← Тараджим

Тараджим · id 17372

الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر

السخاوي

Полный текст (1 240 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

وكانت ساعة عظيمة، وأمرًا مهولًا، ووقع النَّوْحُ (١) في سائرِ النَّواحي مِنْ أصناف الخلق، حتَّى مِنْ أهل الذِّمَّة. واجتمع في جنازته مِنَ الخلق مَنْ لا يحصيهم إلا اللَّه ، بحيث ما أظن كبير أحد مِنْ سائر النَّاس تخلَّفَ عَنْ شهودها. وقفلت الأسواقُ والدَّكاكين، ويقال: إنَّه حُزِرَ مِنْ مشى في جنازته بنحو خمسين ألف إنسان، وعندي أنَّه لا يتهيأ حصرُهم، ولا يُدْرَك حدُّهم (٢). وقد احتجتُ للوضوء وأنا تُجاه الظَّاهرية القديمة في أوائل الجنازة، فدخلتها وتوضأتُ بعد دخول الطهارة، ثم ظهرتُ، فإذا الناس لم يتكامل اجتيازُهم. وقد روينا عن أبي عبد الرحمن السُّلمي، قال: حضرتُ جنازة أبي الفتح القوَّاس الزَّاهد مع الدارقطني، فلما نظر الدارقطنيُّ إلى ذلك الجَمْعِ الكثير، أقبل علينا، وقال: سمعتُ أبا سهل بن زياد القطان يقول: سمعتُ عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل يقول: سمعت أبي يقول: قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم يوم الجنائز. انتهى. وقد حُزرَ مَنْ شهد جنازة صاحبُ هذه المقالة الإمام المبجَّل أحمد بن حنبل، فكان عددًا بالغًا، بل قال ابنُ الصَّلاح: إنَّه قرأ بخط البيهقي في رواية ذكرها أنَّه أسلم يوم مات عشرون ألفًا مِنَ اليهود والنَّصارى والمجوس. قال: وهي في كتاب أبي نعيم، يعني "الحلية"، فقال عشرة آلاف، فاللَّه أعلم. قلت: وتحدَّث الناسُ كثيرًا مِنَ الصُّلحاء وأرباب الأحوال بشهود الخَضِر (٣) وغيره جنازته، وسمعت ذلك مِنْ غير واحدٍ منهم.

стр. 1157

وفي ظني أنَّه ما بعد جنازة التقي ابن تيمية أحفل منها، وما رأينا أحدًا مِنَ الشُّيوخ يذكر أنَّه رأى مثلَها، بل ولا ما يقاربُها، حتى بلغني عن الشَّيخ شمس الدين النَّشائي أَنَّه حضَر جنازة البُلقيني ولم تكن كهذه. وتولى الأُمراء مقدَّموا الألُوف حمل جنازته. وكان جهد الشخص الشَّديد الذي يتمكَّنُ مِنَ الوصول إلى نعشه، أن يمسَّ النَّعشَ برأس إصبعه. وساروا وعلى مشهده مِنَ الخفر والسُّكونِ والتُّؤدة والمهابة والجلالة ما لا يعبَّر عنه، إلى أن وصلوا إلى سبيل المُومني، وافترق النَّاسُ سماطين، واجتاز نعشه مِنْ بينهما، فكانت هيئةً مهولة. وقال بعضُ طلبته حينئذٍ مواجهًا للسَّفطي: قتلُوه قاتلهم اللَّه، وأمن على دعائه. وتلقَّى السُّلطانُ جنازنه ليشهد الصَّلاة عليه، ورام قاضي القُضاة علم الدين البُلقيني الصلاة عليه إمامًا، فأخَّره السلطان، وأشار إلى أمير المؤمنين الخليفة العباسي بالتقدُّم، ويقال: إنه قال: هو أمير المؤمنين وأنت أمير المؤمنين، فصلى بالناس عليه. وكذا لما حضر شيخُنا صاحبُ التَّرجمة الصلاة على القاياتي، قدَّم السُّلطانُ أمير المؤمنين. وتوجهوا بشيخنا إلى المحل الذي عُيِّنَ لدفنه، ومعه أيضًا مِنَ الخلْقِ المشاةُ مَنْ لا يحصيهم إلا اللَّه تعالى، حتى جاوزوا قبة الإمام الشَّافعي ﵁، وانتهوا إلى تُربة بني الخرُّوبي المقابلة لجامع الدَّيملي والسَّروتين، فدفنوه هناك بمقصورةٍ صدْرَ التُّربة المذكورة مِنْ جهة يسار القبلة في فُسقيَّة فيها غيرُه، وكرهنا له ذلك، وهو فما كان أشدَّ إنكاره ﵀ ورضي اللَّه عنه- لمثل هذا، واللَّه يعفو عمن أشار بذلك، وزعم أنَّه أوصى به، فإنَّ هذا شيءٌ اختلقه التماسًا لمرضاة ولده وعياله، والذي وُجِدَ في بعض وصاياه السَّابقة الوصيَّة بدفنه بحوش والده، وهو بتلك النواحي أيضًا، لكن اعتُذِرَ عَنْ ذلك بما لا يسوى سماعُه، ولو وُفِّقَ القائمُ بأعباء هذا الأمر

стр. 1158

لرشده، لكان حيث فوَّتَ على الرَّجُلِ مِقصده أشار بمقبرة الصَّلاحية سعيد السُّعداء، ليتمكَّن أتباعُه مِنْ زيارة قبره كلَّ قليل مِنْ غير مزيدِ كُلفةٍ ولا نصب، ولكن الأمر بيد اللَّه تعالى يفعل ما يشاء. وما أحقَّه بقول القائل: لم أنْسَ يَوْمَ تَهَادَتْ نعشُه أسَفًا ... أيدي الوَرَى وترامِيها على الكَفَنِ كزَهرةٍ تَتَهَاداها الأكُفُّ فَلا ... يُقيمُ في رَاحَةٍ إلَّا على ظَعَنِ وقد شوهد كذلك؛ كان النَّاسُ يتعلَّقُون ليدركوا النَّعش بأيديهم أو بمناديلهم، ثم يمسحون بها وُجُوهَهم، ويقول القائل: عَجَبًا لقبر فيه بَحْرٌ زاخِرٌ ... عَجَبًا لبحرٍ لُفَّ في أكفانِ وما أحسنَ قول القائل: انْظُر إلى جَبل يَمْشِي الرِّجالُ به ... وانْظُر إلى القبر ما يَحْوي مِنَ الصَّلَفِ وانْظُر إلى صارِم الإسْلامِ مُنْغَمِدًا ... وانْظُر إلى دُرِّةِ الإسلام في الصَّدَفِ ولما انتهوا مِنْ دفنه، أخذوا في القراءة عنده بعد الذِّكر والابتهال في الدُّعاء له ساعة طويلة، وأقاموا على قبره أسبوعًا، تختم في كل يوم وليلة عنده ما شاء اللَّه مِنَ الخَتمات. فبطول النَّهار جماعة مِنْ طلبته يختم كلُّ واحدٍ منهُم القرآن غالبًا، ومِنَ العصر يأتي القُرَّاء ويكون ختمهم قُبيل الشمس، فلا يُحصى كم تُلِيَ على قبره مِنَ الختمات. وبلغني أن العلَّامة الجلال المحلي جمع جماعةَ بيتِه وقرؤوا ختمًا، وأهدوا ثوابه في صحيفته. وقال الوُعَّاظ عند محلِّ دفنه ما عَمِلَ الشُّعراء فيه مِنْ المراثي وغير ذلك، وكثر الإنشاد لمرثيَّةِ الشَّيخ شهاب الدين الحجازي بخصوصها مِنْ الوعاظ والعامة، بحيث لم يشتهر غيرها. وأطعم بتُربته مِنَ المآكل وشبهها شيءٌ كثير. وعند تمام الشَّهر فُرِّقَ على أكثر الطلبة مِنَ الذَّهب والفضة ما يفوقُ الوصف، ما بين عشرين دينارًا للشخص الواحد -وهم عددٌ يسير يأتي بيانهم- إلى نصفِ دينار.

стр. 1159

وصلَّوا عليه صلاة الغائب بغالب البلاد، وحصل الضَّجيج والبكاءُ والانتحابُ أسفًا على فقده، فمن الأماكن التي صُلِّي عليه بها كما علمتُه: مكة المشرفة، على ما كتبَ به إليَّ صاحبُنا ابنُ فهد الهاشمي محدِّثُها. وبيتُ المقدس، كما أخبرني به الشَّيخ شمس الدين ابن (١) الشَّيخ يوسف الصَّفِّي، وكان هُناك. قال: وتوجَّهْتُ إلى بلد الخليل ﵊، فصلوا عليه به في الجمعة القابلة، وكانت ساعة عظيمة في الموضعين. وحلب، على ما أخبرني به غيرُ واحد، وما أشكُّ أنَّه فُعِلَ كذلك بدمشق، بل ويغيرها مِنَ البلاد النائية، تقبَّل اللَّه منهم. وأشيع بعد وفاته إشاعة امتلأت الأقطار والنَّواحي مِنْ ذكرها، أنَّه تُمثِّل بما أودعه الشَّيخ شهاب الدين الحجازي كما سيأتي في مرئيته مما نُسِبَ للعلَّامة الزمخشري، وصار غالبُ النَّاس حتَّى العوام والنِّسَاء والصِّبيان يُنشدها، وينتحب، ولم يصحَّ ذلك عندي، فاللَّه أعلم. [المنامات التي رؤيت له]: وأما المنامات التي رؤيت له في حياته وبعد موته، فشيءٌ كثير، لا أستطيع الإحاطة به، فمن ذلك: ما قرأته بخط برهان الدِّين البقاعي بظاهر مجلَّد مِنْ "تذكرة" صاحبُ التَّرجمة، فقال، ومنه نقلت حرفًا بحرف: لمَّا كانت سنة أربعين وثماني مائة وقع بعضُ مَنْ يدَّعي العلمَ مِنَ الأروام في واقعٍ بَشِعٍ في مجلس الحديث عندَ السُّلطان الملك الأشرف بقلعة الجبل بالقاهرة في رمضان، فادَّعى عليه عندَ شيخنا قاضي القضاة شيخ الإسلام، حافظ العصر، إمام أهل الدهر، المتفرِّد منذ أزمان بالذَّبِّ عن دين الإسلام، والمناضَلةِ عن سُنَّةِ سيد الأنام، عليه أفضل الصلاة والسلام، أبي الفضل شهاب الدين أحمد بن

стр. 1160

علي بن حجر الشَّافعي، صاحبُ لهذه "التذكرة"، أطال اللَّه بقاءه، لرفع الدين بقمع المعتدين، في قصة مطوَّلة، تعصب فيها مع الرُّومي أبناءُ جنسِه وبعضُ الأتراك، بواسطة ميلهم إليه لأجل اللِّسان والمذهب، وغير ذلك على العادة، فشرع شخصٌ مِنَ الأتراك يذكر قاضي القضاة المشار إليه بما لا يليقُ بمقامه، فقال له آخرُ منهم: لا تفعل؛ فإنِّي رأيتُ له منامًا عجبًا، وحكى له المنامَ. فاجتمعت بذلك الرائي في يوم الثلاثاء سادس عشري الشهر مِنَ السَّنة، فحدثنا مِنْ لفظه، وهو طقتمر بن عبد اللَّه النَّاصري، قال: لما توجَّه السُّلطان الملك الأشرف سنة ست وثلاثين وثماني مائة إلى آمد، فوصلنا إلى البيرة على شاطىء الفُرات، رأيت في المنام ليلة ست وعشرين مِنْ رمضان تلك السَّنة كأنِّي دخلتُ مسجدًا صغيرًا، وفيه شيءٌ كأَنَّه قبرٌ محجَّرٌ عليه بخَشَبٍ، وفي ذلك الخشب طاقٌ، وإلى جنب ذلك التَّحجيرِ نعش خشب أبيض بأربعِ قوائم، وعلى النَّعش شخصٌ ممدود، عليه ثيابٌ بيضٌ شديدةُ البياض جدًا، بحيث إنَّها لا تُشابِهُ ثيابَ أهل الدُّنيا، كأنها أكفانٌ، وليس مِنْ جسده شيء يُرَى، وإلى جانبه أشخاصٌ ألوانُهم خُضْرٌ. وكان قاضي القُضاة الشَّافعي ابن حجر في محراب ذلك المسجد يصلّي إمامًا ووراءه السُّلطان مِنْ جهة يمينه وقاضي القضاة البساطي المالكي مِنْ جهة يساره يصلِّيان مأمومَيْن، فأدركتُ معهم بعضَ الصَّلاة، ولم أعلم أيَّ صلاةٍ هي، فلمَّا سلمتُ قمت، فوضع بعض أولئك الأشخاص أيديهم على كتفي، وقالوا لي: أما تعرفُ هذا؟ وأشاروا إلى ذلك الذي على النعش، فقلت: لا، فقالوا: هذا رسولُ اللَّه ﷺ واستدار القاضي الشَّافعي، فدعا ثم قام القاضي المالكي، فجاء إلى النبي ﷺ ، فسلم عليه ومدَّ يدَه إلى صدر النبي ﷺ ففرَّج بعضَ الأكفان يسيرًا، وأخذ مِنْ هناك ياسمينًا قدر ما وسعه كفُّه، ثم تأخَّر، وشرع يقرِّبه إلى أنفه ويشُمُّه، ثم يمدُّ يده، ثم يردُّها إلى أنفه ويشم، وتناثر مِنْ يده خمسُ زهرات أو ستُّ، ثم قام الشَّافعيُّ، فجاء فسَلَّم على النَّبِيِّ ﷺ وقبَّل صدرَه، وشرعا يتكالمان بكلام لم أسمع أحسنَ منه ولا ألذَّ، ولم أحفظ منه شيئًا، واستمر على ذلك زمانًا طويلًا، لعلَّه بمقدار ما يطبخُ الإنسانُ لحمًا ويُنْضِجُه، ثم أدخل يدَه الواحدة تحت كتف النبيِّ ﷺ -

