وحين كان هكذا يقررُ (١) ... انتظم الأمرُ بما يُحرّرُ
مِنْ رغبةِ الأنْجبِ فيما أمَّهْ ... النخبة الرئيس عالي الهِمَّهْ
رَبيب مهدِ السَّعدِ والسَّعادهْ ... والأصلِ والحشمةِ والسِّيادهْ
صدرُ الصُّدورِ الكاملين الرؤسَا ... وعينُ أعيانِ الكرامِ الجُلسَا
القدوةُ المحقِّقُ الإمامُ ... العالمُ العامِلُ والهمامُ
شيخُ شيوخِ السَّادة الصُّوفيهْ ... السَّالكين الطُّرَقَ المرضيَّهْ
بخانقاه النَّاصرِ السُّلطان ... هي (٢) بسَرْباقُوسَ ذي الأمانِ
نائب حكم الحنفيّ المذهبِ ... الصَّادق اللهجة ثمَّ اللَّقبِ
وهو محبُّ الدين في العقل السَّديدْ ... فكم له مِنْ قاصِدٍ ومن مريدْ
يسعى إليه الأُمرا والكُبَرا ... للأغنياء ملجأ والفقرا
باطنُه بالخير ذاك مذكورْ ... وحبُّه النزيل غير منكورْ
مقدمةُ الخيار (٣) والعبَّادِ ... وصاحبُ العُكَّاز والسَّجادِ
شيخُ شيوخ العُجم والأعاربِ ... محمَّدُ المحمود في المآربِ
نِعْمَ الفتى لباسُه الفُتُوّهْ ... وطبعُه النَّخْوَةُ والمُرُوَّهْ
بِحَظوَةٍ عندَ الملوك وافرهْ ... وطلعةٍ مُشرِقَةٍ وزاهرهْ
ابنُ الإمام الشَّيخ نجلِ الصُّلحَا ... العارف الزَّكيُّ فيما رَجَحَا
لدى السلاطين مهابٌ محترمْ ... معظَّمٌ متِّصِفٌ بذي الهِمَمْ
شرَّف دينَ اللَّه عثمَّانُ اسمْه ... معروفة عادتُه ورسمُه
السَّابقُ الجوادُ ما فيه مِرَا ... لأجل هذا لقَّبُوه الأشْقَرَا
стр. 492
أحبَّه اللَّه وبالسَّعْدِ حباهْ ... ومِنْ كلا الخيرين أعطاه مُنَاهْ
فإنُّه رُكِّن مِنْ بعد اختيار ... منه وعرفانٍ ونقدٍ واختبارْ
إلى كرام الأصل والأحسابِ ... بيتِ العفافِ الطَّاهرِ الأنسابِ
بيت فخارٍ وعُلَا وعلمِ ... وسُؤددٍ وقوَّة وحلمِ
وقصد الوصلة (١) بعدَ الذَّاهبه ... منتهزًا وراغبًا وذا هِبَهْ
بالجِهَة الجوهرة المكنونهْ ... ذاتِ الحجاب الأرفع المصونهْ
باقية فاعجب لها قرينهْ ... إثر اخْتِها سعيدةٌ ميمونهْ
تالية لبعلها وثانيهْ ... عَنْ غيرها يا حُسْنَها مِنْ غانيهْ
غريبةُ الأوصاف ستٌّ بارعهْ ... صالحةٌ وهي تُسَمَّى رابعهْ
الأيِّمُ المرضِيَّةُ الحَصِينه ... الدُّرَّةُ النَّفيسةُ الثَّمينهْ
بنتُ الإمامِ العالمِ العلَّامهْ ... العاملِ الحبرِ الدَّرِي الفَهَّامَهْ
عمدةِ أهل الحفظ والدِّرايهْ ... أعلاهم في النَّقلِ والرِّوايهْ
إمامِ وقته بليغِ الخُطَبا ... نسيجِ وحده أديب الأدبَا
فديتُه ما قُس في الفصاحهْ ... والنَّووِيْ في العلم والرَّجاجهْ
علامةٌ للعلما الأعلامِ ... المتقن الأوحد شيخ الإسلامِ
قاضي القُضاة الشافعي المجتهدْ ... أستاذ كلِّ جهبِذٍ ومنتقدْ
شهاب دينِ اللَّه جاز الشُّهُبا ... وحاز في السَّبْقِ علاءٌ رُتَبا
من غيرُه نشكرُه ونحمَدُ ... ولو ولو فهو حقيقًا أحمدُ
ربُّ النُّهى والفضل والفضائلِ ... بُغْيَةُ كلِّ طالب وسائلِ
نجل المحدِّث الإمام المتقنِ ... شيخ الأنام العالم (٢) المفنِّنِ
стр. 493
العالمِ الصَّالح نُورِ الدِّينِ ... علىِّ المكْنِي أبا الحُسينِ
العسقلانيّ الذي قد اشتهرْ ... بما يُميّزه فَسِمْ بابنِ حجرْ
ذا حجرٌ مُكَرَّمٌ مُستلَمْ ... وحول ركنه تطوف الأممُ
ذا حجرٌ ياقوتُه عزيزُ ... قد حصَلَت منه لنا كنوزُ
ذا حجرٌ تفجَّرت منه بحارْ ... ذا حجرٌ في سرِّه العقلُ يَحارْ
فإنَّه -كما علمت- أحمدُ ... ومالكٌ بالفضل ليس يُجْحَدُ
وعسقلانيٌّ غدا كالشافعي ... رواية النعمان خير تابعي
فادْع معي يا سامعًا لنَعْتِه ... بأن يُطيلَ اللَّه في مُدَّتِه
بنعمةٍ سابغَةٍ عَلَيْهِ ... وأحْسِنَنْ يا ربَّنَا إليهِ
والطُف به ألطافك الخَفِيّهْ ... وامنحه مِنْ هباتِك الحفيَّهْ
فحمَدُوا للخاطب الخِطابَا ... وجعلوا قَبُولَه جوابَا
وطائر اليُمن السَّعيد الميمونِ ... قام خطيبًا قائمًا (١) بالموزونِ
هذا صداقُ عصمةٍ شرعيهْ ... محمودةٍ واضحةٍ جليهْ
مسعودةٍ كريمةٍ سعيدهْ ... ببدرِها المشرِقِ والفريدهْ
أصدَقه الشيخُ محبُّ الدِّينِ ... ذو العقل والفطنة والتَّمكينِ
وهو الذي بنَعْته تقدمْ ... في صدر هذا الرَّجَزِ المُنَظّمْ
أعني الفتى "ابنَ الأشقرِ" المسمَّى ... أعزَّه اللَّه به وأسمَى
منه لمخطوبته المترجمة ... "رابعة" المذكورة المُنْتَظِمهْ
أصدقها مِنَ الدَّنانير الذهبْ ... هِرْجةً بصكةٍ قَدِ انْضَرَبْ
مِنْ النُّقودِ بديار مصرِ ... ما حُكْمُها بين الأنام يجري
مِنْ ضرب سلطان الزَّمانِ الأشرفِ ... بالعدِّ مائتين شُخُوصًا فاعرفِ
стр. 494
الحالُّ منها ربعُها خمسونَا ... اعترفت بقبضِه لدينَا
وما بقي مؤجلٌ وهو مائهْ ... ونِصْفُها فكلُّها منجَّمهْ
إلى ثلاثين مِنَ الأعوامِ ... مع سبعة ونصفٍ حول تامِ
في كلِّ عامٍ أربعٌ معدودهْ ... كما أنت أوصافُها مسرودهْ
بقِسْطِها مِنْ يومِ هذا العقدِ ... حسْبَ تراضيهم بلا تعدِّ
زوَّجها منه بذا بإذنها ... مع الرضا وَلِيُّهَا والدُهَا
سيدُنا قاضي القُضاة الحبْرُ ... ومَنْ له في ذا النِّظام ذكرُ
العسقلانيُّ شهابُ الدِّينِ ... فهو أَبو الفضل على اليقينِ
يا ربَّنا أدِمْ لنا أيامَهْ ... واسبِغْ علينا دائمًا إنْعامَهُ
وقَبِلَ التَّزويجَ بالوكالهْ ... أقضى القضاة صاحبُ الأصالَهْ
في العلما أوحدَهم والفُضَلا ... والأذكيا والفُطَنَا والنُّبَلا
المولويُّ محمّد السفطيُّ ... أسعده إلهُنا المِليُّ
وثبتَ التوكيلُ بالقبولِ ... عن صدور العقد بالمقول (١)
وبان أمرُ الزَّوجة المذكورهْ ... واتَّضحت أحوالُها المشهورهْ
بعد وفاة بعلِها أقضى القُضاهْ ... بأمرِ ربِّنا القديرِ وقضاهْ
فبعلُها هو الإمام الفاضلُ ... العالم المفتىُّ وهو العاملُ
بثغرِ دمياط شهابًا كانَا ... خليفة الحكم بها وبانَا
كان يكنَّى بأبي العباسِ ... وهو ابن مكنون بلا إلباسِ
عبد مناف على رسم النَّسبْ ... بُوِّأ في جِنَانِه أعلى الرُّتبْ
ثم انقضاءُ عدةِ الوفاةِ ... محسوبةٌ عدًّا بلا فَواتِ
تزوُّجًا معتبرًا شرعيَّا ... مستوفيًا شروطه مرضيَّا
стр. 495
في ثامن ذي الحجة (١) الحرامِ ... عام ثلاثين مِنَ الأعوامِ
تلي ثمانمائةٍ سِنينَا ... ماضية معدودة يقينَا
مِنْ هجرة نبوية معلومهْ ... فاعرف فهذا آخر المنظومهْ
والحمد للَّه على هذا النظامْ ... فذكره الشَّريفُ كالمسك ختامْ
وعمل غيره قبل ذلك صداق "فرحة" البكر حين تزوَّجها المحبُّ المذكور قبلَ أختها، وافتتحه بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
بنو حجر أكرمُكم مقامًا ... لكم بيتٌ يُحجُّ له وسبحه
أتاكم خاطبٌ فرحًا مُحِبًّا ... فجاء بفرحةٍ وغدا بفرحه
الحمد للَّه على التَّحصينِ ... وجعلَنا في حِصْنه الحصينِ
فوقَ ذرى عقودِه المشرَّفه ... ولَمْ تزل جليلةً مشرِّفَهْ
أشهد أن اللَّه واحدٌ صمدْ ... وأنه سبحانه (٢) قد انفردْ
ليس له مِنْ زوجةٍ ولا ولدْ ... ولم يكن لربِّنا كفوًا أحدْ
أشهدُ بالبعث وبالرِّسالهْ ... لأحمد الهادي مِنَ الضَّلالهْ
صلَّى عليه بارىءُ العبادِ ... ما فرِحَ الآباءُ بالأولادِ
هذا صداقُ عصمةِ سعيدهْ ... ونسبةٍ قصورُها مَشيدهْ
يحفظ في الغَيْبَةِ والحُضُورِ ... وافرة النَّصيبِ في الأجورِ
شيخيَّة علمَّية أصْلِيَّهْ ... فرعيَّة يانعة زكيَّهْ
أورق منها غصنُها وأثمرا ... ولاح فيها بدرُها فأقمرَا
