وكذا كان جميعُها بالبيبرسية، إِلَّا بعضها -وهو مائة وأربعة عشر مجلسًا- ابتداؤها يوم الثلاثاء رابع جمادى الآخرة سنة تسع وأربعين وثمانمائة، وانتاؤها يوم الثلاثاء ثاني ربغ الثاني سنة اثنتين وخمسين، فبدارِ الحديث الكاملية.
فجملة ما أملى ﵀ ألف مجلس ومائة وخمسون مجلسًا، تزيد قليلًا أو تنقص قليلًا على ما تقدم، وقد بلغت عدَّة مجلدات "الأمالي" كلِّها في بعض النُّسخ عشر مجلدات يُمليها ﵁ مِنْ حفظه مهذَّبة محرَّرة مُتقنة كثيرة الفوائد الحديثية، ويتحرَّى فيها العُلُوَّ، مستفتحًا مجلسه بقراءة سورة الأعلى، والصلاة على رسول اللَّه ﷺ ، والدُّعاء له وللحاضرين والأئمة الماضين.
قلت: وقد سُئل عن الحكمة (١) في خصوص سورة الأعلى دُون غيرها، فقال: قد تبعتُ في ذلك شيخنا العراقي، وفيها من المناسبة قوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾، وقوله: ﴿فَذَكِّرْ﴾، وقوله: ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾.
وكان في الأمالي (٢) يُنشد كثيرًا مِنْ نظمه. فممَّا أنشده قوله:
ياربِّ ذكْرني فقد قدَّرتني ... من يوم مبدأ إنشائي نسَّاءَ
وإذا خطوت إلى الخَطا فاغفرهُ لي ... كرمًا فأنت خلقتني خطَّاءَ
ومِنْ ذلك قوله:
إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّات في ... كلِّ أمر أمكَنَتْ فرصته
فانوِ خيرًا أو اعملِ الخيرَ ... فإن لم تُطِفهُ أجزأت نيَّتُه
وأنشد في أواخر شعبان سنة تسع وأربعين وثمانمائة عند قطعه الإملاء لأجل دُخول رمضانَ على عادته:
يقول راجي إله الخلق أحمد ... من أملى حديث نبيِّ الحقِّ متَّصلا
стр. 562
تدنُو مِنَ الألف إن عُدَّت مجالسه ... فالسُّدْسُ منها بلا قيدٍ لها حَصَلا
يتلوه تخريجُ أصل الفقه يتبعُها ... تخريجُ أذكارِ ربِّ قد دنا وعلا
دنا برحمته للخلق يرزُقُهم ... كما علا عن سماتِ الحادثات عُلا (١)
في مدة نحو"كجٍّ" رحتُ أحسُبها ... ولي من العُمر في ذا اليوم قد كَملا
ستًا وسبعين عامًا قد مضت هملًا ... مِنْ سُرعة السِّير كالساعات يا خجلا
إذا رأيتُ الخَطايا أوبَقَتْ عملي ... في موقِفِ الحشر لولا أنَّ لي أملا
توحيدُ ربي يقينًا والرَّجاءُ له ... وخدمتي ولإكثاري الصَّلاة على
محمَّد في صباحي والمساءِ وفي ... خطِّي ونُطقي عساها تمحَقُ الزَّللا
فأقرَبُ النَّاس منه في قيامته ... مَنْ بالصَّلاةِ عليه كان مُشتغلا
يا ربِّ حقِّق رجائي والأولى سمعُوا ... منِّي جميعًا بعفوٍ منك قد شملا
وقد رؤي النبي ﷺ في مجلس الإملاء مرارًا كما ذكره لي بعض مَنْ يُوثق بدينه وفضله (٢)، ويكون المجلس غاصًّا بالأئمة والعلماء والفُضلاء مِنَ الطلبة، وهم في الغالب زيادة على مائة وخمسين نفسًا.
وممَّن كتب عنه الإملاء -كما رأيته- الكمال المجذوب [أحد المعتقدين] (٣)، وافتتح كتابة المجلس بقوله -كما قرأته بخطه-: قال الشيخ الإمام العالم العلامة، شيخ الحديث، سيدنا وقدوتُنا المحدِّث عن
стр. 563
رسول اللَّه ﷺ ، الشيخ شهاب الدين ابن حجر، نفعنا اللَّه ببركته وبركة علومه في الدُّنيا والآخرة. انتهى.
وكان في آخر عمره -حين كثر في مجلسه حضور مَنْ لا يُحسِن ولا يَضْبطُ- شديد الحرص على أن يجعل في كلِّ جهة بعض نُبَهاء جماعته ليختبر كتابتهم (١)، ويلاحظهم فيما يقع لهم مِنْ تحريف ونحوه، فما تيسَّر له ذلك، ويقع فيه مِنَ الأبحاث والفوائد المهمَّة، والنكت النَّفيسة ما يفوقُ الوصفَ، وعليه مِنَ الوقار والهيبة والخَفَر والجلالة ما لا أراه في غيره من مجالس العُلماء.
والذي أعتقده: أن به كان يدفعُ اللَّه عَنْ هذه الأمة كثيرًا مِنَ البلاء والآفات، فيا سعدَ مَنْ كان مِنْ ملازميه، ويا ندامة مَنْ هو قاليه. ولعمري، إنَّ انقطاعه كان افتتاحًا للأنكاد، ومنعًا من المسرَّات لخيار العباد، ومقدمة الوباء، وارتفاع أسعارِ الأقوات، وتذكُّرًا لقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ١٥٥]، لأن (٢) فُشُوَّ الموت بالطاعون قد أعقبه، وكذا غلوُّ الأسعر الذي كان توقَّفُ النيل في سنة أربع وخمسين وثمانمائة قد أوجبه، حتَّى صار الغنيُّ فقيرًا، والفقير لِمَا حَلَّ به كسيرًا، وخرج النَّاس إلى الصَّحراء أفواجًا، وأكثروا (٣) التجاءً لخالقهم وارتجاجًا، إلى أن عمَّ فضلُ اللَّه الخلائقَ عندما التجؤوا إليه، وقطعوا دونه العلائق، فاللَّه يحسن عزاء المسلمين في هذه النَّازلة، ويَمُنُّ على صاحب الترجمة بالرَّحمة المتواصلة، بمنه وكرمه.
قلت: ولمَّا انقطع الإملاء بالدِّيار المصرية، يسَّر اللَّه -وللَّه الحمد- بإملاء تسعة وخمسين مجلسًا، تقيَّدت (٤) فيها بالأزمنة والوقائع، ووقع السَّفر إلى مكة المشرفة، فأمليتُ بها في الكلام على "حديث تنزُّل الرّحمات على
стр. 564
مكة"، إجابة لملتمس ذلك أربعة مجالس، ووصلتُ إلى القاهرة، فحصل الشروع في إكمال تخريج "الأذكار" [وزادت عدَّة مجالس ما أمليتُه منه إلى حين كتابتي هذه الأحرف في أثناء سنة سبع وسبعين على المائتين، ثم انتهت إلى أزيدَ مِنْ ثلاثمائة في أواخر سنة تسع وسبعين] (١) يسَّر اللَّه إكمالها.
[وكان المشير عليَّ بذلك شيخُنا العلَّامة المفنَّن التَّقيُّ الشُّمُنِّي، واعتذرت له بفقد المُقبلين على هذا الشأن، فلم يعذُرني، بل صرَّح بقوله: كنّا نحصر عند صاحب الترجمة مع الوالد في عددٍ يسير جدًا، دون عشرة أنفُس، وربما لم نَزِدْ على ثلاثة، ثم فتح اللَّه بما فتح كما تقدَّم] (٢).
ومن رام التفضيل بين مجالسه ومجالس شيخه (٣)، فلينظرهما، فالذي عندي -مع اعتقادي جلالة شيخه علمًا وعملًا وإتقانًا- أنها أمتن وأتقن، وكان يتَّفق له فيها نظيرُ ما حكاه الشيخ ولي الدين عن والده: أنه ربما لا يشتغل بتخريجها إِلَّا ليلة الثّلاثاء، ولا تكمُل إِلَّا صبيحة يوم الثلاثاء، فيكون زمن اشتغاله بحفظها (٤) لحظة لطيفة مِنْ أول النَّهار قبل الإملاء، وما هذا إِلَّا إعانةٌ مِنَ اللَّه ، وتأييدٌ لهما.
قلت: ولم يكن حفظُه كما أسلفتُه مِنَ ابتداءِ أمره إلى انتهائه في الأمالي والخطب وغيرهما كالأشعار، إِلا تأمُّلًا، فرحمه اللَّه وإيانا.
ولقد سألته قُبيل وفاته بيسير: أبَلَغَت عدَّةُ مجالس الإملاء للمتقدمين هذا العدد؟ فقال: وأكثر مِنْ ذلك، لكن لم أتحقَّق هل كان ذلك حفظًا أو من كتاب.
وقد قال الشيخ ولي البهمِن في ترجمة والده: وما تيسَّر لأحدٍ هذا العدد من الإملاء -وهو أربعمائة مجلس وستة عشر مجلسًا- بعد الحافظ
стр. 565
ابن عساكر سوى والدي. و"أماليه" أكثر فائدة من "أمالي ابن عساكر"، لكون أكثرها مستخرجات على ما هو محتاج إلى الاستخراج عليه.
قال: ولقد عجبت من الحافظ السِّلفي في قلَّة أماليه، وكذلك مَنْ بعده إلى زمن الوالد، وهذا أمرٌ ذُخرٌ له.
قلت: وكل هذا نافع في ترجمة صاحب الترجمة، لا سيما وقد زادت مجالسه على الألف، مع كونها (١) أتقن وأمتن، ذلك فضل اللَّه يُؤتيه مَنْ يشاء.
واتَّفقت نكتةٌ لطيفة، لكنني ما حضرتُها، وهي أن القاضي علم الدين صالح البلقيني سعى مجتهدًا في عزل صاحب الترجمة واستقراره، فما أُجيب، بل ألبسوا صاحبَ الترجمة خُلعة الاستمرار، فوقع أنه وقع في إملائه تلك الجمعة حديثٌ مِنْ طريق صالح مولى التوأمة، فقال بصوتٍ مرتفع: وصالح ضعيف!.
[وظائفه]
وأما الوظائف، ولم يتفق له ﵀ أنه تنزَّل طالبًا ولا صوفيًّا في مدرسة ولا غيرها، حتَّى الخشابية، فإنَّه -وإن نزل فيها بعد موت والده- فلم يقبض مِنْ معلومها شيئًا، كما قرأته بخطِّ بعض أصحابه.
وبلغني مما يؤيد ذلك أنَّ القاضي علم الدين قال للمباشر: ارفع من الاستيْمار اسم رجلين: أحدهما لا يحضر ولا يُطالب، والآخر لا يحضر ويطالب. وحكى ذلك لصاحب الترجمة، فقال: أما الأول فهو أنا، فمن الثاني؟ فقيل: السفطي.
[وظيفة التفسير:]
لكنه ولي عدَّة تداريس في علوم، أولاها بالتَّقديم: التفسير. كان قد
стр. 566
استقرَّ في تدريس التفسير بالمدرسة الحسنيَّة بالرملة في مستهل سنة تسعٍ وعشرين وثمانمائة، مِنْ أجل أنَّه اطَّلع على كتاب وقْفِها، فوجد فيه مدرسًا للتفسير وآخر للحديث، ولم يجد بهما أحدًا، بل كانا شاغِرَيْن مِنْ عهد الواقف. فعندما عَلِمَ ذلك، التمس من النَّاظرين عليهما تَقريرَه في التَّفسير، وتقرير ولده في الحديث، وأن يأذنا لولده في الاستنابة، ففَوَّضا إليهما ذلك، وأظهرا الندم على شغور الدَّرسين مِنْ حين الواقف وإلى زمنهما.
