مهذَّبٌ روضهُ التَّحقيقُ بحرُ ندًى ... بسيطُ علمٍ وجيزُ اللَّفظِ حاويهِ
تتمَّةُ الفضلِ في منهاج عُدَّتِه ... إبانةٌ أعربت عَنْ حسن تنبيهِ
برٌّ جوادٌ كَبَتْ عنه الفحولُ فما ... في حَلْبَةِ السَّبق أصلًا مَنْ يُجاريهِ
ماضي الشَّكيمة لا يَثْنَي أعِنَّتَه ... جاهٌ ولا عَنْ طريقِ الحقِّ يَلويهِ
بل كلُّ ما يُسخِطُ الرَّحمنَ يُسخِطُه ... حتمًا، وما كان يرضي اللَّهَ يُرضيهِ
وما تَردَّد فيه قال: إن يَكُ مِنْ ... عند الإله حقيقًا، فهو يُمضيهِ
كم أمَّ ركبَ حِمَى علياهُ فانْبَعثت ... له بَواديه إذ حلت بِوَاديهِ
وشاسع الدار (١) قد شطَّ المزار به ... أضحى رجاه يناديه بناديهِ
يا كعبةَ الفضلِ يا مَنْ لم أزل أبدًا ... أسعى إليه وأشواقي تلبِّيهِ
ومَنْ تجرَّد فيه قصدُ طالبه ... فالعزمُ قائدُه والحزمُ حاديهِ
في منحناه ضُلُوعي حرُّ نارِ غَضًا ... بالبَيْن في جمرات القلبِ يَرميهِ
لا تخشَ بيتَ فُؤادٍ أنتَ مالكُه ... ضيمًا فللبيت ربٌّ سوف يَحمِيهِ
وما خلا عنك قلبٌ أنتَ ساكنُه ... و"صاحبُ البيت أدرى بالَّذي فيهِ"
ما شرَّفَ اللَّه مِنْ بيت النُّهى حَجرًا ... إلا لسِرٍّ قديمٍ مُودَعٍ فيهِ
إذ أنبعَ اللَّه عينًا منه فانبجست ... على مواتِ رُسُومِ العلمِ تُحييهِ
ففيَّأ الخلقَ ظلًّا من مَراحِمِه ... وطبَّقَ الأرضَ علما مِنْ فتاويهِ
بحرٌ رأينا الوفَا مِنْ راحتَيه فما ... أصابع النِّيل إن جادت أياديهِ
إنْ يُحمَدُ البحرُ إذ يروي البقاع فحبـ ... ـرُ العلمِ أحمدُ كَمْ أمسى يُروِّيهِ
والبحر تروى خَلَا فيه الرِّعاء وذا ... عَذْبُ النَّمير بكفيه حَلَا فِيهِ
علا مَحلًّا وإسنادًا (٢) وتسميةً ... ومَحْتِدًا ليس فيها منْ يدانيهِ
стр. 527
فانهضْ إليه وحدِّث عنه واسمُ به ... وغالِ فيه تَنَلْ أقصى عواليه
وانبذ "أماليَ" قالٍ بالعراق وخُذْ ... عَنْ عسقلانيِّ مصر في "أماليهِ"
حِماه أفقٌ لعلياه وحضرتُه ... روضٌ يَفِيض ندى كفَّيْهِ يسقيهِ
جرى على الطِّرْسِ مِنْ رَيْحانِه قلمٌ ... زاهٍ رقيقُ الحواشي جلَّ منشيهِ
إذا انبرى لمباراة الغيوث ندى ... فالكوثر العَذْبُ جودًا لا يباريهِ
كم مِنْ علوم حبانا اللَّه منه وكم ... رِزْقٍ على يده الخَلَّاق يُجريهِ
لا تخشَ قطٌّ نفادًا فهو يُمْدَدُ مِنْ ... غيبٍ وإنفاقُه مِنْ "فتح باريهِ"
يا شيخَ الإِسلام يا رُوحَ الأنام ومَن ... دُرُّ النِّظام تَحلَّى باسمه فِيهِ
جاريتُ في وصف علياك الفُحُولَ إذا ... ما راحَ ذِكرُكَ في سِرِّي أناجيهِ
إذا أشاهد مغناكم فأودِعُ ما ... منكم أعايِنُه فيما أعانيهِ
من كل بيت إذا ما رحتُ أنشِدُه ... مَنْ ذا يوازنه مَنْ ذا يُوازيهِ
شنَّفْتُ بالدُّرِّ (١) أسماعَ القريضِ ولا ... سيَّما إذا رُحْتُ عَنْ علياكَ أرْوِيهِ
وكلَّما صُغْتُ معنى في البديع فمِنْ ... بسيطِ بحرِ نَداك الجمِّ أمليهِ
كم شاعرٍ بالمعاني لا شُعورَ له ... أعيت قَوافيه إذ خان القُوى فيهِ
أضحى يزَخْرِفُ أقوالًا مزيَّفةً ... لبَهْرجِ النَّقدِ فيها أيُّ تَمويهِ
وكم أديبٍ له في النَّظمِ تورَيةٌ ... عنها تَوارى وما أجدى (٢) تَواريهِ
رامَ التَّشبُّه في توجيه ذاك ولم ... يشعُرْ بإبداع تشبيهٍ وتوجيهِ
لا زلتَ في دُوَلِ الإِسلام محتكما ... بسيفِ شرعٍ صقيلِ الحدِّ ماضيهِ
ولا برحتَ شهابَ العلم يَقْدُمُهُ ... بدرُ السَّعادة في أعلى مراقيهِ
اللَّه يكلؤه، اللَّه يحرسه ... اللَّه يحفظه، اللَّه يُبقيهِ
стр. 528
ومنه ما كتبه النواجي يهنئه ببعض الأعياد قوله:
ليَهْنَ بك العيدُ الذي تم سعده ... ونال بكم يا شيخَ الاسلامِ إسْعَادَهْ
وعوَّدتنا فيه الضَّحايا فأجْزِنَا ... بفيضِ نَداكَ الجمِّ منك على العَادة
وقوله:
لئن طوَّلتَ في الإحسان جدًّا ... فقد طابقتُ إذ قصَّرتُ مدحَا
وأصبح معلنًا لك بالتَّهاني ... لسانُ العَبْدِ في فِطْرٍ وأضحى
[ابن المصري]
ومنهم: [أحد مَنْ كتب إليَّ بالإجازة] (١) الشيخ شمس الدين محمد بن الخضر ابن المصري، كما سيأتي في الأسئلة المنظومة مِنَ الباب السادس.
وكذا قاضي صفَد محمد بن عبد الرحمن.
ورأيت لابن المصري أسئلة نثرية صدَّرها بقوله:
يا طالبًا علم الحديث وسالكًا ... طُرُقَ الهدى بتتبُّع الآثارِ
إن رُمتَ كشفَ غوامضٍ فيه أتت ... مرَّتْ عليها بُرْهةُ الأعصارِ
إلزمْ إمامًا حافظًا لمتونِه ... وفنونه ورجاله الأخيارِ
قاضي القُضاة وعالمَ العصر الذي ... فاقَ الأنامَ بفضله المِدْرارِ
تلقى إليه جميعَ ما فيه الهدى ... مِنْ سُنَّةِ الهادي النبي المختارِ
ثمَّ ذكر أسئلته.
[شمس الدين الطنتدائي]
ومنهم: الشيخ شمس الدين محمد بن زين بن محمد بن زين [بن
стр. 529
محمد بن زين] (١) الطَّنتدائي الأصل، ثم النِّحريري الشافعي المقرىء الأصمّ، الشاعر المشهور بمديح النبي ﷺ ، وصاحب الأحوال والكرامات.