بنت العُلا والعلمِ أهلِ الصُّفَّهْ ... وكم لهم مِنْ مجلسٍ بِعِفَّهْ
وبعدُ، فالنِّكاح سنَّة النَّبي ... الأبطحيِّ الهاشميِّ العربي
стр. 496
قد قال في حديثه: "تَنَاكَحُوا ... تناسُلوا"، والسرُّ فيه واضحُ
وكان أولى باستماعِ الخبرِ ... أهلُ الحديثِ لاقتفاء الأثرِ
العالمونَ العاملونَ الصَّفوةُ ... السالكون الناسكون القُدوةُ
الخاشعون العابدُون الصُّوَّمُ ... الراكعون الساجدون القوَّمُ
اللابسون خرقَةَ التَّصَوُّفِ ... ومَنْ مَشَوْا على طريق السَّلفِ
فهم أُولو الرأي على الحقيقهْ ... ومرشدو الطُلّاب (١) للطريقهْ
وقد أراد اللَّه جمعَ الشَّملِ ... بين أُولي العلمِ وأهلِ الفضلِ
فنظر الشيخُ الإمامُ العالمُ ... العاملُ الكفءُ المثيلُ الحاكمُ
خليفة الحكم العزيز الحنفي ... فَفُهْ بطيبِ نشرِهِ وعرِّفِ
شيخ شيوخ خانقاةِ الناصرِ ... وهو لسِرياقوس خيرُ ناصرِ
شيخ شيوخ عُرْبِها والعجمِ ... ومَنْ غدا مرتفعًا كالعَلَمِ
وهو محبُّ الدِّين والعبادَهْ ... وصاحبُ العُكَّاز والسَّجادَهْ
رأسُ المعالي ولسانُ الجُلَسَا ... وعينُ أعيانِ الزَّمان الرُّؤسَا
شيخُ الطَّريقِ رأيهُ سديدُ ... وكم وكم فينا له مريدُ
هو اسمه محمَّدٌ (٢) وفعلُهُ ... محمَّدٌ ومثل ذاك أصلُهُ
عُلُوُّهُ بين الورى لا يختفي ... عَنْ أحدٍ لأنَّه ابنُ الشَّرفِ
والده الشيخُ العظيمُ الشَّانِ ... وصدرُ أقصى مجلسِ السُّلطان
أي شرف الدين اسمه عثمانُ ... وهو أَبو عمرو له استنانُ (٣)
بالسبق في الجود (٤) ولا يستنكرُ ... من سبقِه فهو الجوادُ الأشْقَرُ
стр. 497
أسعده اللَّه وحيَّا سلفَهْ ... برحمة منه وأبقى خَلَفهْ
على مدى الدهر (١) وأحيا ذكرهْ ... وأنه استعمل بنتَ الفِكْرَهْ
ودقَّق الفِكْرَ وحقَّقَ النَّظرْ ... فلم يَجِدْ مثلَ الرَّئيس ابنِ حَجَرْ
سيِّدِنا الشيخِ الإمام العالِمِ ... ذي الفضلِ والإحسان والمكارِمِ
الحافظِ المحدِّث الأصولي ... الطيِّبِ الفُروعِ والأصولِ
القدوةِ المسلِّكِ الرَّبَّاني ... المطلَقِ اللِّسانِ والعنانِ
فهو شهابُ الدين ربُّ المنقبَهْ ... رامي (٢) شياطين الرُّواة الكَذَبهْ
وهو أَبو العباس وهو أحمدُ ... وهو لنا مُسْتَنَدٌ (٣) ومُسْنِدُ
العسقلانىُّ عظيم (٤) الشانِ ... وبيتُه يدعى بعسقلانِ
له في الفضل ركنٌ وحجرْ ... حَجَّ إليه الطَّالِبُون للخبرْ
ذا حجرٌ مكرمٌ بالعِظمِ ... لكيمياء العلمِ مثل العلمِ (٥)
خليفةُ الحكمِ العزيزِ الشافعي ... حديثه كرّرَ لكلِّ سامعِ
حديثُه سارت به الرُّكبانُ ... وسعدُه ساعدَهُ الزَّمانُ
وأنه المفتي بدارِ العدلِ ... شيخُ الشُّيوخِ العارفين الكُلِّ
شيخ شيوخ خانقاة المَلِكِ (٦) ... بيبرسَ رُكن الدين ذي التَّنَسُّكِ (٧)
ابن الإمام الشيخ نور الدينِ ... ذاك الذي بنوره يهديني
كنيتُه بين الكُنى أَبو الحسنْ ... ونعتُه مثل أبيه نعتٌ حسنْ
стр. 498
وهو عليُّ وعليٌّ كاسمِهِ ... لكن له كنانَةٌ بسهمِهِ
وهي له وقايةٌ مِنَ العَرضْ ... سلَّمهُ اللَّه وآتاه الغَرضْ
فجاءه الزَّوجُ الكريمُ خاطبا ... وطالبًا لقُرْبِه وراغبا
في ابنته السَّيدة المصونهْ ... والدُّرَّةِ الفريدة المكنونهْ
يا سعده قد ظفرت يمينُه ... يا حبذاك دينُها ودينُهْ
جوهرةٌ خَوْدٌ عروسٌ كاعبُ ... وكم لها مِنْ حُسنِها مناقبُ
وإنها قد عظُمَتْ وجلَّتْ ... تُخْجِلُ الشَّمسَ إن تجلَّتْ
وإنها تحفُة أهلِ الأدبِ ... وإنَّها دارُ حديثٍ طيِّبِ
وجاءها على السَّماعِ المطربِ ... نقط فيه "فرحةً" بالذَّهبِ
فيالها مِنْ زوجةٍ وفرحه ... تُفْرِحُ قلب الزوج وهي "فَرْحه"
المعصرُ البكرُ وصان اللَّه ... حجابَها وارتفعت ذُراهُ
وبذلَ الزَّوجُ لها صَدَاقًا ... على رضا والدها اتفاقَا
أصدقَها بذمَّةٍ وفيَّهْ ... وقدرةٍ أموالها ملِيَّهْ
وقد حباها ذهبًا مختوما ... هِرْجة عينا له (١) معلومَا
جملته بالصَّجْنَةِ (٢) المصريّهْ ... وقدره في الوزن والكميّه
مائةُ مثقالٍ وأربعونَا ... النِّصفُ مِنْ جُملته سبعونَا
فمنه خمسون على الحُلولِ ... والقبض أربعون بالتَّعجيلِ
لكن مِنَ الخمسين تبقى عَشرهْ ... وهي (٣) على حلولها مُقَدَّرَهْ
وذلك القبضُ تولَّاه الأبُ ... بحجره فهو الوليُّ الأقربُ
стр. 499
منجمٌ تسعون مثقالًا ذَهبْ ... يدفعُها المُصْدِق كلَّما وجبْ
ثلاثةٌ في سلخ كلِّ عامِ ... مِنْ يومنا هذا إلى الإتمامِ
هُما هُما تناسَبا تصاهرَا ... حازا مِنَ العليا نصيبًا وافرا
تخَاطبا إذ ذاك بالإجابة ... ورأيَا رأيًا له إصابهْ
أكرِمْ به عقدًا جرى (١) توافيا ... سعى إليه السعد بشرًا حافيًا
فأذِن الوالدُ باختيارِ ... في العقد بالصَّداقِ باختيارِ (٢)
ورُفِعَ الأمرُ إلى سيدنا ... وشيخنا شيخِ الأنام معلنَا
أعظِمْ به سيِّدنا مولانا ... وكم له مِنْ مِنَنٍ أولانَا
وإنه عالمُ أهلِ العصرِ ... وحيدُه وهو فريدُ الدَّهرِ
علامةُ الوقتِ خطيبِ الخطبا ... رئيس أهل (٣) الفضل قُسُّ الأدبَا
بليغُ غايات النُّهى والأدبِ ... فصيحُ إعجام لسانِ العربِ
وحجَّةُ الفتوى وكنزُ الطلبِ ... والغاية القصوى لأهل الطلبِ
أعني جلالَ الدينِ أبقى اللَّهُ ... أيامه وزاد في عُلاهُ
وهو أَبو الفضل سَما إفضالَا ... وزاده ربُّ السَّما جلالا
وشيخ الاسلام مليكُ العُلمَا ... قاضي قُضاة المسلمين العُظَمَا
وهو الكنانىُّ النَّسيبُ الشافعي ... ومعدنُ العلمِ الشَّريفِ النافِع
وسيدٌ ومالكٌ وأحمدُ ... حتى إلى النُّعمان أضحى يُسنِدُ
وهو الذي يُفدَى بكلِّ عينِ ... وهو الإمامُ الأعظمُ البُلقيني
أفديه مِنْ محقِّقٍ (٤) مدققِ ... مجتهدٍ حبرٍ ومفتي الفِرَقِ
стр. 500
أعانه اللَّه على مرضاتِه ... وباركَ الرَّحمنُ في حياتِه
وعاشَ في أخلافه مُعينا ... كما غدا حِرْزًا لنا أمينَا
ووكَّل الخاطبُ بدرًا عظُمَا ... أخاه في قَبُولِ عقدٍ نُظِما
مخدومُنا السيدُ بدرُ الدِّينِ ... حُسَيْنُنا المحسنُ باليقينِ
وكَّلَه يقبلُ عَقْدها عَلَى ... صَدَاقِها هذا كما قد فُصِّلا
فأوجبَ العقدَ على المُسَمَّى ... قاضي قُضاة الشَّرعِ زاد عِلمَا
بعد ثبوت الإذنِ والتَّوكيلِ ... لديه والخطابِ للوكيلِ
ووضح الأمرُ بغير (١) دافعِ ... وأنَّها خلت مِنَ الموانِعِ
موانع عَنْ عقدها مرتفعهْ ... وكنَّه شروطها مجتمعهْ
وقَبِلَ العقدَ الوكيلُ فيهِ ... على الصَّدَاقِ وهو عَنْ أخيهِ
في الجمعة الغراء وحصنها عندهْ ... شهادة في الثاني مِنْ ذي القعدهْ
مِنْ سَنَةٍ وهي ثمان عشره ... مقرونةٍ باليُمْنِ والمسرَّهْ
بعد ثمانمائة سِنينَا ... سالفةٍ وقد خَلَتْ مُبينَا
مِنْ هجرةِ المختار صلَّى اللَّهُ ... عليه فاللَّه قد اصطفاهُ
وأنه نهى عَنِ السِّفاحِ ... وحثَّ في الدِّين على النِّكاح
ورغَّب الأمَّةَ في التَّزويجِ ... لأنه أحفظ للفروجِ
والحمد للَّه على التَّأليفِ ... بينهما والنَّظمِ والتأليفِ
أصدقنا في حُبِّه تعطُّفا ... وحسبُنا اللَّه تعالى وكفى
به وبالإذن وبالتَّوكيلِ ... وقبضه المشروح في التَّفصيل (٢)
стр. 501
فكل ذا بشرطِهِ المعتبرِ ... قد كتبه محمد الإسكندري
ورسم جامعه شهادته، فقال:
حضرتُ ذا العقدِ السعيدِ حامدا ... مصلِّيًا مسلِّمًا وشاهِدَا
[شمس الدين القادري]
ومنهم: (١) الشمس أبو الفضل محمد بن أبي بكر بن عمر القادري.
