← Тараджим

Тараджим · id 17372

الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر

السخاوي

Полный текст (1 240 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

للذهبي، لمَّا ذكر والدَ صاحبِ التَّرجمة ما نصه: وهو والد صاحبنا ومفيدنا الشيخ الحافظ الكبير شهاب الدين أحمد بن حَجَر، أمتع اللَّه بجماله. وقال أيضًا في ترجمة ابن بُصْخان من الكتاب المذكور: وذكره شيخُنا العلامة الحافظ، قاضي القضاة، شهاب الدين أحمد بن حَجَر العسقلاني، أبقاه اللَّه تعالى في "المعجم" الذي خرَّجه لشيخنا البرهان الشَّامي. ووصفه في طبقةٍ تاريخُها شعبان سنة اثنتين وثمانمانة، بالشَّيخ الإمام العلامة الأوحد، مفيد الطالبين، فخرُ المحدثين، جمال الأدباء، أدام اللَّه النفع به آمين. قلت: وأخبرني شيخنا العلامة أبو إسحاق بن خضر العثماني تلميذ صاحب الترجمة رحمهما اللَّه أنَّه سمع التَّقيَّ المذكور يقول عند وداعه حين سفره مِنَ القاهرة إلى مكة ما لفظه: إنَّ اللَّه لا يَسْتَحْيِى من الحقِّ، ما رأينَا مثلَ الشَّيخِ شهاب الدين ابن حَجَر، قال: فقلت له: ولا شيخكم العراقي؟ فقال: ولا العراقي: ﵏ أجمعين (١). [تقي الدين الكرماني] ومنهم: العلامة تقي الدين يحيى ابن شيخ الإسلام الشمس الكِرْماني ﵀، فقرأت بخطه على استدعاء ولد صاحب الترجمة وإخوته ما نصه: المستدعي الشيخ العلامة الحبر البحر الفهامة، أسبغ اللَّه ظلَّه الوارف، وصرف عَنْ ساحته الصوارف، حسبما أشار به ورسم، وهو أولى بأن يُجيزَ لكاتبه وغيره مِنْ فضلاء الأمم، إلى أن قال: أسبغ اللَّه ظلَّ والدهم عليهم وعلى كاتبه.

стр. 282

وبخطه على الكراس الأول من كتاب "الأوائل" تصنيف صاحب الترجمة ما مثاله: يا كاملًا جمع الفواضلَ والفضائلْ ... ومسدَّدًا فاقَ الأواخرَ والأوائلْ بأوائلٍ رتَّبتَها وسردْتَها ... مشحونة طُرًّا بأنواع الدَّلائلْ أبديتَ عِلْمًا للأنام مُنوَّعًا ... قسمًا لقد فُقْتَ الأوائِلَ بالأوائلْ [قلت: وقد اختصر (١) التقيُّ الكتاب المشار إليه حسبما وقفت عليه، وقال: إنَّه لخَّصه مما لخَّصه الشيخ العالم شهاب الدين أحمد بن حَجَر مِنْ مؤلَّف الإمام العلامة بدر الدين محمد بن عبد اللَّه الشبلي، ورتَّبه الشيخ شهاب الدين ابن حَجَر على أبواب الفقه، وذكر حال رجال أسانيد ما يرد مِنَ الأوائل. قال الكرماني: وقد أضفتُ إلى ذلك فوائد متفرقة في كل محلِّ، ﵏] (٢). [المجد البرماوي] ومنهم: العلامة المجد إسماعيل البرماوي رحمه اللَّه تعالى، فأخبرت عنه أنه كان يقول: بموته تموت الشريعة. وكان أيضًا يقول -على ما أخبرني به الثقات مِنْ أصحابه-: من سبعين سنة ما رأيت مثله ولا رأى هو مثل نفسه. قلت: وما أظنُّه إلا قصد أنه ما رأى مثله. [ابن الجزري] ومنهم: شيخ القراء الشمس أبو الخير ابن الجَزَري ﵀

стр. 283

فقرأت بخط صاحب الترجمة على كتابه الذي سماه "القول المسدَّد في الذَّب عن مسند أحمد" ما صورته: ذكر لنا بعض أصحابنا أن الشيخ شمس الدين ابن الجزري لمَّا رجع إلى شيراز في سنة اثنتين وثلاثين، وكان قد حصَّل نسخةً مِنْ هذا الكتاب، فكتب جزءًا على سبيل التذييل عليه، وقال في خطبته: فإني وقفت على "القول المسدد"، والدر المنضَّد، الصادر عن الحافظ أحمد، في الذَّب عن "مسند الإمام أحمد"، فإذا أنوار [فوائده مِنْ علياء حضرة الشِّهاب تتَلالَى، وأبكارُ] (١) فوائده مِنْ لَدُن هذا الحبر البحر تتَغالى وتتعالى. قال: ولسان الحال يقولُ في الحال: (هكذا هكذا وإلا فَلَا لا) أبقاه اللَّه تعالى، وزاد فضائله وفواضله جمالًا وجلالًا. ولقد أتى فيه بما لا مزيد عليه اطلاعًا وتحقيقًا، واستحضارًا وتدقيقًا، أمتع اللَّه المسلمين بوجوده، آمين. وكتب -فيما قرأته بخطه- على المجلد الأول من تصنيفه "النشر في القراءات العشر" ما نصه: هديةٌ مِنَ العبد الفقير إلى رحمة اللَّه تعالى، محمد بن محمد بن محمد بن الجَزَري مؤلفُه، عفا اللَّه تعالى عنه، لخزانة مولانا الشيخ الإمام العلامة حافظ عمره، وشيخ مصره، شهاب الدين أبي الفضل أحمد ابن الشيخ الإمام المرحوم نور الدين أبي الحسن علي بن محمد بن محمد العسقلاني، المعروف ببن حَجَر، أجَلَّه اللَّه تعالى، وأدام نفع المسلمين بمؤلفاته المفيدة، وفضائله العديدة، وأيَّامِه السعيدة، ولقد أجَزْتُه -وله الفضل ولأولاده، أبقاهم اللَّه وحفظهم بحياته- روايته عنِّي، ورواية جميع ما يجوز لي روايته. وكتب في يوم الأحد الثاني من في الحجة الحرام سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة، تُجاه الكعبة بين زمزم والمقام. وعلى المجلد الثاني منه ما نصه: هدية مِنَ العبد الفقير إلى رحمة ربه

стр. 284

القدير، محمد بن محمد بن محمد الجزري، غفر اللَّه له ذُنوبَه، وستر عيوبه، لخزانة سيدنا ومولانا الشيخ الإمام العلامة شيخ الأنام، وحافظ الإسلام، شهاب الدنيا والدين أبي الفضل أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن حجر العسقلاني، أدام اللَّه تعالى نفع المسلمين بعلومه الشريفة، وأبقى على المؤمنين فوائد مؤلَّفاته الظَّريفة، وأجزتُه -وله المنة- روايته عنِّي ومالي روايته. وكذلك لأولاده أبقاهم اللَّه تعالى في ظلاله ولسائر أقاربه من أهله وآله. وكتب في يوم الأحد الثاني من ذي الحجة الحرام سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة تُجاه البيت الحرام بين زمزم والمقام. لا جعل اللَّه ذلك آخر العهد منه. وكتب بخطه أيضًا على نسخة من "أطراف مسند الإمام أحمد" لصاحب الترجمة ما نصُّه: استفاد منه، وكتب داعيًا لمؤلفه -متع اللَّه الإسلام والمسلمين ببقائه- محمد بن محمد بن محمد بن الجَزَري، عفا اللَّه عنهم. وكتب على استدعاء لولد صاحب الترجمة ومن معه بما نصُّه: إني أجزتُ لهم رواية كُلِّ ما ... أرْوِيه مِنْ سُنن الحديث ومُسْنَدِ وكذا الصّحاح الخَمْس ثم معاجم ... والمشيخات وكلّ جُزْء مفرد وجميع نظم لي ونثرٍ والذي ... ألَّفت كالنَّشر الزَّكي ومُنْجِدِي فاللَّه بحفظهم ويبسُط في حيا ... ة الحافظ الحَبْرِ المحقِّق أحمدِ شيخ العلوم وبحرها وإمامِها ... وبشهر صبرٍ عام أذَّن مولدي وأنا المقصِّر في الورى العبد الفقـ ... ـيرُ محمدُ بن محمدِ بنِ محمدِ وروى العلامة نسيم الدين عبد الغني المرشدي سبطُ الكمال الدَّميري، وأحد تلامذة صاحب الترجمة، قال: سمعتُ ابن الجَزريِّ يقول: حضرتُ

стр. 285

على العماد ابن كثير، وعلى غيره مِنْ شيُوخ الحافظ العراقي، فلم أر فيهم أحفظَ مِنَ ابن حَجر. قال: مع كون ابن الجزري كان منحرفًا عنه، ولكن الحقُّ أحقُّ أن يتَّبَع. قلت: وكانت كُتُبه ترِدُ على صاحب الترجمة، وآخرها مؤرَّخٌ بالمحرم سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة، وفي أوله عدة أبيات نونية مدحه بها، ما وقفت عليها بعدُ. نَعَم رأيت فيما كتبه إليه: إذا أردت الحافظَ البحرَ فقُمْ ... واقصِدْ شهابَ دينِنا ثم الْزَم ولو ترومُ كِيميَا سعادة ... فإنَّه ابن الحجر المكرَّم [الشهاب الكلوتاتي] ومنهم: المحدث المكثر الشهاب أبو العباس الكلوتاتي ﵀. فرأيت بخطه نسخة مِنَ "المقدمة" تصنيف صاحب الترجمة، قال في أولها: جَمْعُ سيدنا ومولانا وشيخنا العلامة، مفتي المسلمين، شيخ الشيوخ، الحافظ، العبد الفقير إلى اللَّه تعالى، شهاب الدين أحمد العسقلاني المصري الشافعي، الشهير بابن حَجَر، أعزَّه اللَّه تعالى، ورَحِمَ سلفه. ونفع به وبمصنفاته المسلمين آمين. أروي بعضه قراءة عليه، وباقيه إجازة. وكتبه أحمد بن عثمان بن محمد بن عبد اللَّه الحنفي. ومن خطه نقلت. وكانت قراءته في سنة عشرين وثمانمائة. وكذا ذكره فيمن أخذ عنه علمَ الحديث، ووصفه بشيخنا الإمام العالم، الحافظ الحجة، المتقن، عمدة أصحاب فنون الحديث. وفي موضع آخر: بالعلامة الحافظ، شيخ المحدثين، أقضى القضاة. وفي آخر: بسيدنا وشيخنا، الإمام العالم العلامة، وحيد دهره، وفريد عصره، الحافظ الحجَّة. مفتي المسلمين، أقضى القضاة.