стр. 1161

والأخرى تحت وسطه، فأدخله إلى ذلك المكان المحجَّر مِنْ تلك الطاق مِنْ جهة رجلي النَّبِيِّ ﷺ ، والمكالمة مع ذلك بينهما مستمرَّة، حتى انتبهتُ وقت التَّسبيح وهما على ذلك. انتهى. وقد أسلفتُ في الباب الرابع أنَّه رُؤيَ النَّبيُّ ﷺ في مجلس إملائه (١). وكذا رُؤيَ ﷺ في مجلس أسماعه؛ فمن ذلك: أنَّ أمَّ محمد فاطمة ابنة محمد بن محمد زوج الحاج محمد النجار، عرف بالعاقل، كانت جالسةً بالإيوان الجنُوبي مِنَ المدرسة المنكوتمرية للسّماع على صاحبُ التَّرجمة في "المعجم الأوسط" للطبراني، فحصلت لها في حالة السَّماع إغفاءة، فرأت عن يمين الكرسيِّ الذي كان يجلس عليه القارىء حلقةً لطيفةً، فيها شخصٌ مرتدي بكساءٍ أو غيره أبيض لامع البياض، وقد سطع نور الرجل (٢) حتى غلب على نورُ الشمعة (٣). قالت: فتطاولتُ لأنظره، وقلت: ما هذا؟ فقيل: أما تعلمين؟! هذا رسول اللَّه ﷺ ، جاء يحضرُ حديثَه. قالت: فأردتُ أن أضجَّ بالصَّلاة عليه، وإذا صياحُ السَّامعين قد ارتفع بالصَّلاة عليه والسَّلام، فانتبهتُ على ضجَّتهم: " ﷺ "، وحدَّثَتْ بهذه الرؤية في ليلة الإثنين غُرَّة رجب سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة، وكتبها عنها صاحبُنا النَّجم ابن فهد الهاشمي وغيره مِنْ أصحابنا، وممَّن سمعها الشمس السُّنباطي. وبلغني عن بعض المنسُوبين إلى الخير أنَّه في السَّنة التي ماتَ فيها صاحبُ التَّرجمة كان بالحجاز، وأنَّه بعد الزِّيارة -وكان ذلك قُبيل موت صاحبُ التَّرجمة بأيام- رأى في منامه كأنه في المدينة النبوية، وباب الحجرة الشَّريفة مغلوقٌ، والنَّاس قيام ينتظرون فتحَه، وقد ازدحموا، وطال وقوفهم

стр. 1162

وهم كذلك، وأَنَّه قيل لهم: لا يفتحُه إلا ابن حجر. قال فما لبثنا أن جاء المشارُ إليه، ففتح لهم فدخلوا وزاروا. وأخبر شخص أنَّه رأى كأنَّ النبيَّ ﷺ بالمدرسة المنكوتمرية وهو وصاحب التَّرجمة يتحدثان، وخلفهما الرأي وجامعُه، ويليهما جماعة كثيرون، وكأنهم في انتظار صلاة العصر (يوم الجمعة) (١)، فقام صاحبُ التَّرجمة إليهما، وأمر جامعَه بالصَّلاة للقوم إمامًا، ورجع إلى مكانه. وحكى الفاضل الأمير تغري برمش الفقيه أنَّه رأى في ليلة النِّصف مِنْ ربيع الآخر سنة سبع وأربعين وثماني مائة كأنه في جامع كبير أو نحوه، وجماعة مُطَيْلَسُون أكثر مِنْ مائة هناك، وكأنهم حضروا لدرسِ أو إملاءٍ، وثَمَّ شيخٌ كبير متصدِّرٌ في القبلة وهو يُملي عليهم الحديث، وأنَّه جَلَسَ بينهم، وصار يُباحث الشَّيخ في الحديث ومتعلقاته، وأنَّ الجماعة جعلوا يُشيرون إليه بالسُّكوت، وأنَّه سأل ممَّن بجانبه عن هذا الشَّيخ المُملي، فقال: هو الشَّيخ الإمام أبو بكر الإسماعيلي الحافظ الفقيه صاحبُ "المستخرج"، وأَنَّه لمَّا علم ذلك، استحيى منه، فقال لهم الشَّيخ: دعوه يتكلَّم، فإنه تلميذ أو مِنْ تلاميذ ابن حجر. وبلغني عن بعض الصَّالحين أنَّه رأى كأنَّه بالموقف، ورام دخُول الجنَّة، فقيل له: حتى يدخُلَ الشَّيخُ شهابُ الدِّين ابن حجر. وأخبرنىِ البدرُ حُسين الأزهري أنَّه رآه في المنام وبين يديه جفْنَةٌ كبيرة ممتلئة لبنًا، والنَّاسُ يجيئون فيشربون منها وهي على حالها لا تنقُص شيئًا. وبلغني عن الشَّمس الدَّميري -أحدِ الموقِّعين- أنَّه رأى ليلة وفاةِ صاحبُ التَّرجمة أنَّ البحر قد نشف، ولم يبق منه إلا مقدار مجراةٍ فيها ماء يسيرٌ، بحيث إنَّه توضأ منه، فصار يصعد معه الرمل لقلَّته. قال: فلمَّا أصبحتُ، سمعت بموت صاحبِ التَّرجمة. وبلغني عن البرهان التَّرقِّي -أحد الموقعين بالدَّست- أنَّ زوجته استيقظت صبيحةَ اللَّيلة التي تُوفي فيها صاحبُ التَّرجمة، ولم تكن علمت

стр. 1163

بموته وهي مرعوبة، وقالت: سمعتُ قائلًا يقولُ: الصَّلاةُ على شيخٍ مِنْ آل بيت النبوة. ومنه ما بلغني عن الشَّيخ يحيى العجيسي المغربي نزيل النَّاصرية أنَّه سمع بعد موته في اليقظة هاتفًا يقول: بعد أحمد وسعد ما يضحك أو يفرح أحد. وكذا حكى البدرُ حسن الطنتدائي الضَّرير أنَّ شخصًا أخبره في سنة موت صاحبُ التَّرجمة أنَه رأى في منامه كأن اثنين واقفين عند بابي زُوَيْلَة، وأحدهما يقول للآخر: أين تريد؟ فقال: أريد خَسْفَ هذه البلدة. فقال: ما دامَ هذا -وأشار إلى شيخ الإسلام- وكان جالسًا بإيوان هناك ومعه آخر. قال: وفي الظَّنِّ أنَّه أشار إلى الآخر أيضًا- لم يَضُرَّها شيءٌ. قال البدر: فحكيتُه لصاحب التَّرجمة فتبسَّم، ثم حكيتُه للظَّاهر جُقمُق، فقال: نفعنا اللَّه ببركته. وتوارد الأخبار عن غير واحد ممَّن ناوأ صاحبَ التَّرجمة سرًّا أو جهرًا ممَّن مات في حياته أو بعده، أنهم في عدمِ راحة مِنْ أجله انتقامًا منْ ربّ العزَّة المنصِف المظلوم ممَّن ظلمه، أحببتُ الإضرابَ عن تفصيل ذلك. ومنه ممَّا أخبرني به الشَّيخ عز الدين السُّنباطي، نفع اللَّه به، قال: رأيتُ كأني بين يدي صاحبُ التَّرجمة أنا والقاضي ولي الدين ابن تقي الدين البلقيني، وكان صاحبُ التَّرجمة دفعَ لوليِّ الدين المذكور مِنَ القصب الأبيض قلمًا بغير برايةٍ، وقال له: قُل لصاحبك -وسمَّى الشَّرف يحيى ابن العطار-: قد تقدَّم الخصمُ والمدَّعى عليه في الطَّلب، والحاكم لا يحتاج إلى بيِّنَةٍ. قال: فلم يلبث إلا دون شهرٍ ومات الشَّرفُ المذكور. قلت: ونحو هذا قول القاضي بكار لأحمد بن طولون عن نفسه وقد ظلمه: شيخُ فانٍ وعليل مُدْنَفٌ، والملتقى قريبٌ، واللَّه القاضي. انتهى. وكذا تواترت المناماتُ عنه نفسه، أنَّه في رفعَةٍ إلى الغاية، حتى إنَّ فقيه الشَّافعية الشرف المناوي حكى أنَّه رأى في المنام غيرَ واحدٍ ممَّن وليَ القضاء وليس فيهم أحسنَ رؤية منه، قال: وما هذا إلا ببركة السُّنَّة النَّبوية.

стр. 1164

وبلغني عن بعض الأعيان المعتبرين ممَّن أخذتُ عنه أنَّه رأى عَقِبَ وفاته كُلًا مِنَ الإمام الأعظم محمد بن إدريس الشَّافعي والليث بن سعد الفهمي أعاد اللَّه علينا مِنْ بركاتهما، وهما في همَّةٍ، وأَنَّه سألهما أو أحدهما أو واحدًا ممَّن حضر عن سببِ ذلك، فأجيب بالاهتمام بضيافة ابن حجر رحمة اللَّه عليهم أجمعين. وأخبرني العلَّامةُ الزَّين قاسم الحنفي أنَّه رآه بعد موته, وسأله عن حاله، فقال: بشَّرني بشَّرني بشَّرني، وكررها، ومدَّ يده. قال: فقلتُ له: طيِّب طيِّب، أو كما قال في منام طويل. ورأيتُ أنا في ربيع الأول سنة ثلاث وسبعين قاضي القُضاة وليَّ الدِّين السُّنباطي المالكي وهو راكب بغلةً ولا وجع بعينيه، فنزل وسلَّم عليَّ، فقلت له: كيف حالُ شيخنا، وأشرت إلى صاحبُ التَّرجمة؟ فقال: بخير، واستيقظت وكنت أضمرتُ أشياء كثيرة أسأله عنها، فما تيسَّر. وأخبرني الشَّيخ برهان الدين ابن سابق نزيل المنكوتمرية وإمامها أنَّه رأى وهو ببيت المقدس صاحبُ التَّرجمة في المنام وعليه حُلَّة بيضاءُ حرير، بطائنها مِنْ ذهبٍ يلمع، وعلى رأسه عمامة بيضاءُ، في هيئة لم يُرَ أبهجَ منه فيها، وأنه ناوله شيئًا، وأمره بالسَّلام على أهل بيته. ولو أردت تتبُّع ذلك، لجاء في كراريس، لكن في لهذه الإشارة كفايةٌ، واللَّه تعالى يحشرُنا معه فى زُمرة المصطفى ﷺ ، ويزيدُنا بمحبته والانتساب لجنابه في الدَّارين شرفًا، إنَّه قريب مجيب. ومما يلتحق بذلك أنَّ أبا البركات محمد بن إبراهيم العسقلاني والد الزَّين أبي بكر الخانكي رأى قُبيل موت صاحبُ التَّرجمة بيسير في اليقظة الشيخ عمر [بن الشَّيخ علي] (١) الزَّيني. وكان مِنْ صُلحاء تلك النَّاحية. وهو في بئر ممتلئة طينًا وقد تضمَّخ منه، فسأله: لأيِّ سبب [عملت ذلك؟ فقال: سببُه موتُ ابن حجر. قال: فلم يلبث أن مات بعد أن] (٢) توجه أبو البركات