وباشر شيخنا كلا الوظيفتين: الأولى بطريق الأصالة، والأخرى نيابة عن ولده، إلى أن رغب عَنِ التَّفسير لأحد جماعته العلامة زين الدين السَّندبيسى، ثُمَّ رغب عنه في حياة شيخنا للشهاب ابن صالح ومات، فأخذه عِوَضَهُ الشَّيخ عضد الدين الصِّيرامي الحنفي، ثم رغب عنه لبعض فُضلاء المالكية.
وولي أيضًا تدريس التفسير بالقبَّة المنصورية. رغب له عنه الشيخ شمس الدين البرماوي بمالٍ عوضه له النجم ابن حجِّي تبرُّعًا عَنْ صاحب الترجمة، وهو مائة دينار، وذلك في سفر البرماوي لدمشق صُحبة النَّجم المذكور في. . . . (١)، واستمرَّ بيد شيخنا حتَّى مات، وصار بعد إلى أبي الفضل البجائي المغربي، ثمَّ رغب عنه حين أراد مفارقة مصر -وللَّه الحمد- للعلَّامة المحقق سيف الدين الحنفي نفع اللَّه به. [وبعده استقرَّ فيه النجم ابن حجِّي حفيد المشار إليه أولًا، فما هاب صنيع جدَّه رحمهما اللَّه] (٢).
والعلم -لا سيما تفسير كتاب اللَّه، والخوض في مناسبات آية- دينٌ، فانظر عَن مَنْ تأخذ دينك، وأسالُ اللَّه التوفيق والسَّلامة.
[وظيفة الوعظ:]
ويلتحق بالتفسير: وظيفة الوعظ بجامع الظَّاهر بالحسينية، تلقَّاها عن
стр. 567
الشيخ نور الدين الرَّشيدي بحكم وفاته، وهو تلقَّاها عَنِ الكمال الدَّميري.
وهذه الوظيفة كان شيخُنا العلامة النَّحوي شهابُ الدين الحناوي يحكي أنَّها كنت باسم الشيخ بدر الدين الطِّنْبِدائي، وكان يُباشرُها بنفسه، حتَّى صار عوامُّ تلك الناحية من تُرك وغيرهم يعرفون كثيرًا مِنَ العربية ونحوها. انتهى.
[ولعلَّه كان يُباشرها نيابةً عَنْ غيره، فإنَّها كانت مع الشيخ تقي الدِّين السُّبكي، نم ابنه أبي حامد أحمد، ثم أخذها بعد موته الكمالُ الدَّميري] (١).
وأمَّا شيخُنا صاحب الترجمة، فإنَّه استخلف فيها الشيخ شهاب الدين الطنتدائي، وكان القارىء للميعاد بين يديه أبو العبلس بن الضِّياء الحنبلي، فلمَّا مات الشِّهاب الطنتدائي، صار أبو العباس المذكور يسُدُّ الوظيفة -فيما بلغني- بالقراعة، ثمَّ بأخَرَةَ برهان الدين البقاعي، ومات شيخنا بعد ذلك، فاستقرَّ في الوظيفة القاضي وليُّ الدِّين الأسيوطي، واستناب فيها الشيخ زكريا، فباشرها مدَّةً، ثم اغتصبها البقاعيُّ مِنْ صاحبها، وزعم أنَّها وظيفتُه، واستعان في نلث بمخدومه بردبك أيَّام أستاذه الأشرف إينال، فسكت الوليُّ، واستمرَّ البقاعي يُباشرُ ذلك حتَّى الآن، وأخذ حينئذٍ في عمل المناسبات، [التي شرحت شأنها في غير هذا المحلِّ] (٢)، وللَّه عاقبة الأمور.
[ثمَّ رام بعد مدَّة في سنة سبع وسبعين الاستيلاء على حانوت مضاف لجهة (٣) العاشورية، يشهد بذلك أشياء، مِنْ جملتها: وضع اليد وأجايز قديمة مِنْ زمن الشَّمس بن الديري، وهلمَّ جرَّا. وزعم أنَّها مِنَ الموقوف على هذا الميعاد، ولم يُبْدِ مستندًا معتمدًا في دفع ما يشهد للعاشورية، وصمَّم في ذلك على جاري عوائده، فكفَّه قاضي الحنفيّة الآن [شمس الدين الأمشاطي] (٤)، وامتنع مِنَ الإذعان لذلك، والانجرار معه فيه، جوزي خيرًا،
стр. 568
وآل أمره إلى أن توسَّل (١) عند قاضي الشافعية حتَّى زاد له المعلوم، وصار في كلّ شهر ستمائة، مع كونه لا نظرَ له في هذا الميعاد بخصوصه، وكون الحساب القديم -بل وغيره- إنما يشهد بمائة خاصَّة. ونازعه شاهدُ الوقف -وهو كمال الدين بن الضَّياء- ولم يُذْعِنْ له في ذلك، مع توسُّل البقاعي عنده بالقاضي الحنبلي، ولم يُفِدْ، فنزل عن الوظيفة المذكورة لنجم الدِّين بن عرب، وعيَّن أن معلومها ستمائة، فلا قوَّة إِلَّا باللَّه. هذا كلُّه وهو يزعم أنَّه لم يُزاحم أحدًا في وظيفة. نسأل اللَّه تعالى أن يُعيذنا مِنْ شرور أنفسنا] (٢).
[وظيفة الحديث:]
ويليها الحديث، وكان قد وليَ تدريس الحديث بالشيخونية في شوال سنة ثمان وثمانمائة عِوَضًا عن شمس الدين محمّد بن علي بن معبد المدني المالكي بحكم نزوله له عنها، وأملى بها نحوًا مِنْ مائة مجلس كما تقدَّم، وهي أول مكان وَلِيَ فيه تدريس الحديث.
ثم ولي تدريس الحديث بقبة الخانقاه البيبرسية بعد نور الدين علي بن عبد الرّحمن بن محمد بن أحمد الربعي الرشيدي -[المشار إليه قريبًا] (٣) بحكم وفاته في سنة ثلاث عشرة وثمانمائة بعد ولايته مشيخة الصوفية ونظرها بيسير، وكان الرشيدي أيضًا تلقَّاه عن الشيخ كمال الدين الدَّميري، فأقام فيه خمس سنين وثلاثة أشهر ومات، فتلقَّاه شيخُنا، وناب عنه فيه البرهان بن خضر، ثم بعد موته الشمس بن حسَّان، وصار له بحكم وفاته، فلمَّا مات ابن حسَّان، استقرَّ فيه الشيخ قاسم الحنفي، ثم ركب عنه بمائة دينار لسِبْطِ صاحب الترجمة.
ثم ولي تدريس الحديث بالمدرسة الجمالية المستجدَّة أوَّل ما فُتحت،
стр. 569
ولَّاه ذلك واقفها في رجب سنة إحدى عشرة وثمانمائة، وعمل فيها مجلسًا بحضرة الواقف والأكابر، تكلَّم فيه على حديث "مَنْ بنى للَّه مسجدًا"، وقال: عندي من طرقه (١)، وعيَّن عددًا، فقال له القِمَني -وكان حاضرًا-: قل ما شئت، فلا ينازعُك فيه أحد، يشير إلى انفراد صاحب الترجمة بذلك، مع أنه لمَّا استشعر إرادة شيءٍ بمقالته، قال له: أحضِر محبرةً، وأكتب كل ما أقول، يظهر لك صحَّته بعد ذلك، وما أظن القِمَني أراد إِلَّا الأول.
وبلغني أن القِمَني على عنه فى أثناء الكلام، فقال له شيخُنا: صه، فقال له القمني: مه!
وامتدح شيخُنا واقفَ المدرسة شكرًا له على توليته ذلك بقصيدة أولها:
يا سيِّدَ الأُمراء يا كنزَ الورى ... وعزيزَ مصر ومَنْ به فخرت حلبْ
العبد قد وافى ليشكُر أنعمًا ... وقعت له مِنْ جودكم وفق الطَّلبْ
ومهنئًا بالشَّهر بل يهنأ بكم ... شهرٌ ودهرٌ كلُّه بكم رجبْ
صُبَّت على النَّاس المكارمُ منكم ... ديمًا فلا يختصُّ شهرٌ بالأصبْ
وكان من جملة الطلبة عنده فيه العلامة كمال الدين محمد بن محمد بن حسن الشُّمُنِّي، فلمَّا ولي صاحب الترجمة درس الفقه بالشَّيخونية، وتشاغل به عن درس الجمالية، وكان أمثل جماعته بالجمالية الكمال المذكور، وليس بيده تدريسٌ، عرض عليه صاحبُ الترجمة مع بعض أصحابه أن يرغب له عنه بخمسين ناصريًّا، يدفع له ما يكونُ معه مِنْ ذلك إن كان، ويستنسخُه بالباقي. هذا بعد أن قيل: إنه أُعطيَ فيها مائةَ ناصريّ، فأجاب ودفع له نحو عشرين ناصريًا، وأشهد بالباقي، وذلك في سنة تسع عشرة وثمانمائة، فاتفق أنَّ الكمال مات عن قُربٍ، وخرجت الوظيفةُ عَنْ ولده، -وهو شيخنا المحقِّقُ تقيُّ الدين أحمدَ الشُّمُنِّي، وكان إذ ذاك
стр. 570
صغيرًا- للعلَّامة المفوَّه عز الدين القدسي، فقام شيخُنا صاحبُ الترجمة حتى استعاد الوظيفة للولد المعيَّن، وباشرها عنه، ثم آل الأمرُ فيها إلى أن أخذ للشيخ تقي الدين مِنَ العزِّ القدر الذي كان دفعه والدُه إليه، وآثره هو بما كان تأخَّر، ورجعت الوظيفة للعزِّ. هذا ما حكاه لي شيخُنا التقي المذكور، وكتبتُه دفعًا لمن يتكلَّم بالهوى، واظهارًا لمقاصد شيخنا الجميلة.
واستقرَّ فيها بعد القُدسيِّ القاضي نور الدين بن سالم، ثم الشيخ شصى الدين النَّواجي، وحضرت معه إجلاسه فيها، ومات فحُفظت لولده، واشيب عنه فيها. [ثم صارت بعد وفاته للشمس بن قاسم، ثمَّ رغب عنها لداود الأزهري المالكي] (١).
ثم ولي تدريس الحديث بالجامع الطُّولوني عِوَضًا عن التقيِّ علي حفيده ابن (٢) العراقي بحكم وفاته سنة ثلاث وثلاثين، وكان كتب له تفويضًا به بعد وفاة جدِّه في ذي القعدة سنة ست وعشرين وثمانمائة، واستمرَّ بيده حتى مات، فاستقر فيه العلاءُ القلقثشديُّ، وركب في مرض موته عنه لولده وأخيه، فلمَّا مات أخوه، استقلَّ الابن بذلك.
ودرَّس للمحدثين نيابةً عن ولده -كما تقدَّم- بمدرسة حسن في سنة تسع وعشرين، ثمَّ استنزل ولده عنها لتلميذه العلامة نور الدين بن سالم، ثم رغِبَ عنها ابنُ سالم في حياة شيخنا للنَّواجي، ثم بعد وفاته حُفِظَت لولده، [فلما مات أخذها عبد البر بن الشحنة] (٣).