стр. 286

وفي آخر: بالعلامة الحافظ الحجة. وقرأت بخطه: علماء الحديث: ابن الصَّلاح، والنووي، وابن دقيق العيد، والعراقي وولده، ومعه ابن حَجَر. [ابن الغرابيلي] ومنهم: الحافظ العلامة تاج الدين ابن الغرابيلي ﵀ فبلغني عنه أنه قال عند إشاعة أن الأشرف همَّ بالسفر إلى آمد ويستصحب معه القُضاة، ومنهم صاحب الترجمة على العادة، أقسم باللَّه أنَّه ما دخل دمشق بعدَ ابنِ عساكر أحفظَ منه، وكان يرجِّحُه على المزِّيِّ والبرزاليِّ والذَّهبيِّ، ويقول: إنَّه اجتمع فيه ما تفرَّق فيهم، من حسن التأليف، وحفظ المتون والأسانيد، وزاد عليهم قوَّة الاستنباط، والجمع بين مختلف الأدلة، قال: وعندي أنه ما ولي قضاء الشافعية بعد ابن دقيق العيد أعلم منه، وابن دقيق العيد كان أدقَّ نظرًا. [ابن حجة الحموي] ومنهم: الشيخ تقي الدين أبو بكر بن حِجَّة الشاعر المشهور، فقرأت بخطه على استدعاء الحافظ صاحبنا النَّجم ابن فهد ما نصه: ومما أنشأته في غيرها، يعني غير الديار المصرية، "البديعية" التي عارضت بها الحِلِّيَّ والموصليَّ، وسميتها "تقديم أبي بكر"، وشرَّفها إمامٌ من أئمة الأدب، وشيخُ مشايخ الإسلام، مولانا قاضي القضاة شهاب الدين ابن حَجَر العسقلاني الشافعي، زاد اللَّه شأنه تعظيمًا، بقوله من تقريظه الذي كتبه عليها: أشهد أنَّ أبا بكر مُقدَّم على أنظاره، ولا أعدل في هذه الشهادة مِنْ أحمد، وأجزم برِفْعَةِ قدره على مَنِ انتصب لهذا الفن. ولا أبلغَ مِنْ حاكم يشهد. قلت: وسيأتي التَّقليدُ الذي عمله لصاحب الترجمة حين ولايته القضاء في المدائح المعقود لها الفصل الأخير مِنْ هذا الباب إن شاء اللَّه تعالى (١).

стр. 287

[زين الدين الخوافي] ومنهم: السيد الجليل المربي الزين أبو بكر بن محمد بن محمد بن علي الخوافي، الآتي في المُطارحين (١)، فقرأت بخطه (٢) في استدعاءٍ لأولاد صاحب الترجمة ما نصُّه: ولمَّا بلغ الشيخ الإمامُ رُحلةُ الأنام، وحجة الإسلام شهاب الملَّة والدين أبو الفضل أحمد ابن الإمام العلامة نور الدين (٣) علي العسقلاني، متع اللَّه المسلمين بطول بقائه، ومنَّ عليه بوصله ولقائه، في هذه الفضيلة العظمى إلى أعالي درجاتها، أحبَّ أن يُوصِل أولاده الكرام، وأقاربه العظام أيضًا إلى غاياتها. فلذا استدعى لهم مِنْ أئمَّة الأمصار ونقَلَةِ الأخبار في جميع الأقطار، مع عُلُوٍّ أسانيده المعتبرة، وسمو تحقيقاته المنتشرة. [ابن الخياط] ومنهم: العلامة الحافظ الجمال أبو عبد اللَّه محمد ابن الرضي أبي بكر بن محمد بن صالح اليمني، عرف بابن الخياط. وصفه بالإمام الجليل، الحافظ، شيخ الإسلام ابن حجر. [علاء الدين البخاري] ومنهم: العلامه المحقق الوَرع علاء الدين البخاري الحنفي، فقال لما اجتمع بصاحب الترجمة: رأيت شخصًا عليه نُور السُّنَّة. [سبط بن العجمي] ومنهم: حافظ البلاد الحلبية، العلامة المتقن، برهان الدين أبو الوفا سبط ابن العجمي ﵀.

стр. 288

فرأيت بخطِّه بحلب في رحلتي إليها في مجموع من مجاميعه، ترجمةً لصاحب الترجمة، قال فيها بعد ذكر مولده ونسبه: وهذا الرَّجلُ في غايه ما يكونُ مِنَ استحضارِ الرِّجال والكلام فيهم. وله مؤلفات كثيره في تراجمهم. وله كتاب "لسان الميزان" كتابٌ حَسَنٌ، فيه فوائد. وله "شرح على البخاري" لم يكمله، نظرت فيه بعضَ نظرٍ. وله أخلاقٌ حسنة، ونوادرُ، وسُكُون، ويستحضر أشياء حسنةً مليحةً. وأمَّا الحديثُ، فله معرفةٌ تامَّةٌ برجاله المتقدمين والمتأخرين بتراجمهم وهو جملة (١) حسنة، لا أستحضر أنِّي رأيتُ مثله في معرفة رجاله المتقدِّم والمتأخِّر، واللَّه أعلم. وقد سمع كثيرًا بالقاهرة ومصر ودمشق والحجاز وغيرها، وله مشايخُ كثيرة، سماعًا وإجازه. قُرىء عليه وعليَّ أشياء بحلب بالشَّرفية، وسمع عليَّ بقراءته وقراءة غيره، حفظه اللَّه تعالى للمسلمين. وقد نظر "تعليقي على البخاري" أو غالبه، وأفاد على هوامش نسخة منها عزو تعليقات وُقفت على شيخنا ابن الملقن، وكذا نظر "ذيلي على ميزان الذهبي"، وكذا وقف على "تعليقي على سيرة أبي الفتح اليعمري"، وأفاد. وكذا نظر غيره من تعليقاتي، وكتب الفن التي عندي، وغالب ما نظره مِنْ تعليقاتي وغيره أفاد فيها بخطِّه، وقد أملى بجامع حلب عدة مجالس، وسُمِعَ عليه بعض مؤلفاته، وكذا بعض ما يرويه بمنزل القاضي الشافعي علاء الدين ابن خطيب الناصرية. قلت: وكان الحافظ برهان الدين حين سمع بقدوم شيخنا عليهم، توجَّه إليه، وسلَّم عليه، وأخبره (٢) غير واحد مِنْ طلبته أنه سمعه يقول: رأيت رجلًا أمة يتوقَّد ذكاء، ليس في أشياخي مثله. وأكثر النَّقل عن شيخنا في "شرحه على البخاري". وقال في أول "شرحه" -كما قرأته في نسخة

стр. 289

العلامة أبي البركات الغَرَّاقي، وهي آخر نسخة ما نصه-: ثم اعلم أنَّ ما فيه "عَنْ حافظ عصري"، أو "عن بعض حُفَّاظ العصر"، أو نحو هاتين العبارتين، فهو من قول حافظ هذا العصر العلامة، قاضي المسلمين، حافظ الإسلام شهاب الدين ابن حجر من كتابه الذي هو كالمدخل إلى شرح "الكتاب" (١) له. أعان اللَّه على إكمال الشرح. انتهى. ومنهم العلامة أبو عبد اللَّه محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد (٢) بن محمد بن أبي بكر بن مرزوق العجيسي التِّلِمْساني المالكي، فقرأت بخطه في استدعاء ولد صاحب الترجمة ما نصه: سيدنا الإمام الحافظ العلامة، العلم الفقيه، المحدث المكثر الراوية، البحر الخضم، وحيد دهره، وفريد عصره، جامع أشتات الفضائل، وحائزُ خِصَالِ السَّبق بواضحِ الدلائل، الأوحد الأكمل، أبو جعفر شهاب الدين أحمد. إلى آخره. [ناصر الدين الفاقوسي] ومنهم: القاضي الرئيس، ناصر الدين محمد بن حسن الفاقوسي. فقرأت بخطه في طبقة سماع "المائة العشاريات"، تخريج صاحب الترجمة للتَّنوخي عليه ما نصه: بقراءة الإمام العالم المتقن المفنَّن، الناقد المحدث، شهاب الدين أبي الفضل أحمد ابن الشيخ الإمام العالم المرحوم نور الدين أبي الحسن علي ابن المرحوم قطب الدين محمد، أدام اللَّه تعالى نشر فوائده، والإمتاع بفرائده.

стр. 290

[ابن ناصر الدين الدمشقي] ومنهم: حافظ الشام العلامة شمس الدين ابن ناصر الدين القيسي، صاحب أبيات المديح في صاحب الترجمة الآتي ذكرها (١). فقرأت بخطه في بعض مراسلاته: إلى مولانا وسيدنا شيخ الإسلام، حافظ الأعلام، ناصر السنة، إمام الأئمة، قاضي قضاة الأمة، أبي الفضل، أسبغ اللَّه على الوجُودِ ظلَّ بقائه، ولا أخلانا والمسلمين مِنْ عوائد فوائده ونعمائه. إلى أن قال: إنه قائم لجنابكم بوظيفةِ الدُّعاء، ومُثْنٍ -كلَّما مرَّ ذكركُم الشَّريفُ- بجميل الثناء، مبتهج بوجودكم سرورًا، متطلع إلى أخباركم كثيرًا. إلى أن قال: ولم يترك المملوكُ المكاتبة إلا استصغارًا لنفسه عن مقامكم الخطير، مع علمه بأنكم أهل للصَّفح عن ذوي التَّقصير. وذكره في تصنيفه "توضيح المشتبه" في (حجر) من الحاء المهملة، فقال: محدِّثٌ حافظٌ، وهو الآن حي بمصر، أمتع اللَّه به. له مؤلفات، منها: وذكر "إتحاف المهرة". وله شعرٌ حَسَنٌ فائقٌ، أنشدنا منه مِنْ لفظه بدمشق في رحلته إليها قبل الفتنة. ومن مؤلفاته "تبصير المنتبه بتحرير المشتبه" في مجلَّدة. ووجدته كتب بخطِّه على نسخة المصنِّف -يعني الذهبي- بهذا الكتاب ما نصه: نسخ منه نسخةً موضَّحةً بضبط الأحرف، فزاد زيادة يسيرة جدًا، واستغنى النَّاظرُ فيه عن ضبط القلم فلله الحمدُ على ذلك. ثم كتب اسمه. قال ابنُ ناصر الدين: فليت شعري كيف فعل بما فيه مِنَ الأوهام والخلل، أحرَّرَ ذلك وجوَّده، أم وَثِقَ بخط (٢) المصنِّف فقلده؟ وليس أولَ سارٍ غرَّه القمرُ. قلت: ولو رأى الكتاب، وخبر مصنِّفَه تمام الخُبْر، ما قال ذلك.