стр. 1165

المذكور الى الشمس الشطنوفي الماضي عند ذكر محنة صاحبُ التَّرجمة، وأعلمه بذلك وحذَّره مِنْ تغيُّر خاطر شيخ الإسلام عليه، وأنه ينبغي له تدارُكُ لملك قبل الوفاة بالتَّوجُّه إليه والاعتذار والاستغفار، وأنَّه فعل ذلك ﵀ ونفعنا ببركته. ولو أردت استيعابَ المنامات المتعلِّقة بصاحب التَّرجمة -خصوصًا قُبيل وفاته- لطال، مع كونه كان يتوقَّفُ في صحَّةِ كثيرٍ منها. وقد رأيته ضَبَطَ بعصًا مما رآه هو مِنَ المنامات رحمة اللَّه عليه. [وصيته]: وأما وصيته، فله عدَّةُ وصايا، اعتمدوا الأخيرة منها. وقد كتب لي سبطُه نسختها، ونصُّها: يقول راجى رحمة ربه جلَّ وعز، كاتب هذه الأسطر، أحمد بن علي بن حجر: إنَّ هذه الوصية صدرت عنِّي امتثالًا لأمر خيرة اللَّه تعالى مِنْ خلقه، محمَّدٍ ﷺ ، أنَّني أوصيتُ بثلث ما تحتَ يدي مِنْ مالِ اللَّه سبحانه لمن يُذكر فيه مِنْ معيَّن ومُبْهم، وأن يباشر تفرقة ذلك ممن بيديه أخي في اللَّه تعالى القاضي ناظر الجيوش المنصورة محبُّ الدِّين، رزقه اللَّه تعالى العفو والعافية في الدنيا والآخرة، كذلك مع ولدي محمد، فمن ذلك ما هو في ذمتي لامرأتي أُنْس خاتون ابنة القاضي ناظر الجيوش كريم الدين بن (١) عبد العزيز رحمة اللَّه تعالى عليه، بقية قيمة (٢) كساوي ثلاثمائة دينار ذهبًا أشرفيًا وظاهريًا، وما هو تحت يدي بقيَّةُ وصية ابن الدَّاراني تقدير خمسين دينارًا، تُدفع للمولى زين الدين عبد الغني القِمَني، يصرفها مصرفها، ومما (٣) هو في ذِمَّتي ممَّا يُصْرَفُ مصرفَ الزَّكاة المفروضة مائة دينار. وأنَّ تحت يدي على سبيل الوديعة لبلقيس بنت المرحوم شمس

стр. 1166

الكَمَاخِي، وهي زوجٍ فخر الدين القاياتي، مِنَ الذَّهب الأفلوري مائتي دينار وتسعة وثمانين دينارًا تنقص عن الثلاثمائة أحد عشر دينارًا. وما هو في مصرف الوصية لفخر الدين سليمان ابن المرحوم سهل الدين الخروبي خمسُون دينارًا، ولولد أخيه أبي الخير ابن بدر الدين ابن سراج الدين ثلاثون دينارًا، ولولدَيْ أخيه الآخر نور الدين علي ابن عز الدين ابن سراج الدين، وأخيه نظير ذلك، وما هو لولدَيْ شرف الدين ابن سراج الدين، الموجودين الآن بالسَّوية بينهما خمسون دينارًا، ولبنت آمنة بنت سراج الدين مِنْ ابن مشرِّف عشرون دينارًا، ولفاطمة بنت نور الدين علي بن أحمد بن يسير (١) [خمسون دينارًا ولمحمد بن شرف الدين محمد بن أحمد بن يسير] (٢) ولأخيه أربعون دينارًا بالسوية بينهما. ولخاص بنت ناصر الدين محمد بن حجر زوج ابن مرزوق ولولدها جمال الدين بالسوية بينهما أربعون دينارًا. وأن يخرج مِنْ الثلث مائة دينار يفرِّقها القاضي محب الدين المشار إليه أعلاه على مِنْ يختار مِنْ معارفه بحسب ما يقتضيه رأيه في ذلك. وقد أوصيتُ لكلٍّ مِنْ طلبة الحديث النَّبويِّ المتحقِّقين (٣) بطلبه والاشتغال به أكثر مِنَ الاشتغال بغيره مِنْ سائر العلوم الدينيَّة ممَّن شهد لهم بذلك جماعة أهل العلم بالحديث، وهم: القاضي نور الدِّين ابن سالم، وبرهان الدِّين البقاعي، وتقي الدين القلقشندي، ونجم الدِّين عمر بن فهد المكي، وقطب الدين الخَيضري، وشمس الدين بن قمر إمام المدرسة الرُّكنية بَيبرس، ومحمد بن عبد الرحمن السَّخاوي، وفخر الدين عُثمان الدِّيمي، وزين الدين قاسم بن قطلوبغا الحنفي، بمائتي دينار، تقسم بينهم بالسَّويَّة، ولكلِّ مَنْ كان يواظبُ مجلس الإملاء بالسوية بينهم مائة دينار،

стр. 1167

ولكل مِنْ كان يتعاهد ذلك أحيانًا وأحيانًا منهم مائة دينار بينهم بالسَّوية، يقدَّمُ الأحوجُ فالأحوج. ولكل مَنْ سُجِنَ على دَيْنٍ شرعيٍّ وشهد أهل سوقِه أنَّه عَجَزَ عَنْ وفاء ما سُجِنَ لأجله مِنْ غير إنفاق في معصيةٍ مائتي دينار على المحاصَصة بينهم. ولزين الدين القمني عشرون دينارًا، ولعمر الإسكندراني عشرة دنانير، والشهاب الداودار عشرة دنانير، ولولَدَيْ ولَدِي محمد أربعمائة دينار بالسَّوية بينهما، ولسِبطي يوسف ثلاثمائة دينار، يشتري بها مِنْ كتبي ما يختار، ولحَمْل مستولدته منه مائة دينار بالشَّرح، خارجًا عما كنتُ ملكتُه مِنْ مصنَّفاتي التي بخطِّي في حال صحَّتي، ليَقِفَه على طلبة العلم الشَّريف مِنْ أهل الحديث النبوي، ويكون مقرُّ ذلك تحت يده في طُول حياته، ثمَّ مِنْ بعده يستقرُّ ذلك في المدرسة المحمودية بخط الموازنيِّين. ومن جملته الأجزاء الحديثيَّة النَّثرية، المجلَّداتُ منها والأجزاء النثرية، وفيها جملةٌ كثيرة مِنْ أجزاء المحمودية مِنْ أوقاف المحمودية، وليعجل بإفرادها وتحويلها إلى المدرسة المحمودية. وجميع ما أقررت به يخرُج مِنْ رأس المال، وجميع ما أوصيت به يخرج مِنْ ثمن الفلفل الذي بالإسكندرية والذي بمصر، فالأول عشرون حملًا، والثاني خمسة وثلاثون حملًا، وإن كان لا يوفي ذلك، فليكمل مِنْ سائر التعلُّقات. وأوصيت للمصونة فرح خاتون أختِ امرأتي شقيقتها بمائة دينار في مقابل أُجرة حِصَّتها مِنَ القاعة سكني. وأقررت بأنِّي لا أستحقُّ في قاعة خالي صلاح الدين الزِّفتاوي الكائنة بمصر مقابل المقياس شيئًا، بعد أن وَضَح لي أن الاستحقاق لربع ذلك بعد والدتي قبلي انتقَلَ إلى غيري بطريقٍ معتبرٍ شرعيٍّ، وأنَّ الذي تحصَّلَ في طول المدَّة صُرِفَ في ترميم المكان المذكور، إلا قدر سنتين وأزيد مِنْ ذلك

стр. 1168

في ذمَّة تبع الدين ابن حِتِّي (١) التاجر، المذكور، وأن تحت يدي مسطورًا شرعيًا لورثة المرحوم جلال الدين محمد (٢) ولد (٣) المرحوم نور الدين علي الطَّنْبَذِي في ذمَّة شهاب الدين أحمد البرماوي بقية معاملة بينه وبين تاج الدين ابن حِتِّي، وأنه كان يُبدي بمقتضى مسطور شرعيٍّ في ذمَّة المقرِّ الكمالي كاتب السِّرِّ الشريف ألف دينار، ونسلمَ المسطورَ المذكور لما انفصلتُ من وظيفةِ القضاء في أول سنة إحدى وخمسين أمينُ الحكم العزيز (٤) إذ ذاك، بمقتضى إشهاد عليه، وهو القاضي ولي الدين الأسيوطي، وتسلم منِّي أيضًا مسطورَ المعاملة بين ولَدَي الطَّنبَذِي جلال الدين وبين تاج الدين [ابن حِتِّي المتضمن الرهن الزَّركش على ما وقع البيع فيه وبرئت ذمة ابن] (٥) حتِّي منه إلّا قدر معيّن، بشهادة زين الدين القمني. وأن فخر الدين بن ذُؤيب تسلَّم مني ألفَ دينار ذهبًا، منها خمسمائة دينار على أن يشتري بها (٦) مِنْ أصناف التِّجارة بالإسكندرية، فيُسْأل عمَّا فعل فيها، والقولُ قولُه، وللوارِثِ تحليفُه. وأنَّ المسطورَ المكتتَبَ عليه أنَّ الذي تسلَّم مِنِّي مِنَ الفلوس المضرُوبة وغيرها ممَّا يشهدُ بها (٧) المسطور المذكور، وذكر أنَّه اشترى به الكودة ما ذكر، أنَّه خَزَنَهُ بالمخزن المنسُوب إليَّ بفندق الكارم، لم يقع بيني وبينه فيه حسابٌ ولا مفاصَلَةٌ، وعليه الخروجُ مِنْ عهدته، فإنِّي ما أمضيتُ ذلك، وعليه خلاصُ نفسِه مِنْ تَبِعَتِه. وكذا عليه خروجُه مِنْ تَبِعَةِ السَّفرة

стр. 1169

المجهَّزة إلى الإسكندرية على سبيل الشركة بيني وبينه، فإنه لم يخلُص مِنْ تبعتها، ولا تحرَّر بيني وبينَهُ في ذلك حسابٌ. هذا ما كتبه إلي السِّبْطُ، ونفَّذَ ولدُه وباقي الورثة غالبَ ذلك. وأمَّا الكتبُ، فما وفَوْا بقصده، حتي ولا في كتب الأوقات التي كانت تحت يده والأجزاء الحديثية، وتفرق كلُّ ذلك والكثير منه، لا سيما مصنَّفات الغير التي بخطِّه، حمل إلى الجمالي ناظر الخواصِّ صفوًا عفوًا مِنْ غير مقابل فيِ ذلك، وكان الابتداء فيه بواسطة العل، وتعطل الانتفاعُ به، بل وبسائرها إلّا ما كان بُيِّضَ منها في حياته، وكذا ما بيَّضتُه بعد موته، وكانت في ذلك حركات وقلاقل واضطراب شديد، لا أطيل بإيرادها، والأمر بيد اللَّه يفعل ما يشاء. [زوجاته وبنوه وذريته] وأما مِنْ علمته مِنْ زوجاته وبنيه وذريته: [زوجته أنس خاتون]: فأوَّل زوجاته: شيختُنا الرئيسة الأصيلة أُنْس (١) ابنةُ القاضي ناظر الجيش -كان- كريم الدين عبد الكريم بن أحمد بن عبد العزيز بن عبد الكريم بن أبي طالب بن (علي بن) (٢) سيدهم اللخمي النستراوى الأصل المصري. وأمُّها ماتت في المحرم سنة إحدى وعشرين، وهي سارة بنت ناصر الدين محمد بن أنس بنت منكوتمر نائب السَّلطنة، المتوفَّى مُتاخم القرن الثامن، وهو صاحبُ المدرسة والقاعة المتجاورتين. كان مولد أُنْس تقريبًا في سنة ثمانين وسبعمائة، وتزوَّجها شيخُنا