فقال (٢):
رمته غداةَ البين الركب منجدُ ... بسهمِ لحاظٍ ما له مِنْهُ مُنجدُ
مهاة إذا استنَّب بعُودِ أراكةٍ ... على متنِ سِمْطَيْ لؤلؤٍ تتردَّدُ
تُريكَ ثُنيَّاتِ العَقيق ببارقٍ ... حلالي النَّقَا منه العذِيبُ المبرِّدُ
خفيفة أعطاف نَشَاوى مِنَ الصّبا ... ثقيلةُ أردفٍ تُقيمُ وتقعُدُ
مِنَ النَّافثات السِّحر في عُقَدِ النُّهى ... بنجلاء عنها السِّحر هاروتُ يُسْنِدُ
وأعجب مِنْ جسمٍ حكى الماء رقَّةً ... يُقل بلطفٍ قلبها وهو جَلْمَدُ
مُحَيّا كبدرِ التَّمِّ في جُنْحِ طُرَّةٍ ... يظلُّ به غصنُ النَّقا يتأوَّدُ
وجنات وجناتٍ بماء نعيمها ... على النُّوْر نارٌ أصبحت تتوقَّدُ
ومنها:
تلاحظُ مِنْ طرفِ خفيٍّ متيَّمًا ... لَدَى الحيِّ مَيْتًا في الهوى ليس يُلحدُ
إذا ما أظلَّته بليل غدائرٍ (٣) ... هداهُ الشِّهابُ الألمعيُّ المسوَّدُ
стр. 502
أبو الفضل عمّ البذل مَنْ بِنَوالِه ... أخو الفقر خالي الفكر عما نُسهِّدُ
ومَن سَنَّ للعافي بجامعِ فضلِه ... لعمرُك وهو النَّاسك المتهَجِّدُ
صلاةُ صِلَاتٍ فالأنامل رُكَّعٌ ... وأقلامُه بالبذلِ للَّه سُجَّدُ
ومنها:
أسيِّدَنا قاضي القضاة ومَنْ له ... شهابُ ذكاءٍ قد غدا يتوقَّدُ
ومَنْ بُنيت جُرْثُومَة المجدِ منه في ... ذُرى حجَرٍ مِنْ كعبةِ الفضل تُقْصَدُ
قدا انْبَجَست مِنْهُ بحارٌ زواخرٌ ... مِنَ العلمِ والجدْوى تفيضُ وتُزْبِدُ
فعنها لداني المحْل بالبذل مصدرٌ ... وفيها بنادي الحلم للفضل مورِدُ
ومنها:
وبُلِّغتَ مجدًا بالسِّماكِ مُحجَّلا ... توقَّفَتِ الأفهامُ عمَّا يقلِّدُ
ومنها:
وكم معشر أعْيَتْهُمُ منك غايةٌ ... تَنَكَّبُ عنها النَّجمُ مرقَى وسُؤدَدُ
بهم أطبقتْ عينُ الزَّمان على قذًى ... وأنت لِعَينِ الدَّهر نومٌ وإثمدُ
فإنُ يحمدوا فالدهر أحرى بذمِّهم ... فأنت أبا العباس لا شكَّ أحمدُ
ومنها:
ولمَّا روى والفضل فيك مجمَّع ... جميلُ الثَّنا مِنْ حيثُ يروي مُسدَّدُ
حديثَ عطاءٍ عَنْ أياديك مرسلًا ... وأخبارَ بشرٍ عن مُحَيَّاك تُسنَدُ
حلفتُ يمينًا أنَّها منك لم تزل ... تُفيدُ يسارًا خالدًا ليس ينفَدُ
ومنها:
وبُلِّغْتَ بالعلمِ الشَّريفِ ولايةً ... عليها لواءُ النَّصر بالسَّعد يُعقَدُ
стр. 503
عدَتْ للسِّوا قصدًا لتظهر فضلكم ... وعادت إلى عَلياك والعَوْدُ أحمدُ
[ابن ناصر الدين الدمشقي]
ومنهم: الحافظ شمس الدين أبو عبد اللَّه محمَّد بن أبي بكر عبد اللَّه (١) بن محمد بن ناصر الدين الدمشقي.
فكتب عنه صاحبنا (٢) النجم بن فهد الهاشمي مما أنشده لنفسه لفظًا:
إن قيلَ من ترتجي جودًا ويفعلُه ... قُلِ المفيدُ بفضلٍ كلَّ مَنْ وفَدا
قاضي القضاة إمامُ العصر حافظُه ... فردُ الزمان الذي في فضلِه انفردَا
وإن أردت نظيرًا في تبحُّره ... علمًا وفضلًا وجودًا لم تجد أحدَا
لا تنكروا جُودَه كالماء منسحبًا ... فالماءُ من حَجَرٍ يحيى به أبدا
[شمس الدين النَّواجي]
ومنهم: العلامة فخر الأدباء شمس الدين محمد بن حسن النَّواجي غفر اللَّه له.
وله فيه المدائح الكثيرة (٣)، فمنه ما قرأته بخطه:
نفسٌ على هام الكواكب تُشْرُفُ ... وحُلا أرقُّ مِنَ النَّسيم وألْطَفُ
يا واحدَ الدُّنيا الذي عزماتُه ... حلفَ الزَّمانُ بمثلها لا يُخلِفُ
كم رامَ بدرُ التَّمِّ يحكي وجهَك الوضَّـ ... ـاحَ حسنًا فاعتراه تكلُّفُ
لا شك فيه مِنَ الإله سريرةٌ ... بالبِشْرِ مِنْ صَفَحاتِ وجهك تُعرَفُ
стр. 504
حمَّلتَ أعناقَ الكرامِ صنائعًا ... عَنْ بعضِ أيسرِها تكِلُّ وتَضعُفُ
ومنحتَ أربابَ البُيوت بدائعًا ... بحُلَى معانيك الحسان (١) تُزَخْرَفُ
للَّه دَرُّك مِنْ سليلِ مآثرٍ ... بأثيل محتَدِهِ العُلا يتشرَّفُ
شهمٌ أبيٌّ جائدٌ متفضِّلٌ ... نَدْبٌ وفيٌّ زاهدٌ متعفِّفُ
ورِثَ السيادةَ لا أقول كَلالَةً ... بل ذاك مجدٌ عَنْ أبيه مخلفُ
رحبُ الحظيرة في العُلوم مَبصَّرٌ ... في الحكم لا أنِفٌ ولا مُستنكِفُ
يبدي التَّرفُّع حيث شامَ من امرئ ... شَممًا ويَرفُق بالضَّعيف ويرأفُ
أبدًا يُنزِّه طَرْفَه في (٢) روضة ... أطيارُ فكرته عليها عُكَّفُ (٣)
ويكاد صدر الطِّرس يخبره بما ... فيه وتنطِقُ في يديه الأحرفُ
وإذا الفقير شكا إليه ظُلامَةً ... رقمتْ (٤) أناملُه الكريمةُ تكشِفُ
هو سيبويه زمانِه وعلُومه ... عين الخليلِ لنحوها تَتَشَوَّفُ (٥)
فأبو عُبيدٍ لو تأخَّر عنه لم ... يُنْسَبْ إليه في الغريب "مُصَنَّفُ"
ولو ابن عصفور رآه لطَارَ مِنْ ... فرحٍ وعادَ إليه وهو يُرفرِفُ
بأداة الاستقبالِ لم يَكُ ناطقًا ... وبأحرفِ التَّنْفِيس ليس يُسَوِّفُ
بل أمرُه في الحالِ يرجعُ ماضيًا ... حتمًا وفعلُ نوالِه مُتَصَرِّفُ
قد حازَ معرفةً ووزنًا مِنْ ندى ... كفٍّ فعن رُتَبِ العُلا لا يُصرفُ (٦)
وإذا وجوهُ المكْرُماتِ تنكَّرت ... بأداة نشرِ عطائِه تتعرَّفُ
стр. 505
لا عيبَ في علياهُ إلا أنه ... يحبُو بما ملكت يداهُ ويُتْحِفُ
وإذا تعزَّزَ مالُه عَن طالبٍ ... رِفْدًا تراه لذا وهذا يُضْعِفُ
لا يُخلِفُ الميعادَ أصلًا بل يرى ... أن الإله عليه حقًا يُخلِفُ
كَلِفٌ بأمر الدِّين لا يَلْوِي على ... ما فاتَ مِنْ دنيا ولا يتأسَّفُ
وله إذا سَدَلَ الظَّلام رُواقَه (١) ... عينٌ مُسَهَّدةٌ ودمعٌ يَذرِفُ
فألذُّ ما يُتْلَى عليه كلامُ خا ... لِقه وأشْهى ما إليه المُصْحَفُ
يا كعبَةَ الجُودِ الذي لِمَقَامِه ... تسعَى الوفودُ نَدًى ولا تتوقَّفُ
وتطُوفُ حولَ البيتِ منه كأنَّه ... للفضل ما بين الخلائقِ موْقفُ
بمنَى المُنَى وقفُوا، وفي حرَم الهَنَا ... عكَفُوا، وبالحَجَرِ المكرَّم أُتحِفُوا
بالعلْمِ والحلْمِ اشتهرتَ فقُل لنا ... هل أنتَ أحمدُ عصرِنا أم أحنَفُ
وبحُسْنِ خُلقك حيثُ راح مُوطَّأ ... أصبحت فينا مالِكًا يتصرَّفُ
أم نفسُ حاتِم نَقْشُ خاتَمِ كفِّكم ... بهما الجناس يروقُ وهو مصحَّفُ (٢)
يا حافظَ الإِسلام مِنْ لَددٍ ومِنْ ... نزعاتِ خصمٍ كيدُه مستضعفُ
لك منطقٌ جزلٌ رصينُ اللَّفظ لا ... متكلِّفٌ لَسَنًا ولا مُتعسِّفُ
مُرْدٍ لسَفْسافِ الكلام إذا انتضى ... حدًّا لِنحْلَة حَائِدٍ يَتَفَلْسَفُ
ما زِلْتَ تحمي شرعَ سنَّةِ أحمدٍ ... وبه تَذُبُّ عَنِ الحديث وتَصرِفُ
حتى أعدت الحقَّ أبيضَ أبلجًا ... بسَنًا يكادُ البرقُ منه يَخطَفُ
وقَفَوْتَ آثارَ الرِّجالِ فلم تَدَع ... لهُم طريقًا فيه ما يُتَخوَّفُ
وبمجلسِ الإملاء تملأ سمعَنا ... دُررًا بها أُذْنُ الرُّواة تُشنَّفُ
وإذا أتيتَ بطُرْفَةٍ شهِدَ الورى ... حقًا بأنك يا إمامُ مُطرِّفُ
стр. 506
و"بنخبة الفكر" انتهجتَ طريقةً ... غرَّاءَ يعرفُ فضلَها مَنْ يعرفُ
وبفتح باريك اغتنيت فكلُّهم ... مِنْ فيضِ فضلِ علومِكم يتلقفُ
وعُنيتَ بالذَّهبي في "ميزانه" ... بالنَّقد فيما بَهْرجُوه وزيَّفُوا
حركتَ فيه له (١) "لسانًا" مُسْلَطًا ... كالسَّيف يرهبُه الحُسامُ المرهَفُ
لا غَرْوَ أنْ يُقضى بقطع نزاعهم ... فاللَّفظُ عضْبٌ واليَراع مثقَّفُ
يا شيخَ الاسلامِ الذي أفكارُه ... أبدًا بها شملُ العلوم مؤلَّفُ
مِنْ بحرِ جُودك قد نظمتُ قصيدةً ... زَهرُ البلاغة مِنْ حُلاها يَقْطِفُ
حاكت بصنعاء القَريض برودَها ... وأتت تجرُّ المِرْط وهو مفَوَّفُ (٢)
لطُفت معانيها فأعينُ عَينِها ... لك مِنْ كُوى فاءاتها تَتَشَوَّفُ
وتمايلت مَرحًا فلولا نِسْبَةٌ ... لكُم لقيل ثَنَى المليحةَ قَرْقَفُ
هي بهجةٌ للشمس إلا أنَّها ... تسمو بعلياء الشِّهاب وتَشْرُفُ
طوَّقْتَنِي بالجودِ منك فلم أزلْ ... بعُلاك فُي فُنَنِ البلاغة أهتِفُ
وكسوتني حُلَل الجمالِ فها أنا ... لكمُ مُريدٌ في الورى متصوِّفُ
