القاضي جلال الدين له في ذلك، ولم يباشر مِنَ الأحكام إِلَّا اليسيرَ ممَّا لا يُستغنى فيه عنه.
ولما صدرت منه الإجابةُ للقاضي جلال الدين في النِّيابة عنه، وولي بعد وفاته القاضي ولي الدين بن العراقي، التمس منه أيضًا ذلك، فلم يجد بدًّا مِنْ إجابته دفعًا لتوهُّم مزيَّةٍ للقاضي جلال الدين عليه، فلمَّا ولي القاضي عَلَمُ الدِّين، وكان قد استشير في ولايته، فقال: إنه يجيءُ منه قاضٍ، وهو كلام مديح، سأله أن ينفذ مكتوب الخشَّابيَّة، لعلوّ منزلته فنفذه، وليس في هذا كبير أمرٍ، لأن القاضي علم الدين ممَّن قرأ على شيخنا في "محاسن الاصطلاح"، وابن شيخه، فلم يتوهم أنَّه يترفَّع عليه بذلك، فما كان إِلَّا اليسير حتَّى رأى منه ما لم يألَفْهُ منه قبلُ، فكان هذا سببًا للإجابة، حين عرض عليه قضاء الدِّيارِ المصرية، واستقرَّ في ذلك يوم السبت ثاني عشري المحرم سنة سبع وعشرين وثمانمائة بعد انفصال القاضي علم الدين المذكور.
وعمل له التَّقي ابن حجة تقليدًا بديعًا، أسلفتُ ذكره في الفصل الأخير مِنَ الباب قبله (١)، وفيه ما يُشعرُ بأنَّه عرض عليه ذلك في كلِّ مِنَ الأيام المؤيِّديَّة والظَّاهريَّة ططر، فما تيسَّر إِلَّا في الأيَّام الأشرفية، فاللَّه أعلم.
وباشره بعفَّةٍ ونزاهة وتواضُع زائدٍ، واستجلابٍ لخاطر الصَّغير قبل الكبير، وتصميم في الأمور، وإحسانٍ للفقراء والطَّلبة، لكن كان بنكدٍ وعنادٍ وتعب وكثرة مُعارض وقلَّةِ إنصافٍ، وأنشد الشيخ شمس الدين محمد بن علي الهيثمي لنفسه.
عزلوا صالحًا عن (٢) الحكم لمَّا ... ألبس اللَّه أحمدَ التَّشريفا
حصل العدلُ فهو ممنوعُ صرفِ ... ثم لا زال صالحٌ مصروفًا
стр. 597
وقال صاحب التَّرجمة:
يا زاعمًا أني وليت فجُرت في ... حُكمي إذ ولَّوْهُ لم أكُ حائفا
قد كنتَ في أيام جوري آمنًا ... فاحذر أكُنْ أيَّامَ عَدلِكَ خائفا
وكان ﵀ مصمِّمًا على عدم الولاية للقضاء أصلًا، واتَّفق أنَّه قدم عليه العلامة أبو الفضل ابن الإمام التِّلمساني، وكان الآخرُ ملتزمًا أن لا يلي القضاء أصلًا، فقصَّ شيخُنا عليه منامًا رآه لنفسه، فعبَّره (١) له بأنَّه دالٌ على عدم ولايته القضاء. قال شيخنا: وليس في المنام ما يدلُّ على ذلك، غير أنه أحبَّ التَّفاؤل لي بذلك لما يحبُّه لنفسه، فلم يلبث أن أوقعَ (٢) القضاءُ والقدرُ كلَّ واحدٍ منَّا في الولاية، والأمرُ بيد اللَّه تعالى، يفعل ما يشاء. وقد قيل:
وَلِيتُ القضاءَ وَلَيْتَ القضاءَ ... لم يكن شيئًا تولَّيْتُهُ
فأوقعني في القضاءِ القضاءُ ... وما كُنْتُ قِدْمًا تمنَّيتُهُ
وأُخبرتُ عن القاضي جلال الدين البلقيني أنه قال يومًا لبعض أصحابه: إن مِتُّ، ترى كلًا مِنَ الولي العراقي والشهاب ابن حجر وأخي قاضيًا، فكان كذلك، رحمة اللَّه عليهم أجمعين.
[آفات القضاء]
وقد ندم شيخنا ﵀ على قبوله وظيفة القضاء، لكون أربابِ الدَّولةِ لا يفرِّقون بين أُولي الفضل وغيرهم، ويُبالغون في اللَّوم حيث رُدَّت إشاراتُهم، وإن لم تكن على وفق الحقِّ، بل يُعادون على ذلكَ، واحتياج القاضي بسببه إلى مداراة الكبير والصَّغير، بحيثُ لا يُمكنه مع ذلك القيامُ بكل ما يرومه على وجه العدل.
стр. 598
وصرَّح بأنه جنى على نفسه بتقليدِ أمرهم كما سيأتي كلامه (١) في قصيدته التي أجاب بها البدر ابن سلامة مِنَ المطارحات (٢)، والتي أجاب بها الصلاح الأسيوطي منَ الألغاز (٣)، بل وقع في أكثرِ ما علل به منعه قبول قضاء الشام ممَّا سيأتي قريبًا.
وسمعته يقول: إنَّ مِنْ آفات التَّلبُّس بالقضاء أنَّ بعضهم ارتحلَ إلى لقائي، وأنَّه بلغه في أثناء توجُّهه تلبُّسي بوظيفةِ القضاء فرجع. انتهى.
وبلغني أن السَّيِّد العارف باللَّه صفي الدين الإيجي عمّ أحد طلبة صاحب الترجمة صاحبنا السَّيِّد علاء الدين ممَّن اتَّفق له ذلك، [فإنه ارتحل مِنْ بلاده إلى لقاء شيخنا، فلما وصل بيتَ المقدسِ بلغه ذلك] (٤)، فرجع، واللَّه أعلم.
وكذا أخبرت عن الشيخ محمد البياتي المغربي أنَّه كان ممَّن يتردَّد إليه، ويأخذُ عنه، فلمَّا ولي القضاء، انجمع عنه، واللَّه تعالى يتجاوز عنه، فما كان مقصدُه إِلَّا جميلًا.
ولهم في فعلهم سَلَفٌ، فقد روينا عن العيشي، قال: حَدَّثَنَا الحمَّادان، أَنَّ ابن المبارك كان يتَّجِرُ ويقولُ: لولا خمسةٌ ما اتَّجرت: السُّفيانان وفُضيلٌ وابنُ السَّمَّاكِ وابنُ عُلَيَّة، فيَصِلُهم. فقدم سنةً، فقيل له: إنَّ ابنَ عُلية قد ولي القضاء، فلم يأتِهِ ولم يَصلْه، فركب ابن عُليَّة إليه، فلم يرفع به رأسًا فانصرف، فلما كان مِنَ الغدِ، كتب إليه رُقعةً يقول: قد كنتُ منتظرًا لبِرِّك، وجئتُكَ فلم تكلِّمني، فما رأيتَ مني؟ فقال ابنُ المبارك: يأبى هذا الرَّجلُ إِلَّا أن نقشِّر له العصا، ثم كتب إليه:
يا جاعِلَ العلمِ له بازيّا ... يصطاد أموال المساكينِ
احتَلْتَ للدُّنيا ولذَّاتِها ... بحيلة (٥) تذهب بالدِّينِ
стр. 599
فصرت (١) مجنونًا بها بعدما ... كنتَ دواءً للمجانينِ
أين رِواياتُك فيما مضى ... عن ابنِ عونٍ وابنِ سيرينِ
أين رواياتك في سردِها ... في تركِ أبواب السَّلاطينِ
إن قلتَ أُكرِهْتُ فذا باطلٌ ... زلَّ حمارُ العلمِ في الطينِ
فلمَّا وقف ابن عُلَيَّة عليها، قام مِنْ مجلسِ القضاء، فوطىء بساطَ الرَّشيدِ، وقال: اللَّهَ اللَّهَ، ارحم شيبتي، فإِنِّي لا أصبِرُ على القضاء، فقال: لعلَّ هذا المجنون أغراك؟ ثم أعفاه، فوجَّه إليه ابنُ المبارك حينيذٍ بالصُّرَّة.
ويُقال: إن ابن المبارك إنما كتبَ إليه هذه الأبيات لمَّا وليَ صدقات البصرة. وهو الصحيح] (٢).
وعُزل شيخنا بعدُ بيسيرٍ قبل استكمالِ سنة في الثامن أو السبع من ذي القعدة، وأعيد الشَّيخُ شمسُ الدِّين الهروي، فباشر كعادته، ثم انفصل وأُعيد صاحبُ التَّرجمة في ثاني رجب سنة ثمان وعشرين وثمانمائة، وكان -فيما قاله القاضي محبُّ الدين البغدادي كما سلف- يومًا مشهودًا، وحصل للنَّاس سروران عظيمان: أحدهما بولايته، لأن محبَّته مغروسةٌ في قلوب النَّاس، والثاني بعزل الهروي، فإنَّ القلوب كانت اتَّفقت على بُغضه، لإساءته في ولايته، وارتكابه الأمور الذَّميمة.
ثم في الثامن مِنْ رجب توجَّه إلى مصر في موكب عظيم ومعه القُضاة ونوَّابُهم والفقهاءُ مَنْ لا يكاد يحصر، وكان أيضًا يومًا مشهودًا.
وإذا لم يكن مِنَ الصَّرف بدُّ ... فليكُنْ بالكبارِ لا بالصِّغار
وإذا كانت المحاسن بعد الصـ ... ـرف محروسة فليسَ بعارِ
وقد كان عَقِب صرفه تكلَّم معه داودار السُّلطان يومئذٍ، واسمه جاني
стр. 600
بك، في وزن مالٍ ليعود، فأنشد صاحب التَّرجمة حينئذٍ قوله:
الدَّويدارُ قال لي ... أنا أقضي مآربَكْ
قم زِنِ المالَ قلت: ... لا حَفِظَ اللَّه جانِبَكْ
على [أنَّ شيخنا لم يكن يتوقَّف عَنِ البذلِ، بحيث أنَّه كان ما يكلِّفه في أيَّام الظاهر فقط ثلاثة عشر ألف دينار، الذي من خالص مالِه مِنْ ذلك ستة، وباقيه كان يدفعُه مِنْ فائض الأوقاف، ويشهدُ عليه بوصوله إليه، وأنَّه يصرفه في مصارفه، وكان يتأوَّل في ذلك كلِّه، بحيث] (١) أني قرأت بخطه ﵀ ما نصُّه: مَنْ يبذلُ في القضاء المالَ لأجل عزل زيدٍ، فينبغي أن يؤجَر، لا أن يُؤزر، والأعمال بالنيات.
قلت: وبهذا اعتذر شيخ الإسلام السِّراجُ البلقيني لحكمٍ عَنْ ولده قاضي القُضاة جلال الدين كما عُلم في محله.
ونازع القاضي نجمُ الدين ابن حجي شيخنا في هذه الولاية، إذ سعى عليه جهده، لكنه لم يتمَّ له أمرٌ، واستمرَّ صاحبُ الترجمة في وظيفته إلى أن صُرف بعد أربع سنين ودون ثمانية أشهر في يوم الخميس سادس عشري صفر سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة، وفي هذه الولاية زِيدَ في تقليده: "والبلاد الشامية"، حبث يقال: قاضي القضاة بالديار (٢) المصرية، واستمر ذلك له ولكلِّ من وَلِيَ من تاريخه.
ولما صُرف مِنْ هذه الولاية، واستقرَّ القاضي علم الدين بشرط أن لا يزيد على عشرة نواب، وصادف في ولايته وقوعُ الطَّاعون المشهور، فلله الأمر.
ثم أُعيدَ صاحبُ الترجمة في سادس عشري جمادى الأولى سنة أربع وثلاثين، وفوَّضَ شيخُنا في هذه الولاية تبعًا لمرسوم السلطان للقاضي علم الدين نظرَ جامع طولون والناصرية، فلما كان بعد استكمالِ ستِّ سنين وأزْيَدَ
стр. 601
مِنْ أربعة أشهر في يوم الخميس خامس شوال سنة أربعين صُرف شيخُنا، واستقرَّ القاضي عَلَمُ الدين.