стр. 291

ولكني أتحقَّق أنَّه ما مات حتى رجع عن مقالته. وثبت عنده جلالته، رحمهما اللَّه وإيانا. وقوله: "وليس أوَّل سار" أشار به إلى ما كتب به القاضي الفاضل إلى الشيخ عبد الدائم العسقلاني، يلتمس منه أنه يواخيه في اللَّه، فكتب إليه: ما أنتَ أوَّل سار غرّه قمرٌ ... أو رائدٌ أعجبته خُضْرةُ الدِّمَنِ فانظر لنفسك غيري إنني رجلٌ ... مِثل المُعَيْدِيِّ، اسمعْ بي ولا تَرني حكى ذلك الرَّشيد العطار في "نصر بن ظافر" من "معجمه". وحكى غيره أن بعضهم ارتحل (١) إلى الحريري من مكان بعيد للأخذ عنه. فلما وصل إليه، استأذن عليه. فخرج الحريري إليه فسأله: ما الذي تريد؟ فقال: أريد الحريري. قال: هو أنا، فما حاجتك؟ فاحتقر هيئته، وقال له: أنت الحريري؟! وكرر ذلك، فأنشده الحريري: ما أنتَ أوَّل سارٍ غرَّه قمرٌ ... أو رائدٌ أعجبته خُضْرةُ الدِّمنِ رحِّل قَلُوصَك عني إنني رجلٌ ... مِثلُ المُعَيْدِيِّ، اسمعْ بي ولا تَرَنِي انتهى. وأشار إلى المثل السائر "لأن تسمع بالمُعَيْدِيِّ خيرٌ مِنْ أن تراه". ويقال: إنَّ أوَّلَ مَنْ قاله النعمانُ بنُ المنذر للصَّقعب بن زهير النهدي] (٢). [أبو شعرة الحنبلي] ومنهم: العلامة الزاهد أبو الفرج عبد الرحمن بن سليمان الحنبلي،

стр. 292

عرف بأبي شَعَرة (١). فبلغني عنه أنه كان يُكثرُ التأسُّفَ عن عدم أخذه الفنَّ عَنِ الحافظين العراقي وولده، لكن يقول: نحمد اللَّه على وجود الشيخ شهاب الدين ابن حجر. وأمرَ بالتقاطِ زوائد "تهذيب التهذيب" له على أصله، فأُفرِدَتْ بالتَّصنيف. وكان ذلك قديمًا في سنة أربعين، وهو إذ ذاك مجاوِرٌ بمكة مِنْ نسخة قديمة كانت للشيخ نجم الدين المَرجاني، وتولى إفراد ذلك بإشارة الشيخ قاضي المالكية بمكة الآن، العلامة محيي الدين عبد القادر بن أبي القاسم بن أبي العباس الأنصاري، أمتع اللَّه بحياته، وذكر لي أن المذكور حضه على الرحلة لصاحب الترجمة، واغتنام الأخذ عنه، وقرر وجوب ذلك، رحمها اللَّه. [شمس الدين البساطي] ومنهم: العلامة المحقق شمس الدين البساطي. فسمعت غير واحد يحكي لنا عنه أنه كان يقول: ما رأينا أشد ذكاءً منه، ولا أسرع إدراكًا، يتسفط بذلك على التكلُّم في كل ما يروم، ولو كان عارفًا بمصطلحات أرباب العلوم في مسمَّياتهم، ما كان كبيرُ أحدٍ يقاومه. ولقد كنت أشرَعُ في استشكال شيء أو إيراده، فقبل أن يتمَّ كلامي، يتلَّقاه فيقرِّرُه على أحسن وجه، ثم يُعقِبُه بالجواب المُزِيل للَّبس. وما كنت سائلًا قط إلا وصيَّرني مسؤولًا، بل حكى عنه ولدُه أنَّه كان يقول ما حاصلُه: إنَّه لا احتياج لحضورنا مع صاحب الترجمة في مجلس الحديث بالقلعة، إشارةً إلى كفالته بذلك، وأنه هو المعوَّلُ عليه فيه. قلت: وسمعت مَنْ يحكي عنه أنه سأل حافظ الوقت الزَّين العراقي عَنْ حديث، فما استحضر إذ ذاك مَنْ أخرجه، وأنَّ الشيخ برهان الدين الكركي أشار على البساطي أن يسأل صاحبَ التَّرجمةِ عنه ففعل، فأجابه في

стр. 293

الحال بتخريجه وصحابيِّه وحُكمه، وأنَّ البساطيَّ عرض ذلك على العراقي، قال: فكشف المظانَّ التي عزاه إليها، فوجده كما قال. ﵏ وإيانا. ثم حكاها لي صاحبُنا الشيخ نور الدين ابن أبي اليُمن المكِّي، نفع اللَّه به، عن البساطي نفسه، فقال: سألتُ شيخنا الزَّين العراقي عن حديث "المكاتب قنٌ ما بَقِيَ عليه درهم"، من صحَّحه؟ فقال: لا أدري. فلقيتُ ابن حَجَر يومئذٍ وهو إذ ذاك ليس في لحيته شعرة بيضاء، فسألته عنه، فقال في الحال: صحَّحه ابن حبان والحاكم من حديث عبد اللَّه بن عمرو. وهما في كتب شيخنا، وعيَّن له مكان الحديث. [ابن خطيب الناصرية] ومنهم: العلامة قاضي الشافعية بحلب علاء الدين ابن خطيب الناصريَّة ﵀. فقرأت بخطه في " تاريخ حلب" الذي ذيَّل به على "تاريخها" لابن العديم، حيث فكر صاحب الترجمة بعد سياق نسبه ومولده وجُمْلةٍ من شيُوخه ما نصه: ورحل إلى اليمن وحجَّ، وأقبل على التَّصنيف والاشتغال والإشغال، فصنَّف كتبًا كثيرة، منها ما كَمُلَ. ومنها ما لم يَكمُلُ، فمما كَمُلَ قديمًا، كتابه "تغليق التعليق"، وصل فيه تعليقات البخاري، وهو كتاب جليل نفيس، قرأت عليه بعضه بالقاهرة في رحلتي إليها. ومما لم يكمل "شرح البخاري"، وصنَّف "مقدمة" له فيها فوائدُ غزيرةٌ جليلةٌ. وهو حافظُ الإسلام، علَّامةٌ في معرفة الرجال واستحضارهم، والعالي والنازل، مع معرفةٍ قويَّةٍ بعللِ الأحاديث، وبراعةٍ حسنةٍ في الفقة وغيره، وأخلاقي رضيَّةٍ، ومحاضرةٍ حسنة، مع الدِّين والمداراة، ومحبة أهل العلم، والإنصاف في البحث. وهو أحد مشايخي الذين قرأتُ عليهم بالقاهرة. ثم إنَّه قدم حلب صُحبَةَ الملك الأشرف برسباي، وكان قدُومه في يوم السبت خامس شهر رمضان سنة ست وثلاثين وثمانمائة، فسمع بها على شيخنا الشيخ الحافظ برهان الدين أبي

стр. 294

إسحاق الحلبي. وعقد مجلس الإملاءِ بجامع حلب الأعظم، وأملى به عدَّة مجالس. وحضر عنده فيها أبو إسحاق المذكور وغيره، وحدَّث بحلب، سمعت عليه بها غيرَ "مجالس الإملاء" أيضًا. ثم خرَّج عنه "الحديث المسلسل بالأولية"، وساق أشياء مِنْ نظمه كثيرة. ثم قال: وأنشدني غير ذلك مِنْ قصائده ومقاطيعه، وقرأت عليه بحلب الجزء المعروف "بجزء بيبي الهرْثَميَّة" بمنزلي. وسمع ذلك عليه أولادي وجماعتي، وعاد إلى القاهرة ثاني يوم قراءة الجزء المذكور، صُحْبَةَ السلطان المشار إليه، وذلك في سابع في الحجة سنة ست وثلاثين، وهو الآن قاضي القضاة بالديار المصرية. وكانت أول ولايته قضاء القضاة بالديار المصرية (١) في سابع عشري المحرم سنة سبع وعشرين وثمانمائة، وهو مشكورٌ في ولايته، مع الديانة والتَّحرِّي في الأحكام الرعية. رحمهما اللَّه وإيانا. [ووصفه في ترجمة التَّنوخي مِنْ "تاريخه" بالإمام الأستاذ الحافظ العلامة، العالم بشريف الأحاديث. وفي موضع آخر: رأيت في "تاريخ" الإمام الحافظ حافظ الإسلام قاضي القضاة بالديار المصرية (٢)، فلانٍ أبقاه اللَّه تعالى] (٣). [المقريزي] ومنهم مؤرخ الديار المصرية الشيخ تقي الدين المقريزي، [رحمه اللَّه تعالى، فقال في كتابه المسمى "بالعقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة"] (٤)، حيث ترجمه في ثلاثة أوراق: أن مصنفه "تغليق التعليق" لم يُسبَق إليه، وأنه زاد على "تهذيب المِزّي" نحو الثلث مما يلزمُه ذكرُه. ويتعيَّن عليه عدمُ إهماله. وأنَّ ما جمعه مِنَ "النُّكت على ابن الصلاح"،

стр. 295

أضعاف ما جمعه شيخه العراقي. إلى أن قال: وله غير ذلك مِنَ التًخاريج الحديثيَّة، والمجاميع المفيدة العجيبة، والتَّعاليق المحتوية على فنون الآداب وأنواع العلوم. وله شعرٌ أعذبُ مِنَ الماء الزُّلال، وأعجبُ مِنَ السِّحر، إلا أنَّه حلال. وقد اخترتُ منه، وإن كان كلُّه مختارًا. قلت: وذكره في غير ما موضعٍ مِنَ الحوادث. وقال في بعضها في ترجيحه على أهل عصره: لو أنفق أَحدُهم ملء الأرض ذهبًا، ما بلغ مُدَّه ولا نصيفه. وكان يقولُ: ما أعلمُ الآن مَنْ أستفيد منه من الحديث غيره. [ابن نصر اللَّه البغدادي] ومنهم شيخي بالإجازة: العلامة قاضي الحنابلة المحب ابن نصر اللَّه البغدادي. فقرأت بخطه في آخر نسخة صاحب الترجمة التي بخطه من تصنيفه "تخريج الرافعي" من نظمه ما نصه، وأرَّخ ذلك بذي القعدة سنة سبع وثلاثين وثمانمائة: جزى اللَّه ربُّ العرش خيرَ جزائه ... مخرِّجَ ذا المجموع يوم لقائه لقد حاز قَصْبات السِّباق بأسرها ... وفاز لمرقى لا انْتِهَا لارْتِقَائِهِ يدومُ له عِزٌ به وجلالَةٌ ... وذكرُ جميلٌ شامخْ في ثنائه فلا زال مقرونًا بكلِّ سعادةٍ ... ولا انفكَّ محروس العُلا في اعتلائه ولا بَرِحَت أقلامُه في سعادةٍ ... تُوقِّع بالأحكام طُولَ بقائه وخرِّقت العادات في طول عمره ... تزيدُ على الأعمار عند وفائه وكتب بخطه -كما سيأتي- في يوم ولايته الثانية للقضاء بعد عزل الهروي ما نصه: كان يومًا مشهودًا، وحمل للناس سُروران عظيمان، أحدهما: بولايته، لأن محبَّته مغروسة في قلوب الناس، والثاني: بعزل