لي فيك حسنُ تخضُّعِ وتذلُّلٍ ... ولكم عليَّ تحنُّنٌ وتعطُّفُ
ووحقِّ فيضِ نَدَاكَ وهو ألِيَّتِي ... ويَحِقُّ لي أنِّي بذلك أحلفُ
ما لي إلى أحدٍ سواكَ تَلَفُّتٌ ... كلَّا ولا لي عَنْ جنابك مصرِفُ
وعلى محبتك الخلائقُ أجمعوا ... كُلًّا فما أحدٌ عليك يعنَّفُ
لا زلتَ في أمرِ الممالكِ قاضيا ... وشهاب علمِك بالفضائلِ يُسعِفُ
ويَحفُّكَ البدرُ المنيرُ بطلعةٍ ... شمسُ الظهيرة من سناها تكسَفُ
واللَّه يكلؤكُم بعين عِنَايةٍ ... منه ويحفظُكم لديه ويُزلِفُ
стр. 507
يا ربِّ واحشرني بزُمرته إذا ... هبت سعيرُ لظًى وهال الموقفُ
فبجاه أحمدَ لم أزل مُتَشَفِّعًا ... مِنْ مالكٍ وبدينه أتحنَّفُ
صلَّى عليه اللَّه ما ذُكِرَ اسمُه ... لشجٍ فَهَامَ إليه صبٌّ مُدْنَفُ
ومنه ما أنشد عقب ختم "فتح الباري" بالمنكوتمرية, فقال:
خُذوا حديث الغرام مُسنَدْ ... عَنْ مُستهامِ الفُؤادِ مُبعَدْ
وسَلْسِلُوه بِدُرِّ دمعي ... فابنُ مَعينٍ به تَفَرَّدْ
يا خدُّه الواقديُّ (١) رفقًا ... بخاطرٍ منك قَدْ توقَّدْ
وثغرُه الجوهريُّ كم ذا ... يمنعني ريقَك المبرَّدْ
باللَّه يا راحلًا بقلبي ... هل (٢) لفؤاد المشُوقِ مِنْ رَدْ
اللَّهَ اللَّهَ في محبٍّ ... بنظرةٍ منك ما تزوَّدْ
يُكَفكِفُ الدَّمع في جيوبٍ ... خوفَ وُشَاةٍ له وحُسَّدْ
لو سُمْتُه قُبْلَةً ولو في المنـ ... ـامِ بالرُّوح ما تردَّدْ
للَّه ساجي اللَّحاظِ ألمى ... أغنُّ لَدْنُ القَوامِ أغيَدْ
ألثغُ حُلْوُ الكلامِ كادَت ... حلاوةُ الثَّغْرِ منه تُعْقَدْ
البدرُ (٣) قد لاح مِنْ سناه ... والغُصْنُ من عِطفِه تأوَّدْ
رقَّ أديمًا فكاد يجري ... على فؤادٍ له كجلمَدْ
لو هفواتُ النَّسيم مَرَّتْ ... عليه من لُطفه (٤) تجَعَّدْ
جامعُ حسْنٍ إذا تبدَّى ... خرَّت عيونُ الأنامِ سُجَّدْ
стр. 508
وقُبلةُ العِشْقِ إن تُغنِّي ... أبصرتَ في الحالتين مَعبَدْ
صيرتُ دمعي عليه وقفًا ... مُسبَّلًا جاريًا مؤبَّدْ
وعاذلٍ كان قبلَ هذا ... يطعنُ في حُسنِه ويَجْحَدْ
ومُذْ بدا وجهُه هلالًا ... يفوقُ بدرَ السَّما تَشَهَّدْ
وزان خدَّيه حُسْنُ خالٍ ... بكعبة الحُسْنِ قَدْ تعبَّدْ
حَمَاهُ ربي فكيف أضحى ... في وسط نيرانها مخَلَّدْ
لم أنْسَ إذ زارني بليلٍ ... كأنَّه كوكبٌ توقَّدْ
وابتسم الثغر عن لآلٍ (١) ... فَهِمْتُ في عِقدها المُنضَّدْ
واستعبَرَ الجَفْن مِنْ دموعٍ ... لمَّا رأى صدْرَهَ تنهَّدْ
أرشَفَنِي مِنْ رحيقِ ثغرٍ ... كاسًا وحيَّا بوردِه الخَدْ
شمِمت منه عبير خالٍ ... يعبَقُ مِنْ نشره شَذَا النَّدْ
فَيَا له عنبرٌ ذكيُّ ... وعاذلِي فيه قد تَبَلَّدْ
يا مالك (٢) الحسن جُد بنعما ... ن وَجنَتَيْ خدِّكَ الموَرَّدْ
وإن تكن شافعي فإني ... أشكرُ ربَّ السَّما وأحمدْ
قاضي قُضاةِ الأنامِ كنزُ الـ ... ـغنى حليف النَّدى المؤبَّدْ (٣)
حامي ذُرى المجد والعُلَا مَنْ ... فاقَ الورى في حُلا وسُؤدُدْ
بنى له الفضلُ بيتَ عَلْيا (٤) ... له بساطُ النُّجوم مَقْعَدْ
وأعربَتْ عن عُلاه خِيمٌ (٥) ... بالعطف معروفُها تأكَّدْ
стр. 509
مولى به اللَّه في الورى قد ... أعزَّ أحكامَه وأيَّدْ
أعفُّ في الحكم مَنْ مَشَيْنَا ... تحتَ لواء عَدْلِه وأزهَدْ
له مع اللَّه حُسْنُ حال ... بظهرِ غيبٍ له ومَشْهَدْ
ما مثلُه في وفًا وحلْمٍ ... إنْ وعَدَ المرءَ أو توعَّدْ
ولم يقُل في نَدًى وعِلم ... لمَنْ أتى سائلًا: إلى غَدْ
ذُو راحة أتْعَبتْ حسودًا ... قصَّرَ عَنْ نَيْلها وفَنَّدْ
أصابع النِّيل قاصِراتٌ ... عنها وكفُّ الغمام مُمتَدْ
كم قلتُ لمَّا سَمَا فحاذى ... رأسَ سِمَاكٍ وفَرقَ فَرْقدْ
يا هل تُرى غاية لعليا ... متفردٌ في الأنام أوحدْ
وليت شعري أنَال ذا عن ... أبٍ (١) عليَّ المقامِ أم (٢) جَدْ
في مصره كم أغاث حيًّا ... أتْهَمَ في غوره وأنْجَدْ (٣)
وكم وكم قد أمات خصْمًا ... عانَد في شَرعِهِ وألْحدْ
يا عَمرَك اللَّهُ أُمَّ حَبرًا ... عنه حديثُ الكرام يُسنَدْ
وارْوِ ندَى راحتيه بحرًا ... مِنَ الطَّريقين عنه يُوردْ
فبابُه للوفود مَلْجَا ... ومالُه للعُفاةِ مُرصَدْ
وأعجب لذي باطلٍ وحقٍّ ... كلاهُما في حِماه يُعضَدْ
هذاك بالقطع ليس يَرْقَى ... وذا بكلتا اليدين يُرْفَدْ
стр. 510
لا عيبَ في جُوده (١) سوى أنَّ ... شملَ أموالِه مُبَدَّدْ
يَسْبِيك في كفِّه يراعٌ ... أسمرُ لَدْنِ القَوامِ أمْلَدْ
أحوى غَضِيضُ الجفون ألمى ... مكَحَّلُ الطَّرْفِ لا بمِرْوَدْ
مواظب الخمس وِرْده في ... وقت صلاة الصِّلاتِ يشهد (٢)
إذا هوى للرُّكوع خرَّتْ ... له وجوهُ الطُّروس سُجَّدْ
سبحان مَنْ قد براه غُصنًا ... ثمارُه فِضَّةٌ وعَسْجَدْ
مُحبِّرٌ في العلوم زاكي الـ ... أُصولِ سامي الذُّرى مُسَوَّدْ
في قصَب السَّبق ما رأينا ... مثالَه في الجياد جَوَّدْ
تهزُّ أصواتُ سائليه ... أعطافَه للنَّدى فَتَمْتَدْ
وتَنْبرِي للعطَا فيُزرِي ... بالبحر في جَزْرِه وفي المَدْ
يسعى على رأسه لأمِّ ... طِرافُها للحِبا مُمدَّدْ
تُرضعه (٣) يومها وعند الـ ... ـمغيبِ في بطنها يمهَّدْ
واسْتَجْلِ ما شئتَ مِنْ معاني ... مِرْمَلَةٍ طرفُها مُسهَّدْ
يحكي سنا وجهها الثُّريا ... حسنًا إذا سعدُها تَجدَّدْ
في بيت أفراحها اجتماعٌ ... بالرَّمل مِنْ سِلكها (٤) تولَّدْ
تنظمُ الدُّر فوقَ طِرْسٍ ... نَظْمًا فتظمَى لمَّا تنضَّدْ
وتنثر التِّبْرَ في لُجَيْنٍ ... نثرًا فنًثرِى به ونَسْعَدْ
تُذيب قلبَ النُّضار لا ما ... حصَّله باخِلٌ وجَمَّدْ
стр. 511
إن أنكرتْ قتلَ حاسديها ... ها دمُهُم في الطروس يَشْهَدْ
وشمُ حُلا مُديةٍ عليها ... خناصرٌ للعلوم تُعقَدْ
تَقْطعُ وصلَ الجَفا وتبري ... قلبَ عِداة بَغَوْا وحُسَّدْ
وتُثبت الجُرحَ في وجُوهٍ ... تجاوزُوا في لقائها الْحَدْ
ما طالَ مِنها اللسانُ إلا ... قصَّر مَنْ كلَّمْت عن (١) الرَّدْ
قوامُها اللَّدنُ سَمهيريٌّ ... وإنَّما طرفُها مهنَّدْ
تملك الحُسْنَ في نصابٍ ... ما مثلُه في القُرون يُعهدْ
قتيلُها المَحْلُ ليس يُودَى ... شرعًا وإن كان بالمحدَّدْ
يا شيخَ الإِسلام يا إمامًا ... دَعَا لطُرْقِ الهُدى وأرشَدْ
يا ذا التَّصانيف ليس يُلْقَى ... نظيرُها في الورى ويُوجَدْ
لو رام تعدادَها حسودٌ ... بكى على نفسه وعدَّدْ
شرحَتَ صدرَ الحديث لمَّا ... قصدتَ للشرحِ أيَّ مقصِدْ
ورحتَ تُمليه في نُجومٍ ... شهابُها في العلا توقَّدْ
أخجلَ في أُفقه الدَّراري ... أما تَرى الجوَّ أحْمرَ الْخَدْ
واستخدمَ الكُنَّسَ الجواري ... تدأبُ في بابه وتَجهَدْ
أفعم أذواقَ طالبيه ... بمشتهَى لفظِه الْمُسَرْهَدْ
وسار في شرقها وغرَّب ... تُتلى أحاديثُه وتُسْرَدْ
وكم طوى نشرُه كتابًا ... على ممرِّ الدُّهور سَرمَدْ
ومَن يَكنْ علمهُ عطاءً ... من فتح باريه كيف ينفَدْ
خذها ابنةَ الفكر ذاتَ شجوٍ ... بلُطْف معناك قد تَجَسَّدْ
стр. 512
تغنيك أوصافُ حسنها عن ... وصْلِ حسانٍ ووصف (١) خُرَّدْ (٢)
تختال مِنْ طرسِها ومَعْنَى ... عُلاك في صَرْحِها المُمَرَّدْ
جمالُها مطلقٌ وحرفُ الـ ... ـرَوِيِّ في حُبِّكم مُقَيَّدْ
وبحرُها من بَسيط كفَّيْ ... نَداكُمُ بالوفَا تعوَّدْ
مَنْ رامَ يَقفُو سَنَا عُلاهَا ... لمطلع الشَّمس كيف يَصْعدْ
رقيقةُ النَّظم ذاتُ لفظٍ ... حُرٍّ ومعنًى بكم مُولَّدْ
حَرَّرَها في عُلاك مَولى ... عِتَاقُه بالوَلَا تَعَبَّدْ
أمسكَ فضلَ العِنَانِ لمَّا ... زادتْ معانيكم على العَدْ
ولو أطالَ المديحَ جاءت ... -وحقِّ علياك- في مُجَلَّدْ
طوَّقتَه بالنَّدى فَقَلَّمَا ... مطوَّق في الرِّياض غَرَّدْ