стр. 1170

بإشارة وصِيِّه العلَّامة ابن القطَّان في شعبان سنة ثمان وتسعين وسبعمائة، وحصل لها بواسطة ذلك خيرَ كثير، وهي -وإن كانت مِنْ بيت رئاسة وحشمة، ولوالدها سماعٌ مِنَ الجمال ابن نباتة وابن البُوري وغيرهما، وسمع منه صاحبُ التَّرجمة قليلًا، وكذا كان عمُّه البدر حسن بن عبد العزيز ممَّن سمع على الحجَّار وعبد الرحمن بن مخلوف بن جماعة وآخرين، وكتب عنه الحُفَّاظُ- لكنه لم يعتن بها بالنِّسبة إلى السَّماع والإجازة أحدٌ مِنْ أقاربها، فأسمعها زوجُها مِنْ شيخه حافظ العصر العراقي، حيث جاء إلى منزله لوداعه عند توجُّهه لبعض سفراته "الحديث المسلسل بالأولية"، وكذا أسمعها إياه مِنْ لفظ الشَّرف ابن الكُويك في يوم ختمه "صحيح مسلم"، وأجاز لها باستدعاءٍ شاميٍّ مؤرَّخٍ في ذي القعدة سنة ثمان وتسعين جماعةٌ؛ منهم: أبو الخير ابن (١) الحافظ العلائي، وأبو هريرة ابن الحافظ الذَّهبي، وباستدعاءٍ بمنى، مؤرَّخٍ بصفر سنة ثمان مائة، جماعةٌ، وبآخر بمنى أيضًا مؤرَّخٍ بربيع الآخر مِنَ السَّنة شخصٌ واحدٌ، وبآخر مع ابنتها زين خاتون في سنة اثنتين وثمان مائة غالبُ مَنْ لقيه زوجُها في رحلته الشاميَّة، وبآخر مع ابنتَيْها زين خاتون وفرحة، مؤرَّخ بربيع الأول سنة سبع وثمان مائة، جماعةٌ مِنَ الشاميِّين أيضًا، إلى غير ذلك مِنَ الاستدعاءات المتأخِّرة. واستولدها صاحبُ التَّرجمة عدَّة أولاد، زين خاتون وفرحة السَّابقُ ذكرهما، وغالية، ورابعة، وفاطمة. ولم تأتِ منه بذكرٍ قطُّ. نعم، كانت تجيءُ بين كل بطنين بسقطٍ ذكرًا. [ابنته زين خاتون]: فأما أولتهن (٢)، وهي بكرُ أولاده، فمولدها في ثاني عشر ربيع الآخر سنة اثنتين وثماني مائة، واعتنى بها أبوها، فاستجاز لها في السَّنة المذكورة

стр. 1171

فما بعدها خلقًا (١)، وأسمعها على شيخه العراقي والهيثمي، وأحضرها على ابن خطيب داريَّا في الثالثة الجزء الثَّالثَ مِنْ أول "حديث المخلص". وتزوجها الأمير شاهين العلائي قطلوبغا الكركي، الذي صار داودارًا صغيرًا عند المؤيَّد، ثم بطل إلى أن مات في ذي القعدة سنة ستين وثماني مائة بدمشق كما قرأته بخط ولده، وقال: إنه قرأ القرآن وصلى به، وكتب بخطه "الشفاء" و"الموطأ" وغيرهما، لكنه خسَّ بالورق، فلم ينتفع بها. قال: وكان في خُلُقِه شدَّةٌ وزعارَّة، وأثنى على فروسيَّتِه. انتهى. فاستولدها عدَّة أولاد، ماتوا كلُّهم في حياة أمهم؛ منهم: أحمد. ذكره شيخي في استدعاء ولده محمد في سنة خمس وعشرين وثماني مائة، وعزيزة. ذكرها الشَّيخ رضوان في استدعاء مؤرَّخ بذي القعدة سنة ثلاثين. ولم يتأخر مِنْ أولادها إلا أبو المحاسن يوسف الآتي ذكره. وكانت قد تعلَّمت الكتابة والقراءة، وماتت وهي حاملٌ بالطَّاعون سنة ثلاث وثلاثين وثماني مائة، فجُمِعَتْ لها شهادتان. [ابنته فرحة]: وأما فرحة (٢)، فمولدها في رابع عشري رجب سنة أربع وثماني مائة، واستجيز لها -كما تقدَّم- في سنة سبع وثمان مائة، ثم بعد ذلك [في ذي القعدة سنة ثمان عشرة] (٣). وتزوجها (بكرًا) (٤) شيخ الشيوخ محب الدين ابن الأشقر، الذي وَلِيَ نظر الجيش وكتابة السِّرِّ، وكان أحد أعيان الدِّيار المصرية، ومات فى أوائل رجب سنة ثلاث وستين، وعمل بعضُ الأُدباء صدَاقها في أُرجوزة كما تقدَّم (٥).

стр. 1172

واستولدها ولدًا مات صغيرًا في حياة أُمِّه (١). وكانت وفاتُها في ربيع الآخر سنة ثمان وعشرين، بعد أن حجَّت في العام قبلَهُ مع زوجها، ورجعت مُوعَكَةً حتَّى ماتت عن ثلاث وعشرين سنة وتسعة أشهر. [ابنته غالية]: وأما غالية (٢)، فمولدها في ذي القعدة سنة سبع وثماني مائة، واستجيز لها جماعةٌ، وماتت هي وفاطمة الآتية بالطاعون في ربيع الأول سنة تسع عشرة وثمان مائة مع بعض عيال أبيها. [ابنته رابعة]: وأما رابعة (٣)، فوُلِدَت في رجب سنة إحدى عشرة وثمان مائة. وأسمعها والدُها على المراغي بمكة في سنة خمس عشرة، وأجاز لها جمعٌ مِنَ الشَّاميين والمصريين. وتزوجها الشهابُ أحمد بن محمد بن مكنون، ودخل بها بكرًا، وهي ابنةُ خمس عشرة سنة، فولدت منه بِنتًا أسماها غالية، ماتت في حياتهما بعد أن استدعى لها الشَّيخ رضوان وغيره، ثم ماتَ زوجُها عنها في رمضان سنة تسع وعشرين (٤)، فتزوجها المحبُّ ابن الأشقر المذكور أيضًا، واستمرت حتى ماتت عنده في سنة اثنتين وثلاثين وثمان مائة. وعمل صداقها في أرجوزة الهيثميُّ وهي بكر، ثم الصَّلاح الأسيوطيُّ

стр. 1173

الشَّريف وهي ثيّبٌ، كما قدَّمت ذلك في كل منهما مِنَ الباب الثَّالث (١). [ابنته فاطمة]: وأما فاطمة (٢)، فمولدها في ربيع الآخر سنة سبع عشرة، وماتت كما تقدَّم قريبًا. وحجَّت أمُّهُنَّ صُحبَةَ شيخنا في سنة خمس عشرة، وكذا حجَّت بعد ذلك في سنة أربع وثلاثين بمفردها، وجاورت ومعها سبطها المشارُ إليه وهو صغيرٌ. وحدَّثت بحضور شيخنا، قرأ عليها الفُضلاءُ، وكانت تحتفل بذلك، وتُكرم الجماعة. وقد خرَّجتُ لها "أربعين حديثًا عن أربعين شيخًا"، قرأتُها عليها بحضورِهِ أيضًا. وكان أسلف لها بالإعلام بذلك على سبيل المُداعبة بقوله: قد صِرْتِ شيخةً، إلى غير ذلك ممّا يثقُلُ على النِّساء. وكانت كثيرةَ الإمداد لشيخنا العلَّامة ابن خضر، وهو الذي كان يقرأ لها "البخاري" في رجب وشعبان مِنْ كلِّ سنةٍ بالمدرسة، وتحتفل يومَ الختم بأنواعٍ مِنَ الحلوى والفاكهة وغير ذلك، ويهرعُ الكبارُ والصغار لحضور هذا اليوم، وهو قُبَيْل رمضان، بين يدي صاحب التَّرجمة. ولما مات ابن خضر قرأه لها سبطُها سنة واحدة في حياة جدِّه، وكان في أوائل ما لَبسَ زيَّ الفُقَهاء، واستمر حتى الآن. ولم تزل على جلالتها وتصوُّنها لم تُضْبط لها هفوةٌ ولا زلَّةٌ؛ بل مات كلُّ أولادها (بين يديها) (٣) فصبرت واحتَسبَت، إلى أن ماتت بعد أن كانت مِنْ مدَّةٍ أوقفت ما بقيَ مِنْ أملاكها على سبطها وذرِّيَّته. وكذا كانت رغِبَتِ له عن رزقةٍ باسمها. وكان شيخُنا ﵀ كثيرَ التَّبجيل لها والتَّعظيم، لا سيما وهي

стр. 1174

عظيمةُ الرَّغبة فيه، بحيث إنَّه لما تسرَّى وغضبت أمُّها الست سارة، كنت معه في ذلك أخفَّ حالًا مِنْ أمِّها، وبلغني أنَّها حينئذٍ عَتِبَتْهُ. فاعتذر بميله للأولاد الذكور، فدعت عليه أن لا يُرْزَقَ ولدًا عالمًا، فتألم لذلك، وخشي مِنْ دُعائها، وقال لها: أحرقتِ قلبي، أو كما قال. حكاه لي سبطُها، وقال: إنَّها كانت مجابةَ الدُّعاء، وإنها رأت ليلةَ القدر عيانًا. وكانت وفاتُها في يوم الثلاثاء ثاني عشري (١) في ربيع الأول سنة سبع (٢) وستين وثماني مائة، وصُلِّيَ عليها بجامع المارداني، ودُفِنتْ بتربة سلفها بالقرب مِنْ الجامع المذكور عند أولادها، ولم تخلف بالنِّسبة لما كان في حوزتها إلَّا اليسير، لكونها كانت ذا عيال وحشمة، ولها مكارمُ، بحيث لا تزال تستدين وتنفقُ وتهَبُ وتعطي سِبطَها العطاءَ الجزيل، وولد ابن أختها، وسبط أختها، ومَنْ يدخلُ إليها مِنَ العجائز وغيرهن ممن يلُذْنَ بالرُّؤساء ونحوهم. ولو عاشت قليلًا، لانكشف الحال، ولكن جمَّلَ اللَّه ولطف، وما شك أنَّ ذلك حصل ببركةِ زوجها، بل مِنْ بركته أَنَّها خُطِبَتْ غير مرَّة، وأرسل لها القاضي علم الدين البُلقيني على يد ولده أبي البَقاء ﵏ المهر، ذاكرًا أنَّه إنما قصد صونَ بيته (٣)، بجلالتها وما أشبه ذلك، فأقام عندَها المهرُ مدَّة، ويقال: إنَّها لم تكن تأبى ذلك، لكن عصمها اللَّه تعالى ببركة زوجها. ولي في ذلك شائبة عمل، فإنِّي عند سماع ذلك حصل عندي انزعاجٌ كبير مِنْ أجل ما كان بين الشيخين رحمهما اللَّه تعالى، لا سيما وتزويجه بها يؤدي إلى سكناه بمنزله وغير ذلك، فاجتمعتُ به. وكان ﵀ سليم الباطن، فخيَّلته بأمور أبديتُها له، فصرَّح لي بالرجوع، ولم أجد عنده هو كبير اكتراث بذلك، وإنَّما الوسائطُ هم الآفاتُ. وبالجملة، فأراد اللَّه تعالى بها خيرًا، فإنها إن شاء اللَّه تعالى تكونُ

стр. 1175

زوجة شيخنا في الآخرة. ومن الاتفاقيات الغريبة أنَّ عمَّ والدها البدرَ حسن كان جوادًا، كثير المكارم، وركبه بسببِ ذلك دَيْنٌ كثير، وهو لا يترك عادته في العطايا والجود لحُسْنِ ظنِّه باللَّه تعالى، فاتفق أنْ ماتت زوجتُه، وتركت مالًا جزيلًا، فورثها، ثم مات عقبها، فوفَّى ميراثه منها بديونه طبقًا بطبق، ولم يورث شيئًا. ونحوه ما اتَّفق لابن أخيه كريم الدين عبد الكريم والد المترجمة لما مات، لم يخلف إلا ستمائة درهم، أخرج بها مع ثياب يسيرة وأثاث قليل. وقريب منه ما اتفق لهذه كما أسلفته. [سبط ابن حجر]: ولم تخلف -كما أسلفتُ- مِنْ بنيها أحدًا. بلى خلفت سبطها الجمال أبا المحاسن يوسف بن شاهين الكركي (١). ومولده -كما قرأتُه بخطِّ جدِّه صاحبُ التَّرجمة- في ليلة الإثنين عند صلاة العشاء ثامن ربيع الأول سنة ثمان وعشرين وثمان مائة، ونشأ عزيزًا مكرمًا في حجر جدَّيه، واستُجيز له غير واحد مِنْ المسندين، منهم الكمال بن خير، وسمع على جدِّه كثيرًا، بل أسمعه بقراءته (٢) على تِجار البالسيَّة جزءًا، وسمع على غيره يسيرًا. وكان بزيِّ أبناء الجُند، حتى في المذهب، فأُشيرَ عليه بالتزييِّ بالفقهاء وبالانتماء للشَّافعيَّة، وقُرِّر في نظر المنكوتمرية، لكونه أرشدَ الموجودين مِنْ ذرِّيَّة الواقف، وقرأ حينئذٍ على البُرهان بن خضر والبدر بن القطان يسيرًا، وقرأ على جدّه -فيما شاهدناه- "التقريب" وغيره، وكتب عنه في "الأمالي"، وقابل عليه أشياءَ مِنْ تصانيفه. وقرأ عليها "البخاري" و"النُّخبة" داخل البيت.