وولي أيضًا تدريس الحديث بالقبة المنصورية عن [صدر الدين أحمد بن جمال الدين محمود بن العجمي] (٤)، ثم رغب عنها للعلامة الفقيه
стр. 571
البدر بن الأمانة، وذلك حين ركب عن درس الفقه بالشَّيخونية كما سيأتي، وقال النَّاسُ: لو أُعطي ابنُ الأمانة الفقه، والآخرُ الحديث، لكان أولى، فقال: إنَّما أردت أعرِّف مقام الرَّجلين فيما لا يُظَنُّ بهما معرفته، ليشتهر أمرُهما بذلك كما اشتهر بغيره.
فلما مات البدر، استقر فيه أولادُه، ثم رغبُوا عنه بعد دهرٍ لسبط صاحب الترجمة.
[وقد قال صاحب التَّرجمة في جمادى الأخرى من سنة إحدى وثمانين (١): عُقِدَ مجلس بسبب عزِّ الدين الرَّازيُّ حين وَلِيَ تدريس الحديث بالمنصورية، فقام في ذلك البرهانُ الأبناسي والزَّينُ العراقي وغيرهما، وقالوا إنَّ هذا لا يعرف شيئًا مِنَ الحديث، وأعطوه جزءًا مِنْ "صحيح البخاري" ليقرأ فيه بالحاضر، فافتُضِحَ حين قرأ، لكونه صحَّف الواضحات، وآل الأمرُ إلى أن أخذ التدريس جمال الدين محمود بن العجمي المحتسبُ لنفسه، وصار يستحضرُ بعض المحدِّثين إلى منزله، ويقرأ عليه الحديث، بل وجماعة من المنتفعين، كالآمدي والدِّجوي، واستمرَّ بيده حتى مات، فاستقرَّ فيه ولدُه صدر الدين أحمد بعده، إلى أن صار إلى شيخنا صاحب الترجمة] (٢).
ثم ولي مشيخةَ الحديث بالمدرسة التي استجدَّها الزَّيني الاستادار، بعد الفراغ مِنْ عمارتها بْمدَّة، بالتماس الواقف وغبره مِنْ حاشيته لذلك مِنْ شيخنا، قصدًا لحصول التجمُّل به، وسألوه تعيين جماعةٍ مِنْ طلبته، فعيَّن سبطه والبقاعي وكاتبه (٣) وغيرهم، وكنَّا نحضر معه ويقرأ عليه الشيخُ شهابُ الدِّين بن أسد شيخ القراء، وربما جلس الواقفُ قريبًا للسماع. وكان ﵀ يؤثر بمعلومه فيها (٤)، ولم يقرر صاحبها فيه (٥) بعد موته أحدًا،
стр. 572
وقال: إنما فعلت ذلك لأتشرَّفَ به، وكان التفويضُ له بذلك في رجب سنة إحدى وخمسين وثمانمائة قبل موته بيسير.
وولي مشيخةَ إسماع الحديث بالمدرسة المحمودية، ويقال: إنه استقرَّ فيها بعد وفاة البدر أحمد بن عمر (١) بن محمد الطَّنبذي، وكانت وفاته في ربيع الأول سنة تسع وثمانمائة، وكذا كان مفوضًا لشيخنا قراءة الحديث بها، فكان يستخلف فيها من اختار مِنْ طلبته. ولمَّا مات استقرَّ فيها الشهابُ بن العطَّار الآتي ذكره في أسماء الطلبة.
ثم وُجِد في كتاب الوقف ما يدلُّ على أنَّ الواقف شرط كونهما لرجلين، فاستمرَّ الشهاب في الإسماع، واستقرَّ البدر محمد بن الجمال يوسف الدَّميري في القراءة، وحصل بينهما نزاعٌ، فلمَّا مات الشَّهاب، استقرَّ في الإسماع أمير حاج الملقَّب صلاح الدين ربيب قاضي القضاة علم الدين البلقيني [الذي ولي القضاء بعد أشهر، ثم رغب عنها لعبد القادر بن النقيب] (٢)، فلله الأمر.
وولي أيضًا مشيخة دار الحديث الأشرفية بدمشق بعد شُغورها مِنْ بعد موت الجمال بن الشرائحي مدَّةً طويلة، فلما دخل الشام في سنة ست وثلاثين، أعطاها للحافظ العلامة شمس الدين محمد بن أبي بكر عبد اللَّه بن محمد بن أحمد القيسي، الشهير بابن ناصر الدين، وحضر فيها معه، واستمرت مع ابن ناصر الدين حتى مات، فاستقرَّ فيها العلامة علاء الدين علي (٣) بن عثمان بن عمر بن الصَّيرفي، ومات في سنة أربع وأربعين، فاجتمع صاحب الترجمة بالبهاء بن حجي حين قدومه القاهرة، وأعلمه بأنَّ الوظيفة له، وإنَّما كان استناب فيها ابن ناصر الدين، وأنه الآن يُعرِضُ عنها للشيخ قطب الدين الخيضري، لكونه أمثلَ أهل الفنِّ هناك، فأجاب واستقرَّ
стр. 573
المشار إليه فيها، وبقيت معه (١) أيَّده اللَّه حتى الآن.
[وقرأت بخطِّ بعض فُضلاء الشاميِّين أن المستقرَّ فيها بعد العلاء بن الصَّيرفي ولده سراج الدين، فانتزعها القطبُ منه، ويشبه أن يكون ذلك بعناية مخدومه البهاء بن حجِّي، ثم التمس مِنْ صاحب الترجمة أن يفعل ما تقدم، فنقوى حُجَّة البهاء على الشَّاميْين، وإلَّا فهُم كانوا يستصغرونه عن ذلك] (٢).
[وظيفة الفقه:]
ويليها الفقه. وكان قد ولي تدريس الفقه بالشَّيخونية في سنة إحدى عشرة وثمانمائة، رغب له عنه الإمام نور الدين علي بن سيف (٣) الأبياري، بعد أن استقرَّ فيها، ودرس بها يومًا واحدًا، ورغب عنها لصاحب الترجمة، فدرس فيها إلى. . . . (٤)، رغب عنه للقاضي شهاب الدين الأموي، عرف بابن المحمّرة.
[ثم وليه الونائي، ثم القاياتي، ثم العلاء القلقشندي، ثم السِّراج الوروري، ثم التقي القلقشندي، ثم البدر بن القطَّان، ثم الشهاب الأبشيهي. أولُ مَنْ وليه البهاءُ أبو حامد بن تقي الدين السُّبكي، ثم بعد موته استقرَّ فيه الشيخ ضياء الدين] (٢).
وولي تدريس الفقه بالشَّريفية الفخرية التي بحارة الجَوْدَرِيَّة، وهي الآن مع الشيخ شمس الدين اليامي، سنة ثمان وثمانمائة، كما ذكره هو في ترجمة أحمد بن يوسف مِنْ "معجمه"، عوضًا عَنِ الشَّيخ زين الدين حرمي عم البهاء بن حرمى وأخيه البدر، ثم رغب عنها للشيخ نور الدين علي القِمَني، ثم أخذها عنه الشهاب اليامي والد المذكور.
стр. 574
وكذا ولي تدريس الفقه بالكهاريَّة، ورغب عنه للبدر بن الأمانة أيضًا.
[وأظن شيخنا تلقَّاه عن النُّور الرشيدي، وهو عن الكمال الدَّميري، فان الكمال تلقَّاه بعد موت شيخه البهاء أبي حامد أحمد بن السُّبكي، وهو عن أبيه التَّقي] (١).
وولي تدريس الفقه بالمؤيدية أول ما فُتحت في ثالث جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة، فلمَّا استقرَّ في القضاء، أنهى الشيخ شمس الدين البرماوي إلى السُّلطان أنَّ شرط المؤيد أن لا يكون المدرس بمدرسته قاضيًا، وأعانه قوم آخرون، فانتزع التدريس المذكور مِنْ صاحب الترجمة، ودرس فيه يسيرًا، حتى أظهر كتاب الوقف، وليس فيه ذكر للشرط المذكور، فاُعيدَ لوظيفته، وعُوِّضَ البرماوي بأن ينوبَ عن عليِّ حفيد العراقي في جهاته بثلث المعلوم، فباشر ذلك.
ولما أُعيد التدريسُ لشيخنا، أنشد الشّمس محمد بن علي الهيثمي (٢) قوله التالي لبيت ما أحببتُ ذكره من أجل البرماوي لجلالته وعلمه:
وأعاد أشرف عالمٍ سلطانُنا ... فادعوا بنا للأشرفِ السُّلطان
واستمرَّ بيده حتَّى مات، فقرَّر فيه أحد جماعته العلامة جلال الدين المحلي، وصار لشيخ شمس الدين بن المرخِّم.
واستقر في تدريس الفقه بالخرُّوبية البدرية بمصر، رغب له عنه المحب محمد بن علي بن أحمد البكري؛ عُرف بابن أبي الحسن، في ثامن عشر رمضان سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة بعد نحو شهرين (٣) مِنَ استقراره فيه، فإنَّ المحبَّ استقرَّ فيه برغبة الشيخ عبد السلام بن داود القدسي في خامس عشر رجب من السنة.
стр. 575
[ثم أعاده شيخُنا للمحبّ، واستمرَّ معه حتى مات، فاستقرَّ فيه شيخنا البرهان بن خضر، ثم البهاء بن القطَّان، ثم زين العابدين بن الشرف المناوي، وهو الآن مع البدري بن القطان، ثم انتقل لغيره] (١).
ثم تدريس الفقه بالصَّلحية، عِوَضًا عَنْ حفيد الشيخ ولي الدين العراقي في سنة ثلاث وثلاثين.
ثم صار بعد ذلك مضافًا لوظيفة القضاء، لكنه لمَّا انفصل عن القضاء آخر مرَّة، انتزع له تدريسها تطييبًا لخاطره، ولبس خُلعةً لذلك، على ما حكاه لي صاحبنا الشيخ جلال الدين بن الأمانة. قال: وكت في الصَّالحية حين مجيئه، فقمت ومشيت في خدمته، وجلست مع الجماعة، فقرؤوا شيئًا مِنَ القرآن، ودعا الشهاب بن يعقوب، وعندما وصل إلى الدعاء له، أشار له إشارة يتعجب مَنْ فَهِمَ المقصودَ منها؛ لكن دل آخر الأمرِ عليها، وأنه أمره بالدُّعاء للسُّلطان أولًا.
وبلغ قاضي الحنابلة البدرَ البغدادي مجيءُ شيخنا، فبادر لتهنئته، واستصحب معه حلوى في مجامع، فجلس بحافة الإيوان (٢)، وأمر بالحلوى، فوُضعت بين يدي شيخنا، ففرَّقها على الحاضرين، وانتهى المجلس، فقام فسلم عليه الحنبلي، فلم يُقبِل عليه شيخنا بكلِّيَّته، ولا تحدَّث معه، بل استمرَّ الحنبليُّ ماشيًا بين يديه بعيدًا منه وهو في غاية ما يكون مِنَ التأثير لذلك، حتى قال الحاكي: إنه رأى وجهه وقد زاد تغيُّره فلمَّا وصلا لمحل ركوب شيخنا سلَّم عليه الحنبليُّ ليفارقه، فقال له شيخُنا: بل نتوجه معكم إلى المنزل، ودخل معه إلى المدرسة الأخرى محلَّ سكنه، ففي الحال تهلَّل وجهه سرورًا، رحمهما اللَّه.
ثم تدريس الفقه بالمدرسة الصلاحية المجاورة للإمام الشافعي ونظرها تلقاهما عن العلامة العلاء أبي الفتوح القلقشندي بحكم انفصاله عنها، وذلك في يوم الإثنين ثاني عشري (٣) رجب سنة ست وأربعين وثمانمائة، وكان
стр. 576
العلاءُ تلقَّاها بمساعدة الأمير تغري بردي الدوادار عن (١) الشيخ نور الدين التّلواني بحكم وفاته، فباشرها شيخنا، وتألَّم العلاءُ لذلك.
