← Тараджим

Тараджим · id 17372

الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر

السخاوي

Полный текст (1 240 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

قبلَها إلى الميت، والطَّبقةَ الثالثة أقربُ إلى الميت مِنَ الثَّانية، وهكذا حتَّى ينتهي إلى طبقةِ الميت، وحينئذٍ فأهل الطبقة (١) المساوين له في الدرجة باعتبار عددِ الطَّبقات أوْلَى بالاستحقاق مِنْ أهلِ الطَّبقة التي فوقها؛ لأنَّ الواقف قيَّد استحقاقَ أقرب الطبقات إلى الميت بكونه ممن يشاركه في استحقاق الربع. واحتمال المشاركة صدَّ عنه، إنما كان في أهل طبقته؛ لجواز أن يكون بعضُ مَنْ في طبقته محجوبًا بأبيه. وأمَّا مَنْ فوقَه مِنَ الطَّبقات، فيشاركونه لا محالة. فلو حُمِلَ على مَنْ فوقَه مِنَ الطبقات، لعرَّى التَّقييد عَنِ الفائدة. فإن قيل: وإذا حُمِلَ على أهل طبقته، لعرَّى عن الفائدة أيضًا؛ لأنَّ أهلَ الطَّبقة همُ المتناولون مِنْ رَيْعِ الوقف، المنتسبون إلى الواقف على حدٍّ سواء، أُجيبَ بالمنع؛ فإن الشيخ العلامة تقي الدين السبكي ﵀ حكى احتمالين في المساوي في النسب إلى الواقف، [ولم يتناول مِنْ ربع الوقف لوجود أبيه مثلًا، هل هو مِنْ أهل الطبقة أم لا، فقول الواقف] (٢): المشاركون له في الاستحقاق نصٌّ في إخراج مثل هذا، وبقي الاحتمالُ الآخر، فله فائدةٌ بخلافِ حملِه على المحمَلِ الأوَّلِ. وأيضًا قولَ الواقف: ثمَّ على أقرب الطبقات إليه لو حُمل على الطبقة العليا، لكان هو عينَ الكلام الأوَّلِ في قوله: تحجبُ الطَّبقة العليا الطبقة السُّفلى، فيبقى الكلام الثاني بلا فائدة، وأيضًا قد حكى بعض المتأخِّرين خلافًا (٣) فيما إذا احتمل عَوْدُ الضَّمير إلى الواقف أو إلى المتوفَّى، وبتقديرِ ما ذكرَهُ القائل الأول، يلزم أن لا يختلِفَ الحالُ، ولا يكون لهذا الخلافِ المحكيِّ فائدةٌ. وقوله: إنَّ المرادَ بأقرب الطَّبقات أقربُ مَنْ في الطَّبقات ممنوع؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُ هذا التقدير، وَلو أراده، لقال: أقربُ الناس إليه مِنْ أهل الوقف. وما احتجَّ به لهذا التقدير ممنوع، بل قول الواقف: لإخوته

стр. 877

وأخواته، تخصيصٌ لقوله: تحجِبُ الطَّبقةُ العليا الطَّبقةَ السُّفلى أبدًا. وقوله: ومن مات عَنْ غير ولد، ولا ولد ولد، ولا إخوة ولا أخوات، عادَ إلى أقرب الطبقات إليه، مِنْ تمام الكلام في تخصيص قوله: تحجِبُ الطَّبقة العليا الطَّبقة السفلى، حملًا للكلام الثاني على الفائدة. وقوله: إنَّ الاحتمالَ الثَّاني أولى، عملًا بعموم قول الواقف: تحجِبُ الطَّبقةُ العليا الطَّبقةَ السُّفلى، ما لم يحصر بصريح كقوله (١): على أنَّ مَنْ مات عَنْ ولدٍ انتقل نصيبه إلى إخوته وأخواته، وقول القائل الأول أيضًا: إنَّ الواقف لو قصد الصرف إلى مِنْ هو أقرب طبقة إليه، كان أهل طبقته أولى، يقال له: هذا محل النِّزاع، لأن القول الثاني يقول: إن أهل الطبقة هم المستحقون لنصيبِ المتوفَّى، إذ أهل طبقته أقربُ الطَّبقات إليه، فتأمَّلُوا ذلك، وبيِّنُوا الصَّواب منه واضحًا. فأجاب: الذي بحثه المفتي الأوَّل، وإن كان له اتِّجاه لما ذكر، لكن الذي بحثه الثاني أوجه، وكلُّ شيءٍ نُقضَ به تعليل الأول مستقيمٌ يقتضي ترجيح بحثه على بحث الأول، ويُزادُ بأن يُقالَ: لو كان الأمرُ على ما أجابَ به الأول، لاقتضى أنَّه لا فرق بين قوله: أقربُ الطَّبقات إلى الواقف، وبين قوله: أقربُ الطبقات إلى الميت. والواقع أن بينهما فرقًا؛ ففي الأول يُعتَبَرُ القُرْبُ إليه، فمهما كان إليه أقلَّ عددًا، كان أحق بذلك ممَّن هو دُونَه، وفي الثاني المساوي أقربُ إلى الميت طبقةٌ مِنَ الطبقة التي تسفُل عنه، وهذا لا خفاء به، واللَّه سبحانه أعلم. ومما ورد عليه مِنْ دمشق: أسئلة مِنَ العلَّامة القطبُ خاتمة المفسرين زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن سليمان بن أبي الكرم الصَّالحي الحنبلي، عُرف بأبي شعرة، نفعنا اللَّه ببركاته (٢).

стр. 878

[حديث الجسَّاسة] كتب شيخُنا صاحبُ الترجمة إليه ما نصُّه: سألتم رضي اللَّه عنكم، وأدام لكم التوفيق، وأرشدكم إلى سواء الطريق، عن حديث فاطمة بنت قيس في الجسَّاسة، وهل فيه علَّةٌ لأجلها لم يخرِّجْهُ البخاري، فإنه لا يقال: تركه لأجلِ الطُّول، فإنه ليس في الباب شيءٌ يُغني عنه. وأيضًا فإن الصَّحابة ﵃ اختلفوا وشكُّوا في ابنِ صيَّادٍ، حتَّى بعد موت النبيِّ ﷺ ، فلو سمعوا هذه الخُطبة، لما أشكل عليهم، ولا يمكن أن تكون فاطمةُ بنتُ قيسٍ ﵂ سمعته وحدها، أو هو أمرٌ خاصٌّ، بل هو أمر عام. انتهى. والجواب أن هذا السؤال تضمَّن أمورًا: أولها: لِمَ لَمْ يخرِّجْهُ البخاري، وانفرد مسلم بإخراجه؟. فأقول: ليست له علَّة قادحة تقتضي تركَ البخاري لتخريجه، وطولُه لا يقتضي العدُولَ عنه، فإنه أخرج غيره مِنْ الطوال، ولم يختصرها في بعض المواضع، مع أن حاجته منها إنَّما هي ببعض الحديث، كما في حديث الإفك؛ حيث أخرجه بطوله في كتاب الشهادات في باب تعديل النساء. ومن جملة الطِّوالِ ما أكثره (١) مِنْ كلام الرَّاوي، لا مِنْ كلامِ الرَّسول ﵊، كما في حديث أبي سفيان ﵁ في قصَّة هرقل. والذي عندي أنَّ البخاريِّ أعرضَ عنه لما وقع بين الصَّحابةِ ﵃ في أمرِ ابنِ صيَّادِ. ويظهر لي أنِّه رجح عنده ما رجح عندَ عمرَ وجابر وغيرهما ﵃ مِنْ أنَّ ابن صياد هو الدَّجالُ، وظاهرُ حديثِ فاطمةَ بنتِ قيس يأبى ذلك، فاقتصر على ما رجح عنه، وهو على ما يظهر بالاستقراء منْ صنيعه يُؤْثِرُ الأرجح، ممّا على الراجح، وهذا منه. الأمر الثاني ممَّا يتضمَّنُه السؤال: الإشارة إلى أنَّ الصحابة ﵃ لو سمعوا الخطبة التي نقلَتْها فاطمةُ بنتُ قيس، لما شكُّوا حتى بعد موت النبي ﷺ في ابن صياد.

стр. 879

فأقول: بل وردَ أنَّ بعضَ الصَّحابة ﵃ الذين سمعُوا الخطبةَ كما سمعتها فاطمةُ، استمرُّوا على الشَّكِّ في كَونِ ابن صيَّادٍ هو الدَّجالُ، كما سأبيِّنُه. الأمر الثالث: الإشارة إلى أنَّ فاطمةَ بنتَ قيسٍ تفرَّدت برواية الخُطبة المذكورة، مع استبعادِ أن تكونَ سمعتها وحدَها، فما السِّرُّ في كون بقيَّةِ مَنْ سمعها معها لم يرووها كما روتها؟ فأقول: لم تنفَرِدْ فاطمةُ بسماعها ولا بروايتها، بل جاءت القصَّةُ مرويةً عَنْ جماعةٍ مِنَ الصَّحابةِ غيرها، ودلَّ ورودُها علينا مِنْ رواية عائشة أمِّ المؤمنين وأبي هريرة وجابر وغيرهم، ﵃، على أنَّ جماعةٌ آخرين روَوْهَا، وإن لم تتَّصل بنا روايتهم. أما حديث عائشة وأبي هريرة ﵄، فهو عند الإمام أحمد في "مسنده"، أورده في مسند فاطمة بنت قيس ﵂، فقال فيه: حدثنا يحيى بن سعيد -هو القطَّان- حدثنا مُجالِدٌ، عن عامر -هو الشعبي-، قال: قدِمتُ المدينة، فأتيت فاطمةَ بنت قيس ﵂، فحدثتني أن زوجها طلَّقها وذكر الحديث. وفيه: فلما أردت أن أخرج، قالت: اجلس حتى أحدثك حديثًا عن رسول اللَّه ﷺ : قالت: خرج رسول اللَّه ﷺ يومًا مِنْ الأيام، فصلَّى صلاة الهاجرة، ثم قعد -يعني على المنبر- ففزعَ النَّاسُ، وقال: "اجلسوا أيها الناس، فإني لم أقُمْ مقامي هذا لفزع، ولكن تميمًا الداري أتاني، فأخبر خبرًا منعني مِنَ القيلُولَةِ مِنَ الفرح. . . ". الحديث بطوله. وفيه: قال عامر: فلقِيتُ المحرَّر بن أبي هريرة، فحدَّثتُه بحديثِ فاطمةَ بنتِ قيس ﵂، فقال: أشهد على أبي أنه حدثني كما حدثتْ (١) فاطمة، غير أنه قال: "إنه في نحو المشرق". قال: ثمَّ لقيتُ القاسمَ بنَ محمَّدٍ، فذكرتُ له حديثَ فاطمة بنتِ قيسٍ، فقال: أشهدُ على عائشة أنها حدثتني كما حدثت (٢) فاطمة، غير أنَّها قالت: "الحَرَمَانِ عليه حرام، حرم (٣) مكة والمدينة".