[وصار الزَّيني عبد الباسط يبلغ صاحبَ الترجمة في مدة بطالته يلفت السُّلطان إلى السلام عليه ومحادثته، ويقول له: إنَّ البلقيني (١) يطلع إلينا في أيام البطالة، فلم يقطع عنا قبوله وإقباله، فلم يسعه إلا الامتثال على طريق الاعتدال، فلمَّا اجتمعا، أخذ السُّلطانُ في التشوّق إليه بعد مزيد الإقبال عليه، فأنشده صاحبُ الترجمة لغيره:
محبُّكم اختار عنكم بعادَه ... وما كان منكم مُؤثِرًا بنصيبهِ
ولكن رضيتم بُعده عَنْ جنابكم ... فآثر ما تَرْضَوْنَه ورضِي بهِ
فأطرق السُّلطان رأسه وخجل، فبادر عند ذلك شيخُنا، فقرأ الفاتحة، ودعا وانصرف. فلمَّا ولَّى، أرسل السُّلطان للزيني يُعلمه بأمر صاحب الترجمة بالطُّلوع في غدٍ ليعيده إلى وظيفته، فامتثل أمر السلطان] (٢).
وأعيد شيخُنا في سادس شوال سنة إحدى وأربعين.
فلما كان التاسع من شهر ربيع الآخر (٣) مِنَ السنة التي تليها عند قراءة تقليد الظاهر جُقمق بالقصر، جرى كلامٌ يتعلَّق بالقُضاة، فقال شيخنا: عزلتُ نفسي، فقال له السُّلطان: أعدتُكَ، فقبل وخَلَعَ عليه وعلى رفقته.
ورسم حينئذٍ بإعادة الأوقاف التي كانت خرجت قبل، وهي وقف قراقوش في ولاية العراقي، ووقف بيبغا التُّركماني في ولاية ابن البلقيني، ووقف الأسدي في ولايته، ووقف الطَّيبرسيَّة المجاورة للجامع الأزهر، فأُعيد ذلك كله بتوقيعٍ جديدٍ، ووقع الإشهادُ على السُّلطان بذلك في أول جماد الثاني حين التَّهنئة بالشهر بحضور القُضاة، وأكد عليه في أن لا يقبل
стр. 602
رسالة متجوِّه، ولا يؤجِّرَ وقفًا لذي جاهٍ، لسؤاله لهم في التَّأكيد عليه بذلك، لينتفع به في الوصول إلى غرض الحق، فما أحسنَ ذلك لو تمَّ.
فلمَّا كان المحرم من سنة أربع وأربعين، عين السُّلطان للقضاء الشيخ شمس الدين الونائي (١)، بعد أن أرسل لشيخنا أن لا يخطُبَ به يوم الجمعة، فخطب به أوَّل صفر القاضي برهان الدين بن المَيْلَق، لكنه ما تمَّ للونائي أمرٌ، وأُعيدَ صاحبُ الترجمة إلى وظيفته بسفارة تلميذه النَّاصري محمد ابن السلطان جُقمق في يوم الإثنين سادس عشر الشهر المذكور، وكان يومًا مشهودًا.
ووقعت قضيةٌ، وأظنها في هذه الولاية، وهي أنَّ السُّلطان قرَّر بعض الأمراء في شيءِ مِنَ الأنظار التي كان استرجعها صاحبُ الترجمة، وجاءه الرسول عَنِ السُّلطان بأنَّه إن لم يُجِبْ لذلك [وإلَّا. . . وسكت الرسولُ، فبادر بعزل نفسه] (٢)، وقال: عثر الحمار كان بشهوة المكاري، ثم صرف في يوم الاثنين خامس عشر ذي القعدة سنة ست وأربعين، وروسِلَ بالاجتماع بالسُّلطان، فاجتمع به (٣) بعد يومين يوم الخميس، فبيَّن له عذرَه فيما كان نُسِبَ إليه، فعذَرَه وأعاده إلى الوظيفة بعد أن كان الشيخ قد صمَّم على عدم القَبُول مِنْ أول يوم، لكن أشار عليه المالكيُّ -وهو من تلامذته- بخلاف ذلك، حفظًا -زعم- لمالِه وولدِه وعِرضِه، فقَبِل حينئذٍ.
فلما كان في يوم الإثنين رابع ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين، لبس خُلعَةَ الرِّضا، لكون السُّلطان كان قد عزله في اليوم الماضي، فلما كان في ليلة الجمعة الثامن مِنَ المحرم سنة تسع وأربعين، سقطت المنارةُ التي للفخريَّة القديمة في سويقة الصَّاحب، وهي مدرسةٌ قديمة جدًا مِنْ إنشاء الفخر عثمان بعد السِّتمائة.
стр. 603
قلت: لها ذكرٌ عند المنذري في "التكملة" (١) له في سنة سبع وثلاثين وستمائة، حيث أرَّخ وفاة الفقيه إسماعيل بن إبراهيم بن غازي بن علي النُّميري الحنفي، عُرف بابن فلوس، فإنَّه قال في ترجمته أيضًا ما نصه: ودَرَّس بمدرسة الأمير فخر الدين عثمان بالقاهرة مدَّةَ. انتهى. فهي هذه.
وقد بناها بعد هذه الكائنة نظامُ المملكة الجمالي ناظرُ الخواصِّ يوسف ابن كاتب جكم، تقبَّل اللَّه منه.
وكانت المئذنةُ مالت قليلًا، فحُذِّرَ السكانُ بالرّبعِ المجاور لها، وهو مِنْ جملة أوقافها، فتهاونوا في ذلك، إلى أن سقطت بالعرض على واجهة المدرسة ووجه الربع، فنزلا بعضٌ على بعضٍ، وهلك تحت الرَّدمِ جماعةٌ، فاجتمع الوالي والحاجبُ، واستخرجوا كثيرًا مِنَ الأموات والأحياء، كل منهم مصاب بيد أو رِجل أو ظهر، فبلغ ذلك السلطان، فتغيَّظ منه، وطلب النَّاظرَ على المدرسة، وهو نور الدين القليوبي أمين الحكم، وأحد النواب، فتغيَّظ عليه، وظنَّ أنه ينوبُ في ذلك عَنْ صاحب الترجمة إلى أن انكشف الغطاء بأنه ليس له في ذلك ولايةٌ ولا نيابةٌ ولَا عُرف بشيءٍ مِنْ ذلك منذ وَلِيَ وإلى تاريخه، لكن انتهز الأعداءُ الفرصةَ، وأوصلوا إلى السُّلطان أنَّ صاحب الترجمة يتبجَّح بأنه كان أصلًا عظيمًا في استقراره (٢) في السَّلطنة، وأنَّه ينسُب السلطان إلى الظلم ونحو ذلك، بل ألقَوْا في أذنه أنَّه التمس مِنْ رفيقه القاضي الحنفي أن ينفِّذ ما يصدرُ منه [من الحكم] (٣) بخلعه، وكان ذلك ممَّا أسرَّه شيخنا لقاضي القُضاة سعد الدين بن الديري وثُوقًا به، كما أخبرني به ابن الدَّيري المذكور بعدُ، فنمَّ عليه بصفاءِ خاطره، لا قصدًا للأذيَّة، فازداد غضبُه، وراسله (٤) بالعزل في يوم الإثنين حادي عشر الشهر
стр. 604
المذكور [بعد استكمال سبع سنين وأزيد من ثلاثة أشهر] (١)، وأن يغرَّمَ دِيَةَ الموتى، وأخذ في مقاهرته حتَّى أخرَجَ عنه نظرَ البيبرسية ومشيختها، ولولا بركةُ النبيِّ ﷺ ، لكان الأمر أشدَّ مِنْ ذلك.
ومن تكن برسول اللَّه نصرتُه ... إنْ تَلْقَهُ الأسْدُ في آجامها تجمِ
ولهذا راسله شيخنا مع العلاء بن أقبرس يقولُ له: القاضي جلال الدين البلقيني قتيل طَطَر، والقاضي وليُّ الدين بن العراقي قتيلُ الأشرف برسباي، وأنا قتيلُك، وأرجو أن اللَّه تعالى يقتصُّ للمظلوم مِنَ الظَّالم، أو معنى هذا، ولكن قيل: إنَّ العلاء استشار الخليفة (٢) في تبليغ هذه الرسالة، فمنعه مِنْ ذلك خشيةً على صاحب التَّرجمة، فاللَّه أعلم.
ولما كان يوم الخميس رابع عشرة، طُلب الشيخ شمس الدين القاياتي إلى القلعة، لتقليد القضاء بعدَ أن كان القاضي كمال الدين بن البارزي حسَّن له الولاية، وأظهر هو له كراهتها وعدم الرَّغبة فيها، ثم اجتمع بالعلَّامة مفخر الوقت الأمين الأقصرائي، واْظهر له ذلك أيضًا، فوافقه على هذا، وأنه هو الخيرُ في الدُّنيا والآخرة. قال: ويتم لك ذلك إن شاء اللَّه بعدم الموافقة على الاجتماع بالسلطان، والتَّصميم على عدم القبول، وتفارقا على ذلك، فما تمَّ هذا الأمر.
وصعد في اليوم المذكور صحبة الكمال، فاجتمع بالسلطان، وأمره بذلك، فأجاب باشتراط أمورِ أجابه إليها، والتمس منه أن يلبسَ الخُلعة والتَّشريفَ على العادة، فامتنع وتقلَّد ورجع وهو راكب بغلة لكاتب السِّر ابن البارزي بثيابه البيضِ وطيلسانه، فدخل الصَّالحيةَ وصُحبته جماعة المباشرين والدوادار الكبير والثاني على العادة، [ولم يسمع الدعوى التي جرت العادة] (٣) بها، ثم توجَّه إلى منزله، فاستدعى بمباشري المودع والأوقاف، وهرع النَّاسُ
стр. 605
للسلام عليه وعلى صاحب التَّرجمة، بل سلَّم كلُّ واحدٍ منهما على الآخر بمنزله، وأنشد شيخنا إذ ذاك ما رآه فيما يغلبُ على ظنِّي في "مرآة الزمان" لسبط بن الجوزي، حيث قال: عُزِلَ أبو عمر بن عبد الواحد عن قضاء البصرة، وقُلِّدَ أبو الحسن بن أبي الشَّوارب، يعني محمد بن الحسن بن عبد اللَّه، المتوفى سنة تسع وأربعين وثلاثمائة، فقال العصفريُّ الشاعر:
عندي حديث ظريف ... بمثله يُتغنى
مِنْ قاضيين يُعزَّى ... هذا وهذا يُهَنَّا
فذا يقول: اكرَهُونا ... وذا يقول: استرحنا
ويكذبان ونهذي ... بِمَنْ يصدّقُ منّا
وكان كافَّةُ الناس -إلَّا مَنْ شذَّ- توهَّم أنَّهما من إنشائه، مع أنَّهما في كتاب متداول بأيدي جَمْعٍ مِنَ الفُضلاء، وهو "معيد النعم ومبيد النقم" (١) للتاج السبكي، لكن شطر ثانيهما (٢) عنده:
ويكذباني جميعًا ... ومَنْ يصدّق منّا
وبلغ ذلك القاياتي، فتأثَّر وضمَّ ذلك لما كان عنده قبل، حيث وقع بينه وبينَ العلَّامة العلاء القلقشندي، وهما بمجلس شيخهما صاحب الترجمة، مباحثة سطا فيها العلاءُ عليه، فلم ينتصر شيخهما، بل سكت بناءً على أنه لا يُنسب لساكت قول.
[وصار (٣) القاياتي يقول عَقِبَ ذلك: قد كنتُ أردت القيامَ حين ابتداء العلاء، فمنعني الشيخُ مِنْ ذلك، فكأنه كان يحبُّ ما وقع، ومعاذَ اللَّه أن
стр. 606
يظنَّ بشيخنا ذلك، لا سيما وقد صرّح بما يُقبل مِنْ مثله ويُعذَرُ به، والأعمالُ بالنيات. هذا مع كون القاياتي ﵀ كان كثيرَ التحمُّل وعدم إظهارِ ما يتَّفق ممَّا يشبه هذا.