ورِشْتَ منه الجناحَ حتى ... حلَّق نحو العُلا وصَعَّدْ
وحقِّ ربِّ السَّما ومولى ... يُخشى لكلِّ الورى ويُعبَدْ
ما لي إلى غيرك التفاتٌ ... كلا ولا عَنْ حِمَاك مَقْصدْ
قَيَّدْتني بالنَّدى فَتَمِّمْ ... واكتب على قَيْدِيَ المخلَّدْ
وكم يدٍ (٣) قد أنلتَ حتَّى ... سَلَبتَ منِّي الفؤادَ باليَدْ
هذا هو الفضلُ بل أبوهُ ... أنت وهذا لَعَمْركَ الْجَدْ
لا زلتَ مستعصمًا أمينًا ... مستنصرًا هاديًا لمهْتَدْ
مستَظهِرًا واثِقًا رشيدًا ... على العِدى ظاهرًا مُؤيَّدْ
يَحُفُّكَ البدرُ في كمالٍ ... بخيرِ ما طالعٍ وأسعَدْ
стр. 513
ومنه، ممَّا نقلته مِنْ خط ناظمه النواجي ﵀:
تذكَّرَ عهدًا بالغُويرِ ومَعْهَدَا ... ومعنًى يروق الناظرَ المتَردِّدَا
وشاهدَ ربعًا بالعقيق ومَرْبَعًا ... فساقط دُرَّ الدَّمعِ مثنًى وموحِدَا
حليفُ جوى هيمان ظمآن كلَّما ... شكى علةً للربع جاوبه الصَّدَى
مَليٌّ مِنَ التَّسهيد والدمعُ مملقٌ ... مِنَ الصَّبر لا يلقى على البَيْنِ مُسعِدَا
على حين زُمَّت بالحبيبِ رواحلٌ ... لنَجْدٍ فلم تترك لقلبيَ مُنجِدَا
هُمُ أودعوا دُرَّ الحديث بمَسْمَعي ... فسال عقيقًا مِنْ جفوني وعَسْجَدَا
وفي الرَّكب حوراءُ العيون إذا رَنَت ... لرِيمِ الفَلا في التِّيه راح مشرَّدَا
مهفهفةٌ لولا جوارحُ لحظِها ... على عطفها غنَّى الحمام وغَرَّدَا
ترعرعَ مِنْ ماء الشَّيبَةِ خَدُّهَا ... فأينعَ وَرْدًا كلَّلته يدُ النَّدَى
فيا ظمأ المضنيِّ إلى عذْب وردِه ... إذا ما رأى الخدِّ الأسيلَ مورَّدَا
وشاهدَ (١) بدرًا لو يلُوح هلالُه ... لغادرَ طرفُ الشَّمس في الحال أرمَدَا
وشَعرًا وثغرًا إنْ تأملتَ فيهما .. ترى الفرقَ ما بين الضَّلالةِ والهُدَى
أكرِّرُ طرفي في بديع حُلَاهُ كَيْ ... أُشاهِدَ معنى الحُسن منها (٢) وأشهدَا
وأحذرُ إن هبَّت مِنَ الثَّغرِ نسمةٌ ... على لُطْفِ ذاك الجسمِ أن يَتَجَعَّدَا
تزخرف بالأصداغِ قِبلة وجهها ... فتونًا فتُسبي الزَّاهدَ المتعبِّدَا
وتتلو على الأسماع آياتِ حُسنها ... فيصبحُ كلٌّ للإله موحِّدَا
فسبحان مَنْ أهدى لنور جبينها ... بمشكاة فيها كوكبًا قد توقَّدَا
وأطلع (٣) نجم السَّعد بالثغر للورى ... نهارًا ولم يخْلُق محاسنَها سُدَى
стр. 514
قرأت "صحاحَ الجوهريِّ" بثغرها ... ومِن ريقها ذُقتُ الزُّلالَ المبَرَّدَا
مُجاهدُ ذاك اللَّفظ (١) أضحى مقاتلًا ... يُفَوقُ سهمًا نحو قتلي مسدَّدَا
ومنزلُ قلبي كان بالحُبِّ عامرًا ... فخرَّبه لمَّا أخاف وهَدَّدَا
تمالت بجيدٍ مالَ فيها مَع الهوى ... فأجرى عيونًا مِنْ دَمِي وتقلَّدَا (٢)
وقالت: تجلَّد، قلتْ: قد صرت (٣) أعظُمًا ... هبينيَ جِسْمًا واسأليني التَّجلُّدا
محبُّكِ في ذا اليوم يا ميُّ ميِّتٌ ... فأوليه خيرًا ترتجي أجرَه غَدا
عجبتُ لسيفٍ مِنْ جفونك مُرْهفٌ ... تصدَّى لقتلي وهوَ ما زال مُغْمَدَا
وعهدي بسهمِ اللَّحظ يُنْسَبُ للخَطا ... فما باله في قِتْلَتي قد تعمَّدَا
وأعجب مِنْ ذا أنَّ ريقَك سَلْسلٌ ... فُراتٌ وفيه الدُّرُّ يُلْفَى منضَّدَا
ليَ اللَّه قلبًا قد قضى نحبَه أسًا ... عليها ومِنْها نظرة ما تزوَّدَا
وعقد دموعٍ (٤) كلَّما رُمْتُ صونَه ... بعينيَ أضحى مثل شملي مُبدَّدَا
فأرْوِي "حديث القُلَّتين" مُسلسلا ... إلى ابن معينٍ مِنْ أماليه مُسنَدا
وأحمِلُ منه مطلقًا كلَّ ما جرى ... على القلب إذ أمسى بشجوي مقيَّدا
تفقَّهتُ في شرع الغرام مُيَمِّمًا ... طريقًا بها في مذهب القومِ يُهتدَى
فبي يَقْتَدِي العُشَّاقُ في الحُبِّ مثلما ... بقاضي قُضاة العصر في العلم يُقتدَى
إمامُ الفتاوى قِبلَةُ الفقهِ جامع الـ ... أُصول خطيبُ الوقت للدِّين قد هدَى
أقامَ منارَ الشَّرع إذ أذَّنوا له ... بفضل وبالتسليم أعلن في النِّدا
فصلَّت له الأقلام (٥) في الطرس وانْبَرَتْ ... على رأسها في العلم تسعى (٦) لتسعدا
стр. 515
وفي خدمة الباري تراهُنَّ ركَّعًا ... قيامًا بمحراب المهارق سُجَّدَا
له اللَّه حبرًا كم أتمَّت صلاتُه ... صلاةً وكم أحيا بمحياه مسجدَا
بعلم قضى فينا وأدَّى حقُوقَنَا ... فأحسنَ فعلًا في القضاء وفي الأدَا
وما إن رأينا أو سمعنا بعصرِنا ... أعفَّ وأزكى منه نفسًا وأزهَدَا
إذا قام في المحراب للَّه قانتًا ... بترجيع صوتٍ خِلْتَ في القوم معبَدَا
فكم قد وفي وعْدًا وأنجز مَوعِدًا ... وكم قد رعى عهدًا وجَدَّد معهدَا
وكم قد رأى درسَ المدارس دارسًا ... فصيَّر فيه مَعْلَمَ العلمِ مشهدَا
حليفُ الهدى مُولي الندى سامعُ النَّدا ... بعيدُ المدى واقي الرَّدى كابتُ العِدَا
شهابُ علومٍ ثاقبُ الفكرِ مُحرِقٌ ... لشيطانِ إنسٍ قد طغى وتمرَّدَا
فمَنْ يسترِقْ بالسَّمع نقلَ حديثِه ... يُذَدْ عَنْ سما علياهُ حقًا ويُطْرَدَا
له مفرِق الجَوْزَا بساطٌ وإنَّنا ... لنرجو له في حضرة (١) القدس مقعدَا
أبي الفضلُ إلا أن يكونَ له أبًا ... فنال به أصلًا عريقًا وسؤدُدَا
محطُّ رحال الطَّالبين فجلُّهم ... لبيتِ النَّدى والعلمِ وافى مجرَّدَا
وللحَرَمِ الميمون مِنْ كلِّ وُجْهَةٍ ... مشارقها والغرب يسعون وُفَّدَا
إلى حجر يُنْمَى (٢) عليُّ مقامِه ... فاكرِمْ به للبيت ركنًا مشيدَا
غدا شافعيَّ الوقتِ إذ كان وارثًا ... لعلمٍ به خصَّ المهيمنُ أحمدَا
ومالكه أهدى لنعمان روضِه ... أبا يوسف مِنْ فضله ومحمَّدَا
تكوَّن من نُورٍ وأشرقَ بدرُه ... فللَّهِ ذو النُّورين فرعًا ومحتدَا
وحاز جمالًا في رُبا العلم قد نشَا ... عزيزًا بعليا مصرَ أصبحَ سيِّدَا
تَسَرْبَلَ بالتَّقوى وتُوِّج بالعُلا ... وصارَ شعارُ الأشعريِّ له رِدَا
стр. 516
ومِنْ "فتح باريه" استمدَّ يراعُه ... فحاشاه أن يفنى عطاءً وينفدَا
إذا ماس فوقَ الطِّرس كالغُصنِ خلتَه ... مهفهفَ عطفٍ أكحلَ الطَّرف أغيدَا
بخمسِ بحُورٍ مِنْ أكفِّ يمدُّه ... فتُثمر في الأوراق دُرًّا وعسجدَا
فقل في سجايا العسقلانيِّ إنها ... تقرِّب للخيرات مَنْ كان مُبْعَدَا
وسلسِل حديثَ الجُودِ عنه فإنَّه ... أصحُّ وأعْلى ما سمعناه في النَّدى
بدور نوالٍ في المكارم كلَّما ... نقول انتهى في الحالِ عاد لِمَا بدَا
فكم فرِّحتْ قلبًا وكم أظهرتْ نبأة ... وكم فرَّجَتْ كربًا وكم كشفت رَدَى
وكم مِنْ يدٍ أوْلَتْكَ في القبض (١) راحةً ... ببسطِ الندى لمَّا مَدَدْتَ له اليدَا
يمينًا لقد أبدت يسارًا (٢) وأطلقَتْ ... أناملَ منْ كفِّ الغمامة أجودَا
يُشار إليها بالأصابع عندما ... تزيدُ فيجلُو بالوفا غُلَّةَ الصَّدَى
فمِنْ لُطف خَلْقِ النِّيل جاء مخلقًا ... ومِنْ عظم غيْظِ البحر أرغى وأزبَدَا
وما يستوى البحران، هذاك مالحٌ ... أُجاجٌ وهذا للورى طاب مَورِدَا
شهِدْتُ بما شاهَدْتُ منه، فإن تَلُح ... لعينك مثلُ الشَّمس بالحق فاشهدَا
فمَنْ رامَ تعدادًا لأوصافها بكى ... على نفسه طولَ الزَّمان وعدَّدَا
أسيدَنا قاضي القضاة ومَنْ هدَى ... إلى الحقِّ من غيِّ الضَّلال وأرشَدَا
ويا حافظ الإِسلام مِنْ زَيْغ مُبطلٍ ... أماتَ علومَ الشَّرع جهلًا وألْحَدَا
جَمَعْتَ أحاديثًا تفرَّد حُسْنُها ... فللَّهِ مجموعٌ غدا متفَرِّدَا
وقَلَّدْتَ جيدَ الفقه دُرَّ حُلًى، فيا ... لمجتهدِ في العصر أضحى مقلِّدَا
وفي صنعة الإعراب كم مِنْ قواعدٍ ... أقمت وفي الأنساب أظهرتَ قُعْدُدَا
وأعْرَبْتَ عَنْ مجدٍ رفعتَ بِنَاءه ... فخُرْتَ به نعتًا وعطفًا مؤكَّدَا
стр. 517
وكم لك مِنْ نقدٍ على الذَّهبيِّ في ... ضعيفٍ يرى في بَهْرَج القولِ جيّدَا
أقمتَ له بالقسط وزنًا فأصبحت ... صيارفةُ الأذهان نحوَك نُقَّدَا