стр. 1176

وتردَّد معنا يسيرًا إلى العز ابن الفرات، وقرىء عنده اليسير على غيره مِنْ المسندِينَ، وما أكثر مِنْ ذلك، بل كنتُ أقصد التجوُّه به عند ابنِ الفُرات، فلا يتَّفِقُ إلا في اليسير مِنْ الأوقات. ولما مات جدُّه، اشتغل يسيرًا، فأخذ الفرائضَ عَنِ الشَّيخ أبي (١) الجود المالكي، وحضر التَّقسيم عند العلاء القلقشندي، ويسيرًا عندَ الجلال المحلِّي، وكذا حضر عند الشَّيخ أحمد الأُبَّدي (٢) في العروض ونحوه، وتردَّد لغيرهم، وعاونَه الشَّمسُ المحلِّي الذي كان منتمِيًا لصهره ابن البلقيني في نظم أشياء، وقرأ على الرَّشيدي جُملة، وحصَّل. وصاهر أكبر القائمين في مقاهرة جدِّه، وهو ولي الدين ابن تقي الدين البلقيني، فتزوج أخته، واستولدها عدَّة أولاد، تأخَّر منهم حينَ تبييضِ هذا الكتاب عزيزُ الدِّين محمد، الملقَّب حجر، الذي توفي بعد ذلك في الطاعون في ليلة الأحد خامس رمضان سنة ثلاث (٣) وسبعين وثمان مائة عن دون ثمان سنين، ودفنَ بمدرسة خاله ولي الدين ابن تقي الدِّين البلقيني. وأنكر العقلاءُ عليه التَّزويج المذكور، وقاسى منها مشقَّة، وآل الأمرُ إلى الفِراقَ، وهجوِها بقصيدةٍ بعد أن سافر إلى الشَّام وكيلًا عنها وعن أختها في ضبط تركة (٤) أخيهما المذكور، ممَّا كان الأوْلَى به خلافُه، ولم يحصُل على طائلٍ. وفي هذه السَّفرة أخذ عن مَنْ أدركه هُناك مِنْ بقايا المسندين، ومدحَ صهرَه المذكور لمَّا ولي الشَّامَ بقوله، كما رأيته بخطه:

стр. 1177

بَشِّرْ بِلادَ الشَّام مَع سُكَّانها ... بولِيِّ دينٍ قَدْ وَلِيهَا حَاكِما حَبْرٌ إمامٌ نَاسِكٌ مُتَعَفِّفٌ ... بالعِزِّ لم يَبْرَحْ مُهابًا راحما وبقوله أيضًا: لِتَهنَ بِكَ العَلْيَاءُ يَا شَيْخَ عَصْرِهِ ... ويَا عَالِمًا حازَ الكَمَالَ بَأَسْرِهِ ويا مُفْردًا في وَقْتِنا بولائه ... فَدُمْ في أمَانٍ بالوَلَاءِ ونَصْرِهِ وهجا خاله بما سيأتي في ترجمته. وكان مِنْ مدَّة شرع في ترتيب "طبقات الحفاظ" [للذهبي على الحروف بإشارة جده، بعد أن أعطاه نصف "ترتيبها" له، فكمل عليه، ثم التمس مِنْ القاضي علم الدين التقريض] (١) عليها فرآه نقل عن جدِّه أشياء فأفْحَشَ في إنكارها بهامش النُّسخة في غير ما موضعٍ ممَّا لا أحبُّ ذكره، لكونه انتقصَ فيه شيخَنا، ثم استرضى حتَّى كتب. وكذا كتب له على الكتاب اسمه صاحبنا القطب الخيضري بعد أن وصف هو القطب في الخُطْبة بشيخه العلَّامة حافظ الوقت، وكذا وصف تقيَّ الدين القلقشندي بشيخه، وما علمتُه قرأ على واحدٍ منهُما، ورأيتُ بخطه أَنَّه مدح أولهما بقوله: لتهنَ بِكَ العلياءُ يا قُطْبَ عَصْرهِ ... ويا حافِظًا حازَ الفَخَارَ بأسْرِهِ ويا مُفْرَدًا في وَقْتِنَا بِذَكائِه ... فدُمْ في أمانٍ بالهَنَاءِ ونَصْرِهِ واختصر "قُضاة مصر" لجده، فأساء الصَّنيع، خصوصًا حيثُ وصف الأصل بقوله: وجدتُ فيه بعضَ إعوازٍ في مواضع، منها إسهابُه في بعض التراجم، وإجحافُه في بعضها، ومنها: إخلاله بتحرير مَنْ تكرَّرت ولايتُه، والاقتصار على ذكر بعضها، ومنها: إغفالُه ذكرَ مَنْ أخذَ المترجم عنه، وبمن صُرِفَ في الغالب، ومنها: إهمالُه بعضَ تراجم أسقطَها أصلًا ورأسًا، ولعلَّها

стр. 1178

كانت في زجاجات (!) فلم يظفَر بها المبيِّضُ. إلى أن قال: فأُناقِشُ المؤلِّفَ في مواضع قد قلَّد فيها غيره، وهي منكرَةٌ، وقال في موضع آخر مِنْ الكتاب: وإذا تأمل المنصفُ يتحقق أنَّ الصواب ما حرَّرناه، وأنَّ شيخنا ﵀ لم يحرِّر هذا الكتاب، فهذا الموضع مِنَ المواضع التي قلَّد فيها بعض مَنْ صنَّف في القُضاة، ولم يحرِّرْها. وفوقَ كلِّ ذي علمٍ عليم. انتهى. ولذلك كتب قاضي القُضاة المحبُّ الحنفي الذي تزوَّج السِّبْطُ ابنتَه بعدُ في سنة تسع وسبعين، إذ وقف على ذلك ما نصُّه: كأنَّه ينسُبُ جدَّه إلى القُصُور في البلاغة، وإلى قلَّة المعرفة بالأدب، وأنَّه أبصر منه بذلك، ثمَّ بيَّن أنَّ الصَّواب جُزازات لا زجاجات. قلت: والإنكار عليه في ذلك أن لو فُرِضَ صحَّةُ قوله، فكيف وتلك كلمات رام أن يعلُوَ فيها فهبَط. ومن القبائح التي رأيتُها في هذا المختصر: أنَّه عقد فصلًا في مَنْ حصلت له محنةٌ بعد دخوله في المنصب بضربٍ أو سجن أو إتلافِ روح، وكأنَّه جعل لمَنْ تأخَّر مستندًا، وكذا عقد لمن وَليَ القضاءَ مِنَ الموالي ترجمةً، وذكر لبعض أصحابه أنَّه قصد بذلك أن يكون له بهم أسوة إذا وليَ. وباللَّه يا أخي، اعذُرني في ما أشرتُ إليه، فحقُّ شيخنا مقدَّم. وعمل "جزءًا" جرَّد فيه أسماء الشُّيوخ الذين أجازوا له ونحوهم في كراريس، لا تراجم فيها، وقع له فيه تحريفُ أسماء، لكون اعتماده فيها على النَّقل مِنَ الاستدعاءات، ومواضع سقط عليه مِنَ الأنساب، فلزم تكريرُ الواحد في موضعين فأكثر وهو لا يشعُر، ورُبما يكون تكرارُها في موضعٍ واحدٍ وأماكن يضبطُها بالحروف أو بالقلم وهي خطأ، ومواضع لا يُحْسِنُ قراءتها، فيخليها مِنَ النَّقْطِ، فضلًا عَنِ الضَّبط، وأماكن يحذف ما يكونُ شُهرة الشَّخص به، بحيث يمرُّ عليه مَنْ يعرفُه فيظنُّه آخر لعدم اشتهاره بذلك، بل ربما يكون في ذلك الوصفِ مع ذلك للمذكور تنقيصًا، إلى غير ذلك ممَّا الحامل على التَّعرُّض له ما سبق. ومن كان هذا شأنه في شيوخه، لا يليق به ما تقدم.

стр. 1179

ودرَّس للمحدثين بالقُبَّة البَيبَرسية برغبةِ الشَّيخ قاسم الحنفي له عنها، وعمل حينئذٍ إجلاسًا بحضرة القاضي علم الدين البُلقيني وصهره ولي الدين وغيرهما، ولم أكن إذ ذاك بمصر، وشرع في شرح "بلوغ المرام" وكأنَّه اعتمد على القطعة التي عملها جدُّه مِنْ "شرح المحرر" لابن عبد الهادي، وكذا استنزل أولادَ الشَّيخ بدر الدين ابن الأمانة عَنْ تدريس الحديث بالقبَّة المنْصورية بنحو ثلاثمائة دينار، وافتتح الدَّرس بالكلام على حديث قبض العلم، وذلك في سنة أربع وسبعين، وعند انتهاء غالبِ المعتبرين مِنْ شُيوخ الرواية، قام فطلب ودار على المتأخِّرين. وأكثرَ مِنْ كتابة الأجزاء وغيرها، وليس خطه في ذلك بالطائل، لا سندًا ولا متنًا، وفارقتُه وهو يكتبُ في "الخادم" للزركشي، ثم بعد أن كتب منه نحوَ الرُّبع باعَهُ للشَّيخ شمس الدين بن قاسم، واستنسخه (١) في باقيه. وحجَّ في حياة جدَّيْهِ سنةَ ثمان وأربعين وثمان مائة، وصُحبَتُه الطَّواشي سُنبل فتى جدَّتِه وغيره، وكتب معه جدُّه إلى القاضي أبي اليمن ما نصُّه: إنَّ مُحضرها الولد العزيز يوسف سبط العبد تهيَّأ لقضاء فريضة الحج، وما كان العبدُ يتمنَّى إلَّا أن يكون صُحبتَه، ولكن الأمُورَ تجري بقدرٍ، وليس للعبدِ حيلَةٌ في دفع المقدور، ولا غِنَى له عن ملاحظتكم ومؤانستكم، فإنَّه صغيرُ السِّنِّ، وما سافر قطُّ ولا تغرَّب عَنْ أهله ليلة واحدةً، ولكن أوقعَ اللَّه تعالى في قلبه هُجران أرضه والميلَ الكلِّيَّ إلى قضاءِ فرضِهِ، فنسأل اللَّه تعالى أنْ يبلغَه منيَتَه، ويعيدَه إلى وطنِه بعد قضاء وطره، إنَّه سميعٌ مجيب. ورجع فأخبر جده بإكرام المذكور له، فراسله صُحْبَةَ ناصرِ الدِّين ابن المهندس موقع الحكم في جمادى الآخرة سنة تسع وأربعين وثمان مائة، وصدرُ الرِّسالة: بوصف المكتوب إليه بالإمام الفاضل الكامل قاضي المسلمين، خطيب الخُطباء: أبي اليمن. إلى أن قال: وأن محضرها الولد ناصر الدين موقع الحكم العزيز، عزم على المجاورة بالحرم الشَّريف، وتوجَّه