стр. 880

قلت: وقد أخرج أبو داود في "السنن" هذا الحديث مِنْ رواية مجاهد، لكنه اقتصر على حديث فاطمة بنتِ قيسٍ، ولم يَسُقْ لفظَه، بل أحال به على طريق أخرى عَنْ فاطمة قبله، ولم يتعرض للزيادة في آخره. وأخرجه ابن ماجه مِنْ رواية مجالد (١) أيضًا، مقتصرًا على حديث فاطمة بنت في قيس. وأخرج أبو يعلى مِنْ طريق عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ استوى على المنبر، فقال: "حدَّثني تميم"، فرأى تميمًا في ناحية المسجد، فقال: "يا تميمٌ، حدِّثِ النَّاس بما حدَّثني"، فذكر الحديثَ باختصارٍ. وهذا لا ينافي ما وقع في رواية فاطمة بنت قيس، لاحتمال أن يكونَ ﷺ قصَّ القصَّةَ، كما في رواية فاطمة بنت قيس، ثم رأى تميمًا، فأمره أن يقُصَّ عليهم ما قصَّ عنه، تأكيدًا. ويستفادُ مِنْ ذلك مشروعيةُ طلب عُلوِّ الإسناد، واللَّه أعلم. وأما حديث جابر ﵁، فأخرجه أبو داود، وقال: حدثنا واصل بنُ عبد الأعلى، حدثنا ابنُ فضَيل -هو محمد- عن الوليد بن عبد اللَّه بن جُميع، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جبر ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ ذاتَ يومِ على المنبر: "إنه بينما أُنَاسٌ يسيرون في البحر، فنفِدَ طعامُهم، فرُفِعَت لهم جزيرةٌ، فخرجُوا يريدُونَ الخبر، فلقيتهم الجسَّاسة". فقلت لأبي سلمة: ما الجسَّاسَةُ؟ قال: امرأةٌ تجرُّ شعرَ جلدِها ورأسها، "قالت: في هذا القصر رجل". قال: فذكر الحديث، وفيه: "وسأل عن نخل بيسان (٢) وعين زُغَر. قال: هو المسيح". فقال لي ابن أبي سلمة: إنَّ في هذا الحديث شيئًا ما حفظته، قال: شهد جابر (٣) أنه ابنُ صيَّادِ، فقلت: فإنه قد مات. قال: وإن مات. قلت: فإنه أسلم. قال:

стр. 881

وان أسلم. قلت: فإنه دخل المدينة. قال: وإن دخل المدينة. وأخرجه أبو يعلى بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح، كذا (١) قاله شيخنا الهيثمي في "الزوائد". والواقع أن السند الذي أشار إليه هو سند أبي داود بعينه، فإن أبا يعلى أخرجَ الحديثَ عن واصلٍ بن عبد الأعلى، به. الأمر الرابع في إيضاح هذا الإشكال: وهو أنَّ ابن صيَّاد على ما تضمنته الأخبار الواردة فيه وُلِدَ بالمدينة، ونشأ بِهَا، وجرت له في زمنِ النَّبيِّ ﷺ أمورٌ، منها في "الصحيحين" توجُّهُ النبي ﷺ إلى المكان الذي هو فيه، ووجدانه إياه في قطيفة (٢) له فيها زمزمة، وأنَّ أُمَّه أعلمته بمجيء النَّبيِّ ﷺ ، فثأر، فقال النبيُّ ﷺ : "لو تركتُه بيَّن". ومنها: التقاءُ النبي ﷺ معه (٣)، وسؤاله إياه عما يرى أنَّه خبأ له الدُّخ، وغير ذلك مما تضمَّنَتهُ الأخبارُ الدَّالةُ على وجوده في عصر النَّبيِّ ﷺ ، ثمَّ بقاؤه بعدَ النبي ﷺ ، وغزوه مع المسلمين وحجه واعتماره وتزوُّجه بالمدينة، ووُلِدَ له بها. وفي ذلك قصَصٌ له مع أبي سعيد الخدري ﵁، ومع ابن عمر ﵄. وخرج ذلك كله في "صحيح مسلم" و"السنن"، وكان هو يتبرَّأ مِنْ ذلك إذا بلغه أنَّ النَّاس يرمُونَه باسم الدَّجَّال، ويستدِلُّ بأنَّه غيره بالأمور التي هو متَّصِفٌ بها إذ ذاك ممَّا يخالِفُ صِفَةَ الدَّجال، لكن ظهرت عليه مخايِلُ تنبىء على صِدْقِ فراستهم فيه؛ حتَّى إنه كان يرمِزَ أحيانًا، ويكاد يصرِّح بأنه هو، ولذلك كان جماعة مِنَ الصَّحابة ﵃ يجزمُون بأنَّه هو كما في "الصحيحين" عن عمر وجابر ﵄. وأخرج الإمام أحمد مِنْ حديث أبي ذر ﵁، قال: لأن أحلِفَ عشرَ مرار أنَّ ابنَ صيَّاد هو الدَّجال أحبُّ إليَّ مِنْ أن أحلِفَ أنَّه ليس به. وسنده صحيح.

стр. 882

ومن حديث ابن مسعود ﵁، قال: لأن أحلِفَ تسعًا أنَّ ابن صائدٍ هو الدَّجالُ، أحبُّ مِنْ أن أحلِفَ واحدة أنه ليس به. أخرجه الطبراني. وقد ثبت أن أبا ذرٍّ ﵁ مِنْ أصدقِ النَّاس لهجة، وأنَّ عمرَ ﵁ نطق الحقُ على لسانه، فلا يُقدمان على الحلف بأنَّ ابنَ صيادٍ الدَّجالُ إلا بعدَ وُضُوحِ ذلك لهما. ولكن توقُّف النبي ﷺ في ذلك في قوله لعمر ﵁ لمَّا أراد قتله: "إن يكُنْ هو، فلن تُسلَّطَ عليه" يقتضي عدمَ الجزم، ولعلَّ النبي ﷺ أمر بأن لا يُفْصِحَ بحاله، فاستمر على التردُّد في تقريره تميمًا على قصة الجساسة وما ذكر معها، مما يقوي التردد فيه، ومع ذلك ففي قول مِنْ قال في الحديث الذي أخرجه أبو داود كما تقدم: إنه ابن صياد، ولو أسلم ما دخل المدينة، ولو مات، إشارة إلى أن أمرَه ملتبسٌ، وأنَّه جائزٌ أن يكونَ ما ظهر، مِنْ أمره إذ ذاك لا ينافي ما يقع فيه (١) بعد خروجه في آخر الزمان، وحينئذ فيحتمل في طريق الجمع بين خبر تميم الدَّاري وما عُرفَ مِنْ حال ابن صياد أن اللَّه تعالى أخرجه إلى الجزيرة المذكورة على الصِّفة المذكورة في ذلك الوقت حتى رآه تميمٌ ومَن معه، وأخبرَ النبي ﷺ بما سمع منه في ذلك؛ ليكون موعظة وتحذيرًا مِنْ فتنته إذا خرج. وفيه إشارةٌ: إلى أنَّ أموره ملتبسةٌ غيرُ متَّضحة، ويحتمل أن يكون اللَّه أظهرَ لأولئك مثالًا على صفته بما يؤول إليه حالُه بعد أن يتحوَّلَ مِنَ المدينة الشريفة، التي مِنْ شأنها أن تنفِي خبثَها، وأنَّه يُسْجَنُ في تلك الجزيرة إلى أن يأذن اللَّه تعالى في خروجه في الوقت الذي يريده، ويكون ذلك مِنْ جُملة الأمور التي يستمرُّ منها خفاءُ حاله وعدم الوقوف على حقيقة أمره، لما يريد اللَّه تعالى مِنْ الافتتان به في أول أمره وفي آخره.

стр. 883

وقد اختلف في الوقت الذي فُقِدَ فيه، فأخرج أبو داود مِنْ طريق الأعمش عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر بن عبد اللَّه ﵄، قال: فقدنا (١) ابنَ صيَّادٍ يومَ الحرَّة. وسنده صحيح. وصرح جماعةٌ بأنه مات في هذه الحدود، ولكن قد وقع لي أمرٌ يقتضي أنه لم يَمُتْ دان كان فُقِدَ، فأخرج أبو نعيم في أوائل "تاريخِ أصبهان" (٢) له مِنْ طريق جعفر بن سليمان الضُّبَعي، عن شُبَيل بن عَزْرَة، قال: حدَّثني حسَّان بنُ عبد الرحمن، عن أبيه، قال: لمَّا افتتحنا أصبهان، كان بين عسكرنا وبين اليهوديَّة -يعني بلدة بأصبهان- فرسخٌ، فكنا نأتيها فتمتارُ منها، فأتيتها يومًا، فإذا اليهودُ يزفُنُون ويضربُون، فأتيتُ صديقًا لي منهم، فقلت: ما شأنكم؟ أتريدون أن تنزعُوا يدًا مِنْ طاعة؟ فقال: لا، ولكن ملِكنا الذي نستفتح به على العرب يدخُلُ المدينة غدًا، فذكر القصَّة، وفيه أنَّه بات هناك، فلمَّا أصبح، رأى اليهود مجتمعين، وبينهم رجلٌ عليه قبَّةٌ مِنْ رَيحانٍ وهم حوله يزفُنون ويضربُون. قال: فنظرت، فإذا هو ابنُ صيَّادٍ [فدخل المدينة]، فلم نره بعد. انتهى. فإن ثبت هذا الأثر، فلعلَّه لمَّا خرج مِنَ المدينة النبوية صُحْبَة العسكر الواصلِ إلى أصبهان ودخلها، أخذ منها إلى المقر الذي يُحْبَسُ به إلى أن يُؤذَنَ له في الخروج. وقد أخرج أحمد في "مسنده" بسندٍ حسن عن أنسٍ ﵁، عن النَّبي ﷺ ، قال: "يخرُج الدَّجَّال مِنْ يهودية أصبهان". وأخرج الطَّبراني مِنْ حديث عمران بن حُصين ﵁، رفعه، قال: "يخرُجُ الدَّجالُ مِنْ قِبَلِ أصبهان". واللَّه أعلم بالصَّواب في أمره، ونسألُ اللَّه أن يعيذَنَا مِنْ فتنته. إنه سميع بصير.

стр. 884

فصل [القول في بعض أحاديث سنن أبي داود] وسألتم رضي اللَّه عنكم عن أحاديث في "سنن أبي داود" ظاهرُها الصِّحَّة إلى الغاية، ولم يخرجها الشَّيخان وليس شيء يُغني عنها، ولا يركن القلب إلى أن يكون تركُها لأجل الطُّول. وأقول في الجواب عن ذلك: إنه لا يلزَمُ مِنَ الحديث إذا كان ظاهره الصِّحَّة أن يكون في أعلى درجات الصَّحيح التي قد عُرِفَ بالاستقراء أنَّ محطَّ قَصدِ الشَّيخين تخريجُ مثل ذلك، وأنَّه إن وقع عندهما أو عندَ أحدهما ما ظاهرُه يخالفُ ذلك، فلكلٍّ منهما في كلٍّ مِنْ ذلك عذرٌ يتعسَّر أن يُجاب عنه بقاعدةٍ كلِّيَّةٍ، بل يُجاب عَنْ كل حديث طردًا وعكسًا بما يليقُ به، وسيظهر بعض ذلك عند الجواب عن الأحاديث التي ذُكرت هنا مثالًا، وهي ثلاثة: الحديث الأول مما ذكرتم: قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدَّثنا حماد، عن أيوب، عن عكرمة، عن بعض أزواج النبي ﷺ أَنَّه كان إذا أراد مِنَ الحائض شيئًا، ألقى على فرجها ثوبًا. فأقول: هذا الإسناد ظاهره الصِّحَّة كما قلتم، لكنه ليس على شرط البخاري، مِنْ أجلِ حمّاد، وهو ابن سَلَمَةَ، وليس هو ابن زيد (١)، لأنَّ موسى بنَ إسماعيل إذا روى عَنْ حمَّادٍ ولم ينسُبه، فهو ابنُ سلمة، وإذا روى عن حماد بنِ زيدٍ، فإنَّه ينسُبُه كما قدَّره ابن الصَّلاح ثم المِزِّيُّ ومنْ تبِعَهُما. وحمَّادُ بنُ سلمة لم يخرِّج له البخاريُّ في الأصول، وإن أخرج له قليلًا في المتابعات، بل ومسلمٌ، وإن كان أكثرَ عنه، لكنَّه لا يخرِّجُ له في الأصول إلَّا عَنْ نفر قليل ممَّن كان اشتُهِرَ بإتقان حديثهم، مثل ثابت البناني، وإذا أخرج له عن غيرهم، فإنَّما يُخرجُ له في المتابعات، ومن ثم يظهر (٢)

стр. 885

أنه ليس على شرط مسلم أيضًا، لأنه عن أيوب، ومن أجل عكرمة، فإن مسلمًا لم يخرج له في الأصول شيئًا، بل ولا في المتابعات إلا يسيرًا. ثم مع ذلك فلعلَّهما استغنيا عنه بحديث عائشة أيضًا: كانت إحدانا إذا كانت حائضًا، أمرها رسولُ اللَّه ﷺ ، فتأتَزِرُ بإزار، ثم يباشرُها. فإنَّ هذا الحديث يشتمِلُ على ما دلَّ عليه حديثُ عِكْرِمَةَ، ويزيدُ عليه، واللَّه أعلم. الحديث الثاني: قال أبو داود: حدثنا عبد الوهاب بن نَجْدَةَ، حدثنا بقيَّة وشعيبُ بن إسحاق، عن الأوزاعي، عن محمد بن الوليد الزَّبيدي، عن سعيدٍ المقبُرى، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ أنه قال: "إذا صلَّى أحدُكم فخلع نعليه، فلا يؤذِ بهما أحدًا، وليجعلهما بين رجليه أو ليصلِّ فيهما". فأقول: ليس هذا الحديثُ على شرط الشيخين ولا أحدهما، وإن كانا أخرجا لرجاله بصورة الانفراد فلا يكونُ على شرطهما إلا إن كانا خرَّجا لهم بصورة الاجتماع. وهذا كالحديث الذي أخرجه أبو داود مِنْ رواية همَّام عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنسٍ في نزع الخاتم عند دخول الخلاء، فإن أبا داود قال بعد أن أخرجه: هذا حديث منكرٌ. وأخرجه النسائي، فقال: هذا حديث غيرُ محفوظٍ. كذا قالا، مع أنَّ الشيخين قد أخرجا لرواته، لكن بصورة الانفراد، إلا أن رواية همَّام عن ابن جريج ليست مِنْ شرطهما، لأن همَّامًا سمع مِنَ ابنِ جُريج بالبصرة، وابن جُريج حدَّث بالبصرة بأحاديث وهم فيها. وجزم الدارقطنيُّ وجماعةٌ بأنه وهِمَ في هذا إسنادًا ومتنًا، وأنَّ الحديث إنَّما هو حديثُه عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ اتخذ خاتمًا. ومن ذلك أنَّهما أخرجا لسفيان بن حسين والزهري بطريق الانفراد، ولم يخرِّجا مِنْ رواية سُفيان بن حسين عن الزهري شيئًا؛ لأن سماعه منه ليس بمتقن.