مدحه بقصيدة (٢) سماها "نظم الدرر في مدح ملك العلماء ابن حجر" وهي:
إذا كان خصمي في المحبَّة حَاكِمي (٣) ... فمَنْ ذا له أشكو وجوه (٤) مظالِمي
وما حالُ مَنْ يشكو أذاهُ لخصمه ... ولا سيما خصمٌ يُرى غيرَ راحمِ
وكم واحد آذاهُ في الحُكْمِ حاكمٌ ... وألزمه ما لم يَجِدْه بلازمِ
وإنِّي لمظلومٌ ولم ألْقَ حاكمًا ... يخلِّصني مِنْ ظلمِ مَنْ هو وظالِمي
بأبوابِ أهلِ الظُّلم أصبحتُ قائمًا ... ومِنْ طولِ ما قد قمتُ كلَّت قوائمي
وما نلتُ شيئًا غيرَ إتعابِ مُهجَةٍ ... وموجود وجد (٥) وانتكادٍ ملازمِ
ولو أنني ألقى مِنَ النَّاس واحدًا ... يساعدُني في الخيرِ عزَّت عزائمي
فلم ألقَ إلا شامتًا بمصيبةٍ ... ومَن وعدُه أضغاث أحلامِ نائمِ
به إن خبأتُ السِّرِّ مستودِعًا له ... وقلت له: اكتُمْ، لم أجِدْه بكاتِمِ
بليس فلا توقع صلاحا على امرىءٍ ... ولو أنَّه يدعى دوامًا بصائمِ
وكم مِنْ ذئابٍ بالثِّيابِ تستَّرت ... وكم مِنْ أفاع سُتِّرَت بالعمائمِ
وما نهسة الأفعاء إلا عظيمةٌ ... وما جلدُها في اللَّمس إلا بناعِمِ
стр. 530
ينادي قُبَيْلَ النوم: (١) هَلْ مِنْ مُصاحب ... على طاعةٍ واليوم هل من مخاصمِ
وكم من طباعٍ (٢) في الرجال رديَّةٍ ... مشبَّهةٍ فيهم بما في البهائمِ
على عُزلةٍ إن كنت تقدِرُ فاعتزل ... وليس عليك العَتْبُ من لَوْمِ لائمِ
وهل نظرَتْ عيناك مَنْ عاشرَ الورى ... وفي عِشْرَةٍ منهم (٣) تراه بسالمِ
يجرُّك مَنْ تعني صحابتُه إلى ... هوى نفسه جرًّا لفعلِ المحارمِ
وإن لم توافقه على قُبح فِعْلِه ... يَرى فيك وقَّاعًا بشَينِ المشاتِمِ
فلا خير يومًا في صَحابَةِ أرْعَنٍ ... يَرى أنَّه في الإثمِ ليس بآثِمِ
وليس لذي عقل يصاحب واحدًا ... تراه يَرى استحلالَ فعلِ المآثمِ
فإن كنت معذورًا لصحبة واحد ... فسل عَنْ تقيٍّ صادقِ القولِ عالِمِ
فصاحبُ أهلِ العلمِ خيرُ مصاحبٍ ... وخادمهم لا شكَّ أفضلُ خادمِ
وإنَّ اقتناء العلمِ أحسنُ للفتى ... مِنَ الذَّهب التِّبْريِّ وكنزِ الدَّراهمِ
وأعلمُ أهلِ العلمِ في عصرنا الذي ... بمصر ترى قاضي قضاةٍ صوارمِ
ألَا إنَّه المبرور في العصر بالذَّكا ... وليس له فيه يُرى مِنْ مزاحمِ
وأعني شهابَ الدين وهو بنسبةٍ ... إلى حجرٍ أبهى صنوف كرائمِ
فليس له في العصرِ يومًا بمشبه ... وليس له فيه يُرى مِنْ مقاومِ
ألا إنه قاضي القُضاة وإنَّه ... لأهلٌ لها إذ كان أعلمَ عالِمِ
عنايةُ ربِّ المُلْكِ قد حصلَتْ له ... وصارَ له فيها وجودُ التَّداوُمِ
فأصبحَ يدعى بالعناية صارمًا ... وما هو إلا خير مُدْعَي (٤) بصارمِ
تمكَّن في علمٍ وفهمٍ وفِطْنَةٍ ... وعزمٍ وحزمٍ واعتبارٍ ملازمِ
стр. 531
فلا تَقِسَنْهُ في الزَّمان بغيره ... فليس له فيه (١) يُرى من مُساومِ
له خيرُ منهاج يُعدُّ محرَّرًا ... ومفهومه تنبيه مُدعَى بنائِمِ
فما هو إلا روضةٌ طابَ فيؤُها ... لها خيرُ ثغرٍ مستدامٍ بباسمِ
وأحيا عُلومَ الدِّين في عصره وقد ... بدا شاملًا بحرًا لمُدعَى بعائمِ
وما هو إلا خيرُ تالٍ وقارىء ... وللنَّثرِ والأشعارِ أنْظَمُ ناظمِ
وألفاظُه في الدرسِ درٌّ منظَّمٌ ... تفوف بتزيينٍ سوارَ المعاصمِ
له أسند التصريف في كلِّ كائنٍ ... ولم يَكُ محتاجًا لفعلِ الجوازمِ
ويعطي دوامًا مَنْ أتاه بسائلٍ ... وأصبحَ مشهورًا بفعلِ المكارمِ
ألا إنَّه في العلمِ أعلمُ عالمٍ ... ألا إنَّه في الحكم أحكمُ حاكمِ
ونال مِنَ الخلَّاق خيرَ فِراسةٍ ... تميَّز بها في حصادٍ (٢) وقائمِ
يقدم في النّياب مَنْ صحَّ دينُه ... ولم يخْشَ في التَّقديم لومةَ لائمِ
ومنه أتانا خيرُ قاضٍ وحاكمٍ ... نقيٌّ تقيٌّ صارم خير صارمِ
فبان به للبحر ثَرَّة فرحةٍ ... وحلَّ سرورٌ مِنْ زوالِ المظالمِ
رأينا له في الحكم أحسنَ سيرةٍ ... ورفق ومفهوم وخير ملازم
أبوه وليُّ اللَّه قاضي محلِّه ... موفَّقُ دينِ اللَّه كنزُ المغانِمِ
على نجله بالدين قد أثبت الورى ... فحلَّ بإقدامٍ صلاح تقادمِ
ونحنُ مِنَ الخلَّاق نرجو بقاءه ... ونطلبُ هذا مِنْ كريمٍ وراحمِ
ألا يا شهابَ الدِّين قاضي قُضاتِنا ... ومَنْ شيّعَ في الدُّنيا بخيرِ التقادمِ
أدمه لنا (٣) واغنم دعاءً لصالحٍ ... فإنَّ دُعا الصُّلَّاحِ خيرُ المغانمِ
стр. 532
فواللَّه لا تُبْدِلْهُ عنا بغيره (١) ... وللأجرِ حاشا أن تُعَدَّ بعادمِ
كفاكَ إلَهُ الملك شرَّ شماتةٍ ... وأُعطيتَ نصرًا في قعودٍ وقائمِ
ونختِمُها بالمدح في خيرِ مُرْسَلٍ ... محمَّدٍ المختارِ مِنْ نسلِ هاشمِ
هو السَّيدُ المُدْعَى (٢) بنورٍ ورحمةٍ ... وأكرَمُ مبعوث بوحي وخاتمِ
وسيلةُ نوحٍ والخليلِ ويونُسٍ ... وموسى وعيسى والكرامِ لآدمِ
عليه صلاةُ اللَّه ما طار طائرٌ ... ومُيِّز (٣) يدعى في المطارِ بحائمِ
[قطب الدين المكي]
ومنهم: القطب أبو الخير محمد بن عبد القوي المكي، شاعرُها.
فقال لمَّا أعيدَ صاحبُ الترجمة إلى القضاء في سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة ممَّا كتب به إليه، وقد أجازني، وكتبها عنه صاحبُنا النجم بن فهد الهاشمي:
أقاضي قُضاةِ المسلمين ومَنْ غَدتْ ... محاسنُه للمكرُماتِ نظامَا
لقد سرّني عَودُ الضَّميرِ ولم أزَلْ ... أُسرُّ لكم بالصَّالحات دوامَا
وإني لمطبوعٌ على الوُدِّ مخلصٌ ... لكُمْ بولائي بدأةً وخِتَامَا
فَدُمْ للهدى بيْتًا يُؤَمُّ ورُحْلةً ... لطلابِ علم قاصدوك نهاما
يُرَجُّون إنضاء المطيِّ ليُطْفِؤوا ... ببَرْدِ تلقِّي العلمِ عنك أوَامَا
تمنَّى عِنانُ الأعوجيِّ لِمَا رأى ... مِنَ العزِّ فيهم أن يكون خِطَامَا
وسُدْ وابقَ ما أهدى المشوقُ تحيةً ... تضوَّعَ مسكًا نشرُها وسلامَا
стр. 533
وقد مضى في هذا الباب (١) قوله فيه:
أستصغِرُ النَّاس عند رؤيته ... لأنَّه لم يَرَى له مَثَلا
[شمس الدين الهيثمي]
ومنهم: الشمس أْبو عبد الكريم محمد بن علي [بن محمد] (٢) بن عبد الكريم الهيثمي، كما سيأتي في الألغاز، [بل وفي الباب الرابع ذكرت بيتًا مِنْ مقطوع عمله عقب عودِ صاحب الترجمة لوظيفته بالمؤيَّديَّة] (٣)، وكذا مدحه بعدة قطع، أظفر ببعضها إن شاء اللَّه تعالى. وعمل صداقًا لإحدى بناته في أرجوزه أحببتُ إيرادها هنا.
أخبرني كريم الدين أبو محمد عبد الكريم بن محمد بن علي بن عبد الكريم الهيثمي قال: ناولني والدي صداقًا منظومًا، عمله لابنة شيخ الإِسلام حين تزوَّجها الشهابُ ابن مكنون (٤). سمعته من والدي كله أو معظمه (٥).
قلت: وصورته
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤].