ولقد حكى لي بعضُ مَنْ أثِقُ به أنَّه عُقِد مجلسٌ بالمؤيدية بين يدي شيخنا وبقيَّة القضاة، وحضر كاتبُ السِّرِّ البدري بن مزهر والدوادار أزبك وجماعة، لإخراج مَنِ استقرَّ فيها بنزولٍ، لكونه خلافَ شرط الواقف. وحضر مِنْ أعيان الجماعة بها القاياتي والأبناسي والشهاب بن هشام، فجلسوا بين يدي شيخنا، وشرع شيخُنا في الكلام، فبادره الثلاثة، فاغتاظ عليهم، وقال: من أدبكم لم لا تسمعون كلامي إلى آخره؟ فإن وجدتموه وافيًا بالغرضِ فذاك، وإلَّا فتمِّمُوه، فسكتوا عن آخرهم.
قال الحاكي: واتفق أنني اجتمعت بابن هشام، فرأيته متألِّمًا بسبب مخاطبة شيخنا لهم بذلك، وذكر ما لا أحبُّ إثباته. قال: ثم لقيتُ الأبناسي، فأبلغته المقالة المشار إليها فأنكرها، وقال: لستُ أقطع ما بيني وبينه، وأمتنع عن مصالحَ وشفاعاتٍ تُلتَمَسُ منِّي عنده لأجل كلمة. مع أن الأدب فيما رسم به، بل هو أستاذُنا وشيخُنا.
قال: ولقيتُ القاياتي، فذكرتُ له مقالة كلٍّ منهما، فلم يُبْدِ كلمةً، ولا خاض في شيءٍ مِنَ الطريقين، ﵏ أجمعين].
ولم يلبث القاياتي إلا يسيرًا، وفَجَأَهُ الموت، فأصابته (١) يوم السبت تاسع عشر (٢) المحرم سنة خمسين حمَّى صفراوية، ولم يكن قبل ذلك يتداوى، فحمله أولاده في هذه المرضة على التداوي والحُقنة، فخبطوا في أمره، فحطَّت قوَّتُه، ولم يزل مرضه يتزايد حتى مات بُكرة يوم الإثنين ثامن عشر (٣) المحرم المذكور، فأُعيد صاحب الترجمة بعد سبعة أيام في يوم
стр. 607
الإثنين خامس صفر سنة (١) خمسين، وهذه الكرَّة الخامسة، وفرح الناس بذلك كثيرًا، واستمرَّ إلى أن انفصل في أواخر ذي الحجة من السنة، [وفي أثناء هذه الولاية أُلبِسَ خُلعة الرِّضا] (٢) وقُرِّرَ ابن البلقيني في أول يوم مِنَ المحرم سنة إحدى وخمسين، ثم أعيد في يوم الإثنين ثامن ربيع الثاني سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة بعد انفصال القاضي ولي الدين السَّفطي، فإنه كان استقرَّ عقب ابن البلقيني في العاشر مِنْ شهر ربيع الآخر من سنة إحدى وخمسين، فأقام شيخُنا يسيرًا، ثم انفصل في خامس عشري جمادى الثاني من السَّنة بعد سبعة وسبعين (٣) يومًا، وأُعيد ابن البلقيني في يوم الثلاثاء عشرينه، وكانوا راموا انفصال صاحب الترجمة قبلُ بالشَّرف المناوي بعد أن أعطوا (٤) الشَّرفَ تدريس الشافعي، فما وافق استحياءً مِنْ صاحب الترجمة.
ولما ولي ابنُ البلقيني، توجَّه شيخُنا للسَّلام عليه، فباسطه وعرّفه أنه لم يَصِرْ له رغبة في القضاء لتطمين فكره، ثم أمر نقيبه بالتوجُّه إليه، ويأمره أن يحلف له أيمانًا مغلَّظة -ولو بالطَّلاق- أنَّ شيخنا صاحبَ التَّرجمة ما بقيت فيه شعرة تقبلُ اسم القضاء، ويلتمس منه أن تكون أمورُ ابنه عنده مرعيةً، لأنه هو المحرِّك لوالده في ذلك، بل كثيرًا هو الذي كان يسعى ويتكلَّف مِنْ غير علمِ والده إلى أن يُجابَ، ففعل النَّقيبُ -وهو القاضي شهاب الدين بن يعقوب- ذلك، فازداد القاضي علمُ الدين بذلك طمأنينة، وأخذ كلُّ واحدٍ منهما في التودُّد لصاحبه، حتى إنَّه ختم "البخاري" المقروء لجهته في أواخر شعبان، فحضر القاضي، وماتت الشَّريفة ابنة أخت جهة (٥) صاحب الترجمة، فحضر أيضًا للصلاة عليها، وردَّد الناسُ فكرهم في أيِّهما يصلي إمامًا وفي محل الصلاة، لأن محلَّ دفنها بالقُرب مِنْ جامع المارداني،
стр. 608
وبيتها بالقُرب مِنْ منزل شيخنا، فما شعروا إلَّا وقد أمر صاحبُ التَّرجمة، بإدخال الجنازة: جامع الأقمر، وقدَّم الشَّريفَ النَّسَّابة للصَّلاةِ، قائلًا له: تقدَّم يا سيِّد، فإنَّها ابنةُ عمِّك وأنت أحقُّ بها، فكانت مِنْ النكت اللطيفة.
ونحوه ما اتَّفق قبل ذلك أنَّهما اجتمعا في وليمةٍ عند القاضي أبي العدل البلقيني في مدرستهم، وكان بينهما إذ ذاك شيءٌ، وشيخُنا هو القاضي حينئذٍ، فحضرت الصَّلاةُ، فقدم الشيخ نور الدين بن الركَّاب المقرىء للصلاة إمامًا.
وأين هذا مما اتَّفق، وهو أنه في رجب سنة ثمان وثلاثين توفي الشهابُ أحمد بن ناصر الدين محمد بن أبي بكر بن رسلان البلقيني، قريب قاضي القضاة علم الدين، فحضر شيخُنا صاحبُ التَّرجمة -وهو إذ ذاك صاحبُ المنصب- جنازتَه مع قريبه، فلمَّا انتهيا إلى قُرب محل الصَّلاة، أمر القريب بوضع النَّعش، وتقدم للصَّلاة عليه إمامًا، فركب صاحبُ التَّرجمة بغلته وانصرف.
ولفعل القاضي علم الدين هذا لمَّا توفي القاضي تقي الدين البلقيني، [وذلك في شوال من السنة] (١)، وكان شيخنا إذ ذاك أيضًا قاضيًا، حضر إلى بيته فعزّى ولدَه وانصرف، واعتذر عن عدم الحضُور بقوله: القريبُ أولى.
ولما حضر البلقيني في ختم "البخاري" المشار إليه. سأل بعض الفضلاء عن الحكمة في انفراد طلحة بالقيام لكعب في قصَّة توبته ﵄، فبادر القاضي بقوله: لقرابةٍ بينهما، فعارضه حفيدُ أخيه القاضي علاء الدين في ذلك بقوله: مِنْ أين القرابةُ؟ وأيَّده شيخُنا بقوله: أحسنت بارك اللَّه فيك لم تكن بينهما قرابةٌ أصلًا. نعم، لو قال القاضي لمؤاخاةِ النَّبيِّ ﷺ بينهما، لكان أحسن (٢)، فتغيَّر خاطِرُه من ذلك، وبادر حين فراغِ المجلس، واستجازه القارىء -وهو سبطُ شيخنا على العادة- إلى الإجازة، فتبسَّم
стр. 609
صاحبُ التَّرجمة قائلًا له: مولانا قاضي القضاة أحبَّ إتحاف الجماعة بإجازته، لعلمه بحصولها لهم في كلِّ وقت منَّا.
واستمر شيخنا منفصلًا عَنِ القضاء، مخلصًا في عدم الرغبة إلى العَوْدِ إليه حتى مات، وما ذاك إلَّا لإرادة الخير به، وإلَّا فقد سمعتُه مرارًا عقِبَ عزله بالقاياتي يحكي عن بعض الأكابر قوله: ما سُررنا بالولاية، لكن ساءنا العزلُ. وقال في "شرح البخاري" عند حديث "تجدون خير الناس في هذا الشأن -أي الولاية والإمرة- أشدّهم له كراهية": معناه أنَّ الدُّخول في عهدة الإمرة مكروه مِنْ جهة تحمّل المشقَّة فيه، وإنَّما تشتدُّ الكراهةُ له مِمَّن يتَّصفُ بالعقل والدِّين، لما فيه مِنْ صعوبة العمل بالعدل وحمل النَّاس على رفع الظلم، ولما يترتب عليه مِنْ مطالبة اللَّه تعالى للقائم به مِنْ حقوقه وحقوق عباده، ولا تخفى خيريَّةُ مَنْ خاف مقامَ ربِّه.
وأمَّا قوله: "وتجدون مِنْ خير النَّاس أشدَّ النَّاس كراهيةً لهذا الشأن حتى يقع فيه"، فإنه قيَّدَ الإطلاقَ في الرِّواية الأولى، وعرف أنَّ "مِنْ" فيه مُزادةٌ، وأن مَنِ اتُّصفَ بذلك، لا يكون خيرَ النَّاس على الإطلاق.
وأمَّا قوله: "حتى يقع فيه"، فاختُلفَ في معناه، فقيل: معناه: أن مَنْ لم يكن حريصًا على الإمرة، غير راغبٍ فيها، إذا حصلت له بغير سؤالٍ تزولُ عنه الكراهة فيه، لما يرى مِنْ إعانة اللَّه تعالى له عليها، فيأمن على دينه مَنْ كان يخاف عليه منها قبل أن يقع فيها، ومِنْ ثمَّ أحب بعضُ مَنْ دخل فيها مِنَ السَّلفِ الصَّالحِ استمرارها حتى قاتل عليها، وصرَّحَ بعضُ مَنْ عُزِلَ منهم، بأنَّه لم تسرّه الولاية، بل ساءه العزل. وقيل: المراد بقوله: "حتى يقع فيه"، أي: فإذا وقع فيه، لا يجوز له أن يكرهه. وقيل: معناه أنَّ العادة جرت بذلك، وأنَّ مَنْ حرَصَ على الشَّيء ورغِب في طلبه، قلَّ أن يحصُلَ له، ومَن أعرض عَنِ الشَّيء، وقلَّت رغبتُه فيه، يحصل له غالبًا.
قلت: وقد قال بعضهم:
حُمِلْتُ على القضاء فلم أُرِدْه ... وكان عليَّ أثقلَ مِنْ ثبيرِ
стр. 610
فلمَّا أن عُزِلْتُ جعلتُ أشدو ... لقد أنقذت مِنْ شرٍّ كبير
ومدَّة ولاياته في المِرار كلِّها تزيد على إحدى وعشرين سنة بأشهر.
[بعض أعماله في القضاء:]
وكان ﵀ ذا دُرْبَةً (١) بالأحكام، وخبرةٍ بالمصطلح، له قوماتٌ في اللَّه تعالى، لا سيَّما في ولايته القضاء. فمِنْ ذلك أنَّه في السَّنة الأولى من ولايته، عقد مجلس بسبب أخذِ الزكاة مِنَ التُّجار، فقام مع التُّجار قصدًا لعدم تطرُّق الظلم إليهم (٢)، وأيَّدهم بقوله: أما التُّجَّار، فإنهم يؤدُّون إلى السَّلطنة مِنَ المكوس أضعافَ مقدار الزكاة، وهم مأمونون على ما تحت أيديهم مِنَ الزكاة، وأمَّا زكاةُ الماشية، فليس في الديار المصرية -غالبًا- سائمة، وأمَّا زكاة النَّبات، فغالبُ مَنْ يزرع مِنْ فلَّاحي السلطان أو الأمراء. وتبِعَهُ المالكي والحنبلي، وانفرجت عَنِ التُّجار وغيرهم. فرحمه اللَّه تعالى ورضي عنه.