وحرَّكْتَ إذ حرَّرت "ميزان" عَدْلِه ... بعضْبِ "لسان" يترُكُ السَّيف مِبردَا
فيا جابرًا قلبَ العُفاةٍ وواصلًا ... بفيض عطا والرأيُ أضحى مسدَّدَا
ويا متحفي في كلِّ عام بكِسْوَةٍ ... بها قبل يومِ العيدِ أغدو معيِّدَا
وأروي عَنِ الفَرا أحاديثَ جُلة ... يَروقُ الكسائيَّ حسنُها والمبرّدا
بجودك جيد (١) النَّظمِ راح مطوَّقًا ... فأضحى بأفنانِ الثَّناء مغرِّدَا
وأبياتُ شعري في حياتي جعلتُها ... على مدحكم وقفًا صحيحًا مؤبدَا
تود (٢) النجوم الزُّهْرَ لو لَمَّ شملَها ... بديعُ نظام جاء فيك منضَّدَا
وتهوى حروفُ الخطِّ لو كان كلُّها ... حروفَ نداءٍ إذ خَصَصْتُكَ بالنِّدَا
يموت الفتى دهرًا ويفنى ادِّكارُه ... وذكرُكَ يبقى في الطُّروس مخَلَّدَا
وما رفعُوا في الكتب أخبارَ عالمٍ ... بمأثرة إلا وذكرُك مُبتدَا
فعش وابْقَ واسْلَمْ واغْنَ واغْنَمْ وجُدْ وسُدْ ... ودُمْ وارْقَ واكْمُلْ نافذَ الحُكْمِ مرشِدَا
نرى كل يوم منك (٣) عيدًا مباركًا ... وسعدًا على طُولِ الزَّمان مجدّدَا (٤)
ومنه، ونقلته مِنْ خطِّه أيضًا:
أما والهوى لو ذاق طعم وِصَالِكِ ... محبُّك ما استهواه طيفُ خيالِكِ
سلبتِ الكبرى عَنْ مُقلتي وأحَلْتِني ... على الطَّيف واهًا مِنْ عظيمِ مِحَالِكِ
ووطَّأتِ هجري إذ ملكتِ فأشهبُ الـ ... ـمدامع يُملي عَنْ موطأ مالِكِ
стр. 518
بثغركِ والألحاظِ والخصرِ في الهوى ... لعَمْري لقد ضاقت عليَّ مسالِكي
فيا ربَّةَ الخلخالِ والخالِ عَلِّلي ... فؤادَ مَشُوق هائمٍ بجمالِكِ
صَبورٍ على حَرِّ الغرامِ ولَيْتَهُ ... يذُوق برَبْعِ الأُنسِ بردَ ظلالكِ
أقلُّ هواه أنه عنكِ مُبعَدٌ ... وأقصى مناه لو يمرُّ ببالِكِ
ملكتِ فؤادَ الصَّبِّ تِيْهًا فأسْجحي ... وكُفِّي عَنِ الأحشاء سيفَ قتالِكِ
فكم فوقَّتْ عيناكِ سهمًا فغادرت ... ليوثَ الشَّرى صرعى برَشقِ نِبَالِكِ
وكم غرَّني مِنْ درِّ ثَغْرِكِ مطلبٌ ... فشمت مِنَ الألحاظِ أيّ مهالِكِ
بَنَيْتِ على كسرٍ فؤاديَ والحشا ... وأعربتِ عَنْ هجرٍ بطولِ ملالِكِ
فبالخدِّ تسهيلٌ وفي الطَّرف لمحَةٌ ... تُعرِّف يا أسماء بعضَ فَعالِكِ
وشاعرُ درِّ الثَّغر نظمُ مليحةٍ ... بها القلب صادٍ لارتشافِ زُلالِكِ
قفي زوِّدي المُشتاقَ منكِ بنظرةٍ ... فقد حال حالي قبلَ يومِ ارتحالِكِ
وكان نهاري من مُحياك مُشرقًا ... فأظلَمَ يا شمسَ الضُّحى بزوالِكِ
تنقَّلتِ مِنْ طرف لقلبٍ (١) فأشرقت ... كواكبُ سَعْدِي في بُروجِ انتقالِكِ
وسِرْتِ بليلٍ مِنْ شُعورك مُسْبَلٍ ... فنَمَّ (٢) بنشرِ المِسْكِ عنبرُ خالِكِ
ورقَّ هلالُ الأفق في الجو (٣) وانحنى ... خضوعًا إلى تقبيلِ تُرْبِ نِعَالِكِ
ولاحت لبدرِ التَّمِّ منكِ التفاتَةٌ ... فأضحت عليه لَمعةٌ مِنْ جلالِكِ
كأن مُحَيَّاه البديعُ سنا جَبيْـ ... ـنِ قاضي قُضاة العصرِ حَبْرِ الممالِكِ
شهابُ علومٍ إن تسامى فأصلُه ... عليٌّ به يا نفسُ عِزُّ مَنالِكِ
لطلعته تعنو (٤) البدورُ وتقتدي ... بهدْي سناه في اللَّيالي الحوالِكِ
стр. 519
إلى حجر يُنْمَى وفي حرمِ المُنى ... رواحلُ وفْدِ العلمِ حطَّ رحالِكِ
تحجُّ بنو الآدابِ كعبةَ فضلِه ... وتقصِدُه الطُّلابُ قَصدَ المناسِكِ
إمامٌ وفي فقه الإِمام فحُجَّةٌ ... قديمُ مَعَالٍ واضحاتِ المسالِكِ
مشارقُ أنوارِ الحديث له شِفَا ... وعمدتُه عند اختلافِ المداركِ
بحضرته نعمانُ روضٍ وأحمدٌ ... غدا شافعي إذ كان في الأصل مالكي
له قدمٌ أندَى مِنَ الغيث إن هَمَى ... وأزهَرُ مِنْ زهر الرُّبا المتضاحِكِ
يُطيلُ لباريه القيامَ نهارَه ... ويسجد في ليل مِنَ النِّقس حالِكِ
فقُلْ لسيوف الهندِ إن تتنصّلي ... إليه فكم جاوزتِ حدَّ نصالكِ
وأنتِ رماحَ الخَطّ لا تتطاولي ... فقد قَدَّ قِدْمًا مُشْرَعاتِ طوالِكِ
وإن زوَّرَتْ عطفاك عدلَ قِوَامِه ... ومِلْتِ قضى قاضي العُلا باعتقالِكِ
أسيدَنا قاضي القُضاة ومَنْ له ... مجالسُ خُفَّت في الملا بالملائكِ
ويا حافظَ الإِسلام من كيدِ فاتكٍ ... بسُنَّتِه الغَرَّا ومِنْ زيغ آفِكِ
رفعتَ منارَ العلمِ بالجامع الذي ... شرحتَ لتَهْدي مِنْ ضلالِ المهَالِكِ
وأيّدكَ الباري بفتحِ فلم تَدَعْ ... طريقًا لأبواب الهُدى غيرَ سَالِكِ
وفي مُحْكَم التَّنزيل أوتيتَ آيةَ ... فأنتَ بها كشافُ ليلِ المعاركِ
ورُضْتَ جِمَعَ النَّحوِ حتَّى ملكته ... وأصبحتَ فيه مالكًا وابنَ مالكِ
وشاركتَ كلَّ النَّاس في جُلِّ فنِّهم ... وليس لكم في فنِّكُم مِنْ مشارِكِ
وأنتَ لسانُ الدَّهرِ حقًا، فلا سوى ... حديثِك يُروى في ثُغور الممالك
لكَ اللَّه من قاضٍ سريٍّ مهذَّبٍ ... مُهِيبٍ وَهُوبٍ زائدِ البِشْرِ ضاحكِ
حيِيٍّ أبيٍّ زاهدٍ متعفِّفٍ ... بهيٍّ وضيءٍ لازمِ الصَّمتِ ناسكِ
إلى العدل والإحسان والخيرِ جَانِح ... وللظُّلم والعُدوان والشرَّ تاركِ
يَزِين الحُلَى بالحِلْمِ فضلًا ورأفةً ... ويفتِكُ بالخصمِ الألدِّ المُماحِكِ
وكم هزَّ أعوادَ المنابر وعظُه ... فأحيا فؤادَ الهالِك المتهالِكِ
стр. 520
به الفضلُ يحيى والرَّبيع وجعفرٌ ... فخذ عنه أخبارَ الكرامِ البَرَامِكِ
فيا للسَّجايا الغُرِّ دعوةُ وامقٍ ... محبٍّ صدوقٍ مخلصٍ في ولائكِ
لبيتِك قد وافَى مريدًا فأسعفي ... نزيلَكِ يا خيم الكرام ودارِكِ
ويا دولةً في باطن الأمر أخلصت ... لظاهرِها يهنيكِ نيلُ مرامِكِ
كسرتِ الأعادي وانتصبتِ لخفضِهم ... بفتحٍ مُبينٍ فيه رفعُ لوائكِ
وحافظُ هَدْي (١) المصطفى لك حافظٌ ... وشيخُ شيوخِ العصرِ شيخُ رجالِكِ
أدام إلهُ العرش عزَّك للورى ... وأسبغ في الأكوان سِتْرَ ظلالكِ (٢)
ولا زال في علياء أفْقِ سُعودهِ ... شهابُكِ مقرونًا ببدرِ كمالكِ
ومنه، ونقلته مِنْ خطِّه أيضًا:
رُدِّي المنامَ لطرفِ المدنَف الباكِي ... لعلَّه في الكبرى يحظى برُؤياكِ
يا كعبةَ الحُسْنِ يا ذاتَ المنازل يا ... ربيبةَ الحِجْر ما أبهى مُحَيَّاكِ
سُبحان مَنْ قد أماطَ الحُجْبَ عنك لنا ... وجلّ مَنْ بجميل الستر غطَّاك
إن كنتِ فتنة ألْباب وأفتدةٍ ... فأنتِ قِبْلَة عُبَّادٍ ونُسَّاكِ
يودُّ شوقًا كليمُ الوَجْدِ بعدَك لو ... يكونُ من فوق طُولِ الوصل ناجَاكِ
ولو دعوتِ مشوقًا ماتَ فيك أسًى ... من تحت تُرْب أديمِ الصَّخر لبَّاكِ
يا مالكيَّة (٣) عُذري في محبَّتِها ... موطَّأ، فعلامَ الغيرُ يَلْحاكِ
وشافِعيَّةَ حُسن قُلَّدت بِدِمَا ... عُشاقِها مَنْ بقتلِ الصَّبِّ أفتاكِ
سَرى خيالُكِ في جَفْنٍ يفيض بُكا ... سبحان مَنْ مِنْ (٤) بحارِ الْيَمِّ نجَّاكِ
стр. 521
وترجَمَ الوَجْدُ ذَرى الدَّمع منه فما ... أذراك يا سُحْبَ أجفاني وأدراكي
يَحْكيْنيَ الخصرُ أو أحكيه في عدمٍ ... سُقمًا فيا ليتَ شعري أيُّنا الحاكي
وأجتلي في صَفَا خدَّيْكِ دُرَّ مدَا ... معِي فيحسب طرفي طرفَك الباكي
واحرَّ قلباهُ مِنْ نارِ الخُدود ويا ... شوقًا لبرد رُضَابٍ مِنْ ثناياكِ
في فِيْك ماءُ حياةٍ لو بُعثْتِ به ... صِرفًا لأحييتِ يومَ البعثِ موتاكِ
وفي الشِّفاهِ شِفَاءٌ كم وَعَدْت به ... صبًّا وأخلفتِ حتَّى ملَّ ضُعفاكِ
فهات خدَّكِ كي نقضي وُعُودَ فتى ... إن رمتِ حُسْن وفاء منه أوفَاكِ
لا رمتُ عنكِ سُلوًّا يا مراشِفَها ... وكيفَ أنساكِ يا درِّي وأسْلَاكِ
وإنْ تركتُ هوى دنيا وجنَّتِهَا ... عدمتُ دنياك يا روحي وأُخراكِ
ويا مليكةَ عصرِ الحسنِ لحظُك لي ... سَبَا وبالسَّيف في العُشَّاق ولَّاكِ
لك "النجاشيُّ" خالٌ والجفون حمتْ ... نعمانَ خدٍّ بأزْرِ المُلْكِ حيَّاكِ
حُزتِ الخلافةَ لمَّا أن نَشَرْتِ لِوَا ... ءَ شَعرٍ ومنشورها بالسَّعد وافاكِ
وسرتُ في جيشك المنصور معتضدًا ... مِنْ ناظرَيْكِ بسفَّاح وسفَّاكِ
ومُذْ سَريتُ بليل الشَّعر في غَسَق ... حمدتُ عند صباحِ الثَّغر مَسْراكِ
وجُلتُ بالطَّرف في بدْوٍ وفي حَضَرٍ ... فأكثرَ اللَّه في الأحياء قتلاكِ
وكم شرطتِ بسيفِ اللَّحظِ قلبَ شجٍ ... بالحبِّ بعد أداة الشَّرط جازاكِ
فراقبي (١) اللَّهَ في قتلِ العِبادِ ولا ... تُصْمِي الفُؤادَ فإنَّا مِنْ رعاياكِ
يا ليتَ سيفَ لحاظٍ منك قابَلَنا ... بالصَّفحِ أو قَلَّ عن أحشاء مُضناكِ
أو ليتَ عدلَ قوامٍ لم (٢) يُمِلْهُ هوى ... للطَّعن بالشَّك في تجريحِ مرضاكِ
أو ليتَ أشراكَ صُدغٍ لم يَصِدْ كلفًا ... بحبَّة الخالِ أضحى بعضَ أسْراك
стр. 522
أو ليتَ خصْرَك لو أعدى برقَّتِه ... قلبًا لأعْدَايَ قَدْ وَالى وأعداكِ
إن كنتِ أزمعتِ هجرًا أو صددت قِلًا ... فموقف الحشر تلقانا ونلقاكِ
أو رمتِ يا نفسُ منها مخلصًا فإلي ... قاضي القُضاة ملاذِ الخَلْقِ ملجاكِ
حامِي الحقيقةِ كهفُ العلم حاملُ أعـ ... ـباء الشَّريعةِ مولانا ومولاكِ
وحافظُ العصر والإِسلام مِنْ لدَدٍ ... خصمٍ ومِنْ مُلحدٍ في الدِّين أفَّاكِ
أحكامُه وقضاياه منفَّذةٌ ... وعدلُه منصف المشكوِّ والشَّاكي
حُجّي لبيتِ نَداه الجمِّ واسْتَلِمِي ... رُكنًا يَطيبُ به في الحجِّ مسعاكِ
وقَبِّلي مِنْ ذُرى عليائه حجرًا ... إلى مِنى عرفاتِ الفضلِ نَاداكِ
زوري حِماهُ وإن وافيتِ حضرتَه ... يا حبَّذا وجِنَان الخُلدِ مأواكِ
وخيِّمي بفنا وادي قُراهُ فكم ... تَبَرَّكَتْ بفنَا الوادي مطاياكِ
ولا تمُدِّي يدَ التَّسآل والْتَمِسي ... منه غنًى قبل أن تمتدَّ كفاكِ
إنْ رُمتِ منه نوالًا أو طلبْتِ رضًا ... حبَاك مِنْ فيضِ نَعماهُ وأرضاكِ
أو سُمْتِ أسنى مقامٍ تَرتَقين به ... إلى العُلا في سماء العزِّ رقاكِ
وإن شكوتِ ليُمْنَى راحتيه أذَى ... بُؤْسٍ أزالَ بحمدِ اللَّه شكواكِ
وإن حُرِمتِ زمانًا مِنْ جَدَاهُ فقد ... أولاكِ أضعافَه فضلًا ووَالاكِ
وإنْ تعطَّشْتِ يومًا للرواية عن ... حديثِ بحرِ نداهُ الجمِّ روَّاكِ
وإن أردتِ علومًا تحْمَدين بها ... شرعًا ويحسُنُ في الدَّارين مثواكِ
أعطاك من "فتح باريه" كُنوزَ هدًى ... تعمُّ كلَّ دمشقيٍّ وأنطاكِي
يا أيُّها العالمُ الحَبْر الهمام (١) ومَنْ ... له بأوج المعالي أيُّ إدراكِ
يا شيخَ الإِسلام يا مَنْ طابَ عنصُره ... أصلًا وزانَ خلاه فرعُه الزَّاكي
حلَّيتَ ثغرَ المعاني بارتشاف لمَى ... عروس أفراحِه مِنْ دُرِّ أسلاكِ
стр. 523
وكم فتحتَ لتلخيص البراعةِ من ... بابٍ، فأغنيت عَنْ "مفتاح" سَكَّاكي
بمنطقٍ وبراعاتٍ مطالعُها ... شمسيةٌ أشرقت مِنْ قطب أفلاكِ (١)
وبحرُ فقهِكَ ضاهته السَّما فغَدا ... يُحَفُّ كل بأفلاك وأملاكِ
للَّه درُّك ما أوفاك من عَضدٍ ... عانٍ بجُلِّ أصول الفقه دَرَّاكِ
شادَ الذُّرى وبنى للمجدِ بيتَ عُلًا ... فلم يَدَعْ من مَعَالٍ قِيدَ مِدْماكِ
عَدُوُّه منه في أمنٍ وكم حذِرت ... أموالُه خوفَ إتلافٍ وإهلاكِ
يميلُ غصن النَّقا شوقًا لعطفِك يا ... أقلامَه ورماح الخطِّ تخشاكِ
سَلسِلْ أحاديثَ بشرٍ عن عطاهُ وعَنْ ... معروفه لابن بسَّامٍ وضحَّاكِ
إنْ أمسَك النِّيلُ يومًا عَنْ أصابعه ... فكفُّهُ بالعطايا غير مسَّاكِ
يا نسمَةً ليَ أهدت في الثنا خبَرًا ... يُعزَى لأنفاسه ما كان إذ ذاكِ
مِنْ حيِّ نعمانَ أم من عسقلانَ سرت ... أم من شذا نفحةِ "الفِردوسِ" رَيَّاكِ
ويا جواريَ جُودٍ من عوائده ... على البريَّةِ باسم اللَّه مجراكِ
ويا براعة إنشاءٍ يُحبِّرُها ... يَراعُه جلَّ مَنْ باللُّطف أنشَاكِ
ويا فُروع أصولٍ منه دانيةٌ ... ظلالُها في البرايا طابَ مجناكِ
ويا مواتَ عُلومٍ لو عُرِضْتِ على ... أفكاره في نهار العرضِ أحياكِ
ويا أسانيدَ أخبارٍ بجوهرها ... ما كان أعلاك بل ما كان أغلاكِ
ويا درَارِي اضْمحلِّي بالشِّهاب، فقد ... مَحَا سَنَا ابنِ عليٍّ حُسنَ مرآكِ
ويا أماليَ مالي لا أهيمُ وقد ... طربتُ عند سماعي وصفَ مغْناكِ
رشفتُ كأسَ سُلافٍ من حلاك وما ... لثمتُ ثغرَ عَذولي حين سمَّاكِ
لا زال غيثُكِ سحَّابًا أيادِيَه ... وفيضُ يمناك مقرونًا بيُسراكِ
هَمَتْ أصابعُ نَيْلِ منكِ منعِمة ... على الورى، فأدام اللَّه نُعماكِ
стр. 524
ولا برحتُ بأرزاقِ الورى ديمًا (١) ... تجري وفي كلِّ عامٍ لا عَدِمْنَاكِ
ومنه ما نقلته من خطه أيضًا:
ذاب المشوقُ أسًى ممَّا يقاسيه ... فراقبي اللَّه يا شمسَ الضُّحى فيهِ
يا ربَّةَ الخَالِ يا ذاتَ الحِجَال ويا ... ربيبةَ القلب يا أقصى أمانيهِ
هلَّا رعيتِ رَعاكِ اللَّه عهدَ فتى ... مُضنَى الفؤادِ قريحَ الجَفْنِ باكيهِ
يشكو إلى اللَّه ما أضحى يكابدُه ... مِنَ الغرام وما أمسى يُلاقِيهِ
رُدِّي عليه منامًا كان يعهدُه ... لعلَّ طيفَ خيالٍ منك يأتيهِ
وعلِّلِيه بجيران النَّقا فعسى ... يشفي غليل فؤادي مِنْ تلظِّيهِ
قلبٌ تمزَّق مِنْ بعد، فهل لكِ أن ... تُعامليه بتقريبٍ وترقيهِ
واهًا لمضطرِبِ الأحْشا بجَمرِ غَضًا ... لو أنَّ ماء دموعِ العين يُطفيهِ
ما زال مِسعرُ قلبي مِنْ طريق أبي الزِّ ... ناد عَنْ واقديِّ الخدِّ يَرويهِ
وسَلْسَل الدمعُ أخبار الغرامِ، فقُل ... ما شئتَ في ابنِ معينٍ أو أماليهِ
صبٌّ تفقَّه في شرع الهوى فَغَدا ... إمامَ مذهب أهلِ الحُبِّ مُفتِيهِ
في كلِّ يوم له درس يطالعُه ... في صفحةِ الهجر بالذِّكرى ويُلقيهِ
ما بينَ أقوالِ عُذَّالِ تحذِّرهُ ... مِنَ الغرام ووجدِ فيك يُغْريهِ
تصرَّفَتْ فيه أيدي الحُسنِ واحتكمت ... فالجفنُ آمِرُه واللَّحظُ ناهِيهِ
وكم جرت بين وصفيه مناظَرَةٌ ... فالحبُّ يُثبته والسُّقْمُ يَنْفيهِ
وكاتبُ الدَّمع يُنشي فوقَ وَجْنَته ... رسائلَ الوَجْدِ والأشجانُ تُمليهِ
يا ظاعنين وقد أبلى الهوى جسدي ... والشوقُ يلعب بالمُضنَى ويَبريهِ
عُوجوا على مُستهامِ القلبِ ذي شجنٍ ... يُطيعُه السُّهدُ والسُّلوان يعصيهِ
وراقبوا اللَّه في هُجران مكتئبٍ ... في عُنفوان الصِّبا شابت نواصيهِ
стр. 525
لا تسألوا في الهوى عَنْ فيض مَدمَعِه ... فما جرى منه يومَ البَيْنِ يَكفيهِ
أودعتمو سمْعَه (١) دُرَّ الحديث وقد ... بِنْتُم، ففاض عقيقًا من مآقِيهِ
أقولُ والقلبُ قد أشْفَى على تلفٍ ... ظُلمًا وقد كُتِبَتْ فيه فَتَاوِيهِ
يا حاكمَ الحُب رفقًا بالفؤاد وسَلْ ... من مَدمعي وخُذِ الْمَا مِنْ مجاريهِ
ما بال مَنْ لم أُنَوِّهُ بالسُّلُوِّ لها ... ترومُ قتلي بإظهارٍ وتنويهِ
وما لظبيةِ أُنسي وهي نافرةٌ ... ترعى حُشاشَة قلبٍ لا تُراعِيهِ
في لمحة الطَّرف تَرمي قلبَ عاشِقها ... عَنْ قوس حاجبها عمدًا فَتَسْبيهِ
ما جردتْ سيفَ سحر مِنْ لواحظها ... إلا تذكَّرَ عهدًا مِنْ مواضيهِ
ولا ثَنَتْ في رداء (٢) الشّعر قامتها ... إلا حسِبْنا النَّقا عادت لياليهِ
يا والهًا بتَوالي العَذْل عنَّفني ... فيها، فأضنى فؤادي في تواليهِ
شوَّهتَ نطقَكَ إذ برَّحت بي، فلَكَمْ ... تَقلَّى حشاي بتبريحٍ وتشويهِ
إن أوْرَثَ الجفنُ جسمي في محبتها ... سُقمًا، فما لبيانِ الثَّغر يَشفيهِ
أو ضلَّ في ليل شَعرٍ (٣) مِنْ ذوائبِها ... فهديُ قاضي قُضاة العصر يَهديهِ
العالمُ العاملُ الحَبر الإِمام ومَنْ ... جاز النِّهايةَ علمًا في مباديهِ
حامي الكتيبة ميمون النَّقيبة محمـ ... ـود الضَّريبة فرد في معاليهِ
شهاب علمٍ رَقَى أوْجَ العُلا فجَلَا ... غياهِبَ الشَّكِّ وانجابت دياجيهِ
حليفُ مجدٍ عليُّ الجَدِّ خِدنُ ندًى ... مكرَّمُ الأصل زاكي الفرعِ نامِيهِ
أغَرُّ وضاحُ وجهِ نورُ غُرّتِه ... مقدمٌ وضياءُ البدرِ تاليهِ
ذُو منطقٍ ببديعِ القولِ مكتمل ... يُريك كلَّ بيان في معانيهِ