الحمد للَّه الذي أولى البُشَر ... مَنْ كان عنه راضيًا مِنَ البَشَرْ
فاتحِ أبواب الرِّضا لأحمدَا ... مانحِ أسبابِ الهُدى لِمَنْ هدَى
سبحانه مِنْ ملكٍ قد أطلعَا ... في فَلَكِ السَّعْدِ شهابًا سطَعا
стр. 534
أخرجه مِنْ جوهرٍ مكنونِ ... ذا نسبٍ مرتفعٍ ميمونِ (١)
وزانه بالعلم والإفتاءِ ... وحفَّه باللُّظف في القضاءِ
وخصَّه في القول بالتَّسديدِ ... وفي أُمورِ الشرعِ بالتَّشديدِ
فأصبح الثَّغرُ به مبتسمًا ... ومدحُ شَملِه به قد نُظمَا
وكل ناظرٍ به قد ابتهجْ ... ويفتدي نَدَى الشُّهودِ بالمُهَجْ
ورأيه السَّعيدُ ساقه إلى ... بيتٍ أثيلِ المجدِ فخرُه عَلَا
أكرِمْ به بيتًا شديدًا ركنُهُ ... وقد أقيمَ في النِّظام وزنُهُ
نداهُ كم أحيا لأرضٍ مَيْتِ ... لمجده يُنظم ألفُ بيْتِ
كم (٢) من محبٍّ صادقٍ له انتمَى (٣) ... فصار بين النَّاس في الأرض سمَا
وكيف لا يَعظُمُ قدرُ ذكرِهِ ... وقد حوى أستاذَ أهلِ عصرِه
فاللَّه يُحيي مجلسَ الشِّهابِ ... ولم يزل مرتفع الجَنَابِ
أحمدُه ما خُطِبَت عَرُوسُ ... حمدًا به تمتَلىءُ الطُّروسُ
مصلِّيًا على النبيِّ الهادي ... إلى الرَّشادِ أشرفِ العبادِ
خيرِ الورى النَّاطق بالصوابِ ... بقوله "يا معشر الشَّبابِ"
صلى عليه اللَّه كل ساعهْ ... مِنْ يومنا هذا ليوم الساعهْ
وآله وصحبِه الكرامِ ... والخلفاء السادةِ الأعلامِ
ما نُظمت قلائدُ الأفراحِ ... أرجوزة في عُقدة النكاحِ
وما انقضت أنكحةُ الوجودِ ... بالمهرِ والوَليِّ والشُّهودِ
وبعد، فالنِّكاحُ جاء الأمْرُ به ... في محكمِ الذكر الحكيم فانْتَبهْ
وفعلُه حثَّ عليه المصطفَى ... لمستطيعٍ لا يرى تكلُّفا
стр. 535
قال ومنا قصدُه التَّناسلُ ... مباهيًا: "تناكَحُوا تناسلُوا"
هذا ولمَّا كان ذو الإنصافِ ... أقضى القضاةِ السِّيدُ المَنَافِ
العالميُّ الفاضليُّ الأوحدُ ... الحاكمُ المؤيَّدُ المسدَّدُ
الكاملُ المعظَّمُ الإمامُ ... ومَن له بالعلما إلمامُ
حاوي صفاتِ الفضلِ والإفضالِ ... والكوكبِ الدُّريِّ في الجمالِ
مهذبُ القولِ النَّبيهُ المنصفُ ... وفي المهمات له تصرُّفُ
خلاصةُ الدَّهر البسيط علمُهُ ... نهايةُ القصد الوجيزُ نظمُهُ
شاملُ أهلِ الفقرِ بالإنعامِ ... وبحرُ أهلِ الجُودِ في الإكرامِ
أقسمُ باللَّه العظيم البَرِّ ... بأنه زينُ قضاةِ العصرِ
سيدنا القاضي شهابُ الدين ... ذو الفضل والتَّحقيق والتَّمكينِ
في الحكم والفتوى أبو العباسِ ... العالمُ المقصودُ بينَ النَّاسِ
أحمدُ مَنْ يُرجى لنيلِ المطلبِ ... مَنْ أمَّهُ في مقصِدٍ لم يخِبِ
ابنُ الإمامِ الفاضلِ الفقيهِ ... البارعِ المحصِّلِ الوجيهِ
العالمِ المرحومِ شمس الدِّينِ ... محمَّد ابن المرتضى مكنون
الشافعي في الورى مذهبُهُ ... بلَّغه الرَّحمنُ ما يطلبُهُ
وزاده في أهله والولدِ ... مَسَرَّةً في يومه وفي غدِ
مِنْ مقتفي آثارِ خيرِ الرُّسُلِ ... وسالكي طريقةِ المزمّلِ
ورام تزويجًا به يستَتِرُ ... يظهر منه نسلُه المطهرُ
لعل أن يَشْرُفَ طولَ الأبدِ ... بقربه مِنَ الجَنابِ الأحمدِ
سَعى إلى كعبة أهلِ الحرمِ ... وطافَ حولَ بيتِه المحترمِ
ثم أتى رُكْنَ الإمامِ الفَرْدِ ... ومَنْ مقامُه عظيمٌ المجْدِ
خيرِ الورى حافظِ أهل العصرِ ... بحرِ النَّدى البَرِّ كثيرِ البِرِّ
شيخِ شيوخ السَّادة الصُّوفيَّة ... وناظر الخَانِقَةِ الرُّكْنِيَّهْ
стр. 536
عمدة أهل مصرِه (١) والشَّامِ ... في كلِّ علم رُحْلَةُ الأنامِ
محط رَحْلِ طالبي العُلومِ ... وجامع المنثورِ والمنظومِ
كم شرحتْ شروحه (٢) صدورًا ... وأظهرت لغيرها مستُورَا
بها انْجَلَي عَنِ البُخاري المبهمُ ... وفضله ما شَكَّ فيه مسلمُ
في كلِّ علمٍ ماهرٌ مفنَّنُ ... ولاختلافِ العلماء مُتقِنُ
أقَرَّ أهلُ العلمِ والعرفان ... بأنَّه أعجوبةُ الزَّمانِ
كم نُسِبَتْ له علومٌ شَتَّى ... وكم بمصرَ والحجازِ أفتَى
وكم له مِنْ مُلَحٍ مستحسَنهْ ... ومِنْ تصانيفَ غدت مدوَّنَهْ
ما جاءه مُعارضٌ مِنْ جهلهِ ... إلا وعاد شاكرًا من فضلِه
يُتْقِنُ ما يلقيه مِنْ دُروسِ ... برتبةٍ تعظُمُ في النُّفوسِ
إن درَّس التَّفسير فهو آيهْ ... والفقه منه تسمعُ الكِفَايهْ
وفي حديثِ المصطفى عجيبُ ... يُسْمَعُ منه الحَسَنُ الغريبُ
وفي الأصول كم له قياسُ ... حقيقةٌ وما له قياسُ
والنَّحو لو عاصره الخليلُ ... كان بما يقولُه يقولُ
وفي المعاني والبيان أُمَّهْ ... كم طالبٍ للأخذٍ عنه (٣) أمَّهْ
وفي التَّصادير وفي الخَطَابهْ ... وفي الفتاوى كم له غَرابهْ
والنَّظمُ والنثرُ لديه فضلَهْ ... ولم يكن ينكر شخصٌ فضلَهْ
فريدُ عصره شهابُ الدِّينِ ... أُعيذه بالتِّين والزَّيتونِ
راوي الأحاديثِ أبي العباس ... أحمد مَنْ يُرجى لكشف البَاسِ
стр. 537
ابن الإمامِ العالمِ الحَبْر عَلي ... لا زال في الجنَّات في قصرٍ علي
الحجةُ المحدِّث الكناني ... العسقلانيُّ بلا بهتانِ
مقلد المُطَّلِبي الشَّافعي ... ناقل أقوال الإِمام الرافعِي
فاللَّه يبقيه لنفعِ الطَّلَبَهْ ... اللَّه يعطيه الذي قد طلبَهْ
معتنيًا وخَطَبَ المصُونهْ ... ابنتَه الجوهرةَ المكنونهْ
الدُّرَّةَ النَّضيدَةَ الفَرِيدَهْ ... الغُرَّةَ السَّيِّدَةَ السَّعيدهْ
مَنْ حازتِ الفَخَارَ مِنْ أُمٍّ وأبْ ... ومَنْ لهادي المجدِ أصلٌ ونسبْ
ومَنْ غدت لكلٍّ حُسْنٍ جامعهْ ... زيَّنها اللَّه بتقوى "رابعهْ"
لعلمِه بأنَّها منتخبَهْ ... قد ظهرت مِنْ عنصر ما أطيبَهْ
وكيف لا وهي بلا امتناعِ ... كريمةِ الجدَّين بالإجماعِ
اللَّه يُحييها ويصطفيها ... وللذي يُرضيه يرتضيها
اللَّه يُعطيها سعادة الأبَدْ ... بالعزِّ والتَّوفيق والعيش الرَّغدْ
فخُوطِبَ الخاطبُ بالقَبُولِ ... في قصده وشرطِه المقبُولِ
ونالَ بالقبول فيما قصدا ... جلالةً ورِقعَةً وسؤدُدَا
وكيف لا يسودُ طولَ الدَّهرِ ... بوصلة يسمو بها وصِهْرِ
وصار منشدًا لسانُ الحال: ... هُنِّيتُمُو بالسَّعدِ والإقبالِ
مِنْ حُسْنِ هذا النَّظمِ والقرينهْ ... جاء ابنُ مكنونٍ إلى مكنونهْ
ثم رقى لمنبرِ الطِّرس القلَمْ ... وقال باسم اللَّه بارىء النَّسَمْ
القادرِ المقتدرِ الرَّحمنِ ... الغافرِ الرَّحيم بالإنسانِ
هذا كتابٌ نظمُه ما أحسَنَهْ ... مضمونُه أرجوزةٌ مستحسَنَهْ
وجُلُّ ما تضمنت أن أصدقا ... مَنْ لسماء العزِّ والمجد ارتقى
سيدُنا القاضي شهاب الدِّينِ ... ومَنْ حوى الفَخَارَ عَنْ يقينِ
وهو أبو العباس حقًا أحمدُ ... وابنُ الذي سَمِيُّه محمَّدُ
стр. 538
لقَبُه المعهودُ شمسُ الدِّينِ ... ابن أبي اليُسْرِ الرَّضي مكنونِ
السابق الذكر الذي تقدَّمت ... أوصافُه الحسنى التي قد نُظِّمتْ
لا زال ما أراده ميسَّرَا ... وبالذي يسُرُّه مبشَّرا
سيدة الأبكار مخطوبتُهُ ... "رابعةُ" التي غدت مُنْيَتُهُ
البكرُ بنتُ حافظِ الآفاق ... بقولِ أهلِ مصرَ والعراقِ
مفتي الفريقين شهابِ الدِّينِ ... ذُخْرِ الفقيرِ ملجأ المسكينِ
علامةِ الدهر أبي (١) العباس ... أحمدَ راوي قولِ خيرِ النَّاس
ابن الإِمام العالمي النُّوري ... أبي الحسين (٢) السابق المذكورِ
عليّ المفَنَّن الكِنَاني ... الطَّيِّب الذِّكرِ العظيمِ الشَّان
العسقلانيِّ الذي قد اشتهرْ ... وسيِّدُنا والدُه بابنِ حجرْ
كفاه ربُّه حوادِثَ الزَّمنْ ... وسرَّه في كلِّ سرٍّ وعلَنْ
مِنْ ماله مهرًا لها صَداقَا ... بقدرها العَالي الرَّفيع لاقَا