وحضرنا السَّماع هناك في مجمع حافل -منهم الناصري ابن الظاهر جقمق- لقراءة "مناقب الشافعي" ﵁ تصنيف صاحب الترجمة بالقبَّة المجاورة للمدرسة المذكورة عند رأس قبر الإمام المطَّلبي ﵁ في يوم واحد ثامن جمادى الآخرَة سنة سبع وأربعين وثمانمائة، بقراءة أخي المعزول، صاحبنا الشيخ تقي الدين القلقشندي، وكان يومًا مشهودًا.
وممَّن حضر معه الدَّرس أول يوم محقق العصر القاياتي، والكمال بن البارزي وخلق، تكلَّم فيه على أول خطبة "الرسالة"، وساق نسبَ الإمام الشافعي، وذكر مَنْ في أجداده، وكذا مَنْ يلتقي بهم مِنَ الصَّحابة، ممَّا لا يشاركه في معرفته غيره مِنَ الموجودين، كما بيَّنه في المناقب.
ثم إنَّ العلامة الونائي لما رجع من الشَّام منفصلًا عن قضائها، سعى في تدريسها، لكونها كانت وظيفة صهره التَّلواني. قال شيخنا: فتركتُه له اختيارًا، وذلك في صفر (٢) سنة ثمان وأربعين، فباشرها سنة ونيِّفًا ثم ضعُف، فامتد (٣) ضعفُه نحو الشهرين، ومات في صفر سنة تسع وأربعين وثمانمائة، واستقر بعده القاياتي إلى أن مات، فاستقر بعده الشيخُ ولي الدين السفطي، ثم استقرَّ بعده فقيهُ الشَّافعية المناوي، ثم الحمصي، ثم المناوي إلى الآن، بورك في حياته.
فدروسه ممتعة محقَّقة، كثيرة الفوائد والفروع المنقَّحة والقواعد المحرَّرة، تقرُّ العيونُ بمشاهدتها، وتثلج الصدورُ بفهم واضحاتها ومشكلاتها، لا كمن جلس نائيًا في بعض الدُّروس المعيَّنة للفقه، فتكلَّم فيها بما قال كثيرٌ مِنَ الأئمة: إنه لا يليق بمثله الخوضُ فيه. وقال بعض
стр. 577
المعتبرين: ليس هذا موضوع هذا الدرس، فأخذ في المجلس الآخر يتكلَّم في مادة لُغوية، فقيل: هذا كلُّه هروبٌ مِنَ المقصود، هذا مع سؤاله أن يُلقَّب شيخ الإسلام، ودعواه أنه قيِّم العصربين بكلام الملك العلَّام. نسأل اللَّه السَّلامة والتوفيق.
[ثم استقرَّ بعد المناوي فيه ولده، ثم الكمال إمام الكاملية، ثم التقي الحصني ثم الزين زكريا] (١).
وهذه المدرسة -أعني الصَّلاحية- قد ذكر الشمس محمد بن إبراهيم بن أبي بكر الجزري في حوادث سنةً إحدى وثمانين وستمائة ما ملخّصه: استقر القاضي برهان الدِّين الخضر (٢) السَّخاوي في تدريس الشافعي، والنظر عليه بالقرافة الصُّغرى، وقف صلاح الدين بما يشهد به كتاب الوقف، وهو في كل شهر أربعون دينارًا مقابلة على التدريس، وعشرة دنانير على النظر، وفي كلّ يوم ستون رطلًا مِنَ الخبز، ومن الماء الحلو راويتان. وكانت هذه المدرسة منذ ثلاثين سنة وأكثر خالية مِنْ مدرّس، مع ملازمة الفقهاء والمعيدين للاشتغال بها. انتهى
[وظيفة الإفتاء:]
ومما يلتحق بذلك: الإفتاء، وكان قد ولِيَ إفتاء دار العدل في سنة إحدى عشرة وثمانمائة، واتفق في بعض الأيام التي كان يحضر فيها لمباشرة وظيفته -وهو يوم الإثنين مستهل شعبان سنة خمس عشرة وثمانمائة- المبايعة لشيخ، فلُقِّب المؤيد، واختلفوا بم يُكنى؟ فقال صاحب الترجمة: الذي يوافق التَّأييدَ هو النَّصرُ، فاتفقوا على تكنيته أبا النصر، وافترق المجلسُ على ذلك، واستمرت هذه الوظيفة معه حتى مات، فاستقرَّ فيها تلميذُه وصهرُه العلامة البدر بن القطات بل العلامة محيي الدين الطُّوخي، على ما تحرَّر الأمر فيه.
стр. 578
[وظيفة المشيخة:]
وأما المشيخات، فكان ﵀ قد ولي مشيخة البيبرسية ونظرها، رغب له عن ذلك العلاء الحلبي في ثالث ربيع الأول سنة ثلاث عشرة وثمانمائة، وكان العلاء استقرَّ فيها عوضًا عن شمس الدين أخي الجمال الاستادار، ثمَّ سعى الشمس المذكور إلى أن اشترك مع شيخنا في المشيخة، ثم انتزعها منه كلَّها في سنة ست عشرة وثمانمائة، بعد أن كان كُتب لشيخنا توقيع بها في مستهل جُمادى الأولى سنة خمس عشرة وثمانمائة مِنَ الخليفة حملًا على [ما بيده من] (١) المستندات الشرعيَّة، ثم أُعيدت لشيخنا في سنة ثمان عشرة زمن المؤيَّد عَقِبَ كائنة الهروي، وكتب توقيعه بذلك في ثاني عشر ربيع الآخر من السنة، ولبس الخُلعة، كما سيأتي شرحُ ذلك.
واستمرت بيده إلى أن قرَّر الظاهرُ فيها العلامة شمس الدين القاياتي في يوم الثلاثاء العشرين مِنْ جُمادي الأولى سنة تسع وأربعين وثمانمائة، وبها حمِدَ له العقلاءُ ذلك، حتَّى شافهه العلامة فريد الوقت الأمين (٢) الأقصرائى بقوله: ما حجَّتُك في الاستقرار فيها وانتزاعها من متولِّيها؟ فسكت. وكذا تألَّم شيخ الوقت أبو عبد اللَّه الغمري (٣) صاحب الجامع الذي بقرب سوق أمير الجيوش (٤)، وصرَّح بعتبه عليه لذلك، لكونه أخرج عياله ونحو ذلك. [ولهذا لمّا سأل شيخنا العز السُّنباطي منكرًا على أهل الوقت: أهل سمعت قائلًا يقول: إن إخراجها -أعني البيبرسية- عني لا يحلُّ؟ أجابه بقوله: ما رأيت أحدًا قاله سوى الغمري، أو كما قال، ولكن الظاهر أن شيخنا إنَّما أراد من يبرّر بالإنكار] (٥). وحضرها القاياتي في يوم الولاية ومعه جماعة،
стр. 579
منهم ولي الدين بن تقي الدين البلقيني، وهو الذي حسَّنَ له المجيء، وإِلا فقد كان القاضي كمال الدين بن البازي أشار عليه بعدم الحضور، والتثبت حتى يراجع السلطان، فإنَّ الصواب عدم انتزاعها منه، ووافق على ذلك، ثم في الحال [بعد مفارقة الكمال] (١) انثنى عزمه عنه بواسطة المذكور، وتوجه إليها وهو معه، فحسَّن له أيضًا حينئذٍ النداء لجماعة الصوفية بزيادة الثلث في معلومهم، فأمر بذلك بعد توقفه وقوله حتى نعلم ارتفاع الوقت ومصرفه أوَّلًا، فقال: إذا لم يَفِ بذلك، بعتُ قاعتي وأثاثي وغلَّقت، ففعل. واجتهدوا في سدِّ ذلك بزيادة إجارة البلد، وبإضافة ما كان يأخذه بعض المباشرين للقبض، وهو على كل نخلة شيء مع زيادته، وبإلزام كاتب الغيبة بالتشديد في الكتابة، وبغير ذلك، حتى أنشدني بعضُ صوفيتها لنفسه:
عزَّ الشِّهاب فجاءتنا الشياطينُ ... وغابتِ الأسدُ فاعتزَّ السَّراحينُ
وقد تواصَوْا على ما لا به سددٌ ... ففي وصيتهم ضاع المساكينُ
واتفق أنهم ظفروا بغلَّاية نحاس كبيرة، شرط الواقف أنها تُملأ في الشتاء لمن يحتاج إلى الوضوء أو الاغتسال منها، وأُهْمِلَ أمرُها لعجز الوقف عن القيام بها، فاجتهد وليُّ الدين المذكور في إبرازها بجانب الفسقية وملئها.
وكذا اجتهد في عمل حلوى تُفرَّق على الصوفية في ليالي الجُمع مِنْ رجب واللَّذَيْن يليانه، وصار يتولى ذلك بنفسه قصدًا لتأييد العزل، وكان [يذكرُ لفعله ذلك وغيره [من تلك الأفاعيل] (٢) أسبابًا، منها: أنه رُفع له قُصَّة] (٣) يلتمس فيها معلومَهُ بجامع طولون، فكتب له بهامشها: فلان يحاسبه بثمن المدورين الرخام اللذين اختُلسا مِنْ قاعة الزفتاوي، يعني التي كان المذكور سكن بها مدَّة، وفقدا منها في تلك المدة، وقدَّر اللَّه تعالى بعد مدة أن المذكور باع قاعته بعد أن كان وقف نصفَها على مدرسته، ونزل عَنْ
стр. 580
وظائفه كلِّها، وبذل أكثر ذلك لأهل الدولة، حتى ولَّوه قضاء الشام، وقاسى أهوالًا، [وصرف بأحد تلامذة صاحب الترجمة القاضي قطب الدين الخيضري، وقد غُبِنا] (١). نسألُ اللَّه السَّلامة.
والذي عندي أن صاحب الترجمة كان يتأول بأن يبر بالزائد -إن كان- طلبة العلم، لأن الكثير من الصوفية من غيرهم، ولهذا كان يستنزل بعضهم ممَّن لا طلب عنده ولمن يكون طالبًا، ويزن عنه مِنْ ماله، ويمكن أن يكون وزنُه ذلك مِنْ فائض الوقف.
وأيضًا فكان اشتغالُه بالعلم الذي تعيّن عليه القيام به يمنعه عن تولِّي هذا ونحوه بنفسه، فلهذا دخل عليه الدَّخيل، والأعمال بالنِّيات.
وبعد عزل شيخنا منَ البيبرسية، حوَّل مجلس إملائه إلى الكاملية، وأمر بتبييضها، وقرأ الشيخُ حسين الفتحي، أحد تلامذته، من تلقاء نفسه أول يوم مِنْ إملائه بها سورة الصَّف بصوت شجيٍّ، مع كونه بارعًا لي القراءات، فبكى النَّاسُ، وكانت ساعةً مهولةً، وتأثر جماعة القاياتي من ذلك، وراموا إيقاع تشويش بالقارىء، فما ظفَرُوا بمقصودهم.
وفي ذاك اليوم أيضًا أهدى إمامُها العلامة كمال الدين له قُمقمًا فيه ماءُ زمزم، واتَّفق دخول القاياتي بعد ذلك إلى الكاملية في جنازة الشيخ شمس الدين الحجازي، وما تيسَّر للكمال إهداءُ شيءٍ إليه، فيقال إنه تأثَّر مِنْ فلك، خصوصًا وقد حكى له الكمال أنَّه أهدى لصاحب الترجمة ماء زمزم، وقال القاياتي: هديةٌ عظيمة، أو كما قال.