стр. 1180

وصُحبتَه أهلُه وعيالُه، ولا غنى به في مُدَّة إقامته عَنْ ملاحظتكم ومساعدتكم، والمسؤول شمولُه بنظركم العزيز، وعنايتكم به، وهذا بحسب الإدلال، وقد وقف العبدُ على مطالعتكم إلى الجناب العالي الظهيري ابن الطَّرابلسي، وفيه السَّلام على العبد، فاللَّه المسؤول أن يسلم عليكم ويسلمكم, والعبدُ يسلِّمُ عليكم ثانيًا، وعلى الولد العزيز نورُ الدين. وقد وصل الولد يوسف والطَّواشي سُنبل، وكلٌّ مِنهُما رطبُ اللِّسانِ بالدُّعاء والثَّناء والاغتباط بالوالد والولد، وهذا هو المعهودُ، ووصل ما تفضَّل به الولدُ العزيز مِنَ الهدية الطَّيبة، فاللَّه تعالى يُجازيكم خيرَ الجزاء، ويعينكم على ما أنتم فيه مِنْ جميع الأشياء، ويُمدكم بمعونته، ويؤيدكم بعنايته، ويجمعُ الشَّمل بكم في الحرم الشريف قريبًا إن شاء اللَّه تعالى. ثم حج في حياة جدَّته سنة إحدى وستين وثماني مائة. وكانت للمدرسة المنكوتمرية جهةٌ بالشَّام، فلبم يزل به الجماليُّ ناظر الخاص بواسطة السُّوء عنده، حتَّى عوَّضَه عنها أقطاعًا كان باسمه اشتراه منه بثمن، ثم عمله رزقةً بدلًا عَنِ الجِهَة المذكورة، ولذلك تلاشى حالُ المدرسة، لا سيما وهو ليِّنُ الجانب، ولا يستثير أحبابه، وثوقًا بنفسه. وكَثُرَ الخللُ في تصرُّفاته لذلك، حتى كان مِنْ جملة أفعاله استبدالُه سكنَ جدِّه، ثم اشتراه لنفسه وهدمه، وبالغ في أمور كان الوقت في غُنْيَة عنها، وتحمل لذلك ديونًا كثيرةً، وباع نفائس كُتُبِه، واستبدل غيره مِنَ الأماكن، ومع ذلك فلم يتهيَّأ له إنهاء موضعٍ صالحٍ للسُّكنى. وبالجملة، فهو إنسانٌ خيِّرٌ ساكن، حَسَنُ الفَهْمِ، متعبِّدٌ بالصَّوم، منجمع عَنِ الناس، واللَّه تعالى يُعينه ويسدِّده. [سُرِّيَّتُه خاص ترك]: إذا علم هذا فنقول: إنَّ صاحبُ التَّرجمة لمَّا رأى كثرةَ ما تلِدُه أمُّ أولاده مِنَ الإناث، وأحبَّ أن يكون له ولدٌ ذكرٌ، ولم يمكنه التَّزويج مراعاةً لخاطرها، اختر التَّسَرِّي، وكانت لزوجته جاريةٌ جميلةٌ، يقال: إنَّها ططرية، اسمُها خاص

стр. 1181

تُرك, فوقع في خاطره الميلُ إليها, فاقتضى رأيه الشَّريفُ أن أظهر تغيُّظًا منها بسبب تقصيرها في بعض الخدمة، وحلف أنَّها لا تقيمُ بمنزله، فبادرت زوجتُه لبيعهَا بعد أن أمرها أن تأمرَ القاصد بعدم التوقُّف في بيعها بأيِّ ثمنٍ كان. قال: وكلُّ ما رُمْتيه مِنَ الزِّيادة على ذلك، أقومُ لك به، ففعلَتْ. وأرسل هو الشيخَ شمس الدين ابن الضياء الحنبلي، فاشتراها له بطريقِ الوَكالة، وأقامت ببعضِ الأماكن حتى استبرأها, ثم وطئها، فحملت بولده القاضي بدر الدين أبي المعالي محمد. وكان مولده في ثامن عشر صفر سنة خمس عشرة وثمانمائة، واستدعى صاحبُ التَّرجمة بالطَّلبة ونحوهِم يومَ السابع إلى منزلِ أمِّ أولاده، وعمل لهم شواءً، فكنت العقيقةُ عندها وهي لا تشعر. وأقام عند أمِّه وشيخُنا يتردَّدُ إليهما حتَّى بلغ الخبرُ أمَّ أولاده قبل انفصالِ الولد عَنِ الرَّضاع، فركبت هي أو أمها (١) مِنْ فورها إلى المكان الذي كانا به، وأحضرتهما معها إلى منزلها، فتركتهما ببعض المعازل إلى أن حضر شيخُنا مِنَ الركوب وليس عنده شعورٌ بما وقع، فاستخبرته عَنْ ذلك، فما اعترف ولا أنكر، بل ورَّى بما يُفْهَمُ منه الإنكارُ، فقامت وأخرجتِ الولدَ وأمَّه، فسُقِط في يده، وبادر فاختطفَ الولدَ، وذهب به إلى بعضِ مَنْ يثقُ به مِنَ النِّسْوَةِ بمصر، ثم توجهت إليه أمُّه بعد ذلك. ولم تزل به إلى أن زوَّجها بالزَّين عبد الصمد ابن صاحبِه الشَّيخ شمس الدين الزركشي، أحد مِنْ سمعنا عليه الحديثَ، واستمرت معه حتى ماتت (٢). [ابنه محمد]: وأما الولد (٣) فأشغله والدُه بحفظِ القرآن، فختمه.

стр. 1182

وصلى بالنَّاس على جاري العادة في رمضان سنة ست وعشرين وثماني مائة بالخانقاه الرُّكنيَّة البَيْبَرسية، وحضر الأعيان، وكتب قاضي القضاة العلاءُ ابن المغلي لصاحب التَّرجمة حينئذٍ ما سلف في الباب الخامس في فصل المطارحات. وأسمعه الحديثَ على الواسطي والفخر الدَّنديلي وجماعة. وأجاز له باستدعاءِ والدَه في سنة مولده فما بعدها خلقٌ مِنْ كبار المسندين, ذكر الكثيرَ منهم والدُه في "معجم شيوخه"، ومنهم عائشةُ ابنَة محمد بن عبد الهادي، وأبو بكر بن الحسين المراغي. وأثبت الحافظُ أبو النَّعيم اسمَه قديمًا فيمن يستجاز. وترجمه، فقال: سمع بقراءتي على عُثمان الدَّنديلي "جزء ابن حذلم"، وكتب عن والده باستملائي كثيرًا، وأجاز له خلقٌ لا يُحصَوْنَ، منهم عائشةُ ابنةُ ابن عبد الهادي. انتهى. وكنتُ أسمع أنَّ والده صنَّف "بلوغ المرام" لأجله، ولا أستبعد لملك، فإنَّه كما تقدم- فرغ مِنْ تأليفه سنة ثمان وعشرين، لكنه ما تيسَّر له حفظه، بلى، حفظ يسيرًا منه ومِنْ غيره، وكتب عَنْ والده كثيرًا مِنْ مجالس الإملاء كما قرأت [ذلك بخط المستملي الذي أسلفت حكايته، ورأيت كثيرًا منها] (١) بخط البدر المذكور. ولازم مجلسَه، حتَّى سمع عليه شيئًا كثيرًا مِنَ الكتب الكبار في رمضان وغيره. واشتغل بالقيام بأمر القضاة والأوقاف ونحوها حتى فاق، وصارت له خبرةٌ تامَّة بالمباشرة والحساب، واشتدت محبَّة والده له، بحيث لا يصده عنه صادٌّ، ولا يردُّه عنه رادٌّ، وللَّه درُّ القائل ممَّن توفي له عدَّة أولاد, ثم وُلدَ له بعدَ تعطّشٍ واشتياق: أُحِبُّه حُبَّ الشَّحيحِ مالَه ... قد كان ذاقَ الفَقْرَ ثُمَّ نَالَه انتهى.

стр. 1183

وولي في حياته عدَّة وظائف، أجلُّها مشيخةُ الخانقاه البَيْبَرسية، وتدريس الحديث بالحسينية (١)، ناب عنه فيهما والدُه. والإمامةُ بجامع طولون، وغير ذلك. وكان حَسَنَ الشّكالة، متكرِّمًا على عياله، قل أن يكون في معناه مِنْ نظرائِه مثله. ولما مات والده، ما التفت لشيءٍ مِنْ وظائفه، حتى ولا ما يصلُح أن يكونَ باسمه، كالخَطَابَة بجامع عمرو، والخَزْن لكتب المحمودية، والمرتب بالجوالي، ونحو ذلك. نعم، جُهِّزَتْ له مربعة ببعض جوالي أبيه، فأباها. وأمضى أكثرَ ما أوصى به والدُه مِنَ الصَّدقات ونحوها، وهو قدر كبير، بحيث قضى النَّاس العجبَ مِنْ ذلك، لكنه -عفا اللَّه عنه- ضيَّع ما كان الأولى به الحرص على بقائِه مِنْ تصانيفِ أبيه وغيرها ممَّا كتبه بخطِّه، ونقل أكثر ذلك لناظر الخاصِّ الجمال يوسف ابن كاتب جكم كما تقدَّم قريبًا وتفرقت شذرًا مذرًا مِنْ غير مُقابل في ذلك، بحيث لم يحصُل الانتفاع ممَّا لم يُبَيَّض في حياته إلا بما أعملت (٢) الفكر في تحصيله منه بخطِّي، وهو شيء كثيرٌ، فللَّه الحمدُ. وقد رأيت بخطِّ ابن أُخته هجوًا فيه، واستغفرُ اللَّه مِنْ حكايته: قولُوا لخالي الَّذي قَدْ كُنْتُ راجيهِ ... عِنْدَ الشَّدائِدِ في تَقْديمِ إخلالي ضيَّعت كُتبًا بلا حقٍّ خَسِرْتَ بها ... دُنْيا وأُخْرَى فَقَد آذيْتَ يَا خَالي وأيضًا: قولُوا لخالٍ قد غَدا خَالِيا ... مِنْ عَقلِهِ والعِلْمِ والمَالِ أخْلَيْتَ دَار الخَيرِ مِنْ كُتبِها ... وَيْحَكَ مُذْ أدْعُوكَ يَا خالِ

стр. 1184

وأيضًا: قولوا لذا الخَالِ الَّذي قَدْ غَدَا ... مُسْتْنقِصًا قَدْرِي بإذْلالِ اللَّه حَسْبِي وكَفَى عالِمًا ... بالنَّقْصِ والإكْمَالِ يَا خَالي وللَّه درُّ القائل: وإنَّ ابْنَ أُخْتِ القوم مُصْغَى إناؤه ... إذا لم يُزَاحِم خَالَه بأبٍ جَلْدِ وحرصت كل الحرص أن يُقبل بعدَ موتِ أبيه على المُطالعة والاشتغال على بعض جماعةِ أبيه، كابن حسَّان وغيره، وكاد يوافق على ذلك، لكنَّه ما تمَّ. وسمعت مَنْ يذكُر عَنْ شيخنا صاحبُ التَّرجمة أَنَّه كان يقول: قلَّ أن يجتمع الحظُّ لامرىءٍ في تسله وتصانيفه معًا. انتهى. وقد حدَّث باليسير، وخرَّجت له "جزءًا"، وكتبَ على الاستدعاءات، وقابلَ معي بعضًا مِنْ تصانيف والده، وعُرِضَتْ عليه حِسبَةُ القاهرة ومصر، فما وافق، وكانت الخِيرَةُ في ذلك. وكذا التمس منه بذل شيء في عود وظيفة مشيخة الخانقاه، فتوقف إلا أن أُضيف النَّظرُ لها. ولم تكن همَّتُه منصرفة لشيءٍ مِنْ ذلك. وقد حجَّ في حياة أبيه سنة ثلاث وثلاثين وثماني مائة، ثم بعده غير مرَّةٍ بتجمُّلٍ زائدٍ، ومصرفٍ كبير، وجاور، وأنشأ عدَّة أماكن في حياة أبيه وبعده، أنفد غالبها في النَّفقة مع ما تخلَّف مِنْ تركة والده عن آخره، بحيث يزيدُ ما صرفَه مِنْ بعد موته وإلى أن مات على ثلاثين ألف دينار، وكاد الحالُ أن يضيق، لكن جمَّل اللَّه تعالى ببركة والده. وابتدأ به الوعك، وقاسى شدائد أقام فيها أزيدَ مِنْ مائة يوم، وتفتَّحت في أعصابه عدَّةُ أماكن، وتخلّى، وانتحل، وصار إلى هيئة أرجو أن يكفَّرَ عنه بسببها. كل ذلك وهو صابرٌ حامدٌ شاكر، إلى أن ماتَ مبطونًا شهيدًا يوم الأربعاء سادس عشر جمادى الثَّاني سنة تسع وستين وثماني مائة، ودُفِنَ