جملتُه التي بها يبينُ ... مقدارُه المحرَّرُ الموزونُ
خمس مِئِين مِنْ مثاقيل الذَّهبْ ... الطَّيبِ العينِ العزيزِ المنتَخَبْ
خالصةً مِنَ النقود الهَرْجَهْ ... ونِحلة لهذه المزوَّجهْ
مختومة تفتخر الأكياسُ ... بها (٣) وباكتسابها يسودُ (٤) الناسُ
بها معاملاتُ مصرَ يومئذْ ... وهي بها أعزُّ نقدٍ حينَئذْ
منها ثلثمانة تُعَجَّلُ ... وما سواها حكمُه مُؤجَّلُ
стр. 539
وأخبر الوالد أنَّه وصَلْ ... له مِنَ المُصدِقِ لما أنْ وصَلْ
مِنْ المعجَّلِ الذي قدِ اشترطْ ... تعجيلَه وفي الكتاب قد ضُبِطْ
مهرًا مسمَّى مائتا مثقالِ ... كاملةَ الوزنِ بلا اختلالِ
وبعد ذا المقبوض صار الباقي ... مِنْ بعدِ باقي عاجلِ الصَّداقِ
منقسطا في سَلْخ كلِّ عامِ ... عِشْرونَ مثقالًا على التَّمامِ
تُؤخَذُ مِنْ تاريخيه المكتتَبِ ... بالصفةِ التي مضت في الذَّهبِ
زوجَها منه بهذا المهرِ ... بإذن مولانا أبيها الحَبْرِ
سيِّدنا ولم يَزَلْ مولانا ... ومَنْ بفَضْلٍ منه قد أولانا
قاضي القضاة العدل في الأحكامِ ... طرازُ أهل العلم والحكامِ
مؤيد الشَّرعِ وليُّ الدِّين ... كاشف كُرَبِ الخائف الحزينِ
خالصة الدهر فكم قد (١) أجْرى ... إلى أمير المؤمنين أجرا
قطبُ البرايا وخطيبُ الخطبا ... منعشنا حين يُؤدي الخُطَبا
بقية المجتهدين العلَما ... ومَنْ له حلمٌ وعلمٌ علِمَا
بحرُ العلوم شارحُ المهذَّبِ ... أستاذُ حفَّاظِ أحاديث النبي
وناصرُ السُّنَّة والشريعهْ ... ومَنْ له أوامر مسموعَهْ
وهو أبو زرعةٍ إذ يُكْنَى ... كم قد حوى مِنْ حَسَنٍ وحُسْنَى
مُوضِحُ إشكال الغريب أحمدُ ... وشيخ الإِسلام الإمامُ المسندُ
ابن العراقي إذا ما نُسِبَا ... الشافعي في القضاة مذهبَا
ناظرُ أحكام الورى الشَّرعيَّهْ ... بسائر البقاعِ الإِسلاميهْ
أيَّده الرَّحمن بالملائكَهْ ... فكم له مِنْ خَصْلَة مبارَكَهْ
بعد ثبوت أمرها عليهِ ... بسادةٍ قد شَهِدُوا لديهِ
стр. 540
والعقد للزوج الكريم قبلَهْ ... له وكيلُه الذي قد وكَّلهْ
سيدنا الحاكمُ بدرُ الدِّينِ ... أقضى القضاة الحسنُ البرديني
مِنْ بعدِ ما قد ثبتت وكالتُهْ ... يقول مَنْ قد قُبِلَتْ شهادتُهْ
ثبوتًا اقتضى قَبُولَ العقدِ ... عَنِ الموكلِ الكريمِ الجَدِّ
أبدى قبولًا سائغًا شرعيا ... مِنْ موجب كان به وليّا
وتم هذا العقدُ يومَ الجُمُعَهْ ... بخيرِ جمعٍ جَلَّ مَنْ قَدْ جمعَهْ
وكان بالتَّاريخ في عشري صفرْ ... مِنْ عام (١) خمسه وعشرين ظهرْ
وذاك مِنْ بعدِ ثمانمائةِ ... قد سلفت مِنَ ابتداء الهجرةِ
فأحسن اللَّه لنا ختامَهْ ... بالخيرِ والنِّعمةِ والسَّلامهْ
وحسبُنا اللَّه هو الجليلُ ... ونعم مَنْ لنا هو الوكيلُ
والحمدُ للَّه الذي بنعمتهْ ... يتمُّ صالح الذي في قدرتِهْ
حمدًا كثيرًا ما له نهايهْ ... ولا له في منتهاه غايهْ
ثمَّ صلاةٌ منه ملءُ الأرضِ ... يدومُ طولها ليوم (٢) العَرْضِ
واصلةً باللَّيلِ والصَّباحِ ... لأحمدَ الآمرِ بالنِّكاحِ
وآلِهِ ومُوضِحي شِرْعتهِ ... وصحبِه وسالكي سُنَّتهِ
ما كُتِبَتْ أصْدِقَةُ العرائسْ ... منظومة بالدُّوَرِ النَّفائِسْ
وقد خَتمتُ هذه الأرجوزهْ ... بهذه القرينة العزيزهْ
سميتُها "قلائد الأفراحِ" ... مقرونة بالسَّعد والفلاحِ
وهذه جواهرُ الألفاظ ... مِنْ بعض علم (٣) سيِّد الحُفَّاظِ
стр. 541
بكرٌ عروسٌ زُيِّنَتْ بالدُّرِّ ... لعلَّ أن تُجلى لهذا الصِّهْرِ
أرجو قَبُولَها وبَسطَ العُذرِ ... إذ ليس يُهدَى جوهرٌ للبَحْرِ
والهيثميْ ناظمها محمَّدُ ... ابنُ علي (١) الفقيرِ يشهدُ
بالإذن في العقد وبالتوكيل (٢) ... والقبضِ والإيجابِ والقبولِ
ونسأل اللَّهَ الكريمَ المانِحَا ... يجعلُ هذا العقدَ عقدًا صالحا
مناسبًا مباركًا ميمونا ... وبالهناء دائمًا مقرونَا
ثم قال الهيثمي أيضًا، ومِنَ خطِّه نقلت:
الحمد للَّه الذي قد أجرَى ... خيرًا لمن أراده وأجْرَا
حمدًا به يُختَتمُ الكتابُ ... كما به يُفتتح الكتابُ
ثم صلاة (٣) منه تأتي أحمدا ... وآلَه وصحبَه طُولَ المدَى
وبعدُ، ذا (٤) العقدُ السَّعيدُ حضرهْ ... مُرْجِزُ أبياته المسطَّرهْ
وهو بما سطّرَ فيه يشهدُ ... مفصلًا كاتبُه محمدُ
ابن علي الذي قد ذُكِرَا ... بالهَيْثمِيْ شهرتُه (٥) بين الورَى
ونسأل اللَّه الكريمَ المحسِنَا ... يجعلُ هذا العقدَ جالِبَ الهَنا
مقترنًا بغايةِ السُّرورِ ... وأكملِ الحالات في الأمورِ
وكتب رفيقُه في الشَّهادة، ومن خطه نقلت، والظَّاهر أنَّه مِنْ نظم الهيثمي أيضًا ما نصّه:
стр. 542
يقول راجي عفوِ ربِّ تواب ... الزُّرعي الأصل عبد الوهاب
الحنفي ابن الفقير عُمرَا ... مِنْ بعد حمد اللَّه خالقِ الورى
ثمَّ الصلاة والسلام السَّرمدي ... على النبي المصطفى محمَّدِ
حضرتُ ذا العقدَ وإنِّي أشهدُ ... بمثل ماذا الهَيْثَمِيُّ يشهدُ
وأسأل اللَّهَ دوامَ السَّعدِ ... للزَّوجِ والزَّوجةِ بعدَ العقدِ
زادهما اللَّهُ الكريمُ شرفَا ... وحسبنا اللَّه تعالى وكَفَى
ثم سجَّل على القاضي العلامة بدر الدين ابن الأمانة بعد وفاة الزَّوج بثُبوت ذلك لديه. ونظم ذلك في أرجوزة أيضًا حذفتُها تخفيفًا.
* * *
ومنهم (١): الفاضل الأوحد أبو اللُّطف (٢) محمد بن علي بن منصور الحصكفي، ثم المقدسي.
وقد كتب عنه مِنْ نظمه، فقال:. . . . . . (٣)
[ابن الفالاتي]
ومنهم: القيم محمد بن علي الفالاتي الأديب عم صاحبنا.
وله فيه جملة، منها قوله الذي كتبه عنه:
يا مَنْ طردْ ذكر حاتِم بالمكارِم طَرْدْ ... ومن سَرَدْ سنَّةَ المختارْ أحسنْ سرْدْ
شهريْن لي في ضعف والعَظْم يبْردَ بَرْدُ ... والجمعْ يشْهَد بضَعفي والإله الفَرْدْ
стр. 543
وقوله يوم ختم "شرح البخاري" (١):
شرح هدى الناس باسْم طيِّب الأخلاقْ ... إمام لو درس يَشرق نَوَّر الآفاقْ
أملى حديثُو معَنْعنْ دُرّ للحُذَّاق ... أشرق بها نُور حكمه جلَّ رايقْ راقْ
[محمد بن عمر الحنفي]
ومنهم: محمد بن عمر بن عثمان المصري الحنفي.
فقرأت بخطه:
يُقبِّلُ الأرضَ عبدٌ جاء يغترفُ ... مِنْ بحر فضلٍ به الرُّكبان تَعْتَرفُ
لعلَّ يروى غليلَ (٢) الصَّدرِ منه فإن ... نالَتْهُ نَهْلَةُ وردٍ زانه الشَّرفُ
فأنتمُ جوهرُ العِقْدِ النَّفيسِ بلا ... ريبٍ وغيركُم في عصركم صَدفُ
وكعبةُ الفضل قَصْدي أنْ أطوفَ بها ... لعلَّ عنِّي صدى الإشكال ينصرفُ
لا زلتُمُ في ظلال العِزِّ ما طَلعتْ ... شمسٌ عسى كُرْبة الشَّحرورِ تنكشفُ
[ابن قرقماس]
ومنهم: الشيخ ناصر الدين محمد (٣) بن قُرقُماس الحنفي، فأنشدني من لفظه قولَه:
إن يَبْتَسِم ثغرُ الشَّريعة والنَّدى ... يومًا فذلك مِنْ أبي العبَّاسِ
هو جامعٌ علم الحديث وحافظٌ ... ومفرِّقٌ أموالَه في الناسِ
وقوله:
أفدي الشِّهاب أيا العباس مِنْ رجلٍ ... أضحى به حَجرُ الإفضال مُسْتَلَما
стр. 544
كالبحر مقتَحَمًا والبدرِ ملتثمًا ... والفجرِ مبتسَمًا والزَّهر مختَتما
وقوله:
إن كنت خنتُك في الهوى فجحدتُ مِنْ ... قاضي القضاة نوالَه المبذولَا
وجعلتُ في علم الحديث نظيرَه ... مَنْ يجهلُ المعقولَ والمنقولَا؟
وقوله:
يا حبَّذا النِّيلُ المباركُ جاريًا ... في مصرَ جرى الفضلُ مِنْ عُلمائها
والَى لجودِ العسقلاني مَنْ غَدا ... شهابًا لذي العَليا بأفْقِ سمائها
[الرّاعي]
ومنهم: الإِمام النحوي أبو عبد اللَّه محمد بن محمد بن محمد بن إسماعيل الأندلسِيِّ، ثم القاهري، عرف بالرَّاعي.