ولما توفِّي القاياتي، استقرَّ ولدُه الصغير أحمد في المشيخة، والأمير الدوادار دولات باي المؤيدي في النَّظر. ولم يزل كل واحد منهما يباشر وظيفته حتَّى أكيد شيخُنا إلى الخانقاه على جاري عادته في أوائل ربيع الثاني في سنة اثنتين وخمسين.
стр. 581
وحصل السُّرور بذلك، وحضرنا في خدمته على عادته، وعاد إلى الإملاء بها، واستمرَّ على ذلك أيامًا، ثم التمس ولده عمل (١) الحساب في المدة التي كانوا منفصلين عنها، واستحضر المزارعين لبلد الخانقاه، ورام كتابة محضرِ الدُّخول، فاجتهد سعد الدين القبطي، المعروف بابن عُويد السَّراج مباشر الأمير، في ذلك وغيره، وقرَّر عند أستاذه أنَّ قصدهم طلبُ الحساب في مدَّته، وحرَّك عزمَه حتى أعلم الظَّاهر بهذا، فقال: أنا لم أقرِّرْه إِلَّا في المشيخة خاصّة، وما عزلتك عن النظر، فتألَّم شيخُنا واحبابُه لذلك، وكان تدبير ولده هو السبب، فلله الأمر.
وساعد الأمير حينيذٍ ولد القاياتي حتى أعيد إلى المشيخة، ثم اتفق (٢) طلوعه إلى السلطان في بعض القضايا، فأظهر صاحبُ الترجمة ما عنده مِنَ التأثُّر، وشافه الظاهر بقوله: أعطيت وظيفتي مَنْ لا يدري الإسلام، وكذا نهر ابن البارزي ودولات باي، لكونه تكلَّم مع السلطان حينيذٍ بالتُّركي، وانزعج السلطانُ مِنَ ذلك كلِّه، حتى صارت رُكبته تهتزُّ، وأظنه كان سببًا لعزله من [المشيخة أيضًا، بل من] (٣) وظيفة القضاء عَنْ قُرب، وذلك في جمادى الثاني مِنَ السَّنة بعد سبعة وسبعين (٤) يومًا مِنْ حين ولايته للخانقاه والقضاء، بل ما كفَّه عنه إِلَّا اللَّه ، وما صدرَ كلُّ هذا من شيخنا إِلا وقد بلغت الرُّوحُ التُّرقُوة، وقال حينيذٍ لبعض جماعته: لو استقبلت مِنْ أمري ما استدبرتُ، كنت عزلت نفسي من القضاء (٥) عقِبَ إخراج نظر الخانقاه. واستمر يُملي بها وليس باسمه فيها سوى درس الحديث.
وبسبب مباشرة شيخنا نظر الخانقاه المذكورة، ترتَّب ديوان الجيش وكثير من مستحقي المدارس ونحو ذلك على حروف المعجم، وكانوا قبل
стр. 582
ذلك في تعب زائدٍ بالكشف، فسهَّل عليهم، حيث اقتدَوْا بصاحب التَّرجمة في ترتيب أسماء المستحقين بالخانقاه على الحروف.
وممَّن كان يحمل المصحف مِنْ محراب البيبرسية حتى يضعه بين يدي صاحب الترجمة -على عادة الشيوخ- سيدي الشيخ سعد العجلوني، نفع اللَّه به، مع أنَّه كان مقيمًا بالجامع الأزهر، وعُدَّ ذلك مِنْ كرامات صاحب الترجمة، رحمهما اللَّه وإيانا.
وأمَّا الأنظار سوى ما تقدَّم، فإنّه كان استقرَّ في النَّظر على حمَّام ابن الكُويك بتفويضٍ مِنَ التَّقيِّ المقريزي، واستمر معه حتى مات، ورام القاضي علم الدين أخذه منه في بعض عزلاته، متمسكًا بأنه من متعلقات القضاء، فأرسل إليه صاحب الترجمة بتفويضِ المقريزي إليه، فسكت.
[وظيفة الخطابة:]
وأمَّا الخطابة، فكان ﵀ قد ولي الخطابة بالجامع الأزهر -[أظنه لمشاركة غيره له في رفعها] (١) عوضًا عن التاج محمد بن علاء الدين [محمد بن محمد بن عبد المحسن بن عبد اللطيف ابن قاضي القضاة تقي الدين محمد بن حسن العامري الحموي الأصل المصري، عرف] (٢) بابن رزين المتوفى -حسبما أخبرني به ولده عبد الرحيم رئيس المؤذنين بجامع الحاكم- في سنة تسع عشرة وثمانمائة، برغبة منه لصاحب الترجمة عنها. [وكان التاج تلقَّاها عن أبيه العلاء الذي كتب عنه صاحب الترجمة، ومات في سنة خمس وثمانمانة] (٣).
ولما كان الناصر فرج بن برقوق بالشام في سنة خمس عشرة وثمانمائة، وخلعه الخليفة وهو إذ ذاك بالشام أيضًا، وورد الخبر بخلعه، ثم جاء من عند الناصر ساعٍ بأنه ملتجىء إلى القلعة، وقدم بعض الأمراء وعليه
стр. 583
خُلعة الخليفة وكتابٌ لمن بالقاهرة باستقرار الخليفة في السَّلطنة، أرسلوا بالكتاب لصاحب الترجمة بالجامع الأزهر، فقرأه على المنبر وقت الجُمعة، وكذا فعل غيرُه مِنْ أعيان الخطباء.
وفي يوم الجمعة ثاني عشري ربيع الآخر سنة تسع عشرة، وكان عقب موت شيخه فريد العصر العز محمد بن أبي بكر بن جماعة، فإنه توفي يوم الأربعاء، وصُلِّي عليه صبيحة يوم الخميس، فأورد صاحبُ الترجمة في خطبته قول ابن الحنفيَّة لمَّا مات ابن عباس ﵃: مات -واللَّه- اليوم حَبرُ هذه الأمَّة، فقال: [ولقد دفنَّا بالأمس عالم هذه الأمَّة] (١)، أو كما قال.
وبواسطة كونه كان خطيبه، كان يكثر الصلاة على الغائبين من العلماء والصَّالحين، حيث يشير بذلك لمعرفته بمنازلهم، فكان ممَّن صلَّى عليه صلاة الغائب العزُّ أبو البقاء محمد بن خليل الحاضري الحنفي، الذي قال فيه البرهان الحلبي الحافظ: لا أعلمْ بالشَّام كلِّه في مجموعه مثله] (٢).
وفي رجب من السنة، أمر السلطانُ الخطباء، إذا وصلوا إلى الدعاء إليه في الخطبة أن يهبطوا مِنَ المنبر درجةً أدبًا، ليكون ذكرُ اللَّه ورسولِهِ في مكان أعلى مِنَ المكان الذي يُذكر هو فيه، ففعل صاحب التَّرجمة ذلك بالجامع الأزهر، وكذا غيرُه مِنَ الأعيان، لكنه ما تمَّ، وكان مقصدُ السلطان في ذلك جميلًا.
ولمَّا سافر المؤيَّدُ لتمهيد البلاد الشمالية (٣) في سنة عشرين، وورد كتابه من حلب بشرح سيرته في السَّفرة المذكورة في بلاد الرُّوم وما ملك مِنَ القلاع التي لم يملكها أحدٌ مِنَ التُّرك قبله وغير ذلك، قرأه صاحبُ التَّرجمة في الجامع الأزهر، وكان يومًا مشهودًا، وصلى للناس في الجامع الأزهر صلاة الكسوف في ثالث عشري ربيع الأول على الوصف المعروف في الأحاديث الصحيحة. بركوعين مطوَّلين، وقيامين مطولين (٤)، وكذا في
стр. 584
جميع الأركان المقصودة وغير المقصودة، ثم خطب بهم، فانقضى ذلك بعد أن انجلت الشَّمسُ، وللَّه الحمد.
وقد صلى بالنَّاس أيضًا صلاة الكسُوف وهو بحلب بجامعها الكبير سنة ست وثلاثين وثمانمائة، فما سلَّم إِلا وقد انجلت وغربت الشَّمسُ، فصلَّوا المغربَ بالجامع، وانصرفوا بغير خطبة.
وخطب بجامع القلعة بالسُّلطان على جاري عادة قضاة الشافعية.
وكان ربما خطب عنه نيابةً أحدُ نوابه أبو العباس الزركشي والقاضي صدر الدين بن رَوْق، ثم بعد موت ابن روق السيد صلاحُ الدين الأسيوطي، فيما قيل.
ومنعهم شيخُنا مِنْ شرب المشروب وهم بالجامع على ما أخبرني به الشرف بن الخشاب، لكنه ما استمر، وأمره أن يقول بين يديه زيادة على ما أحدثوه: ومن لغا فلا جمعة له. وكذا أمر المرقي أن يقول [بعد إيراد الحديث الذي أُحدث ذكرُه بين يدي الخطيب، وقبل قوله] (١): أنصتوا: رواه البخاري، وذلك لما توهَّم السلطانُ أنها مِنْ نفس الحديث.
وكذا خطب بالسُّلطان بجامع بني أمية في سنة آمد كما سبق (٢)، ثم خطب بجامع عمرو بن العاص ﵁ في آخر يوم من رمضان سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة، وكان استقرَّ فيها، فإنه قايضَ الشيخ شمس الدين محمد بن يحيى بما كان معه منْ خطابة الأزهر عمَّا معه من نصف خطابة جامع عمرو ﵁، ثم استكمل (٣) الوظيفة، بعد ذلك استنزل البدر محمد بن العلَّامة مجد الدين البرماوي عن نصفها الآخر، بل ولي نظر الجامع أيضًا (٤)، [وذلك في جمادى الأولى سنة ثمان وأربعين، ونزل إلى مصر، وكان يومًا مشهودًا، كما بيَّنته في الحوادث من "تاريخي"] (٥)، وسمعنا خطبته هناك مرارًا.
стр. 585
ورأيناه يشتد إنكاره وهو على المنبر على مَنْ يدخلُ مِنَ العوامِّ فيجلس، فإذا تمت الخطبة الأولى قام فصلَّى.
وكذا رأيناه ينكر ما يفعله الجهَّالُ مِنْ كتابة أوراق في آخر جمعة مِنْ رمضان والخطيب على المنبر، يسمونها حفيظة رمضان، ويبالغ في ذلك، وهذه الحفيظة أمرُها منتشر، بحيث وُجِدَ بخط محمد بن الشرف إسماعيل بن المقرىء، والفقيه إسماعيل بن محمد الأمينين اليمنيَّيْن، الأول نقلًا عَنْ خط النَّفيس سليمان بن إبراهيم العلوي محدث اليمن، والثاني عن خط الموفق علي بن عمر بن عفيف الحضرمي، عن خط الجمال محمد بن عبد اللَّه الرَّيمي، عن كتاب إبراهيم بن عمر العلوي -قلت (١): وهو والد النَّفْيس المذكور في السَّند الأول فيما وجداه -أعني النَّفْيس ووالده- منسوبًا إلى الفقيه الإمام محمد بن الحسين الصِّمعي بلفظه أو معناه، أنه يكتب في آخر جمعة مِنْ رمضان بعد صلاة العصر على ما ورد به الأثر: لا آلاء إِلا آلاؤكُ يا اللَّه (٢) إنك سميع عليم محيط به علمك (٣)، كعهون (٤)، وبالحقِّ أنزلناه وبالحق نزل. وقال: ما كانت في بيت فاحترق ولا سُرق، ولا في مركب فغرق. قال البرهان العلوي: فسألتُ عَنْ ذلك شيخي الفقيه شهاب الدين أحمد بن أبي الخير بن منصور الشّماخي، فقال: لا بأس به وأقرَّه. قال: وإن كان في الحديث شيءُ، فذلك مِنْ باب التَّرغيب والترهيب (٥).
