← Тараджим

Тараджим · id 17372

الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر

السخاوي

Полный текст (1 240 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

٢١٧ - مختصر البداية والنهاية لابن كثير. عمله في سنة إحدى وعشرين وثمانمائة. ٢١٨ - تلخيص مغازي الواقدي. ٢١٩ - منتقى مِنْ تاريخ ابن عساكر. ٢٢٠ - منتقى مِنْ تاريخ ابن خلدون. ٢٢١ - منتخب رحلة ابن رُشد. ٢٢٢ - منتخب لطيف من كتاب المسلاة عن نضار لأبي حيان. ٢٢٣ - مختصر تلبيس إبليس لابن الجوزي، في مجلد، فرغه في سنة خمس وتسعين وسبعمائة. ٢٢٤ - سلوت عن ثبت كلوت. ٢٢٥ - الاستنصار على الطاعن المعثار. صورة فُتيا عمَّا وقع في خطبة شرح البخاري للعيني. ٢٢٦ - فهرست كتب المحمودية، اثنان: على الأبواب والحروف. الفقه ٢٢٧ - مختصر التنبيه. لم يكمل. ٢٢٨ - شرح مناسك المنهاج، في مجلدة، وقطع مفرقة من شرح المنهاج. ٢٢٩ - النكت على شرح المهذب للنووي، لم يكمله، شرع في أوائله. ٢٣٠ - شرح الروضة. كتب منه ثلاثة مجلدات، متتبعًا لما يحتاج الشرح (١) إليه من نسبة

стр. 667

الأقوال والوجوه لأصحابها، وبيان مآخذها، وتخريج أدلَّتها، والحجة للراجح منها، وتتبع ما فات المصنف مِنَ الفُروع الفقهية، وألقى ذلك في الدروس، وكذا ألحق "بحواشي الروضة" للبلقيني، التي جرَّدها البدر الزركشي ما تجدَّد للبلقيني بعد التجريد -وهو فيما بعد السبعين وإلى أن مات البلقيني- "بحواشي التجريد"، وعصى (؟) فيه -كما رأيته بخطه- بالنسخة التي بخط البدر ﵏. ٢٣١ - مسألة إحداث ابن سُويد الخطبة بمدرسة أبيه. ٢٣٢ - مسألة الدَّور في مجلد. ٢٣٣ - مسألة شراء السلطان بماله لنفسه من أراضي بيت المال، في كراسة. ٢٣٤ - تلخيص مسألة الساكت، تصنيف بعض تلامذته. ٢٣٥ - تمهيد العقود الجمة في تجديد عقود الأمة (١). ٢٣٦ - قوة الحيّل في الكلام على الحِيَل (٢). ٢٣٧ - قوة السَّير في حكم (٣) عمل الخبر عن الغير. مسوّدة. ٢٣٨ - مجلس في تحريم الظلم. ٢٣٩ - جزء في التهنئة في الأعياد وغيرها. ٢٤٠ - المجلس الجمالي، أول ما فتحت. ٢٤١ - الأسمح الأصلح في صحة إمامة غير الأفصح. ٢٤٢ - مناسك الحج، في مجلدة، غير شرح مناسك المنهاج الماضي. ٢٤٣ - الممتع بحكم المتمتع، وهو منسك في جزء لطيف. ٢٤٤ - وآخر سمَّاه التتبع لصفة المتمتع.

стр. 668

٢٤٥ - وآخر للمرأة (١). ٢٤٦ - وآخر على مذهب الحنفية، عمله لسبطه حين حجَّ، ورأيته عنده بخطه. ٢٤٧ - الرحى الدائرة على اليمين الدائرة. قال إنه سفرٌ صغير. ٢٤٨ - الشمس المنيرة في معرفة الكبيرة وتمييزها من الصغيرة. بيضه في مجلد لطيف. ٢٤٩ - تحفة المستريض بمسألة التحميض. وهو في طرق أحاديث النهي عن إتيان النساء في أدبارهن وعللها، والتنبيه على الصحيح منها والسَّقيم، وذكر ما عارضها، وبيان علله أيضًا، وسياق ما وقف عليه من كلام الصحابة والتابعين والأئمة المخالفين ﵃ في حكم ذلك إباحة ومنعًا ووفاقًا وخلافًا. ٢٥٠ - الأنوار في معرفة خصائص المختار. ٢٥١ - المنحة فيما علق الشافعي القول به على الصِّحَّة. [٢٥٢ - مختصر المولد النبوي. ٢٥٣ - وقرَّة العين بالمسرَّة بوفاء الدين. كلاهما لشيخه العراقي] (٢). ٢٥٤ - عجب الدهر في فتاوى شهر. مجلد لطيف يشتمل على ثلاثمائة مسألة أجاب عنها في مدة شهر واحد، تجرَّد لكتابتها ليستدلَّ بذلك [على كثرة] (٣) ما يرد منها، مع الشُّغل الشاغل بغيرها، ولتقع المعذرة ممَّن يطلع على خلل فيها، لذهول ينشأ عن شغل البال.

стр. 669

٢٥٥ - وله كتاب نفيس، فيه التعرُّض للآيات المتشابهات, كقوله في (البقرة): ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾. وفي (الأعراف): ﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾. وسمعت من يذكر أن شيخنا لخَّص ذلك من كتاب "درة التنزيل وغرَّة التأويل" الذي كتبه إبراهيم بن علي بن محمد، المعروف بابن أبي الفرج الأردستاني، من إملاء أبي عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه الخطيب عليه، وزاد شيخنا عليه مواضع، كما أخبرني بذلك مَنْ وقف عليه، والظاهر أن بعضهم أخفاه، فلا قوة إلا باللَّه. أصول الدين ٢٥٦ - الغُنية في مسألة الرؤية. أصول الفقه ٢٥٧ - التعليق النافع في النكت على جمع الجوامع. العروض والأدب ٢٥٨ - عين القواعد. مختصر قواعد الإعراب لابن هشام. وعندي تردُّدٌ: هل هو اختصار صاحب الترجمة أو المؤلف، فيحرَّر. ٢٥٩ - مقدمة في العروض، شرح فيها الأبيات العروضية، علَّقها في سنة خمس وتسعين. ٢٦٠ - السهل المنيع في شواهد البديع. انتقاه من شروح البديعيات. ٢٦١ - ديوان شعره الكبير. بيَّضه الشريف السيوطي، ثم كتبه من خطه الشهاب الحجازي. ٢٦٢ - ومختصره المسمَّى ضوء الشهاب.

стр. 670

٢٦٣ - وآخر يُسمَّى المسبعات، وربما قيل: السبع النيرات، وربما قيل له: السبع السيَّارة. وقد قرأته عليه، وكذا غير واحد من جماعته، وقال في آخره: إنه كان الفراغ من تحريره في أوائل جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة (١) وثمانمائة، قال: وكان تَرَكَ نظم الشعر مِنْ حدود سنة ست عشرة وهلمّ جرّا، بل غالب ما ذكر هنا مما نُظم قبل القرن، والحمد للَّه على كل حال. ٢٦٤ - الشكاية من النكاية. نظمها في الهروي. ٢٦٥ - الدرر (٢) المضية من فوائد الإسكندرية. ٢٦٦ - نزهة النواظر المسموعة في الملح والنوادر المسموعة، لم يكمل. ٢٦٧ - التذكرة الأدبية. في أربعين مجلدًا لطاف غير الحديثية الماضية، سمَّاها: مسامر الساهر ومساهر السَّامر، أهداها لصاحب اليمن كما قدَّمتُه في الباب الثاني، وورد مكة الكثيرُ منها، ورأيت أكثره في المقدمة الثانية، وطالعتُه. ويكاد يُوجد فيها مِنْ نظمه ما ليس في شيءٍ مِنْ دواوينه، وسلك فيها طريقة أهل الأدب في حكاية الغث والسَّمين، وكان ذلك قبل توغُّله في فنون الحديث النبوي وإعراضه عن هذا الفن، فإنَّ تواريخ المجلدات التي وقفت عليها (٣) في سنة أربع وتسعين (٤)، وبعضها في سنة خمس وتسعين، وفي سنة ست وتسعين، وهو لم يكثر (٥) من الحديث. كما سلف -إلا في سنة

стр. 671

ست وتسعين، مع اعتقادي أنه كان متنزّهًا عما كان يحكيه بخطه، ولكنه سلك مسلك أهل الأدب، ﵀ وإيانا. [وقد يوجد فيها المتكرِّرُ، لكونها غير مرتبة، وكذا نقل الشيخ شهاب الدين الحجازي عن شيخنا أنَّه كان يقول: الناس يسمُّون ما كان (١) مِنْ هذا القبيل التذكرة، وهو بالمُنسِية أشبَهُ، أو نحو هذا. ولفرار الحجازي من هذا كانت "تذكرته" مرتبة. ولكن أين الثُّريا من الثرى. رحمهما اللَّه] (٢). ٢٦٨ - الذيل على ما جمعه البشتكي من نظم ابن نباتة المصري في مجلدة، [ورأيت مسودته ومبيضته معًا]. ٢٦٩ - قذى العين من نعيب غراب البين. أورد فيه ما يقع للعيني في نظم السيرة المؤيدية مما لا يقع ممَّن له أدنى ممارسة بالأدب من فساد الوزن والتركيب وغير ذلك، وسماه: صرف العين عن قذى العين. ٢٧٠ - القصد البادي بين المراجع والبادي. ٢٧١ - ديوان الخطب (٣) الأزهري، شرع في إنشائها من شهر ربيع الاول سنة تسع عشرة وثمانمائة بحسب الوقائع، فكمل إلى شوال سنة عشرين قدر ثلاثين خطبة في مجلد. ٢٧٢ - ديوان الخطيب القلعي المسمّى بالمنتخب، كتبت منه نسخًا، وقرأته عليه. ٢٧٣ - جزء في ضرب الرمل. حَسَنٌ، لكنه في المسوّدة. قال فيه: سئل الشيخ سراج الدين البلقيني: هل يحل ضرب الرمل وتعلُّمه وتناول كسبه، وهل على من قال: إنه حرام شيء؟ وهل على متعلِّمه