ومنه كائنة الشيخ شمس الدين محمد (٣) بن عمر الميموني، حكم التَّفَهْني بزندقته وسفْكِ دمه، وكان فيها شائبة نفسية، والتمس التَّفَهْني مِنَ الحنبلي التَّنفيذَ، فامتنع إلَّا بعد الشَّافعيِّ، وهو صاحب التَّرجمة، فسُئِلَ فامتنع حتى قال له السلطان، فقال: قد وقَعَتْ عندي ريبةٌ تمنع مِنَ التَّنفيذ، ثم أبداها، وكانت قضية (٤) طويلة، تعصب أكثر الجند (٥) وغيرهم فيها على الميموني تبعًا للتَّفَهْني، وآل أمره إلى أن انفك مِنَ القتل على يد صاحب التَّرجمة قصدًا للحق.
ونحوُ هذه الواقعة في زمن التقي بن دقيق العيد كائنة فتح الدين
стр. 611
أحمد بن محمد البَققي المصري، إلَّا أن الميموني لم يُقتل، وهذا قُتِلَ باجتهاد علي بن مخلوف النُّويري المالكي القاضي، وقيامه في ذلك، وكان الفتحُ يكثرُ الوقيعة فيه.
واتَّفق لصاحب التَّرجمة أنه عُقد مجلس بسبب شخص وقع في بعض الأئمة، وراموا تكفيره فعاكسهم، وقرر مسألة سابِّ الصَّحابي، فكان ذلك سببًا للكفّ عن قتله، وقد قال في "فتح الباري" ما نصُّه: اختلف في سابِّ الصَّحابيِّ، فقال عياض: ذهب الجمهورُ إلى أنَّه يُعزَّر، وعن بعض المالكية: يُقتل، وخصَّ بعضُ الشَّافعية ذلك بالشيخين والحسن والحسين، فحكى القاضي حسين في ذلك وجهين، وقوَّاه السُّبكي الكبير في حقِّ مَنْ كفَّر الشَّيخين، وكذا مَنْ كفَّر مَنْ صرَّح النبيُّ ﷺ بإيمانه، أو تبشيره بالجنة، إذا تواتر الخبرُ بذلك عنه، لما تضمَّن مِنْ تكذيب رسول اللَّه ﷺ . نسأل اللَّه السلامة.
ومنه أنَّه تكلَّم مع السُّلطان في أن لا تُطفأ القناديلُ في رمضان إلَّا قُبيل طلوع الفجر، لما يحصُل مِنَ الإجحاف بالنَّاس ممَّن ينامُ ثمَّ يستيقظ وهو عطشان، حيث يمتنع عَنِ الشرب ظنًّا منه أنَّ ذلك حَرُمَ، فوافق السُّلطان على ذلك ثم عُقد مجلس بسببه، فاتَّفق مَنْ حضر على أنَّه يترتَّبُ على ذلك أنْ يغلطَ مَنْ كان يعرفُ العادة المستمرَّة، فيبطل صومُه، فتوقَّف الأمرُ، واستمرت العادة، وكان ممَّن قام في الشِّقِّ الثاني: العلامة شهاب الدين بن المجدي.
وكان مقصِدُ شيخنا جميلًا، لا سيما وقد صحَّ: "لا يزال النَّاسُ بخير ما عجَّلوا الفطر وأخَّروا السَّحور". وقد قال ﵀ في "فتح الباري": مِنَ البدع المنكرة ما أحدث الناسُ في هذا الزمان من إيقاع الأذان الثاني قبل الفجر بنحو ثلث ساعة في رمضان وإطفاء المصابيح التي جعلت علامةً لتحريم الأكل والشُّرب على مَنْ يريد الصِّيامَ، زعمًا ممَّن أحدثه أنه للاحتياط في العبادة (١)، ولا يعلم بذلك إلَّا آحاد الناس، وقد جرَّهم ذلك إلى أن
стр. 612
صاروا لا يؤذنون إلا بعد المغرب بدرجة، لتمكين (١) الوقت -زعموا-, فأخَّروا الفِطرَ وعجَّلوا السَّحور، فخالفوا السُّنَّة، فلذلك قلَّ عنهمُ الخيرُ، وكثُر فيهمُ الشَّرُّ، واللَّه المستعان.
ومنه أنه قدِمَ العلامة علاء الدين البخاري، والتمس مِنَ السلطان إبطالَ إدارة المحمل، حسمًا لمادة الفساد التي جرت العادة بوقوعه عند إدارته ليلًا ونهارًا، فأمر السُّلطانُ القضاة وكاتب السِّرِّ بالتوجُّه إلى الشيخ، والتكلم معه في المسألة ففعلوا، فكان مِنْ كلام صاحب التَّرجمة -وهو الشَّافعي-: ينبغي النظرُ في السبب في هذه الإدارة، فيعمل بما فيه المصلحة منها، ويُزال ما فيه المفسدة، وذلك أن الأصل فيه إعلام أهل الآفاق أن الطريق مِنْ مصر إلى الحجاز آمنة، وأن من شاء أن يَحُجَّ، فلا يتأخر خشية خوف الطَّريق، وذلك لما كان حدث قبل ذلك مِنَ انقطاعِ الطَّريق إلى مكة مِنْ جهة مصر، كما هي الآن منقطعة غالبًا مِنْ العراق، فالإدارة لعلَّها لا بأس بها لهذا المعنى، وما يترتَّبُ عليها مِنَ المفاسد يمكن إزالتُه بأن يبطل الأمر بزينة الحوانيت، فإنَّها السَّببُ في جلوس الناس فيها، وكثرة ما يوقَدُ مِنَ الشموع والقناديل، ويجتمع فيها مِنْ أهل الفساد، فإذا تُرِكَ هذا، وأمر السلطان مَنْ تعاطى إدارة المحمل مِنْ غير تقدُّمِ إعلام النَّاسِ بذلك، حصل الجمعُ بين المصلحتين، وانفصل المجلسُ على ذلك.
ومنه لمَّا نودي على الفلوس أن يُباع الرطل المنَقَّى منها بثمانية عشر درهمًا، وفرح من كان عنده منها حاصلٌ، وحزِنَ مَنْ عليه منها دَيْنٌ، لما يقاسونه مِنْ نُوَّاب الحكم في إلزامهم إعطاء ذلك بالوزن الأول. قال صاحب الترجمة: وفيه بحثٌ كثير، وبيَّنتُ أنَّ ذلك لا يلزم على الإطلاق، بل لا بدَّ فيه مِنْ شروط، واقتضى الحال كتابة مراسيم للشُّهود أن لا يكتبوا وثيقةً في معاملةٍ ولا صداقًا ولا غيره إلَّا بأحد النَّقدين الذهب أو الفضة، بسبب شدة اختلال أحوال النَّاس واختلاف أحوال الفلوس التي صارت هي النَّقد عندهم في عُرْفهم، مع عزَّة الفلوس وعدمها كانوا يكتبون ذلك بالفلوس، مع
стр. 613
تحقُّقهم أنَّه لا وجود لها، وأن لا حقيقةَ لذلك الإقرار، ثمَّ إذا نودي عليها بأن يُزادَ سعرُها، يصير مَنْ كُتِبَ له يطالب بذلك الوزن، فأجحف ذلك بالنَّاس، فحُسِمت هذه المادَّة على يد صاحب الترجمة، وتمادى الاختلاف بسبب ما كان كتب أوّلًا، ولم يزل في اضمحلالٍ بحمد اللَّه وعونه.
[واختلف مع جماعة المفتين مِنْ أهل عصره في فَهْم كلام واقفٍ، فكان هو وجماعة في جانب، وخالفهم آخرون, فامتنع مِنْ بَثِّ الحكم بما فهمه، [وصرّح لطالب الحكم] (١) منه بقوله: يا أخي، لم أوافق على فهمي، بل نوزِعْتُ فيه، وأشار بالصُّلح.
ولذا كان تلميذُه الجلال المحلِّي -وهو المنفرد مِنَ الشَّافعية بمخالفته- يقول: إنه مُنْصِفٌ، فأين هذا مِنْ قاضٍ يُحاقِقُ ويخانِقُ ويزاحم ويضايق، ويتعرَّض لمخالفيه بالتَّنقيص والتَّقبيح، والإهانة والتجريح؟ ولكن حب الدنيا رأس كل خطيئة. نسأل اللَّه العافية من كلّ بليَّة] (٢).
ومن وُفورِ صلابته قبل استقراره في القضاء الأكبر: ما حكاه لي الشريف نقيبُ شيخنا شيخ الإسلام سعد الدين بن الدَّيري، أنَّه امتنع مِنْ قَبول شهادة ابن النُّسخة (٣) في القِيمةِ أيام عِزِّه وضخامته، إذ كان جمال الدين الاستادار حيًا، وراودوه على ذلك، وتوسَّلُوا إليه، فامتنع وقال: أقبل عاميين من المهندسين دونه. ﵀ وإيانا.
[وكذا كان يقول فيما يقع التَّصادُقُ عليه غالبًا: هو بتسميته بالتكاذب أصدق] (٤).
واتَّفق في بعض ولاياته تجديد الحوانيت التي فيها السُّيوفيون والصيارف بظاهر الصَّاغة وعلوها، وكان قد أخذ فيها الخرابُ، فاستُبدل
стр. 614
النِّصفُ والرُّبعُ بمالٍ جزيل يعمر به في الربع الباقي لجهة وقفه على الصالحية، فعمر عمارة جديدة، وصارت أجرةُ الرُّبع أزيدَ مِنْ أجرة الكل بالنسبة لما كان يفضل بعد الصَّرف في ترميمه.
وبلغه أنَّ بعض الأعيان حسَّن للأشرف برسباي أخذَ الحوانيت المجاورة للكاملية، وهي تحت نظره في جملة أوقاف البيبرسية، وكانت مُحكمة البناء، غير أنَّها شَعِثَةٌ، ففي الحال لمَّ شعثَها بالبياض، وصارت تُضيءُ، فكفُّوا عن ذلك، وقد استولى عليها الأشرف إينال بعد زمنٍ طويل.
وكان يمتنع من تنفيذ شيء من الاستبدالات بالمال، حتى امتنع من فعل ذلك للقاضي عبد الباسط وفيروز السَّاقي ونحوهما، إلا إن وُضع المال عند مَنْ يُوثَقُ به إلى أن يُشترى به البدل.
وكذا كان يمتنع مِنْ سماع الدَّعوى مِنْ كثيرٍ مِنَ المتمرِّدين على أخصامهم بأنهم لا يطالبونهم إلَّا مِنَ الشَّرع الشَّريف، ويقول: أنا لا أمنع مَنْ يتوصَّلُ إلى خلاص حقِّه ممَّن يكونُ متمردًا بالشرطة.
[وبذلك أفتى شيخُنا العزُّ عبد السلام البغدادي الحنفي، فإنَّني قرأتُ بخطه على فُتيا ما نصُّه: وحَمْلُ طالب الحقِّ غريمه المدافع المتمرِّد عن إعطاء ما وجب عليه إلى الولاة الحُماة -لا سيَّما في زماننا- جائز، ولا لَوْمَ عليه] (١).
وكان في أول الأمر شديدَ الحرص على البقية في كل وقف لفائض ولو قلَّ، ليصرف في العمارة إنِ احتيجَ إليها، ويتحرَّى في التَّقرير على الأوقاف، حتى كان -فيما بلغني عنه- يقول: إذا رتبت لشخصٍ خمسينَ درهمًا، أنظر في وقفٍ له يكون بخمسين دينارًا، أو نحو ذلك.
ومِنَ الاتفاقيات الدَّالَّة على شدَّة غضبه للَّه ولرسوله: أنهم وجدوا في زمن الأشرف برسباي شخصًا مِنْ أتباع الشيخ نسيم الدين التبريزي نزيل حلب، وشيخ الخروفية المقتول على الزَّندقة سنة عشرين وثمانمائة ومعه
стр. 615
كتابٌ فيه اعتقادات منكرةٌ فأحضروه، فأحرق صاحبُ التَّرجمة الكتاب الذي معه، وأراد تأديبه، فحلف أنَّه لا يعرف ما فيه، وأنَّه وجده مع شخصٍ، فظنَّ أنَّ فيه شيئًا مِنَ الرَّقائق، فأُطلق بعد أن تبرّأ مِمَّا في الكتاب المذكور، وتشهَّد والتزم أحكام الإسلام.