تجانست فيه أوصافٌ مطابقةٌ ... فالعلمُ يرفعه والحِلْمُ يُدنيهِ
стр. 526
مهذَّبٌ روضهُ التَّحقيقُ بحرُ ندًى ... بسيطُ علمٍ وجيزُ اللَّفظِ حاويهِ
تتمَّةُ الفضلِ في منهاج عُدَّتِه ... إبانةٌ أعربت عَنْ حسن تنبيهِ
برٌّ جوادٌ كَبَتْ عنه الفحولُ فما ... في حَلْبَةِ السَّبق أصلًا مَنْ يُجاريهِ
ماضي الشَّكيمة لا يَثْنَي أعِنَّتَه ... جاهٌ ولا عَنْ طريقِ الحقِّ يَلويهِ
بل كلُّ ما يُسخِطُ الرَّحمنَ يُسخِطُه ... حتمًا، وما كان يرضي اللَّهَ يُرضيهِ
وما تَردَّد فيه قال: إن يَكُ مِنْ ... عند الإله حقيقًا، فهو يُمضيهِ
كم أمَّ ركبَ حِمَى علياهُ فانْبَعثت ... له بَواديه إذ حلت بِوَاديهِ
وشاسع الدار (١) قد شطَّ المزار به ... أضحى رجاه يناديه بناديهِ
يا كعبةَ الفضلِ يا مَنْ لم أزل أبدًا ... أسعى إليه وأشواقي تلبِّيهِ
ومَنْ تجرَّد فيه قصدُ طالبه ... فالعزمُ قائدُه والحزمُ حاديهِ
في منحناه ضُلُوعي حرُّ نارِ غَضًا ... بالبَيْن في جمرات القلبِ يَرميهِ
لا تخشَ بيتَ فُؤادٍ أنتَ مالكُه ... ضيمًا فللبيت ربٌّ سوف يَحمِيهِ
وما خلا عنك قلبٌ أنتَ ساكنُه ... و"صاحبُ البيت أدرى بالَّذي فيهِ"
ما شرَّفَ اللَّه مِنْ بيت النُّهى حَجرًا ... إلا لسِرٍّ قديمٍ مُودَعٍ فيهِ
إذ أنبعَ اللَّه عينًا منه فانبجست ... على مواتِ رُسُومِ العلمِ تُحييهِ
ففيَّأ الخلقَ ظلًّا من مَراحِمِه ... وطبَّقَ الأرضَ علما مِنْ فتاويهِ
بحرٌ رأينا الوفَا مِنْ راحتَيه فما ... أصابع النِّيل إن جادت أياديهِ
إنْ يُحمَدُ البحرُ إذ يروي البقاع فحبـ ... ـرُ العلمِ أحمدُ كَمْ أمسى يُروِّيهِ
والبحر تروى خَلَا فيه الرِّعاء وذا ... عَذْبُ النَّمير بكفيه حَلَا فِيهِ
علا مَحلًّا وإسنادًا (٢) وتسميةً ... ومَحْتِدًا ليس فيها منْ يدانيهِ
стр. 527
فانهضْ إليه وحدِّث عنه واسمُ به ... وغالِ فيه تَنَلْ أقصى عواليه
وانبذ "أماليَ" قالٍ بالعراق وخُذْ ... عَنْ عسقلانيِّ مصر في "أماليهِ"
حِماه أفقٌ لعلياه وحضرتُه ... روضٌ يَفِيض ندى كفَّيْهِ يسقيهِ
جرى على الطِّرْسِ مِنْ رَيْحانِه قلمٌ ... زاهٍ رقيقُ الحواشي جلَّ منشيهِ
إذا انبرى لمباراة الغيوث ندى ... فالكوثر العَذْبُ جودًا لا يباريهِ
كم مِنْ علوم حبانا اللَّه منه وكم ... رِزْقٍ على يده الخَلَّاق يُجريهِ
لا تخشَ قطٌّ نفادًا فهو يُمْدَدُ مِنْ ... غيبٍ وإنفاقُه مِنْ "فتح باريهِ"
يا شيخَ الإِسلام يا رُوحَ الأنام ومَن ... دُرُّ النِّظام تَحلَّى باسمه فِيهِ
جاريتُ في وصف علياك الفُحُولَ إذا ... ما راحَ ذِكرُكَ في سِرِّي أناجيهِ
إذا أشاهد مغناكم فأودِعُ ما ... منكم أعايِنُه فيما أعانيهِ
من كل بيت إذا ما رحتُ أنشِدُه ... مَنْ ذا يوازنه مَنْ ذا يُوازيهِ
شنَّفْتُ بالدُّرِّ (١) أسماعَ القريضِ ولا ... سيَّما إذا رُحْتُ عَنْ علياكَ أرْوِيهِ
وكلَّما صُغْتُ معنى في البديع فمِنْ ... بسيطِ بحرِ نَداك الجمِّ أمليهِ
كم شاعرٍ بالمعاني لا شُعورَ له ... أعيت قَوافيه إذ خان القُوى فيهِ
أضحى يزَخْرِفُ أقوالًا مزيَّفةً ... لبَهْرجِ النَّقدِ فيها أيُّ تَمويهِ
وكم أديبٍ له في النَّظمِ تورَيةٌ ... عنها تَوارى وما أجدى (٢) تَواريهِ
رامَ التَّشبُّه في توجيه ذاك ولم ... يشعُرْ بإبداع تشبيهٍ وتوجيهِ
لا زلتَ في دُوَلِ الإِسلام محتكما ... بسيفِ شرعٍ صقيلِ الحدِّ ماضيهِ
ولا برحتَ شهابَ العلم يَقْدُمُهُ ... بدرُ السَّعادة في أعلى مراقيهِ
اللَّه يكلؤه، اللَّه يحرسه ... اللَّه يحفظه، اللَّه يُبقيهِ
стр. 528
ومنه ما كتبه النواجي يهنئه ببعض الأعياد قوله:
ليَهْنَ بك العيدُ الذي تم سعده ... ونال بكم يا شيخَ الاسلامِ إسْعَادَهْ
وعوَّدتنا فيه الضَّحايا فأجْزِنَا ... بفيضِ نَداكَ الجمِّ منك على العَادة
وقوله:
لئن طوَّلتَ في الإحسان جدًّا ... فقد طابقتُ إذ قصَّرتُ مدحَا
وأصبح معلنًا لك بالتَّهاني ... لسانُ العَبْدِ في فِطْرٍ وأضحى
[ابن المصري]
ومنهم: [أحد مَنْ كتب إليَّ بالإجازة] (١) الشيخ شمس الدين محمد بن الخضر ابن المصري، كما سيأتي في الأسئلة المنظومة مِنَ الباب السادس.
وكذا قاضي صفَد محمد بن عبد الرحمن.
ورأيت لابن المصري أسئلة نثرية صدَّرها بقوله:
يا طالبًا علم الحديث وسالكًا ... طُرُقَ الهدى بتتبُّع الآثارِ
إن رُمتَ كشفَ غوامضٍ فيه أتت ... مرَّتْ عليها بُرْهةُ الأعصارِ
إلزمْ إمامًا حافظًا لمتونِه ... وفنونه ورجاله الأخيارِ
قاضي القُضاة وعالمَ العصر الذي ... فاقَ الأنامَ بفضله المِدْرارِ
تلقى إليه جميعَ ما فيه الهدى ... مِنْ سُنَّةِ الهادي النبي المختارِ
ثمَّ ذكر أسئلته.
[شمس الدين الطنتدائي]
ومنهم: الشيخ شمس الدين محمد بن زين بن محمد بن زين [بن
стр. 529
محمد بن زين] (١) الطَّنتدائي الأصل، ثم النِّحريري الشافعي المقرىء الأصمّ، الشاعر المشهور بمديح النبي ﷺ ، وصاحب الأحوال والكرامات.
مدحه بقصيدة (٢) سماها "نظم الدرر في مدح ملك العلماء ابن حجر" وهي:
إذا كان خصمي في المحبَّة حَاكِمي (٣) ... فمَنْ ذا له أشكو وجوه (٤) مظالِمي
وما حالُ مَنْ يشكو أذاهُ لخصمه ... ولا سيما خصمٌ يُرى غيرَ راحمِ
وكم واحد آذاهُ في الحُكْمِ حاكمٌ ... وألزمه ما لم يَجِدْه بلازمِ
وإنِّي لمظلومٌ ولم ألْقَ حاكمًا ... يخلِّصني مِنْ ظلمِ مَنْ هو وظالِمي
بأبوابِ أهلِ الظُّلم أصبحتُ قائمًا ... ومِنْ طولِ ما قد قمتُ كلَّت قوائمي
وما نلتُ شيئًا غيرَ إتعابِ مُهجَةٍ ... وموجود وجد (٥) وانتكادٍ ملازمِ
ولو أنني ألقى مِنَ النَّاس واحدًا ... يساعدُني في الخيرِ عزَّت عزائمي
فلم ألقَ إلا شامتًا بمصيبةٍ ... ومَن وعدُه أضغاث أحلامِ نائمِ
به إن خبأتُ السِّرِّ مستودِعًا له ... وقلت له: اكتُمْ، لم أجِدْه بكاتِمِ
بليس فلا توقع صلاحا على امرىءٍ ... ولو أنَّه يدعى دوامًا بصائمِ
وكم مِنْ ذئابٍ بالثِّيابِ تستَّرت ... وكم مِنْ أفاع سُتِّرَت بالعمائمِ
وما نهسة الأفعاء إلا عظيمةٌ ... وما جلدُها في اللَّمس إلا بناعِمِ
стр. 530
ينادي قُبَيْلَ النوم: (١) هَلْ مِنْ مُصاحب ... على طاعةٍ واليوم هل من مخاصمِ
وكم من طباعٍ (٢) في الرجال رديَّةٍ ... مشبَّهةٍ فيهم بما في البهائمِ
على عُزلةٍ إن كنت تقدِرُ فاعتزل ... وليس عليك العَتْبُ من لَوْمِ لائمِ
وهل نظرَتْ عيناك مَنْ عاشرَ الورى ... وفي عِشْرَةٍ منهم (٣) تراه بسالمِ
يجرُّك مَنْ تعني صحابتُه إلى ... هوى نفسه جرًّا لفعلِ المحارمِ
وإن لم توافقه على قُبح فِعْلِه ... يَرى فيك وقَّاعًا بشَينِ المشاتِمِ
فلا خير يومًا في صَحابَةِ أرْعَنٍ ... يَرى أنَّه في الإثمِ ليس بآثِمِ
وليس لذي عقل يصاحب واحدًا ... تراه يَرى استحلالَ فعلِ المآثمِ
فإن كنت معذورًا لصحبة واحد ... فسل عَنْ تقيٍّ صادقِ القولِ عالِمِ
فصاحبُ أهلِ العلمِ خيرُ مصاحبٍ ... وخادمهم لا شكَّ أفضلُ خادمِ
وإنَّ اقتناء العلمِ أحسنُ للفتى ... مِنَ الذَّهب التِّبْريِّ وكنزِ الدَّراهمِ
وأعلمُ أهلِ العلمِ في عصرنا الذي ... بمصر ترى قاضي قضاةٍ صوارمِ
ألَا إنَّه المبرور في العصر بالذَّكا ... وليس له فيه يُرى مِنْ مزاحمِ
وأعني شهابَ الدين وهو بنسبةٍ ... إلى حجرٍ أبهى صنوف كرائمِ
فليس له في العصرِ يومًا بمشبه ... وليس له فيه يُرى مِنْ مقاومِ
ألا إنه قاضي القُضاة وإنَّه ... لأهلٌ لها إذ كان أعلمَ عالِمِ
عنايةُ ربِّ المُلْكِ قد حصلَتْ له ... وصارَ له فيها وجودُ التَّداوُمِ
فأصبحَ يدعى بالعناية صارمًا ... وما هو إلا خير مُدْعَي (٤) بصارمِ
تمكَّن في علمٍ وفهمٍ وفِطْنَةٍ ... وعزمٍ وحزمٍ واعتبارٍ ملازمِ