стр. 296

الهروي، فإنَّ القلوب كانت اتَّفقت على بُغضه، لإساءته في ولايته، وارتكابه الأمور الذَّميمة، رحمة اللَّه عليهم أجمعين. ورفعت إليه فتيا أجاب عنها صاحبُ الترجمة، فكتب تحت خطه ما نصه: الجواب كما أجاب به سيِّدُنا ومولانا قاضي القضاة، أسبغ اللَّه ظلاله. وكتب على فتيا غيرها تحت خطِّه أيضًا: ما أجاب به سيِّدُنا ومولانا قاضي القضاة، أسبغ اللَّه ظلاله، هو العمدة، ولا مزيد لأحدٍ عليه؛ فإنَّه إمامُ الناس في ذلك: إذا قالت حَذامِ فصدِّقوها ... فإن القولَ ما قالت حذامِ فاللَّه يمتع بحياته الأنام، ويُبقيه على توالي الليالي والأيام، واللَّه سبحانه أعلم. كتبه أحمد بن نصر اللَّه البغدادي الحنبلي عفا اللَّه عنهما (١). [ووصفه في موضع آخر بقوله: قاضي القضاة، شيخ الإسلام، حافظ الأنام، حسنة الليالي والأيام. أدام اللَّه أيامه الزاهرة، وجمع له بين خَيْرَي الدُّنيا والآخرة. [شمس الدين ابن عمار] ومنهم: العلامة المفنَّنُ شمس الدين ابن عمار المالكي. فقرأت بخطه في "ثبت" بعض مسموعاته بقراءة صاحب الترجمة وصفَه له بالإمام العلَّامة المحدِّث، صاحبنا فلان ابن الجناب القضائي النُّوري، أبقاه اللَّه تعالى.

стр. 297

وكان ذلك قديمًا. وكذا نقل عنه الإخبار بوفاة البلقيني كما قدَّمتُه في الرحلة] (١). [شمس الدين الونائي] ومنهم: شيخي العلامة قاضي القضاة بدمشق شمس الدين الونائي. فخطب ولدُه البدرُ -وهو صغير- بجامع الأقمر في رمضان سنة ست أو سبع وثلاثين، عقب ختمه لحفظ القرآن، على جاري العادة، وقال في خطبته: أخبرنا شيخنا شيخ الإسلام حافظ العصر. وذكر أوصافًا، منها: البيهقي الثاني، أحمد بن علي الكناني العسقلاني. قلت: والظاهر أنَّ ذلك مِنْ ترتيب والده، فإنه كان مِمَّن أخذ عنه، وتلمَذَ بين يديه كما سيأتي. [عثمان بن عمر الزَّبيدي] ومنهم: الإمام عفيف الدين عثمان بن عمر بن أبي بكر الناشري الزَّبيدي الشافعي. فقرأت في كتابه "البستان الزَّاهر في طبقات علماء بني ناشر": أنه أرسل استدعاءً فيه اسمه وجماعة، يلتمِسُ فيه إجازةَ مَنْ يطلب منه ذلك. قال: فوصل في جمادى الأولى مِنْ سنة ثلاثين وثمانمائة، وقد كتب عليه جماعة مِنَ الحُفَّاظ والمحققين، والعلماء المسندين، والأكابر المعمرين، في مصر والشام والقدس الشريف، منهم حافظ الدنيا في وقتنا هذا على الإطلاق أبو العباس شهاب الدين، وذكره (٢).

стр. 298

[شمس الدين القاياتي] ومنهم: محقق العصر القاضي شمس الدين القاياتي، وقد كتب لي بالإجازة، وسمعت دروسه. فأخبرني بعضُ الثِّقات (١) ممن كتبتُ مِنْ فوائده، أنَّه سمعه في حال تَلبُّسِه بالقضاء يقول: المحاسنُ التي تفرَّقت في الناس، اجتمعَتْ في ابن حَجَر. قلت: فنسأل اللَّه التوفيق بمنّه وكرمه. [عز الدين عبد السلام] ومنهم: العلامة المفوَّه النادرة عزُّ الدين عبد السلام القُدسي شيخ الصَّلاحية (٢) -وقد أجاز لي- فبلغني عنه أنه قال: إن لم يكن -يعني صاحب الترجمة- مثل البخاري، فلا يقصر عنه. وممن سمع منه ذلك: الشيخ شمس الدين ابن الصَّيفي، نفع اللَّه به. [الشهاب ابن المجدي] ومنهم: العلامة المفنَّن الشهاب أحمد بن رجب بن المجدي الشافعي، نزيل جامع الأزهر، وقد أخذت عنه، فأخبرني الزَّين جعفر السنهوري المقرىء، وهو ممن لازمه، أنَّه كثيرًا ما كان يراه إذا ذُكر البلقيني، يتحرك ويرفع صدره، بل يكاد أن يقوم، وإذا ذُكر صاحبُ التَّرجمة يقول: لو عاش البخاريُّ وناظره لما قطعه. قال الحاكي: ولم أكن أرى عنده مَنْ يُوازي السِّراج البلقيني وابن حجر رحمهما اللَّه (٣).

стр. 299

[ابن قاضي شهبة] ومنهم: العلامة فقيه الشام، التقي أبو بكر ابن قاضي شهبة -وقد كتب لي خطَّه بالإجازة- فوجد بخطه ترجمة لصاحب الترجمة، بظاهر تصنيفه "الدُّرَر" نسخة البرهان العجلوني كما بلغني، افتتحها بقوله: الشيخ الإمام العلامة الحافظ، قاضي القضاة، شهاب الدين أبو العباس. وساق نسبه فخبط فيه، فإنه قال: أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن أحمد بن أبي بكر، وقال: بقية العلماء الأعلام، قاضي القضاة، وصاحب المصنفات التي سارت بها الركبان، إلى أن قال: وكتب الأجزاء والطِّباق بخطّه الحسن، ومهر في الحديث. إلى أن قال: وتميَّز في الفن، وشيخه -يعني العراقي- موجود، واشتهر صيتُه، وجلس إلى جانب شيخه في حال إملائه، ومهر في الفنون، لكن غلب عليه فنُّ الحديث، فانتهت إليه معرفتُه بهذا الشأن، وصار إمام زمانه فيه بعد وفاة شيخه، وتصدَّى لنفع النَّاس، ودرَّس وأفتى، وولي المناصبَ الكبارَ والتداريس بعدَّة أماكن بالقاهرة. وتصدَّى للتَّصنيف، فصنَّف الكثير. ومصنفاته تزيد على المائة، من أجلِّها "شرحه على البخاري"، لم يصنَّف مثلُه، ولا على منواله. وله "ديوان شعر". وهو إمام الأدباء في زمانه. إلى أن قال: وله "معجم كبير" فيه فوائد. ورحل إليه الطلبةُ من الآفاق. وبالجملة فهو إمام زمانه، وحافُظ وقته وأوانه، وعنده مِنَ الذَّكاء والفِطنة، وصفاء القريحة ما تَحيَّر فيه الأبصار. [برهان الدين بن خضر] ومنهم: شيخنا العلامة المفنَّن برهان الدين بن خضر ﵀ فقرأت بخطه في غير ما موضع: حافظ العصر على الإطلاق، وخاتمة علماء السنة إلى يوم التلاق. أدام اللَّه بهجته، وحرس للأنام مهجته.

стр. 300

[رضوان العقبي] ومنهم: مُستمليه شيخنا، محدث القاهرة، الزين أبو النعيم رضوان العُقْبي ﵀ صاحب القصيدة الآتي ذكرها في المدائح، مع نثرٍ افتتح إيرادها به (١). فقرأت بخطه: حدَّثنا سيدنا وشيخنا الإمام، شيخ الإسلام، قاضي القضاة، منقطع النظير والصفات، أمير المؤمنين في الحديث، جامع أشتات قديم المحدثين والحديث، حافظ العصر، رُحْلَة الدهر. وكان إذا سُئل: أيُّكما أكبر، أنت أو صاحب الترجمة؟ فيقول: أقول كما قال العباس ﵁: أنا أسَنُّ وهو أكبر. [ابن أبي الوفاء] [ومنهم: الشيخ أبو الفتح بن أبي الوفاء. فقرأت بخطه وصفه له بالشَّيخ الإمام العالم شيخ الإسلام وإمام الحفاظ، وقاضي الجماعة، شهاب الدين] (٢). [تغري برمش] ومنهم: تلميذه الأمير الفاضل تَغْرِي برْمش الفقيه نائب القلعة. قرأت بخطه على بعض مصنَّفات صاحب الترجمة، بعد أن ساق منامًا رآه، وقال يعني (به) (٣) شيخنا: الإمام العالم العلامة، الحافظ الفقيه، شيخ الإسلام، قاضي القضاة، بقية المجتهدين، شهاب الدين، أدام اللَّه أيامه، وأعزَّ أحكامه. فهو إمام دهره، وحافط عصره، بل أَظنُّ أن مصر ما أخرجت مثله حافظًا متقنًا، ولا فقيهًا شاعرًا كاملًا مفنَّنًا، ولولا ورودُ الدَّارقطني مصر،