قال الأمين إسماعيل: وأهل زبيد الآن يكتُبون هذا في آخر جمعة مِنْ رمضان والإمام يخطُبُ لصلاة الجمعة، وكذا أهل تعز وغيرها من بلاد اليمن. قلت: وكذا مصر والقاهرة والمغرب ومكة. وليس لها أصل صحيح، بل ولا ضعيف مِنَ السُّنَّة، خلافًا لما هو ظاهرُ كلامِ الشماخي، واللَّه الموفق.
стр. 586
واستمرت هذه الخطابة، وكذا الإمامة، بالجامع المذكور بيد صاحب الترحمة، وينوب عنه في الخطابة أيام تلبُّسه بالقضاء، وكذا في غيرها غالبًا، موقِّعُه ناصر الدين بن المهندس المصري.
واستخلف في أحد العيدين مرَّة شمس الدين اليلداني الدمشقي، خطيب الثابتية بها، أحد مَنْ قرأ عليه "الصحيح"، ووقع ذلك عنده موقعًا عظيمًا، خصوصًا وقد أمره شيخُنا بالمبيت عنده بالمقعد، وأذِنَ له في ركوب بغلةٍ مِنْ بغاله، ولشدَّة سروره بذلك استكتب شيخنا بما أشرتُ إليه، ليكون له الفخارُ بذلك على خُطباء دمشق.
ولمَّا مات صاحبُ التَّرجمة، استقرَّ فيها أبو الخير النحَّاس، وهي الآن بيد فقيه الشافعية الشرف المناوي، [ثم أخذها بعده ولده زين العابدين، ثم ولداه] (١).
[وظيفة خزن الكتب:]
وأمَّا خزن الكتب، فإنه كان بيده خزانة الكتب بالمدرسة المحمودية الكائنة بالموازيين، وكان قد عزل عنها خازنها (٢) الفخر عثمان، المعروف بالطَّاغي، في سنة ست وعشرين وثمانمائة، لكونها نقصت بتفريطه العُشر، وهو أربعمائة مجلد، لأنَّ كتبها كانت أربعة آلاف مجلدة، وهذه الكتب من أنفس الكتب الموجودة الآن بالقاهرة، جمعها القاضي برهان الدين بن جماعة طول عمره، ولمَّا مات اشتراها محمود مِنْ تركةِ ولده ووقفها، وشرط أن لا يخرج منها شيءٌ من المدرسة ولنفاسة كتبها، رغب شيخُنا في مباشرتها بنفسه، وعمل لها فهرستًا على الحروف في أسماء التصانيف ونحوها، وآخر على الفنون، وقد انتفع بذلك ونفع اللَّه به، فإنَّه كان يقيم بها في الأسبوع غالبًا يومًا، وفي مدة الأسبوع يكتب في (٣) قائمة ما يحتاج لمراجعته منها بسببه
стр. 587
في تصانيفه وغيرها، ليتذكره في يوم حلوله بها كما شاهدته بخطه، وتيسَّر على يده عَوْدُ أشياء ممَّا كان ضاع قبله، واستمر بيده حتى مات، فأخذها أبو الخير أيضًا. [وهي الآن باسم الزَّيني سالم إمام أتابك العساكر أزبك الظاهري، تلقَّاها عن حافظ الدين أحمد بن الجلالي، وهو تلقَّاها عن والده شمس الدين، وهو عن التُّريكي صاحب النحاس المذكور] (١).
[دروس ابن حجر:]
وكان ﵀ إليه المنتهى في إلقاء الدروس على طريقةٍ لم أر نظيرهُ فيها، ويأتي في كل فن مِنْ بنات فكره استنباطًا واستدراكًا وتشكيكًا بما يُبهر عُلماء ذلك الفن، بحيث يقضون له بالسِّيادة فيه. وكيف لا يكون كذلك، وهو كان الغاية في شرعة الإدراك، بحيث أطلق عليه غيرُ واحد مِنَ الأئمة أنَّه أذكى أهلِ عصره، وأحسنُهم كَلامًا في الأشياء الدَّقيقة، مع الإنصاف التَّامِّ، والرجوع إلى الحق في المباحث، ولو على لسان آحاد الطَّلبة، وربما كان في بعض المواطن مستفيدًا [في زيّ مفيد] (٢)، ولا يتنبَّه لطريقته في ذلك كبيرُ أحد، لكن لا أُطيل بتبيين ذلك.
[وكان إذا تأمَّل شيئًا رفع رأسه، وجعل ظاهرَ يده وهي مقبوضة تحت لحيته غالبًا.
وبلغني عن الشِّهاب بن المجدي أيضًا -وهو ممَّن كان يوازي شيخنا في وفور الذكاء- أنه كان أيضًا إذا فكَّر في شيءٍ يرفع رأسه ويتنفَّس.
ويُقال: إن الفكر يجتمع حينئذٍ، بل لعلَّ شيخنا كان يقصد القرب من فعل السُّنَّةِ، ففي الحديث. أنه ﷺ ، كان إذا همَّه أمرٌ نظر إلى السماء. وللأوزاعي عَنِ الزُّهري، عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ كان إذا أهمّ قبض على لحيته] (٣).
стр. 588
[التفسير:]
وأمَّا التفسير، فكان فيه آيةً مِنْ آياتِ اللَّه تعالى، بحيث كان يظهر التأسُّفَ في إهمال تقييد ما يقع له مِنْ ذلك ممَّا لا يكون منقولًا، وربما قال: يا فضيحتنا من اللَّه تعالى! نتكلَّم في كلامه بالاحتمالات. وفي أواخر الأمر، صار بعضُ طلبته يعتني بكتابة ذلك، لكنني ما أظنُّه وفَّى بالمقصود، كما لم يَفِ به فيما كتبه عنه في القطعة التي سمعها عليه مِنْ "شرح ألفية العراقي" حسبما صرَّح به صاحبُ الترجمة لبعض الفضلاء الثِّقات مِنْ طلبته.
وبلغني عن صاحبنا الشيخ شمس الدين الجوجري، ثم سمعته منه بعد ذلك، قال: كان -يعني صاحب الترجمة- يأتي في مجلسه مِنَ التَّفسير بدقائق ومهمات (١) وغرائب لا تُوجد (٢) في سائر التَّفاسير، بل يُنشئها مِنْ فكره، ولا يشتغلُ بإبداء ما في التفاسير مِنَ النُّقول، لسهولة ذلك على مَنْ يطالعها.
وحكى عنه أنه سأل مرَّة في مجلسه الحافل عند الكلام على قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ٢٢] فقال: في أي موضع مِنَ القرآن أخبرهما معًا بعداوة الشَّيطان لهما؟ فأخذ كلُّ واحدٍ مِنَ الحاضرين يكشف ما معه مِنَ التَّفسير، ويتأمل ما في القرآن مِنْ ذلك، وكنت أحدثهم سنًّا، فألهمني اللَّه تعالى أن قلت: في سورة طه: ﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ [طه: ١١٧]، فأخذ بعضُ الجماعة في معارضتي بقوله: هذا في سورة طه، وهي بعد الأعراف، وسياقُ الآية صريحٌ في سبقِ ذلك، فقلت له: القرآن لم ينزل على ترتيب المصحف الشريف، فأعجبَ ذلك صاحبَ الترجمة، وبرز من الحائط، وقال: باللَّه قل له، وصار يُقبل عليَّ مِنْ ثَمَّ.
قلت: وقد رأيتُ بعض مسوَّداته على بعض الآيات التي ألقاها في
стр. 589
دروسه، فألفيته نقل كلام الأصبهانيِّ والبغويِّ والبيضاويِّ والثَّعلبيِّ والزَّمخشريِّ والسَّمرقنديِّ والسَّمين والفخر الرَّازي والقُرطبي والماوردي والواحدي وابن بريزة وابن جرير وابن ظفر وابن كثير وابن النقيب ومحمود الزنجاني وأبي حيان، لا على هذا الترتب، بل ينظر (١) الأقدم فالأقدم. وهذا ما وقع له في تلك الآية خاصّة، وإلَّا فهو ينظرُ أكثر مِنْ هذه، فإذا رأى التَّفاسير التي في ملكه وتحت نظره، أخذ حينئذ في إبداء ما عنده، ولم يقل قط: أنا لا أنظرُ في تفسيبر، خوفًا من وقوف قريحتي، ولا يُصَدِّرُ بكلام نفسه، ثم يقول: وقد وافقني فلان، ولم أقف على كلامه إِلَّا بعد مقالتي، ولا قال: انظر إلى كلامي وكلامِ الفخر الرَّازي، وما أشبه ذلك مِنَ الخرافات التي تحاشى العقلاء عَنْ صدورها، نسأل اللَّه السلامة.
وقد سمعتُ مِنْ لفظ صاحب الترجمة أنه تتبَّع رؤوس الآيات مِنْ أول القرآن إلى آخره، فوجد حروف المعجم قد اجتمعت في أواخرها إِلَّا إلخاء المعجمة، وأفاد أنه اشتهر أنه ليس في القرآن آية متأخرة الحكم وهي متقدمة في التِّلاوة، وكلاهما مِنْ سورةٍ واحدة إِلَّا الآية التي في "البقرة" في عدَّة المرأة، وهي قوله: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، وقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، فإنَّ الثانية مقدَّمة في التلاوة، والأولى مؤخَّرة في التلاوة، والحكم على المقدَّمة دون المؤخَّرة. وألحق بعضُهم بها موضعًا آخر في الأحزاب على رأي، وهو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٠]، مع قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢]. قالت عائشة ﵂ ما مات رسول اللَّه ﷺ حتَّى أحل له النساء، وقيل: هو على ظاهره في التِّلاوة. انتهى، وهو كلام متَّجه.
ورأيته نقل عن أبي العلاء المعري أنَّ أكثر ما وقف عليه في القرآن مِنْ توالي الحروف المتحرِّكة التي لا يتخفلها حرفٌ ساكن ثمانية أحرف، ومثَّل
стр. 590
ذلك بقوله تعالى. ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ [يوسف: ٤]، فمن التاء في "رأيت" إلى الكاف الأولى ثمانية. وأفاد أنه وجد في القرآن بهذا العدد غير هذا، بل وجد تسعة في قوله: ﴿وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا﴾ [الفرقان: ٧٠]، فمن الميم في "آمن" إلى لام "عملًا" تسعة. ووجد عشرة في قوله: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ (١) لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩] فمن الباء في "ربك" إلى اللام في "غلامًا" عشرة. قال: وهذا أكثر ما وقفت عليه من ذلك إلى الآن، يعني سنة ٨٢٤. انتهى.
وقرأت بخطِّ مفيدنا الحافظ أبي النعيم المستملي عن صاحب الترجمة أنه قال: اجتمعت حروف المعجم في اثنين، أحدهما في آل عمران ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ. . .﴾ الآية إلى ﴿الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، والثانية في الفتح ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. . .﴾ إلى آخر السورة [الفتح: ٢٩]، وثالثة ناقصة حرف الشين، وهي بالمزمِّل ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ. . .﴾ إلى آخر السورة [المزمل: ٢٠].
[قلت: وقد سبق اليافعيُّ (٢) شيخنا، لكون الآيتين الأوليين فيهما حروف المعجم، وزاد أنَّهما مِنَ الأسرار المخزونة، إذا كُتبتا ومُحيتا (٣) بدُهن وردٍ أو غيره مِنَ الأدْهان ودُهن به الأمراض الخطرة والآلام الصَّعبة، برئت بإذن اللَّه تعالى.
نقله عن اليافعي (٤) الكمال الدميري في الهمزة مِنْ كتابه "حياة الحيوان" (٥) وزاد في خصوص التّداوي: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾ إلى
стр. 591
﴿أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٥ - ١٠٧]. وكذا الفاتحة، واللَّه أعلم] (١).