стр. 1185

مِنْ يومه بتُربة جَوْشَن بعد أن شهده جمعٌ جَمٌّ، منهمُ الشَّافعي والحنفي، ومشى معه إلى محل دفنه في طائفة كثيرة. وخلَّف ولدًا ذا أولادٍ وزوجةٍ، وقوِّمَتْ أملاكُه بنحوِ ثمانية آلاف دينار. واستبدَّ بالتكلُّم في ترِكته ابنُ أخته الجمال يوسف، فسبحان الفعَّال لما يريد. وأخبرني ابنُ أخته المذكور أَنه رأى الزَّين شعبان ابن ابن (١) عم شيخنا في المنَام بعد موت البدر، فسأله عنه: هل جاء إليهم، فقال: وصل إلينا بعد موته بستَّة أيام، صالحَ عنه أبوه بخمسةٍ وستين، فاستبشرتُ لهُ بذلك. [أبناء محمد ابن الحافظ ابن حجر]: وأثكل في حياته عدَّة أولاد، فمِمَّن علمتُه: حوراء (٢): كان مولدُها في ليلة الثُّلاثاء قبل أذان الفجر بساعة ثامن عشر ذي القعدة الحرام سنة ثلاث وثلاثين وثماني مائة، وكان ذلك بعد وفاءِ النِّيل، فحصلت البُشرى بذلك للمسلمين، وكان أبُوها يومئذٍ في طريق مكَّةَ حاجًا، ولعلَّه كان حينئذٍ بالحوراء أو بقُربها، فسُمِّيت بذلك. وانتقلت أمُّها -وهي روميَّة، تُسمَّى بُلبل- في أول محرم سنة خمس وثلاثين، وقد أكملت ابنتُها هذه سنةً واحدة وشهرًا وثلثي الشهر، فامتنعت مِنْ قَبُول ثدى غيرِ أُمِّها، ففُطِمَتْ، وأعانها اللَّه تعالى ببركة جدِّها، فعاشت، ثمَّ ماتت بالطَّاعون في سادس ذي القعدة سنة إحدى وأربعين وثماني مائة، فلم تكمل الثمان.

стр. 1186

جويرية (١): كتبها جدُّها في استدعاء لوالدها مؤرَّخ برجب سنة خمس وثلاثين، وباستدعاءٍ بعد ذلك. و لطيفة (٢): وكان مولدُها في أول العشر الثَّالث مِنْ ذي القعدة سنة ست وثلاثين وثماني مائة، واستجاز لها جدها وغيرُه، وعاشت حتَّى تزوجت بيوسف ابن الشَّرفي يحيى ابن بنت المكي. وماتت شهيدة في ليلة الاثنين ثامن رجب سنة أربع وخمسين وثمان مائة بعد أن حجَّت مع أبويها وزوجِها، ودفِنَتْ بتُربة مقابلةٍ للصُّوفية البَيبرسية، ثم نُقِلَتْ بعدَ مُدَّةٍ إلى جَوْشَن. و حسين (٣): وكان مولده في أوائل شوال سنة إحدى وأربعين، ومات في شعبان سنة اثنتين وأربعين عَنْ دونِ سنة. أرَّخه جده في "تاريخه". [علي]: ولم يخلف -كما قدمتُه- غيرَ ولد واحد، اسمُه علي (٤)، كان مولدُه في ليلة السبت ثاني ذي القعدة سنة تسعٍ وثلاثين، كما أرَّخه جده في "تاريخه" (٥) ودعا لَهُ، فقال: أنشأه اللَّه صالحًا في دينه ودُنياه. وقد نشأ في كنف أبويه في غاية مِنَ الرَّفاهية، وأجاز له غيرُ واحدٍ،

стр. 1187

وأُحْضِرَ مجلسَ جدِّه، وتردَّد له الفقيه جعفر السَّنهوري القارىء للتَّعليم وغيره، وحجَّ مع أبويه، وجاور، ومات كلٌّ مِنْ أبويه في حياته، فصبر ورُزِق عدَّة أولاد، تأخَّر حين تبييض هذه التَّرجمة منهم محمد، [وهو ذكي فَطِن، أرجو فيه الخير] (١)، وابنتين غيره. [ومن زوجاته]: ومن زوجات صاحبُ التَّرجمة أيضًا. . . (٢) زوجة الزين أبي بكر. . . (٣) الأمشاطي. تزوجها بعد موته، وكان أسند وصيته إليه. وعتيقة العلَّامة نظام الدِّين يحيى ابن العلَّامة سيف الدِّين الصِّيرامي، شيخ الظَّاهرية، تزوَّجها في مجاورة أمِّ أولاده في سنة أربع وثلاثين، وكان سيِّدُها قد مات في سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة، ورُزِقَ منها شيخُنا ابنَةً في يوم الثلاثاء خامس رجب سنة خمس وثلاثين، وهي بقاعة المشيخة بالبيبرسية، سماها آمنة (٤). وكتبها في بعض استدعاءات ولده محمد، ثم ماتت في ثالث عشر شوال سنة ست وثلاثين وبموتها طُلِّقَتْ أمُّها، فإنَّه كان علَّق طلاقها عند سفره إلى آمد على موتها، وتزوَّجها بعهده الشّريف الجَرَواني (٥). [زوجته ليلى الحلبية]: ومنهن ليلى ابنة محمود بن طوغان الحلبية (٦)، تزوجها حيث سافر مع

стр. 1188

الأشرف إلى آمد في سنة ست وثلاثين، وكانت ذات ولدَين بالِغَيْنِ، واستمرت معه إلى أن سافر مِنْ حلب، ففارقها، لكنَّه لم يُعلمها بالطَّلاق، وإنَّما أسَرَّه لبعضِ خواصِّه. والتمس منه أن لا يُعلمها بذلك إلَّا بعد مُضيِّ المدَّة التي كان عجَّل لها النَّفقة عنها عندَ سفره، حيث تحضُرُ للمطالبة بالنَّفقة المستقبلة، فيعلمها حينئذٍ بذلك. ثم راسل (١) بعض أحبابه الحلبيين في تجهيزها له إن اختارت، ويعلمه بأن يعلمها بأنَّ الحامِل له على الطَّلاق الرِّفقُ بها لئلا تختلى الإقامة بوطنها، أو يحصل لها نصيبُها، فلا تتضرَّر بشبكته. وكان في الكتاب المذكور -كما قرأتُ بخطِّه- وصفُه لها بأنها نعمَ المرأةُ عقلًا وحُسْنَ خَلْقٍ وخُلُقٍ، ويأمُرُه بوعدها بكل جميل، وأنها إن قدِمَتْ لا يكونُ عنده أعزُّ منها، وينزلها أحسنَ المنازل، ويعوِّضها عن كلِّ شيءٍ مِنَ الفرش والأمتعة، ولا يُحْوِجُها لشيءٍ. وسترى ذلك إن فعلت. قال: فإن رغبةَ العبد فيها قويَّةٌ ظاهرًا وباطنًا. فامتثلت إشارته, وتجهَّزت حتى قدِمَتْ عليه مصر، فاستعادها بعد أن أنزلها بقاعةِ المشيخة باليبرسية، واحتفل بشأنها، وكادت أمُّ أولاده تُقَدُّ غُبنًا. واستمرت في عصمته حتى سافرت إلى حلب، وصُحبتُها الشَّيخ شمس الدين بن قمر، لزيارة أهلها في نصف شوال سنة إحدى وأربعين وثمان مائة. ففارقها حينئذٍ، وقال: إنَّها أكملت في عصمته خمس سنين سواء، ثم عادت في رجب مِنَ السَّنة التي تليها، فأعادها إلى عصمته، واستمرت معه حتَّى مات. وورثته. ولم يكن -مع شدة ميلهِ إليها- يبيتُ عندها، إنَّما كان يجيئُها في يومي الثلاثاء والجمعة مِنْ كل أسبوع غالبًا، كما سلف في الباب السَّابع، ولم يُرْزَق منها أولادًا، وهو القائل في حقِّها ما أسلفتُه مِنَ النّظم في الباب الثاني (٢)، صان اللَّه حِجابَها.

стр. 1189

وقد تأخَّرت بعده دهرًا، وتزوجت عدَّة أزواج، ثم ماتت في منتصف شهر رجب سنة إحدى وثمانين وثمانمائة بعد زوجِ ابنتها البدريِّ ابن القطان، رحمهما اللَّه وإيانا. [خدمُه]: وأمَّا خدمُه، فأنجبُ مَنْ علمتُه منهُم: فاتن الطَّواشي الحبشي (١). قرأ وكتب. وباقيهم فيه (٢) كثرة, ومنهُم: ريحان وموفَّق الحبشيان، ولم يتخلَّف بعده مِنْ خدمه كثيرُ أحدٍ، واللَّه المستعان.

стр. 1190

الباب العاشر فيما علمته من مراثي أُدباء العصر فيه مرتبًا لهم على حروف المعجم

стр. 1191

الباب العاشر فيما علمته مِنْ مراثي أُدباء العصر فيه مرتبًا لهم على حروف المعجم وما أحقَّه يقول ابن دريد في قصيدةٍ طويلة: إنَّ المَنِيَّة لَم تُتْلِف بِهَا رَجُلًا ... بل أتْلَفَت عَلَمًا للدِّين مَنْصُوبا كان الزَّمانُ به تَصْفُو مشارِبُه .... والآنَ أصْبَحَ بالتَّكدير مَقْطُوبَا كلَّا وأيَّامه الغُرُّ الَّتي جُعِلَتْ ... لِلْعِلْمِ نُورًا وللتَّقْوى مَحَارِيبَا وبقولِ غيرِه: ذهب العَلِيمُ بِعَيْبِ كلِّ مُحَدِّثٍ ... وبِكُلِّ مخْتَلقٍ (١) في الإسنادِ (٢) وبكلِّ وَهمٍ في الحَدِيثِ ومُشْكِلٍ ... يُعْنَى بِه عُلَمَاء كلِّ بِلادِ وأنشد الشَّيخُ محيي الدين الكافياجي -فيما بلغني- بعد موت صاحبِ التَّرجمة حزنًا واحتراقًا منْ نظمِ غيره: بَكَيْتُ على فُراقِكَ كلَّ يومٍ ... وأمليتْ الجِفَانَ مِنَ الجُفُونِ ولو كان البُكاءُ بقَدْرِ شَوْقي ... لملأتُ العُيُونَ مِنَ العُيُونِ