стр. 301

والمبرِّد، لقلت: ولا وَرَد. مع معرفتي بورود ابن معين والبخاري والنَّسائي، وغيرهم مِنْ فُحول العلماء الأعيان في كل عصر إلى يومنا هذا مِنْ حُفَّاظِ هَذا الشأن. قد جمع اللَّه له التَّفسيرَ والفقهَ والحديث، والشعر والأدب، والمال، والعزَّ والجاهَ والشرفَ، وطولَ العمر، وعلو الرُّتَب (١)، وصحَّةَ العقل والنَّقل، وحسنَ التَّأليف مع الإيجاز والتَّحقيق والتَّرتيب، والسعد في التصنيف. وصنَّف كتبًا لم يُسْبَقْ إليها؛ "كتغليق التعليق"، وإن كان ابن رُشيد قد أشار إليه بالتَّشويق. و"مقدمة البخاري" وترتيبه، وتقريبه للذهن وتهذيبه، فهي مِنْ أعجب التَّصانيف للقارىء والسامع. فسبحان المعطي والمانع. وانتصاره للبخاري معروفٌ مشهورٌ، والتوجية لكلامه، والذَّب عنه في مصنَّفاته مذكورٌ ومسطورٌ. وكتابه "نُخبة الفكر" -مع أنها كُرَّاسة بشرحها بديعة، أظهر فيها القُوَّة والإعجاز- تحتاجُ إلى شرحٍ طويل في مجلَّدين مع الإيجاز. إلى غير ذلك مِنَ المصنَّفات المختصرات والمطولات، التي زادت على مائة وخمسين في أنواع العلوم والتَّفسيرِ والفقه والحديث والأدب، والخصوص والعموم، وللَّه درُّ القائل الناقد (٢): وليس (على اللَّه) (٣) بمستنكَرٍ ... أن يجعل العالم في واحد إلى آخر كلامه. وقد حذفته اختصارًا، مع تغيير في بعض ألفاظه. [ابن التنسي] ومنهم: قاضي المالكية البدر ابن التَّنسي، أحد طلبته ممَّن أخذ (٤) عنه. فقرأت بخطِّه وصفه بالشَّيخ الإمام العالم العلامة، أوحد المجتهدين، العالم رُحْلة المحدثين، القائم بالسُّنة النبوية (٥) في العالمين، سيدنا ومولانا

стр. 302

قاضي القضاة، شيخ الإسلام والمسلمين، الشهابي الكناني العسقلاني أمتع اللَّه المسلمين بوجوده، وأدام أيامه ولطف به. آمين (١). [ابن العليف] ومنهم: الشيخ بدر الدين حسين بن العُليف المكي، كما سيأتي عند اسمه فيمن امتدح صاحب التَّرجمة مِنْ هذا الباب (٢). [ابن حسان] ومنهم: تلميذه العلامة المفنَّن شمس الدين بن حسان المقدسي، نزيل القاهرة ﵀ وصفه ببُخارِيِّ زمانه، وحافظ أوانه، شيخ الإسلام والمسلمين، إلى غير ذلك ممَّا يفوق التعيين. [أبو الفتح المراغي] ومنهم: الشيخ أبو الفتح محمد بن أبي بكر بن الحسين المراغي. فوصفه في ديباجة "مختصره لفتح الباري" بشيخ الإسلام، خاتمة حفاظ الأنام، قاضي قضاة المسلمين، عَلَمِ العلماء العاملين، أبي الفضل أحمد ابن الشيخ العالم أبي الحسن علي بن محمد العسقلاني. طيب اللَّه مضجعه، ونوَّر -بفضله- مهجعه. وقال: إنه وضع عليه -يعني على "البخاري" "شرحًا واسعًا وبحرًا جامعًا، سمَّاه "فتح الباري"، فلخَّصتُ مِنْ مقاصده وفرائده ما يفيدُ الطالب، ويُثلج صدر الراغب. [موفق الدِّين الإبِّي] ومنهم الإمام الرُّحْلَة موفق الدين أبو الحسن الإبِّي نزيل مكة، ﵀.

стр. 303

وصفه في طبقة السَّماع "للنُّخبة"، حيث قرأها عليه بمكة في سنة خمس عشرة، بالإمام العلامة حافظ العصر. ووصفه صدر استدعاء تاريخُه سنة ثلاث وعشرين بالشيخ الإمام شيخ الإسلام فريد عصره ووحيد دهره، الحافظِ الحَبرِ المحقق العلَّامة المدقق (١)، مفيد الطالبين، جمال المدرسين، نُخبةِ الوقت ونادرةِ الوجودِ، شهابِ الملَّة والدَّين، أبي الفضل أحمد ابن الشيخ الإمام العلامة علاء الدين أبي الحسن. [ابن الضياء] ومنهم: قاضي الحنفية بمكة العلامة أبو حامد محمد بن أحمد بن الضياء. فقرأت بخطِّه صدر استدعاءٍ لبني صاحب الترجمة، مؤرِّخ بسنة سبع عشرة وثمانمائة، وصفه بسيدنا ومولانا شيخ الإسلام الإمام العلامة الأوحد شهاب الدين. [ابن الهُمام] ومنهم: العلامة نادرة الوقت الكمال ابن الهُمام الحنفي ﵀ نقل في "شرحه على الهداية" عن صاحب الترجمة في مواضع، منها في الحج، فقال: وقال غيره ممن يُوثَقُ بسعة علمه، وهو قاضي القضاة، شهاب الدين العسقلاني. وفي موضع آخر قال: قال شيخنا قاضي القضاة، إلى غير ذلك. وأخبرني الشيخ عز الدين السُّنباطي أنه قال له وهو متوجِّه لصاحب الترجمة: سلِّم عليه، وقل له: مَنْ أحبَّك، فقد أحب العلم والدين، وشيخ الإسلام، وأن الكمال كان يقول عنه: ابنُ حجر إمَّا أن يُحَصِّلَ حسناته بكسبه وإكتسابه، أو بلا كسبه ولا اكتسابه. فمن الأول: العلم، ومن الثَّاني: ذكرُ النَّاس له.

стр. 304

[زين الدين القلقشندي] ومنهم: الفاضل العلامة زين الدين عبد الكريم بن القلقشندي المقدسي. فقرأت بخطِّه صدر أسئلة أرسل بها لصاحب الترجمة ما نصه: المسؤول مِنْ إنعام سيِّدنا ومولانا قاضي القضاة [شيخ الإسلام، علمِ الأعلامِ، حسنةِ الأيَّامِ، قُدوة الأنامِ، أمير المؤمنين في حديث النَّبيُّ عليه أفضل الصلاة والسلام، وحيدِ دهره، وفريدِ عصره، رأس مال المسلمين، ومنبع فوائدهم، أيَّد اللَّه الدِّينَ ببقائه، وأدامَ النَّفعَ به، ووصل أسبابِ الخيرات بسببه. إلى أن قال: والعبدُ ليس هنالك، ولا أهلًا لذلك، ولكنه تحيَّل وهزَّ جذع النخلة، لعلّ أن تُدني أغصانها إليه، وتُساقط مِنْ يانِع ثمرها عليه، ولا شكَّ أنَّ أصلها ثابتٌ وفرعُها في السماء بلا مراء. وقدر المملوك كَكَفِّ مِنْ تراب، وأين الثُريَّا مِنَ الثَّرى. ومرة أخرى: المسؤول مِنْ إنعام سيدنا ومولانا، قاضي القضاة] (١)، حافظ العصر، شيخ الإسلام، عَلَم الأعلام، حسنة الأيام، بركةِ الأنام، قُدوةِ المسلمين، رأسِ المحققين، وَارثِ عِلْمِ الأنبياء والمرسلين. أَمتع اللَّه المسلمين بحياتكم، وأدام النَّفَع بعلومكم وبركاتكم. يرجو التَّصدُّقَ بالجواب عَنْ هذه المسائل التي أشكلَت عليه، ولم يجد من يُعَوِّلُ في إيضاح ذلك عليه، سوى التزامي على أعتابكم، والتهجُّم على أبوابكم، جعلها اللَّه تعالى ذخيرةً للطالبين [وعمدة للراغبين] (٢).

стр. 305

[أبو البركات الغزِّي] ومنهم: الرضي أبو البركات محمد ابن الشيخ شهاب الدين أحمد الغَزِّي الدِّمشقي الشافعي، فإنه ترجمه في كتابه المسمى "بهجة الناظرين إلى تراجم المتأخرين من الشافعية المعتبرين"، وقال: شيخنا الإمام العلامة، الحافظ الأستاذ، قاضي القضاة، شهاب الدين، بقية الأعلام، شيخ المحدثين بالديار المصرية ومؤرخها، وصاحب المصنفات التي سارت بها الركبان. إلى أن قال: وتميَّز في الفن وشيخُه موجود، واشتهر صيتُه، وجلس إلى جانب شيخه في حال إملائه. قال: لكن غلب عليه فنُّ الحديث، فانتهت إليه معرفةُ هذا الشأن، وصار إمام زمانه فيه بعد وفاة شيخه، وتصدَّى لنفع النَّاسِ، ودرَّسَ وأفتى، ووَلِيَ المناصبَ الكبارَ والتداريسَ بعدَّةِ أماكن في القاهرة، وتصدَّى للتَّصنيف، فصنَّفَ الكثير، لم يصنِّفْ أحدٌ في زمانه مثله ولا قريبًا منه. ثم قال عن "فتح الباري": لم يُصنَّف مثله ولا على منواله، وهو يشهدُ له بالمرتبة العليا في الفنون، وهو إمام الأُدباء في زمنه. قال: وبالجملة، فهو إمامُ زمانه، وحافظ وقته وأوانه، وعنده مِنَ الذكاء والفطنة، وصفاء القريحة، ما تحيرُ فيه الأبصارُ وكان شَكِلًا حسنًا، مهابًا، ضَوِيَّ الوجه، حليمًا، نظيف اللسان، نَكِتًا، طيِّب الرَّائحة. أبقاه اللَّه تعالى للمسلمين عمومًا، ولمحبِّيه وطلبته خصوصًا. [ابن كُحيل] ومنهم: أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد اللَّه بن كُحيل التونسي، قاضي الركب الحجازي المغربي. لقيته بالقاهرة، فأملى عليَّ ما نصه: وممن تشرَّفتُ بلقائه، وسُررت بحسن ملاقاته وولائه، شيخ الإسلام، وجمال الليالي والأيام، والنجم