وأنشدني صاحب الترجمة مرة:
رأى فحبَّ فرام الوصلَ فامتنعوا ... فسامَ صبرًا فأعيى نيله فقضى
وسأل الجماعة: أفيكم مَنْ يعرف في القرآن توالي التعقيب بالفاء مثل هذا؟ فلم يستحضر ذلك أحدٌ، فتلا هو في الحال: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ [الشمس: ١٣ - ١٥]، وأنها قُرئت "فلا" بالفاء أيضًا.
[وقد أرسل له الظَّاهر جقمق، بمصحف فيه تقديم بعض الآيات وكذا السُّور على بعض، وزيادة ونقص وأشياء مباينة للمتواتر، يستخبره عن أمره، فلم يتبين له أمره، وتركه فيما أظن عنده] (٢).
[فتاويه:]
وأما فتاويه، فإليها النِّهاية في الإيجاز، مع حُصول الغرض، لا سيما المسائل التي لا نَقْلَ فيها، فإنَّه كان أحسن عُلماء عمره فيها تصرُّفًا، لا يُجارى فيها ولا يُمارى، يُخرِّجُها على القوانين المحرَّرة بالدَّلائل المُعتبرة، وهو فقيه النَّفس.
وكان يكتب في كلِّ يوم غالبًا -على أكئر مِنْ ثلاثين فُتيا، حتى إنَّه في حال سيره إلى مكة المشرفة، وهو على راحلته، ناوله بعض المسافرين، وهو الشيخ شرف الدين يونس الواحي فُتيا، فثنى رجله، وكتب. هذا مع شغل باله بأمر السَّفر، إِلَّا أنه أحب المزيد مِنْ الأجر، لما فيه مِنَ الإرشاد وإغاثة الملهوف.
стр. 592
وقد قال المهلب في "شرحه" للبخاري: إن الفُتيا في الطريق، أو على الدابة ونحو ذلك مِنَ التَّواضع، فإن كانت لضعيف، فهو محمود، وإن كانت لرجل مِنْ أهل الدُّنيا، أو لمن يُخشى لسانُه، فهو مكروهٌ، يعني حيثُ أمِنَ حصول ضرر بتركه. [وكذا إذا لم يلحق المفتي بذلك زَهْوٌ وإعجاب ونحو ذلك] (١).
لكن قد حكي عن بعض الأجلَّاء أنَّه أوصى بعض طلبته، فقال: لا تسألني عَنْ أمر الدين وأنا ماشٍ ولا وأنا أتحدث مع النَّاس، ولا وأنا قائم، ولا وأنا متكىءٌ، فإنَّ هذه أماكن لا يجتمعُ فيها عقلُ الرَّجل. لا تسألني إِلَّا في وقت اجتماع العقول. انتهى.
وقد تقدَّم في الباب الثاني (٢) حكاية شُرب صاحب التَّرجمة لماءِ زمزم في تيسير أمر الفتاوى عليه. ولكثرتها زَعَمَ بعضُ الحُسَّادِ أنه تتبع ما فيها. وأقول: إن كلَّ ما فيها مِنَ الخطأ بزعم المعترض مغتفرٌ في جانب ما في غيرها مِنَ الصواب، فمن يُفتي في الشَّهر أكثر مِنْ ثلاثمائة، لا يُستغرب إذا أخطأ منها في ثلاثة، بل في ثلاثين. فإن أظهر المعترضُ الجميع، ثبتت المعذرة، كدأب غيره مِنَ المفتين، والسَّعيدُ مَنْ عُدَّت غلطاتُه.
ومَنْ ذَا الذي تُرضى سجاياه كلُّها ... كفى المرءُ نبلًا أن تُعدُّ معايبُه
وإن أخفى الحق وأظهر الخطأ، فلا يخفى التعصُّب.
[وقد يكون الاعتراضُ عليه نشأ عَنْ عدم إدراكِ مقصدِه وما أحسن قول القائل:
غموضُ الحقّ حين يذبّ عنه ... تعلّل ناصر الخصم المحقِّ
تَجِلُّ عن الدَّقيق فُهومُ قومٍ ... فيقضي للمخلِّ على المدقِّ
стр. 593
وقول غيره:
وكم عائبٍ قولًا صحيحًا ... وآفته من الفهم السَّقيمِ] (١)
وقد رأيتُ لشيخنا مجلدة مِنْ مهمِّ فتاويه سماها "عجب الدهر في فتاوى شهر"، افتتحه بقوله: الحمد للَّه الذي لا تنفذُ خزائنُه مع كثرة البذل، والصَّلاةُ والسَّلام على محمد الذي جمع شتات جهات الفضل، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، أكرِمْ بهم مِنْ صحبٍ وأهل.
أما بعد، فإن مَنْ غلب عليه الحسدُ، وقف على فتوى بخطي، وقع عند كتابتها ذهولُ عَنْ تقييد ما يُوهِمُ الإطلاق فيه، فشنَّعَ عليَّ في ذلك وبالغ، مع أنه عند التأمُّل لا يخفى المراد، فلمَّا بلغني ذلك، حداني على تدوين ما يقع لي مِنَ الأسئلة في شهرٍ واحدٍ، ليعذر من يقف عليها فيراها، وصوابُها أكثرُ مِنْ خطئها، فإنَّ الإنسان طُبع على السيان، والسَّعيدُ مَنْ غلب صوابُه على خطئه، وإنَّما يُلام مَنْ أصرَّ بعد قِيَام الحجَّة.
قلت: وعلى سبيل التنزُّل للخصم، فهو خيرٌ مِمَّن يجيب بتحصيل الحاصل، مثل تجوز ذلك على الوجه الشرعي، واللَّه المستعان.
وكان ﵀ لا يُحابي بالفُتيا أحدًا ولو عَظُم، اتَّفق في سنة ثلاث وعشرين لمَّا كُتبتِ المحاضرُ بكفر قرا يوسف وولده، وأثبتت على القضاة، وطِيفَ بها على المشايخ، فكتبوا في ظاهرها بتصويب الحُكمِ المذكور، كان مِنْ جملة مَنِ (٢) التُمست منه الكتابة صاحبُ الترجمة، فلم يزل يدافعهم عنها بعد إلزام السُّلطانِ وكاتب السِّرِّ له بذلك فالتزم، ولكنه لم يف -وللَّه الحمد- تقديمًا لحقِّ اللَّه تعالى، وعدم المحاباة في دينه.
ونحوُه ما حكاه صاحبُ التَّرجمة في "فتح الباري" أنَّ ملك الشَّرف شاه رُخ حاول في سلطنة الأشرف برسباي أن يأذن له في كسوة الكعبة
стр. 594
فامتنع، فعادت رسله أن يأذن له أن يكسوها مِنْ داخلها فقط، فأبى، فعادت رسلُه أن يرسل الكسوة إليه، ويرسلها هو إلى الكعبة، ويكسوها ولو يومًا واحدًا، واعتذر بأنه نذر أن يكسوها، ويريد الوفاء بنذره، فاستفتى أهلَ العصر، فتوقَّف صاحبُ الترجمة في الإذن له، بل وأشار إلى أنَّه إن خشي منه الفتنة، فيُجاب دفعًا للضَّرر، وسارع جماعة (١) إلى عدم الجواز، غير مستندين إلى طائلٍ، بل موافقةً لهوى السُّلطان، ومات الأشرف برسباي على ذلك.
ومنه أنَّ القاضي جلال الدين البُلقيني -وهو من المختصين به- أفتى مرَّةً، وسُئل صاحب الترجمة هو والبساطي عن ذلك، فخالفاه معًا فيما أفتى به، وبلغه ذلك، فتغيَّر لكنه احتشم مع شيخنا، وإستضعف جانبَ غيره، ﵏.
وكنت أرى منه عجبًا في معرفة مقاصد السَّائلينِ مِنْ عباراتهم المعجرفةِ وحروفهم المقلَّبَة، وربما لا يتيسَّر له المراد، فيكتب تحت السؤال أو بجانبه: يكتبها طالبُ علم.
وقد يعلم أن مذهبه لا يوافق غرَضَ السَّائل، فيرشدُه لمن عده ما ينفعُه، أو يطلع على تعنُّتِ السَّائل، أو إرادته الإعلام بإتقانه تلك المسألةُ، واستيفاء المقال فيها، إلى غير ذلك مِنَ المقاصد التي يدخُلها الخللُ، فلا يكتب قصدًا لردع مَنْ هذا سبيلُه، لكن تركهُ الكتابة مع ذلك في النادر، واللَّه الموفق.
[خُطَبُه:]
وأمَّا خطبه، فكان لها صدع في القلوب، ويزداد وهو على المنبر مِنَ المهابة والنُّور والخَفَرِ ما لا أستطيع وصفه، بحيث كنتُ إذا نظرتُ إليه وهو على المنبر، يغلبِنُي البكاء، وربما أصلح القرينة إذا لم يرتَضِها وهو على المنبر.
стр. 595
واعلم أنه كان مِنْ مقاصد شيخنا الجميلة أنَّه إذا رأى مع شخص وظيفةً لا يستحقُّها، اجتهد في استنزاله عنها، ويباشرها قليلًا، ثم يرغبُ عنها لمن يستحقها، ممَّن يكون فقيرًا، إمَّا بالقدر الذي دفعه، أو أقل.
وممَّن فعل معه ذلك: الشيخ شهاب الدين الأموي، الشهير بابن المحمِّرة، حيث رغب له عن درس الفقه بالشيخونية كما تقدم بحقِّ الشطر مما بذله هو فيها، علمًا بحاله. وكذا فعل مع العلامة البدر بن الأمانة في درسي الحديث بالمنصورية والفقه بالكهاريّة، ونحوه إعطاؤه الجمالية للشُّمُنِّي على ما سبق.
[كل ذلك قصدًا لوضع الأشياء في مستحقِّها، وإنزال النَّاس منازلهم، ومع ذلك فبلغني عنه أنه كان يقول: لا أعلمُ الآن مِنْ دروس الحديث شيئًا مع مستحقِّه، هذا مع أنَّ ذلك الزمان لم يكد يبلغ المشاهدة في هذا الأوان، فاللَّه يُحسن العاقبة] (١).
ومن مبرَّاته الحسنة: إعطاؤه للشيخ شهاب الدين الكلوتاتي عَقِبَ نزوله عن تصوُّفه بالشَّيخونية تصوفًا بالخانقاه البيبرسية مجانًا، فلما عين الكلوتاتي في المحدثين بالمؤيَّديَّة، لزم تركه لها.
[القضاء:]
وأما القضاء، فكان يرحمه اللَّه- قد عَرَض عليه القاضي صدرُ الدِّين المناوي نيابة القضاء عنه قبل القرن، فامتنع، لأنه حينئذٍ كان لا يُؤثر على الاشتغال شيئًا، ثم ولَّاه المؤيَّد الحُكم في قضية خاصَّة، وهي بين الهروي قاضي الشَّافعية إذ ذاك، وبين أخصامه الخليليين والمقادسة، وذلك في سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة. ثم ألح عليه (٢) القاضي جلال الدين بن البلقيني في القبول عنه، وكان بينهما مِنَ الوُدِّ ما اشتهر، فقَبِلَ بعد تكرير السُّؤال من
стр. 596
القاضي جلال الدين له في ذلك، ولم يباشر مِنَ الأحكام إِلَّا اليسيرَ ممَّا لا يُستغنى فيه عنه.