فأنشدني مِنْ نظمه في أبيات:
فكم قد ثَوى يقضي لكم كلَّ حاجةٍ ... ويُحسن لولَا الدَّهرُ قد خان وارتَجَعْ
شمائلُه تحلُو وشهرةُ عِلمه ... وفضلٌ وآدابٌ وحِلْمٌ ومُصْطَنَعْ
فتى كمُلَتْ فيه المحاسنُ كلُّها ... ومِنْ عِلْمِه نورُ الهداية قد سطَعْ
[البدر سبط الحسني]
ومنهم: صاحبنا (١) البدر محمد بن محمد بن محمد بن محمد [بن محمد] (٢) الأنصاري سبط الحسني.
فقرأت بخطه ما نصه: وقلت لما كمل "فتح الباري":
стр. 545
نصرتَ دينَ الحقِّ يا بن النَّجيبْ ... بفتحِ باريك القريبِ المجيبْ
فقلت لما تمَّ جمعُ الهني: ... "نصرٌ مِنَ اللَّه وفتحٌ قريبْ"
[شمس الدين الزركشي]
ومنهم: المفنَّن شمس الدين محمد ابن سعد الدين محمد ابن نجم الدين محمد البغدادي، نزيل القاهرة، الزَّركشي، والد عبد الصمد الذي سمعنا منه كما سيأتي في الألغاز.
ومدحه أيضًا بما لم أقف عليه الآن.
ولازمه نحوًا مِنْ عشرين سنة، وهو السَّائل لشيخنا في شرح "النخبة"، كما سيأتي. وأرسله شيخُنا سفيرًا إلى ينبع ففرط في المال، ورجع بخفَّي حُنين، واعتذر بأنه تزوَّج وأنفق وأهدى وتصدّق، وجعل ذلك في صحيفة شيخنا. قال: فنشأ له منِّي ما أستغفر اللَّه منه لي وله.
وقد عاتب هو شيخَنا بقصيدة بائيَّة (١)، فأجابه بنقيضها مما هو في "ديوانه".
فائدة (٢): أصلُ هذا المثل -أعني قولهم: "رجع بخُفَّي حنين" أنَّ حُنينًا كان رجلًا ادَّعى إلى أسد بن هاشم بن عبد مناف، فأتى عبدَ المطَّلب وعليه خفان أحمران، فقال: أنا ابنُ أسدٍ. فقال: لا وثياب هاشم، ما أعرفُ شمائلَ هاشمٍ فيك، فارجع. فقالوا: رجع حُنينٌ بخفَّيه فصار مثلًا.
وقيل: بل حُنين اسم إسكاف مِنْ أهلِ الحيرة، ساومه أعرابيٌّ بخُفّيه، فلم يشتره، وغاظه ذلك وعلَّق أحدَ الخُفَّين في طريقه، وتقدَّم فطرحَ الأخرى وكَمِنْ له. وجاء الأعرابيُّ، فرأى أحد الخُفَّين، فقال: ما أشبه هذا بخُفِّ
стр. 546
حُنين، لو كان معه آخر لاشتريته، فتقدم فرأى الخُفَّ الآخر مطروحًا في الطَّريق، فنزل وعقَل البعيرَ، ورجع إلى الأوّلِ، فذهب الإسكافُ براحلته، وجاء إلى الحيِّ بخُفَّي حُنين. قالهما في "الصحاح".
[زين الدين الخوافي]
ومنهم: الشيخ زين الدين أبو بكر محمد بن محمد بن محمد بن علي الخوافي.
سيأتي في المطارحات (١) قوله:
أيا مَنْ فاق أهلَ العصرِ فضلًا ... وعلمًا بالحدبث بالاعتراف
[البكري]
ومنهم: المحب أبو يحيى محمد بن محمد بن محمد البكري.
وله فيه عدة مدائح، منها: [قصيدة سمعت إنشادها بحضرة المادح والممدوح عقب ختم الحديث في رمضان مِنْ بعضِ السِّنين ما كتبتها.
ومنها] (٢): ما أنشد بالخانقاه البيبرسية عند ختم "شرح البخاري"، فقال:
[وقد سمعت منه بعض ذلك أو كلَّه] (٣):
حديثُك لي أحلَى مِنَ المنِّ والسَّلْوَى ... إذا حلَّ سمعي حرَّم اللَّومَ والشكوَى
أيشكُو (٤) محبٌّ حُسْنَ أوصافِ مالِكِ ... غدا شافِعي نُعمانَ أحمدَ ذا تقوَى
فمن لي ومثوى حُبِّه بين أضلُعي ... يُهيِّمني والعينُ تشتاق مَنْ تهوى
ترَنِّحُني وُرْقُ الدُّجا في شَجْوِها ... تُذَكِّرُني عهدًا وتُسعفني شجوى
تهيِّج أشواقي تفيض لعبرتي ... أموت وأحيا لا قرارَ ولا مثوى
стр. 547
سقامٌ بجسمي قد براه نحولُه ... تراه على فَرْطِ المحبَّة لا يَقْوى
أيقوى على جَمْرِ الغَضا قلبُ عاشقٍ ... تقلَّى كما العصفورُ بين مُدى شَوَّى
تملَّكني رِقًّا وألْبَسني ضنًا ... شكوتُ له وجدي فلم يُصْغِ للشَّكوى
فيا مالكًا رقِّي وقلبي ومهجتي ... تعطَّفْ وجُدْ فضلًا على قلب مَنْ تهوَى
وجُودُك لي راحٌ وجُودْك راحةٌ ... وقربُك أُنسٌ والبِعادُ هو البلوَى
أصون معنى حسنِه فيلَذُّ لي ... تعلَّلَ قلبي بالخيالِ وبالنَّجوى
وتاللَّه لا يشفى الخيالُ لعاشقٍ ... ولم يُغْنِه طِبُّ الدَّواء عَنِ الأدْوَا
لأنيَ ظمآنٌ على البحر واردٌ ... ألا اعْجَبْ لظمآنٍ ببحرِ ولا يروى
يعنِّفني العُذَّالُ عنك لأرعَوِي ... وبُغيةُ قلبي أنت، لا ميُّ لا عَلْوَى
لأنَّك فردٌ حافظُ العصرِ جامعٌ ... معاني أولي العرفان بالفهم والْفَحْوَى
أبو الفضل يا قاضي القضاة وحَبْرهم ... ترى السُّنَّة الغراء مِنْ حفظه تُروَى
أماليه تأتي عسْجدًا وجواهرًا ... عَلَت وغَلَت، خذها بإسناده الأقوى
ترى درجاتِ الخُلدِ فيها مَعَ الرِّضا ... فبشرى برضوان يبلِّغُنا عَفْوَا
أيا شيخ إسلام عليه مهابةٌ ... ومجدٌ له يعلُو على الغايةِ القُصوى
تصانيفُه لا حصرَ في ذكر عدِّها ... ففي كلِّ فنٍّ في العلوم له الجَدْوى
فكم سَهِرَتْ عيناهُ والنَّاسُ نُوَّمٌ ... وكم كتبتْ يُمناه مِنْ خبرٍ يُروى
وكم مِنْ شُروحٍ "للبخاريِّ" عِدَّةٍ ... طواها "بفتح الباري" أعجب لِمَا تُطوى
كساهُ جمالًا مِنْ عُذوبة لفظه ... فنارت به الدُّنيا وسُلِّمَتِ الدَّعوى
فتوَّجَهُ الأسماء مِنْ كل مُبْهَم ... خَفيٍّ على النُّقَّادِ با وَيْحَ مَنْ سَوَّى
شهابًا علا أُفْقَ السَّماء بدونه ... تباركَ مَنْ أنشا وسُبحان مَنْ سوَّى
وأبدعَ خلقًا ذاك (١) للوزن لا يفي ... وهذا صحيحُ الوزن ليس به إقوَا
стр. 548
ولا غَرْوَ أنَّ الشافعيَّ إمامَنا ... يُبَاهي بك الأصحابَ بالنَّقل والفتوى
إذا فاح نَشْرُ المسكِ كنتَ خِتَامَه ... فكم حِكَم أظْهَرْتَ فاحت لها الشَّذْوى
لأصحابك الطُّلابِ فضلًا أنلتَه ... بلا منَّةٍ، فاللَّه يُصحِبُك التَّقوى
ويُبقي لك البدرَ المنيرَ ونسلَه ... ويوسف حُسْنٍ سالمين مِنَ الأَسْوَا
ويحفظُ إخواني وأهلَ مودَّتي ... مشايخَ علمٍ مَنْ برؤيتهم أروى
ويجعل مثوانا حظيرة قُدسه ... وأحمدها دينًا إلى جنة المأوى
محبٌّ وبكريٌّ ومنشانا بكم ... وناشرُ فضلٍ ذلك النشر لا يُطوى