стр. 672

مِنْ إثمٍ؟ فأجاب: نعم، يحلُّ له ذلك إذا كان عارفًا به، ولا شيء على مَنْ يقول: إنه حرام، فقد قال بذلك بعض العلماء، وليس على متعلمه إثمٌ عندنا، وكتب ولده بدر الدين قبل ذلك: نعم، يحلُّ له ضرب الرمل وإذا دفع له الأجرة على ذلك، حلَّ له تناولها، وأخطأ مَنْ قال: إنَّه حرام، ولا إثمَ على متعلمه. وقال صاحب الترجمة ما نصُّه: ورأيت بخط بعض أصحابنا: إن السائل عن ذلك كان رمَّالًا، وكان يصحَبُ بدر الدين المذكور، وقد خالف الشيخ -يعني البلقيني- فيما أجاب به المعروف عن الشافعية، فقال في أوائل الجهاد من "الروضة" تبعًا للرافعي: إن تعلُّم الفلسفة والطبائع والتكهُّن وإتيان الكُهَّان وتعلُّم الكهانة والتنجيم والضرب بالرمل والشَّعير والحصى والشَّعبذة وتعلمها، وأخذ العوض عنها حرامٌ. انتهى. وساق كلام النووي أيضًا في "شرح مسلم"، وفيه قول النووي ﵀: فحصل مِنْ مجموع كلام العلماء الاتفاق على النهي عنه الآن، وأورد نفائس وأمورًا مهمة. * * * هذا ما علمته منها (١)، وكلُّ ما أعلمتُه بالكاف (٢)، فهو عندي بخطِّي، والكثير منها مما لم أُسبَق لتبييضه، وقد ظَفَرْتُ بخطِّه الاعتذار عن الاهتمام بما لم يُكملْهُ منها، حيث قال: وأشياء شرع في الكثير منها ولم تكمل، وشغل عن التشاغل بها "شرح البخاري" وكلُّ الصَّيدِ في جوف الفرا. انتهى. واشتهر الكثير منها في حياته، بل في زمان شيوخه، وحُفِظَ بعضُها، "كبلوغ

стр. 673

المرام"، حفظه الشهاب [الزواوي والشهاب] (١) البيجوري، وأخوه البرهان، والشمس بن قاسم [وابن الشيخ رضوان] (٢) وزين العابدين بن المناوي، وغيرهم. و"النخبة" و"شرحها"، حفظهما البدر حسن الدماطي (٣) الضرير، وكاتبه. وأنشد الوعاظ في المحافل مِنْ نظمه، وخطب من دواوينه على المنابر في الآفاق، وقُرىء الكثير عليه مِنْ تصانيفه، لا سيما ما بيِّضَ في حياته، فلم يتأخَّر منه إلا اليسير، وربما قُرىء بعضها أيضًا أكثر من مرتين وثلاثًا وفوق ذلك، لكن على وجه الرواية والمقابلة، ما علمتُ مَنْ سلك فيها مسلك التَّحقيق والفحص والمراجعة غير العلَّامة ابن حسان، ومن قبله بالنسبة "لشرح البخاري" خاصة شيخنا العلامة ابن خضر، وبالنسبة "لمشتبه النسبة" الحافظ تج الدين بن الغرابيلي، وبالنِّسبة للنخبة و"شرحها" من لا يُحصى كثرة مِنْ أكثر النَّواحي، وأمَّا سائرهم، فليس قصدُهم سوى المقابلة. حتى إن بعض أصحابنا قرأ عليه "شرح النخبة" في مجالس ذات عدد، بحيث كنتُ أفهم عنه التعجُّبَ مِنْ ذلك، ولهذا وصف تصانيفه بما تقدم أول الباب. وقد قال ثعلب: إنما يتسع علم العالم بحسب حذق من يسأله، فيطالبه بحقائق الكلام، وبمواضع النكت، لأنه إذا طالبه [بحقائق الكلام] (٤)، احتج إلى البحث والتنقير والنظر والفكر، فيتجدَّد حفظه، وتتسع معرفته، وتقوى قريحتُه، ويتذكر ما تقدم. والعجب أنه أرشدهم لمطالعة الكتب الستة، لأجل المبهمات، على طريقة الاستقصاء، ثم إذا انتهت طالعوا بقية الكتب المتداولة وغيرها، وجعل لكل واحدٍ منهم منها كتابًا، فما نشط منهم لذلك سوى صاحبنا القاضي قطب الدين الخيضري، فإنه طالع بعض كتاب "السنن الكبرى" للنسائي، فيما أظن، وكذا أعطى بعض أصحابنا ربطتين له من كتاب "الثقات" ممَّا ليس في الستة، ليلحق الفائت ويمر عليها، فما فعل.

стр. 674

وطالما التمس ممَّن له مشاركةٌ في الفنون مِنْ جماعته أخذ كتابه "انتقاض الاعتراض" والمرور عليه، والإلحاق فيه لما ينبغي إلحاقه، وإن اختار أن ينسُبه لنفسه آثره بذلك، فما وجد مَنْ فيه قابليةٌ لذلك. نعم، أخذه الشيخ جمال الدين عبد اللَّه ابن شيخه المحب ابن هشام، وكان مِنْ جماعته، فمرَّ على كرَّاس منه، وتوفي صاحب الترجمة، فأخذ الكتاب منه. وكذا حَرَصَ على الالتقاط من "شرحه على البخاري" لما يكون تعقُّبًا على الكرماني والزركشي، وإفراد ذلك بالتصنيف، فما لبَّى أحدٌ منهم دعوته. واتفق أنه فهم من بعض جماعته الاعتناء بما يصدر منه حالة التقرير في "ألفية الحديث" و"شرحها"، فأعطاه مجلدًا من تذكرته"، وقال: استخلص مِنْ هذا ما يكون مِنْ غرضك، فتمادى فيه، بحيث لم يكتب إلا اليسير، ووقف عليه صاحب الترجمة، فكتب عليه، لكنه صرح لبعض الأفاضل الثقات مِنْ جماعته بعدم ارتضائه كما قدمته قبيل ولايته القضاء من هذا الباب. وأعطاني ما عمله من "أطراف الأجزاء"، وهو في عدة ربطات، وعيَّن لي أسماء الأجزاء التي طالعها بخطه، وأمرني بمطالعة غيرها، ودفع لي منها جانبًا، ففعلت اليسير، ثم تركت. وقلت له مرة: أحب أن آخذ "تاريخ الإسلام" للذهبي، فأُفرد منه من ليس في "التهذيب" و"اللسان". فواللَّه رأيته فرح بذلك، وقال: وكذا احذف منه الوزراء ونحوهم ممَّن لا رواية له، وأكمِل ذلك سريعًا حتى أتحفك بتتمات فيه، ويكون كتابًا حافلًا، فعاق المقدورُ عن ذلك، ولو رأى الكتاب الذي جمعته بعده، لقرَّ عينًا. وأعطى سبطه ما عمله في "طبقات الحفاظ" للذهبي، ليبني عليه. وسمعته يسأل صاحبنا النجم بن فهد سنة خمسين في الإقامة بالقاهرة، ليرتُبه في شيء يعمله، فما وافق (١) على ذلك. يسَّر اللَّه لنا ولهم أحْسَنَ المسالك، ونفعنا وإياهم بما علمنا، وختم لنا أجمعين بالحسنى.

стр. 675

[اعتناء الملوك بتصانيف ابن حجر] وتهادت تصانيفه ﵀ الملوك بسؤال علمائهم لهم في ذلك، حتى ورد كتاب في سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة من شاه رخ ملك المشرق يستدعي من السلطان الأشرف برسباي هدايا، ومن جُملتها كتب في العلم، منها "فتح الباري بشرح البخاري"، فجهَّز له صاحب الترجمة ثلاث مجلدات من أوائله، ثم أعاد طلبه في سنة تسع وثلاثين، ولم يتَّفق أنَّ الكتاب كمُل، فأرسل إليه أيضًا قطعة أخرى. وكان ذلك أولًا بعناية العلامة شمس الدين الجزري، ثم في زمن الظاهر جقمق جُهِّزت له نسخة كاملة. وكذا وقع لسلطان المغرب أبي فارس عبد العزيز الحفصي، فإنه -بعناية الإمام المتقن زين الدين عبد الرحمن البِرِشُكي- أرسل يستدعيه، فجهز له ما كمُلَ من الكتاب حينئذٍ، وهو قدر الثلثين منه، وكان -أعني أبا فارس- بواسطة المذكور يُجهّز لكتبة "الشرح" ولجماعة مجلس الإملاء ذهبًا يفرَّق عليهم بحسب مراتبهم، التماسًا للثواب، تقبَّل اللَّه منه ذلك. وكان سب ترغيب ملوك الأطراف في تحصيله، اشتهار "مقدمته"، فصار من يعرفُ فصولَها، يتشوّق إلى الأصل (١). [مشاهير من نسخ مصنفات ابن حجر] وقد وقع لي مِنْ أعيان مَنْ كتب منها بخطه، أو اعتنى بتحصيلها جماعة، فمنهم: المحدث أبو إسحاق أحمد بن أحمد بن درباس، كتب بخطه منها أشياء وقفتُ على بعضها، والشيخ المحدث المصنف الشهاب أحمد بن أبي بكر البوصيري، كتب بخطه "لسان الميزان"، و"تلخيص المدرج" و"زوائد البزار" التي لخَّصها شيخنا مِنْ كتاب الهيثمي، وغير ذلك. ووصفه في بعضها بشيخنا ومفيدنا ومخرّجنا. والعلامة شهاب الدين أحمد بن حجِّي الحسباني، حصل نسخة بتغليق التعليق، والشيخ الفقيه

стр. 676

شهاب الدين أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن عوض الطنتدائي شارح "جامع المختصرات". وشيخ جمع ممَّن أخذتُ عنه كتب كثيرًا من تصانيفه، "كالمقدمة" وغيرها. وكذا كتب عنه مع الجماعة جملة من مجالس الإملاء، والمحدث المكثر شهاب الدين أحمد بن عثمان الكلوتاتي، كتب "المقدمة" وغيرها. والعلامة شهاب الدين أحمد بن علي بن خلف الحسيني، كتب بخطه "المائة العشارية من حديث التنوخى". والعلامة المفنن مجد الدين إسماعيل بن أبي الحسن البرماوي، كتب "المقدمة" والمحدث حميد الدين حماد بن عبد الرحيم التركماني الحنفي، كتب كثيرًا منها؛ "كتغليق التعليق"، و"تهذيب التهذيب"، و"لسان الميزان"، و"أطراف المسند"، وغير ذلك. وقاضي القضاة جلال الدين عبد الرحمن بن عمر بن رسلان البلقيني، كتب عنه كثيرًا من "مقدمة الشرح"، وغير ذلك من الفوائد، وبعض ذلك بخطه، وقابل الذي كتبه مع صاحب الترجمة بقراءة قاضي القضاة جلال الدين لإعجابه به، كما أخبر به شيخنا في ترجمته من "قضاة مصر" تصنيفه. وحكى لي حفيده (١) القاضي علاء الدين عن صاحب الترجمة أنه قال له: لو اتفق أنَّ والدكم القاضي تاج الدين كتب عني شيئًا من تصانيفي، لكانت سلسلة. يثير إلى أنه هو وجده معًا كتبا عنه منها. قلت: [وقد قال إبراهيم بن طالب: سمعت عبد الرحمن بن بِشر بن الحكم يقول: حملني أبي على عاتقه في مجلس ابن عُيينة، فقال: يا معشر أصحاب الحديث، أنا بِشر بن الحكم بن حبيب. سمع أبي الحكم من سفيان، وقد سمعتَ أنا منه، وحدَّثت عنه بخراسان، وهذا ابني عبد الرحمن، قد سمع منه. انتهى] (٢). ثم إن الظاهر أن قول شيخنا المذكور (٣) كان قبل وجود ولد القاضي

стр. 677

علاء الدين الفاضل جلال الدين أبو الفضل عبد الرحمن، أو بعد وجوده، لكن قبل تأهُّله، وإلا فكان يقول: إنهم أربعة في نَسَقٍ، وهو نوع ظريف. وفي هذا البيت أيضًا الفاضل بدر الدين محمد بن الشهاب أحمد بن التاج ابن قاضي القضاة جلال الدين، بل كان للقاضي علاء الدين ابنٌ اسمه بهاء الدين محمد، ختم القرآن، وصلَّى به للناس على جاري العادة في مدرستهم، واستدعى أبوه شيخنا ليلة الختم، وكان حافلًا، وخطب المذكور بحضوره، وروى في الخطبة (١) عنه "الحديث المسلسل بالأولية"، فكاد القاضي علم الدين يُقَدُّ مِنْ ذلك، لكونه من جماعة بيته وفي مدرسة والده. واستمرَّ العلاء المذكور متأخرًا عنده بسبب ذلك، ولم ينفكَّ هو عن محبة شيخنا، والمداومة على الدعاء له حتى الآن. وكذا من الأسباب المقتضية لعدم تقدم العلاء عند عمِّ واللَّه: معارضتُه له في ادّعاء القرابة بين كعب وطلحة، كما أسلفتُه قُبيل الإشارة إلى المحنة من الباب الرابع (٢). والعلَّامة الحُفَظَة علاء الدين علي بن المغلي الحنبلي، استكتب "المقدمة". والعلامة علاء الدين علي بن خطب الناصرية، كتب بخطه منا "تغليق التعليق"، و"المقدمة" وغيرهما. والعلامة المفنَّن سراج الدين عمر قارىء الهداية الحنفي، كتب "المقدمة" بخطه. والإمام البدر محمد بن إبراهيم البشتكي. كتب قطعة من "تهذيب التهذيب" وغيرها. والشيخ شمس الدين محمد بن الخضر بن المصري، كتب بخطه "المقدمة"، وكثيرًا مِنَ "الشرح"، وغير ذلك. والعلامة المفنَّن شمس الدين محمد بن عبد الدائم البرماوي، كتب "المقدمة" وغيرها، بل "المقدمة" أحد أصوله في "شرح البخاري" الذي عمله. والعلامة كمال الدين محمد بن محمد بن حسن الشُّمُنِّي، كتب بخطه منها الكثير. وشيخ القرّاء العلامة شمس الدين أبو الخير محمد بن محمد بن محمد بن الجزري، نسخ بخطه من أول "المقدمة"، واستعان بجماعة حتى

стр. 678

أكمل كتابتها. وراسل الحافظ تقي الدين الفاسي من شيراز يلتمس منه "تغليق التعليق"، فاتَّفق وصول الكتاب وشيخُنا هناك ومعه منه نسخة، فجهَّزها إليه، فعاد الجواب بابتهاجه وفرحه بذلك، وأنه شهر الكتاب بتلك البلاد، ثم أهدى لشيخنا نسخة "بالنشر" من تصنيفه، والتمس نشره في الديار (١) المصرية، وكتب عن شيخنا أيضًا شيئًا من أول ما علَّقه متعقِّبًا على جمع رجال "مسند أحمد"، وبالغ في استحسان ما وقع له مِنْ ذلك، وقد نبَّه صاحبُ الترجمة على ذلك في خطبة الكتاب المسمَّى "تعجيل المنفعة"، حيث قال ما نصُّه: وكنت أفردت الأوهام التي وقعت للحسيني، وتبعه عليها ابن شيخنا في "جزء" مفرد، كتب عني بعضه العلامة شيخ الإقراء شمس الدين بن الجزري لمَّا قدم القاهرة سنة سبع وعشرين، وأعجله السَّفر عن تكملته، وبلغني أنَّه ضمَّه إلى شيءٍ فيما يتعلق "بالمسند الأحمدي". انتهى. وقرأت بخط صاحب الترجمة أيضًا في إجازته لبعض القرَّاء ممَّن أخذ عن ابن الجزري: حتى إن العلَّامة في الحديث والقراءات شمس الدين بن الجزري -وهو يومئذٍ الحاكم بمدينة شيراز- سئل عن موضع معلَّق في الجنائز مَنْ الذي أخرجه موصولًا، فكتب إلى الحافظ تقي الدين الفاسي بمكة، يسَأله (٢) أن يسألني عنه، فاتفق أني حججتُ في تلك السنة، وهي سنة خمس عشرة، فوقفت على كتابه، فجهزت له مع قاصده نسخةً في مجلدين، فلمَّا حجَّ هو في سنة سبع وعشرين، أحضر النسخة، فمررت عليها، وألحقت فيها زيادات تجدَّدت بعده، وكافأني عليها بكتابه "النشر" في مجلدين أيضًا، وقرنهما بقصيدة من نظمه. انتهى. [وليمة فتح الباري] ولمَّا تمَّ "شرح البخاري" تصنيفًا ومقابلةً ومباحثةً، عمل شيخنا مؤلفه ﵀ وليمةً عظيمة بالمكان الذي بناه المؤيد خارج القاهرة بين كوم

стр. 679

الريش ومنية الشَّيرج، ويُسمَّى بالتج والسبع وجوه- في يوم السبت ثامن شعبان سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة، وقرىء المجلس الأخير منه هناك، وجلس شيخُنا المصنف مع القارىء على الكرسي، وكان يومًا مشهودًا لم يعهد أهلُ العصر مثله بمحضر من العلماء والقضاة والرؤساء والفضلاء وغيرهم ممَّن لا يحصيهم إلَّا اللَّه . فمن أعيان الحاضرين من الشافعية: القاياتي والونائي، والمحلي والسفطي وابن البارزي، والتقي المقريزي، والبرهان الكركي، والمحب القمني. ومن الحنفية: ابنا الديري ثيخ الإسلام سعد الدين، والبرهان، وابنا الأقصرائي شيخ الإسلام أمين الدين، ومحب الدين، والمحب بن الأشقر. ومن المالكية: ابن التنسي، وأبو الجود البنبي. ومن الحنابلة: المحب بن نصر اللَّه. ومن أرباب المناصب: المقام الناصري محمد ابن السلطان جقمق، والوزير كاتب المناخات، وناظر الخاص. وكنت هناك وأنا صغير. وقال الشعراء في ذلك فأكثروا. منهم: الشريف الأسيوطي [والشهاب الحجازي] (١) وابن أبي السعوى والنَّواجي، والدَّجوي، والمليجي، والمحب البكري، والشرف الطنوبي، وابن الفالاتي الأديب، والبقعي، وأُنشد ذلك بالمكان المذكورُ بالمنكوتمرية أو بالبيبرسية، واليسير من ذلك مِنْ لفظ ناظمه. وفرَّق عليهم -بل على مَنْ كان ملازم (٢) الكتابة فيه عنه- الذَّهب وغير ذلك، ودفع ﵀ لأصحاب البرسيم المزدَرَع هناك عِوَضًا عمَّا

стр. 680

أتلفه دوابُّهم مالًا حتى لا يتضرَّر أحد بذلك. وكان المصروف في الوليمة المذكورة نحو خمسمائة دينار، ولم يترك مِنْ أنواع المآكل والمشارب والفواكه والحلوى وما أشبه ذلك شيءٌ، فكان شيئًا عجبًا. ووقع في هذا اليوم مما ضبطه أحد الأعيان، ممَّن حضر هذا المجلس، وهو الشيخ محيي الدين الكافيجي الحنفي [أن المقام الناصري] (١)، قال: يا مولانا شيخ الإسلام، هذا يوم طيِّبٌ، فلعلَّ أن تنعشونا ببيت مِنْ مفرداتكم، لعلّ أن نمشي خلفكم فيه، وإن كنتم كما قيل: وما مثله في الناس إلا مُمَلَّكُ فقال شيخ الإسلام: أخشى إن ابتدأت أن لا يكونَ موافقًا لما وقع بخاطركم، والأحسن أن تبتدىء أنت، فإن مشينا خلفه، فبها ونِعْمَت، وإلا ازددنا سرورًا، فقال الناصري: هويتها بيضاء رعروبة ... قد شغفت قلبي خود الرَّداحْ فقال صاحب الترجمة: سألتُها الوصلَ فضنَّت به ... إنَّ قليلًا في الملاح السَّماحْ فقال علي الدولشاي، وكان من محاضري المؤيد شيخ، وهو غاية في رقة الطبع، مع كونه تركيًّا. قد جرحَتْ قلبي لمَّا رنت ... عُيونُها السُّودُ المِرَاضُ الصِّحاحْ فهمهم الشرفُ الطُّنوبي، ولم يمكنه أن يقول شيئًا، فقال صاحب الترجمة: ما للطنوبي غدا حائرًا

стр. 681

فقال الناصري لعلي: أجِزْهُ، فقال: وحياة أبيك السلاري والفرس، وكانا ثمينين، فقال: هما لك مِنْ غير مهلة وتراخٍ، فقُلْ، فقال: وخرَّبَ البيتَ وخلا وراحْ [مَنْ كَتَبَ فتح الباري] وممَّن أعلمه كتب "الشرح": قارئه العلامة ابن خِضْر. ووصفه شيخنا بالإمام العالم العلامة الفاضل الباهر الماهر المُعين، مفيد الطالبين، جمال المدرسين، حفظ اللَّه عليه ما وهبه، وختم له بالخيرات حتى يفوز بالمرغبة ويأمن المرهبة. وكان شيخنا يجلُّه، ما أعلم أنه يُقدم عليه أحدًا من أصحابه، حتى قرأت بخطه حيث أرَّخ وفاته ما نصُّه: ولم يخلف بعده في مجموعة مثله، صيانة وديانة وفهمًا وحافظة، وحسن تصور، وانجماعًا عن أكثر الناس إلا من يستفيد منه علمًا، أو يفيده، وعدم التردُّد إلى الأكابر، مع ضيق اليد والعائلة، وبسط النفس، والتوسعة على الأقارب والأجانب، وتَرْك التَّشكِّي، والصبر المستمر. إلى أن قال: وعند اللَّه أحتسبه. وقال في موضع آخر: الشيخ الفاضل العالم المحدث الفقيه الفرضي المفنن، الفائق في جلّ العلوم. ثم قال: فرحمه اللَّه، فلقد كان لي به سرورٌ وانتفاع في الغيبة والحضور، فعند اللَّه أحتسب مصيبتي فيه، وأسألُه خير العِوَض. والشمس (١) السندبيسي، والشيخ شمس الدين بن قمر، كتبه مرتين، والقاضي شهاب الدين الزفتاوي، والبهاء أحمد بن عبد الرحمن بن حرمي، والزين عبد الغني بن محمد القِمَني، والشريف سعيد بن عبد الجليل الجزائري، والشيخ عز الدين بن عبد العزيز بن يوسف السنباطي، كتبه نحو ثلاث مرات (٢)، منها واحدة -وهي أهمها- للقاضي كمال الدين بن البارزي بِيعتْ في تركته بدون ثلاثمائة دينار. وفخر الدين بن نصر اللَّه الناسخ، كتبه

стр. 682

مرتين، إحداهما لسبط المؤلف، صارت بمكة. والشهاب أحمد الناسخ، كتبه مرتين. والبهاء بن المصري (١)، والمحب البكري، ولم تكمل نسخته إلا بعد وفاته. وابن أخي المنُوفي (٢)، كتبه نحو مرَّتين. والشريف أحمد الأسيوطي، كتبه مرتين. والزين اليماني، كتبه مرتين، وهما مِنْ أقلِّ النُّسَخ حجمًا، كل واحدة منهما في ستة أسفار. وكاتبه [وهي التي صار- بحمد اللَّه المعوَّل عليها بالقاهرة لتيسُّر عاريتها] (٣). وكتب غالبه: الشيخ رضوان، والشيخ أبو عبد اللَّه الطَّبِّي (٤)، والزين قاسم الزُّبَيْري (٥). والكثيرَ منه: شمس الدين بن حسان، والتقي عبد الغني المنوفي القاضي، والشيخ محيي الدين الطُّوخي، والمحب محمد بن البهاء عبد اللطيف ابن الإمام، وابن الشيخ علي (٦)، والشيخ شهاب الدين بن

стр. 683

أسد، والشيخ بهاء الدين المشهدي. ولم يتفق قراءة الكتاب عليه في غير المرَّة الماضي ذكرُها، نعم، قُرىء عليه نحو النِّصفِ الأول منه بعد ذلك، قرأه عليه العلامة بدر الدين القطان، وابتدأ قراءته من حديث ابن عباس ﵄ "اللهم فقهه (١) في الدين وعلّمه التأويل" من كتاب العلم، بناءً على قراءة غيره، وقابلتُ حيئنذٍ عليه ما كنتُ كتبتُه منه، وقرأت بنفسي كثيرًا منه. وبمكة مِنَ الكتاب المذكور عدّة نُسَخٍ، وكذا بدمشق، وهو أيضًا بالمدينة النبوية وببيت المقدس وبلد الخليل وحلب والإسكندرية، وغيرها من الأماكن. وعَظُمَ الانتفاع به في سائر الآفاق، لكن أكثر النُّسخ التي سارت في الآفاق فيها سُقمٌ كثير، مع كونها قبل الملحق المتجدِّد. نعم، في الغرب -فيما أظنُّ- نسخةُ السَّندبيسي، وهي معتمدة، وكذا أُولى (٢) النسخ بمكة نسخة بخط الشيخ (٣) ابن قمر (٤) عند قاضيها الشافعي، كان اللَّه له، وأخرى بخط ابن نصر اللَّه عند أخيه الفخر أبي بكر. وصرح كثيرٌ مِنَ العلماء أنه لم يشرح "البخاري" بنظيره، ولو تأخر ابن خلدون حتى رآه أو بعضهَ، لقرَّ عينًا، حيث يقول -وهو متأخر عن شرحي الكرماني وابن الملقن، وإن لم يسلَّم- قوله: "شرح البخاري دَيْنٌ على هذه الأمة". قلت: وامتاز بجمع طرق الحديث التي ربَّما يتبين من بعضها ترجيح أحد الاحتمالات شرحًا وإعرابًا.

стр. 684

وطريقته في الأحاديث المكرَّرة أنه يشرح في كلِّ موضع ما يتعلَّق بمقصد البخاري بذكره فيه، ويحيل بباقي شرحه على المكان المشروح فيه. وكثيرًا ما كان المصنِّف بقول: أودُّ لو تتبَّعت الحوالات التي تقع فيه، فإن لم يكن المُحالُ به مذكورًا، أو ذكر في مكانٍ آخر غير المحالِ عليه، فينبِّهُني عليه ليقع إصلاحه، فما فُعِلَ ذلك فأعلمه، وكذا ربما يقع له وترجيحُ أحد الأوجه في الإعراب أو غيره مِنْ الاحتمالات أو الأقوال في موضع، ثم ترجح في موضع آخر غيره، إلى غير ذلك مما لا طعن عليه بسببه، بل هذا أمر لا ينفك عنه كثير مِنَ الأئمة المعتمدين. وكان يقول -كما أشرت إليه قبلُ-: لو التقط منه بيان ما وقع للكرماني في "شرحه"، وللزركشي في "تنقيحه"، لكان -وهو قدر مجلد أو أكثر بانضمامه للكتابين المذكورين- شرحًا حسنًا، يسَّر اللَّه ذلك. وقد تصدَّى لاختصار الشرح المذكور شيخنا الإمام الرُّحلة المكثر شرف الدين أبو الفتح المراغي المدني نزيل مكة، فلم يُصب، حيث حذف منه ما يجب إثباته، وكذا شرع في اختصاره غيرُ واحدٍ من الشيوخ والطلبة. [والتقط منه صاحبنا القاضي قطب الدين الخيضري أسئلة وأجوبة يُبديها في مجالسه، فيقع لها من الفضلاء بهجة] (١). وكلٌّ يدعي وصلًا لليلى ... وليلى لا تقرُّ لهم بذاكا ولقد سمعت مصنِّفَه صاحبَ الترجمة ﵀ مرارًا ينكر إمكان اختصاره، ويقول: ما أعلمُ فيه شيئًا زائدًا عن المقصود. وأقول: إن ذلك بالنسبة لما لم يقع منه السَّهوُ في تكريره، حيث يكرر الأحاديث مما لا يتعلَّق بالأحكام غالبًا، ولكن صاحب البيت أدرى بالذي فيه.

стр. 685

وقد انتدب يعض المعاصرين لشيخنا ممّن أخذتُ عنه, وقرَّض لي بعض تصانيفي لشرح البخاري، مدَّعيًا أنه لم يُشرح شرحًا يشفي العليل، ويُروي الغليل، مع كون معظم استمداده مِنْ شرح شيخنا السابق، لكن من غير عزوٍ إليه، بحيث يقضي كل واقف عليه العجب مِنْ ذلك، وربما اعترض بما لا طائل تحته. وقد عمل شيخُنا -كما أسلفته- مصنفًا حافلًا، سمّاه "انتقاض الاعتراض" (١) بيَّن فيه المأخوذ من "شرحه" برمَّته، وأجاب عمّا زاده من الاعتراضات، لكنه لم يحرِّره قبل وفاته، وللَّه در القائل: وكم مِنْ عائبٍ قولًا صحيحًا ... وآفته مِنَ الفهم السقيم [وقول الآخر: كم مِنْ كلامٍ قد تغمَّر حكمةً ... نال الكسادَ بسُوقِ مَنْ لا يفهَمُ وكان الشافعي ﵀ ينشد لغيره. رُبَّ عَيَّابٍ له منظرٌ ... مشتمل الثَّوب على العيبِ] (٢) وممَّا يُنسب لصاحب التَّرجمة قوله: شرحي الذي سر في الآفاق سائرةً ... ونال مِنْ وِرْدِه الدَّاني مع القاصي وأنت شرحُك في البيت اختليتَ به ... مثل الذُّنوب التي يخلو بها العاصي قلت: وإنَّما لم أجزم بنسبتهما لشيخنا، لكونهما في "ديوان ابن خطيب داريا" شاعر الشام. لكن بلفظ "الشعر" بدل "الشرح" في الموضعين، فاللَّه أعلم.

стр. 686

[وقد (١) قرأت بخط شيخنا في أثناء التفسير من "شرحه": أنه انتهى إلى آخر الفرفان في أواخر رجب سنة ثلاثين وثمانمائة (٢)، وأنه قرأ بخط العنتابي الذي أبهمتُه أولًا في آخر شرحه سورة الكهف ما نصُّه: انتهى هذا الجزء إلى هنا، ويتلوه سورة (كهيعص) إن شاء اللَّه تعالى، وكان انتهاؤه على يد مؤلِّفه أبي محمد محمود بن أحمد العيني في أول ليلة الإثنين التاسع عشر شهر ربيع الأول سنة خمس وأربعين وثمانمائة. قال شيخنا: وقد مرَّ على هذا الشرح فسلخه ومسخه، ولم يترك منه فائدة، ولم يزد إلا ما حذفه الأوَّل عمدًا مِنْ كلام الكرماني المكرَّر، أو كلام ابن الملقن، ونحو ذلك. وكل ما فيه مِنَ الفوائد التي ابتكرها الأول -يعني نفسه- كتبها الثاني -يعني العيني- ولم بنسُب منها لمبتكرها (٣) شيئًا، فاللَّه حسيبُه، ويعرفُ ذلك مَنْ قابل بين الكتابين. انتهى ما قرأته بخط شيخنا ﵀. [شروح البخاري] فائدة: ممَّن علمتُه شرح "البخاري": الخطَّابي، وهو شرح لطيف. ومحمد بن التَّيمي، واعتنى بشرح ما لم يذكره الخطَّابي، مع التنبيه على أوهام له. وأبو جعفر أحمد بن نصر الداودي، وهو ممَّن ينقل عنه ابن التِّين وغيره. والمهلب بن أبي صفرة، وهو ممَّن اختصر "الصحيح". وأبو الزياد بن سراج, وهما ممَّن يكثر ابن (٤) بطَّال النقل عنهما. وقد اختصر "شرح" أولهما تلميذُه أبو عبد اللَّه محمد بن خلف بن المرابط، وزاد

стр. 687

عليه فوائد، وهو ممَّن ينقل عنه ابن رُشَيْد، وكذا القطب الحلبي. وشرحه أبو الحسن علي بن محمد بن بطال. وأبو حفص عمر بن الحسن بن عمر الهوزني الإشبيلي. وأبو القاسم أحمد بن محمد بن عمر بن ورد التميمي، وهو واسع جدًا، سمَّاه "الاحتواء على غاية المطلب والمراد في شرح ما اشتمل عليه مصنف البخاري من علم المتن بعد التعريف برجال الإسناد"، ينقل عنه ابن رُشيد. وكذا شرحه عبد الواحد بن التبر السفاقسي، والزَّين بن المنيِّر، وشرحه في نحو عشر مجلدات، وأبو الأصبَغ عيسى بن سهل بن عبد اللَّه الأسدي، ذكر أنه كتب إلى بعض أئمة عصره يسأله عن إشكال في سنة ست وخمسين وخمسمائة، وكان هذا الشيخ يروي الكتاب عن الأصيلي، وهذا الشرح ينقل عه ابنُ رُشيد. وكذا شرح منه أبو زكريا النووي قطعة مِنْ أوله، وكذا العماد بن كثير، والزَّين بن رجب الحنبلي، والسِّراج البلقيني، والبدر الزركشي، وهو غير تنقيحه الذي تداوله الناس، والمجد الشِّيرازي. وجميعه القطب عبد الكريم الحلبي الحنفي، والعلاء مُغْلَطاي الحنفي أيضًا. واختصره جلال التَّباني الحنفي، وكذا الشمس الكرماني، والسراج بن الملقن. ولخَّص منه ومِنَ الذي قبله التقي يحيى الكرماني، وكذا لهما شرحه مع فوائد من غيرهما، وكذا شرحه. والشمس البرماوي، والبرهان الحلبي. والبدر العيني. ولأبي محمد بن أبي جمرة شرح ما انتخبه منه. ولابن عبد البر كتاب سماه "الأجوبة الموعبة عن المسائل المستغربة من البخاري"، سأله عنها المهلب بن أبي صُفرة. وكذا لأبي محمد بن حزم عدة أجوبة، ولابن المنيِّر حراشي على شرح ابن بطال، بل وعمل أبضًا الكلام على التراجم، سمَّاه "المتواري". وكذا لأبي عبد اللَّه بن رُشيد "ترجمان التراجم"، عندي مجلد ضخم منه إلى الصيام. وتكلَّم على تراجمه أيضًا الفقيه أبو عبد اللَّه محمد بن منصور بن حمامة المغراوي السِّجِلْماسي، سمّاه "حل أغراض البخاري المهمّة في الجمع بين الحديث والترجمة وهو ترجمه". وله آخر سماه "إبراز

стр. 688

المعاني الغامضة في تتابع البخاري بالمعارضة". وشرح غريبه القزاز. وكثيرًا من أحاديثه القاضي عياض في "المشارق"، وابن الأثير الجزري في "جامع الأصول"، وابن هُبيرة في "معاني الصحاح"، وابن الجوزي في "كشف المشاكل" (١)، وابن قُرقُول في "المطالع". ولنرجع لما كنَّا فيه (٢). وكذا أجاب صاحبُ الترجمة عن الاعتراضات على "معجمه" التي أفردها بعضُ المتعصبين (٣) بالباطل في تصنيف بهوامش الكتاب من غير تعرُّض للفظةٍ قبيحة، وعرضوا عليه حواشي لبعض طلبته على "شرح النخبة" له، فما ارتضى أمرها. وللَّه در إسماعيل بن عبَّاد حيث يقول: وقد نازعوك فما زُعْزِعَتْ ... مناكبُ رضوى بمَرِّ الرِّياح [وكذا رأيت لهذا الطالب المشار إليه -وهو الزين قاسم الحنفي- بعد موته كتابًا سماه "تقويم اللسان"، وآخر سمَّاه "فضول اللسان" و"حاشية" على كلٍّ من "المشتبه" و"التقريب"، فأردت التوجه لذكر (٤) بعضها، ليعلم عنوان سائرها، وأنبِّه على أنَّه اعتمد في ذلك على النُّسخ القديمة التي تجدَّد بعدها إلحاقُ الكثير، ونحو ذلك من الأشياء التي تروج على من لم يَخُض بحارَ هذا الشأن، ثم رأيت إماتَتَها بعدم الكتابة عليها والاعتناء بشأنها، فإنه لا طائل تحتها] (٥). ولطالما كان المذكور يتكثَّر عند من لا يتدبَّر ويلوّح بل يصرِّح ويقول:

стр. 689

قد (١) تعقَّبت بكذا، واستدركت بكذا، إلى غير ذلك ممَّا لا يحمد قائله (٢)، [ولا يرتفع له فيه ولا في غيره رأس] (٣)، لا سيما وليس في كلام صاحب الترجمة ما يقتضى عدم إمكان وجود زائد على ما ذكر، بل صرّح هو -كما قرأته بخطه- بقوله: إن المواضع التي حصل لي الوقوفُ عليها ممَّا لم يقف عليها مَنْ قبلي لم تحصُل إلا بالعناء الطويل، والسَّهر الكثير، والاعتناء البالغ، وكان ذلك بعون اللَّه تعالى، ولكن كان ذلك مع وجود نشاط الشباب، وقلَّة الشواغل، وطالما طالعتُ المجلَّد بتمامه في اليوم واليومين، فلا أظفر بشيءٍ، وربما ظَفرْتُ بموضع واحدٍ، وأما الآن، فهو كما قيل: من أين للهوى الثاني صِبًا ثاني فإذا يسَّر اللَّه لأحدٍ النَّشاط إلى ذلك، فليجمع على ما تعب فيه غيره ذيلًا يستفيده مَنْ بعدهما، فيترحَّمُ عليهما، واللَّه يهدي مَنْ يشاء إلى صراط مستقيم، وما أحسن قول القائل: ولو قبل مبكاها (٤) بكيتُ صبابةً ... بسعدى شفيتُ النَّفسَ قبل التَّنَدُّمِ ولكن بكتْ قبلي فهاجَ ليَ البُكا ... بكاها فقلتُ: الفضل للمتقدِّمِ فصل فيما علمتُ شيخنا كتبه بخطه من تصانيف غيره وإن لم يمكن الإحاطة بحصره " صحيح البخاري" في مجلد ضخم، "السنن" لأبي داود، في مجلد، "العبر" للذهبي، في مجلد، "الذيل عليها" للحسيني وغيره، في جزء لطيف،

стр. 690

"الترغيب والترهيب" للمنذري، في مجلدين. ويقال: إن هذا الكتاب لم ينتشر إلا مِنْ قِبَلِه، فقد حكى البدر حسن الفيومي، إمام جامع الزاهد بالمقسم وكان أكثر أهل العصر اعتناءً بهذا الكتاب، مع قلَّة بضاعته ﵀ (١) -قال: أول ما وقفت على هذا الكتاب أحضرته للشيخ أحمد الزاهد أسأله عن مؤلفه، فأمر بالسُّؤال عنه من صاحب الترجمة، فقال: هو الحافظ المنذري، وهو كتابٌ نفيسٌ، فأقبلَ النَّاسُ على تحصيله وقراءته مِنْ يومئذٍ، وتزايدَ ذلك حيث قُرىء على صاحب الترجمة أيضًا، واللَّه أعلم. "تجريد الصحابة" للذهبي، في مجلد، من "مجمع الزوائد" للهيثمي، مجلد، من "ترتيب الحِلية" له، مجلد، من "زوائد المعجمين" له، مجلد، من "زوائد الكبير" له مجلد، وباقيه بهوامُش نسخته من "مجمع الزوائد"، من "شرح الترمذي" للعراقي، مجلد ضخم، "شرح جمع الجوامع" للزركشي، مجلد. ومن "شرحه" للعز بن جماعة المسمَّى "الغُرَر اللوامع في شرح جمع الجوامع"، إلى العامِّ في مجلد. من "مختصر الكفاية" لابن النَّقيب، مجلد "غراس الأساس" للزمخشري، مجلد. الأول من "مطالب التبيين في الحاشية على شرح عضد الدين"، مجلد لشيخه العز بن جماعة، كتبه من خطه في سنة أربع عشرة وثمانمائة. "أحكام قيام الليل والوتر" للفقيه نصر، مجلد. "شرح الألفية" للعراقي، مجلد، و"النكت" له على ابن الصلاح، مجلد. وكذا نسخة ثانية منه "تخريج أحاديث الإحياء" له، في مجلد. من "الكامل، لابن عدي، مجلد. من "القاموس في اللغة"، قطعة. من "شرح الكرماني للبخاري"، مجلد. "أطراف المزّي"، خمس مجلدات. من "ترتيب ابن حبان" لابن بلبان،

стр. 691

مجلد. "طبقات الحفَّاظ"، وإلا ما كان منها في "التهذيب"، للذهبي، مجلد. "المشتبه" له، مع فوائد وتقاييد بأصله وهامشه، مجلد. "التدريب" للبلقيني، مجلد. نصف "مختصر ابن النقيب للتنبيه". "شذور الذهب" لابن هشام. بعض "الجاربردي" -وهو الفخر أبو العباس أحمد بن الحسن- على "البيضاوي". قطعة من "مختصر القاضي جمال الدين أبي عبد اللَّه محمد بن واصل في المنطق". "خلاصة منتخب تلخيص المفتاح" للعز بن جماعة "فصل البديع" لابن أبي الأصبع، في مجيليد (١). وقد كان عزم على كتابة مصحف (٢) بخطه على قراءة ابن كثير، فما أظنُّه تيسَّر له، بل كان يقول: إنه كان الأنسب للشافعية التلاوة بها، لكون الإمام (٣) أخذها عرضًا عن إسماعيل بن عبد اللَّه بن قُسطنطين المكي، وهو عن ابن كثير، ولمذهبه في البسملة، وغير ذلك. واللَّه أعلم (٤).

стр. 692

الباب السادس في سياق شيء من بليغ كلامه نظمًا ونثرًا وفيه فصول

стр. 693

الأول في تقاريظه البديعة وألفاظه السهلة المنيعة وأقدم ما وقفت عليه: [تقريظ كتاب نزول الغيث للدماميني] مِنْ ذلك: ما قرَّظ به كتاب "نزول الغيث" للعلامة بدر الدين أبي عبد اللَّه محمد بن أبي بكر المخزومي الدماميني، الذي بيَّن فيه خطأ الصلاح الصفدي في كتابه "غيث الأدب الذي انسجم في شرحه لامية العجم"، وذلك في رمضان سنة خمس وتسعين وسبعمائة رفيقًا لمشايخ عصره إذ ذاك، كابن خلدون، وابن التنسي، والغماري، والمجد الحنفي، وابن الشِّحنة، وابن الجزري، وابن مكانس، والبدر البشتكي، وغيرهم، بعد أن نسخه بخطه، ونصُّ ذلك، وقد نقلته من خطه من النسخة التي بخط مصنفه، وهي عند صاحبنا الإمام جمال الدين ابن السابق، دام النفع به ورحمه اللَّه (١). أمَّا بعد حمد اللَّه وحده، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد عبده ورسوله، فما أشرف سيدنا وعبده، فأقول، وإن لم أكن مِنْ رجال هذا المجال المصيبين، لوفُور سهامهم في الأدب أغراض المقال، ولا ممَّن أصغى إلى حُسْنِ الاستماع، إذ لا أدبَ عندي ولا مال، ولو وقفتُ، وقفتُ عند قدري، وما زاحمتُ السَّادة والأعلام -مع طلاقة ألفاظهم- بركيك نظمي ونثري، ولكني

стр. 694

واثقٌ مِنْ هذا المولى (١) يستُره على أهل هذا الفن، عارف بما له مِنْ إنعام على من أجاد منهم، ومن وقفت على هذا الكتاب الشاهد لمؤلفه أنه الحاكم الذي لا يقبل رِشوة، الفريد وإن كان له من مصنفاته إخوة، وتأملت أبوابه، فدخلتْ عليَّ المسرَّةُ من كل باب، ولم أعلم -وأطربني- أهو نزول الغيث أم وقع الرباب، فعوذته حين أطربني، وهو الفريد بالمثاني، وثنيته نحو القلب، وإن كان ما له في الحقيقة ثاني، وأشرقَتْ تلك الفرائدُ منه, فكَلَّ عن (٢) وصفها غرب لساني، وجنيت عليه بكثرة ما اجتنيت من أوراقه ثمر الفوائد، فأنا على الحالتين جاني، وقبلته ألفًا وألفًا، فقال لي غرامي زده واضرب الألف في الألف. فتبارك الذي اطلع في سماء البلاغة بدرًا هاديًا، وأرواه مما رواه عن غيره، فأصبح صاديًا (٣)، وأيَّده حتى نَظم في هذا العقد الفريد ما شذر مِنْ فنون الآفاه والإفادة، وأعانه على ما جمع فيه من المحاسن، فكان جامع الحسنى وزيادة، فكل أديب أبدى إذ رام (٤) مجاراة هذا الصَّدر عجزًا، وصيَّر نفسه إذ رأى بديهته وروِيَّته فُقِدا أو عَزَّا. كيف لا، وقد أنهلهم منه ندى فضلٍ مِنْ خاطرٍ وكفْ، وأعجزت فصاحتُه كلَّ واصفٍ قام في ملأ مِنَ الأدباء وصفٌ، ودنا بفوائده مِنَ القُلوب، فعقل مجاريه قاصٍ قاصر، ومهر فأمهر أبكار المعاني جواهرَ لفظِه، فأكرِمْ به في الحالتين ماهر (٥)! فلهذا أحجمتُ عن وصفه (٦)، ولا يُنكر مِنْ مثلي، ولو كنتُ قُدَامةَ الإحجام، وقدحت زِنادَ الفكر لإسراج مطيَّة العقل، فلم أظفر إلَّا مِنْ عيِّ لساني بالإلجام. هذا وقد شاهدتُ مِنْ مؤلِّفه كعبةَ أدبٍ، لو حجَّها جدِّي قبلي تهيَّبَ النُّطقَ، (حتى قيل: ذا حَجَرُ)، وسمعت منه ما لو سمعه الفصحاء، لعيَّوا

стр. 695

عن وصفه، فكيف بمثلي، (وما عليه إذا لم يفهم البقرُ)، ورأيت (١) غرائبَ مِنْ براعته يردُّها العقل لو لم يشهد البصر، وقلت متجاهلًا مع معرفتي ببلاغته: (أهذه سير في المجد (٢) أم سُوَرُ)؟! فهو قاضي البلاغة الذي: أقرُّوا بحق جوهر الفضل عنده ... ولا عجب للبحرِ صَوْنُ الجَوَاهرِ والجواد البليغ الذي: يقول لنا دُرًّا (٣) ويبدي سماحة ... فما البحرُ إلَّا بين كفٍّ وخاطرِ وعالم المدينة الذي: على كلِّ رأس طال كعب مبارك له ... وهو للطُّلَّابِ أفضلُ مالكِ وربُّ البديع الذي: قد استخدم الأنظار إذ أصبحت لهم ... مطالبة قد طوبقت بمهالكِ وفارس العربية الذي: غدا قبلةً للناس صَلَّوْا وراءها ... وفاتهم سبقًا فليس يُجارى والكاتب الذي: إذا أبصروا في الطِّرْسِ أثر مِدادِه ... فذلك سَبْقٌ قد أثار غبارا وضَحَتْ من سجعه المعاني من بعد، فكم به للعلوم زرقاء يمامة.

стр. 696

وأضحت تصانيفُ الأدب الجليلة كالسِّجلِّ وتصنيفه (١) هذا الدَّقيق المعاني علامة، واحتوى على دائرة الأدب، فقلنا: البدرُ قد سكن داره، وتزيَّنَتْ به المعالي، واستبشرت، وليهنِها منه في الحالين بشارة، فلو رآه سحبان، لوافى لطلبِ آدابه مشمِّرًا، فقيل له: مِنْ أين، وإلى أين؟ والخليلُ بن أحمد صاحبُ العروض، لغرق في بُحور آدابه، وقدّم له ما يملكه مِنَ "العين"، وابنُ عبدِ ربِّه، لاعترف بأنه جمع الخرز في "عقده" وابن الصَّيرفي البليغ، لما ساوى معه حبّة، مع حُسن نقده. وأبو العلاء المعري، لأنشده هذا الناقد البصير: أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وابن الرومى، لعرف الفرق ما بين العجميِّ في الفصاحة والعربي، أو سمع فصاحتَه كل بليغ، لأقرَّ أنَّه فنٍّ من اللسان محروم، ونادى في ظُلمة الغي: انظرونا نقتبس مِنْ نُور فصاحتكم يا بني مخزوم، فنزول الغيث قد أخجل النِّيل، والفاقد صبره للعجز عن مجاراته ينادي: كيف السبيل، ولا ريب عندَ صاحب الذَّوق أنَّ نقص خليل زاد، وأن هذا السيد هذب به من كلام الصلاح فساد، فلو صدر الصفديُّ إلى الدنيا بعد موته، لما وُجد منه إنكار وَرد، ولو رام أن يهادى هذا المولى لهدايته له إلى الصواب ببلده، لقال له: ما لنا حاجة منك بصفد. على أنَّ هذا الصفدي كان كثيرًا ما يقدم على العلوم -كالنحو- من غير مبتدأ معرفة، ويستغني بتعديله وتجريحه، وتمريضه (٢) وتصحيحه، فلا يثرى من صفة منصفة، ويرى أنَّه البصير بهذا، وهو في العمى ضائع العُكَّاز، لا زال مولانا جائدًا للطلبة بنقده آمنًا من السرار (٣)، فلا يذوق (٤) مرارة فقده، ولا برح بأنوائه وأنواره يُخجل الشمس والغيام، ودام سالمًا مِنَ النَّقص، فلا يخلو نعتُه -وهو البدر- مِنْ معنى الكمال والتمام، إن شاء اللَّه تعالى.

стр. 697

[تقريظ بديعيه الوجيه العلوي] ومن ذلك ما كتب به في ربيع الأول سنة ثمانمائة بزبيد على "البديعية" التي نظمها الوجيه عبد الرحمن بن محمد بن يوسف العلوي، المسماة "بالجوهر الرفيع ودوحة المعاني في معرفة أنواع البديع ومدح النبي العدناني" ونصه: الحمد للَّه الذي أتقن ما صنع أبدع إتقان، وأحسن كلَّ شيءٍ خلَقَه وخلقَ الإنسان، وصلى اللَّه على أشرف مُرسلٍ مفرد، لم يختلف في فضله من ذوي العقول اثنان، الذي نزّه تشريعه عن المراجعة والمناقضة، وجرّد تتميمه عن الاستدراك والمعارضة، فما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يُوحى، وما ظهر من معجزاته لامعة إلَّا وأخجلت نجمًا وقمرًا وبوحًا (١)، ففي محل ألفاظه إشاراتٌ خفيَّات، يتلمَّح معانيها أهلُ البيان، وفي أخباره معجزات شتَّى لا يختصُّ بها أهل زمان دون أهل زمان، ومنها قوله الصادق: "إنك إن تُعطَ الإمارة عن غير مسألة، تُعَنْ عليها يا عبدَ الرحمن"، وسلَّم اللَّه على رُوحه أتمَّ سلام، ورضي اللَّه عن آله وصحبه البَرَرةِ الكرام الخيرة الأعلام. آمين. فأقول وإن لم أكُن مِنْ رجال هذا المجال المصيبين بنيل نبلهم مقاتل الأقوال: وقفت على هذا الجوهر الرفيع، وتفيَّأتُ ظلال هذه الدوحة، واجتنيت مِنْ زهرها المريع، ووقفت عنده وما وقفت عنه، وأطال ظامىءُ نظري الورود، وما ارتوى منه، ونثر (٢) فكري لوصفه سهامَ الألفاظ مِنْ كنانته، فما أصاب الغرض، وعرض جنودَ المعني لمدح هذا الجوهر الفرد، فما قابله لما عرض، وقدحت زِنَادَ ذهني الكابي، فما أورى مِنَ القادح واستشعرت معثار إنساني، فتلا عليه العجز: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ﴾ [الانشقاق: ٦]، فلله درُّ منشىءٍ هذه المُلحة، والمتفضل بهذه المِنحة، لقد

стр. 698

أطاب لما أطال، ووجد مكان القول ذا سَعَةٍ فقال، وسبق إلى غاية ما وراءها غاية، وأقام للبلغاء عند اختلاف آرائهم راية. شعر: إذا أبصروا في الطِّرْسِ أثر مِدادِه ... فذلك سَبْق قد أثار غُبارًا فصليتُ وراء هذا السابق مسلمًا، وصَمَتُّ عجزًا عن وصف مجلس ذا الصدر، ولكن أبى قلبي أن يكون إلَّا متكلمًا، وقلتُ واستعنت بالعزيز القدير، ويدُ فكري جذيمة، ولسانُ التَّقصير قصير: للَّه دَرُّ فاضلٍ مُبَرِّزٍ ... جاءَ أخيرًا وتجلَّى سابقا والبُلغاءُ عن مداه (١) قصَّروا ... فما رأينا للوجيه لاحقا فلو رآه الحريري، لعقد عليه الخناصِر، لعلمه بأنه من (٢) الطراز الأول، وابن أبي الأصبع، لنصَّ بإشارته إليه بأنَّ عليه في هذا الفن المعوَّل، والحلِّيُّ لحزم عليه النظم (٣) وخفي، ولما حام يومًا حول مورء الصَّفِي. جلوت على الأسماعِ بنتَ قريحةٍ ... بديعةَ حُسْنٍ لا يقاومها نقدُ فلو أبصر النَّظَّام جوهرَ لفظِها ... لما شكَّ فيه أنَّه الجوهرُ الفردُ وبالجملة، فسِنَانُ قلمي عن واجب وصفِه غيرُ مسنون، وصَدَفُ كَلِمي لا أرضاها لهذا الجوهر المكنون، لا زال ناظمه في سعادة لازمة له لزوم الهمزة للاستعلاء (٤) على ما ألَّف، وكان المبتدأ صدر الكلام، واللام للتعريف من قبل (٥) الألف، ومنادي عيشه لا يرخَّم، وأحمدُ زمانه لا

стр. 699

ينصرف، وأيَّد تصرُّفَه بحُكْمِ السُّيوف والأقلام، وأخدم مجلسه أفضل التَّحية والإكرام، والسلام. [ما كتبه على قطعة لابن ناهض] ومن ذلك: ما كتب به [على قطعة لابن ناهض، ومن خطه نقلت: نظرت هذه المُذْهَبَة المعلَّقة، وقيدت النظر] (١) في هذه القوافي المطلقة، واعْتَرفت بالقصور عن وصف هذه البُيوت العاليات الطَّبقة، المترفعة غرفُها عن أن تكون مستَرَقَة، فألفيتُها حُرِّرت موازينها، وقُرِّرت دواوينها، وانشرحت الصدور من شدَّة ما أطربتها تلاحينها، وأزهرت أفانين غياضها، وزخرفت بأنواع الزينة أواوينُ رياضها. يا لها آدابًا، لو رام معارضة منشئُها مادح بمصر. . . . . . (٢)، وتأمَّل ما يهديه فكرُه لقال: ما أشدَّ بردَه، ولو بالغ في وصف مخترعاته، لرأى نقصَها متزايدًا عنده، ولو فُتِحَ له بابُ تقريظها، لحُقَّ له سدُّ باب القريضِ بعده ما نُوظرت هذه المحاسن، ونظر الناظر إلى آدابه، إلَّا قال لهَا: أبعدي، ولا قُوبلت بأدب متأدِّب، إلا تبين في الحال حال المعتدي. لقد توحد منشئها في فنه حتى صار هو العَلَم الفرد ذَكاءً وآدابًا، واستحقَّ اسمَ أبيه، فأصبح في اقتناص الشوارد ناهضًا وثَّابًا، وإذا كانت العقول مِنَحًا إلهية، والأفكارُ مواهبَ ربَّانيَّة، فلا بِدْعَ أن يبتدع الغريب إلى الغريب، ولا غَرْوَ أن ينشأ أديب يُنسي بما ينشئه إنشاءَ كلِّ أديب. والليالي -كما علمت- حُبالى ... مُقَرِّبات يَلِدْنَ كلَّ عجيبِ [تقريظ سيرة ابن ناهض] ومنه ما كتب به على السِّيرة التي عملها محمد بن ناهض الحلبي المذكور للمؤيد أبي النصر شيخ في سنة ثمان عشرة وثمانمائة، رفيقًا لدون ثلاثين نفسًا، منهم: العز بن جماعة، والولي العراقي، والجلال البلقيني،

стр. 700

والشمس البلالي، والشمس البساطي، والشمس الحبتي، والبدر الدمياميني، والشِّهاب القلقشندي، وناصر الدين بن البارزي، وولده الكمال، والتقي بن حجة, ونصه: الحمد للَّه على كل حال. سبحتُ في هذا البحر الزَّاخر، فشاهدتُ العجائب، فسأحدِّثُ عن البحر ولا حرج، وتمتعت برؤية درِّه الفاخر، فإذا هو في درج مصون لا ينالُه من دبَّ ولا مَنْ درج، ودخلت في أبواب هذه السِّيرة السَّرِيَّة، متأملًا فيما حوته مِنَ المدائح المؤيدية، فهمتُ طربًا بمناقبها، واستعدت ممَّن أخطأ العروض والضرب وخرج، ولمحت فضل المعركة الميمون، فرمقت باب النصر، وصادفت فصل حصار (١) الحصون، فوافقتُ بابَ الفُتوح، ونظرتُ فصل الظفر بالأدب، فلحظتُ بابَ السَّعادة، وتأمَّلتُ فصل دفع الكُرَب، فشاهدت باب الفرج. يا لها سيرةً هبَّت على راقمِ بُرودها وناظم سُعودها نسماتُ القَبُول، فهو يجول ويصول، ولا يبالي مَنْ هَرَج ولا مَرَجٍ، وأسعدته بدرج الصعود، وأصعدته في مراقي السعود فعرج، ودانت له ممالكُ الكلام، فتصرَّف فيها تصرُّف المالكين، غير متقيِّد بشرطِ غيره، وانفرد أمَّةَ وحده، لا يُجارى ولا يُبارى، ولا يجسُر أحدٌ أن يسير في سياق السَّير الملوكية كسَيْره، وانطاعت له عصِيَّات المعاني الشاردة، فهو يقتنصها، لا بخيله ورَجِلِهِ، بل برجوليته وخيره. وماذا أقول ولم يُبقِ لي مَنْ تقدَّم كاسًا مُترعًا، وماذا أترامى به من المعاني في الوصف، ولم أر في القوس منزعًا. نعم لست أوافق على فكر شاعر، ولا مؤرخ في معارضة مخترعها، ولو كانت حياضهم مُترعة، ورياضهم موشعة، إذ ليس فيهم من ينهض نهوض ابن ناهض في تصيُّد المعنى، حتى (٢) يستحقَّ أن يُذكر معه، ولا يبارزه في ميدانه إلا مَنْ يرى في الحال مصرعه، ولا يقارب في تصرفاته في النظم، والشعراء فاعلمن أربعة. هيهات هيهات، كيف يمكن الترجيح وشرطه تقدم المساواة للنِّدين؟ أم متى

стр. 701

تتهيَّأ المساواة ومُحالٌ اجتماعُ النَّقيضين من الضِّدَّين، هذا الذي طلع في سماء أوصاف الملوك هلالًا، وصرع نواحيه طيور الأفئدة، فصار ما يتخيَّله فيه الناظر محالًا، ونبغ في شريعة التاريخ، فمن رام مجاراته أنشد: يا صاحبي، ألا لا. هذا الذي أغرب، فأتى بفرائد لا تذكر معها "قلائد العقيان". وأطرب فلحن (١) السواجع لا يصغى إليه مع لحنه وإن أطربَ إنسان، وأقدم فرجع عنه النُّبلاء القهقرى، وأعلم بأن كلَّ مَنْ رامَ معارضته مِنَ الفحول، صيَّره العجزُ وراء الورى، فلقد جلَّى مِنْ هذه السِّيرة المؤيدية عروشًا تأيدت بسلطانها، فيا لعجب تأوَّدت ونطقت بفضل مخترعها الفرد في فنه، فقامت لها قلوبُ الألِبَّاء وقعدت, وأبدت من مفرداتها ومركباتها ما لم يطرق قبله لسامع أذُنًا، وأسمعت من ألحانها المطربة في حانها ما لا يدرك المعارض له لفظًا ولا معنى. منطق صائب وتلحن أحيانًا ... وخيرُ الكلامِ ما كان لحنَا فسبحان من أيَّد فكرته حتى أعربت عن لحن القول، وقوَّاها على البديهة حتى نادتها حوليَّات زهر لا قوَّة لي بهذا ولا حَوْل، وتبارك مَنْ أغناها عن التكلُّف (٢) في التصرُّف، فما أغناها، وأراحها مِنَ التوقف عن اتِّباع كلام السِّوى، فما أهياها (٣). لقد توسَّعتْ في فنون الكلام، حتى أهملت بجواهرها كتاب "الصَّحاح"، وترضَّعت بكلِّ درَّةِ خَفَضَ (٤) كلُّ لبيب لها الجَنَاح، وترفَّعت بعزِّ سلطانها، فمن رآها نُصْبَ عينيه، قال: ليس على مخترعها مِنْ جُناح، وتنوَّعت بالفنون، فساح طَرْفُ ناظرها في معانٍ فساح. (هكذا هكذا وإلا فلا لا) طرق الجد غير طرق المزاح.