стр. 306

المُشْرِق على المغرب والمَشْرِق، الفذُّ المفرد، العَلَمُ الأعلَمُ، قاضي قضاة الإسلام، والمرجوع إليه بين الأنام، الحجة الذي يُرحل إليه، والقدوةُ الذي يرجع إليه، أبو الفضل شهاب الدين، أطال اللَّه حياته، وأهلك عِدَاتَه، وأنشدته بديهة داعيًا له بقولي (١): قد فُزتُم بين الأنام وحُزتُمو ... رهَنَ السِّباقِ بنشر "فتح الباري" فاللَّه يكلؤكم ويُبقي مَجْدَكم ... ويَحْوطكم من أعين الأغيارِ وحضرنا مجلسه الكريم، أدام اللَّه الأنسَ به، ورحم الخَلْقَ مِنْ سببه، وسألناه تعلمًا، وتفضل علينا بالجواب تكرُّمًا. وتمثَّلنا بين يديه غير ما مرة، وشافهنا وسألناه بواجهته العلمية السَّنيَّة في الكلام، والمباحث في أنواع مِنَ العلوم التفسيريَّة والحديثيَّة والبيانيَّة والفرعيَّة، ما أرجو اللَّه أن حصل به الشَّرف والرُّقي. وكان ممَّا قصده به عبده ومولى تعلُّمه، ومولى إفادته لجنابه العَليِّ، المِدْحَة والتَّسلية بتقرير جرء قطرة مِنْ بحره التَّيَّار الزَّاخر ما نصه: وساق ما يأتي في فصل المديح قريبًا (٢). [علم الدين البلقيني] ومنهم: قاضي القُضاة علم الدين أبو البقاء صالح البلقيني. فقرأتُ بخطه في تفويض لشيخنا بوظيفتي درس الحديث بجامع طولون والفقه بالصالحية وصف المفوض (٣) إليه بسيدنا ومولانا الشَّيخ الإمام العالم العلامة الحافظ، قاضي القضاة، شهاب الدين، أبي الفضل أحمد، الشهير بابن حَجَر، نفع اللَّه تعالى بعلومه المسلمين. انتهى. ووصفه أيضًا -فيما هو عندي بخطه- بحافظ العصر، ونقل عنه في

стр. 307

"تذكرته" و"ترجمة والده" أشياء، وكان هو المشيرَ عليه بجمعِ ترجمة أبيه، ﵏ وإيَّانا. [تقي الدين ابن فهد] ومنهم محدث مكة (١)، التَّقي محمد بن فهد الهاشمي ﵀ فقرأت في آخر "ذيله على طبقات الحفاظ" للذهبي لصاحب الترجمة ترجمة مختصرة، قال فيها: الإمام العلامة، الحافظ، فريد الوقت، مفخرة الزَّمان، بقيَّةُ الحفَّاظ، علم الأئمَّة الأعلام، عمدة المحقِّقين، خاتمة الحفَّاظ المبرِّزين، والقضاة المشهورين، أبو الفضل، شهاب الدين. إلى أن قال: وكان في حال طلبه مفيدًا في زيِّ مستفيد، إلى أن انفرد في الشُّبوبيَّة بين عُلماء زمانه بمعرفة فنون الحديث، لا سيما رجاله وما يتعلق بهم، فألف التَّواليفَ المفيدة المليحة الجليلة السائرة، الشاهدة له بكل فضيلة، الدالَّة على غزارة فوائده، والمعربة عَنْ حُسن مقاصده. جمع فيها فأوعى، وفاق أقرانه جنسًا ونوعًا، التي شنَّفت بسماعها الأسماع، وانعقد على كمالها لسان الإجماع، ورُزِقَ فيها الحظَّ السامي عن اللَّمس، وسرت بها الركبان سَيْرَ الشَّمس. إلى أن قال: وهو إمامٌ علَّامة، حافظٌ محقِّقٌ، متينُ الدِّيانة، حسنُ الأخلاق، لطيفُ المحاضرة، حسنُ التَّعبير، عديمُ النَّظير، لم تر العيونُ

стр. 308

مثلَه، ولا رأى هو مثل نفسه. جَدَّ في طلب العلوم، وبلغ الغاية القُصوى في سرعة الكتابة، والكشف والقراءة. إلى أن قال: وكان مِمَّن حمل نعشه السُّلطانُ فمنَ دُونَه مِنَ الرُّؤساء والعلماء، ولم يخلُف بعدَه مثلَه في الحفظ، رحمه اللَّه تعالى رحمةً واسعة، وغفر له مغفرةً جامعة. ثم ذكر مرثيَّة الشِّهاب الحجازي له بعد موته، وهي حسنةٌ، كما ستأتي مع غيرها في الباب المعقود لذلك، إن شاء اللَّه تعالى. وقال في كتابه "نهاية التقريب وتكميل التهذيب بالتذهيب": الإمام العلامة، جَمَالُ الحفَّاظ، مفَخر الزمان، وذكر أكثر ما تقدم. إلى أن قال: وله الخُلُق الرَّضيُّ. وسرعة الكتابة، والكشفُ والقراءة. قرأ "صحيح مسلم" في نحو يومين ونصف. و"النسائي الكبير" في عشرة مجالس، كل مجلس منها نحو أربع ساعات. إلى أن قال: وجمع المجاميع، واختصر وانتقى، وانتفع به كثيرٌ مِنَ الشُّيوخ والأقران. وتخرج به كثيرٌ مِنَ الطلبة، فاللَّه يبقيه في خير وعافية، ويزيده عُلُوًّا. [تقي الدين القلقشندي] ومنهم (١) الشيخ تقي الدين القلقشندي. فقرأت في تراجم ألفيتها بخطه ما نصه:

стр. 309

قاضي القضاة، شيخ الإسلام، حامل لواء سنة سيد الأنام (١)، حافظ العصر، علامة الدهر، بليغُ زمانه، واحدٌ أوانه، حُجَّةُ اللَّه على العباد، مُذِلُّ ذوي الباطل والعناد، بقية المجتهدين، محطُّ رحالِ القاصدين، عَلَمُ المسلمين، محيي سُنَّة سيد المرسلين، بغية الطالبين، وليُّ اللَّه، شيخنا وشيخُ شيوخنا، أمتعَنَا اللَّه بطُول حياته، وأعادَ علينا وعلي جميع المسلمين مِنْ بركاته، ولا أخلى الوجودَ مِنْ وجوده. وأفاض عليه سوابغ إنعامه وجوده، آمين. ثم قال: وأقسم باللَّه إنَّ مصرَ لم تُخرج نظيره، ولو شئتُ لقلت: ولا وَرَدَ، مع علمي بأن الجمَّ الغفيرَ مِنَ الأئمة النُّقَّاد وردوها. انتهى. وآخر كلامه أخذه عن مفيده تغري برمش الفقيه. ومنهم الجمال يوسف (٢) ابن الأمير (٣) تغْرِي بَرْدي، أحد المعتنين بالحوادث. فقرأت بخطِّي فيما لخصته من "تاريخه" الذي ذيَّلَ به على "السلوك" للمقريزي، ورأيته بخطه، وفي ظنِّي أنني تصرَّفت في التقديم والتأخير ونحو ذلك: كان إمامًا عالمًا، حافظًا، شاعرًا، أديبًا، مصنِّفًا، مليحَ الشَّكل، منوَّرَ الشَّيبةِ، حُلْوَ المحاضرة إلى الغاية والنِّهاية، عَذْبَ المذاكرة، مع وقار وأُبَّهةٍ، وعقلٍ وسكون، وحلمٍ وسياسةٍ، ودُرْبَةٍ بالأحكام، ومداراةٍ للنَّاس. قلَّ أن يُخاطِبَ أحدًا بما يكره، بل كان يُحسن لمن أساء إليه، ويتجاوَزُ عَنْ مَنْ قدَرَ عليه، مع الصوم والعبادة والبِرِّ والصدقات. وهو أوحدُ مَنْ لقيناه، ولم يكن فيه ما يُعاب إلا تقريبه لولده مع جهله وسوء سيرته. وما عساه كان يفعل معه، إذ لم يكن له غيره، واللَّه تعالى يصلحه. إلى أن قال: وصُلِّيَ عليه بالمؤمني بحضور السلطان، وكان يومًا

стр. 310

عظيمًا. ويقال: إنه حُزِرَ مَنْ مشى في جنازته بنحو خمسين ألف إنسان، ولم يخلف بعده مثله شرقًا ولا غربًا، ولا رأى هو مثل نفسه في الحديث. قلت: وما قاله في ولده ليس بمرضيٍّ، مع كونه شاركه في كثير مِنْ أوصافه، واختصَّ كلُّ منهما عَنِ الآخر بأشياء، واللَّه تعالى يصلحنا أجمعين. [الشهاب الحجازي] ومنهم: العلامة شيخ المتأدبين الشهاب الحجازي ﵀ (١). فقرأت بخطه في أوَّلِ "ديوان" صاحب الترجمة الكبير، وقد نسخه بخطه ما صورته: قال شيخنا الإمام عَلَم العلماء الأعلام، [شيخ الإسلام، حافظ مصر والشام، لسانُ العرب وحجَّة الأدب، الحبر العلامة، والبحرُ الفهَّامة] (٢)، ثَقِةُ المحدثين، آخرُ المجتهدين، سيفُ المناظرين، طرازُ المتأدبين، قاضي القضاة شهاب الدين، نظم اللَّه به شمل مُحبِّيه ونثر رؤوس حاسديه، وفسحَ في أجله لمواليه ومُواليه. إنَّه على كلِّ شيء قدير، وبالإجابة جدير. [قاسم بن قطلوبغا] ومنهم: العلامة زين الدين قاسم الحنفي ﵀ (٣) - فقرأت بخطه في صدر أسئلة كتبها يمتحن بها أئمة العصر، بعد وفاة صاحب الترجمة، وأرسل إلي بنسخة منها، قال فيها: وبعد، فالفقير يقول: لما قضى اللَّه سبحانه بانتقال شيخنا العالم العلامة، الحافظ الفهَّامة، الجامع بين التَّحقيق والحفظ، الآخذ مِنَ العلوم