ومنها قوله:
يا حاكم (١) العصرِ يا مَنْ خُصَّ بالحِكَم ... والعلمِ والحِلْمِ والتَّقوى مَعَ الكرمِ
يا سالكًا سُبلَ الخيرِ التي وردت ... عَنْ سيِّد العَربِ العَرْباء والعَجمِ
شرحتَ صدر البخاري مُذْ شرحتَ له ... جمعًا هو النِّعمة العظمى لمغتَنِمِ
حَلَلْتَ فيه رموزًا وانفردت به ... عن الَّذين مضَوْا مِنْ سالفِ الأممِ
فجاء شرحًا عظيمًا رائقًا بَهِجًا ... ختامُه المسكُ منثورًا على الخَدَمِ
وفاح مِنْ فيح (٢) هذا الختم رائحةٌ ... طارت بها الرِّيحُ في البُلدان والأُطُمِ
ماذا أقول وما (٣) أثني عليه وقد ... كَلَّ اللِّسان عَنِ الإحصا مَعَ القلمِ
والعبدُ يسألُ بَسْطَ العذرِ مِنْكَ لِمَا ... أتى به مِنْ قليلِ المدح والخدمِ
لأنَّه لم يجدْ مدحًا يقومُ بما ... حويتُموه مِنْ الإفضال والشِّيَمِ (٤)
ونسأل اللَّه خيرًا دائمًا لكمُ ... قاضي القضاة بعون اللَّه لا تُضَمِ
стр. 549
ومنها قوله:
يا جابرًا بالمكرُمات كسيرا (١) ... وصَنيعُه جعل العسيرَ يسيرا
يا شيخَ الإِسلام الذي أضحى بما ... أُوتيه مِنْ فضلِ الآله جَديرَا
لي حقُّ سبْقِ قد مَنَنْتَ بنيلِه ... وفَكَكْتَ مِنْ قيدِ الهُموم أسيرا
والأمرُ أمرُك لم تَزَلْ متفضِّلًا ... تُولي الجميلَ وهاديًا ونصيرَا
إن قلَّ عندَك أنْ جعلتُ بديهةً ... مدحي صفاتِك في الأنامِ كثيرا
فاجعلْ لوجه اللَّه ما يغدُو به ... راجي عُلاك لأهله مسرورَا
واسْلَمْ وعِشْ، فلقد حباك اللَّه مِنْ ... إحسانه فضلًا عليك كبيرا (٢)
ومنها:
يا طالبًا فنَّ الحديثِ مَعَ الأثرْ ... صحِّح طريقَك بالرَّشاد لِتُعْزَ بَرْ
مشكاةُ نورٍ في الحديث مفنَّنٌ ... ليثٌ شجاعٌ للمحافل مُدَّخَرْ
أسماءُ فيه مِنَ الإله تحُفُّه ... عَلَمٌ عليه فسّرت اللَّه بَرْ
أي واسع الإعطاء ﷻ ... ربٌّ له الإفضال يجزي مَنْ شكرْ
أعطاك إنْعامًا ورزقًا واسعًا ... ومنازلَ الأخرى فجنَّات أُخَرْ
زان الإمارة والسِّيادةَ بالتُّقى ... لا رَيْن في القلبِ السَّليمِ ولا غِيَرْ
إن المواهبَ والمآثرَ دأبُه ... فلكَمْ أجادَ لطالبيه وكم أبَرْ
ولحافظِ العصر انتمى فسناؤه ... كسِنَادِهِ عالٍ تراه كالقمر
يروي لأحمدَ إنَّ ذاك لوارثٌ ... علمَ النُّبوَّة مَنْ لسنَّتِه نَصَرْ
وروى لأحمد ما لأحمد قد روى ... عَنْ ربِّه فيما نَهَانا أوْ أمَرْ
стр. 550
قطبُ الوجودِ وأوحدٌ في عصره ... بيتُ الحقيقة بالشَّريعة (١) قَدْ عمرْ
كم تاه (٢) في الحَجَرِ المكرَّمِ طالبٌ ... لكمُ البِشَارةُ إنَّه راوي الخبَرْ
ابن العليِّ أبو الفضائل ذُو الصّفا ... ركنُ الوفا يا فوزَ مَنْ لثمَ الحَجَرْ
فاللَّه يُمْتِعُ بالحياةِ لحَبْرِنا ... وأميرِنا وذويهما ولِمَنْ حضرْ
أبيات نظم بشرت بسعادة ... مِنْ فكر بَكْرِيِّ تَفُوق على الدُّررْ
ومنها عَقِبَ صرفِه عن وظيفة القضاء مرة:
طُوالَ الدَّهر أفلاك تسيرُ ... فلا حُزْنٌ يدُومُ ولا سرورُ
فلا تجزَعْ لحادثةٍ ألَمَّت ... فإنَّ اللَّه مطَّلعٌ نصيرُ
خفيٌّ لطفه فيما قضاه ... مثيب (٣) مَنْ على البلوى صَبُورُ
فمن يكفي أمورَ الناس يرقى (٤) ... مقامًا شاده الملكُ الخبيرُ
فلا هَمٌّ يكدِّرُ صفوَ عيش ... ولا جاء الأميرُ ولا الوزيرُ
لأن اللَّه أولاك المعالي ... وولَّاكَ العلُومَ هو البصيرُ (٥)
ففيما أنت فيه الآن عِزٌّ ... فعُزَّ العلمَ يأتيك السُّرورُ
فأنتَ القطبُ في الآفاق حقًّا ... شهابُ الأفْقِ والقَمَرُ المنيرُ
وحافظُ سُنَّةِ المختارِ فاصدع ... بما أولاك مولاك القديرُ
فإنَّكَ حامدٌ للَّه جهرًا ... وفي كُلِّ الأمورِ له شَكُورُ
ومنها في قصيدة (٦) طويلة:
стр. 551
وما النُّورُ إِلَّا أحمدٌ فإذا سرى ... إلى أحمدٍ مِنْ أحمدٍ كان أحمدَا
[ابن ناهض]
ومنهم: محمد بْن ناهض الحلبي.
فكتب لشيخنا يلتمسُ منه تقريظَ نظمه "سيرة المؤيد" ما نصُّه:
حويتَ علومًا ليس يُنكَرُ فضلُها ... وحلَّيتَ معناها بفصْلِ خطابِها
فزادت عُلوًّا (١) كالنُّجوم وأزهرت ... وطالبها وصلًا يخاف شهابَها
فقرِّظ بنشرِ الدُّرِّ في نظم سيرةٍ ... تواريخ أرباب الكلام (٢) تهابُها
[مسافر بن عبد اللَّه]
ومنهم: مسافر بن عبد اللَّه البغدادي الصوفي.
فقال: وقد (٣) فاتته النفقة الشامية بالبيبرسية مواليا (٤).
غوادي الغيث من كفيك مُنْغَدِقَهْ ... قطر الغمام كسيلِ البحرِ مندفقهْ
إن كان مالي حصلْ شامية النَّفقَةْ ... عسى مِنَ الفضل يحصَلْ شيء مِنَ الصَّدقَهْ
[نعمة اللَّه الجرهي]
ومنهم: الشيخ نعمة اللَّه الجَرَهي الشيرازي.
فقال (٥):
يا مَنْ على بالعُلا عَنْ وصفِ وصَّافِ ... وفاق جُلَّ الوَرى في كلِّ أوصافِ
стр. 552
وصحَّ عنه حديثُ الجُودِ ينقُله ... عنْ كفِّه البحر أو عنْ سحبِ أسلاف
تواتُرًا بلغَ الآفاقَ واشتهرا ... عَزَّ الغريبُ لدى إفضاله الوافي
خَفَضتَ منصُوبَ راياتِ العِداةِ كما ... رفَعْتَ حالةَ سُؤَّالٍ بإسعافِ
قصدتُ حضرتكَ العلياء مِنْ وطني ... هجرتُ صُحْبة إخواني وأُلَّافي
حرصًا على العلم والتَّحصيل مجتهدًا ... لعلَّني أغترِفُ مِنْ بحرك الصَّافي
وما أريدُ سرى وجهِ الكريم به ... عساه يَجْبُرُ تقصيري وإسرافي
هذا ومسألتي (١) مِنْ فيضِ فضلِكَ أن ... تخصَّني بين طُلَّاب وطُوَّافِ
يا ملجأ لذوي الآمال قاطبةً ... أنظر لمغتربٍ للعلم طوَّافِ
وارحمْهُ ثمَّ أعِنْه في تطلُّبه ... فأنت معدِنٌ أعطافٍ وألطافِ
عَطفًا لغُربتِه كشفًا لكُربته ... جبرًا لما يلتقي مِنْ دهرِه الجافي
اللَّه يبقيك نورًا يُستضاء به ... فيهتدي بك دهرًا كلُّ أصنافِ
[الفرَّاء]
ومنهم: يوسف بن أحمد بن يوسف الفراء العامي.