وكانت المجالسُ المعقودة في الوقائع ونحوها بوجوده ممتعة، بل مَنْ كان يحضر بقصد الازدراء يرجع خائبًا. فمِنْ ذلك أنَّه في سنة سبع وثلاثين حضر أعجميٌّ يقال له: شمس الدين محمد الهروي، ويقال له: ابن الحلَّاج، كهلٌ من أبناء الأربعين، وادَّعى أنه يعرف مائة وعشرين علمًا، وأظهر بأوًا عظيمًا، وشرع يسأل أسئلةً مشكلةً، وظهرت منه أمورٌ تدل على إعجاب زائدٍ، فآل أمرُه إلى أن وقعت منه أمور أُنكِرَت مِنْ جهة المعتقَدِ، فزُجر، فخذل بعد ذلك، وصار كآحاد الطَّلبة، واعتذر بعدَ ذلك بأن بعض الحاسدين لصاحب الترجمة أغراه بذلك، ظنًّا منه أنَّ ذلك ينقُصُ مِنْ قدره، فأبى اللَّه ذلك، وحاق المكر السَّيِّىءُ بأهله، وللَّه الحمد.
قال شيخنا: وفي الجملة، فالرَّجلُ فيه ذكاءٌ، وعلى ذهنه فوائد كثيرةٌ، وعنده استعدادٌ، ويعرف الطب (١)، لكن عُدَّت عليه سقطات.
فلمَّا كان في السنة التي تليها، أمر السلطان صاحب التَّرجمة إذا حضر لسماع الحديث أن يحضر صُحبتَه فلقةً وعصًا، ومن تعدّى في كلامه أو أساء الأدب أُدِّبَ، وأكَّد ذلك فما فعل.
ثم في سنة أربعين ألزموا السُّكوتَ حتى لم يتكلم سوى صاحب الترجمة، رد على القارىء مواضع مِنَ الأسانيد أسماء تبدَّلها أو تحرَّفها من سبق اللسان، لكنه ما استمرَّ.
ووقع من العلاء الرومي حطٌّ على الشيخ باكير، وآل أمره معه في مباحثة إلى أن كفَّره، فردَّ الشافعي -وهو شيخُنا- على العلاء، ووافقه الجماعة وكذا السلطان، فسكت الرومي على مضَضٍ، لكنه شرع في كتابة
стр. 616
أسئلة ودسَّها إلى السلطان ليجيب عنها الشافعي، فأحضرها بعض الدويدارية، فسلَّمها للشافعي، فقرأها وقال له: يطلب الجواب، فذهب ولم يَعُدْ، فذكر الشافعى للحاضرين أن أول الورق مقسمًا بأيمان عظيمة أن أعلم أهل المجلس لا يعلم معنى قال رسول اللَّه، وكلامًا آخر فيه عجرفة ولحن، فأجمع مَنْ سمع ذلك على ذمِّه.
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيَه ... فالقوم أعداءٌ له وخصومُ
وقرأت بخطِّ صاحب الترجمة ما نصُّه: قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]. حضرت مجلس الحديث بالقلعة، واتَّفق أنه وقع لغط كثير، فلما انتهى المجلس بأذان العصر، أجبت المؤذن، ثمَّ استغفرتُ سرًّا عددًا معيّنًا خطر لي، فعند انتهاء ما أردت من العدد، قرأ القارىء على العادة العُشر ثم القصيدة، فاتَّفق أنه قرأ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣]، فانشرحت بذلك، وتفاءلت منه بخير، وللَّه الحمد، ثم للَّه الحمد.
ومِنْ ذلك أنهم استعملوا الشيخ جلال الدين عبد الرحمن الوجيزي، مع أنه كان هو وأبوه من جماعة صاحب الترجمة، لكنه كان معروفَ الحال. بلغني عن صعب الترجمة -ولم أسمعه منه- أنه كان يقول: هما اثنان، عاقل يتمجنن، ومجنون يتمعقل، يشير بالأول إلى البدر بن الشريدار، وبالثاني إلى هذا، بأن قال عند شروع السُّويفي في قراءة الحديث بين يديه في القلعة بحضور رفقته القضاة والسلطان على العادة، وقوله: وبسندكم ما نصُّه، أيها القارىء حسبُك، إن أردت تخصيص الشافعي بعني صاحب الترجمة هذا (١)، فلا معنى للتخصيص، في المجلس مَنْ هو مثله في السَّند، وإن أردت التعميم فافصِحْ لنا عن مرادك، فلم يلتفت شيخنا لذلك، بل قطع كلامه بقوله للقارىء: اقرأ، مع قدرته حينئذٍ على إقامته مِنَ المجلس، وانتقامه منه، لكنه راعى قِدَمَ ملازمته له مع ما استُفيض من جنونه، غفر اللَّه لنا وله.
стр. 617
ذكر الإشارة إلي محنته التي شارك فيها غيره من السادات بسبب ولده
وأصلها أن شمس الدين محمد بن الشهاب أحمد بن صالح الشَّطنوفي المباشر بجامع طولون وغيره، والمتوفى والدُه سنة إحدى وأربعين، رفع إليه قُصَّة يطلبُ فيها معلومَ المباشرة بالجامع المذكور عن مدة، فكتب له: يُصرف له عن المدة التي باشرها، فاغتاظ بسبب ذلك، وجاء إليه، فاجتمع به وهو بالمحمودية، وعرَّفه أن علمه بذلك مِنْ أكبر مقاصده، فقال له: جزاك اللَّه خيرًا، اطلب من البدر بن عبد العزيز حساب المدَّة وانظر فيه، فشرع في ذلك، فإذا البلاء -كما قال- كلُّه من ابن عبد العزيز، آذى نفسه ورفقته وولد شيخ الإسلام، وله في ذلك شائبة كبيرة مما لا شعور لأبيه بشيءٍ منه. قال: وشيخ الإسلام ليس في جهته شيءٌ من مالِ الوقف المذكور. غايته أنه وُكل الأمر في ذلك لمن لم ينصحه، واشتغل هو بما كان بصدده من العلم والإقراء ونحو ذلك.
قال: ولمَّا نظرت الحساب، وجدت فيه بواقي صيَّرها ابنُ عبد العزيز باسم نفسه، كان إذا تأخَّر على المستأجرين من الخراج شيءٌ، كتبه عليهم بمساطير، ويستخرج ذلك في السنة المستقبلة، ثم صار يستأجر طينًا ويزرعه، ويخصم في الحساب بخسارة زرعه، إلى غير ذلك مما لا تلبس عليه الثياب.
واتفق أن الشطنوفي المذكور -كما حكى لي- دخل الجامع الأزهر
стр. 618
لبعض الصلوات، ووضع الحساب، وكان معه بين يديه، والقاياتي قل أن يلي القضاء بجانبه، فأخذه ونظره وفهم ما فيه، فلما وَلِي القضاء، وأغرَوْه بشيخ الإسلام، وألحَّ عليه الأعداء في ذلك بعد أن كان سلَّم كل واحدٍ منهما على الآخر أوَّل الولاية كما تقدم قريبًا، وتوجه شيخنا إليه مرة بعد أخرى، وفعل القاياتي معه في المرة الأولى منهما ما يليق به من الإكرام والاحترام، بحيث أجلسه موضعه، ولامه بعض من آذاه على ذلك، ولم يلبث أن حضر إليه ثانيًا، فلم يمش على طريقته الأولى، وكان معه في المرة الأولى القاضي كمال الدين بن البارزي، وقال له القاياتي في إحدى المرتين: يا مولانا قاضي القضاة، ليس الغرض إلا براءة الذمَّة، فقال: واللَّه ما في ذمَّتي لجامع طولون شيءٌ، وإن أردت المباهلة باهلتُك، فقال له القاياتي: معاذ اللَّه. لكن قال بعض جماعة شيخنا: إنَّه لعله باهَلَهُ بالحال، وأنكر الناس على القاياتي ذلك، ومنهم ابن البارزي المذكور، لكن كان صاحب الترجمة نفسه يعتذر عنه بقوله: أعرف أنه تجمل في أمور كثيرة، فبالجهد [حتى يتحرك لبعضها.
ولم يكن ذلك بمانع لشيخنا عن الثناء على القاياتي] (١) حتى بعد وفاته رحمهما اللَّه، بل رفع إليه سْخص سؤالًا منظومًا في وسط ولايته، وذكر فيه أنه التمس من القاياتي الجوابَ عنه نظمًا، وأنه أقام عنده مدَّةً ثم أُعيد بدون جواب، فأجابه صاحب الترجمة، وتعرَّض للرد على السائل فيما أشعر به كلامه من التنقيص كما سيأتي في الفصل الخامس من الباب السادس (٢).
وقال في ترجمته بعد وفاته من كتابه "إنباء الغمر" (٣): إنه امتنع من لُبس الخلعة تورُّعًا وأنه باشر بنزاهةٍ وعفَّة، ولم يأذن لأحدٍ مِنَ النُّواب إلَّا لعدد قليل وتثبّت في الأحكام جدًا وفي جميع أموره.
стр. 619
قلت: وبذلك يظهر لك علوّ شأن صاحب التَّرجمة وإنصافه، والسَّبب في امتيازه بميل النَّفس إلى مقاله. أما من يَصف شخصًا في حال صحبته له بالأوصاف الحميدة، ثم يُناقِضُ نفسه بعد تسبُّبه فيما يقتضي الاستيحاشَ، كما عُرف ذلك بالاستقراء مِنْ صنيعه في جمٍّ غفيرٍ، فهذا لا يُقبلُ له قول في الطَّرفين.
وقد أشرتُ إلى بعض صنيع هذا المهمل عند ذكر تاريخ صاحب الترجمة في أسماء تصانيفه مِنَ الباب الآتي نسأل اللَّه التوفيق، لكلمة الحق في السّخط والرِّضا] (١).
وكان مجيءُ شيخنا إلى القاياتي في كلا المرتين بعد أن كان طلب ولده مع جماعة من المباشرين، وألزمهم بحساب الجامع المذكور، وأقاموا في الطيبرسية أيامًا، وكان السفطي يمرُّ حينئذٍ بهم، فيتأوَّه لولدِ شيخ الإسلام وهو على هذه الحالة، وربما بكى، ولم يُنتج ذلك غير امتهان أولاد العلماء، بل أظهروا حسابًا فيه لشيخنا خمسمائة دينار.
وكان القاضي تاج الدين البلقيني توسَّط بين صاحب الترجمة والقاياتي باختيار كل منهما له في أن يسكت عَنِ المطالبة بها كما يسكت عن مزيد الفحص في العمارة.
هذا ما يتعلق بصنيع القاياتي في القضاء.
وأما الخانقاه البيبرسية، فإن الأعداء حسَّنوا له إيصال أمرها بالسلطان، والتماسه منه الإذن له في عمل الحساب، ليظهر ما في جهته من المال، وسمَّوا قدرًا كبيرًا استكثره السلطان وكلُّ من سمعه، فسكت وفارقه القاياتي.
فلما كان في بعض الأيام، قال السلطان للقاضي زين الدين
стр. 620
عبد الرحمن بن عبد الغني بن الجيعان سرًّا فيما بينهما -وكان بلغه أن المباشرة معه- أُحبُّ منك أن تعلمني بارتفاع المكان وخصمه، فقال له: إن الوظيفة إنما اشتريتها (١) للولد ليتمرَّن في المباشرة بها، فانا أنظر ذلك مِنْ دفتره وأطالعكم به، فقال: أحب المبادرة مع الكتمان، ففعل وأعلم السلطان بما فيه النفع لصاحب الترجمة [بعد أن رتبه الزيني عبد الباسط فيه] (٢) فقبل السلطان ذلك منه، وعمل بمقتضاه، فإن القاياتي راجعه في عمل الحساب، فما أجاب، وصار القاياتي لا يدري ما الموجب لتوقفه.
وقد جُوزِيَ الزين المذكور ﵀ بصنيعِه ذلك، بأن صار ولدُه هو المشارَ إليه في تدبير أمر الخانقاه، بل رُؤي بعد موته في حالةٍ حسنة كما أخبرني به القاضي شهابُ الدين بن يعقوب الأزهري ﵀، بسبب نفعه لصاحب الترجمة، والأعمالُ بالنيات.
