمن جمع الأمرين، إنما يقال له ذلك مجازًا. وإن اقتصر على معرفة الاصطلاح المتعلق بالأنواع حتى فهمه، وصلح أن يُدَرسه ويُفيده، فهذا يقال له: عالم بعلوم الحديث، ولا يسمّى مُحدثًا أصلًا، ولا يترجّح ما عنده من رواية على رواية الأول، إذا كان أعلى

стр. 73

سندًا. إلا إن حصلت السلامة منه غالبًا من الخطأ في الإعراب، وأما الخطأ في أسماء الرواة، فلا يأمن منه غالبًا إلا من أكثر القراءة والسماع، ومارس ذلك، وأكثر منه، وإلا فهو شيء لا يدخلُه القياس، فيقابَل خطأ هذا في الأسماء بخطأ هذا في الكلمات إن اتفق وقوع ذلك من كلٍّ منهما، ويبقى للراوي علوُّ الرواية، فيتقدم (١) بها. وأما مَنْ جمع الأمرين فهو الكامل. وأقل ما يكفي من يريد قراءة الحديث أن يعرف من العربية أن لا يلحن، ويمارس أسماء الرجال، بحيث يأمن التصحيف فيها، وتكون له مَلَكَةٌ في قراءة الخطوط، ولو تنوعت، ومن قصَّر في واحد من الثلاثة أثّر فيه تأثيرًا ظاهرًا، ومن زاد بحيث كانت له معرفة (٢) بشيء من معاني الحديث، كان أرفع درجة. انتهى. [مَنْ يُطلق عليه لقب المحدث] والمنقول عن المتقدمين في سعة الحدّ فيمن يُسمّى محدثًا، كقول أبي بكر بن أبي شيبة الذي ساقه أبو سعد بن السَّمْعاني في "آداب الإملاء والاستملاء" بإسناده إلى أبي زُرْعة الرازي، قال: سمعت أبا بكر بن أبي شيبة يقول: من لم يكتب عشرين ألف حديث إملاء لم يُعدَّ صاحب حديث. وأخرجه الخطيب في مقدمة "الجامع" أيضًا. وعنده من طريق أحمد بن العباس النَّسائي، قال: سألت الإمام أحمد عن الرجل يكون معه مائة ألف حديث: أيقال له صاحب حديث؟ فقال: لا، قلت: فمائتا ألف حديث؟ فقال: لا، قلت: فثلاثمائة ألف حديث؟ فقال بيده كذا، يروح يمنةً ويسرةً. ونحوه ما في مقدمة "الكامل" لابن عدي من جهة النُّفَيْلي، قال: سمعت هُشيْمًا يقول: مَنْ لم يحفظ الحديث، فليس هو مِنْ أصحاب

стр. 74

الحديث حتى يجيء أحدُهم بكتاب يحمله كأنه سجلُّ كاتب، هو كما قال الحافظ أبو الفتح ابن سيد الناس بحسب أزمنتهم. وأبلغ منه ما يُروى عن جماعة من السلف رحمة اللَّه عليهم أنهم تحرَّوا، فلم يطلقوا اسم المحدث إلا على مَنْ كان يستعمل الحديث؛ وممَّن نصّ على ذلك الإمام أحمد ﵁، فذكر ابن السمعاني في كتابه المذكور، أنَّ أبا القاسم البغوي -وناهيك به، لكن كان ذلك في ابتداء أمره- قال: سألت الإمام أبا عبد اللَّه أحمد بن حنبل أن يكتب لي كتابًا إلى سُوَيْد بن سعيد الحَدَثاني، فكتب: هذا رجل يكتب الحديث، فقلت: يا أبا عبد اللَّه، لو قلت: من أهل الحديث؛ فقال: أهل الحديث عندنا من يستعمل الحديث. وذكر الخليلي في "الإرشاد" بسنده إلى عباس الدُّوري، قال: كتب لي يحيى بن معين (١)، وأحمد بن حنبل إلى أبي داود الطيالسي كتابًا، فقالا فيه: إن هذا ممن يكتُب الحديث، وما قالا: إنه من أهل الحديث. وقال عُمَر بن هارون فيما أورده أبو القاسم بن مَنْده في "الوصية" من طريقه: من لم يَجعَل عمره كله في طلب الحديث، لم يكن صاحب حديث. وقال الإمام أبو يحيى (٢) زكريا الساجي في كتابه "اختلاف الفقهاء": حدثنا أحمد بن محمد، سمعت يحيى بن معين يقول: يحتاج المحدث إلى أربع خلال: الشهرة بطلب العلم، والبراءة من البدعة، ويكون صدوقًا، ولا يعمل بشيء من الكبائر، فمن كنت هذه صفته، فهو محدّث. وقال مروان الفَزَاريُّ (٣) فيما أورده أبو القاسم ابن منده في "الوصية"،

стр. 75

من طريقه: ثلاثة ليس لأصحاب الحديث عنها غنى: الحفظ، والصدق، وصحة الكتب، فإن أخطأته واحدة، وكانت فيه ثنتان لم تضره. إن أخطأ (١) الحفظ ورجع إلى الصدق وصحة الكتب (لم يضرّه) (٢). إذا علم هذا، فقد قال النووي ﵀ -وناهيك به ديانةً وورعًا وعلمًا- في "زوائد الروضة" (٣) من باب الوقف: والمراد بأصحاب الحديث: الفقهاء الشافعية، وأصحاب الرأي: الفقهاء الحنفية. انتهى. وما أحقَّهم بالوصف بذلك، فإن إمامهم الإمام الأعظم المجتهد المقدم ثبت عنه بالسند الصحيح الذي لا غُبار عليه -مع تعدد الطرق إليه- أنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي، وللَّه الحمد. وروى الخطيب في مقدمة "جامعه" من طريق محمد بن سهل بن عسكر، قال: حضرت المأمون بالمصِّيصة، فقام إليه رجل بيده محبرة، فقال: يا أمير المؤمنين، صاحبُ حديث منقطع به. قال: فوقف له المأمون، وقال: أيْشٍ تحفظُ في باب كذا؟ قال: فسكت، فقال المأمون: حدثنا ابنُ عُلَيَّة بكذا، وحدثنا حجاجٌ الأعور بكذا، وسرد عدَّة أحاديث، ثم قال: وأيْشٍ تحفظ في باب كذا؟ قال: فسكت، فسرد له المأمون أيضًا عدة أحاديث، ثم قال: أحدُهم يطلبُ الحديث ثلاثة أيام، ثم يقول: أنا صاحب حديث، أعطوه ثلاثة دراهم. واللَّه المستعان. [الحافظ] وأما الحافظ، فقد روينا عن الحافظ الثقة الحجة أبي بكر الخطيب البغدادي ما نصه: إنَّ مِنْ صفات الذي يجوز إطلاقُ هذا اللفظ في تسميته: أن يكون عارفًا بسنُن رسول اللَّه ﷺ ، بصيرًا بطُرقها، مميّزًا لأسانيدها، يحفظ منها ما أجمع أهلُ المعرفة على صحته، وما اختلفوا فيه للاجتهاد في

стр. 76

حال نَقَلته، يعرف فرق ما بين قولهم: فلان حجة، فلان ثقة، ومقبول، ووسط، ولا بأس به، وصدوق، وصالح، وشيخ، وليِّن، وضعيف، ومتروك، وذاهب الحديث، ويُمَيِّز الروايات بتغاير العبارات، نحو: عن فلان، وإن فلانًا، ويعرف اختلاف الحكم في ذلك بين أن يكون المسمَّى صحابيًّا أو تابعيًّا، والحكم في قول الراوي: قال فلان، وعن فلان، وأن ذلك غير مقبول من المدلِّسين، دون إثبات السماع على اليقين، ويعرف اللَّفظة في الحديث تكون وهمًا وما عداها صحيحًا، ويميز الألفاظ التي أُدرجت في المتون، فصارت بعضَها لاتصالها بها، ويكون قد أمعن النَّظر في حال الرواة بمعاناة علم الحديث دون ما سواه: لأنه علم لا يَعْلَق (١) إلا بمن وقف نفسه عليه، ولم يضمَّ غيره من العلوم إليه. ثم ساق أن الشافعي ﵁ مر بيوسف بن عمرو بن يزيد، وهو يذكر شيئًا من الحديث، فقال: يا يوسف، تريد أن تحفظ الحديث وتحفظ الفقه؟ هيهات. وقد تقدم قريبًا قولُ عمر بن هارون: مَن لم يجعل عمره كلَّه في طلب الحديث، لم يكن صاحبَ حديث. وعند البيهقي في "المناقب" من طريق الربيع: سمعت الشافعي يقول لأبي علي بن مقلاص: تريد تحفظُ الحديث وتكون فقيهًا؟ هيهات، ما أبعدك من ذلك. وقال البيهقي عَقِبَه: وإنما أراد به حفظه على رسم أهل الحديث، من حفظ الأبواب، والمذاكرة بها، وذلك علم كبير، إذا اشتغل به ربما لم يَفْرغ إلى الفقه؛ فأما الأحاديث التي يُحتاج إليها في الفقه، فلا بد من حفظها معه، فعلى الكتاب والسنة بناء أصول الفقه. وحمل البيهقي قول الشافعي لإسحاق بن راهويه وقد ذاكره: لو كنت أحفظ كما تحفظ، لغلبت أهل الدنيا على هذا، حيث قال: إن إسحاق كان يحفظه على رسم أهل الحديث، ويسْرُد أبوابه سَرْدًا، وكان لا يهتدي لما