стр. 886

وأخرج أبو داود والتِّرمذي والنسائي مِنْ رواية حجاج بن محمد عن ابن جريج، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس في القول إذا خرج مِنْ بيته، ورجالُه رجالُ الصَّحيح، قدِ اتَّفقا على التَّخريج لجميعهم، ومع ذلك فهو معلولٌ. قال البخاري: لا أعرف لابن جُريج سماعًا مِنْ إسحاق، وقال الدارقطنيُّ: رواه عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي روّاد، وهو أثبتُ النَّاس في ابن جُريج، فقال: عنِ ابنِ جُريج حديث عن إسحاق. وإذا تقرَّر ذلك، ففي الحديث علَّة مع ذلك اقتضت -مع ما تقدَّم- أن لا يخرِّجاه، وذلك أنَّه اختُلِفَ فيه على المقبُري، ثمَّ على الأوزاعي. قال الدارقطني في "العلل": رواه عياض بن عبد اللَّه، عن سعيد، عن أبي هريرة ﵁، لم يقُل فيه: عن أبيه. ورواه جماعة عن الأوزاعي، عن سعيد المقبُري لم يذكروا الزّبيدي، ولعل الشَّيخين استغنيا عنه بحديث سعيد بن يزيد أبي (١) مسلمة، عن أنس ﵁، قال: إنَّ النبي ﷺ كان يصلي في نعليه. واللَّه أعلم بالصواب. الحديث الثالث: قال أبو داود: حدَّثنا مسدَّد، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بِشْر، عن يوسف بن ماهك، عن حكيم بن حرام ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "لا تَبعْ ما ليس عندك". فأقول: لم يخرجا ولا أحدهما مِنْ رواية يوسف بن ماهك عن حكيمٍ شيئًا، ومع ذلك فقد رواه يحيى بن أبي كثير عن يعلى بن حكيم، عن يوسف بن ماهك، فأدخل بينه وبين حكيم رجلًا، وهو عبد اللَّه بن عِصْمَة، ذكر ذلك المزِّيُّ في "الأطراف"، وليس عبدُ اللَّه بن عصمة مِنْ رجالِ الشَّيخين ولا أحدهما. وقد أخرج الإمام أحمد مِنْ طريق يحيى بن أبي كثير، عن رجل، عن يوسف بن ماهك، عن عبد اللَّه بن عصمة، عن حكيم بن حزامٍ، حديثًا

стр. 887

آخر. واللَّه أعلم بالصواب. [ترجمة الكسائي] وسألتم رضي اللَّه عنكم عن ترجمة الكسائي صاحب "قصص الأنبياء"، ولم أستحضرها ساعتي هذه. فصل [ترجمة التوربشتي] وسالتم رضي اللَّه تعالى عنكم عن ترجمة التُّوربشتي شارح "المصابيح". وهو فضل اللَّه بن الحسن بن حسين بن يوسف، فلم أقف مِنْ خبره على كبير أمر، إلا أنِّي قد رأيتُ له ترجمة في "الطبقات الكبرى" للقاضي تاج الدين السبكي، ولم يُفصِحْ فيه بشيء. وحاصلُه أنَّه كان في حُدود الخمسين وستمائة. وذكر لي القاضي علاء الدين بنُ خطيب النَّاصرية قاضي حلب -منكرًا على التاج إيرادَه في "طبقات الشافعية"- أنَّه وقف في أثناء شرحه على ما يدلُّ أنَّه حنفيُّ المذهب. واللَّه أعلم. [بيان الحديث الحسن] وسألتم رضي اللَّه عنكم عن بيان الحديث الحسن، وهل له حدٌّ جامعٌ مانع، أو الأمر كما قال الذَّهبيُّ في "الموقظة": إنَّه لا مطمع في ذلك، وكلامُه قريبٌ مِنْ كلام ابن الجوزي: أنَّه ما فيه ضعفٌ محتمل؟ فأقول: إن كان المرادُ بالسُّؤال عَنِ الحديث الذي يُوصَفُ بالحَسَنِ لذاته، فله حدٌ على طريق التَّعريف الذي يقتنع به الفُقهاء والمحدِّثُون، وهو الحديث المتَّصل السَّنَدِ برُواة معروفين بالصِّدق، في ضبطهم قصورٌ عَنْ ضبط رُواة الصَّحيح، ولا يكون الحديث معلولًا ولا شاذًا. ومحصِّله أنه هو والصَّحيحُ سواءٌ إلا في تفاوُتِ الضَّبط، فراوي

стр. 888

الصَّحيح يُشْتَرَطُ أن يكون موصوفًا بالضَّبط الكامل، وراوي الحسن لا يُشترط أن يبلُغَ تلك الدرجة، وإن كان ليس عريًّا عن الضبط في الجملة، ليخرج عن كونِه مغفَّلًا، وعن كونه كثيرَ الخطأ. وما عدا ذلك مِنْ الأوصاف المشترطة في الصحيح، كالصِّدق والاتصال وعدم كونه شاذًا ولا معلولًا، فلا بدَّ مِنَ اشتراط ذلك كلِّه في النوعين. ومِنْ ثم كانت طائفةٌ مِنَ القدماء لا يفرِّقُون بين الصَّحيح والحسن، بل يسمُّون الكُلَّ صحيحًا، وإن كان بعضُها أصحَّ مِنْ بعض. وذهبت طائفة إلى التفرقة، وهو الذي استقر عليه الأمر. والنزاع في التَّحقيق [بين الفريقين] (١) لفظي، لأنَّ مَنْ يفرِّقُ بينهما تظهر ثمرةُ تفريقه فيما إذا تعارضا، فيرجِّحُ الصحيح على الحسن، ومَنْ لا يفرِّق بينهما، يسلُك هذا التَّرجيح بعينه، وإن سمى الكلَّ صحيحًا، فيكون عنده صحيحٌ وأصحُّ منه كما عند غيره حسنٌ وصحيحٌ. وإذا وضح ذلك، فإنِّما حصلَ الإشكالُ مِنَ الحَسَنِ الذي عرَّف به التِّرمذي، وهو الحسنُ لغيره، فذلك هو في التَّحقيق الحديثُ الضَّعيف الذي يُحْتَمَلُ، لأنَّه باعتضاده بغيره حدثت (له) (٢) مِنَ المجموع قوَّةٌ احتمل ذلك الضعف لأجلها، واقتضى تسميته عند الترمذي وغيره حسنًا، وذلك بيِّنٌ مِنْ تعريف الترمذي، حيث قال في "العلل" التي في آخر "الجامع" ما نصُّه: وما قلنا في كتابنا: حديث حسنٌ، فإنَّما أردنا حُسْنَ إسناده عندنا كل حديث يُروى لا يكونُ راويه متَّهمًا بالكذب، ويروى مِنْ غيرِ وجهٍ نحوه. ولا يكونُ شاذًا، فهو عندنا حسن. فقوله: "لا يكون روايه متَّهمًا بالكذب" يشمل رواية المستور والمدلِّس والمعنعن والمنقطع بين ثقتين حافظين، كالمرسل. فكل هذا إذا ورد اقتضى التوقُّف في الاحتجاج به للجهل بحال المذكور فيه أو السَّاقط؟ فإن ورد مثلُه أو معناه مِنْ طريقٍ أخرى أو أكثر، فإنها تُرجِّحُ أحدَ الاحتمالين: لأنَّ المستور مثلًا حيث يروي يحتملُ أن يكونَ ضبَطَ المرويَّ، ويحتمل أن لا

стр. 889

يكون ضبطه. فإذا ورد مثلُ ما رواه أو معناه مِنْ وجه آخرَ غلبَ على الظَّنِّ أنَّه ضبط، فكلَّما كثُر المتابعُ، قويَ الظَّنُّ، كما في أفراد التَّواتر، فإنَّ أوّلها مِنْ رواية الأفراد، ثمَّ لا يزالُ يكثُر إلى أن يُقْطعَ بصدق المرويِّ، ولا يستطيع سامِعُه أن يدفع ذلك عن نفسه. وإذا تقرَّر ذلك، فقولُ ابنِ الجوزي ومن تبعه: الحديث الحسن ما كان فيه ضعْفٌ، كلامٌ صحيح في نفسه، لكنه ليس على طريقة التعاريف، فإنَّ هذه صفةُ الحديث الحسن الذي يُوصَفُ بالحَسَنِ إذا اعتضد بغيره، حتى لو انفرد لكان ضعيفًا، وإستمرَّ عدمُ الاحتجاج به حتى إذا عضده عاضِدٌ، ارتقى فحسن، بل يمكن هنا أن يقول هو صفة الَحَسَنِ مطلقًا أعمُّ مِنْ أن يكون وصف بالحَسَن لذاته أو لغيره. فالحَسَنُ لذاته إذا عارض الصَّحيحَ، كان مرجوحًا والصَّحيحُ راجحًا، فضعْفُه بالنسبة لما هو أرجَحُ منه، والحسن لغيره أصلُه ضعيفٌ، وإنما طرأ عليه الحُسْنُ بالعاضِدِ الذي عضده، فاحتُمِلَ لوجود العاضدِ، ولولا العاضِدُ لاستمرت صفةُ الضَّعف فيه كما تقدَّم، واللَّه تعالى أعلم. وهنا انتهى الكلام على "الأسئلة الفائقة بالأجوبة اللائقة". وأستغفر اللَّه تعالى مِنْ خطأ وقع لي فيها أو خطل، وألتَمِسُ ممَّن وقف عليها أن يُصْلِحَ ما فيها مِنْ خلل، قاصدًا بذلك الإفادة، بلَّغَهُ اللَّه مرتبة الحسنى وزيادة، إنه على كل شيء قدير (١). وأما الحلبيات: فهي مِنْ أسئلة ابن الشَّيخ العلامة برهان الدين الحلبي مما يتعلَّق بالمبهمات ونحوها (٢). فمنها ما ملخَّصُه: قول المزي: "البخاري" في الجهاد: عن