فقال مِنْ أول قطعةٍ كتبها لصاحب الترجمة:
قميصي ذهب واتفضَضَ ... بوشعري وهتك ستري
غسلته اتمزق فاض دمعي ... عاينو بعيني تجري
من قد عَممْ علِمُو حلمه ... أوهبني قميص عمرو عام
صار خليع جديد وانمزَق ... وأخلع البدن والأكمام
قلت أنا أشتكيه للفاضل ... زكي العلم شيخ الاسلامْ
يقبل دعوى (٢) في حقه ... ويجبر بعلمو كَسْرِي
стр. 553
ويرفي صحيح ما انمزق ... ويقبل بحلمه (١) عُذري
تفسير السنن والمختار ... حوى مِنْ بعض "فتح الباري"
بشرح "البخاري" علمك ... صار محيط كما الماء جاري
وأطراف المسانيد أعطيت ... العشرة صان العاري
خصالك تكفِّر ذنبي ... مقدّم مؤخَّر عمري
وأما الأربعين تشهد ... لك المتباينة والدُّرِّي
يا كنز العلوم بالشَّان ... شرحه عن لسان الميزان
ما اشتبه علينا النِّسبه ... مِنْ أصول بيان التبيان
بتهذيب صحيح التَّهذيب ... يا روضة المرء بالبدر
وكم قد قال في البخاري ... مسلم متظلَّل ببقايا مصري
وهي طويلة:
[الشريف]
ومنهم الشريف. . . . . . . (٢)
فأنشد يوم ختم "فتح الباري" ما نصه:
أصبحت يا تاج الرؤوس (٣) مُكَلَّلًا ... بالفضل والإحسان عم وجُودَا
قاضي القضاة وشيخ الاسلام الذي ... كم مِنْ عدو قد دجا مكمودَا
فامْنُن بفضلٍ للشَّريف فإنَّه ... ذُو فاقةٍ واجعل له موجودَا
стр. 554
واغفر لناشِرِها الشَّريف لأنه (١) ... لا شكَّ عبدٌ (٢) للإله مُريدا
كم مِنْ كتابٍ قد ختمْ وجوامع ... بوجودِ شيخ العصر هو معهودا
يا ربَّ أبقيه لجمع دائمًا ... ما طار طيرٌ في الغصون غريدا
[شخص من المنزلة]
ومنهم: شخص من المنزلة:
أنشدني لنفسه، وكتب بهما لصاحب الترجمة:
يقبِّل الأرضَ إجلالًا لقدْرِكُم ... عبدٌ لنحوكم قد جرَّه الشَّغَفُ
أسبابُ عدلك عنه الصَّرف قد مُنعت ... فهل لكم مِنْ إضافاتٍ فتنصرفُ
* * *
ومنهم: بعض مَنْ لا أستحضره الآن، وذلك حين تَلَبَّس العلامة القاياتي بقضاء الشافعية، فقال:
قد خَفَقَت بسعودك في العُلا راياتْ
وعسقلان التي بك حازَتِ الغَايَاتْ
يُنسب بها لك دروس العلم والغاياتْ
ثمَّ الشجاعة، ويعزى الجُبن للقَاياتْ
وممَّن علمته مدح شيخنا، ولكن ما وقفتُ الآن على شيء مِنْ نظمهم: الشيخ العالم جمال الدين عبد اللَّه الزيتوني، والبدر ابن الشَّريدار الواعظ، وأنشدناها مِنْ لفظه بحضور الممدوح. وأبو المواهب المغربي
стр. 555
المشهور بابن زغدان [وسمعت كثيرًا منها مِنْ لفظه] (١). ومن لا يمكن حصرهم.
[وإنَّما لم أرتِّب هذا الفصل على الوفيات كالذي قبله، تنويعًا للطَّريقتين، وإرشادًا للصفتين، بل كان يمكنُ ترتيبُ هذا الفصل أيضًا على الحروفٍ في القوافي، وهو والذي قبله على الأفضل فالأفضل مع محذور فيه غيرِ خافٍ، واللَّه الموفق] (٢).
* * *
آخر الجزء الأول ويتلوه الجزء الثاني وأوله: الباب الرابع في عقده مجلس الإملاء ووظائفه السنية. . .
стр. 556
الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر
تأليف
شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن محمد السخاوي المتوفى سنة ٩٠٢ هـ
تحقيق
إبراهيم باجس عبد المجيد
[الجزء الثاني]
стр. 557
الباب الرابع
стр. 558
الباب الرابع
في عقده مجلس الإملاء ، ووظائفه السَّنِيَّة مِنْ تدريس، وإفتاءٍ، ومشيخةٍ، ونظرٍ، وخُطبة، وخزن كتب، وقضاه، وغير ذلك، وكذا ما عُرض عليه من المناهصب والوظائف التي (١) أعرض عنها، ونبذة من وقائعه في الولاية، والإشارة لمحنته، وغير ذلك.
[الإملاء]
أما الإملاء، فأوَّل ما شَرَعَ فيه في سنة ثمانٍ وثمانمائةٌ إملاء كتاب "الإمتاع بالأربعين المتباينة بشرط السَّماع من حديثه عن (٢) شيوخه" في ستة عشر مجلسًا بالشَّيخونية، وبعضها بمنزله بمصر على شاطىء النيل، وذلك باستملاء المحدِّث الأوحد شهاب الدين أحمد بن أبي بكر البوصيري الشافعي.
ثم أملى بعدها "عشاريات الصحابة المسماة بالإصابة". ابتدأها -كما قرأته بخطه- في شُهور سنة تسع وثمانمائة بالشَّيخونية أيضًا، فأملى منها مجالس استملاها عليه شيخُنا العلامة العز عبد السلام البغدادي الحنفي، وكذا أملى منها بالمدرسة الجمالية المستجدَّة برحبة العيد أوَّل ما فُتحت باستملاء العلامة كمال الدين محمد الشَّمُنِّي المالكي. وكان ابتداء
стр. 559
إملائه (١) بالجمالية في ثاني عشر رجب سنة إحدى عشرة وثمانمائة، وبالمدرسة المنكوتمرية المجاورة لمنزل سكنِه، وكان ابتداءُ إملائه بها في يوم الجمعة بعد صلاتها مُستهلَّ جمادى الآخرَة سنة اثنتي عشرة وثمانمائة باستملاء البوصيري أيضًا، وبعض ذلك بالخانقاه البيبرسية باستملاء الفخر ابن دِرْباس، حتَّى استكمل بالأمكنة المذكورة من "العشاريات" المشارِ إليها -فيما ظنَّه شيخُنا- زيادة على مائة مجلس. قال: لأنِّي وجدت عندي من المجالس سبعة وسبعين مجلسًا، وضع باقي ذلك، فما أمكن تجديده.
فلما استقرَّ في القضاء بالدِّيار المصرية، عقد المجلس الحافل للإملاء بالخانقاه البيبرسية في يوم الثلاثاء ثامن صفر سنة سبع وعشرين وثمانمائة، فأملى بها المجالس المطلقة التي لم يتقيِّد فيها بكتاب، بل في الغالب يحرِصُ على المناسبات في الأزمان والوقائع، حتى أكمل مائة وخمسين مجلسًا في مجلد، كان فراغُها في يوم الثلاثاء خامس عشري شوال سنة ثلاثين وثمانمائة، باستملاء شيخنا المحدت الحانظ الزين أبي النَّعيم رضوان العقبي، وربَّما استملى في غيبته شيخنا العلامة المفنَّن المحقق أبو إسحاق إبراهيم بن خضر العثماني.
ثمَّ شرع في إملاء تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في "مختصر ابن الحاجب الأصلي"، حتى أكمله في يوم الثلاثاء سابع عشر رجب سنة ست وثلاثين وثمانمائة، وجاءت عدَّةُ مجالسه مائتين وثلاثين (٢) مجلسًا في مجلد.
ثم سافر عقبه صحبة الأشرف إلى آمد كما تقدم، فأملى بدمشق عند المرور بها مجلسًا حافلًا بجامع بني أمية في يوم الثلاثاء سادس عشر شعبان من السَّنة، باستملاء برهان الدين العجلوني كما تقدم.
وأملى بحلب أيضًا سبعة (٣) مجالس باستملاء العلَّامة القاضي نور الدين
стр. 560
علي بن سالم المارديني، ابتدأ فيها يوم الثلاثاء خامس عشر رمضان مِنَ السَّنة، وختمها في يوم الثلاثاء ثاني عشر ذي القعدة منها، وأنشد فيها من نظم القاضي بدر الدين ابن جماعة:
ارْضَ مِنَ اللَّه ما يُقَدِّره ... أراد منكَ المُقَامَ أو رَحلكْ
وحيث ما كنت ذا رفاهيةٍ ... فاسكُن، فخيرُ البلاد ما حملكْ
ومن قوله مذيِّلًا على هذين البيتين:
وحسِّن الخُلق واستقِمْ، ومتى ... أسات أحْسِنْ ولا تُطِلْ أمَلَكْ
من يتَّق اللَّه يؤته فَرَجًا ... ومَنْ عصاه ولا يتوبُ هَلَكْ
ثم رجع إلى وطنه وقد انقطع الإملاء بالقاهرة نصف سنةٍ، فشرع في إملاء تخريج أحاديث "الأذكار" لولي اللَّه تعالى أبي زكريا النَّووى بالبيبرسية على عادته قبل سفره. وكان الابتداءُ في يوم الثلاثاء سابع صفر سنة سبع وثلاثين وثمانمائة، واستمر فيه حتَّى بلغت مجالسه -إلى يوم الثلاثاء خامس عشري ذي القعدة سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة ستمائة وستين مجلسًا، وكان قد ابتدأ به الوَعْكُ قبلُ بيسير، فانقطع لأجله، واستمر حتَّى مات.
وكان المستملي لها الشيخ رضوان المذكور، ربما يغيبُ (١) أحيانًا، فيستملي عِوَضَه العلَّامة ابن خضر، إِلَّا أنَّ [المجلس الذي كان إملاؤه في خامس شعبان سنة خمس وأربعين قرأت بخط الشهاب ابن تمريّة أنَّه كان باستملاء إبراهيم البقاعي، واللَّه أعلم، والأصحُّ] (٢) المجالس الأخيرة -وهي اثنا عشر مجلسًا- كانت باستملاء الإمام المحدِّث شمس الدين ابن قمر، لكون كلِّ واحدٍ مِنَ المذكورين أولًا كان قد توفّي، وسعى غيره في ذلك، فما أُجيب.
стр. 561
وكذا كان جميعُها بالبيبرسية، إِلَّا بعضها -وهو مائة وأربعة عشر مجلسًا- ابتداؤها يوم الثلاثاء رابع جمادى الآخرة سنة تسع وأربعين وثمانمائة، وانتاؤها يوم الثلاثاء ثاني ربغ الثاني سنة اثنتين وخمسين، فبدارِ الحديث الكاملية.
فجملة ما أملى ﵀ ألف مجلس ومائة وخمسون مجلسًا، تزيد قليلًا أو تنقص قليلًا على ما تقدم، وقد بلغت عدَّة مجلدات "الأمالي" كلِّها في بعض النُّسخ عشر مجلدات يُمليها ﵁ مِنْ حفظه مهذَّبة محرَّرة مُتقنة كثيرة الفوائد الحديثية، ويتحرَّى فيها العُلُوَّ، مستفتحًا مجلسه بقراءة سورة الأعلى، والصلاة على رسول اللَّه ﷺ ، والدُّعاء له وللحاضرين والأئمة الماضين.