стр. 77

كان الشافعي يهتدي إليه من الاستنباط والفقه، مع حفظه من الحديث لما كان يحتاج إليه، وكان لشدة اتقائه للَّه ، وخشيته منه، واحتياطه لدينه، لا يستنكف من الرجوع إلى أهله فيما اشتبه عليه منه وباللَّه التوفيق (١). وأخبرني الشيخ أبو محمد اللخمي شفاهًا بمكة حرسها اللَّه تعالى، عن أبيه، أن (٢) أبا الفتح (٣) ابن سيِّد الناس اليَعْمُرِيَّ الحافظ قال -وقد سأله الحافظ شهاب الدين أحمد بن أيْبك عن حدِّ المحدِّث والحافظ- ما نصه: المحدث في عصرنا، وساق ما أسلفته عنه، ثم قال: فإن انبسط في ذلك، وعرف أحوال مَن تقدَّمه وشيوخه وشيوخهم وشيوخ شيوخهم، طبقةً طبقة، بحيث تكون السلامة من الوهم في المشهورين غالبة عليه، ويكون ما يعلمه من أحوال الرواة في كل طبقة أكثر مما يجهله، فهو حافظ. وأنبأني الإمام أبو محمد النحوي ﵀، عن أبي حفص الدمشقي، أنه سمع الحافظ أبا الحجَّاج المِزِّي -وقد سئل عن الحد الذي إذا انتهى إليه الرجل، جاز أن يُطلق عليه الحافظ. فأجاب بأنه يرجع إلى أهل العرف، فقيل له: وأين أهلُ العرف؟ قال: هم قليل، لكن أقلَّ شيء أن يكون الرجال الذين يعرفهم ويعرف تراجمهم وأحوالهم وبُلدانهم أكثر من الذين لا يعرفهم، ليكون الحكم للغالب، فقيل له: إن هذا عزيز في الزمان، فهل أدركت أحدًا كذلك؟ فقال: ما رأينا مثل الشيخ شرف الدين، يعني الدمياطي، ثم قال: وابن دقيق العيد كان له في هذا مشاركة جيدة، ولكن أين الثريا من الثرى؟ فقيل له: هل كان يصل إلى هذا الحد؟ فقال: ما هو إلا أن كان يشارك (٤) مشاركةً جيدة في هذا، أعني الأسانيد، وكان في المتون أكثر لأجل الفقه، والأصول.

стр. 78

وقال الحافظ شمس الدين ابن (١) ناصر الدين في "شرح منظومته في الحفاظ": وهو -أي الحافظ في المتأخرين- المكثرُ من الحديث حفظًا ورواية. المتقن لأنواعه ومعرفة رواته درايةً، المدرك للعلل، السالم -في الغالب- من الخلل. قال: وأقلُّ محفوظ المحدثين عند المتقدمين، وساق قول أبي بكر بن أبي شيبة الماضي في المحدث. وقرأت بخط صاحب الترجمة ﵀ ما نصه: للأئمة شروط، إذا اجتمعت في الرَّاوي سموه حافظًا، وهي: الشهرة بالطلب، والأخذ من أفواه الرجال لا من الصُّحُف، والمعرفة بطبقات الرواة ومراتبهم، والمعرفة بالتجريح والتعديل، وتمييز الصحيح من السقيم، حتى يكون ما يستحضره من ذلك أكثر مما لا يستحضره، مع استحضار لكثيرٍ من المتون، فهذه الشروط إذا اجتمعت في الراوي سمَّوْهُ حافظًا. وقال في موضع آخر -وقد وقف على قول أبي الفضل السليماني في آخر كتابه "الحث على طلب الحديث": الحديث أصل، والفقه فرع، والعالمُ من يعرف الإسناد والمتن؛ مثل: مالك، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق. والفقيه: الذي يعرف المتن، ولا يعرف الإسناد، مثل: أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن، والشافعي، والمُزني. والحافظ: الذي يعرف الإسناد ولا يعرف المتن؛ مثل: الأعمش، وشعبة، والقطان، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني- ما نصه: اصطلحوا بعد ذلك على أنَّ الحافظ: مَنْ يعرف العلل والجرح، وطرق الحديث (٢)، والمحدّث: من يعرف الأسانيد، ويفرق بين عاليها ونازلها. ولشيخه حافظ الوقت أبي الفضل العراقي رحمهما اللَّه تعالى في ذلك كلامٌ حسنٌ كتب به يليه، وقد سأله عن الحد الذي إذا بلغه الطالب في هذا الزمان الآخر، استحق أن يُسمَّى حافظًا، وهل يتسامح بنقص بعض الأوصاف التي ذكرها الحافظان أبو الحجاج وأبو الفتح في ذلك لنقص

стр. 79

الزمان أم لا؟ فأجابه بما نصه كما قرأته من خطه: الاجتهاد في ذلك يختلف باختلاف غَلَبَةِ الظنِّ في وقتٍ ببلوغ بعضهم للحفظ وغلبته، يعني بنقصه في وقت آخر، وباختلاف مَنْ يكون كثير المخالطة الذي يصفه بذلك، أو قليل المخالطة، ومن ذلك اختلاف المتقدمين أيضًا في التوثيق والتجريح، حتى يقع في الشخص الواحد اختلاف في توثيق واحد أو جرحه، كالإمام أحمد، ويحيى بن معين، وابن حبان، فذكر جماعة في "الضعفاء" (١) وذكرهم في "الثقات". وقد يتساهل بعضهم في التوثيق، كالحاكم وابن حبّان، وقد يُشدّد إما باعتبار اشتراط أوصافٍ لم يشترطها بعضهم، وكلام الحافظ أبي الحجاج المزِّي في ذلك فيه ضيق، بحيث إنه لم يُسَمِّ ممن رآه (٢) بهذا الوصف إلا الدمياطي. وأما كلام أبي الفتح اليعمري. فهو أسهل (٣): بأن ينتشط بعد معرفة شيوخه إلى شيوخ شيوخه، وما فوق، ولا شك أن جماعة من الحفاظ المتقدمين كانوا شيوخهم التابعين أو أتباع التابعين. وشيوخ شيوخهم الصحابة أو التابعين، فكان الأمر في ذلك الزمان أسهل باعتبار تأخر الزَّمان، فإن اكتفي بكون الحافظ يعرف شيوخه وشيوخ شيوخه، أو طبقةً أخرى، فهو سهل لمن جعل فنَّه ذلك دون غيره مِنْ حفظ المتون والأسانيد، ومعرفة أنواع علوم الحديث كلها، ومعرفة الصحيح مِنَ السقيم، والمعمول به من غيره، واختلاف العلماء، واستنباط الأحكام، فهو أمر ممكنٌ، بخلاف ما ذكر من جميع ما ذكر، فإنه يحتاج إلى فراغٍ، وطول عمر، وانتفاء الموانع. قلت: ويقرُب مِنْ كلام أبي الفتح ابن سيد الناس في تسهيل الأمر في مَنْ يُطلَقُ عليه الحافظ: قول الحافظ الزكي المنذري: قلت للحافظ أبي الحسن المقدسي -هو ابن المفضّل-: أقول: حدثنا القاسم بن علي الحافظ، بالكسر نسبةً إلى والده؟ فقال: بالضَّمِّ؛ فإني اجتمعت به بالمدينة،

стр. 80

فأملى عليَّ أحاديثَ مِنْ حفظه، ثم سيَّر إليَّ الأصول، فقابلتها، فوجدتها كما أملاها، وفي بعض هذا يُطلق عليه الحفظ، لكن قال الحافظ الذهبي عقب حكايته: وليس هذا هو الحفظ العُرفي. ثم قال العراقي: وقد وقفت على كلام للزُّهريِّ يدلّ على قلَّة مَنْ يُوصفُ بالحفظ، ذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل"، في ترجمة الوليد بن عُبيد اللَّه، فقال: روي عن الزهريّ أنه قال: لا يُولَدُ الحافظ إلا في كل أربعين سنة، روى عمار بن رجاء عن محمد بن بشير بن عطاء بن مروان الكندي [عنه. هكذا في نسختي من "الجرح والتعديل"، ولعله عن محمد بن بشير بن مروان الكندي] (١). هكذا ذكره ابن الجوزي في "الضعفاء" والذهبي في "الميزان"، قال فيه يحيى: ليس بثقة، وقال الدارقطنيُّ: ليس بالقويِّ في حديثه، فعلى هذا لم يصح هذا الكلام عنه، [وعلى تقدير صحته عنه] (٢)، فيكون المراد رُتبة الكمال في الحفظ والإتقان، وإن وُجد في زمانه مَنْ يُوصَفُ بالحفظ، [وكم من حافظ] (٣) وغيرُه أحفظ منه. انتهى. وقد ظفرت بما يُستأنس به لما رُوي عن الزهري من حديث الزهري نفسه، فذكر أبو عبيد اللَّه المرزُبانيُّ عن أحمد بن محمد العَرُوضي أن أبا مُحَلِّم كان يقول: لزمتُ ابن عيينة، فلم أفارق مجلسه، فقال لي: أراك حَسَن الملازمة. ولا أراك تحظى من ذاك بشيء؛ لأنك لا تكتب، فقلت: أنا أحفظ، قال: فكلّ ما حدثتُ به حفظته؟ قلت: نعم، فأخذ دفتر إنسانٍ بين يديه، فقال لي: أعِدْ عليَّ ما حدثت به اليوم، فما أخرمْتُ منه حرفًا، فأخذ مجلسًا من الماضي، فأمررته عليه، فقال: حدَّثنا الزهري عن عكرمة، قال: قال ابن عباس ﵄: يقال: إنه يُولَدُ في كل سبعين سنة من يحفظ كل شيء، قال ابن عُيَينة: أراك صاحب السبعين. انتهى.

стр. 81

[اختصاص العرب بسرعة الحفظ] وقد كان العرب مخصوصين بالحفظ، مطبوعين عليه؛ بحيث كان بعضهم يحفظ أشعار بعضٍ في سمعة واحدة، كما جاء أن ابن عباس ﵄ حفظ قصيدة عمر بن أبي ربيعة (أمن آل نُعْم أنت غاد فمبكُر) في سَمْعةٍ واحدة، وعن ابن شهاب أنه كان يقول: إنِّي لأمّرُّ بالبقيع، فأسدُّ أذنيَّ مخافة أن يدخُلَ فيها شيءٌ من الخنا، فواللَّه ما دخل أُذنيَّ شيءٌ قطُّ فنسيته، وعن الشعبيِّ نحوه، وليس أحد اليوم على هذا، نعم بلغنا عن البُلْقَيني أنه حفظ قصيدةً مِن مرةٍ واحدة في آخرين، وهو نادر جدًّا، ونحوه حفظ الزين العراقي نصف "الحاوي الصغير" في اثني عشر يومًا. قال الخطيب: ولقلَّة مَنْ يُوجد من أهل الحفظ والإتقان، قيل: إن أحدهم يُولَدُ بعد بُرهةٍ مِنَ الزمان، ثم أسند من طريق موسى بن داود، عن أبي مشعر، قال: الحافظ يُولَدُ في بعض (١) الزمان، وعن هُشَيْم قال: من يحفظُ الحديث قليل، ثم قال: هم أقلُّ مِنْ ذلك، انتهى. ولهذا قال أبو محمد السمرقنديُّ: سمعت أبا بكر الخطيب يقول: لم أر أحدًا أطلق عليه اسم الحفظ غير رجلين: أبو نُعَيْم الأصفهاني، وأبو حازم العَبْدَوي. ثم إنَّ الوصف بالحافظ، كما قاله الحافظ الخطيب ﵀ عند الإطلاق ينصرف إلى أهل الحديث خاصة، وهو سِمَةٌ لهم، لا يتعداهم، ولا يُوصَفُ بها أحد سواهم، لأن الراوي يقول: حدثنا فلان الحافظ، فيحسُن منه إطلاق ذلك، إذ كان مستعملًا عندهم، يوصف به علماء أهل النقل، ونُقّادهم، ولا يقول القارىء: لقنني فلان الحافظ، ولا النحوي: علَّمني فلان الحافظ، فهي أعلى صفات المحدثين، وأسمى درجات الناقلين، من وُجدت فيه قُبِلت أقاويله، وسُلِّم له تصحيح الحديث وتعليله، غير أنّ المستحقين لها يقلُّ معدودهم، ويعزّ بل يتعذر وجودهم، فهم في قلتهم بين

стр. 82

المنتسبين إلى مقالتهم أعزُّ مِنْ مذهب السنة بين سائر الآراء والنحل، وأقلّ من عدد المسلمين في مقابلة جميع الملل. قلت: وقد روينا مِنْ طريق المسيِّب بن واضح، عن أبي إسحاق الفَزاري، عن الأوزاعي، عن الزهري، قال: مثل أصحاب الحديث مثلُ التِّمساح يبيضُ مائة بيضة، تفسُد تسعة وتسعون، وتسلم واحدة. ومن طريق العباس بن محمد الدُّوري: حدثنا شاذان، أنبأنا إسرائيل، قال: كنت فيمن (١) يطلب الحديث أيام الأعمش، فقيل له: يا أبا محمد، ما ترى إليهم؟ ما أكثرهم. فقال: لا تنظروا إلى هذا، ثلث هؤلاء يموتون، وثلثهم يعجبون (٢) بالأعمال، وثلث من كل مائة يُفلح واحد. انتهى. ولذلك قال البخاري فيما رواه الخطيب في مقدمة "جامعه" من طريقه: أفضل المسلمين رجل أحيا سنةً مِنْ سنن النبيِّ ﷺ قد أُميتَتْ، فاصبروا يا أصحاب السُّنن رحمكم اللَّه، فإنكم أقلُّ الناس. وقال الخطيب عقبه: عنى البخاريُّ بذلك الحفاظ للحديث، العالمين بطُرقه، المميزين لصحيحه من سقيمه، وقد صدق في قوله، لأنك إذا اعتبرت لم تجد بلدًا من بلدان المسلمين (٣) يخلو من فقيه أو متفقه يرجع أهل مصره إليه، ويُعَوِّلون في فتاويهم عليه، وتجد الأمصار الكثيرة خالية من صاحب حديث عارف به، مجتهد فيه، وما ذاك إلا لصعوبة علمه وعزته، وقلة من يَنجُبُ (٤) فيه من سامعيه وكتبته، وقد كان العلم في وقت البخاريّ غضًّا طريًّا، والارتسام به محبوبًا شهيًّا، والدواعي إليه أكبر، والرغبة فيه أكثر، وقال ما حكيناه عنه، فكيف يقول في هذا الزمان مع عدم الطالب، وقلة الراغب؟ وكأن الشاعر وصف قلَّة المتخصصين به من أهل زماننا في قوله:

стр. 83

وقد كنا نعدُّهُمُ قليلًا ... فقد صاروا أقل من القليل انتهى. وهذا البيت يلي قول قائله: وما بقيتْ مِنَ اللَّذاتِ إلا ... محادثة الرجال ذوي العقول لكن لما لم يكن صالحًا للاستشهاد به في هذا المحل أضربَ عن إيراده، ورحم اللَّه الخطيب. كيف لو أدرك زماننا؟ وقد قال صاحب الترجمة -عند قول النووي في خطبة "شرح مسلم" (١): ولقد كان أكثر اشتغال العلماء بالحديث في الأعصار الخاليات، حتى لقد كان يجتمع في مجلس الحديث من الطالبين ألوف متكاثرات، فتناقص ذلك، وضعفت الهِمَمُ، فلم يبق إلا آثارٌ من آثارهم قليلات، واللَّه المستعان على هذه المصيبة وغيرها من البليات- ما نصه: لا شك أن نقص الاشتغال بكلِّ علم قد وقع بكل قطر، لكن حظ هذا العلم الشريف مِنْ هذا النقص أزيد؛ وذلك أن كثيرًا من البلاد الإسلامية قد خلت عمَّن يحققه رواية، فضلًا عن الدراية، وما ذلك إلا لركونهم إلى التقليد، وقصور هِمَمِهم عن محاولة ما يحصِّل درجة الاجتهاد، ولو في بعض دون بعض. انتهى. وكذا قال الحافظ أبو سَعْد بن السمعاني: إن الحافظ لقَبٌ لجماعة من أئمة الحديث لحفظهم له، ومعرفتهم إياه، وذبِّهم عنه، فيهم شهرة. ونحوه قول صاحب الترجمة: هو لقبٌ مَنْ مَهَر في علم الحديث. وحكى ابن السمعاني عن شيخه أبي القاسم التيمي صاحب "الترغيب" ما معناه: أنه كتبها لأبي زكريا يحيى بن منده، فرآه أبو عبد اللَّه الدقاق، فقال: يا أبا القاسم، أما تستحي؟ وكيف تستجيزُ وصف يحيى بذلك، وأيش يحفظ

стр. 84

هو مِنَ الحديث؟ فقلت له: إن ظننت يا شيخُ أنَّ الحافظ لا يُكتب إلا لمن [يحفظ جميع حديث رسول اللَّه ﷺ ، فينبغي ألا يكتب] (١) هذا لأحد، وإن كانت تُكتب لمن يحفظ البعض دون البعض، فأنا ويحيى وأنت والكلُّ فيه سواء، فسكت، ولم يقل شيئًا. ثم قال ابن السمعاني: وقد لُقّب بها جماعة من أهل بغداد ممن لا يعرف من الحديث شيئًا، لكن لحفظهم الثياب في الحمامات لُقّبوا بذلك، إذ عندهم من يحفظ الثياب يقال له: الحافظ!. قلت: وكذا لُقِّب الخليفة بمصر عبد المجيد بن محمد بن سعد: الحافظ لدين اللَّه، وربما اختصر، فقيل: الحافظ، كما يختصر كثير ممن يلقَّب حافظ الدين، فيقال له: حافظ. وقد أُفرد الحفاظ بالتأليف، وأجمع كتاب وقفت عليه في ذلك -مع إعواز كثير- كتابُ الحافظ أبي عبد اللَّه الذهبي، رتبه على الطبقات، وأفرد صاحب الترجمة منه مَنْ ليس في "تهذيب الكمال" في مجلد رأيته. واستدرك بعضًا مما فاته. بل قرأت بخطه أنَّه رتَّب الكتاب على حروف المعجم، بيَّض منه نصفه الأول، وذيَّلَ على الذهبي الحافظُ شمسُ الدين الحسيني الدمشقي، وذيّل على الحسينيِّ، شيخنا (٢) الحافظ تقي الدين بنُ فهد الهاشمي المكي، وعمل حافظ الشام الشمسُ بن ناصر الدين في الحفاظ منظومة سماها "بديعة البيان في وفيات الأعيان"، وشرحها في مجلد سماه "التِّبيان لبديعة البيان" وجملة من زادهم على الذهبي ستة وعشرون نفسًا، وذيّل عليه صاحب الترجمة في كراسة وقفتُ عليها، وفيها ثمانية وعشرون نفسًا. ورأيت جزءًا مختصرًا جدًّا في ذلك للحافظ أبي الفرج بن الجَوْزي، رتَّبه على الحروف، وافتتحه بأبواب: أولها: في الحثِّ على حفظ العلم، وثانيها: في صِفة مَنْ هو أهلٌ للحفظ مِنْ حيثُ الصورة والخلقة، وثالثها: في الأدوية المُعِينة عليه. ورابعها في أحكام المحفوظ وثبوته، وخامسها: في

стр. 85

ذكر الأوقات التي يكرِّرُ فيها محفوظه، وسادسها: فيما ينبغي تقديمه من المحفوظات، ثم ذكر التراجم. وكذا جمع أبو الوليد بن الدبّاغ الحافظ كتابًا في الحفاظ بدأ فيه بالزهريِّ، وختم بأبي طاهر السِّلفي، لكن لم أقف عليه. وذكر القطب الحلبيُّ الحافظ: أن التقي ابن دقيق العيد جمع أسماء كل من وُصف في الأسانيد بالحفظ. واعلم أنه ينبغي أن لا يقبل الوصف بذلك إلا مِنْ موصوف به، فربَّ من يسردُ كثيرًا من الأنساب والمتون ممن هو قاصر في تخريج الحديث، وتمييز صحيحه من سقيمه، ومعرفة علله وقصور عبارته، وجمود فهمه، عند مَنْ لا تمييز له، فيصفه بذلك ظنًّا منه أنَّ ذلك بمجرده كافٍ، وهذه غفلةٌ، إنَّما الحفظ المعرفة، هذا إن حصل الوثوق به فيما يسرده مما لا يعلمه إلا النُّقاد، فأما إذا لم يكن كذلك، فتلك الطامَّة. وقد كان في شيوخ شيوخنا العلامة تقي الدين الدجوي ما لقيتُ أحدًا ممن أخذ عنه إلا وذكر عنه أمرًا عجيبًا في الحفظ. ومع ذلك، فقد قال فيه صاحب الترجمة ما نصه: كان يستحضرُ الكثير من هذا الفن. إلا أنه ليس له فيه عمل القوم، ولا كانت له عناية بالتخريج، ولا معرفة العالي والنازل، والأسانيد، وقدم الحافظ جمال الدين ابن الشرائحي عليه، لتحققه بذلك، وكذا قال شيخي. حيث ذكر في ترجمة العراقي شيخه أن من أخصِّ جماعته به صهره الهيثمي، وهو الذي درّبه وعلمه كيفية التخريج والتصنيف، بل هو الذي كان يعمل له خطب كتبه، ويسميها له وصار الهيثمي -لشدة ممارسته- أكثر استحضارًا للمتون من شيخه، حتى يظنُّ مَنْ لا خبرة له أنه أحفظ منه، وليس كذلك، لأن الحفظ المعرفة. انتهى. وهو كذلك بلا شك، فقد قال ابن طاهر: سألت أبا القاسم هبة اللَّه بن عبد الوارث الشيرازي: هل كان الخطيب -يعني به الحافظ الشهير الذي الناس بعده عيال على كتبه- مثل تصانيفه في الحفظ؟ فقال: لا، كنا إذا سألناه عن شيء، أجابنا بعد أيام، وإن ألححنا عليه غضب، ولم