стр. 311

بحظٍّ، القويِّ الحافظة في الرِّواية، الذَّكيِّ القريحة في الدِّراية، الضابط لقواعد السند والمتن بالتَّحقيق، العالم بمعاقد الاتصال والانقطاع والتَّعليق. العارف بأسماء الرِّجال وأحوالهم، المطلع على مبدأ أُمورهم ومآلهم. شيخ مشايخ الإسلام إلى دار السلام، أعلى اللَّه درجته في علِّيِّين، وجعل له لسان صدق في الآخرين. قلت: هذا لعمري حين ذهاب علم الحديث وانقطاع خبره، وزوال طلبه، وانطماس أثره، فقيل: لا. بل ثمَّ علماء أعلام، وفقهاء حكام. وخلف تلامذةً ما بين حفاظ مُتفنِّنين وعلماء متقنين، فقلت مُصِرًّا على الدَّعوى: حلف الزمانُ ليأتينَّ بمثله ... حنَثتْ يمينُك يا زمانُ فكفِّر هلا شققتم مثل ما شقَّ الدُّجا ... جيبَ الصَّباحِ وشُقّت الأقلامُ هلَّا لبستم للحداد ملابسًا ... أو ما النَّجومُ حدادُها الإظلامُ لا تحسبوا حُزنًا عليه قد مضى ... للحزن فيه مع الزَّمان دَوامُ ثم ذكر أسئلته، أدام اللَّه عليه نعمته. [أبو ذر الحلبي] ومنهم: محدث حلب الآن، الموفق العلامة أبو ذر ابن شيخ الإسلام البرهان الحلبي، ﵀. فقرأت بخطه كرَّاسةً ترجم فيها صاحب الترجمة، قال فيها: قاضي القضاة بالممالك الإسلامية، إمامُ الأئمة، وعالمُ الأُمة، الشيخ الإمام العالم العلامة، الحافظ الناقد الجهبِذ، خاتمة الحُفَّاظ، حامِلُ راية الإسناد، من لم تر عيناي مثله، بل ولا عينُه في فنِّه. إلى أن قال: وكتب، وخرَّج، وحصَّل، وأدَّب، وألَّف، واختصر، وسار ذكرُه في الآفاق، وانتشر أمره. وشرح "البخاري" شرحًا عظيمًا، لم

стр. 312

يُشرح "البخاري" مثله. وتلقَّاه النَّاس بالقَبُول، وسارعوا إلى كتابته وقراءته عليه، وطلبَه ملوك الآفاق إلى بلادهم، ويوم فراغه عمل ضيافةً للناس بالقاهرة، وكان يومًا مشهودًا، وبَعُدَ صيتُه، وأملى عدَّة أمالي، وناظر، وأفتى، ودرَّس. وانعقد الإجماعُ على فضله، وانتفع به العلماء من مشايخه في فنِّ الحديث، وسألته، وسمعتُ والدي يقول عند نظره "لمبهمات البخاري" للشيخ جلال الدين البلقيني: هذه الفوائد التي فيه، الظاهر أنَّها مِنْ كلام الشيخ شهاب الدين ابن حجر. فلما اجتمع والدي بالشيخ شهاب الدين المشار إليه، [قال له: إن الشيخ جلال الدِّين] (١) يفسِّرُ مبهمات ويعزوها إلى كُتُبٍ ما أظنُّها عنده، وأنا أقول: إن هذا منك، فقال: نعم. إلى أن قال ما معناه: رأيته يومًا بحضرة والدي قال يحيى بن أكتم -يعني بالمثنَّاة- فقال له والدي: هو بالمثلثة، واستند إلى ضبط النَّووي له كذلك في "تهذيب الأسماء واللغات"، وكلٌّ منهما صحيح. فقد حكاهما المؤيَّدُ صاحب حماة في ترجمته، قال: وهو الرَّجلُ العظيمُ المبْطِنُ والشَّبعان أيضًا. وسمعته ذكر النَّجم المعروف بالزُّهرة مسكَّن الهاء، فقال له والدي: هو بفتحها، وهو الذي في "التهذيب" أيضًا. بل قال: لا، بإسكانها، وكذا ضبطه في "الجمهرة" بفتح الهاء. وكان يسمع عليه بالمدرسة الشَّرفية وهو يطالع، فيقول للقارىء: سقط لك رجل تارة أو رجلان على قدر ما يتَّفِق، وهما فلان وفلان، أو فلان، ونطلبُ الكتب، فيكون كما قال. وما أحقَّه يقول القائل: عَقِمَ النساء فلا يَلدن شبيهَهُ ... إنَّ الزَّمانَ بمثله لَعقيمُ وخرجنا والقاضي علاء الدين ابن خطيب الناصرية ومن شاء اللَّه معه إلى جبرين، لنسمع عليهما "الأربعين" لابن المجبر، فأخذ الجزء بيده، واستدعى بالدَّواة والقلم، وخرَّج أحاديثها مِنْ مسموعاته مِنْ حفظه، بأعلى مِنْ طريق "الأربعين".

стр. 313

إلى أن قال: وأخبرني العلاءُ ابن خطيب الناصرية، قال: أخبرنا الشيخ ولي الدين العراقي أنَّ أوَّلَ اشتغاله بالحديث في سنة ثلاث وتسعين. ورأيت بخطي: بلغت مصنَّفاتُه إلى مائتي مصنف. والذي أعرف منها "فتح الباري"، لم يُنسج على منواله، ولم تسمح قريحة بمثاله، و"تغليق التعليق" لم يُسبق إليه، ولم يعرِّجُ أحدٌ قبلَه عليه. إلى أن قال: وبالجملة، ليس له مؤلَّفٌ إلا وهو فَردٌ في بابه، ويسمي مؤلفاته بألطف الأسماء، وإن اختصر كتابًا، فقد أتى فيه بزوائدَ يُحتاج إليها. وكتبَ الخطَّ المنسوبَ في أوَّلِ أمره. وكان حسنَ الشِّكالة، لطيفًا حمولًا، كثير الصَّدقات، متحريًا. ولما كان بحلب صحبة السُّلطان، كان له راتبُ لحم يُؤتى به إليه في كلِّ يوم مِنَ السلطان. فكان لا يأكلُه، ويشتري له لحمًا. وعلي وجهه نور السنة، وبلغني عن العلاء البخاري أنه قال: على وجهه نور السنة. وأخبرني أنه رأى الشيخ شهاب الدين الظاهري -يعني ابن البرهان- في النَّوم بعد موته قال: فقلت له: أنت ميت (١)؟ قال: نعم. فقلت: ما فعلَ اللَّه بك؟ فتغير تغيرًا شديدًا، حتى ظننتُ أنَّه غاب، ثم أفاق، فقال: نحن الآن بخير. قلت: وساق باقي المنام الذي سمعتُ شيخنا يحكيه، وأورده كذلك في ترجمة ابن البرهان من "معجمه"، لكني حذفته عمدًا. قال: وأما لطائفه وملاطفته للطلبة والإحسان إليهم، فلا تكاد تُوصف. وقد كنت أسمع به وبأوصافه، فلما شاهدته رأيته فوق ذلك. كانت مُساءلةُ الرُّكبان تُخبرني ... عن أحمد بن عليِّ أحسن الخبرِ لمَّا التقينا فلا واللَّه ما سَمِعَتْ ... أُذْنِي بأحسنَ ممَّا قد رأى بَصَرِي

стр. 314

قلت: وهذان البيتان معزوَّان لأبي القاسم محمد بن هانىء (١) الأندلسي [الشاعر المشهور] (٢)، ويقال: إنهما لجعفر بن فلاح، [ويقال: لأبي تمام. قال ابن خلكان: وهو غلط، بل هما لابن هانىء المذكور، والممدوح جعفر بن فلاح، ولفظ أولهما: كانت مُسائلة الرُّكبان تخبرني ... عن جعفر بن فلاح أطيبَ الخَبرِ ومن قال: "عن أحمد بن دُؤاد"، بَدَل "جعفر بن فلاح"، فقد أخطأ] (٣). ووقعت فيهما اتفاقية غريبة، فيحكى أنَّ العز أيْدَمُر السَّنَائي الدَّوادار أنشدهما للتاج أحمد بن سعيد بن محمد بن الأثير الحلبي كاتب السرّ، عندما خدم بديوانِ الإنشاء في الأيَّام الظَّاهرية، أول اجتماعه به، وقبل معرفة اسمه واسم أبيه، فقال: كانت مُساءلة الرُّكبان تُخبرني ... عن أحمد بن سعيد أحسن الخَبرِ ثم التقينا. . . إلى آخرهما. فقال له التاج: يا مولانا، أتعرف أحمد بن سعيد؟ قال: لا واللَّه. فقال: هو المملوك. فتعجَّبا من غرابة الاتفاق. ونحوه أنَّ أبا الغنائم محمد بن علي بن فارس بن علي، المعروف بابن المعلّم، اجتاز يومًا ببغداد بمكان فيه زحامٌ كثير، فسأل عن سببه، فقيل: إن أبا الفرج بن الجوزي الواعظ هناك يعظ، فزاحَمَ وتقدَّم حتى سمعه، وهو يذكر، فكان مِنْ كلماته مستشهدًا لبعض إشاراته: ولقد أحسن ابنُ المعلم حيث يقول: يزدادُ في مسمعي تكرارُ ذكركُم ... طِيبًا ويَحْسُن في عيني مكرَّرُهُ

стр. 315

قال: فتعجبتُّ مِنْ اتفاف حضوري، واستشهاده بما هو من نظمي. وهو ومَنْ حضر لا يعلمون بي. ويقُرب مِنْ هذه الاتفاقية: أنَّ الطبراني والجِعابي تذاكرا غرائب أحاديثهما، وكان الطبرانيُّ يغلبه بكثرة حفظه، والآخر يَغْلبِه بفطنته، حتى ارتفعت أصواتهما، فقال الجِعابي: عندي حديثٌ ليس في الدُّنيا إلا عندي. فقال له الطبراني: هات. فقال: حدثنا أبو خليفة، حدثنا سليمانُ بنُ أيوبَ، وساق حديثًا. فقال له الطبراني: أنا سليمانُ بن أيوب، ومِنِّي سمعه أبو خليفة، فاسْمَعْه مني عاليًا. فخجل الجِعَابي. قال ابن العميد -حاكيها- عن مشاهدته: ما كنتُ أظنُّ أنَّ في الدنيا كحلاوة الوزارة والرئاسة التي أنا فيها، حتى شاهدتُ ذلك، فوددت أنَّ الوزارة لم تكن، وكنت أنا الطبراني، وفرحت كفرحه. انتهى. ويحكى أيضًا أن الشيخ أبا الفتح أحمد بن أبي الوفاء بن الصائغ الحنبلي سافر في الطلب إلى خراسان، وغاب مدَّة، ثمَّ رجع إلى بلده ببغداد، وقصد الدَّرب الذي كان يعهد أهله فيه. فجلس في مسجد هناك، وسأل عن أهله، فأخبروه أنَّه لم يبق في ذلك الدرب أحد. واتَّفقَ أنه تكلَّم مع قاضي الشَّارع في مسألة، واختلفا فيها. فلمَّا رأى خصمُه على نفسه الغلبةَ، وقهره المذكور بالحُجَّة، قال: واللَّه لو أنَّكَ أبو الفتح ابن الصَّائغ، ما سلّمتُ إليك! فقال: يا أخي، أنا أبو الفتح ابن الصَّائغ، فقام إليه واحترمه. وفي معنى البيتين الأولين، قولُ الشَّمس أبي عبد اللَّه محمد بن محمد بن عبد الكريم بن الموصلي: ما زلت أسمَعُ عن (١) إحسانكم خَبَرًا ... الفضلُ يُسنِدُه عنكم ويرفَعُهُ حتى التقينا فشاهدت الذي سَمِعَتْ ... أُذْني وأضعافَ ما قد كنتُ أسمعُهُ