стр. 702

فاللَّه تعالى يُبقي منشئها، حتى يُسلي الهموم بما يطرب ويُغرب، ويتحف النفوس من مبتكراته بما ليس في كتاب "المرقص (١) والمطرب"، إن شاء اللَّه تعالى. [تقريظ بديعية ابن حجّة] ومِنْ ذلك: ما كتب به على "شرح بديعية" (٢) المولى شيخ المتأدبين في عصره، التقي بن حجة: اللهمَّ غُفرًا. كيف لا أسال المغفرة، وقد أُلزمت بكشف عواري، وأُلجِئتُ من تقريظ هذه الدُّرَّة اليتيمة إلى رفع الحُجب عن بنات أفكاري، وأنا لا أزال أغطِّي تلهُّبي على أغراض المعاني الفائقة عني وأواري، وجهدي أن أُحْسِنَ النَّظر فيما أقف عليه من اللطائف الزواهي بالزواهر والزَّواري، وكيف يضيء مصباحُ فكبر قليل المادَّة في مدح (٣) هذه النجوم الدراري؟ وكيف أقنَعُ في موضع الإسهاب لها بالألفاظ الموجزة؟ ورَويَّتي عاجزة، وليست لي بديهة معجزة، لكن جرى القلم، فكتبت وتوفرت سهامُ الحقوق، فطرحتُ رداء العصبية، ورميت الغرض فأصبت، وطالعت هذا الشرح، فتلا، لسانُ الحال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾، ورفعتُ يدَ الابتهال للاقتدار على مدحه مع قبول الاعتذار، فقيل لي: قد وضعنا عنك وزرك. فأقول: أشهد أنَّ أبا بكر مقدَّمٌ على أنظاره، ولا أعدل في هذه الشهادة من أحمد، وأجزم برفعَةِ قدره على كل من انتصب لهذا الفن، ولا أبلغ من حاكم يشهد، لقد بلغ أشُدَّه في البلاغة واستوى، وثبت (٤) رشده عند غُواةِ الأدب، لكن ما ضلَّ صاحبُهم وما غوى، ولا نطق في المديح النبوي إلَّا

стр. 703

بالحق، وحاشى لهذا الصَّاحب أن ينطق عن الهوى، ولفد ظفَرَتْ حبائلُ فكرته (١) بكلِّ سانحة من ظباء البديع وبَارحة، وخطبته من "يتيمة الدهر" و"دمية القصر" كل قرينة صالحة، وأتى طرسُه بكلِّ دُرَّةٍ مونقة معجبة، وأخذ نقسه (٢) -الذي هو أبهج من النَّضار- بمجامع القلوب، لشدة ما بينهما في اللَّون من الشَّبَه وأطنب في فَنَّي التورية والاستخدام، وهما قسما البدائع والكواكب الدراري فاستخدم فيما أطاعته من الاستخدامات رقائق الألفاظ فتمَّ وصفها بالجواري، وورّى فتوارى منه المُجاري، وحُقَّ له الهرب عند سماع تلك الاستخدامات الرائقة والتواري. فاق لما جارى ابن سرايا وابن جابر والموصلي. أما الحِلِّي، فالشيعي المسرف قاصر الرُّتبة عن السُّني التقي، وأما الأعمى، فأنَّى يستوي مع ذي النظر السَّوي، وأما العز، فأبو بكر أفضل من علي. نعم، هذا الذي نظر الأعمى إلى أدبه، واستفاض تقدمه، فحكم القاضي الفاضل بموجبه، وزاد كمالًا نقص عنده في النظم أبو تمام، وخرق العادة في النثر، فلا كرامة لصاحب "المقامات" ولا إقدام، وأمَّا قُدامة، فحقُّه أن يدرس كتاب تأخر المعرفة، ويقول لعصريِّه نفطويه: لا شكُّ أن ابن حجة مقدَّم على ابن عرفة، وظهرت من حلاوة نظمه حموضةُ "الرُّمانية"، وشهد عبد القاهر أن "الحموية" أشهى من "الجرجانية"، وأشار ابن أبي الأصبع أن يعقد البِنصِر على إمامته، واتَّفق السَّكَّاكي والخلخالي وابن الصائغ على إتقان صياغته في صناعته، ولكن الأوْلى كفُّ العنان عن الجري في الميدان عن ذكر هؤلاء الفحول، والاقتصار على الكلم الجوامع، لئلا يُمَلَّ ما يملى، فأقول: إذا دعا هذا الإمام كل قديم ومحدث إلى الشهادة له بالإجادة في فنون النظم أجابه، وإذا ذُكر أبواب الإنشاءُ، فأبو بكر عليه الرضوان مقدم على جمع الصحابة (٣)، والسَّلام.

стр. 704

[تقريظ آخر على بديعية ابن حجّة] ومنه ما كتب به على "البديعية" لابن حجة أيضًا، فقال: الحمد للَّه الذي أمر بتحميده، ووعد الشَّاكر لإحسانه بمزيده، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، شهادة مقرٍّ بتوحيده، معترف بكمال فضله وجوده، مخلص في الإيمان بوجوب وجوده، وأشهدُ أن محمدًا المصطفى سيد عبيده، وحامل لواء مدحه وتمجيده، صلى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه وأنصاره وجنوده. أما بعد، فقد وقفتُ على هذه الجواهر المضيئة كالزواهر، والنوادر المنزهة للنواظر، وتأملت فصولها، فدخلت عليَّ المسرَّة من كل باب، وكرَّرت النَّظر في معانيها وصحة مبانيها، فما أخطأ منها شيءٌ صَوْبَ الصَّواب، فتبارك مَنْ خصَّ أبا بكر بالتَّقديم وإن تأخر زمان سيره، وناسب بين المادح والممدوح في هذه الخصوصية، ولا ريب أن أبا بكر أخصُّ بمحمَّد مِنْ غيره، دنا بفوائده من القلوب، فعقل مُجاريه قاص قاصر، ومهر فأمهر أبكار المعاني جواهر لفظه، فأكْرِمْ به في الحالين مِنْ ماهر، وسبق إلى غاية ما وراءها غاية، وأقام لطائفة الأدب إن اختلفت آراؤهم في البديع راية، فأمَّا الابتداء فما ألطف خبرُه، وأبهجَ ذهبه ودُرَرُه، وأمّا المخلص، فقسمه منه أوفر الأقسام، وحظُّه أتمُّ الحظوظ إذ اكتفى بمديح سيد الخلق عليه أفضل الصلاة والسلام، وأما المقطع، فهو أحسنُ مِنْ كلِّ ما في دار الطراز، وأقسم أنَّه في هذا الباب مُقدَّم، وسواه على الحقيقة مجاز. وقد تجاسر العبدُ على تقريظها طوعًا لأوامر مخترعها، وامتثالًا لإشارة مُبدعها، فقدح زناد ذهنه الكابي، فما أورى ولا قدح، واستنار معثار إنسانه فكدح، واقترح على قريحته الطواعية بما يناسب مقامه، فقالت: ومتى بلغك الحظ بعض مقترح، فصلى وراء (١) هذا السابق مسلمًا، وأُصمِتَ ولو كان صدره بسيف العجز مُتكلمًا. وكيف لا، وقد كان ذهنُه ولم يزل متبلدًا، مع

стр. 705

أن نيران قلبه ذكية، ورَوِيَّتُه مثل بديهته سقيمة مما يقاسيه (١) مِنْ هذي البرية، وكان صدرُ قلمه أقسم أن لا يعود في العقد بسحر البيان نفَاثًا، وطلَّق أبكارَ هذا الفن الذي لا يلتفت إليه أحدٌ ثلاثًا، لكن لم يستطع مخالفة الإمام، لأنَّها مما وجب، وامتثال المراسم -كما يقال- مِنْ سلوك الأدب. ومع ذلك، فسِنان قلمه عن واجب وصف هذا الإمام غير مسنون، وصدر كَلِمه لا يرضاها لهذا الجوهر المكنون، فلا برح هذا الإمام متمسكًا مِنْ ولاء ممدوحه بأمتن سبب، ولا زال كنزًا لجواهر الأدب، يستغني به إلى أن يستغني عن الأدب إن شاء اللَّه تعالى بمنِّه وكرمه. [وقد قرض شيخنا لابن حجّة قصيدته الثانية التي امتدح بها البدري بن مزهر حسبما أشار إليه النواجي في "الحجة"، فينظر] (٢). [تقريظ عجاله القرى للتَّقي الفاسي] ومنه ما كتب به على "عجالة القري في مختصر تاريخ أم القرى" للتقي الشريف الفاسي مما قرأته بخطه: الحمد للَّه الذي جعل من تولَّاه بعنايته تقيًّا، وفضَّل بعضَ خلقه على بعض، فرقَّى منهم سعيدًا، وأردى منهم شقيًا، وشرَّف بعض الأمكنة على بعضر، فاختصَّ البلد الحرام بالأمن والمحبة والبركة، وكفى بذلك فخرًا (٣) مرضيًا. وصلى اللَّه على سيدنا محمد أرفع العالمين قدرًا عليًا، وعلى آل محمد وصحبه الأبرار المتقين، الذين حفظوا السُّنَنَ ونقلوها، وعرفوا معانيها وعقلوها (٤)، ونظروا إلى الدنيا بعين الازدراء، فما مقلوها. صلى اللَّه عليهم أجمعين وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
следующие страницы →