ولما صدرت منه الإجابةُ للقاضي جلال الدين في النِّيابة عنه، وولي بعد وفاته القاضي ولي الدين بن العراقي، التمس منه أيضًا ذلك، فلم يجد بدًّا مِنْ إجابته دفعًا لتوهُّم مزيَّةٍ للقاضي جلال الدين عليه، فلمَّا ولي القاضي عَلَمُ الدِّين، وكان قد استشير في ولايته، فقال: إنه يجيءُ منه قاضٍ، وهو كلام مديح، سأله أن ينفذ مكتوب الخشَّابيَّة، لعلوّ منزلته فنفذه، وليس في هذا كبير أمرٍ، لأن القاضي علم الدين ممَّن قرأ على شيخنا في "محاسن الاصطلاح"، وابن شيخه، فلم يتوهم أنَّه يترفَّع عليه بذلك، فما كان إِلَّا اليسير حتَّى رأى منه ما لم يألَفْهُ منه قبلُ، فكان هذا سببًا للإجابة، حين عرض عليه قضاء الدِّيارِ المصرية، واستقرَّ في ذلك يوم السبت ثاني عشري المحرم سنة سبع وعشرين وثمانمائة بعد انفصال القاضي علم الدين المذكور.
وعمل له التَّقي ابن حجة تقليدًا بديعًا، أسلفتُ ذكره في الفصل الأخير مِنَ الباب قبله (١)، وفيه ما يُشعرُ بأنَّه عرض عليه ذلك في كلِّ مِنَ الأيام المؤيِّديَّة والظَّاهريَّة ططر، فما تيسَّر إِلَّا في الأيَّام الأشرفية، فاللَّه أعلم.
وباشره بعفَّةٍ ونزاهة وتواضُع زائدٍ، واستجلابٍ لخاطر الصَّغير قبل الكبير، وتصميم في الأمور، وإحسانٍ للفقراء والطَّلبة، لكن كان بنكدٍ وعنادٍ وتعب وكثرة مُعارض وقلَّةِ إنصافٍ، وأنشد الشيخ شمس الدين محمد بن علي الهيثمي لنفسه.
عزلوا صالحًا عن (٢) الحكم لمَّا ... ألبس اللَّه أحمدَ التَّشريفا
حصل العدلُ فهو ممنوعُ صرفِ ... ثم لا زال صالحٌ مصروفًا
стр. 597
وقال صاحب التَّرجمة:
يا زاعمًا أني وليت فجُرت في ... حُكمي إذ ولَّوْهُ لم أكُ حائفا
قد كنتَ في أيام جوري آمنًا ... فاحذر أكُنْ أيَّامَ عَدلِكَ خائفا
وكان ﵀ مصمِّمًا على عدم الولاية للقضاء أصلًا، واتَّفق أنَّه قدم عليه العلامة أبو الفضل ابن الإمام التِّلمساني، وكان الآخرُ ملتزمًا أن لا يلي القضاء أصلًا، فقصَّ شيخُنا عليه منامًا رآه لنفسه، فعبَّره (١) له بأنَّه دالٌ على عدم ولايته القضاء. قال شيخنا: وليس في المنام ما يدلُّ على ذلك، غير أنه أحبَّ التَّفاؤل لي بذلك لما يحبُّه لنفسه، فلم يلبث أن أوقعَ (٢) القضاءُ والقدرُ كلَّ واحدٍ منَّا في الولاية، والأمرُ بيد اللَّه تعالى، يفعل ما يشاء. وقد قيل:
وَلِيتُ القضاءَ وَلَيْتَ القضاءَ ... لم يكن شيئًا تولَّيْتُهُ
فأوقعني في القضاءِ القضاءُ ... وما كُنْتُ قِدْمًا تمنَّيتُهُ
وأُخبرتُ عن القاضي جلال الدين البلقيني أنه قال يومًا لبعض أصحابه: إن مِتُّ، ترى كلًا مِنَ الولي العراقي والشهاب ابن حجر وأخي قاضيًا، فكان كذلك، رحمة اللَّه عليهم أجمعين.
[آفات القضاء]
وقد ندم شيخنا ﵀ على قبوله وظيفة القضاء، لكون أربابِ الدَّولةِ لا يفرِّقون بين أُولي الفضل وغيرهم، ويُبالغون في اللَّوم حيث رُدَّت إشاراتُهم، وإن لم تكن على وفق الحقِّ، بل يُعادون على ذلكَ، واحتياج القاضي بسببه إلى مداراة الكبير والصَّغير، بحيثُ لا يُمكنه مع ذلك القيامُ بكل ما يرومه على وجه العدل.
стр. 598
وصرَّح بأنه جنى على نفسه بتقليدِ أمرهم كما سيأتي كلامه (١) في قصيدته التي أجاب بها البدر ابن سلامة مِنَ المطارحات (٢)، والتي أجاب بها الصلاح الأسيوطي منَ الألغاز (٣)، بل وقع في أكثرِ ما علل به منعه قبول قضاء الشام ممَّا سيأتي قريبًا.
وسمعته يقول: إنَّ مِنْ آفات التَّلبُّس بالقضاء أنَّ بعضهم ارتحلَ إلى لقائي، وأنَّه بلغه في أثناء توجُّهه تلبُّسي بوظيفةِ القضاء فرجع. انتهى.
وبلغني أن السَّيِّد العارف باللَّه صفي الدين الإيجي عمّ أحد طلبة صاحب الترجمة صاحبنا السَّيِّد علاء الدين ممَّن اتَّفق له ذلك، [فإنه ارتحل مِنْ بلاده إلى لقاء شيخنا، فلما وصل بيتَ المقدسِ بلغه ذلك] (٤)، فرجع، واللَّه أعلم.
وكذا أخبرت عن الشيخ محمد البياتي المغربي أنَّه كان ممَّن يتردَّد إليه، ويأخذُ عنه، فلمَّا ولي القضاء، انجمع عنه، واللَّه تعالى يتجاوز عنه، فما كان مقصدُه إِلَّا جميلًا.
ولهم في فعلهم سَلَفٌ، فقد روينا عن العيشي، قال: حَدَّثَنَا الحمَّادان، أَنَّ ابن المبارك كان يتَّجِرُ ويقولُ: لولا خمسةٌ ما اتَّجرت: السُّفيانان وفُضيلٌ وابنُ السَّمَّاكِ وابنُ عُلَيَّة، فيَصِلُهم. فقدم سنةً، فقيل له: إنَّ ابنَ عُلية قد ولي القضاء، فلم يأتِهِ ولم يَصلْه، فركب ابن عُليَّة إليه، فلم يرفع به رأسًا فانصرف، فلما كان مِنَ الغدِ، كتب إليه رُقعةً يقول: قد كنتُ منتظرًا لبِرِّك، وجئتُكَ فلم تكلِّمني، فما رأيتَ مني؟ فقال ابنُ المبارك: يأبى هذا الرَّجلُ إِلَّا أن نقشِّر له العصا، ثم كتب إليه:
يا جاعِلَ العلمِ له بازيّا ... يصطاد أموال المساكينِ
احتَلْتَ للدُّنيا ولذَّاتِها ... بحيلة (٥) تذهب بالدِّينِ
стр. 599
فصرت (١) مجنونًا بها بعدما ... كنتَ دواءً للمجانينِ
أين رِواياتُك فيما مضى ... عن ابنِ عونٍ وابنِ سيرينِ
أين رواياتك في سردِها ... في تركِ أبواب السَّلاطينِ
إن قلتَ أُكرِهْتُ فذا باطلٌ ... زلَّ حمارُ العلمِ في الطينِ
فلمَّا وقف ابن عُلَيَّة عليها، قام مِنْ مجلسِ القضاء، فوطىء بساطَ الرَّشيدِ، وقال: اللَّهَ اللَّهَ، ارحم شيبتي، فإِنِّي لا أصبِرُ على القضاء، فقال: لعلَّ هذا المجنون أغراك؟ ثم أعفاه، فوجَّه إليه ابنُ المبارك حينيذٍ بالصُّرَّة.
ويُقال: إن ابن المبارك إنما كتبَ إليه هذه الأبيات لمَّا وليَ صدقات البصرة. وهو الصحيح] (٢).
وعُزل شيخنا بعدُ بيسيرٍ قبل استكمالِ سنة في الثامن أو السبع من ذي القعدة، وأعيد الشَّيخُ شمسُ الدِّين الهروي، فباشر كعادته، ثم انفصل وأُعيد صاحبُ التَّرجمة في ثاني رجب سنة ثمان وعشرين وثمانمائة، وكان -فيما قاله القاضي محبُّ الدين البغدادي كما سلف- يومًا مشهودًا، وحصل للنَّاس سروران عظيمان: أحدهما بولايته، لأن محبَّته مغروسةٌ في قلوب النَّاس، والثاني بعزل الهروي، فإنَّ القلوب كانت اتَّفقت على بُغضه، لإساءته في ولايته، وارتكابه الأمور الذَّميمة.
ثم في الثامن مِنْ رجب توجَّه إلى مصر في موكب عظيم ومعه القُضاة ونوَّابُهم والفقهاءُ مَنْ لا يكاد يحصر، وكان أيضًا يومًا مشهودًا.
وإذا لم يكن مِنَ الصَّرف بدُّ ... فليكُنْ بالكبارِ لا بالصِّغار
وإذا كانت المحاسن بعد الصـ ... ـرف محروسة فليسَ بعارِ
وقد كان عَقِب صرفه تكلَّم معه داودار السُّلطان يومئذٍ، واسمه جاني
стр. 600
بك، في وزن مالٍ ليعود، فأنشد صاحب التَّرجمة حينئذٍ قوله:
الدَّويدارُ قال لي ... أنا أقضي مآربَكْ
قم زِنِ المالَ قلت: ... لا حَفِظَ اللَّه جانِبَكْ
على [أنَّ شيخنا لم يكن يتوقَّف عَنِ البذلِ، بحيث أنَّه كان ما يكلِّفه في أيَّام الظاهر فقط ثلاثة عشر ألف دينار، الذي من خالص مالِه مِنْ ذلك ستة، وباقيه كان يدفعُه مِنْ فائض الأوقاف، ويشهدُ عليه بوصوله إليه، وأنَّه يصرفه في مصارفه، وكان يتأوَّل في ذلك كلِّه، بحيث] (١) أني قرأت بخطه ﵀ ما نصُّه: مَنْ يبذلُ في القضاء المالَ لأجل عزل زيدٍ، فينبغي أن يؤجَر، لا أن يُؤزر، والأعمال بالنيات.
قلت: وبهذا اعتذر شيخ الإسلام السِّراجُ البلقيني لحكمٍ عَنْ ولده قاضي القُضاة جلال الدين كما عُلم في محله.
ونازع القاضي نجمُ الدين ابن حجي شيخنا في هذه الولاية، إذ سعى عليه جهده، لكنه لم يتمَّ له أمرٌ، واستمرَّ صاحبُ الترجمة في وظيفته إلى أن صُرف بعد أربع سنين ودون ثمانية أشهر في يوم الخميس سادس عشري صفر سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة، وفي هذه الولاية زِيدَ في تقليده: "والبلاد الشامية"، حبث يقال: قاضي القضاة بالديار (٢) المصرية، واستمر ذلك له ولكلِّ من وَلِيَ من تاريخه.
ولما صُرف مِنْ هذه الولاية، واستقرَّ القاضي علم الدين بشرط أن لا يزيد على عشرة نواب، وصادف في ولايته وقوعُ الطَّاعون المشهور، فلله الأمر.
ثم أُعيدَ صاحبُ الترجمة في سادس عشري جمادى الأولى سنة أربع وثلاثين، وفوَّضَ شيخُنا في هذه الولاية تبعًا لمرسوم السلطان للقاضي علم الدين نظرَ جامع طولون والناصرية، فلما كان بعد استكمالِ ستِّ سنين وأزْيَدَ