стр. 890

سليمان بن حرب، عن محمد بن طلحة بن مصرِّف، عن أبيه، عنه، به. ظاهر أنَّ الضَّمير في"عنه" لمصعب، وقوله: "به"، أي عن والده، فيكون موصولًا، فلعلَّه كان في الأصل عن مصعب، عن سعد، فتصحّف "عن"، فصارت "بن"، فهل يحسُن هذا جوابًا عَنْ قول النَّووي في "الرياض": هذا الحديث مرسل، وقد وصله البُرقاني في "صحيحه"؟ فأجاب: بأن الذي قاله النووي صحيحٌ، والذي اقتضاه صنيعُ المِزِّي خطأ، وقد وقع له في سياقه تغيير، فإن الذي في الأصل: عن محمد بن طلحة، عن طلحة، فغيَّره بقوله: عن محمد بن طلحة، عن أبيه، وهو بالمعنى، وفيه فائدة، ولكنه توهَّم أنَّه وقع كذلك في الأصل. نعم، هو في ذلك تابعٌ لأبي مسعود، فإنه قال في "الأطراف": البخاريُّ في الجهاد: عن سليمان بن حرب، عن محمد بن طلحة، عن أبيه، لكنه لم يزِدْ على ذلك، فسلم مِن قوله: عنه به. وبيان ذلك أنَّ جميع نسخ "البخاري" فيها: عن مصعب بن سعد، قال: رأى سعدٌ أن له فضلًا. . . إلى آخره. فدعوى التَّصحيف بعيدة، مع توارد النسخ على اختلاف أسانيدها إلى الفربري على ذلك. فإن قيل: يحتمل أن يكون التَّصحيفُ وقع في نسخة الفِرَبْري، رُدَّ بأنَّه وقع في رواية إبراهيم بن معقل النَّسفي الراوي عن البخاري كما وقع عند الفِرَبْري، والنسخة مِنْ رواية ابن معقل وقفت عليها، وهي في غاية الإتقان، وعليها خطُّ أبي عمر بن عبد البَرِّ. ثم، لو سَلِمَ التَّصحيفُ، لصار هكذا: عن مُصعب، عن سعد، أنَّ سعدًا. وهو إن كان سائغًا بأن يكون مِنْ نوع التَّجريد، لكنه خلاف الظَّاهر. وقد سبق النَّوويَ إلى دعوى الإرسال فيه الحميديُّ في "جمعه"، ومنه نقل النَّوويُّ، وهذا لفظه: قال في أفراد "البخاري": الخامس: عن طلحة بن مصرِّف، عن مُصعب بن سعد. قال: رأى سعدٌ أنَّ له فضلًا على مَنْ دُونَه، فقال النبيُّ ﷺ : "هل تُنْصَرُون وتُرْزَقُون إلَّا بضُعفائكم". هكذا أخرجه

стр. 891

البخاريُّ مرسلًا مِنْ رواية سُليمان بن حرب، وجوَّده مِسْعَرٌ، عن محمد بن طلحة، عن أبيه، قال فيه: عن مُصعب بن سعد، عن أبيه. وأخرجه البرقاني مِنْ رواية مسعر وعن غيره مسندًا. انتهى كلامُه. وقد يُوهِمُ تفرُّدُ سُليمانَ بنِ حرب بذلك، وليس كذلك، فإنَّ الإسماعيليَّ أخرجه في "صحيحه" مِنْ رواية أحمد بن عبد اللَّه بن يونس، ومِن رواية عاصم بن علي، كلاهما عن محمد بن طلحة عن طلحة عن مُصعب بن سعد، قال: رأى (١) سعدٌ أنَّ له فضلًا. . . الحديث كما عند البخاري. وقوله: جوَّده مِسعَرٌ، يُوهم تفرُّدَه بوصله، وليس كذلك، فقد أخرجه الإسماعيلي مِنْ طريق معاذ بن هانىء، عن محمد بن طلحة، عن أبيه، عن مصعب بن سعد، عن أبيه ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّما يَنْصُرُ اللَّه هذه الأمَّةَ بضعفائهم: بدعائهم وإخلاصهم وصلاتهم". ثم ساقه مِنْ طريق أبي حاتم الرازي: حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدَّثنا أبي، عن مِسْعَر، عن طلحة بنِ مُصَّرِّف، عن مُصعب بن سعدٍ، عن أبيه ﵁، أنَّه ظنَّ أن له فَضلًا على مَنْ دُونَه مِنْ أصحابِ رسُول اللَّه ﷺ ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إِنَّما ينصُرُ هذه الأمَّةَ بضُعفائهم: بدعواتهم وصلاتهم وإخلاصهم". وهكذا أخرجه أبو نُعيم في "الحلية" مِنْ رواية عُمر بن حفص، وأخرجه مِنْ رواية سهل بن عثمان، عن ابن أبي زائدة كروايةِ حفص بن غياث، ولفظه: عن محمد بن طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن مُصعب، انَّ النبي ﷺ قال لسعدٍ ﵁. . . الحديث. وقد بيَّنت في "المقدمة" (٢) توجيه إخراج البخاري له بنظائرَ لذلك أوردتُها، يظهرُ منها أنَّ روايةَ مَنِ اشتهر بصُحبة أبيه أو قريبه أو مولاه إذا

стр. 892

جاءت الرِّوايةُ عنه بأيِّ صيغةٍ كانت، حُملَت على أنَّه أخذَ ذلك عنه، كهذه، وكرواية عُروة عن عائشة ﵂، وروايةِ عِكْرِمَةَ عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄، حيثُ لا يكونُ في السِّياق ما يقتضي أنَّه أخذ ذلك عنه صريحًا. وباللَّه التوفيق. وأما المصريات: فمِمّن كانت تردُ عليه الأسئلة منه مِنَ المصريين: العالم البهاء محمد ابن شيخه ووصيِّه ابنِ القطَّان (١). وردت عليه أسئلة مِنَ الصْعيد. [بدعة الزيادة في الأذان] منها: عن قول المؤذِّن في صلاته على النَّبيِّ ﷺ : يا مَنْ تذلَّل على اللَّه، هل هو جائز وله أصلٌ في السُّنَّة، وهل يكونُ هذا مع كونه ﷺ أكثرَ النَّاس خوفًا مِنْ ربّه؟ وإذا لم يكن واردًا، فماذا يجبُ على المؤذن؟ فأجاب: أما اللفظ، فلم يَرِدْ في السُّنَّة، وهو مِنَ الألفاظ المبتدعة، والأوْلَى تركُ ذلك، فإن عادَ زُجِرَ مع تعزيره على جُرأته بما لم تَرِدْ به سنَّةٌ. واللَّه أعلم. وأسئلة مِنْ ثغر إسكندرية: ذكر صاحبُ التَّرجمة سؤالًا منها في معَمَّر بالتَّشديد مِنْ "لسان الميزان" (٢). وأما القاهريات: فمنها ما قرأتُه بخطِّ البدر الأنصاري في قول النَّووي: إنَّ إبراهيمَ بنَ يحيى الذي روى عنه الشَّافعيُّ عن عمر ﵁ أنَّ

стр. 893

الماءَ المشمَّس يُورِثُ البرص، ضعيفٌ باتِّفاق المحدِّثين، ولم يوثِّقهُ إلا الشَّافعي، وقول الإسنوي: إنه وثَّقه جماعةٌ غيرُ الشَّافعي، وعدّهم، ثم قال: ولو لم يوثَّقه غيرُ الشَّافعي، لكان حُجَّةً، فأيُّ القولين أرجح، وما لفظُ الحديث الذي رواه الدَّارقطني في المُشَمَّس، وعن مِنْ هو، وهل هو صحيحٌ أم لا؟ وفي قول الإسنوي في شرحه في "المنهاج": إنَّ النبيَّ ﷺ دخل مكَّةَ يوم الفتح وعلى سيفه ذهبٌ وفضَّة. ونقلَ تحسينَه عَنِ التِّرمذي. فهل قوله: "ذهبٌ" في الحديث، أو مِنَ النَّاسخ: فإنَّ الشافعيَّة يقولُون بتحريم حِلْيَة آلة الحرب بالذَّهب بلا خلاف، وصحَّحُوا أيضًا تحريمَ تمويهها بذهبٍ لا يحصُل منه شيءٌ بالعرض على النَّار. [تضعيف حديث الماء المشمس] فأجاب بما نقلته مِنْ خطه: قول الإسنوي: "لكان حجةً"، ليس على إطلاقه وإنَّما هو مقيَّد بمن يقلِّدُ الشَّافعي، كما صرَّح به ابنُ الصَّلاح في "علوم الحديث" أن الإمام الذي له أتباعٌ يقلِّدُونه فيما يذهب إليه إذا احتج براوٍ ضعَّفه غيرُه، كان ذلك الرَّاوي حُجَّة في حقِّ مِنْ قلد ذلك الإمام. وأمَّا لفظُ الحديث عند الشافعي، فقال: أخبرنا إبراهيمُ بنُ محمَّدٍ، أخبرني صَدَقَةُ بن عبد اللَّه، عن أبي الزَّبير، عن جابر، أنَّ عمر ﵄ كان يكره الاغتسال بالماء المُشَمَّس، وقال: إنَّه يُورِث البَرَصَ. وأمَّا حكم الحديث على طريقة المحدثين، فليس بصحيحٍ، لعلل: أولها: ضعْفُ إبراهيم. وفي قول الشَّيخ جمال الدين: إنَّه وثَّقه جماعةٌ غيرُ الشَّافعي نظر، فإنَّا لا نعرف مَنْ صرَّح بأنَّه ثقة، وإنَّما نقل الحافط أبو أحمد بنُ عدي عن الحافظ أبي العباس بن عقدة أنه قال له: تعلمُ أحدًا أحسنَ القولَ في إبراهيم بن أبي يحيى غيرَ الشَّافعي؟ قال: نعم، حدَّثنا

стр. 894

أحمدُ بنُ يحيى الأوْدي، قال: قلتُ لحمدان ابن الأصبهاني: أتدينُ بحديث إبراهيم بن أبي يحيى؟ قال: نعم. قال ابنُ عُقُدة: نظرتُ في حديثه الكثير، وليس بمنكرِ الحديث. وقال ابنُ عديٍّ: هو كما قال، لم أجد في حديثه منكرًا إلا عَنْ شيوخ يُحْتَملُون. وجزم ابن عدي في ترجمة الفياضي بأن إبراهيمَ ضعيفٌ، وحمدان لم يصرِّح بتوثيق إبراهيم ولا ابن عقدة، مع أنَّ ابنَ عُقدة شيعيٌّ، وإبراهيم نسبُوه إلى الرَّفض، فلا يُسْتَغْرَبُ أن يتعصَّب له (١).

стр. 895

وأمَّا الحديث الذي فيه أنَّ النبي ﷺ دخل مكة وعلى سيفه ذهب وفضة، فأخرجه التِّرمذي في الجهاد مِنْ طريق هود بن عبد اللَّه بن سعد، عن جده مَزْيَدَة -بفتح الميم وسكون الزاي وفتح المثنَّاة التحتانية- وهو جدُّ هودٍ لأمِّهِ، باللفظ المذكور في السؤال، وبقية الحديث: وكان قبيعةُ السَّيف فضَّة. وقال: غريب، وفي الباب عن أنس ﵁، ثم ساق حديث أنس ﵁ في قبيعة السَّيف، ولم أرَ في النَّسخة المعتمدة في "جامع الترمذي" لفظة حسن، وكذا في الأصل الذي بخطِّ الكروخي، قال: "حديث غريب" فقط، ليس فيه "حسن"، واللَّه أعلم. [حديث: مَنْ مَلَكَ ذا رحم محرم فهو حرّ] ومنها: ما سأله شيخنا العلامة جلال الدين المحلِّي، ونصه: المقرَّر في مذهب الشَّافعي أنَّ مَنْ ملك غيرَ أصوله وفروعه مِنَ الحواشي لا يعتق عليه، وحديث السُّنن الأربعة "مِنْ ملك ذا رحم محرم، فهو حر"، وفي رواية "عتق عليه" أجيبَ بضَعْفه مِنْ رواية ضمرة بن ربيعة عن سفيان الثوري. قال النَّسائي: لا نعلمُ أحدًا روى هذا الحديث (١) عن سفيان عن ضَمرة، وهو حديثٌ منكر. وقال الترمذي: لا يُتابَعُ ضَمْرَةُ على هذا الحديث، وهو خطأ عندَ أهلِ الحديث. لكن رواه الأربعة عَنِ الحسن، عن سَمُرَة، وصحَّحه الحاكم، وقال التِّرمذي: العملُ عليه عندَ أهلِ العلم. فيحتاج في مذهب الشافعي إلى بيان مخصِّص بالأصول والفروع، فما الجواب عن ذلك؟

стр. 896

فأجاب بقوله، وسمعته عليه: نقل البيهقيُّ في "معرفة السُّنن والآثار" أن الشافعيَّ اعتمدَ في هذا الحكم على النَّظر، فقال: لا يثبُتُ للولدِ المِلْكُ على شيءٍ خُلِقَ منه، كما لو ملك نفسه، وعلى أنَّ الفرع بَضْعَةٌ مِنَ (١) الأصل، فلو استقر ملكه عليه، لكان كمن ملك بعضه، واستأنسوا بالحديث الصَّحيح المخرج في الصحيح مِنْ حديث المِسْوَرِ بن مَخْرَمَة، رفعه في حديث طويل، وفيه: "إنما فاطمة بَضْعة مني" [وذكروا أن منع الأصل بطريق الأوْلى، وأجابوا به عن الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم عن أبي هريِرة] (٢) رفعهُ: "لا يَجزي ولدٌ عن والدِه إلا أن يجدَه مملوكًا فيشتريه فيعتِقَه". فإن احتجَّ به مَنْ لا يرى العِتقَ أصلًا في الأقارب مِنَ الظَّاهرية، لكونه أضافَ العِتْقَ إلى الولد، فكان باختياره. وحاصلُ الجواب أنَّه لما تعلَّق بابتياعه إضافة إليه، لكونه مِنَ اكتسابِه. وقال البيهقي: معناه: أن شراءه له يستلزِمُ عِتْقَه مِنْ غير إنشاء إعتاق. وأما حديث سمرة ﵁، فهو عُمدَة مَنْ قال بظاهر الخبر المذكور، وهو "مَن ملك ذا رحم محرم، فهو حرَّ"، وروي بلفظ آخر كما في السؤال وبتشديد "محرم" وتخفيفه. أخرجوه مِنْ رواية حمَّاد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة ﵁، وأعلُّوه بعلل: أحدها: الاختلاف في سماع الحسن مِنْ سَمُرَة، والجمهور أنه لم يسمع منه إلا حديث العقيقة. ثانيها: أنَّ قتادة مدلِّسٌ، فتوقف التصحيح على سماعه له مِنَ الحسن. ثالثها: أنَّه انفرد عنه بوصله حمَّاد بنُ سلمَةَ، وكان مع ذلك يشكُّ فيه، حيث قال في رواية أبي داود: بالسَّند عَنِ الحسن، عن سَمُرَة فيما يحسِبُ حماد.

стр. 897

رابعها: أنه خالف حمادًا في وصله مَنْ هو أحفظ منه عَنْ قتادة، وهو سعيدُ بنُ أبي عَرُوبَةَ، فقال: عن قتادة، عن الحسن قولَه. وقال مرَّة أخرى: عن قتادة، عن عمر ﵁ قوله. قال أبو داود: سعيدٌ أحفظُ مِنْ حمَّاد. ووافق سعيدًا هشامٌ الدَّسْتُوائيُّ عن قتادة، عن الحسن وجابر بن زيد، قالا: فذكره موقوفًا عليهما، وهشامٌ مِنْ حُفَّاظ أصحاب قتادة. خامسها: الاختلاف فيه على حمَّاد، فرواه كثيرون عنه كما تقدم عن قتادة، عن الحسن، عن سَمُرة. وخالفهم عبدُ الرحمن بنُ مهدي، وهو مِنْ أكابر الحُفَّاظ والنُّقَّاد، فقال: عن حماد عن مَطَر الورَّاق، عَنِ الحكم بن عُتَيْبة، عن إبراهيمَ النَّخعي، عن عُمر ﵁ مِنْ قوله منقطعًا. وعن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر ﵁ موصولًا موقوفًا عليه. وقال عَقِبه: قال إبراهيم: لا يعتِقُ إلا الوالد والولد. أورده البيهقي مِنْ طريقه. وهذا تخصيصٌ للعموم، لا يقولُه إبراهيم النَّخعي، وهو فقيهُ الكوفة في زمانه، إلا عن أصل. ومما يتمسك به للمذهب اتِّفاق أئمَّة الاجتهاد -إلَّا مَنْ شذ مِنَ الظَّاهرية- على عِتْقِ الأصل والفرع، واختلاف الأقل منهم فيه، والاختلافُ الأكثرُ في الحواشي. فعلى تقدير صحَّة الخبر، فقد عُمِلَ به، إلا أن الجمهور لم يقولوا بعمومه، والشَّافعي منهم، وهو مِنْ باب تخصيص الخبرِ بالقياس. وقد أطبق علماءُ الحديث النُّقَّاد منهم على القدح في حديث سَمُرَة ﵁ مِنْ جهة تفرُّد حماد به، ومُخالفة مَنْ هو أحفظُ منه له في وصله، فلا يُلتَفَتُ إلى تساهُلِ الحاكم في تصحيحه ولا إلى قول مَنْ مال (١) إلى تصحيحه، أو جزم به كابنِ حَزْمٍ وأبي الحسن بنِ القطان والضِّياء المقدسي والقرطُبيِّ في "المفهم".

стр. 898

وأمَّا قول التِّرمذي: والعملُ عليه عندَ أهلِ العلم، فهو محمولٌ على أنَّهم عمِلُوا به في الجُملة، لكن منهم مَنْ قال بعمومه، ومنهم مِنْ خصَّصه. وأما الحديث الذي تفرد به ضَمْرَةُ، فهو مِنْ مسند ابن عمر ﵄، أخرجه الترمذي وابن ماجه مِنْ طريق ضَمرَةَ بنِ ربيعة، عن سفيانَ الثَّوري، عن عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا. قال النَّسائي: لا نعرِفُ أحدًا روى هذا الحديث عن سفيان غيرَ ضَمْرَةَ، وهو حديثٌ منكر. وقال الترمذي: هو خطأ عندَ أهل الحديث، تفرد به ضَمْرَةُ. وقال البيهقي: لو كان هذا محفوظًا، لكن كالأخذ باليد، لكنهم أطبقُوا على أنَّ ضمرَةَ غلِطَ فيه، وتفرَّد به عن الثوري، وكأنه دخل له حديثٌ في حديث، فإنه جاء عنه: عن الثوري، عن ابن دينار، عن ابن عمر ﵄، قال: نهى النبيُّ ﷺ عن بيع الولاء وعن هبته، [وقال: "مَنْ ملك ذا رحم محرم، فهو حر". وخالفه حفَّاظُ أصحاب الثَّوري، فرَوَوْه عنه إلى قوله: "وعن هبته"] (١)، ولم يذكروا ما بعده، فحكَمَ الحفَّاظُ على ضَمرَةَ بالوهم فيه. وأمَّا مَنْ صحَّحه، فمشى على ظاهر السَّند، ولم يلتفت إلى علَّته، ولا يقع في ذلك إلا مَنْ لم يتبحَّر مِنَ اصطلاح أئمَّة أهل الفنِّ، فقد تقرَّر أنهم لقُوَّة ملكَتِهم فيه كالصَّيرفي في نقدِ الدَّرهم. وهذا إنَّما هو فيما لم يُبرهِنُوا على سبب علَّته، وأمَّا ما برهَنُوا عليه، كهذا الحديث، فلا التفاتَ لِمَنْ خالفهم. وما زالَ الشَّافعيُّ في تعليل الأحاديث يحيل بذلك على أهل العلم بالحديث. حيث يقول: لا يُثبته أهلُ العلم بالحديث. واللَّه الهادي للصواب. [قلت: وعندي مِنْ أسئلة المحلي أيضًا عدَّةٌ، أجابه عنها بما أفردته في محلٍّ آخر] (٢).

стр. 899

[حديث فضل الصلاة في المسجد النبوي] ومنها: أنه سئل عن الجمع بين قوله ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا بألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام"، وما بالمسجد النَّبويِّ مِنَ الحُجَر الذي جعل علامة لقدره على عهده ﷺ ، وتخصيص النَّووي فيما نُقِلَ عنه هذا الفضل بمن صلى داخل الحجر، وبين ما يُروى عنه ﷺ مِنْ قوله: "لو زيدَ فيه إلى صنعاء اليمن، فهو مسجدي" بعد تبيين صحَّةِ كلِّ ذلك، وهل تبقى الصَّلاةُ في بقية حرم المدبنة مما زاده الخلفاء مضاعفةً أم لا؟ فأجاب، نعم، الحديث الأول مخرَّج في "البخاري" و"مسلم" مِنْ حديث أبي هريرة ﵁، والمنقولُ عَنِ الشَّيخ محيي الدين النووي رحمةُ اللَّه تعالى عليه موجودٌ في "شرح المهذَّب" و"شرح صحيح مسلم"، فإنَّه قال فيه بعد أن ذكرَ الحديثَ وما يتعلق به ما نصه: واعلم أنَّ هذه الفضيلة -يعني المضاعفة- مختصَّةٌ بنفس مسجده الذي كان في زمانه دون ما زيد فيه، فينبغي أن يحرِصَ المصلِّي على ذلك، ويتفطَّن لما ذكرناه. وأما الحديث المتعلق بالزِّيادة، فليس له أصل مِنْ كلام النَّبي ﷺ ، وإنما نُقِلَ شيءُ مِنْ ذلك عن عُمَرَ ﵁ أنه قال حين زاد في المسجد النبوي، وكذا نقله بلفظه ابنُ النَّجار في "أخبار المدينة" مرفوعًا عن أبي هريرة ﵁. وقد خُولف الشَّيخُ محيي الدِّين النَّوويُّ فيما ذكره مِنْ عدم المضاعفة في زيادة المسجد، مع أنَّ لها حكم المسجد، وعُمْدَتُه ما وقع في الصحيح: "في مسجدي هذا". وأما قول السائل: في بقية حرم المدينة، فإن أراد به المسجد المحوَّط (١) الآن، فالجواب ظاهر، لأنه -على ما ذكر الشيخ محيي الدين- لا يتعدَّى الموضع الأول، وعلى رأي غيره يتعدَّى.

стр. 900

وإن أراد ما يحرُمُ به صيدُه مِنَ المدينة على رأي مَنْ ذهب إلى ذلك، فالمُضاعَفَةُ مختصَّةٌ بالمسجد النبوي، إما مع الزيادة أو مع الاختصاص. وأمَّا ما عدا ذلك، فلا خلافَ في عدم مضاعفة الصَّلاة فيه، وهذا بخلاف مكَّة، فإنه وقع الاختلافُ: هل تختص المضاعَفةُ بالكعبة وما حولها، أو تزيدُ إلى المطاف أو تزيدُ إلى جميعِ المسجدِ المُحَوَّطِ الآن، أو تزيد بدخول الجدران (١)، أو تمتد إلى جميع مكة، أو إلى جميع الحرم. وفي تحرير ذلك ونقله طُولٌ، وبقية السؤال يُعرَفُ جوابه ممَّا تقدَّم. واللَّه أعلم بالصواب. [حكم لبس الأحمر] ومنها أنه سئل عن لُبس الأحمر مِنَ الصُّوف والكتَّان والجُوخ: أحرامٌ أم مكروهٌ؟ وإذا كُرِهَ، فما السَّبب في كراهته، وهل يعزَّرُ مَنْ قال: إنَّه حرامٌ؟ فأجاب: لا يحرُمُ لُبْسُ الأحمر، وإنَّما الخلاف في الكراهية بين العلماء فيه مشهور، فلبسه خلاف الأولى عند مِنْ يعتقدُ أن لا كراهية فيه للخروج مِنَ الخلاف. والقائلُ بتحريمه ينظر فيه، فإن كان مِنْ أهل العلم، سئِل عَنْ مستنده فيه، وأُزيلتْ شبهتُه، وإن كان بخلاف ذلك فإنه يؤدبُ بما يليق به، لإقدامه على القَولِ بما لا عِلْمَ له به والحالة هذه، واللَّه أعلم. [زنة خاتم النبي ﷺ -] ومنها أنه سئل عن زنَة خاتمه ﷺ وإذا عُلِمَتْ، فهل تجوزُ الزِّيادَةُ عليها، وهل تحرم الزيادة على المثقال للحديث الوارد فيه؟ فأجاب: هذه المسألة لم أرَ مَنْ تعرض لها مِنْ الأئمة الشافعية إلا

стр. 901

صاحب "القوت"، فإنه قال: لم يتعرَّضوا لمقدار الخاتم المباح، ولعلهم اكتفوا بالعرف، فما (١) خرج عنه كان إسرافًا كما قالوا في خلخال المرأة. قال: ولكن الصواب الضبط بما نص عليه الحديثُ، وهو ما أخرجه أبو داود وصحَّحهُ ابنُ حِبان عن أبي هريرة ﵁، أنّ النبيَّ قال للابس خاتم الحديد: "ما لي أرى عليك حِلْيَةَ أهل النَّار"؟ فطرحه، وقال: يا رسول اللَّه، مِنْ أيِّ شيء أتخذُه؟ قال ﷺ : "اتَّخِذْهُ مِنْ ورِق ولا تِتمَّه مثقالًا". انتهى. ونسْبَةُ الحديثِ إلى أبي هريرة ﵁ سهوٌ، فهو في الكتابين المذكورين مِنْ حديث بُريدة بن الحصيب ﵁. وأخرجه أيضًا النَّسائي والتِّرمذي، وقال: غريب. وأخرجه أيضًا أحمد بن حنبل وأبو يعلى في "مسنديهما"، وأورده (٢) الحافظ الضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة مما ليس في الصحيحين"، ورجاله رجال الصَّحيح، إلا عبد اللَّه بن مسلم، المعروف بأبي طيبة، فهو محدِّثٌ مشهور، وتصحيحُ ابن حبان لحديثه دالٌّ على قَبُوله. فأقلُّ أحواله أن يكونَ مِنْ درجة الحسن. وقوله: إنَّهم لم يتعرضُوا له إلا ما استنبطه مِنْ مسألة الخلخال، فيه نظر، فإنَّه يُؤخَذُ مِنْ كلام بعضهم اعتباره بما دلَّ عليه هذا الحديث، وذلك أنَّ الفُوراني قال: يُكْرَهُ الخاتمُ مِنْ حديد أو شَبَهٍ، لحديثٍ ورد فيه. انتهى. والحديثُ المذكور هو المراد، فإنَّ فيه ذكر الحديد والشَّبَه. فإذا احتج به لكراهة الحديد مِنْ جهة ما ذُكِرَ، لزمه الاحتجاجُ به لمنع أن يبلُغ به مثقالًا لصريح النَّهي فيه. وقد جزم بعض مَنْ أدركناه مِنَ الشُّيوخ بأنَّ الحديثَ المذكور إن ثبت، وجبَ الضَّبط به. وقد بيّنت أنه صالحٌ للحجة، فليُضْبَط به، واللَّه الهادي للصواب.

стр. 902

[حديث بريدة في خاتم الحديد] وكُتِبَ إليه مرة أخرى وقد سُئِلَ عن الحديث المشار إليه: أهو صحيحٌ أم حسنٌ أم غير ذلك؟ وإذا كان صحيحًا، فهل هو محمولٌ على ظاهره أو مؤوَّلٌ؟ وإذا كان على ظاهره، فهل هو المذهب أم لا؟ فأجاب بما نقلته مِنْ خطِّه أيضًا: الحديثُ المذكور حَسَنٌ يُحتَجَّ به، وهو صحيحٌ على طريقة مَنْ لا يفرِّقُ بين الصَّحيح والحسن، بل يُسمِّي الكلَّ صحيحًا، كأبي حاتم بن حبان. وأمَّا الحكمُ الشَّرعي، ففي ثلاثة مواضع: أحدها: كراهةُ اتِّخاذ الخاتم مِنْ شبهٍ -وهو بفتح الشَّين المعجمة والباء الموحَّدة- صنف مِنَ النُّحاس يشبه لون بعض الذهب، ويشبهه أيضًا في أنه لا يتصدأ. وهذا لا أعرفُ التَّصريح بكراهته إلا في هذا الحديث، وليس في سياقه ما يقتضي التحريم. والحكمُ الثاني: في خاتم الحديد والقول فيه كالأول، ويزداد هذا أنَّه ثبت في حديث المرأة التي عرضت نفسها "التمِسْ ولو خاتمًا مِن حديد"، ففيه إشعارٌ بجواز اتِّخاذ خاتَمِ الحديد، مع أنه ليس فيه تصريحٌ بكراهته. والحكم الثالث: اتخاذُ الخاتم مِنْ فضة بشرطه في الوزن المذكور، وجواز خاتم الفضة للرجال لا نزاع فيه، وأمَّا شرط الوزن، فقال بمقتضاه جماعةٌ مِنَ العلماء، ومن الشافعية أبو سعد المتولِّي وغيرُه. واللَّه أعلم. [حديث الظالم عَدْلُ اللَّه في الأرض] ومنها أنه سئل عن قولهم: "الظَّالم عدل اللَّه في الأرض": هل ورد، وهل لفظه "عبد" أو "عدل"؟ وأن بعضهم أشكره بلفظ "عدل"، واستشكل الجَمْعُ بين الوصفين. فقال: هذا الحديث لا أستحضره، ومعناه دائرٌ على الألسنة، وعلى

стр. 903

تقدير وجوده، فلا إشكال فيه، بل الرِّواية بلفظ "عدل اللَّه" أظهرُ في المعنى مِنَ الرِّواية بلفظ "عبد اللَّه". وأما قولُ القائل: كيف يجوزُ وصفُه بالظُّلم، ويُنْسَبُ إلى أنه عَدْلٌ مِنَ اللَّه تعالى؟ فجوابه: أنَّ المراد بالعدل هنا ما يقابل الفَضْلَ، والعدلُ أن يعامَلَ كلُّ أحدٍ بفعله إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، والفضل أن يعفُوَ مثلًا عَنِ المُسيء وهذا على طريق أهل السُّنَّةِ، بخلاف المعتزلة، فإنَّهم يُوجِبُون عُقوبة المُسيء، ويدَّعُون أنَّ ذلك هو العدلُ، ومِن ثم سمَّوْا أنفسهم أهل العدل والعدلية. وإلى ما صار إليه أهلُ السُّنَّةِ يشير قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢] أي: لا تُمهِلِ الظَّالم ولا تتجاوز عنه، بل عجِّل عقوبته، لكن اللَّه يُمهل مَنْ يشاءُ ويتجاوز عمَّن يشاء، ويعطي مَنْ يشاء، لا يُسأل عما يفعل. وهذا الذي فتح اللَّه به مِنْ الجواب عن هذا الإشكال، وربنا الرحمن، وهو المستعان (١). [قلت: ويقرُب مِنْ هذا معنى السُّؤال حديث "إنَّ اللَّه يؤيِّدُ هذا الدِّين بالرَّجل الفاجر". وفي ترجمة مالك بن دينار مِنْ "الحلية" أنه قال: قرأت في "الزَّبور": إنِّي لأنتقم مِنَ المنافق بالمنافق، ثم أنتقمُ مِنَ المنافقين جميعًا. ونظيرُ ذلك في كتاب اللَّه ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٩]. وأخرج الطَّبراني في "الأوسط" في [ترجمة] (٢) جعفر بن محمد بن

стр. 904

ماجد مِنْ طريق الحجَّاج بن أرطاة، عن محمد بن المُنكَدِر، عن جابر، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ اللَّه يقولُ: أنتَقِمُ ممن أُبغض بمَن أبغض، ثمَّ أُصَيِّرُ كلًّا إلى النار". وهو في الجزء الرابع عشر مِنَ "المجالسة" للدِّينوري مِنْ طريق الحجاج بن أرطاة عن محمد بن المنكدر، قال: يقول اللَّه : أنتصر لِمَنْ (١) أبغض ممن أبغض، ثمَّ أُصَيِّر كلًّا إلى النار] (٢). [حديث لا يدخل الجنة ولد زنا] ومنها: أنه سُئِلَ عن حديث "لا يدخُل الجنَّةَ ولدُ زِنا ولا ولدُه ولا ولدُ ولدِه". هل هو صحيحٌ؟ وما معناه؟. فأجاب: ليس هذا الحديث بهذا اللَّفظ صحيحًا، وورد في حديث "لا يدخل ولدُ زنا الجنَّة". فسره العلماء -على تقدير صحته- بأنَّ معناه إذا عمل بمثل عمل أبويه، واتفقوا أنه لا يُحْمَلُ على ظاهره، واللَّه أعلم. [حديث مَنْ كان ذا مال ولم يحج] ومنها: أنه سئل عن حديث "مَنْ كان ذا مال، ولم يحُجَّ هذا البيت، إن شاء يموتُ يهوديًا أو إن شاء يموتُ نصرانيًا" لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. فأجاب: نعم، هذا الحديث ورد عن النَّبي ﷺ وسندهُ ضعيفٌ، أخرجه التِّرمذي في "جامعه" والبيهقي في "سننه" وله طرق. وحمله أهلُ العلم -على تقدير ثُبوته- على مَنْ لم يعتقد وجوبَه. وعن

стр. 905

بعضهم أنه ورد على سبيل التَّغليظ والتَّنفير والتَّحريض على المُبادرة إلى قضاء الفرض، ولا يُرادُ به أنَّ الذي يؤخِّرُ الفرضَ (١) يموتُ يهوديًا أو نصرانيًا. وعن بعضهم أنه على سبيل التَّمثيل، لأنَّ اليهودي والنَّصراني لا يحجُّ، فمن مات ولم يحج، كان كاليهوديِّ والنصرانيِّ. [المفاضلة بين عائشة وفاطمة ﵄] ومنها: ما قرأته بخطه بعد أن قرىء عليه وأنا أسمع ما نصه: سألتم -أعزكم اللَّه تعالى بعزِّه- عَنِ السُّؤال المشهور في التفضيل بين أُمَّي المؤمنين خديجة وعائشة ﵄، وعن السؤال الثاني في التَّفضيل بين عائشة وفاطمة الزهراء ابنة النبي ﷺ ورضي عنهما. والجواب على سبيل الاختصار عن الأول بعد تقديمٍ أنَّ للعلماء في ذلك أقوالًا ثالثها الوقف عَنِ الجواب في السؤالين، وهو أسلم. وقد احتجَّ كلٌ مِنَ الفريقين لقوله بأدلَّةٍ نقليَّةٍ ونظريَّةٍ، فرأيتُ الاقتصارَ على طرفٍ كافٍ مِنْ أدلة أهلِ السُّؤال الثاني، فأقول: حاصلُ ما استدل به مَنْ فضَّل الزهراء ﵂ نقليٌّ ونظري، فمن النقلي ما أخرجه أحمد وغيره وصحَّحه ابن حبان وغيرُه مِنْ حديث ابن عباس ﵄، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أفضلُ نساءِ أهلِ الجنَّة خديجةُ بنت خويلد وفاطمة بنتُ محمد ومريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم". وهذا صريح في الأفضلية وفي. . . . (٢). ومنَّ النظري: أنها بَضْعَةٌ لرسول اللَّه ﷺ . ومِنَ النَّقلي لمَنِ استدلَّ بتفضيل أمِّ المؤمنين حديث "فضلُ عائشة على النِّساءِ كفضلِ الثَّريد على غيره مِنَ الطعام". وهو في الصحيح.

стр. 906

لكن يطرُقه احتمالُ الجمع بأن يكون ذلك بالنِّسبة لمن لم يصرِّح بأفضليتها منهن، فيكون المراد بقوله: "على النِّساء"، أي مِنْ عدا الأربعة، وذلك جائزٌ في طريق الجمع. ومن النظري، كثرةُ ما نقل عنها مِنَ الحديث، فحصل الانتفاعُ به في الأحكام الشَّرعيَّة، وتلقَّوه بالقبُول، واحتجُّوا به، ووافقها على كثيرٍ منه كثيرٌ مِنَ الصَّحابة ﵃، وانفردت منه بأشياء كثيرةٍ يلزَمُ منه تكثيرُ أجرها، لأنَّ مَنْ علم علمًا فله أجرُه وأجرُ مَنْ عمل به إلى يوم القيامة. ولا يخفى أنَّ كثرة الأجر يُوجبُ التفضيل. واعترض على ما استدلَّ به للزهراء ﵂ أنَّ أخواتها زينبَ ورقيَّة وأمَّ كلثوم ﵅ يشاركنها في الصِّفة المذكورة، لأن كلًّا منهن بَضْعَةٌ منه ﷺ ، وإنَّمَا يفيد التَّفضيلَ بأمرٍ يختصُّ به المفضَّلُ على غيره. وأجاب مِنْ فضَّلَ الزَّهراء ﵂ بأنها امتازت عن أخواتها بأنهنَّ مِتْنَ في حياته ﷺ ، فكنَّ في صحيفته، ومات النبي ﷺ في حياة الزَّهراء، فكان في صحيفتها، ولا يُقدَّرُ قدرُ ذلك، فقد جاء عنه ﷺ أن المسلمين لم يصابوا مثل مصابهم، فمن وقع له ذلك وصبر واحتسب، حصل له مِنَ الأجرِ بقدر مُصابه، والمصابُ به لا يُقدَّر قدرُه، فانفردت الزَّهراءُ ﵂ دُون سائر بناته، فامتازت بذلك بأن بشَّرها في مرض موته بأنَّها سيِّدةُ نساءِ أهلِ الجنَّة، أي: مِنْ أهلِ هذه الأمَّة المحمدية، وبأنها أولُ أهلِه لُحوقًا به. وقدِ انضافَ إلى فاطمةَ ﵂ مِنْ هذا الجنس ما امتازت به على أمهات المؤمنين اللاتي مات النبيُّ ﷺ وهنَّ موجودات، لأن مصيبتهن به في صحائفهنَّ، وذلك أنَّها أُصيبت أولًا بأمِّها خديجة ﵂، والمصابُ بها عظيمٌ جدًا، لأنَّها أفضلُ أمَّهات المؤمنين، لأنها أولُ مَنْ أسلمَ مطلقًا وأوَّلُ مَنْ نصرَ دين الإسلام مِنَ النِّساء، فلها مِنْ كلِّ مَنْ شاركها في شيءٍ مِنْ ذلك بعد ذلك مِنَ الأجر مثلُ ما لهُ. ويُعْرَفُ بذلك أنَّ الذي يتحصَّلُ لها مِنَ الأجور لا يعرف، ويدخُلُ في عموم مَنْ جاء بعدها عائشة

стр. 907

وغيرُها مِنْ أمَّهات المؤمنين، فمهما فُرِضَ لعائشة ﵂ مِنَ الأجر يكونُ لخديجة ﵂ نظيرُه، فلا يحصُلُ لامرأةٍ مِنْ هذه الأمة كفضل خديجة ﵂. وقد أصيبت فاطمةُ ﵂ بها، لكنَّه شاركها في ذلك أخواتها، ثم سكنت فاطمةُ إلى أخواتها ﵅ وأكبرهن زينب، فماتت فثكلَتها فاطمةُ، وكذا ماتت رقيَّةُ وأمُّ كلثوم ﵄، فكُنَّ جميعًا في صحيفةِ فاطمةَ ﵂. ثم مع فقدها مَنْ كانت تُسَرُّ به مِنْ أمِّها وأخواتها، ثكلَت والدها ﵊، فلم يبق بعده مِنْ ذلك النوع ما تُسَرُّ به، فلذلك كمِدَتْ ولم تَعِشْ بعده ﷺ إلا ستَّةَ أشهرٍ على الصَّحيح. فإذا عُرِفَ قدرُ ما حصل لها مِنْ ذلك، عُرِفَ أنَّه لا يقدر قدره، فما يشاركها غيرُها فيما حصل لها مِنَ الأجُور عن ذلك. فلذلك اختصت بما اختصت به. ثمَّ إنَّ ما لم يحصُل بها مِنَ الانتفاع بالعلم لم يكن مِنْ تقصيرها، بل لسُرعة انتقالها بعده ﷺ وجاز أنَّها لو عاشت مثلًا، لانتشر عنها مِنْ ذلك قدر ما انتشر عَنْ غيرها، واللَّه أعلم. [هل أذَّن الرسول ﷺ -] ومنها أنه سئل: هل صحَّ أنه ﷺ أذَّن في بعض أسفاره؟ فأجاب: وقع في "التِّرمذي" ذلك، لكن أخرجه أحمدُ في "المسند" مِنْ الطَّريق الذي أخرجه التِّرمذي، فقال فيه: فأمرَ بلالًا ﵁ فأذَّنَ، فظهر بذلك أنَّ مَنْ أطلقَ أنَّه أذَّنَ تجوزَ في ذلك، كما يقال: أعطى الخليفةُ فلانًا كذا وكذا، والذي يباشر العطيَّة هو الخازن مثلًا، فيكون معنى "أذن": أمر بالأذان (١).

стр. 908

[المراد بالأحرف السبعة] ومنها: ما المراد بالأحرف السبعة في قوله ﷺ : "إنَّ هذا القرآن أُنزِلَ على سبعة أحرف" هل هي القراءات السَّبعُ المشهورة أو غيرها؟ وما المراد بالقراعة الشَّاذَّة إذا أطلقت: هل هو ما وراء العشرة والسبعة. وإذا ثبت ذلك، فما حكم مَنْ قرأ بها في الصلاة أو خارجها. وهل يحرم إقراؤُها ويسُوغُ لوليِّ الأمرِ المنعُ مِنْ قراءتها والإقراء بها؟ وهل إذا وردت روايةٌ عَنْ شيخٍ مِنَ المشايخِ السَّبعة مِنْ غير طريق "الشاطبية" و"التيسير" و"العنوان" يجوزُ القراءة به. وما يجبُ على الطَّاعن في شيءٍ مِنَ القراءات السَّبع كالإمالة ونحوها؟ أجاب: قد صنَّف العلَّامة شيخُ الفُقهاء والقرَّاء أبو شامة الدِّمشقي في هذه المسالة تصنيفًا بليغًا سماه "الوجيز في علوم تتعلق بالكتاب العزيز"، أتقن الكلام على هذه المسألة، وأظهر جهلَ مَنْ يظُنُّ أنَّ المراد بالأحرف السَّبعة في الحديث القراءات السبعة التي إذا أُطلقت في هذه الأعصار، كان المرادُ بها قراءة ابنِ كثير ونافعٍ وابنِ عامرٍ وعاصمٍ وأبي عمروٍ وحمزة والكِسَائيِّ، وهي التي دوّنها أبو بكر بن مُجاهد على رأس الثلاثمائة، وتبِعَه الدَّانيُّ في "التيسير"، ونظمها الشَّاطبي في قصيدته المشهورة. وحاصل ما حرَّره: أنَّ هذه القراءات المنسوبة إلى هؤلاء الأئمَّةِ السَّبعة لا تخرُج عن المصحف العثماني الذي استقرَّت عليه آراءُ الصَّحابة في زمن

стр. 909

عثمانَ ﵁، فأرسل إلى كلِّ أُفق بمصحف، وأمرهم بالاقتصار مِنَ القراءات التي كانوا تلقَّوْها عَنِ النبي ﷺ وعن أصحابه على ما تضمَّنه المصحف المذكور. ووقع في بعض المصاحف المذكورة اختلافٌ كثير بالزِّيادة الخفيفة والنقص اليسير مثل "مَنْ" في قوله تعالى: ﴿تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ في أواخر سورة براءة (١)، فإنها في المصحف المكي ثابتةٌ، وليست ثابتة في المدني ولا الشَّامي ولا غيرهما، ولم يكن في المصاحف المذكورة نقط، ولا شكل، فقرأ أهل كل مصر بما وافق مصحفهم واقتصروا عليه، وهو في الأصل حرف واحدٌ مِنَ الأحرف السبعة التي جرى ذكرُها في الحديث الصَّحيح. وأمَّا السِّتَّة الأخرى فمهما وافق الحرفَ المذكورَ منها فهي منه، ومهما خالفه بتغيير النقط أو الشكل أو الزِّيادة أو النَّقص، فهو الشَّاذُّ اصطلاحًا، وقد يقع فيه ما هُو في نفس الأمر غيرُ شاذٍّ، لكنه مِنْ جهة الاقتصار على المصحف العثماني خفيَ أمرُه، فسُمِّيَ شاذًّا، مع أنَّ كثيرًا مِنَ القراءات التي لا تُنْسَب للأئمَّةِ السَّبعة المتقدِّم ذكرُهم غيرُ شاذٍّ، لأنَّ الذي استقرَّ عليه الأمرُ أن ضابطَ المشهور ما وافق رسمَ المصحف العثماني، وصحَّ سندُه إلى إمام مشهور مِنْ أئمَّة القراءة، ووافق اللِّسانَ العربيَّ لُغةً وإعرابًا. ولا يشترط كونُه أفصحَ، بل يكفي كونُه فصيحًا. ولا يرتابُ العارف بالقراءات في قراءة أبي جعفر بن القعقاع ويعقوب وغيرهما مِنْ هذا الجنس الشيء الكثير، فهذا تحقيق الأمر في ذلك. ومهما خالفَ الضَّابط المذكور، فهو مِنَ الشَّاذِّ سواءٌ نسِبَ إلى إمام منَ الأئمة السَّبعة المذكورين أم إلى غيرهم. وأما القراءة بالشَّاذِّ فلها حالان: الأولى: في الصلاة، ولها حالان: أحدهما: تحريمُ القراءة بها، والثاني: صحة الصلاة.

стр. 910

فأمَّا التحريمُ، فيأتي بيانُه في خارج الصَّلاة. وأمَّا الصِّحَّة، فضابطُها أن لا يختلَّ المعنى ولا يتغيَّرَ رسمُ المصحف بالزيادة والنقص. والشرط الثاني: يختصُّ بالفاتحة عند مِنْ يشترط قراءتها في القيام، سواءٌ كان في كلِّ الصَّلاة أم في بعضها. الثاني: خارج الصلاة، ولها حالان: الأول: أن يكونَ في مقام التَّعليم، لقصد ضَبْطِ ذلك وتحمُّلِه عن الأشياخ، لِمَا في ذلك مِنَ الإعانة على معرفة إعرابه، فيجوز. وعلى هذا يُحمَلُ عَمَل الأئمةِ شرقًا وغربًا في تصانيفهم في التفسير وغيره، وفي الاحتجاج بذلك في الأحكام الشرعية عند مَنْ يقولُ به. والثاني: القراءة بها على أنها قرآن، فهذا لا يجوز، وعليه ينزِلُ كلامُ الأئمة في منعه مِنَ الفقهاء والأصوليين. وأمَّا مَنعُ وليِّ الأمر مِنْ ذلك، فعلى التَّفصيل المذكور بأن يُقالَ مثلًا: يجوز بشرط كذا، ولا يجوز إلا بشرط كذا كما قدَّمتُه. وإذا وردت رواية عَنْ إمام مِنَ الأئمَّة اتصلت القراءة بها، ودُوِّنت في كتب بعض الأئمة الذين دوَّنوا القراءاتِ المشهورة غير الكتب الثلاثة، ككتاب ابن مُجاهد الذي هو أصل "التيسير"، و"الإقناع" لأبي جعفر بن الباذِش، وقد وصفه أبو حيان في مقدمة "تفسيره" بأنه أحسن المجموعات في القراءات السبع، و"المصباح" لأبي الكرم، وهو في القراءات العشر، وغيرها مِنَ التَّصانيف، وهي كثيرةٌ ومعروفةٌ عند أهل هذا الفن. وأمَّا مَنْ طعن في الإمالة ونحوها، فإنها مسألةُ خلافٍ مشهور. وممَّن جزم بمنع التَّواتر فيها: إمام العربية والقراءات أبو عمرو بن الحاجب، كما صرَّح به في "المختصر الأصلي"، ولكن [الأكثر على خلاف ذلك، ولم يطعن أحدٌ في أصل الإمالة ولا الهمز ولا غيرهما، وإنما طعنوا في] (١)

стр. 911

الإفراط في كلٍّ مِنْ ذلك، والذي ينكر ذلك مِنْ غيرِ أهل العلم بالعربية والقراءة يُمْنَعُ ويُردَعُ، فطريقُ مثله أن يوافِقَ الجمهور ولا يخالِفَهم، ولا يتابعُ مَنْ شذَّ منهم عن جماعتهم (١). وأما مَنْ كان مِنْ أهل العلم بذلك. ووضح له دليلُ المسألة، ورجح عنده مسْتَنَدُها، فلا يتوجه عليه شيء مِنْ ذلك، لكن إن انتصبَ لترجيح ذلك، وحمل النَّاس عليه، فإنَّه يمنَعُ، لأن متابعة السَّوادِ الأعظم أولى مِنْ متابعة مَنِ انفرد، واللَّه أعلم. وسئل أيضًا في القراءة بالشاذِّ: هل تحرُم، كما جزم به النوويُّ في كتبه والسبكيُّ في صفة الصلاة مِنْ "شرح المنهاج" وابن الصلاح في "فتاويه"، وكما نقل ابنُ عبد البرِّ الإجماع عليه، ونقل تحريم الصلاة خلف مَنْ يصلِّي بها، كما نقل ابن عبد البر الإجماع عليه، وهل يُعزَّرُ فاعِلُ ذلك، ويجب على الحاكم منعه أم لا، وهل الشَّاذُّ ما زاد على السبع كما جزم به النَّووي في "التبيان"، وهو ظاهر كلام ابن عطية في "تفسيره"، أو ما زاد على العشر كما صحَّحه التاجُ السُّبكي في "جمع الجوامع"، وجزم به ابن الجزري في "منجده"؟ فقال: نعم، تحرُم القراءة بالشَّواذِّ، وفي الصَّلاة أشدُّ، ولا نعرف خلافًا عن أئمة الشَّافعية في تفسير الشَّاذِّ أنَّه ما زاد على العشر، بل منهم مِنْ ضَيَّق، فقال: ما زاد على السَّبع، وهو إطلاقُ الأكثر منهم، ولا ينبغي للحاكم، خصوصًا إذا كان قاضي الشرعِ، أن يتركَ مَنْ يجعل ذلك ديدنه، بل يمنعُه بما يليقُ به، فإن أصرَّ فيما هو أشدُّ مِنْ ذلك، كما فعل السلفُ بالإمام أبي بكر بن شنبوذ، مع جلالته، فإن الاسترسال في ذلك غير مرضيٍّ، وُيثاب أولياء الأمور -أيدهم اللَّه- على ذلك صيانةً لكتابِ اللَّه ، واللَّه أعلم. وكذا كتب مِنَ الشافعية البدر بن الأمانة والونائي والقاياتي والبلقيني،