стр. 1192

[رثاء البقاعي لابن حجر]: فمنهم برهان الدين أبو الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي، فأنشدنى مِنْ لفظه قولَه: رُزْء ألَمَّ فقلتُ: الدَّهرُ في وَهَجٍ ... وأعْقَلُ النَّاسِ مَنْسُوبٌ إلى الهَوَجِ وللقلوب وجيبٌ في مَرَاكِزِها ... يَهُولُ فهو بتَشقيق الصُّدُورِ حَجِي وللعُيُونِ انهِمَالٌ كالغَمَامِ بُكًا ... فكُلُّ فجٍّ به غالٍ مِنَ اللَّجَجي يا واحِدَ العَصْرِ يا مَنْ لا نَظِيرَ لَهُ ... إذْ كُلُّ شَخْصٍ مِنَ الأمْثَالِ في لَجَجِ يا شَيْخَ الاسْلامِ يَا مَوْلَى لَقَدْ خَضَعَتْ ... غُلْبُ الرِّجَالِ لِمَا تُبْدي مِنَ الحُجَجِ يا بَرَّ حِلْمٍ بُحُورُ العِلْمِ قَدْ تُرِكَتْ ... لمَّا سَمِعنَا بَدَاعي نَعْيِكَ السَّمِجِ أصَمَّ أسماعَنَا لما تلا سَحَرًا: ... قَدْ مَاتَ مِنْ تُهزَم الأهْوالُ حِينَ يَجِي قاضي القُضاةِ المُفَدَّى مِنْ بَني حَجَرٍ ... مَنْ خلْقُه لَيْس في شَيْءٍ مِنَ الحَرَجِ فَلَوْ رضي الدَّهْر مِنَّا فِدْيَةً عَظُمَتْ ... إذًا -وحَقِّكَ- جُدْنَا فِيكَ بالمُهَجِ ولو حُمِيتَ بضَرْبِ السَّيْفِ ما وَجَدَتْ ... لَهَا المَنَايَا إِلَيْكَ الدَّهْرَ مِنْ وَلَجِ في حَقِّ عَهْدِكَ ما زِلنَا ذَوِي شَغَفٍ ... بِعَهْدِ وُدٍّ لَكُم بالرُّوح مُمْتَزِجِ خَفَّتْ سَجَايَاكَ والألْبَابُ قَدْ رَجَحَتْ ... بِها نُهاك عن الإحْصَاءِ بالسَّبَجِ (١) ألفتَ يَا حُلْوُ مُرَّ الصَّبْرِ تَرْشُفُهُ ... فأنْتَ للصَّبْرِ صَبٌّ بالغَرامِ شَجِ مَنْ لِلْقِيَامِ بِجُنْحِ اللَّيْلِ مُجْتَهِدًا ... يَبِيتُ تَرفَعه آياتُ ذِي الدَّرَج تُعْلي النَّحِيبَ خُضُوعًا والأسَى قَلَقًا ... كأنَّه في الدَّيَاجِي بالحرَابِ وُجِي (٢) قَدْ كَانَ مِصْرُكَ لَيْلًا كالنَّهارِ بِه ... شِهَابُ فَضْلِكَ يُغْنِيه عَنِ السُّرُج والْيَوْمَ بَعْدَكَ مِثْلُ اللَّيْلِ فِي سَدَفٍ ... (٣) يَا لَهْفَ قَلْبي فَمَا صُبْحٌ بمُنْبَلِجِ

стр. 1193

لكانَ فَقدُكَ فَقْدَ النَّاسِ كُلِّهِمِ ... وفَقْدُ غَيرِكَ قد يُلْفَى منَ الفَرَجِ مَنْ للأحاديثِ يُحْييها ويَحْفَظُهَا ... فَوَقْتُهُ لَيْسَ دَجَّالٌ إلَيْهِ يَجِي قَدْ كُنْتَ للسُّنَّةِ الغَرَّا شِهَابَ عُلا ... حَمَيْتَ آفَاقَها عَنْ مَاردٍ عَلِجِ مَنْ كَانَ في عِلْمِهِ في الشَّكِّ (١) مُرْتَبِكًا ... فأنْتَ في عِلمِكَ الأشيَا عَلَى تلَجِ وأنْتَ أذْكَى الوَرَى قَلْبًا ورائحة (٢) ... كأنَّما كُنتَ مِسْكًا طَيِّبَ الأرَجِ لَهْفِي عَلَيْكَ شِهابَ الدِّينِ مِنْ رَجُلٍ ... لمَّا تَرَحَّلْتَ صَارَ النَّاسُ في مَرَجِ قَدْ كُنْتَ حَافِظَهُمْ في كلِّ مُعْضِلَةٍ ... فَبَعدَكَ اليومَ لا تَسْأَلْ عَنِ الهَمَجِ كانوا إذا آذاهُمُ مَعْنًى وأخْرَسَهُمْ ... فَتَحْتَ كُلَّ عَمِىٍّ مِنهُ مُرْتَتَجِ لمَّا رَكِبْتَ عَلَى الحَدْبَاءِ مَا أحَدٌ ... إلَّا انْحَنَى مِنْهُ ظَهْرٌ غَيْرُ ذِي عِوَجِ رُوحي فِدَى ليالٍ قَدْ ظَفِرْتُ بِهَا ... لَدَيْكَ يَا حَبْرُ بالآمَالِ بَلْ حُجَجِ أرَوِّقُ سَمْعي بِدُرِّ النُّطْقِ مِنْكَ وَمَا ... طَرْفي بِمُمْتَنِع مِنْ وَجْهِكَ البَهجِ كأنها (٣) لَمْ تَكُنْ يَومًا فَيَا أَسَفِي ... ما كُنْت مِنْ بعْدِ ما مَرَّتْ بِمُبْتَهِجِ كلا لَعَمْرِي وإنِّي فالِقٌ كَبِدِي ... حُزْني عَلَيْكَ وَقَلْبِي جِدُّ مُلْتَعِجي ولا أحِبُّ ديَارًا قَدْ قُبِضْتَ بِهَا ... فَنَحْوَها بَعْدَ بُعْدٍ مِنكَ لَم أَعُجِ نَعم، وأَبْغَضتُ- واللَّه- الحياةَ بِلا ... وجودِ أُنسِكَ، فَاعلَم ذاكَ وابتَهِجِ لهفِي عَلَى مَجلِسِ الإملا وحَاضِرِهِ ... مِنْ كُلِّ حَبْرٍ لسُبْلِ الخَيْرِ مُنْتَهِجِ كَمْ فيه مِنْ رأسِ راسٍ هزَّ مِنْ عَجَبٍ ... والجَمْعُ مِنْ شِدَّةِ الإصْغَاءِ لَمْ يَمُجِ كأنَّنَا لَمْ نَكُنْ يَوْمًا لَدَيْكَ وَلا ... بِقَوْلِكَ العَذْبِ مِنَّا قَطُّ سرّ نَجِي فَيَا دَوَامَ افتِكَارِي للسُّرُورِ بِكُمْ ... ويَا بُكَائي طَوَالَ الدَّهْرِ والأبَجِ (٤)

стр. 1194

لأمْلأَن بَسِيطَ الأرْضِ مِنْ أَدَبٍ ... رَكِبْتُ فيكَ مَعانِيهِ مِنَ الهَزَجِ جَمَعْتُ قلبًا بِحُبٍّ فيكَ مُمْتَلئًا ... إلى لِسَانٍ بأنْواعٍ الرِّثَا لَهِجِ عَلَيْكَ منِّي تَحِيَّاتٌ أُرَدِّدُها ... ما هيَّجَ الوُرْقُ قَلبًا فيك ذَا وَهَجِ وجَادَ عَهْدَكَ مِنْ صَوْبِ الرِّضَا مُزْنٌ ... يا بَحرُ يُحْيِي بِقَاعَ الأرْضِ بالخُلُجِ ومنهم العلَّامة الشِّهاب أحمد بن أبي السُّعود المنُوفي، فأنشدني مِنْ لفظه أبياتًا مِنْ قصيدةٍ يرثي بها صاحبَ التَّرجمة في وزن التي قبلها وقافيتها، حيث سُمِعَ مِنْ ناظمها تبجُّحُه بها، والقصيدة هي هذه. . . (١). ومنهم العلَّامة الشِّهاب أبو الطَّيِّب أحمد بن محمد الحجازي، فأنشدني مِنْ لفظه لنفسه قولَه: كلُّ البَريَّةِ للمَنِيَّةِ صائرَه ... وقُفُولُها شَيْئًا فَشَيْئًا سَائِرَهْ والنَّفْسُ إنْ رَضِيَتْ بِذَا رَبِحَتْ وإنْ ... لَمْ تَرْضَ كَانَتْ عِنْدَ ذَلِكَ خَاسِرَهْ وأنَا الَّذي راضٍ بأحْكَامٍ مَضَتْ ... عَنْ ربِّنَا البَرِّ المُهَيْمِنِ صَادِرَهْ لَكِنْ سَئِمْتُ العَيْشَ مِنْ بَعْدِ الَّذي ... قَدْ خَلَّفَ الأَفْكَارَ مِنَّا حَائِرَهْ هو شَيْخُ الإسْلامِ المعَظمُ قَدْرُهُ ... مَنْ كَانَ أَوحَدَ عَصْرِهِ والنَّادرَهْ قاضي القضَاةِ العسقَلاني الذِي ... لم ترفَعِ الدنيَا خَصِيما ناظَرَهْ وشهابُ دينِ اللَّه ذي الفَضْلِ الَّذي ... أرْبَى على عَدَدِ النُّجومِ مُكاثَرَهْ لا تَعْجَبوا لِعلُوهِ فأبُوهُ مِنْ ... قَبْلٌ عَليٌّ في الدُّنَيا والآخرهْ هو كيمياء العِلْمِ كَمْ مِنْ طالِبٍ ... بالكَسْرِ جَاءَ لَه فأضْحَى جابِرَهْ لا بِدْعَ أنْ عَادَت عُلُوم الكيمياء مِنْ ... بَعْدِ ذَا الحَجَر المُكَرَّمِ بائِرَهْ لَهْفِي عَلَى مَنْ أَوْرَثَتْنِي حَسْرَةً ... رُوسُ الرُّؤوسِ عليه إذ هي حَاسِرَهْ

стр. 1195

لَهْفِي على المِدَحِ استَحَالَت للرِّثَا ... وقُصُورُ أَبيَاتي غَدَتْ مُتَقَاصِرهْ لَهْفِي عَلَيهِ عالِمٌ بِوفَاتِهِ ... درَسَتْ درُوسٌ للمَدَارِسِ داثرهْ لَهْفِي على الإمْلاءِ عُطِّلَ بَعْدَهُ ... وَمَعَاهِدُ الإسمَاعِ إذ هِي شَاعِرهْ لَهْفِي عَلَيْهِ حافِظُ العَصْرِ الَّذي ... قد كَانَ مَعْدُودًا لِكُل مُنَاظَرَهْ لَهْفِي على الفِقْهِ المُهَذَّبِ والمُحَرَّ ... رِ حاوي المَقْصُودِ عِندَ مُحَاوِرَهْ لَهْفِي على النَّحوِ الذي "تَسْهيلُه" ... "مغْنِي اللَّبيب" "مُسَاعِدٌ" لمُذَاكِرهْ لَهْفِي عَلى اللُّغَةِ الغَريبَةِ كَمْ ... أرانا مُعْرِبًا بِصحَاحِهَا المُتَظَاهِرهْ لَهْفِي على عِلْمِ العرُوضِ تَقَطَّعَت ... أسبابُه بِفَوَاصِل مُتَغَايِرَهْ لَهْفِي عليه خِزَانَةُ العِلْمِ الَّتي ... كانَتْ بها كُل الأفَاضِل ماهِرَهْ لَهْفِي على شَيْخي الَّذي سَعِدَتْ به ... صَحْبٌ وأوجُهُ ناظِرِيهِ ناظِرَهْ لَهْفِي على التَّقْصير منِّي حَيثُ لَمْ ... أُمْلِي النَّواحي بالنُّواحِ مُبَادرَهْ لَهْفِي على عُذْرِي على (١) اسْتِيفَاءِ ما ... نَحْوي وَعَجْزِي أَنْ أَعُدَّ مآثِرَهْ لَهْفِي على لَهْفِي وهل ذَا مُسْعِدي ... أو كان يَنْفَعُني شَدِيدُ محَاذَرَهْ لَهْفِي على مَنْ كُلُّ عام للهَنَا ... تأتي الوُفُودُ إلى حِبَاه مُبَادرَهْ والآنَ في ذَا العام جاؤوا للعَزا ... فيه وعادُوا بالدُّمُوعِ الهَامِرَهْ قَدْ خلَّفَ الدُّنْيَا خَرابًا بَعْدَهُ ... لكِنَّما الأُخْرَى لَدَيْه عامِرَهْ وَبِمَوتِه شعر الفؤاد وأعلم الـ ... ـعين انثنَتْ في حالتَيها شاعرهْ وَليَ المَحَاجِرُ طَابَقَتْ إذْ للرّثَا ... أنَا نَاظِمٌ وَهْيَ المَدَامِعُ نَاثِرَهْ فَكَأنَّه في قَبْرِهِ سرًا غَدَا ... في الصدر والأفهامُ عنه قَاصِرَهْ وكأنَّه في اللَّحْدِ مِنْهُ ذَخِيرَةٌ ... أعْظِمْ بِهَا دُرَرُ العُلُومِ الفَاخِرَهْ وكأنَّه في رمْسِهِ سيفًا ثَوَى ... في الغِمْدِ مَخْبوءًا لِيَوْمِ الثائِرَهْ
следующие страницы →