стр. 316

[وقول غيره: وشوَّقني ذكرُ الجليس إليكم ... فلمَّا التقينا كنتمُ فوق وَصْفِهِ وكل هذا استطراد (١)]. ثم أورد أبو ذر مِنْ نظمه، إلى أن قال: وقد نظر "شرح" والدي على "البخاري"، وكتب عليه أماكن غالبها وَصْلُ تعاليق، أو اعتراضٌ على الذي كتبه (٢) الكاتب، لا على ما في خط والدي، أو اعتراض على من نقل (٣) والدي عنه، وكذلك نظر "مصنَّفه" على "الميزان" وأورد إيرادات واردة على الحسيني، وأرَّخ وفاته. قال: وأراد الشيخ علم الدين صالح بن البلقيني أن يتقدم للصلاة عليه، فأشار السلطانُ إلى أمير المؤمنين، فتقدم وصلَّى، وختم بما أشيع أنه قاله قبل وفاته بيوم من الأبيات. [برهان الدين البقاعي] ومنهم: برهان الدين البقاعي، وهو وإن كان حالُه لا يخفى في السَّخط والرِّضا لكنِّي أردت حكاية كلامه في الجملة. فقرأت بخطه في جزءٍ له سمّاه "أسد البقاع النّاهسة لمعتدي المقادسة" ما صورته: ثمَّ رحلتُ مِنَ القدس الشريف يوم الأربعاء سادس صفر، سنة أربع وثلاثين، فدخلت القاهرة المحروسة يوم الثلاثاء تاسع عشريه، فسارعت للفوز بالتَّشريف برؤية مَنْ كانت الرِّحلة إليه، ولم يكن التَّعويل إلا عليه، شيخُ الإسلام، وطرازُ الأنام، علمُ الأئمة الأعلام، شهابُ المهتدين مِنْ أتباع كل إمام، حافظُ العصر. وأستاذُ الدهر، سلطانُ العلماء، وملكُ الفقهاء،

стр. 317

الذي إذا سلك بحر التَّفسير، كان التَّرجُمان، والآتي مِنْ فرائد فوائده بعقود الجُمان، أو ركب متن الحديث، كان أحمدَ الزَّمان. وأظهر من خفايا خفاياه ما لم يُسبق إليه أبو حاتم ولا ابن حِبّان. وإن تكلَّم في الفقه وأصوله، علم أنه الشافعيُّ، وأبرز من لوايا رواياه ما لم يتجاسر عليه الإمام ولا الرافعي، أو تيمم كلامَ العرب على اختلاف أنواعه، فسيبويه والمبرِّد، وإن عرض العَرُوضَ أو الأدب على انشعاب أنحائه، فالخليل بن أحمد. متى تحدَّث المتفنِّنُون بشيء مِنَ العلم، كان مالك قياده، وأستاذَ نُقَّاده. أبو الفضل شهاب الدين، قاضي القضاة بالديار المصرية والدول الأشرفية، خلّد اللَّه نِعَمَه وأبَّد سعادته وأيَّد هممه. فمثلت بين يديه بالمدرسة البيبرسية، فسمعتُ مِنْ حفظه "المسلسل بالأولية"، ثم كتبتُ إملاءه مع مَنْ كتب، ولازمتُ مجالسه، وكتابة مصنفاته ومحاضراته. ثم ذكر أشياء مما امتدحه بها، ليس هذا محلُّ إيرادها. وقال في موضع آخر: لما كانت الرِّحلة في العلوم دأب النُّبهاء، وكان المستحقَّ لها في هذا العصر والمنفرد بها علوًّا وبَهَاء، مولانا شيخُ الإسلام علامة الأنام، حافظ العصر، عين أهل الدهر، مَنْ سارت مصنفاتُه في جميع الآفاق، وكانت فتاويه وأماليه كالشمس في الإشراق، قاضي القضاة شهاب الدين أبو الفضل، بارك اللَّه في حياته، وأدام على أهل الأرض عظيم بركاته. وقال في موضع آخر: سيدنا ومولانا، قاضي القضاة، شيخ الإسلام، علم الأئمة وإمام الأعلام، بَحْرُ الوجود، ومعدِنُ الجود، حافظُ العصر، وأستاذُ الدَّهر. وفي موضع آخر: علَّامة الدنيا، أطال (١) اللَّه بقاءه، وأدام إلى ذرى المجد ارتقاءه.

стр. 318

[نجم الدين بن فهد] ومنهم: محدِّث الحجاز، ومفيد الدنيا. نجم الدين عمر بن فهد الهاشمي، ولد الماضي، ﵀ وإيانا (١). فقرأت بخطه في "معجمه" (٢): الإمام العلامة علم الأعلام، عمدة المحققين، حافظ السنة بركة هذه الأمة، خاتمة الحُفَّاظ، ناقد الأسانيد والألفاظ، عين الأعيان، مفخرة الزمات من لم ترَ العيونُ كنظيره، قاضي القضاة شهاب الدين. إلى أن قال: وكان ﵀ فريدَ عصره، ونسيجًا وحده، وإمامَ وقته. انتهى إليه علمُ الأثرِ والمعرفةُ بالعللِ، وأسماء الرجال، وأحوالِ الرواة، والجرحِ والتعديلِ، والناسخ والمنسوخ، والمشكلات. تُشَدُّ إليه الرِّحال في معرفة ذلك. محققًا فصيحًا، شديدَ الذَّكاء المُفْرط، حسنَ التَّعبير، لطيف المحاضرة، حسنَ الأخلاق، متينَ الدِّيانة، عديم النَّظير، وعليه مِنَ الجلالة ما يليق به، وما لأحدٍ بعدَه إلى درجته وصول، ولسان الحال يقول: هيهات أن يأتي الزَّمانُ بمثله ... إنَّ الزَّمان بمثله لبخيلُ ونحوه: عَقِمَ النِّساء فما يلِدْنَ شبيهَه ... إنَّ النِّساء بمثله عقمُ (٣) وفضله أشهر مِنْ أن يُوصَفَ، وشعره أرق مِنَ النَّسيم، وقد سارت بفضائله وعلومه الرُّكبان، ورُحِلَ إليه مِنْ أقطار البُلدان، ومحاسنُه كثيرة، وهو أكبر مِنْ أن يُنَبِّه على سيرته مثلي. فلو حلفتُ بين الرُّكن والمقام،

стр. 319

وحُلِّفتُ: أني ما رأيتُ بعيني مثله، [ولم تر عينٌ] (١) من رآه مثله. ولا رأت عينُه مثل نفسه، لبَرَرْت. وما أجدرَهُ بقولِ الإمام الشافعي ﵁: قل لمن لم تر عينا ... مَنْ رآه (٢) مثله ومن كأنَّ من رآ ... هُ قد رأى من قبلَهُ وقد أنشدني شيخنا القطب أبو الخير محمد بن عبد القوي المكي لنفسه فيه قوله: أسْتَصْغِرُ النَّاس عند رؤيته ... لأنه لم ير له مَثَلا إلى أن قال: وكثُرَ الأسفُ عليه, لوفُور محاسنه، وكان موتُه مصيبةً يا لها من مصيبة عمَّت الأنام، وهدمت رُكن الإسلام، وأصمَّت المسامع، وأجرت المدامع، وإنها واللَّه لَمِنْ أعظم الفجائع، وأطَمِّ الوقائع، [فلقد انتقض السُّؤددُ بمصابه، وانثلم المذهب بذهابه] (٣). كان للإسلام والمسلمين سندًا، وللدين في هذا الوقت عَضُدًا، ولم يخلف في معناه مثله، ولقد كان للدنيا بوجوده الجمال والبهجة والفخر، وللناس به أُنْسٌ، ولهم منه فوائدُ جمَّة. ولا أعلم في المشرق والمغرب مَنْ كان يفهم هذا الشأن مثله، فلا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم، وإنا للَّه وإنا إليه راجعون، ورحمه اللَّه ورضي عنه. قلت: وهو المحرِّك لي لتبييض هذه الترجمة، فجزاه اللَّه خيرًا، وحلف لي مجتهدًا، أنه كان يودُّ لو عاش ويموت هو. قال: لأن موتي موتُ شخص واحدٍ. وصاحب الترجمة يموت به علم السُّنَّة. [وقد قال قائل: لَعمرُكَ ما الرَّزِيَّة هدمُ دارِ ... ولا فرسٌ يموتُ ولا بعيرُ

стр. 320

ولكنَّ الرزيَّةَ موتُ حُرٍّ ... يموتُ بفقده بشرٌ كثيرُ] (١) [ابن الشِّحنة] ومنهم: [جماعة بقيد الحياة في هذا الحين، وهو سنة ست وثمانين. منهم] (٢) العلامة أحد الأعيان (٣)، قاضي القضاة الحنفية الآن، المحب أبو الفضل ابن الشحنة، (كان اللَّه له) (٤). فقرأت بخطه في أوائل "شرحه على الهداية" في مذهبهم له ترجمةً مختصرة قال فيها: وألَّف في فنون الحديث كتبًا عجيبة، أعظمها "شرح البخاري"، وعندي أنه لم يَشرح "البخاري" أحدٌ قبله. فإنَّه أتى فيه بالعجائب والغرائب، وأوضحه غاية الإيضاح، وأجاب عن غالب الاعتراضات، ووجه كثيرًا ممَّا عَجَز غيرُه عن توجيهه. وبلغني عنه أنه قال: إنَّ أحسن مؤلفاتي، "الشرح"، و"تغليق التعليق"، و"اللسان". ومصنفاته تبلغ زيادة على مائة وخمسين، وطار صيته في الآفاق، وحصلت على انفراده في بابه كلمة الاتِّفاق. هذا مع الذكاء، وصفاء القريحة، وحُسَن الاستنباط، والنَّظم الحسن، والنُّكتة اللطيفة. وحُسن تسميته المصنَّفات، ولطف العبارة وانسجامها، وحلاوة المنطق، [وحسن المعاشرة والصحبة والتواضع. إلى أن قال: ولم يجتمع لأحدٍ في عصره ما اجتمع له من العلوم] (٥) والمحاسن، فكان أكمل أهل عصره حين موته، فيما يغلب على ظنِّي وأعتقده. ومحاسنه جمَّة، وترجمتُه لا يسعها هذا المكان. وقد أُفردت بالتأليف، لكني لم أقف على ذلك. وكأنه - نفع اللَّه به (٦) عنى تصنيفي
следующие страницы →