стр. 86

يكن حفظُه على قدر تصانيفه، وقد كان إمام المذهب الشافعيِّ ﵁، الذي كان في الفهم (١) والاستنباط بالمكان الذي رزقه اللَّه إياه، بحيث طبّق الأرض علمًا، وقال بعض المجتهدين: من فاته عقله يوشك أن لا يجده عند غيره، يقول على وجه التواضع والإنصاف، كما نقله الفخر الرازي في أول الباب العاشر من "مناقبه": لو كنت أحفظ لغلبتُ أهل الدنيا، وعقَّبه الفخر بقوله: والفهم غير الحفظ، والحكماء يقولون: إنهما لا يجتمعان على سبيل الكمال، لأن الفهم يستدعي مزيد رطوبة في الدماغ، والحفظ يستدعي مزيد يبوسة، والجمع بينهما محال. ونحو تقديم شيخنا لابن الشرائحي على الدجوي، صُنعُ السبكي الكبير في تقديم ابن رافع على ابن كثير، وتبعه صاحب الترجمة، حيث قال: إن الإنصاف أنَّ ابن رافع أقرب إلى وصف الحفظ على طريقة أهل الحديث من ابن كثير، لعنايته بالعوالي والأجزاء والوفيات، والمسموعات دون ابن كثير، وابنُ كثير أقرب إلى الوصف بالحفظ على طريقة الفقهاء، لمعرفته بالمتون الفقهية، والتفسيرية، دون ابن رافع، فيجمع منهما حافظ كامل، قال: وقلَّ مَنْ جمعهما بعد أهل العصر الأول، كابن خُزيمة، والطحاوي، وابن حبان والبيهقي، وفي المتأخرين شيخنا العراقي. قلت: وشيخنا القائل ملحِق الأواخر في الفنِّ بالأوائل، ولقد رأى ﵀ بخطِّي طبقة وصفتُ فيها بعض السامعين أو القارىء، بذلك، فعمل بخطه الحاء فاءً، والفاءَ ضادًا، وجوَّد الظاء لامًا، تنبيهًا للسالك. هذا وقد وصف بخطه ذي الجودة والبهاء جماعةً من الآخذين عنه بها جريًا على سنن الشيوخ في تنشيط طلبتهم، ونظرًا إلى أنهم أبرعُ بالنسبة لمن في طبقتهم ويتأيَّد (٢) بوصفه لأكثرهم (٣) في وصيته -كما سيأتي- بطلبة الحديث المتحققين بطلبه، والاشتغال به أكثر من الاشتغال بغيره، من سائر

стр. 87

العلوم الدينية، ممَّن شهد لهم بذلك جماعة أهل العلم بالحديث. على أني لستُ أحب بثَّ ما عندي هنا في هذا أجمع، وإن كان حيث وجد الإخلاص يوم الفصاص القولُ أنفعُ، لكن في التلويح ما يُغني عن التصريح. ولم يكن صاحبُ الترجمة ﵀ بالمتساهل في الوصف بهذه اللفظة، غير أنَّ العذر عنه ما قدمته، مع ما كان هو يحكيه لخواصّه في تأويل ذلك، وللناس أعذار لا يُطَّلع عليها. وإذا تأملت قوله في ترجمة الحافظ ناصر الدين محمد بن عبد الرحمن بن زُريق الدمشقي من "معجمه" ما نصه: ولم أر في دمشق من يستحق اسم الحافظ غيره. مع أنه كان بها ابن الشرائحي الماضي، والشهاب الحُسباني الذي شهد فيه البُلقيني بأنه أحفظ أهل دمشق، والشهاب ابن حِجِّي، وغيرهم، علمت أنه لا يثبتها لإبراهيم العجلوني ونحوه، ويترك هؤلاء الفحول، فرجع الأمر إلى باب التأويل، واللَّه الموفق. وقد سأل صاحبُ الترجمة شيخه العراقي عن أربعة من المحدّثين تعاصروا: أيُّهم أحفظ وأدرى بفن الحديث خاصة؟ ومَنْ منهم أولى أن يسمى حافظًا لاجتمع ما شرط الأئمة المتأخرون في حدِّ الحافظ، لا المتقدمون؟ وهم: العماد ابن كثير، والعلاء مُغَلْطَاي، والتقي ابن رافع، والشمس الحسيني، فأجاب: بأن أحفظهم للمتون ابن كثير، وأعلمهم بالأنساب مُغَلْطاي، على أغاليط تقع له في ذلك، وأكثرهم طلبًا وتحصيلًا للشيوخ، والمؤتلف والمختلف ابن رافع. وكان شيخنا التقي السبكيُّ يقدمه على ابن كثير، لأنه يرى أنه لا بدَّ من تقدُّم الطلب والرحلة على عادة أهل الحديث، وأما الحسيني فمتأخّر عن طبقتهم، وطلب بنفسه كثيرًا، وخرّج لبعض الشيوخ، ولنفسه معجمًا، وذيّل على "العِبَر" وشرح قطعة من "النَّسائي"، وقد أطلق على كل من المذكورين وصف الحفظ باعتبار غَلَبَةِ فنٍّ مِنْ فنون الحديث عليه. وأعرفهم بالطَّلب ابن رافع، ثم الحسيني.

стр. 88

قلت: وقد رُوينا (١) عن الحسيني المشار إليه أنه قال: سُئلتُ عن أحفظ من لقيتُ؟ فقلت: أربعة، المِزِّيُّ، وهو أعرفهم بالرجال، وأعلمهم بتصحيف الأسماء، وأوسعهم رواية، والذهبيُّ، هو أحفظهم للمتون وأعلمهم بالتاريخ، والسبكيُّ وهو أفقههم في الحديث، وأعلمهم بالعلل، والعلائي، وهو أجمعهم للحديث، وأحسنهم كلامًا عليه. وبلغني عن الحافظ بُرهان الدين الحلبي، أنه قال: حُفَّاظ مصر أربعة أشخاص، وهم من مشايخي: البلقيني، وهو أحفظهم لأحاديث الأحكام، والعراقي، وهو أعلمهم بالصنعة، والهيثمي وهو أحفظهم للأحاديث من حيث هي، وابن الملقِّن، وهو أكثرهم فوائد في الكتابة على الحديث. انتهى. ولغيره كلامٌ في أربعة آخرين، وهم المزِّي، والبرزالي، وابن تيمية، والسبكي، ولا يحضرني الآن، وسُئل سعد بن علي الزنجاني الحافظ بمكة عن الدارقطني وابن منده، والحاكم النيسابوري وعبد الغني بن سعيد، فقال: الدارقطني أعلمهم بالعلل، وابن منده أكثرهم روايةً مع المعرفة التامة، والحاكم أحسنهم تصنيفًا، وعبد الغني أعرفهم بالأنساب. وقد قال أبو عُبَيد القاسم بن سلَّام: انتهى الحديث إلى أربعة: إلى أبي بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، فأبو بكر أسْرَدُهم له، وأحمد أفقههم فيه، ويحيى أجمعهم له، وعليُّ (٢) أعلمهم به. وسأل التقي السبكيُّ المِزِّيَّ عن الحافظين عبد الغني والضياء، فقال: كان عبد الغني يحفظ المتون ويسردها سردًا، لعلّ المتون التي يحفظها أكثر من التي لا يحفظها، ويشارك في الرجال، والضياء أعلم منه بالرجال (٣) وأتقن.

стр. 89

وقال ابن الجزري: أدركتُ في هذا العلم ثلاثة حفاظ أعلام، انتهى إليهم هذا العلم في بلاد الشام، ولم يَخلُف بعدهم مثلهم في بلاد الإسلام (١)، أولهم ابن رافع، ولم يكن مثله في معرفة العالي والنَّازل، وأسماء رجاله المتأخرين وضبط المؤتلف والمختلف، وحفظ ذلك واستحضاره. وثانيهم: ابن كثير، ولم يكن مثله في أسماء رجاله المتقدمين، ومعرفة الصحابة والتابعين، والسيرة النبوية، والتواريخ الإسلامية وعَزْوِ المتون، وحفظها، والكلام عليها جرحًا وتعديلًا، وتصحيحًا وتضعيفًا، ولغتها ومعانيها، آية من آيات اللَّه تعالى في ذلك. وأما علم التفسير فلم يكن أحد يشاركه فيه، ولا يدانيه. وثالثهم: أبو بكر محمد بن عبد اللَّه بن أحمد بن المحبِّ، كان قد جمع معرفة رجاله المتقدمين والمتأخرين والرواة ومروياتهم وطبقاتهم، والأسانيد والمتون. وأما معرفة الأجزاء، والمتصل منها والمنقطع، فإنه كان في ذلك عجبًا من العجائب، رحمة اللَّه عليهم أجمعين. وقد وقع لي حديثٌ مسلسلٌ بالحفاظ؛ وذلك فيما قرأته على الحافظين أبي النعيم بن محمد المُسْتَملي، وأبي محمد الهاشمي، رحمهما اللَّه تعالى مفترقين (٢): الأول بالقاهرة، والثاني بالمسجد الحرام، كلاهما عن الحافظ الجمال أبي حامد القرشي، وشيخ الإسلام حافظ الوقت أبي الفضل العراقي، وتلميذه الحافظ الزاهد أبي الحسن الهيثمي، سماعًا على الأول، وإجازة من الآخرين (ح). وكتب إليَّ عاليًا المُسندِ أبو هريرة المقدسي، قالوا: أخبرنا الحافظ أبو سعيد العلائي قال: الأول والأخير إجازة. قال: أنبأنا الحافظ أبو عبد اللَّه الذهبي، بقراءتي، أنبأنا الحافظ أبو الحجاج المزيّ، أنبأنا أبو عبد اللَّه محمد بن عبد الخالق بن طرخان، أنبأنا الحافظ أبو الحسن علي بن المفضَّل، أنبأنا الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد السِّلفي، أنبأنا الحافظ أبو الغنائم محمد بن علي النرسي، أنبأنا الحافظ أبو نصر علي بن هبة اللَّه ابن

стр. 90

ماكولا، حدثني أبو بكر بن مهدي، يعني الحافظ أبا بكر الخطيب، حدثني الحافظ أبو حازم العَبدُوّي (١)، حدثنا أبو عمرو بن مطر، حدثنا الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف الهِسِنْجاني، حدثنا الفضل بن زياد القطان، صاحب أحمد بن حنبل، يعني قال: حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا زهير بن حرب. حدثا يحيى بن معين، حدثنا علي بن المديني، حدثنا عبيد اللَّه (٢) بن معاذ، حدثنا شُعْبَة، عن أبي بكر بن حفص، عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂، قالت: كنَّ أزواج النبيِّ ﷺ يأخذن من رؤوسهنَّ حتى تكون كالوفرة. هذا حديث صحيح، متفق عليه، عجيب التسلسل بالحفاظ الأئمة ورواية الأقران بعضهم عن بعض، تبعتُ بعض الحفاظ في إيراده، مع أن شيخ المزي ليس بالحافظ، وكذا الراوي عن الإمام أحمد، إنما رأيتُ وصفه أنه كان فقيهًا صالحًا، وأبو عمرو بن مطر هو محمد بن جعفر بن محمد بن مطر النيسابوري، لم أر وصفه بالحفظ صريحًا، نعم، قد ذكره أحد الآخذين عنه وهو الحاكم في "تاريخه لنيسابور"، وقال فيه: شيخ العدالة، ومعدن الورع، معروف بالسماع، والرحلة، والطلب، على الصدق والضبط، والإتقان، إلى أن قال: وهو الذي انتقى الفوائد على أبي العباس الأصمّ، فأحيا اللَّه علم الأصمِّ بتلك الفوائد، فإن الأصمّ أفسد أصوله، واعتمد على كتاب أبي عمرو، فكان يقرأ مِنْ كتابه زيادةً على عشرة آلاف حديث، وقد روى عنه حفاظ نيسابور، واللَّه أعلم. وقد وقع لي الحديث عاليًا، لكن بدون تسلسل، قُرىء على شيخي ﵀ وأنا أسمع، عن أبي هريرة ابن الحافظ الذهبي، أخبرنا البهاء أبو محمد بن عساكر سماعًا (٣)، بقراءة والدي، عن أبي عبد اللَّه محمد بن عبد الواحد المديني، أخبرنا أبو القاسم الحمَّاني، أخبرنا أبو مُسلم النَّحوي،

стр. 91

حدثنا أبو بكر ابن المُقرىء الحافظ، حدثنا مأمون بن هارون، حدثنا أبو علي الحسين بن عيسى البسطامي، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنا شعبة عن أبي بكر بن حفص، سمعت أبا سلمة يقول: دخلت أنا وأخو عائشة ﵂ من الرضاعة، فسألها أخوها عن غسل رسول اللَّه ﷺ ، فدعت بإناء نحوٍ من صاع، فاغتسلت، وأفرغت على رأسها ثلاثًا، وبيننا وبينها الحجاب، [وهو مختصر، إذ الجملة المسلسلة وقعت في رواية مسلم وغيره تالية لهذا] (١). أخرجه أحمد عن عبد الصمد، والبخاري عن عبد اللَّه بن محمد عن عبد الصمد، ومسلم عن عبيد اللَّه (٢) بن معاذ، فوقع لنا موافقة له، ولأحمد وبدلًا للبخاري عاليًا، وقد رواه عن شعبة أيضًا بهزٌ، وخالد، وعبد الملك الجُدِّيُّ، ويزيد بن هارون، لكن ليس هذا محل إيرادها. [سلسلة الحفاظ] فائدة: واللَّه ما رأيت أحفظ من صاحب الترجمة، وهو ما رأى أحفظَ من شيخه العراقي، وهو ما رأى أحفظ من العلائي، وهو ما رأى أحفظ من المِزِّيِّ، وهو ما رأى أحفظ من الدمياطي، وهو ما رأى أحفظ من المنذري، وهو ما رأى أحفظ من ابن المفضّل، وهو ما رأى أحفظ من عبد الغني بن عبد الواحد، وهو ما رأى أحفظ من أبي موسى المديني، إلا أن يكون أبا القاسم بن عساكر، لكنه لم يسمع منه، إنما رآه. وهما ما رأيا أحفظ من إسماعيل التيمي، وهو ما رأى أحفظ من الحميدي، وهو ما رأى أحفظ من الخطيب، وهو ما رأى أحفظ من أبي نُعَيْم، وهو ما رأى أحفظ من أبي إسحاق بن حمزة، وهو ما رأى أحفظ من (ابن زهير) (٣) التُّسْتَري، يعني أبا جعفر أحمد بن يحيى بن زهير، وهو ما رأى أحفظ من أبي زُرْعة الرازي، وهو ما رأى أحفظ من أبي بكر بن أبي شيبة، وهو ما رأى أحفظ من

стр. 92

وكيع، وهو ما رأى أحفظ من سُفيان، وهو ما رأى أحفظ من مالك، وهو ما رأى أحفظ من الزُّهريِّ، وهو ما رأى أحفظ من ابن المُسيِّب، وهو ما رأى أحفظ من أبي هريرة، ﵁، وعن سائر الصحابة أجمعين. وقد رأيت الذهبي قال عن التَّيْمي: إنه ما رأى أحفظ من أبي الفضل بن طاهر، وهو ما رأى أحفظ من ابن ماكولا، وهو من الخطيب، وهو من أبي نُعيم، وهو من الدارقطني، وأبي عبد اللَّه بن منده ومعهما الحاكم. وكان ابن منده يقول: ما رأيت أحفظ من أبي إسحاق بن حمزة الأصفهاني، وهو ما رأى أحفظ من أبي جعفر أحمد بن يحيى بن زهير التستري. وقال: ما رأيت أحفظ من أبي زرعة الرازي. وأما الدارقطني، فما رأى مثل نفسه. وأما الحاكم، فما رأى مثل الدارقطني، بلى كان الحاكم يقول: ما رأيت أحفظ من أبي علي النيسابوري ومن أبي بكر الجعابي. وما رأى الثلاثة أحفظ من أبي العباس بن عقدة. ولا رأى أبو علي النيسابوري مثل النسائي، ولا النسائيُّ مثل إسحاق بن راهويه، ولا رأى أبو زرعة [أحفظ من أبي بكر بن أبي شيبة. وما رأى أبو علي النيسابوري مثل ابن خزيمة. وما رأى ابن خزيمة] (١) مثل أبي عبد اللَّه البخاري، ولا رأي البخاري -فيما ذكر- مثل علي بن المديني، ولا رأى أيضًا أبو زرعة والبخاري وأبو حاتم وأبو داود مثل أحمد بن حنبل، ولا مثل يحيى بن معين، وابن راهويه، ولا رأى أحمد ورفاقه مثل يحيى بن سعيد القطان، ولا رأى هو مثل سفيان الثوري ومالك وشعبة، ولا رأوا مثل أيوب السِّختياني. نعم، ولا رأى مالكٌ مثل الزهري، ولا رأى مثل ابن المسيِّب، ولا رأى ابن المسيب أحفظ من أبي هريرة ﵁. ولا رأى أيوب مثل ابن سيرين، ولا رأى مثل أبي هريرة ﵁، نعم ولا رأى الثوريُّ مثل منصور، ولا رأى منصور مثل إبراهيم، ولا رأى

стр. 93

إبراهيمُ مثل علقمة، ولا رأى علقمة كابن مسعود ﵁، فيما زعم. قلت: وفي السلسلة ما يحتاج لتحرير ومزيد نظرٍ، واللَّه المستعان، [وعليه التكلان والحمد للَّه رب العالمين] (١).

стр. 94

الباب الأول في ذكر نسبه ومولده وبلدته، وبشارة أبيه به وشهرته ونبذة من تراجم من علمته مِنْ سلفه وإخوته الكرام، أسكنه اللَّه وإياهم دار السلام

стр. 95

الباب الأول [نسبه] أما نسبه: فهو أحمد بن عليّ بن محمد بن محمد بن علي بن محمود بن أحمد. هذا هو المعتمد في نسبه، لا أذكر زيادة، على ذلك إلا ما قرأته بخط بعض (١) أصحابنا، بل وبخط المقريزي، وكأنه عمدته بعد أحمد، أحمديل، فإنني لا أعلمه، ثم رأيته بخط صاحب الترجمة نفسه في آخر نسخة من "صفة النبي ﷺ "، لأبي عليّ محمد بن هارون بخط قريبه الزين شعبان، لكن بإسقاط محمود. ونص كتابته: نَسَخَهُ شعبان بن محمد بن محمد بن محمد (بن محمد) (٢) بن علي بن أحمد بن أحمديل العسقلاني، فالله أعلم. وأما ما اشتهر به، وسمعته من لفظه، أن نسبه يقرأ طردًا وعكسًا، فلا يتهيَّأ ذلك إلا بتأخير محمود عن أحمد أو بإسقاطه، وقد أخّره عنه هو فيما قرأته بخطه، في تصنيفه "الدرّر الكامنة"، إذ ذكر عمّ والده، فقال: عثمان بن محمد بن عليّ بن أحمد بن محمود. وكذا فعل في كتابه في قضاة مصر المسمى" "رفع الإصر"، وفي أول كتابه "إنباء الغمر": بزيادة أحمد بعد محمود، بحيث صار محمودين أحمدين، ونصه: يقول العبد الضعيف أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن أحمد بن

стр. 96

محمود بن أحمد بن حجر. لكنه خالف ذلك في حرف الحاء المهملة من كتابه "تبصير المنتبه بتحرير المشتبه"، حيث ذكر عم والده أيضًا، فقال: فخر الدين عثمان بن محمد بن علي بن محمود بن أحمد. وكذا صنع في ترجمة والده من القسم الثاني من "معجم شيوخه"، فإنه قال: علي بن محمد (بن محمد) (١) بن علي بن محمود بن أحمد، فهذا ما علمته الآن في نسبته. وإنما جزمت بالأول، لكثرة ما وجدته كذلك بخطه، وإن تكرر بخطه، كما في آخر "شرح البخاري" وغيره أنه أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن أحمد بن حجر، لكن هذا أكثر، والعلم عند اللَّه تعالى. [كنيته ولقبه] ثم إنه كان يلقب شهاب الدين، ويكنى أبا الفضل، وكُني بذلك تشبيهًا بقاضي مكة أبي الفضل محمد بن أحمد بن عبد العزيز العقيلي النُّويري جد صاحبنا خطيب مكة الآن، كان اللَّه له، إذ كان مع أبيه وهو طفل هناك. وهكذا رواه لنا صاحب الترجمة عن أبي محمد عبد اللَّه بن خليل العباسي، عن والده ألي الحسن عليّ العسقلاني، أنه أخبره بذلك. قلت: وقد جمع شيخنا كما سيأتي في تصانيفه كتابًا سماه "القصدُ الأحمد بمن كنيته أبو الفضل واسمه أحمد". وقد كناه شيخه العراقي أيضًا على الجادَّة با العباس، وكذا كناه بها العلاء بن المغلي وغيرهما، وكناه آخر أبا جعفر، وهو شذوذ. وأما والده، فيلقب نور الدين، ويكنى أبا الحسن، ولقّبه الخوافي كما سيأتي جريًا على عادة بلادهم غالبًا علاء الدين. وكذا الموفق الآبي. وأما جده، فقطب الدين، ويكنى أبا القاسم، وجدُّ أبيه، فناصر الدين، وجدُّ جده فجلال الدين.

стр. 97

[التلقيب بالإضافة إلى الدين] قلت: وقد أفاد صاحب الترجمة فيما قرأته بخطه أن التلقيب بالإضافة إلى الدين، إنما حدث في أول دولة الترك ببغداد، الذين طرؤوا على الديلم، وكانوا في زمن الديلم يضيفون الألقاب إلى الدولة، فكان من أواخرهم جلال الدولة (١) ابن بويه وكان أول ملوك الترك طغرل بك، فلقبوه نصرة الدين، ثم انتشرت الألقاب من يومئذٍ، ولم تكثر إلا بعد ذلك بمُدَيْدَة. انتهى (٢). ثم رأيت بخطه أيضًا فيما انتقاه من "التدوين في تاريخ قزوين" أنه وُجد محْضَرٌ (٣) مضمونه أن الزلزلة لما وقعت بقزوين في رمضان سنة ثلاث عشرة وخمسمائة، انكسرت فيها مقصورة الجامع، فنُقِضَت لِتُرَمَّ، فوجد تحت المحراب لوح منقور فيه: بسم اللَّه أمر العادل المظفر عضد الدين علاء الدولة (٤) أبو جعفر بتخليد (٥) هذا اللوح. . . إلى آخره. وكتب في رمضان سنة ثنتين وعشرين وأربعمائة. قال شيخنا: فيستفاد منه ابتداء التلقيب بفلان (٦) الدين. [نسبته] وأما نسبته: فقرأت بخط صاحب الترجمة ﵀ رأيت بخط والدي أنه كِنانيُّ الأصل، يعني بكسر الكاف، وفتح النون، وبعد الألف نون ثانية. وكتب شيخنا مرة، الكنانيّ القبيلة. قال: وكان أصلهم من عسقلان، وهي مدينة بساحل الشام من فلسطين، فنقلهم صلاح الدين لما خرَّبها.

стр. 98

قلت: وكان ذلك بعد سنة ثمانين وخمسمائة ظنًّا، فإن انتزاع صلاح الدين يوسف بن أيوب ﵀ لبيت المقدس -شرفه اللَّه- من أيدي الفرنج، في رجب سنة ثلاث وثمانين بعد أن أقام بأيديهم نيفًا وتسعين سنة. ثم مات في صفر سنة تسع وثمانين. ثم رأيت في سيرة صلاح الدين ذكر أنه نازلها في يوم الأحد سادس عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانين، فأقام عليها المنجنيقات، وقاتلها قتالًا شديدًا، وتسلَّمها في يوم السبت سلخه. قال: وكان بين فتحها وأخذ الفرنج لها مِنَ المسلمين خمسة وثلاثون سنة، فإن العدو ملكها في سابع عشري جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، ولما فتحها صلاح الدين رأى المصلحة في خرابها، لعجز المسلمين عن حفظها عن الفرنج، فاستحضر الوالي بها قيصر، وهو من كبار مماليكه وذوي الآراء منهم، فأمره أن يضع فيها المعاول، وذلك في سَحَر ليلة الخميس تاسع عشر شعبان سنة سبع وثمانين وخمسمائة، وحزن الناس على مفارقة أوطانهم، وخسارة أموالهم، لا سيما وهو بلد نضِرٌ خفيفٌ على القلب، مُحكمُ الأسوار، عظيم البناء، مرغوبٌ في سكنه، فلله الأمر. [مولده] وأما مولده: فهو في الثاني والعشرين من شعبان سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة على شاطىء النيل بمصر. والمنزل الذي ولد فيه بمصر معروف، استمر في ملك شيخنا، ثم بيع بعده، وهو بالقرب من دار النحاس والجامع الجديد. وانتقل منها إلى القاهرة قُبيل القرن حين تزوُّجه بأمِّ أولاده، فسكن بقاعة منكوتمر جد أبي أُمِّها المجاورة لمدرسته داخل باب القنطرة بالقرب من حارة بهاء الدين، واستمر بها حتى مات. [بشارة والده به] وأما بشارة والده به: فقرأت بخط صاحب الترجمة -رحمه اللَّه تعالى- في ترجمة الشيخ يحيى الصنافيري من كتابه "الدرر"، قال: كان لي أخ من

стр. 99

أبي، فرأ الفقه وفضل، وعرض "المنهاج"، ثم أدركته الوفاة، فحزن الوالد عليه جدًّا، فيقال: إنه حضر إلى الشيخ يحيى الصنَّافيري، فبشَّره بأن اللَّه تعالى سيخلف عليه غيره ويعمره، أو نحو ذلك. فولِدْتُ أنا بعد ذلك بيسير، وفتح اللَّه تعالى بما فتح. وكانت مكاشفاته قد كثرت حتى صارت في حد التواتر، فإنني لم ألق أحدًا مِنَ المصريين أدركه إلا ويحكي عنه في هذا الباب ما لا يحكيه الآخر، حتى إن والدي نظم فيما شاهده منه فيما يختص بالوالد، أرجوزة ذكر له فيها جملة من الكرامات. انتهى. ويقال: إن لفظ الصنافيري لوالد صاحب الترجمة: يخرج من ظهرك عالم بملأ الأرض علمًا. ثم قال: لا يكون الولي للَّه وليًّا، حتى يرى ما في اللوح المحفوظ (١)، ويولي ويعزل، وتكون الدنيا في يده كالصَّحفة. ومات الشيخ قبل مولد شيخنا صاحب الترجمة بسنة. [شهرته] وأما شهرته: فهو ابن حجر -بفتح الحاء المهملة والجيم بعدها راء- وتلتبس بجماعة بضم الحاء المهملة وإسكان الجيم، منهم وائل بن حُجْر الصحابي، ﵁، وعلي بن حُجْر المحدث المشهور. وقد حرَّف الصحابيَّ بعضُ متأخري الفقهاء، وحرَّف الآخر بعضُ العصريين، فحكى لي صاحب الترجمة أن بعض الكتبيين أحضر إليه أجزاء عليّ بن حجر المسموعة لنا، وقال ما نصه: قد ظفرت بشيء من تصانيف أبيكم، وهو معذور، وعدَّت من اللطائف! واختُلِف هل هو اسم أو لقب؟ فقيل: هو لقب لأحمد الأعلى في نسبه، وقيل: بل هو اسم لوالده أحمد المشار إليه. وقد أشار إلى ذلك صاحب الترجمة في جواب استدعاء منظوم بقوله:

стр. 100

من أحمد بن عليّ بن محمد ... بن محمد بن علي الكناني المحتدِ ولجد جدّ أبيه أحمد لقّبُوا ... حَجَرًا وقيل بل اسمُ والدِ أحمدِ [أسلافه] وأما من وقفت عليه من أسلافه ونحوهم، فمنهم: عمّ والده فخر الدين عثمان بن محمد بن علي بن أحمد بن محمود الكِنانِيّ المصري الشافعي، يعرف بابن البزَّاز -بمنقوطتين- وبابن حجر، سكن ثغر الإسكندرية، وانتهت إليه رئاسة الإفتاء في مذهب الشافعي هناك. ذكره العفيف المطري في "ذيل الطبقات"، وقال: العلامة فخر الدين أبو عمرو مفتي الثغر، وفقيه الشافعية في زمانه. تفقه به جماعةٌ، منهم: الدمنهوري وابن الكويك. وهو والد ناصر الدين أحمد الفقيه. انتهى. وكان بحاثًا نقالًا مات سنة أربع عشرة وسبعمائة، وابنه المذكور ناصر الدين أحمد كان فاضلًا. قلت: وابنه الآخر زين الدين محمد مات بالثغر في ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة. أرخه الحافظ العراقي في "وفياته". وأخو عثمان المذكور، ذكره صاحب الترجمة، فقال: قرأت بخط المحدث نور الدين الهمذاني. توفي العدل قطب الدين محمد بن ناصر الدين محمد بن جلال الدين العسقلاني، ابن البزاز، عرف بابن حجر -بفتح الحاء المهملة والجيم- يوم الخميس السابع عشر من ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وسبعمائة. سمع من جماعة من مشايخنا وأجاز له أبو الفضل ابن عساكر، وابن القواس، وغيرهما. انتهى. قال صاحب الترجمة: وأنجب أولادًا؛ منهم: كمال الدين، ومجد الدين، وتقي الدين، وولي الدين، ونور الدين، وهو أصغرهم. قلت: فأما مجد الدين: وهو محمد، فهو والد زين الدين محمد الذي

стр. 101

مات بمكة المشرفة في خامس عشري (١) رمضان سنة خمس وثمانين وسبعمائة، ودفن بالمَعْلاة بتربة سفيان بن عيينة منها، كما وجد ذلك بلوح هناك، وأغفل القاضي تقي الدين الفاسي ذكره من "تاريخه"، وأفادناه صاحبنا محدث مكة (٢)، دام النفع به. وأما تقي الدين، فهو جد المكثر زين الدين. أبي الطيب أحمد المدعو شعبان بن محمد بن تقي الدين محمد المذكور. الذي اعتنى به صاحب الترجمة، وأسمعه الكثيرَ بمصر والشام وغيرهما على خلائق لا يُحصَوْنَ كثرة. وأخذ عنه الطلبة وأضرَّ وانقطع. وكان في ظلِّ شيخنا، ثم ولده. ومات في سنة تسع وخمسين وثمانمائة. وكان مولده في سنة ثمانين وسبعمائة، ﵀ وإيانا. [والده] وأما نور الدين، فهو والد صاحب الترجمة. قال (٣): وكان مولده في حدود العشرين وسبعمائة، وسمع من أبي الفتح بن سيد الناس وطبقته، وتعانى من بين إخوته الاشتغال بالعلم، فمهر في الفقه والعربية والأدب، وقال الشعر فأجاد. ووقَّع في الحكم، وناب قليلًا عن ابن عقيل، ثم تركه لجفاء ناله من ابن جماعة لما عاد بعد صرف ابن عقيل. من أجل تحققه بصحبة ابن عقيل. وأقبل على شأنه، وأكثر الحج والمجاورة. وله عدة دواوين؛ منها "ديوان الحرم"، مدائح نبوية ومكية في مجلدة. وكان موصوفًا بالعقل، والمعرفة والديانة، والأمانة، ومكارم الأخلاق،

стр. 102

ومحبة الصالحين، والمبالغة في تعظيمهم، ومن محفوظاته "الحاوي"، وله استدراك على "الأذكار" للنووي. فيه مباحث حسنة. وكان ابن عقيل يحبه ويعظمه، ورأيت خطّه له بالثناء البالغ. ولما قدم الشيخ جمال الدين بن نباتة مصر أخيرًا، أنزله عنده ببيت من أملاكه في جواره، وطارحه ومدحه بما هو مشهور في "ديوانه"، ثم انحرف عنه، وانتقل إلى القاهرة، كعادته مع أصحابه في سرعة تقلُّبه، عفا اللَّه عنه. آمين. قرأت بخط ابن القطان، وأجازنيه: كان يحفظ "الحاوي الصغير"، وينظم الشعر، وكان مجازًا بالفتوى، وبالقراءات السبع، حافظًا لكتاب اللَّه تعالى، معتقدًا في الصالحين وأهل الخير، جعله اللَّه تعالى منهم. وكان قد أوصى أن يكفَّن في ثياب الشيخ يحيى الصنافيري، قال: ففعلنا به ذلك، وهو القائل، ومن خطه نقلت: يا رب أعضاء السجود عتقتها ... من فضلك الوافي وأنت الواقي والعتق يسري بالغنى يا ذا الغنى ... فامنُنْ على الفاني بعتق الباقي مات في يوم الأربعاء، ثالث عشري شهر رجب سنة سبع وسبعين وسبعمائة، وتركني ولم أكمل أربع سنين، وأنا الآن أعقله كالذي يتخيَّل الشيء ولا يتحققه، وأحفظ منه أنه قال: كنية ولدي أحمد أبو الفضل. قلت: وأمه هي ابنة محمد بن براغيث، كما استفدت ذلك من ترجمة أخيها أحمد بن محمد بن براغيث، شهاب الدين أحد الأعيان بالقاهرة. فإن صاحب الترجمة ترجمه في "الدرر" (١) وقال فيه: هو خال أبي. مات في شوال سنة ست وسبعين وسبعمائة. انتهى.

стр. 103

قلت (١): وديوانه السابق وقفت عليه بخطه. وكتب الجمال ابن نباتة بخطه ما صورته: أنشدني القاضي نور الدين ابن حجر بمصر المحروسة لنفسه من أبيات: واشتعل القلبُ بنار الغضا ... واشتغل الفكرُ بما لا يطاقْ وقلت صلني يا حبيبى هنا ... كي أشتفي منك بطيب التَّلاقْ فقال لي إني غزالٌ فلا ... تَحْسَبن يا هذا بزاق الزلاق ومن شعره يذكر صنعة أبيه في البر: سكندرية كم ذا ... يزهو قماشك عزَّا فطمت نفسي عنها ... فلست أطلب بزَّا وله أرجوزة ذكر فيها وقعة بيبغا، جاء منها: وطلع السلطان نحو القلعة ... فأسعد الرحمن تلك الطلعة وله موشح أوله: هل تُرى بعد الظَّما أروى بما أشتهي مِنْ رَشْفِ ذاك اللَّعسِ وكتب إليه البرهان القيراطي، وقد أهدى له المذكور صحن كنافة، فقال: بالشِّعر والثغر إمسائي وإصباحي ... والخدّ في ليل ذاك الصُّدغ مصباحي من لي بأهيف قلبي مِنْ لواحظه ... وقدّه بين سيَّاف ورمَّاح

стр. 104

طبت حلاوة ريقٍ منه أسكرني ... سكري بحلواء نور الدين يا صاحِ أُعيذُ بالشمس صحنًا مثل بَدْرِ دُجًا ... منه (١) سرى والدجى لم يمحه ماحي جاءت كنافته نحوي مملَّحةً ... حَلَا بها العيش في شختور ملاحِ فخفض عيشي بها والنِّيل مرتفعٌ ... جددت فيه بعرس النيل أفراحي حويتها في ليالي الصوم منه ولم ... أقل وقد زرتُه في رفقتي ياحي وللقيراطي في ذلك أيضًا عدة مقاطيع أخذها مضمنًا، فقال: أهديت نور الدين صحنَ كُنافةٍ ... مخروطة كالفضَّة البيضاءِ من فيض كفِّك جاده قطرُ النَّدا ... وانحلَّ فيه خيطُ كلِّ سماءِ وقوله مضمِّنًا أيضًا: أنورَ الدِّين قد أهديت صحنًا ... كُنافته سقاها قطرُ مزنِكْ وقد نبَّهتُ نسمة جودكم لي ... وقلت لها: "ألا هُبِّي بصحنكْ" وقوله: أتى منك نور الدين صحنُ كُنافةٍ ... حلا وغدا ما في حلاوته مَنُّ وبالسُّكَّرِ المذرور خُشِّن وجهُه ... فنَعَّمَ عيشي بالهنا ذلك الصحنُ وقوله: مولاي نور الدين صحنك (٢) لم يزل ... يروي مكارِمَك الصحيحة عن عطا صدقَتْ قطايفُك الكبار حلاوة ... بفمي وليس بمنكر صدق القَطَا وكتب إليه البرهان أيضًا يهنيه لما قدم من مكة:

стр. 105

تقبَّل اللَّه حجًّا جئت منه إلى ... منازل زانها مذ جئتَها الخفرُ ما قمت يا حجريِّ البيت مستلمًا ... إلا درى بالمقام الحِجْر والحَجَرُ أكثرت حجًّا وتطوافًا فقلت لمن ... ضاهى وكم لعليٍّ بعدها عُمرُ يقبِّل الأرض وينهي هناء بجوار ذلك البيت المحرم، والوصول لكيما السعادة عند الظفر بذلك الحجر المكرم، والسير الذي تودُّ العينُ لو اكتحلت من إثمده بمرود، والعيش الأبيض بذي الخال الأسود والمقام بالمقام، والسعادة التي أحلَّت مولانا بالبيت الحرام، والحِجْر الذي ظفر به الفائزون فغنموا أجورًا، وانقطع عنه العاجزون، فرأوه حِجْرًا محجورًا. كم سكر الساعون بين المروتين، وكحلوا نواظرهم حال السعي بينهما بالميلين الأخضرين سرورًا يتبعه سرور، ونظرة لاح لها من إشراق ما (١) وَجه مولانا نور على نور. فهنيئًا لمولانا طوافُه وتركعه، وشربُه مِنْ ماء زمزم وتضلُّعه، وتعبُّده الذي يقطع الزمان في اتصاله ولا يقطعه، والصاعدُ من الكلم الطَّيب الذي يتقبَّله اللَّه، والعمل الصالح يرفعُه، لقد استفرغ وسعه في جلاء صحائف الحسنات، وأفنى دَرَج سُلَّماته، ليقعد -إذا قامت الساعة- على أعلى الدرجات، ما سار مِنْ حَرم إلا إلى حرم. ولا ارتحل من معدن كرم إلا إلى معدن كرم، فطُوبى لإيابه بطيبة، وللَّه فوزه بالمقام الذي خضعت الملائكة والملوك له هيبة. لقد اجتنى من تلك الروضة ثمار العفو يانعة، واجتلى مِنْ حرم من انشقَّ له القمرُ شمس الرِّضا طالعة، وحبذا عودُه إلى الأوطان بعد قضاء الأوطار، وقدومه في الوفد الذي أضاعت بُدور وجوههم في أهله الأكدار، والرَّكبِ الذين تضوع أرواح نجدٍ عند قدومهم، لقرب العهد من الدار. وكتب البرهان إلى الجمال ابن نباتة أبياتًا، جاء منها مما يتعلق بالمذكور قوله:

стр. 106

طارحت من حجرٍ أديبًا درةً ... تسمو جريرًا في الورى وصفاته وجرَيْتُما بَحْرَينِ حين نطقتما ... والخصم ودَّ وقوفه وسكاته وممَّن كتب عنه من نظمه: الشهاب ابن أبي حِجْلة، فإنه كتب بخطه: أنشدني نور الدين ابن حَجَر مِنْ قصيدة في حادثة إسكندرية: لو تَرى الأطفال لما أُسِرُوا ... وبنُو الأصفر في سوء ظَفَرْ الأبيات ... قال صاحب الترجمة: أنشدنيها سراج الدين عمر بن الصيرفي بالإسكندرية سنة سبع وتسعين وسبعمائة، قال أنشدنا ابن حجر لنفسه في واقعة الإسكندرية المشهورة: أيُّ خطبٍ أورثَ الجفنَ سهرْ ... وكوى القلب بنار وضَرَرْ كلَّما قيل انطَفَتْ نارُ الأسى ... زاد في الأحشاء للحين شررْ أيُّها السائل عما قد جرى .. أفَتَرْضى عن عيانٍ بخبرْ نطق الجامدُ من عبرتنا ... بلسان الحال والثغر عبَرْ نفذ الأمر فلا ردَّ (١) له ... كل شيء بقضاءً وقدرْ حصلت في الثَّغر أدهى فتنةٍ ... صيَّرت ما تُبصِرُ العينُ أثرْ لو ترى الأطفال لما أُسروا ... وبنو الأصفر في سوء ظفَرْ طرقوا الثغرَ لعشرين انقضت ... وثلاثٍ جئن مِنْ قبل صفرْ عام سبعٍ بعدَ ستين ولم ... يكُ فيها مثلُها منذ عَمَرْ يا لها من جمعة قد فَرَّقَتْ ... بين أحباب فلم يُغْنِ الحذرْ دخلوها عنوة فانتهبت ... صورَ الأقمار عبَّادُ الصورْ

стр. 107

كم مليحٍ ذبحوا فاقتربت ... ساعة الوحشة وانشقَّ القمرْ ومنها: حبْقَرا ولَّى ومن تابعه ... وحريقُ الباب أدهى وأمرْ لم يقف للطَّعن إلا ساعةً ... من نهارٍ أو كلمحٍ بالبصرْ في سبيل اللَّه ما حلَّ (١) بنا .. معشرَ الإسلام مِنْ هذا الخطرْ لكن البشرى لنا مهما جرى ... مِنْ صغيرٍ وكبيرٍ مستَطَرْ نحن فرقان بحكمٍ منصفٍ ... حكمة بالغة تقضي الوطرْ إن قتلانا لفي برد الرِّضا ... بين جنَّاتٍ وحُورٍ ونَهَرْ عندَّ ربِّ العرش في مقعده ... وقتيلُ الروم في حرِّ سقَرْ وقال شيخنا أيضًا: أنشدني الشيخ المبارك جمال الدين أبو محمد عبد اللَّه بن خليل العباسي -نسبة إلى الشيخ أبي العباس الضرير، وهو شيخ الزاوية المنسوبة إلى يحيى الصنافيري- بالقرافة بحضور شيخنا أبي إسحاق الأبناسي في شوال سنة ثمان وتسعين وسبعمائة بزاوية الشيخ بالمقسم، أن والدي أبا الحسن عليًّا العسقلاني أنشده لنفسه (٢): أحبَّتنا هنَّاكمُ اللَّه بالذي ... عُنيتم به مُذ زُرتُمُ المغْنى سررنا لكم لكننا لانقطاعنا ... حزَّ بالُنا لا سيما غبتُم عنَّا وأنشدنا أيضًا أن أبي أنشده لنفسه عدة مقاطيع وقصائد. قال صاحب الترجمة: وأنشدني الشيخ شمس الدين محمد بن عثمان الخوَّاص الأسيوطي في أواخر ذي القعدة سنة سبع وتسعين بإسكندرية أن والدي أنشده لنفسه في تاجر أهدى إلى السلطان فيلًا:

стр. 108

أيا بائع المفعُول صرت مقامرًا ... غُلِبْتَ فلا تكثر مِنَ القالِ والقيلِ وكيدُك في تضليل نفسك واقعٌ ... مع الرُّخِّ بالشَّامات يا صاحب الفيل انتهى. وقد تقدم أنَّه حج بولده معه وجاور، وكذا زار به بيت المقدس، وأقام به أيضًا: وإذا سمعت هذا، ظهر لك أن قول القائل عن صاحب الترجمة: إنه دخل وحده وخرج وحده، يشير به إلى أنه لا سلف له في العلم ولا خلف، غير لائق، إلا أن أريد بالمنفيِّ في الطرفين المثلية. وعلى كلِّ حال، فصاحبُ الترجمة لا يرضى بالتلويح بذلك، فالأولَى الإعراض عنه. [إخوته وأخواته] وأثكل الشيخ نور الدين ولدًا كان قد عرض "المنهاج"، وقرأ الفقه وفضل، كما مضى في البشارة به (١). وترك ابنته أم محمد (٢)، ست الركب، وقد أكملت سبع سنين. فإنها وُلدت بطريق الحجاز في رجب سنة سبعين، فسميت بذلك. قال أخوها صاحب الترجمة (٣): وأجاز لها في السنة التي تليها أبوها، ومن مكة: ابن عبد المعطي، ومن المدينة: نور الدين الزَّرْندي، ومن المجاورين: الكرماني شارح "البخاري"، ومن حلب: محمد، والحسين ابنا عمر بن حبيب، ومن دمشق: محمد بن أحمد بن خطيب المزة، والتقي بن رافع، ومن بعلبك: العماد بن بردِس، ومن تونس: شمس الدين بن مرزوق، ومن مصر: الحافظ زين الدين العراقي، وأبو الفرج ابن الشَّيخة وصلاح الدين بن مسعود وآخرون.

стр. 109

ومات أبوها وهي صغيرةٌ، فنشأت نشأة حسنة (١)، وتعلمت الخطَّ (٢)، وحفظت الكثيرَ مِنَ القرآن، وأكثرت مِنْ مطالعة الكتب، فمهرت في ذلك جدًّا، بحيث كان يظنُّ مَنْ يراها تقرأ مِنَ الكتاب أنها تحفظه لجودة استخراجها. ثم تزوجت وهي صغيرة، وولد لها محمد، فرافق ما كناها به أبوها. وكانت بي برَّة رفيقة محسنة، جزاها اللَّه تعالى عني خيرًا، فلقد انتفعت بها وبآدابها مع صغر سنها، وماتت شابَّةً في جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين وسبعمائة. عوضها اللَّه تعالى وإيانا الجنة، بمنِّه وكرمه. قلت: وقال في موضع آخر: كانت قارئة كاتبة أعجوبة في الذكاء، وهي أمي بعد أمي، أُصبت بها. انتهى. وقد رثاها البدر البَشْتَكِي بقوله: كم ذا يزيد الدهرُ في حربي ... وبالنَّوى يرمي بلا لُبِّ طيبُ ثنا أودعتُه في الثرى ... يا دهرُ ضاع الطِّيبُ في التُّرْبِ كم عَبرةٍ جاريةٍ بالأسى ... منذ سرت سيِّدةُ الركبِ آهٍ لها مِنْ زهرةٍ قد ذَوَتْ ... بكى عليها الجوُّ بالسحبِ وأغربَ البلبلُ في نوْحِه ... مطارحًا ساجعة القُضْبِ وكادَ مِنْ مكروه رُزءٍ بها ... يُجيبُه الواجب بالنَّدبِ صبرًا لها يا ابن عليٍّ فما ... أخُ العلا إلا أبُو الخطبِ وشيمةُ الدهر كذا لم يزل ... يرفض أو يخفِض ذا النصْبِ وبينما طائرهُ صادحٌ ... إذ يتبعُ التَّغريدَ بالنَّعْبِ ربَّ المعالي أنت يا سيدي ... فعِشْ لقيت الخيرَ مِنْ رَبِّي

стр. 110

وأمهما معًا تِجَار ابنة الفخر أبي بكر بن الشمس محمد بن إبراهيم الزفتاوي، أخت صلاح الدين أحمد الزِّفتاوي التاجر الكارميّ، صاحب القاعة الكائنة بمصر تجاه المقياس. ما رأيت شيخنا ترجم واحدًا منهما، لا في "الدرر" ولا في "الإنباء"، وإنما استُفيدَ نسَبُ صلاح الدين من مكتوب وقف قاعته. وكان قد تزوج ستَّ الركب شمسُ الدين محمد بن السراج عمر (١) بن عبد العزيز الخروبي، واستولدها صلاح الدين محمدًا وفوز، وأجاز لهما بعناية خالهما صاحب الترجمة جماعة. ومات صلاح الدين قديمًا. وأما الأخرى، فإنها سافرت إلى الحجاز صُحبةَ زوجها صلاح الدين ابن صورة، فاختلَّ عقلُها بمكة، واستمرت تهذي في الكلام جدًّا، لكنَّها تستحضر أوقات الصلوات والعبادات، فتؤديها أداءً حسنًا للغاية. ولاختلال عقلها، امتنعتُ من الأخذ عنها بعد أن قصدُتها في منزلها بمصر، واستمرت كذلك حتى ماتت قريب الخمسين، ولم تترك ولدًا. وصلى عليها خالها صاحب الترجمة، رحمة اللَّه عليهم أجمعين. وكان لصاحب الترجمة أيضًا أخٌ مِنْ أُمِّهِ اسمه عبد الرحمن ابن الشهاب أحمد بن محمد بن محمد بن عبد المهيمن البكري، كما استفدتُ ذلك من ترجمة أحمد المذكور من "معجم" (٢) صاحب الترجمة، قال: إنَّه مهر وحصل مالًا أصله من قبل أمه، وهي والدتي، فقدَّر اللَّه تعالى موته، فورثه أبوه. وكان الأب داعية لمقالة ابن العربي، فمزَّق ذلك مع غيره، وأرَّخ وفاة الداعية في سنة تسع وثمانمائة. ومن أقارب شيخنا أيضًا: ناصر الدين محمد بن حجر، والدُ خاصّ التي ذكرها في وصيته هي وولدها جمال الدين. ما علمت الآن شيئًا مِنْ أخبارهم، وإن بلغني عن خاصّ وابنها (٣) المذكور ما لا أحبُّ ذكره، لا
следующие страницы →