стр. 912

ومن الحنفية العيني وابن الديري، ومِنَ المالكية الشهابُ بنُ تقي، حسبما نبَّه عليه الشيخ أبو القاسم النُّويري في "القول الجاذ لِمَن قرأ بالشَّاذِّ" مِنْ تصانيفه، رحمة اللَّه عليهم أجمعين. [رواية الحسن البصري عن علي] ومنها: أنه سئل عن قول الحافظ تقي الدين محمد بن الحسن اللخمي ابن الصيرفي، مَنْ قال مِنْ الأئمة: إن الحسن لم يَلْقَ عليًا، أو لم يثبت له سماع منه، فهو مشكل، ولم يَقُمْ عليه دليلٌ ظاهرٌ، وهو معارَضٌ بما رواه الحافظُ أبو يعلى، قال: حدَّثنا أبو عامر حَوْثَرَة بن أشرس العدوي، أخبرني عُقبةُ بن أبي الصَّهباء الباهلي، سمعتُ الحسنَ يقول: سمعتُ عليًّا ﵁ يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَثَلُ أُمَّتي مَثَلُ المطر، لا يُدرَى أوله خيرٌ أو آخره. إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، طوبى للغرباء"، فهو نصُّ صريحٌ في سماعه منه، ورواتُه ثقاةٌ، متَّصلٌ بالإخبار والتحديث والسماع. حوثرةُ وثَّقه أحمد، وهو معروف بالرواية عَنْ عُقبةَ، وعُقبةُ وثَّقه أحمد وابن حبان وابنُ معين، انتهى. هل هو صحيح أم لا؟ فأجاب بما نقلته مِنْ خطه: هذا البحث الذي أبداه الصَّيرفيُّ لا يستقيم على قواعِدِ أئمَّةِ الحديث، وإنما يستقيم على قواعد بعضِ أهل الأصول والفقه، لأنَّ مِنْ قاعدة أئمة لحديث عندَ اختلاف الرواة في التَّنافي، تقديمَ قولِ الأكثر والأحفظ والأعرف بالشيخ الذي وقع الاختلافُ عليه، بأن يكون طويلَ المُلازمة له، إمَّا لقرابته منه، لكونه ولدَه أو أخاه أو مِنْ عصابته أو ذوي رحمه، أو لكونه مِنْ جيرانه، إلى غير ذلك. ونشأ لهم ذلك مِنْ اشتراطهم في الصَّحيح وفي الحسن أن لا يكون شاذًّا بعد أن يعرِفوا الشُّذوذَ الذي يشترط نفيه هنا أن يخالف الراوي في روايته مَنْ هو أرجحُ عندَ مَنْ يَعتبِرُ الجمع بين الروايتين، بخلافِ الفقيه والأصولي الذي أشرت إليه، فإن مِنْ قاعدته تقديمَ مِنْ معه زيادة، فإذا أثبت الراوي عن شيخه شيئًا، فنفاه مَنْ هو أحفظُ منه أو أكثر عددًا أو أكثرُ ملازمةً، قالوا: المثبِتُ مُقدَّم على النافي، فقيل: ومِنْ ثمَّ قال ابن دقيق العيد: إن كثيرًا مِنَ العلل التي يرُدُّ بها

стр. 913

أهلُ الحديث لا يردُ بها الفقيهُ والأصوليُّ الحديث. واحترز بقوله "كثيرًا" عن مَنْ وافقَ المحدِّث في بعض ذلك. وقد نصَّ الشافعي على موافقة أهلِ الحديث في تفسير الشَّاذِّ وفي تقديم الأحفظِ، فقال: ليس الشَّاذُّ أن يروي الثقةُ شيئًا، فينفرد به. الشاذُّ أن يروي شيئًا فيخالِفَ فيه مَنْ هو أرجحُ منه. هذا معنى كلامه. وقال في خبر احتجَّ به عليه بعضُ أصحاب مالك، لأنَّ مالكًا رواه على وفق ما ذهبوا إليه، فقال له الشافعي: خالفه ستةٌ أو سبعةٌ لقيتُهم متَّفقين على خلافِ ما روى مالك، والعدد الكثير أولى بالحفظ مِنَ الواحد، وقرَّره بعض أصحابه بأنَّ ردَّ قولِ الجماعة بقولِ الواحد بعيدٌ، مع أن تطرُّقَ السَّهو إلى الواحد أقربُ مِنْ تطرُّقِه إلى العدد الكثير، ومِنْ ثمَّ اشترط في قبول شهادة المرأة أن يُضم إليها أخرى ليتعاونا على ضبط ما يشهدان به، لأنَّ تطرُّقَ السَّهو إلى المرأة أكثرُ مِنْ تطرُّقه إلى الرجل لنقصها. وقد وافق بعضُ أهلِ الأصول والفقه هذه القاعدة في بعض الصُّوَرِ، وهي ما إذا اتحد مجلس التحديث، كما لو سمع جماعةٌ مِنْ شيخ في مجلسٍ واحدٍ حديثًا، ثم خرجوا مِنْ عنده، فحدثوا بما سمعوه منه، فخالفهم واحد منهم، فأتى بزيادة تُنافي ما اتَّفق عليه الجماعةُ، فإنَّ روايتهم تقدَّمُ على روايته للعلَّة التي تقدَّمت. فإذا تقرّرَ (١) هذا، فالذين جزموا بأن الحسنَ البصريَّ لم يسمع مِنْ عليٍّ لما ثبت عندهم مِنْ أنَّ الحَسَنَ لما كان منشؤه بالمدينة النبوية حتى قتِلَ عثمان ﵁، وله يومئذٍ أربعة عشر عامًا، لم ينقل عنه أنه طلب العلم، ولا تشاغل بسماع الحديث، فلما استخلف عليٌّ ﵁، وخرج مِنَ المدينة إلى العراق بعد ثلاثة أشهر أو نحوها، استمرَّ الحسنُ بالمدينة، ولم يرجع عليٌّ ﵁ إليها، بل استمرَّ مشتغلًا بحربِ الذين خالفوه إلى أن قُتِلَ عليٌّ ﵁ بعد أربع سنين وثمانية أشهر مِنْ أوَّلِ خلافته، فتوجَّه في

стр. 914

ذلك الوقت الحسنُ إلى البصرة، فسكنها واستمرَّ إلى أن مات، إلا أنه حجَّ في أثناء ذلك، وخرج إلى خراسان في خلافة معاوية ﵁ كاتبًا للربيع بن زياد الحارثي حين استخلفه عبد اللَّه بن عامر على خراسان، وكان أميرَها لمعاوية ﵁. ثم رجع الحسنُ إلى البصرة، فأقام بها مشتغلًا بالعبادة والقصص على النَّاس وتعليمهم الأحكام الشرعية، ووَليَ القضاء في خلال ذلك في خلافة عمرَ بن عبد العزيز ﵁ مدَّة يسيرة بالبصرة، ثم ترك ذلك، وأقبل على شأنه حتَّى مات. ومِن حجَّتهم في أنَّه في خلافة عثمان ﵁ لم يكن تصدَّى للاشتغال بالسماع ثم التحديث: أنَّ الجمهورَ أطبقوا على أنه لم يسمع مِنْ أبي هريرة ﵁، مع أنه في تلك المدَّة كان أبو هريرة ﵁ فيها وفيما بعدها قد تصدى للتحديث، حتى انتهت إليه رحلةُ طُلّاب الحديث لتفرُّده عن أقرانه، لكثرة حديثه وطُولِ عُمره، فلو كان الحسنُ يتشاغل بطلب الحديث، لحصل له عن أبي هريرة ﵁ الشَّيءُ الكثير، لإقامتهما بالمدينة تلك المدة. وعلى تقدير التنزُّل، لا يلزَم مِنْ صحة سماعه مِنْ عليٍّ ﵁ لهذا الحديث أنْ يكونَ جميعُ ما نُقِلَ عنه عَنْ علي ﵁ مسموعًا له مِنْ عليٍّ ﵁، لأنه اشتهر عنه أنه كان يرسِلُ عَن مَنْ عاصرَه، سواءً اجتمع به أم لا. ومَن هذا سبيله كان ما يرويه بالعَنعَنَةِ عن مِنْ عاصره أو اجتمع به [إمّا مرسلًا] (١)، وإما مدلسًا. وكذا القول فى كل مَنِ اختلِفَ فيه ممن روى عنه، هل سمع منه أم لا، كأبي هريرة ﵁، والعلم عند اللَّه تعالى. [خرقة التصوف] ومنها أنه سئل عن حديث الخرقة، وما لذلك مِنَ الطُّرق، فقال: إن ذلك ما لم أتشاغل به قطُّ، لتحقُّق بُطلان كلِّ ما ورد في ذلك.

стр. 915

[الشيخ عبد القادر الكيلاني] ومنها أنه سئل عما قاله الحافظ ابن رجب في "طبقات الحنابلة" أنه قد جمع أبو الحسن المُقرىء الشَّطنوفي المصري في أخبار الشَّيخ -[يعني عبد القادر الكيلاني] (١) - ومناقبه ثلاث مجلدات، [وهي المسماة بالبهجة] (٢)، وقد رأيتُ بعضَ هذا الكتاب، ولا يطيبُ على قلبي أن أعتمِدَ على شيء ممَّا فيه، فأنقلَ منه، إلا ما كان مشهورًا معروفًا مِنْ غيره، وذلك لكثرة ما فيه مِنَ الرواية عن المجهول، وفيه مِنَ الشُّطح والطامات والدعاوى والكلامِ الباطلِ ما لا يُحصى، ولا يجوزُ نسبة مثل ذلك إلى الشيخ عبد القادر. قال: ثمَّ وجدتُ الكمالَ جعفر الأدفوي ذكر أنَّ الشطنوفي نفسه كان متَّهمًا فيما يحكيه في هذا الكتاب بعينه. انتهى. وعن معنى قول الشيخ: قدمي هذه على رقبة كل وليٍّ للَّه. فأجاب بما نصُّه: أما ما يتعلَّق بالبهجة، فقد طالعتُ أكثرها، فما رأيتُ الأمرَ كما ذكره الحافظُ ابن رجب على إطلاقه، بل هي مشتملة على أقسام: القسم الأول: ما لا منابذةَ لقاعدةِ الشَّريعة فيه بحسب الظَّاهر، بل جائزٌ شرعًا وعقلًا، وهذا معظم الكتاب، فإنَّ ظهورَ الخوارق على البشر واقعة في الوجود، ولا ينكِرها إلا معانِدٌ. القسم الثاني: منابِذٌ لقوانين الشَّريعة في الطاهر، فإن أمكن حملُه بالتَّأويلِ على أمر شائع فذاك، وإلا فينبغي في اجتنابه وتحسين الظَّنِّ بقائله يحتاجُ إلى أن يدَّعي أنَّ ذلك صَدَر في حال غَيْبَةٍ له مِنْ غير اختيار. والقسم الثالث: ما تردَّد بين الأمرين، فهذا ينبغي الجَزْمُ بحمله على لمحمَلِ الصَّحيح ولو بالتأويل، بخلاف الذي قبله، فإنَّه يجوزُ أن يكون غير ثابتٍ.
следующие страницы →