قلت: وقد سُئل عن الحكمة (١) في خصوص سورة الأعلى دُون غيرها، فقال: قد تبعتُ في ذلك شيخنا العراقي، وفيها من المناسبة قوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾، وقوله: ﴿فَذَكِّرْ﴾، وقوله: ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾.
وكان في الأمالي (٢) يُنشد كثيرًا مِنْ نظمه. فممَّا أنشده قوله:
ياربِّ ذكْرني فقد قدَّرتني ... من يوم مبدأ إنشائي نسَّاءَ
وإذا خطوت إلى الخَطا فاغفرهُ لي ... كرمًا فأنت خلقتني خطَّاءَ
ومِنْ ذلك قوله:
إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّات في ... كلِّ أمر أمكَنَتْ فرصته
فانوِ خيرًا أو اعملِ الخيرَ ... فإن لم تُطِفهُ أجزأت نيَّتُه
وأنشد في أواخر شعبان سنة تسع وأربعين وثمانمائة عند قطعه الإملاء لأجل دُخول رمضانَ على عادته:
يقول راجي إله الخلق أحمد ... من أملى حديث نبيِّ الحقِّ متَّصلا
стр. 562
تدنُو مِنَ الألف إن عُدَّت مجالسه ... فالسُّدْسُ منها بلا قيدٍ لها حَصَلا
يتلوه تخريجُ أصل الفقه يتبعُها ... تخريجُ أذكارِ ربِّ قد دنا وعلا
دنا برحمته للخلق يرزُقُهم ... كما علا عن سماتِ الحادثات عُلا (١)
في مدة نحو"كجٍّ" رحتُ أحسُبها ... ولي من العُمر في ذا اليوم قد كَملا
ستًا وسبعين عامًا قد مضت هملًا ... مِنْ سُرعة السِّير كالساعات يا خجلا
إذا رأيتُ الخَطايا أوبَقَتْ عملي ... في موقِفِ الحشر لولا أنَّ لي أملا
توحيدُ ربي يقينًا والرَّجاءُ له ... وخدمتي ولإكثاري الصَّلاة على
محمَّد في صباحي والمساءِ وفي ... خطِّي ونُطقي عساها تمحَقُ الزَّللا
فأقرَبُ النَّاس منه في قيامته ... مَنْ بالصَّلاةِ عليه كان مُشتغلا
يا ربِّ حقِّق رجائي والأولى سمعُوا ... منِّي جميعًا بعفوٍ منك قد شملا
وقد رؤي النبي ﷺ في مجلس الإملاء مرارًا كما ذكره لي بعض مَنْ يُوثق بدينه وفضله (٢)، ويكون المجلس غاصًّا بالأئمة والعلماء والفُضلاء مِنَ الطلبة، وهم في الغالب زيادة على مائة وخمسين نفسًا.
وممَّن كتب عنه الإملاء -كما رأيته- الكمال المجذوب [أحد المعتقدين] (٣)، وافتتح كتابة المجلس بقوله -كما قرأته بخطه-: قال الشيخ الإمام العالم العلامة، شيخ الحديث، سيدنا وقدوتُنا المحدِّث عن
стр. 563
رسول اللَّه ﷺ ، الشيخ شهاب الدين ابن حجر، نفعنا اللَّه ببركته وبركة علومه في الدُّنيا والآخرة. انتهى.
وكان في آخر عمره -حين كثر في مجلسه حضور مَنْ لا يُحسِن ولا يَضْبطُ- شديد الحرص على أن يجعل في كلِّ جهة بعض نُبَهاء جماعته ليختبر كتابتهم (١)، ويلاحظهم فيما يقع لهم مِنْ تحريف ونحوه، فما تيسَّر له ذلك، ويقع فيه مِنَ الأبحاث والفوائد المهمَّة، والنكت النَّفيسة ما يفوقُ الوصفَ، وعليه مِنَ الوقار والهيبة والخَفَر والجلالة ما لا أراه في غيره من مجالس العُلماء.
والذي أعتقده: أن به كان يدفعُ اللَّه عَنْ هذه الأمة كثيرًا مِنَ البلاء والآفات، فيا سعدَ مَنْ كان مِنْ ملازميه، ويا ندامة مَنْ هو قاليه. ولعمري، إنَّ انقطاعه كان افتتاحًا للأنكاد، ومنعًا من المسرَّات لخيار العباد، ومقدمة الوباء، وارتفاع أسعارِ الأقوات، وتذكُّرًا لقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ١٥٥]، لأن (٢) فُشُوَّ الموت بالطاعون قد أعقبه، وكذا غلوُّ الأسعر الذي كان توقَّفُ النيل في سنة أربع وخمسين وثمانمائة قد أوجبه، حتَّى صار الغنيُّ فقيرًا، والفقير لِمَا حَلَّ به كسيرًا، وخرج النَّاس إلى الصَّحراء أفواجًا، وأكثروا (٣) التجاءً لخالقهم وارتجاجًا، إلى أن عمَّ فضلُ اللَّه الخلائقَ عندما التجؤوا إليه، وقطعوا دونه العلائق، فاللَّه يحسن عزاء المسلمين في هذه النَّازلة، ويَمُنُّ على صاحب الترجمة بالرَّحمة المتواصلة، بمنه وكرمه.
قلت: ولمَّا انقطع الإملاء بالدِّيار المصرية، يسَّر اللَّه -وللَّه الحمد- بإملاء تسعة وخمسين مجلسًا، تقيَّدت (٤) فيها بالأزمنة والوقائع، ووقع السَّفر إلى مكة المشرفة، فأمليتُ بها في الكلام على "حديث تنزُّل الرّحمات على
стр. 564
مكة"، إجابة لملتمس ذلك أربعة مجالس، ووصلتُ إلى القاهرة، فحصل الشروع في إكمال تخريج "الأذكار" [وزادت عدَّة مجالس ما أمليتُه منه إلى حين كتابتي هذه الأحرف في أثناء سنة سبع وسبعين على المائتين، ثم انتهت إلى أزيدَ مِنْ ثلاثمائة في أواخر سنة تسع وسبعين] (١) يسَّر اللَّه إكمالها.
[وكان المشير عليَّ بذلك شيخُنا العلَّامة المفنَّن التَّقيُّ الشُّمُنِّي، واعتذرت له بفقد المُقبلين على هذا الشأن، فلم يعذُرني، بل صرَّح بقوله: كنّا نحصر عند صاحب الترجمة مع الوالد في عددٍ يسير جدًا، دون عشرة أنفُس، وربما لم نَزِدْ على ثلاثة، ثم فتح اللَّه بما فتح كما تقدَّم] (٢).
ومن رام التفضيل بين مجالسه ومجالس شيخه (٣)، فلينظرهما، فالذي عندي -مع اعتقادي جلالة شيخه علمًا وعملًا وإتقانًا- أنها أمتن وأتقن، وكان يتَّفق له فيها نظيرُ ما حكاه الشيخ ولي الدين عن والده: أنه ربما لا يشتغل بتخريجها إِلَّا ليلة الثّلاثاء، ولا تكمُل إِلَّا صبيحة يوم الثلاثاء، فيكون زمن اشتغاله بحفظها (٤) لحظة لطيفة مِنْ أول النَّهار قبل الإملاء، وما هذا إِلَّا إعانةٌ مِنَ اللَّه ، وتأييدٌ لهما.
قلت: ولم يكن حفظُه كما أسلفتُه مِنَ ابتداءِ أمره إلى انتهائه في الأمالي والخطب وغيرهما كالأشعار، إِلا تأمُّلًا، فرحمه اللَّه وإيانا.
ولقد سألته قُبيل وفاته بيسير: أبَلَغَت عدَّةُ مجالس الإملاء للمتقدمين هذا العدد؟ فقال: وأكثر مِنْ ذلك، لكن لم أتحقَّق هل كان ذلك حفظًا أو من كتاب.
وقد قال الشيخ ولي البهمِن في ترجمة والده: وما تيسَّر لأحدٍ هذا العدد من الإملاء -وهو أربعمائة مجلس وستة عشر مجلسًا- بعد الحافظ
стр. 565
ابن عساكر سوى والدي. و"أماليه" أكثر فائدة من "أمالي ابن عساكر"، لكون أكثرها مستخرجات على ما هو محتاج إلى الاستخراج عليه.
قال: ولقد عجبت من الحافظ السِّلفي في قلَّة أماليه، وكذلك مَنْ بعده إلى زمن الوالد، وهذا أمرٌ ذُخرٌ له.
قلت: وكل هذا نافع في ترجمة صاحب الترجمة، لا سيما وقد زادت مجالسه على الألف، مع كونها (١) أتقن وأمتن، ذلك فضل اللَّه يُؤتيه مَنْ يشاء.
واتَّفقت نكتةٌ لطيفة، لكنني ما حضرتُها، وهي أن القاضي علم الدين صالح البلقيني سعى مجتهدًا في عزل صاحب الترجمة واستقراره، فما أُجيب، بل ألبسوا صاحبَ الترجمة خُلعة الاستمرار، فوقع أنه وقع في إملائه تلك الجمعة حديثٌ مِنْ طريق صالح مولى التوأمة، فقال بصوتٍ مرتفع: وصالح ضعيف!.
[وظائفه]
وأما الوظائف، ولم يتفق له ﵀ أنه تنزَّل طالبًا ولا صوفيًّا في مدرسة ولا غيرها، حتَّى الخشابية، فإنَّه -وإن نزل فيها بعد موت والده- فلم يقبض مِنْ معلومها شيئًا، كما قرأته بخطِّ بعض أصحابه.
وبلغني مما يؤيد ذلك أنَّ القاضي علم الدين قال للمباشر: ارفع من الاستيْمار اسم رجلين: أحدهما لا يحضر ولا يُطالب، والآخر لا يحضر ويطالب. وحكى ذلك لصاحب الترجمة، فقال: أما الأول فهو أنا، فمن الثاني؟ فقيل: السفطي.
[وظيفة التفسير:]
لكنه ولي عدَّة تداريس في علوم، أولاها بالتَّقديم: التفسير. كان قد