ولما ولي السفطي، أخذ مقتديًا بالقاياتي فيما يتعلق بجامع طولون، بل فعل أشدَّ مما فعله بعد أن كان يُنكر عليه كما تقدم، وألزمهم بعمل الحساب من سنة إحدى وأربعين، وتوجَّهوا لقاضي المالكية البدر بن التنسي، لينظر في ذلك، فقيل لهم: إن الاقتصار على عمل الحساب في هذه المدَّة حَيْفٌ، والأولى أن تعمل مدة القاضي علم الدين حين مباشرته، فاستحسن ذلك، وأخذوا فيه، فأخبرني الشطنوفي أنه وجد ما لا خيرَ لي في ذكره.
وآل الأمرُ إلى أن طلع السَّفطي بالشَّطنُوفي المذكور إلى السُّلطان، وبالغ في وصفه بالدِّين ونحوه، فقال له السلطان: اعلم أنه لا غرضَ لي في غير الحق، وأحبُّ مساعدة القاضي فيه، وأمر. بعمل الحساب عند الدوادار الكبير قانباي الجركسي، فنزلوا مجتهدين في ذلك، وأقاموا هم وولدُ شيخنا عنده مدَّةً، ولم يتحرَّر من ابن عبد العزيز أمر كلُّ ذلك والسفطي يؤنِّب
стр. 621
ويؤلِّب، ويصيح ويجتهد في بلوغ مقصده، إلى أن ظهر لقانباي الحيفُ في ذلك، لكنه ما استطاع مدافعةَ القائم في معارضته.
هذا وقانباي كان في نفسه من صاحب الترجمة، لكونه حكم عليه في واقعة، ومع ذلك فما مال عليه، لظهور الأمر عنده.
وراسل شيخُنا السَّفطيَّ يسأله الحكم في الواقعة بما يتبيَّن له، أو يأمر أحدًا من نوَّابه بذلك، فما جسر عليه، وراسله مرة أخرى قبل ذلك يَعْتِبُه في إيصال القضية بالسلطان، فقال: واللَّه ليس عندي أعظم من شيخ الإسلام، غير أن ولده هو الذي تلقى عن ابن عبد العزيز بقوله: أنا المتصرف، وإلا فما كان الكلام إلا مع ابن عبد العزيز، ولقد رام السلطان ضربه، فمنعته وقلت: هذا شيخ كبير، أخشى أن يموت ويضيع مال جامع طولون، وكان ابن عبد العزيز جلدًا ثابتًا.
وآل أمر قانباي إلى أن دفع القضية عن نفسه، وأمر بتوجههم إلى ناظر الخواص الجمالي يوسف ابن كاتب جكم، فساس القضية بحُسْنِ تدبيره إلى أن التمت، وكانوا -أعني ولد شيخنا وجماعته- عنده مكرمين، وصار في رمضان يخرج لهم بالعشاء الملائم ونحو ذلك. هذا بعد أن حضر شيخ الإسلام إلى الجمالي المذكور وعرَّفه أن القول قولُ النَّاظر، وأمروا ابن الطولوني بكشف عمارة الجامع بالمهندسين، ثم أمر بتوجه ابن شيخنا إلى بيته بعد أن باع حينئذٍ شيئًا مِنْ أملاكه، وكان -فيما قال لي ابن الشطنوفي- صولح لجهة الرقف بدون ألف دينار بعد أن كان ابن شيخنا رام أن يقف بجميع المستحقين (١) وغيرهم إلى السلطان ممن استكتبهم بالتعليق لجوامِكهم، فعارض الشطنوفي في ذلك، وهو القائم بأعباء هذه الكائنة، ومع ذلك فما أبدت (٢) إلا القهر لصاحب الترجمة بسب ولده, فإنه كان في ضيق صدر زائدٍ وألم شديد بسببه، وتأوُّهٍ كبير، فكل يوم يسمع مِنَ الأخبار ما لم يسمعه بالأمس، وكان يتوجَّه إليه في الجمعة يومًا أو أكثر إلى المكان الذي يكون
стр. 622
فيه, فيرجع آخر ذلك النَّهار وهو مسرورٌ لما يرى مِنْ ثبات ولده وقوَّة قلبه وشجاعته وانتظام كلامه ومهارته في ذلك. وأظن أنَّه لم يُمكَّن مِنَ المجيء إلى أهله في عيد الفطر، بل لو لم يقصِدْهُ أبوه للمكان الذي هو فيه، ما تمكن من الاجتماع به. كل هذا ولم يظفروا منه بما كان أملهم فيه ببركة والده.
وعمل حينئذٍ في رجب سنة إحدى وخمسين جزءًا سماه "ردع المجرم عن سبِّ المسلم"، افتتحه بقوله: "أما بعد حمد للَّه الذي عظّم قدْرَ مَنْ آمنَ به وأسلم، والصلاة والسلام على نبيه الذي شرع لأمَّته سُنن الدّين، وبيَّن لهم سَنَن المهتدين وعلَّم، صلى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه الذين كانوا يتلقَّون أمره بالقَبُول وسلَّم. فهذه أربعون حديثًا منتقاة مِنْ كتب الصحاح والسُّنن في تعظيم المسلم، والزجر عن سبّه وظنِّ السُّوء به، وتعمُّد ظُلمه في سِلْمِه وحربه، كتبتُها عِظَةً لمن بسط لسانه ويده في المسلمين، مع قلَّة علمه واعوجاجه، وتعرّض لسخط ربّه، واغترَّ بحلمه واستدراجه، انتهاكًا لأعراضهم، واستكثارًا مما يصير إليه من جواهرهم وأعراضهم، عسى اللَّه أن يرزقه التوبة والإنابة، فيقتدي بالسلف الصالح من الصحابة وأتباع الصحابة، واللَّه يُضلُّ من يشاء ويهدي من يشاء".
قلت: ولمَّا أبرز لنا صاحب الترجمة هذا الجزء، قلت له: خطر لي أن أسوق أحاديثه بأسانيد للمشار إليه، وأتوجَّه لقراءتها بين يديه، فقال: لا يفيد هذا المقصود، سامحه اللَّه وإيانا.
وكانت هذه الكائنة سببًا لزهد شيخنا بعدُ في المنصب، وكتب لبعض جماعته في أثناء هذه المدة في ضمن رسالة: "والعبد الآن في أقصى غايات الراحة، وكلَّما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها اللَّه". انتهى.
وضُبط عنه حينئذٍ أنه قال عن السَّفطي: واللَّه إنه لا يتم سنة. فكان كذلك، بل لم يلبث أن امتحن السفطي بما هو أبلغ في أنواع المحن بالنسبة لمثله، فإنه أدخل حبس أُولي الجرائم، إلى غير ذلك مِنَ العظائم، حسبما بينته في ترجمته من ذيلي على "قضاة مصر".
وكذا قوصِصَ ابنُ الشَّطنوفي في ذلك، فإنه أُقعد بمنزله مدَّةً طويلة
стр. 623
حتى مات في صفر سنة ثلاث وسبعين، ومات له قُبيل ذلك ولد كان يرجو بقاءه بعده ليحُوز جهاته، فاشتد جزعُه عليه. وقد اجتمعت بالشطنوفي وهو في هذه الحالة مرارًا، فرأيتُه يبالغ في الترحُّم على شيخنا، وأنه ليس عنده أعظم منه ولا أرفع. قال: وليس -واللَّه- في جهته شيءٌ، وما أفسد ذلك سوى ابن عبد العزيز وابنه، عفا اللَّه عنهما، وإيانا.
وكان رسول القاياتي يطلب ولد صاحب الترجمة من أبيه الشرف يحيى ابن الشيخ محب الدين البكري أحد المستقرِّين في النقابة عند القاياتي، وأنكر الناسُ مجيئه في هذا الأمر، خصوصًا وهو ممَّن قرأ على شيخنا نحو النِّصف من "البخاري"، وكان والده مِنْ خواصِّه الملازمين عنده مجلسَ الإملاء، وكأنه ما علم أنَّ "أبرَّ البرِّ أن يصلَ الرجلُ أهل ودِّ أبيه" [وفي لفظ: "مِنْ أبر البرِّ أن تصل صديق أبيك". وكذا في الحديث: "احفظ ودَّ أبيك لا تطفئه فيطفىء اللَّه نورك" في أشباه هذا] (١)، وأنَّ شيوخ المرء آباءٌ له في الدِّين. ﵏ أجمعين.
[ونحو ذلك حكاية العزِّ الكناني قاضي الحنابلة لي غير مرَّة أنه لو لم يخذل البقاعي بباب القاياتي في كائنته مع الولوي البلقيني التي انجرَّ الخوضُ فيها إلى الإحاطة بالخنجر الذي جرت عادتُه بحمله، حيث أبرزه له بيده، كما وقع له مع ابن أبي السعود، بَرَكَ عليه والخنجرُ بيده، لكونه جلس فوقه، كما أوضحتُ ذلك في محلِّه، لكان أكبر المنارعين لشيخنا عنده، ولكن كان ذلك مِنْ كرامات صاحب الترجمة] (٢).
ومما كتب به صاحبُ الترجمة لبعض مَنْ قام بتأييد ولدِه في هذه الكائنة، ثم رام منه الأعداءُ العدول عن ذلك قوله:
قل للذي أبدى الجميل سماحا ... فأمالَهُ الحُسَّادُ لما ارتاحا
حتى محا إحسانَه بخلافه ... فتبدَّلت أفراحُنا أتراحا
واللَّه يشهدُ أنَّني لك شاكرٌ ... ما أعقبت أمساؤنا أصباحا
стр. 624
قلَّدْتَ جيدي حُلْيَ (١) بِرِّكَ فانثنى ... لا يستطيعُ عَنِ الثَّناءِ براحا
هكذا قرأته بخطِّ صاحب الترجمة، وكتب ذلك مرة أخرى، فقال:
يا محسنًا أبدى الجميلَ سماحا ... فغدا بحُسْنِ صنيعه مرتاحا
فأمالَهُ الحسَّادُ عَنْ مملوكه ... فتبدَّلت أفراحُنا أتراحا
وذكرها. . .
ولمَّا امتُحن شيخُنا، بسبب ولده، أيَّامَ القاياتي وغيره، اتَّفق مرورُه في المطالعة بأبياب لابن دقيق العيد يتغزل فيها، وهي:
يا مُنيتي أملي ببابك واقف ... والجودُ يأبى أن يكون مُضاعا
أشكو إليك صبابةً قد أترَعت ... لي في الهوى كأس الرَّدَى إتراعا
ونِزاعُ شوقٍ لم تزل أيدي النَّوى ... تنمي بها حتَّى استحال نِزَاعا
لا أستلذُّ بغير وجهك منظرًا ... وسوى حديثك لا ألذ سماعا
لم يبقَ لي أملْ سواك فإن يفُت ... ودَّعت أيَّام الحياة ودَاعا
فحفظها صاحب الترجمة، وصار يترنم بها، إلى أن صيَّرها للشكاية لربّه فيما ناله من غريمه، والتضرع إلى اللَّه تعالى، فقال:
يا مالكي أملي ببابك واقفٌ ... والفضل يأبى أن يكون مُضاعا
أشكو لك (٢) النفسَ التي قد أترعت ... لي بالهوى كأس الرَّدى إتراعا
ونزاع خوفي سيِّء العمل اعتدى ... يُنميه لي حتى استحال نزاعا
لم يبقَ لي أملٌ سواك فإن يَفُت ... ودَّعت أيامَ الحياة وداعا
في وجه عفوكَ جُلُّ قَصدِيَ منظرًا ... وسوى كلامِك لا ألذَّ سَمَاعا
стр. 625
واليك أشكو مِنْ أذى متحكِّمٍ ... قد نوَّع المكروه لي أنواعا
لم يُبدِ منِّي قطُّ شيئًا ساءَهُ ... ويسوؤني ما يفتريه سماعا
مِنْ غيبة ونميمةٍ وسِعَايةٍ ... لي بي عليَّ محرَّمٌ إجماعا
وأنا الذي بالفضل منك بدأتني ... وجعلتني بين الأنامِ مُطاعا
حاشاك تَنزعُ مِنْ عُبَيْدِكَ قوَّةً ... فيصيرُ ذاك النَّزع مه نزاعا
إن دام ذا الإعراضُ عني منك لي ... ودَّعتُ أيَّامَ الحياة وداعا
[وممَّا يُنسب لصاحب الترجمة.
وقالوا عِدَى الوالي عليه تجمَّعُوا ... فقلتُ سيَلْقَوْن الإهانةَ والبِلَى
وسوف نراهم واحدًا بعد واحدٍ ... مع اثنين مِنْ أصحابه متمثِّلًا
وأفاد شيخُنا في تلك الأيام نقلًا عن بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الممتحنة: ٥] أي: لا تُريهم أنَّهم على حقٍّ ونحن على باطل] (١).
فصل
فيمن رافقه من قضاة بقيَّة المذاهب وجماعة من أعيان نوَّابه ونحوهم
فأمَّا الأول، فمن الحنفية: الزين التَّفَهْنِي، والبدر العِنتابي، والسعد بن الدَّيري، ومِنَ المالكية: البساطي، وناهيك بكلٍّ منهم، وابن التّنسي، ومن الحنابلة: العلاء بن المُغلي، والمحب بن نصر اللَّه، وغيرُ خافيةٍ جلالتهما، والبدر البغدادي.
وأما الثاني، فقد استخلف عند توجُّهه إلى آمد في قضاء الشافعية
стр. 626
القاضي محبَّ الدين بن الأشقر الحنفي صهرَه بعد أن سأله غيرُه في ذلك، فيقال: إنه قال له: يأتي الجوابُ مِنَ الخانقاه، أو كما قال.
ومن نوّابه: البدر أبو محمد بن الأمانة، أحد المُفتين بالدِّيار المصرية والمدرسين فيها بعِدَّة أماكن، والشهاب أبو العباس الأموي، عُرف بابن المحمِّرة، الذي وَلِيَ قضاء الشافعية للشاميين ومشيخة سعيد السعدا وغيرهما، والشيخ جمال الدين عبد اللَّه الزيتوني، والعز عبد السلام القُدسي الذي وَلِيَ مشيخة الصَّلاحية ببيت المقدس، والسراج عمر الحمصي قاضي الشام وغيرهما من البلاد، وشيخ الصَّلاحية المجاورة للشافعي وبيت المقدس أيضًا، والنور بن سالم قاضي الشافعية بصفد، ومن درَّس للمحدثين بالحسنِيّة والجمالية، والشَّرف عيسى الأقفهسي، والكمال الأسيوطي، والشهاب أحمد بن ناصر الدين البلقيني، والمحب محمد بن أبي الحسن مدرس الخرُّوبيَّة بمصر، والعلاء بن آقبرس جَليس السلطان وناظر الأوقاف وغير ذلك، والبرهان الكركي شيخ القرّاء، والبهاء بن القطَّان، وأبو العدل البلقيني الذي باشر نظر الجوالي ودرَّس بأماكن، والشهاب الشيرجي، والعز بن عبد السلام، والبرهان بن المَيْلَق، والمحب أبو البركات الهيثمي، وغيرهم رحمة اللَّه عليهم أجمعين.
وكذا في الأحياء جماعةٌ منهم، تركتهم رعايةً لعدمِ الجفاء من باقيهم. [وكذا تركت غير واحدٍ من أعيان بقية المذاهب ممَّن ناب عنه] (١).
وقد كان ﵀ في ألم بسبب كثير منهم، بحيثُ كان يقول بأخَرَة: ليس في نوَّابي مَنْ تنفتح عليه العين مَنْ أرضى ولايته يأبى الولاية، ومن لا فيراغِمُني بالرَّسائل، وكلُّ مَنْ ظننتُ فيه أنه أخفُّ أمرًا منَ الآخر، يظهر أنه أرجح منه، فأنا كما كان غيري يقول مِنْ أئمة القُضاة الفحول: بواسطتهم تكتب عليَّ السَّيِّئات، وأنا في أقرب الحالات إلى ربّ الأرضين والسماوات.
وكان كثيرًا ما يرسل إليهم مراسيمه بالتَّحذير والإنذار والتَّخويف مِنْ
стр. 627
غضب العزيز الجبار، وأنه لا يوجد في أُجرة اليمين ولا الدرهم الواحد، وفي الثبوت والعقود لا يتعدى القدر الزَّائد، وأن يخشى البلس، ويجمع بإقامة العدل قلوبَ الناس، ومن لم يفعل منهم، يُخف إثقاله عنَّا خوفًا للمؤاخذة مِنَ اللَّه، ثمَّ منا، فإنَّا عنه وعن غيره نُسأل، وكأننا بطالب لا يغفل، ومَنْ خالف شيئًا مِما نهيناه، كان معزولًا مِنْ جميع ما ولَّيناه، ونؤكد في ذلك كلِّه غاية التَّأكيد، بحيث لا يكون على ما ذكر من مزيد.
ورُفِعَتْ له ﵀ قائمة فيها ذكرُ خصائل بعض النُّواب بنواحي الغربية، فكتب: من يثبُتُ عليه خصلة مِنْ هذه الخصال المذكورة والوقائع الشَّنيعة المشهورة، حقيقٌ بالطرد والبعاد، وأن تُراح منه البلادُ والعبادُ، لجوره في الأحكام، ومخالفته شريعة النبي علبه أفضل الصلاة والسلام، ولم يستحق الولاية ولا التوقير، بل العزل والتَّعزير، والزيادة على ذلك العزل المخلَّد والتعزير المجدّد، فإن تاب ورجع، قُبِلت توبتُه، وإلَّا حلَّت عليه مِنَ اللَّه تعالى نقمته، وما يتذكر إلَّا أولو الألباب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
وكان ينبِّه مَنْ يعلم اتِّصافَه بصفةٍ ذميمة بها، رجاءَ رجوعه عنها، كقوله لبعض مَنْ سأله الاستمرار في النِّيابة عنه: حتى يتوب مِنْ شهادة الزور، ولبعض من سأله في ابتكار ولايته حتى تتوب من كذا. . كلُّ ذلك قصدًا لزجر مرتكبه، إلى غير ذلك.
وكانوا يكلفونه مرة للتَّعيين عليهم، ومرَّة للدُّعاء لهم، ومرة لمشيختهم، وعندي مِنْ أخبارهم في ذلك جملةٌ لا أحبُّ إثبات شيءٍ منها، وهم على طبقات: الأولى: من لم يباشر (١) في الأيام العلمية، وعكسه مَنْ يمتنع صاحب الترجمة مِنْ ولايته، ومن يُعين عليه غالبًا، ومَنْ لا يُعين عليه إلا نادرًا، ومَنْ يقتصر على الاسم ولا يتعاطى الأحكام إلَّا نادرًا، واللَّه تعالى يتجاوز عنه بسببهم، ويغفرُ لهم أجمعين.
стр. 628
وباشر النقابة عنده الشيخُ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن يعقوب الأطفيحي الأزهري الشافعي صهر شيخ الإسلام الزين العراقي على ابنته، ونقيب ولده الشيخ وليِّ الدين، وهو كان القائم بأعباء الأمور غالبًا، وكان إليه الغاية في سرعة إدراك مقاصده بأدنى إشارة، وعندي من أخباره في ذلك جملة، مع ما اشتمل عليه مِنَ الوضاءة والظَّرف والبشاشة والتواضع، والمداومة على التهجُّد والضُّحى، وصوم الإثنين والخميس والتصدق، وغير ذلك من أنواع العبادات.
[وكفاه فخرًا أن أستاذه صاحب الترجمة كتب عنه في السّفرة الآمديَّة بعض الأحاديث كما أسلفته. وبلغني أنَّ شيخنا دعا يوم الولاية، فقال: اللهمَّ يَسِّرْ لي نقيبًا أحمدُ عاقبته فاللَّه أعلم.
وحكى لي الشهابُ الحجازي أنه اتفق له حين اختار شيخنا وبين يديه نقيبه ابن يعقوب هذا بعد البروز مِنْ خانقاة بيبرس بشباكها، والشهاب يقرأ في وظيفته أنه كان يقرأ في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ﴾ [يوسف: ٦]، فتفاءل بذلك شيخُنا، وحرَّك رأسه متعجِّبًا مِنَ اتِّفاق ذلك.
وكذا باشر النقابة عنده] (١) التاج عبد الوهاب بن عمر الزرعي الحنفي، والشريف جلال الدين محمد بن اْحمد الجرواني نقيب الحنفي، لكنه في الولاية الثالثة فقط، وفي الآخر بعد وفاة ثانيهم، استقر الفخر بن جَوْشن، لاختصاصه بولده وكان في خدمته أيضًا مِنَ الأتباع عمر بن أبي بكر بن أحمد السِّكندري، والشهاب أحمد، وهما ممَّن ذكر في وصيته، والزين عبد الغني العطو، وهو أكثر الثلاثة به اختصاصًا (٢)، ثم الشهاب، وإن كان أوَّلُهم أقدمَهم له خدمةً.
وباشر فرشَ بساطه كلَّ ليلةٍ بعد العشاء مدَّةً شمسُ الدين محمد بن
стр. 629
قريش، وتردَّد إليه زيادةً على ذلك لسماعِ الحديث في رمضان، ولكتابة الإملاء. ﵀ وإيانا.
لطيفة
قال صاحب الترجمة في "فتح الباري": حكى العز (١) بن جماعة أنه رأى أباه في المنام، فسأله عن حاله، فقال: ما كان عليَّ أضرَّ مِنْ هذا الاسم، يعني قاضي القضاة، فلذلك أمر العزُّ الموقعين أن لا يكتبوا له في الإسجالات قاضي القضاة، بل قاضي المسلمين، وفهم من قول أبيه أنَّه أشار إلى هذه التَّسمية، مع احتمال أنَّه أشار إلى الوظيفة، بل هو الذي يترجَّح عندي، فإن التسمية بقاضي القُضاة وُجدت في العصر القديم مِنْ عهد أبي يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة رحمهما اللَّه، وقد منع الماوردي مِنْ جواز تلقيب الملك الذي كان في عصره بملك الملوك، مع أنَّ الماوردي كان يقال له: أقضى القُضاة، وكأنَّ وجه التفرقة بينهما الوقوف مع الخبر، وظهور إرادة العهد الزماني في القضاة. وقال الشيخ أبو محمد بن أبي حمزة: يلتحق بملك الأملاك قاضي القضاة، وإن كان اشتهر في بلاد الشرق مِنْ قديم الزمان إطلاق ذلك على كبير القضاة، وقد سَلِمَ أهلُ المغرب مِنْ ذلك، فاسمُ كبيرِ القُضاة عندهم قاضي الجماعة، واللَّه المستعان.
فصل
فيما عُرِضَ عليه من الولايات التي لم يرتَضِ قَبُولها
فمن ذلك أنَّ المؤيَّد عينه للتوجُّه إلى اليمن عَنِ السُّلطان في سنة تسع عشر وثمانمائة، لوجاهته ووفور عقله وعلمه وإجلال الملوك -لا سيما باليمن- له، حتى إنه لمَّا اتفقت وفاةُ العلامة مجد الدين اللغوي صاحب
стр. 630
"القاموس"، وكان قاضي الأقضية بزبيد، ترك سلطان اليمن الناصر بن الأشرف الوظيفة شاغرة نحو سنتين ينتظر قدوم صاحب الترجمة عليه، ليولِّيه ذلك، فما وافق، فولَّى حينئذٍ الشهاب أحمد بن أبي بكر بن الردَّاد، إلى غير ذلك مما اشتهر، فاستعفى منَ التوجُّه عن السلطان فأُعفِيَ.
ثم عرض عليه المؤيدُ أيضًا في السنة المذكورة منصب القضاء بدمشق مرارًا، فامتنع وأصر على الامتناع، فراوده على ذلك، ورغَّبه فيه، حتَّى صرَّح له بأن للقاضي بدمشق في الشهر عشرة آلاف درهم فضّة معاليم قضاء وأنظار، وبالغ -مع ذلك- صاحبُ الترجمة في الاستعفاء، إذ لم يكن له أرب حينئذٍ إلَّا في العكوف على التصنيف والإفادة ونشر العلم، شكر اللَّه سعيه ورفع محلَّه، آمين.
وأنشد حينئذٍ قوله:
قد صدَّني عَنْ منصبِ الحكم عشرةٌ ... فأوَّلُها ضعفي وقلَّة أموالي
وعجزي عَن إرضاء ربي وصاحبي ... ومالكِ أمري مع حواشيه في الحالِ
وعجزي عن إصلاح ما أفسد الأُولى ... مَضَوْا ومساواتي برُغمي بأنذالِ
ونسيان علمٍ نافعٍ لزخارف تضرُّ ... وأخشى حين أُعْزِل إذلالي
وكان اشتهارُ أمره عند المؤيد مِنْ قبلُ بسنة، فإنه لمَّا عُقد مجلس المناظرة للهروي بين يديه في أواخر ربيع الأول سنة ثمان عشرة وثمانمائة بحضور القُضاة الأربعة ومشايخ الفنون مِنَ العلماء، كان منهم صاحب الترجمة، فكان هو القائم بأعباء المناظرة، فإنَّ أول شيء سُئل عنه الهروي: على مَنْ سمع "الصحيح"، فذكر سندًا، فقال له صاحب الترجمة في ذلك المجلس الحافل: أولادنا يروون "الصحيح" إلى أبي الوقت بمثل هذا العدد برجالٍ أشهر مِنْ هؤلاء، ثم أورد الهروي مجيبًا مَنْ سأله حديثًا من "ابن ماجه"، وسمَّى مِنْ رجال السند قاسم بن عبد الكريم، عن حنش، عن ابن عباس، عن ابن مسعود ﵃، وأورده مِنَ "التِّرمذي" أيضًا، فقال له صاحب الترجمة: الإسناد الذي سُقْتَه لابن ماجه
стр. 631
غلط، وليس في "ابن ماجه" ولا في غيره مِنَ الكتب الستة أحد اسمه قاسم بن عبد الكريم، وأيضًا فليس في سياق "ابن ماجه" ولا غيره أن الحديث -يعني الذي أورده- من رواية ابن عباس عن ابن مسعود، وليس لفظه مطابقًا للفظ سياق الترمذي، فقال الهروي لصاحب الترجمة. فما هو الصواب في هذا الإسناد؟ فقال له: تكتب ما قلت، وأنا أبيّن موضوع الغلط، ثم تحضر "ابن ماجه"، فإن كان كما قلت، وإلا تبيَّن خطؤك، ففعل وظهر الصواب مع صاحب الترجمة، فمال السلطان المؤيد حينئذٍ إليه، وصار يغمِزُه بعينه تارة، ويرسل إليه من يسرُّ إليه مِنْ خواصِّه أن لا يترك منازعة الهروي، فقوَّى قلبه بذلك.
وقال حينئذٍ مخاطبًا للهروي: أنت تدَّعي أنَّك تحفظ اثني عشر ألف حديث، وقد ارتاب مَنْ بلغه عنك ذلك في صحته، وأنا أمتحنُك بشيءٍ واحدٍ، وهو أن تسرُدَ لنا في هذا المجلس اثني عشر حديثًا، مِنْ كلِّ ألفِ حديث حديثًا واحدًا، بشرط أن تكون هذه الاثنا عشر متباينة الأسانيد، فإنْ أمليتَها علينا إملاءً أو سردتها سردًا، أقررنا لك بالحفظ، وإلَّا ظهر عجزُك، فقال: أنا ما أستطيعُ السَّردَ، ولكن أكتبُ، فقال له: والإملاء نظيرُ الكتابة، فقال: لا إلا أنا أكتب، فأحضر له في الحال محبرة وورقة، فشرع يكتب، ثم بدا له، فقال: لا أستطيع أكتب إلا خاليًا، فيأمر السلطان أن أختلي في بيت وأنت في بيت، ويكتب كلٌّ منَّا مِنْ حفظه ما يستطيعه، فمن كتب أكثر، كان أحفظ، فقال له صاحب الترجمة نحن لم نحضر لنتخابر في سرعة الكتابة، مع أنَّ شهرته بسرعة الكتابة غيرُ خفيَّة، ولكن إنما أراد إظهار عجزه عمَّا ادَّعاه من الحفظ. وطال الخَطْبُ في ذلك، والسُّلطان يُرْسل بعض خواصِّه لصاحب الترجمة يحضُّه على التكلُّم معه.
وآل الكلام إلى أن ذكر حديث السَّبعة الذين يُظلُّهم اللَّه في عرشه، فقال صاحبُ الترجمة: هل فيكم مَنْ يحفظُ لها ثامنًا؟ فقالوا: لا، فقال: ولا هذا الذي يدَّعي حفظ اثني عشر ألف حديث! فسكت، وقيل له: فهل تحفظ أنت ثامنًا؟ فقال: نعم، أعرفُ ثامنًا وتاسعًا وعاشرًا، وأعجب مِنْ ذلك أن في "صحيح مسلم" الذي يدّعي هذا الشيخُ حفظه كلَّه ثامنًا،
стр. 632
فالتمَسَ منه إفادته، فقال: المقامُ مقامُ امتحان لا مقام إفادة، وإذا صرتم في مقام الاستفادة أفدتكم.
ثم لمَّا أرادوا القيام مِنَ المجلس، قال صاحب الترجمة للسلطان: يا خوند، أدَّعي على هذا أنَّ لي عنده دَيْنًا، فقال: ما هو؟ فقال: اثنا عشر حديثًا، فتبسَّم وانصرفوا، فلمَّا وصل صاحب الترجمة لباب الحوش، طُلب فعاد، فوجد السلطان قام لقضاء حاجته، فوقف مع خواصّه حتى يحضر، فقال له كاتب السِّرِّ: إن السلطان قال: قد استحييتُ من فلان، كيف يتوجَّه بغير ثواب، فقلت له: إنه كان شيخ البيبرسية، وانتزعها منه أخو جمال الدين ظُلمًا، فلما استتمّ كلامه، حضر السلطانُ، فأشار إلى كاتب السِّرِّ أن يُعلم صاحب الترجمة بما تقرَّر مِنْ أمر البيبرسية، فقال له: إن السلطان قد أعاد إليك مشيخة البيبرسية، فشكر صاحبُ الترجمة له ذلك، ثم قال له: قرَّرتني في مشيخة البيبرسية ونظرها، وعزل مَنْ هو مقرَّرٌ بها بحكم أنه انتزعها منِّي بغير جُنْحةٍ، فقال: نعم، فأشهد عليه بذلك مَنْ حضر.
وفي غداةِ غدٍ، لبس بها خلعة وحضرها، وصُرف (١) أخو جمال الدين منها ثم عُوِّضَ أخو جمال الدين بعد سنتين بمشيخة سعيد السعدا.
ووقع من الشيخ همام الدين الخوارزمي شيخ الجمالية -وهو من مساعدي الهروي- في هذا المجلس فلتةٌ أنكرها عليه صاحبُ الترجمة، إلى غير ذلك مما لا نطيل بإيراده.
ثم كان المؤيد يعتمد على شيخنا بعد ذلك ويثق به. اتَّفق أنَّ السِّراج الحمصي حكم في قضية تتعلق ببستان المحلي الذي بالقُرب مِنَ الآثار، وعُقد له مجلسٌ بسببه، حضره القُضاة وأهل الفُتيا على العادة، فلمَّا حضروا، سأل السلطان صاحبَ الترجمة عن القضية، وقال له: أنت تعرفُ الحالَ أكثر مِنْ هؤلاء، فذكر له حلية الأمر باختصار، وذلك في سنة إحدى وعشرين وثمانمائة.
стр. 633
وفي تاريخه وقعت بين القاضيين الهروي الشافعي والدَّيري الحنفي مباحثةٌ، كان الحقُّ فيها مع الحنفي، وجحد الهرويُّ مقالته، فسأل السلطانُ مِنْ صاحب الترجمة ومِن القاضي المالكي عن حقيقة ذلك، فأخبراه بصدق ابن الديري.
بل ولَّى المؤيدُ صاحب الترجمة في تاريخه -كما سلف- الحكمَ بين الهروي وأخصامه الخليليين والمقادسة، فتوجَّه الحكمُ على الهروي، وخرج في التَّرسيم.
وكذا كان غير المؤيَّد كالظاهر ططر، يُسِرُّ إليه -وثوقًا به- دقائق أمره، فحكى له قبل أن يتسلطن أنه في آخر الدَّولة المؤيدية في الليلة التي مات صبيحتها المؤيَّدُ، ضاقت يدُه لكثرة مصروفه وقلَّة متحصّله، حتى إنَّ شخصًا قدَّم له مأكولًا، فأراد مكافأته عليه، فلم يجد في حاصله خمسةَ دنانير، حتى أرسل يقترضها مِنْ بعض خواصِّه، فكلُّهم -إلَّا واحدًا- يحلِفُ أنَّه لا يقدِرُ عليها، ثمَّ لم يكن بين ذلك وبين أن استولى على المملكة بأسرها، وعلى جميع ما في الخِزانة السُّلطانية التي جمعها المؤيَّدُ سوى أيَّام، وأمر ططر صاحب الترجمة بكتابة هذه الواقعة، فإنها أُعجوبة.
وكان ﵀ عُيِّن لدرس الحديث بالمؤيدية أوَّل ما فُتحت، ثمَّ بطل ذلك، وقرر فيه البدر العيني، واستقرَّ هو مدرس الشافعية بها كما تقدَّم.
وعرض عليه في أيَّام الأشرف برسباي بعد ولايته قضاء الديار المصرية وظيفة كتابة السِّرِّ، ملتزمين له الإذنَ بالجلوس، فأباها وتعلَّل عليهم بضياع زمنه في معرفة المصطلح.
ونحو ذلك مِمَّا لم يقله إلَّا طردًا، إذ كان لا يخفاه ذلك ﵀ وإيانا.
стр. 634
الباب الخامس
فيما علمته من تصانيفه ومَنْ حصَّلها مِنَ الأعيان وتهادي الملوك بها إلى أقصى البلدان وما كتبه بخطه مِنْ تصانيف غيره ليظهر حسن قصده وعظم خبره
стр. 635
الباب الخامس
[مصنفات ابن حجر]
وكان ابتداؤه في التصنيف في حدود سنة ست وتسعين وسبعمائة، فمن تصانيفه ما كمل قبل الممات، ومنها ما بقي في المسوَّدات، ومنها ما شرع فيه، فكاد، ومنها ما شطر، ومنها ما صَلُحَ أنْ يدخُل تحت الإعداد. وهذا إيرادها على ترتيب اخترتُه، وتقريبٍ ابتكرتُه، وقد جمع هو أسماء معظمها في كراسة افتتحها على سبيل التَّواضع والهضم لنفسه بقوله: وأكثر ذلك -يعني تصانيفه- مما لا يساوي نُسخةً لغيره، لكن جرى القلمُ بذلك.
قلت: وقد سمعتُه يقول: لستُ راضيًا عَنْ شيءٍ منْ تصانيفي، لأني عملتها في ابتداء الأمر، ثم لم يتهيَّأ لي مَنْ يحرِّرُها معي، سوى "شرح البخاري"، و"مقدمته"، و"المشتبه"، و"التهذيب"، و"لسان الميزان". بل كان يقول فيه: لو استقبلتُ مِنْ أمري ما استدبرتُ، لم أتقيد بالذَّهبي، ولجعلته كتابًا مبتكرًا، بل رأيته في موضع أثنى على "شرح البخاري" و"التغليق" و"النُّخبة"، ئم قال: وأمَّا سائر المجموعات، فهي كثيرةُ العدد، واهية العُدَد، ضعيفةُ القُوى، ظامئة الرُّوى، ولكنها كما قال بعضُ الحفَّاظ مِنْ أهل المائة الخامسة:
وما لي فيه سوى أنَّني ... أراه هوى وافق المقصدا
وأرجو الثواب بكتب الصلا ... ة على السَّيِّد المصطفى أحمدا
قلت: وهذا الحافظُ المبهم هو أبو بكر البرقاني، وأولهما: