← Тараджим

Тараджим · id 17372

الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر

السخاوي

Полный текст (1 240 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

الإفراط في كلٍّ مِنْ ذلك، والذي ينكر ذلك مِنْ غيرِ أهل العلم بالعربية والقراءة يُمْنَعُ ويُردَعُ، فطريقُ مثله أن يوافِقَ الجمهور ولا يخالِفَهم، ولا يتابعُ مَنْ شذَّ منهم عن جماعتهم (١). وأما مَنْ كان مِنْ أهل العلم بذلك. ووضح له دليلُ المسألة، ورجح عنده مسْتَنَدُها، فلا يتوجه عليه شيء مِنْ ذلك، لكن إن انتصبَ لترجيح ذلك، وحمل النَّاس عليه، فإنَّه يمنَعُ، لأن متابعة السَّوادِ الأعظم أولى مِنْ متابعة مَنِ انفرد، واللَّه أعلم. وسئل أيضًا في القراءة بالشاذِّ: هل تحرُم، كما جزم به النوويُّ في كتبه والسبكيُّ في صفة الصلاة مِنْ "شرح المنهاج" وابن الصلاح في "فتاويه"، وكما نقل ابنُ عبد البرِّ الإجماع عليه، ونقل تحريم الصلاة خلف مَنْ يصلِّي بها، كما نقل ابن عبد البر الإجماع عليه، وهل يُعزَّرُ فاعِلُ ذلك، ويجب على الحاكم منعه أم لا، وهل الشَّاذُّ ما زاد على السبع كما جزم به النَّووي في "التبيان"، وهو ظاهر كلام ابن عطية في "تفسيره"، أو ما زاد على العشر كما صحَّحه التاجُ السُّبكي في "جمع الجوامع"، وجزم به ابن الجزري في "منجده"؟ فقال: نعم، تحرُم القراءة بالشَّواذِّ، وفي الصَّلاة أشدُّ، ولا نعرف خلافًا عن أئمة الشَّافعية في تفسير الشَّاذِّ أنَّه ما زاد على العشر، بل منهم مِنْ ضَيَّق، فقال: ما زاد على السَّبع، وهو إطلاقُ الأكثر منهم، ولا ينبغي للحاكم، خصوصًا إذا كان قاضي الشرعِ، أن يتركَ مَنْ يجعل ذلك ديدنه، بل يمنعُه بما يليقُ به، فإن أصرَّ فيما هو أشدُّ مِنْ ذلك، كما فعل السلفُ بالإمام أبي بكر بن شنبوذ، مع جلالته، فإن الاسترسال في ذلك غير مرضيٍّ، وُيثاب أولياء الأمور -أيدهم اللَّه- على ذلك صيانةً لكتابِ اللَّه ، واللَّه أعلم. وكذا كتب مِنَ الشافعية البدر بن الأمانة والونائي والقاياتي والبلقيني،

стр. 912

ومن الحنفية العيني وابن الديري، ومِنَ المالكية الشهابُ بنُ تقي، حسبما نبَّه عليه الشيخ أبو القاسم النُّويري في "القول الجاذ لِمَن قرأ بالشَّاذِّ" مِنْ تصانيفه، رحمة اللَّه عليهم أجمعين. [رواية الحسن البصري عن علي] ومنها: أنه سئل عن قول الحافظ تقي الدين محمد بن الحسن اللخمي ابن الصيرفي، مَنْ قال مِنْ الأئمة: إن الحسن لم يَلْقَ عليًا، أو لم يثبت له سماع منه، فهو مشكل، ولم يَقُمْ عليه دليلٌ ظاهرٌ، وهو معارَضٌ بما رواه الحافظُ أبو يعلى، قال: حدَّثنا أبو عامر حَوْثَرَة بن أشرس العدوي، أخبرني عُقبةُ بن أبي الصَّهباء الباهلي، سمعتُ الحسنَ يقول: سمعتُ عليًّا ﵁ يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَثَلُ أُمَّتي مَثَلُ المطر، لا يُدرَى أوله خيرٌ أو آخره. إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، طوبى للغرباء"، فهو نصُّ صريحٌ في سماعه منه، ورواتُه ثقاةٌ، متَّصلٌ بالإخبار والتحديث والسماع. حوثرةُ وثَّقه أحمد، وهو معروف بالرواية عَنْ عُقبةَ، وعُقبةُ وثَّقه أحمد وابن حبان وابنُ معين، انتهى. هل هو صحيح أم لا؟ فأجاب بما نقلته مِنْ خطه: هذا البحث الذي أبداه الصَّيرفيُّ لا يستقيم على قواعِدِ أئمَّةِ الحديث، وإنما يستقيم على قواعد بعضِ أهل الأصول والفقه، لأنَّ مِنْ قاعدة أئمة لحديث عندَ اختلاف الرواة في التَّنافي، تقديمَ قولِ الأكثر والأحفظ والأعرف بالشيخ الذي وقع الاختلافُ عليه، بأن يكون طويلَ المُلازمة له، إمَّا لقرابته منه، لكونه ولدَه أو أخاه أو مِنْ عصابته أو ذوي رحمه، أو لكونه مِنْ جيرانه، إلى غير ذلك. ونشأ لهم ذلك مِنْ اشتراطهم في الصَّحيح وفي الحسن أن لا يكون شاذًّا بعد أن يعرِفوا الشُّذوذَ الذي يشترط نفيه هنا أن يخالف الراوي في روايته مَنْ هو أرجحُ عندَ مَنْ يَعتبِرُ الجمع بين الروايتين، بخلافِ الفقيه والأصولي الذي أشرت إليه، فإن مِنْ قاعدته تقديمَ مِنْ معه زيادة، فإذا أثبت الراوي عن شيخه شيئًا، فنفاه مَنْ هو أحفظُ منه أو أكثر عددًا أو أكثرُ ملازمةً، قالوا: المثبِتُ مُقدَّم على النافي، فقيل: ومِنْ ثمَّ قال ابن دقيق العيد: إن كثيرًا مِنَ العلل التي يرُدُّ بها

стр. 913

أهلُ الحديث لا يردُ بها الفقيهُ والأصوليُّ الحديث. واحترز بقوله "كثيرًا" عن مَنْ وافقَ المحدِّث في بعض ذلك. وقد نصَّ الشافعي على موافقة أهلِ الحديث في تفسير الشَّاذِّ وفي تقديم الأحفظِ، فقال: ليس الشَّاذُّ أن يروي الثقةُ شيئًا، فينفرد به. الشاذُّ أن يروي شيئًا فيخالِفَ فيه مَنْ هو أرجحُ منه. هذا معنى كلامه. وقال في خبر احتجَّ به عليه بعضُ أصحاب مالك، لأنَّ مالكًا رواه على وفق ما ذهبوا إليه، فقال له الشافعي: خالفه ستةٌ أو سبعةٌ لقيتُهم متَّفقين على خلافِ ما روى مالك، والعدد الكثير أولى بالحفظ مِنَ الواحد، وقرَّره بعض أصحابه بأنَّ ردَّ قولِ الجماعة بقولِ الواحد بعيدٌ، مع أن تطرُّقَ السَّهو إلى الواحد أقربُ مِنْ تطرُّقِه إلى العدد الكثير، ومِنْ ثمَّ اشترط في قبول شهادة المرأة أن يُضم إليها أخرى ليتعاونا على ضبط ما يشهدان به، لأنَّ تطرُّقَ السَّهو إلى المرأة أكثرُ مِنْ تطرُّقه إلى الرجل لنقصها. وقد وافق بعضُ أهلِ الأصول والفقه هذه القاعدة في بعض الصُّوَرِ، وهي ما إذا اتحد مجلس التحديث، كما لو سمع جماعةٌ مِنْ شيخ في مجلسٍ واحدٍ حديثًا، ثم خرجوا مِنْ عنده، فحدثوا بما سمعوه منه، فخالفهم واحد منهم، فأتى بزيادة تُنافي ما اتَّفق عليه الجماعةُ، فإنَّ روايتهم تقدَّمُ على روايته للعلَّة التي تقدَّمت. فإذا تقرّرَ (١) هذا، فالذين جزموا بأن الحسنَ البصريَّ لم يسمع مِنْ عليٍّ لما ثبت عندهم مِنْ أنَّ الحَسَنَ لما كان منشؤه بالمدينة النبوية حتى قتِلَ عثمان ﵁، وله يومئذٍ أربعة عشر عامًا، لم ينقل عنه أنه طلب العلم، ولا تشاغل بسماع الحديث، فلما استخلف عليٌّ ﵁، وخرج مِنَ المدينة إلى العراق بعد ثلاثة أشهر أو نحوها، استمرَّ الحسنُ بالمدينة، ولم يرجع عليٌّ ﵁ إليها، بل استمرَّ مشتغلًا بحربِ الذين خالفوه إلى أن قُتِلَ عليٌّ ﵁ بعد أربع سنين وثمانية أشهر مِنْ أوَّلِ خلافته، فتوجَّه في

стр. 914

ذلك الوقت الحسنُ إلى البصرة، فسكنها واستمرَّ إلى أن مات، إلا أنه حجَّ في أثناء ذلك، وخرج إلى خراسان في خلافة معاوية ﵁ كاتبًا للربيع بن زياد الحارثي حين استخلفه عبد اللَّه بن عامر على خراسان، وكان أميرَها لمعاوية ﵁. ثم رجع الحسنُ إلى البصرة، فأقام بها مشتغلًا بالعبادة والقصص على النَّاس وتعليمهم الأحكام الشرعية، ووَليَ القضاء في خلال ذلك في خلافة عمرَ بن عبد العزيز ﵁ مدَّة يسيرة بالبصرة، ثم ترك ذلك، وأقبل على شأنه حتَّى مات. ومِن حجَّتهم في أنَّه في خلافة عثمان ﵁ لم يكن تصدَّى للاشتغال بالسماع ثم التحديث: أنَّ الجمهورَ أطبقوا على أنه لم يسمع مِنْ أبي هريرة ﵁، مع أنه في تلك المدَّة كان أبو هريرة ﵁ فيها وفيما بعدها قد تصدى للتحديث، حتى انتهت إليه رحلةُ طُلّاب الحديث لتفرُّده عن أقرانه، لكثرة حديثه وطُولِ عُمره، فلو كان الحسنُ يتشاغل بطلب الحديث، لحصل له عن أبي هريرة ﵁ الشَّيءُ الكثير، لإقامتهما بالمدينة تلك المدة. وعلى تقدير التنزُّل، لا يلزَم مِنْ صحة سماعه مِنْ عليٍّ ﵁ لهذا الحديث أنْ يكونَ جميعُ ما نُقِلَ عنه عَنْ علي ﵁ مسموعًا له مِنْ عليٍّ ﵁، لأنه اشتهر عنه أنه كان يرسِلُ عَن مَنْ عاصرَه، سواءً اجتمع به أم لا. ومَن هذا سبيله كان ما يرويه بالعَنعَنَةِ عن مِنْ عاصره أو اجتمع به [إمّا مرسلًا] (١)، وإما مدلسًا. وكذا القول فى كل مَنِ اختلِفَ فيه ممن روى عنه، هل سمع منه أم لا، كأبي هريرة ﵁، والعلم عند اللَّه تعالى. [خرقة التصوف] ومنها أنه سئل عن حديث الخرقة، وما لذلك مِنَ الطُّرق، فقال: إن ذلك ما لم أتشاغل به قطُّ، لتحقُّق بُطلان كلِّ ما ورد في ذلك.

стр. 915

[الشيخ عبد القادر الكيلاني] ومنها أنه سئل عما قاله الحافظ ابن رجب في "طبقات الحنابلة" أنه قد جمع أبو الحسن المُقرىء الشَّطنوفي المصري في أخبار الشَّيخ -[يعني عبد القادر الكيلاني] (١) - ومناقبه ثلاث مجلدات، [وهي المسماة بالبهجة] (٢)، وقد رأيتُ بعضَ هذا الكتاب، ولا يطيبُ على قلبي أن أعتمِدَ على شيء ممَّا فيه، فأنقلَ منه، إلا ما كان مشهورًا معروفًا مِنْ غيره، وذلك لكثرة ما فيه مِنَ الرواية عن المجهول، وفيه مِنَ الشُّطح والطامات والدعاوى والكلامِ الباطلِ ما لا يُحصى، ولا يجوزُ نسبة مثل ذلك إلى الشيخ عبد القادر. قال: ثمَّ وجدتُ الكمالَ جعفر الأدفوي ذكر أنَّ الشطنوفي نفسه كان متَّهمًا فيما يحكيه في هذا الكتاب بعينه. انتهى. وعن معنى قول الشيخ: قدمي هذه على رقبة كل وليٍّ للَّه. فأجاب بما نصُّه: أما ما يتعلَّق بالبهجة، فقد طالعتُ أكثرها، فما رأيتُ الأمرَ كما ذكره الحافظُ ابن رجب على إطلاقه، بل هي مشتملة على أقسام: القسم الأول: ما لا منابذةَ لقاعدةِ الشَّريعة فيه بحسب الظَّاهر، بل جائزٌ شرعًا وعقلًا، وهذا معظم الكتاب، فإنَّ ظهورَ الخوارق على البشر واقعة في الوجود، ولا ينكِرها إلا معانِدٌ. القسم الثاني: منابِذٌ لقوانين الشَّريعة في الطاهر، فإن أمكن حملُه بالتَّأويلِ على أمر شائع فذاك، وإلا فينبغي في اجتنابه وتحسين الظَّنِّ بقائله يحتاجُ إلى أن يدَّعي أنَّ ذلك صَدَر في حال غَيْبَةٍ له مِنْ غير اختيار. والقسم الثالث: ما تردَّد بين الأمرين، فهذا ينبغي الجَزْمُ بحمله على لمحمَلِ الصَّحيح ولو بالتأويل، بخلاف الذي قبله، فإنَّه يجوزُ أن يكون غير ثابتٍ.

стр. 916

ولا شكَّ أنه مَنْ ليست له بصيرةٌ بنقد الرواة (١) ثمَّ قصد الإكثار، فإنَّه يصير حاطِبَ ليل يجمع الغثَّ والسَّمينَ وهو لا يدري، وهذا حال جامع "البهجة". وقد ذكر أئمتنا لما يظهر مِنَ الخوارق ضابطًا يتميز به المقبولُ مِنَ المردود، فقالوا: إن كان الواقع ذلك له أو منه على المنهاج المستقيم، فهي كرامةٌ، كالشَّيخ عبد القادر، فقد قال شيخ الإسلام عز الدين بنُ عبد السلام: ما وصلت إلينا كرامةُ أحد بطريق التَّواتُر مثلما وصلت إلينا كرامات الشيخ عبد القادر. روينا هذا الكلام عنه بمعناه بسندٍ صحيح عن الحافظ شرف الدين علي بن محمد اليونيني أنَّه سمع ابنَ عبد السلام يقوله. وفي رواية للذهبي عنه، قيل له: مع ما عرفَ مِنَ اعتقاده -يعني مِنْ المسائل التي تخالِفُ فيها الحنابلة، والشيخ منهم- الأشاعرةَ، وابنُ عبد السلام منهم، فقال: نعم، إذ لازمُ المذهب ليس بلازم، وإن كانت الواقعة منه أوَّلَه على الوجه المباين للشَّريعة المطهَّرة، فليست فيها دلالة على الولاية ولا كرامة، فهذا هو الحدُّ الفارقُ بين الكرامة الدالَّة على الولاية والخارق الذي لا يدلُّ عليها، بل ربما دلَّ على ضدِّها كما يظهر في كثيرٍ مِنْ أحوال المبتدعة المتمسكين بما يُباين الأمور الشرعية، فإنها أحوالٌ شيطانيَّة لا يغتر بها إلَّا الجَهَلَةُ، وربَّما ظهرت مِنْ أُناس في حال غَيْبَتِهم وذهولِهم، وهو على قسمين: مَنْ كان قبلَ ذلك على المَنْهَج القويم، فتلك كرامةٌ، ولكن لا يُقتدى بأقوال مِنْ هذا سبيلُه ولا بأفعاله، بل يعذر على ما يصدر منه لكونه في حال غَيْبَةِ عقله الذي هو مناطُ التَّكليف. والأوْلَى منعُ جَهَلَةِ العامَّة مِنْ ملازمة مثل هذا، لئلا يظنُّوا أنَّ الذي يصدُر منه في حال غيبته هو الحق فيقتدوا به، ومِنْ هُنا ضلَّ كثيرٌ منهم، وباللَّه التوفيق. وإذا عرف ذلك، فالشيخُ عبد القادر لم يكن مِنْ هؤلاء، بل كان

стр. 917

حاضر الحِسّ، يتمسَّكُ بقوانين الشرع ويدعو إليها، وينفر مِنْ مخالفتها، ويشغل الناسَ فيها مع تمسُّكه بالعبادة والمجاهدة، ومزج ذلك بمخالطة الشاغل غالبًا عنها، كالأزواج والأولاد. ومَنْ كان هذا سبيلُه، كان أكملَ مِنْ غيره، لأنَّها صفةُ صاحبِ الشريعة. ومن هنا قال تلك الكلمة المشهورة، لأنَّه لا يعرف في عصره مَنْ كان يساويه في الجمع بين هذه الكمالات. وإذا تقرَّر هذا، فلا يضر ما وقع في هذه "البهجة" ممَّا نُسِبَ إليه، لأنَّه إن كان على قانون الشريعة، فنسبتُه إليه جائزة، وما عدا ذلك، إن كان ثابتًا عنه، حمل على أنه صدر عنه في حال غَيْبَةٍ ما، وإن كانت أحواله الغالبة، لم يكن له فيها غيبة. وان لم يكن ثابتًا، فالعُهْدَة على ناقله، والغرضُ تعظيمُ شأنه، وهو بلا شك يستحقُّ التعظيم. واللَّه يهدي مَنْ يشاء إلى صراط مستقيم. ومنها: هل ورد عن الشيخ عبد القادر أنَّه حضر السَّماعَ الذي اتَّخذه الفُقراء بالدُّفوف والمواصيل وغيرها مِنْ الآلات، أو أمر بحضوره أو قال فيه شيئًا بإباحةٍ أو تحريمٍ؟ فأجاب: أمَّا الشَّيخ عبدُ القادر، فالذي وصل إلينا مِنْ أخباره الصَّحيحة أنه كان فقيهًا زاهدًا عابدًا، يتكلم على الناس ويرغِّبُهم في الزهد والتوبة، ويحذرهم مِنْ العقوبة على المعصية، فكان يتوب على يديه مِنَ الخلق مَنْ لا يُحصى كثرةً، وله كرامات مستفيضةٌ لم تنقَل لنا عَنْ أحدٍ مِنْ أهل عصره، ولا مِنْ بعدِه أكثر مما نُقِلَ عنه، ولا أعرف عنه في مسألة السماع بهذه الآلات شيئًا. [حديث ازهد في الدنيا يحبك اللَّه] ومنها أنه سئل عن حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁: جاء رجلٌ إلى النَّبي ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه، دُلَّني على عمل إذا عملته أحبَّني اللَّه تعالى وأحبني الناس. قال ﷺ : "ازهد في الدنيا. . . " الحديث. هل هو حسنٌ كما قاله النووي، بل قال: أسانيده حسنة، أو ضعيفٌ كما

стр. 918

قاله ابنُ رجب (١)، محتجًّا بأنَّ فيه خالد بن عمرو القرشي؟ فأجاب: أمَّا قولُ الشَّيخ: إنه حديث حسن، فلعلَّه اعتضدَ عنده بطُرقه الموصولة والمنقطعة، لأن مخارجها مختلفة، ولأنه أيضًا مِنْ فضائلِ الأعمال، ولكثرة شواهد الركن الأول في الكتاب والسنة وأقوال السلف، وكذا الركن الثاني، ويزداد بشاهدِ الحسن والتجربة. وأما قولُه: بأسانيدَ حسنةٍ، ففيه نظر، لأن ظاهره أنَّ كلَّ إسنادٍ منها على انفراده حَسَنٌ، وليس كذلك، لأنَّه ما مِنْ إسناد منها إلا وفيه رواةٌ لا يوصَفُ حديث كل منهم بالحسن مع الانفراد، فيحمَل قوله: على أن كلَّ واحد منها يُوصَف بالحسن لا لدلالته (٢)، بل باعتبار الصُّورة المجموعة [التي حملت كلامهُ أولًا عليها، وهذه عناية به، وإلا فإنه هو لم يلتزم هذه الطريقة] (٣)، في حديث "مَنْ حفِظَ على أمَّتي أربعين حديثًا". وقد أجاد ابنُ رجب في جَمْعِ طُرقه، وفاته أنَّ الحاكم أخرج الحديث مِنْ طريق خالد بن عمرو الذي أخرجه ابن ماجه مِنْ طريقه، وقال: صحيحُ الإسناد، وتعقَّبه الذهبي في "تلخيص المستدرك"، فقال: خالدُ بن عمرو وضَّاع. ومما تعقب به كلام ابن رجب: ما نقله عن ابن عدي وأقرَّه أن زافر بن سليمان رواه عن محمد بن عيينة، عن أبي حازم، عن ابن عمر ﵄، فإنَّ فيه تساهلًا، لأن الحديث الذي رواه [مِنْ طريق] (٤) زافر غير الحديث المسؤول عنه، وقد بين ذلك الحاكمُ، فأخرج في "المستدرك" أيضًا مِنْ طريق زافر، عن محمد، عن أبي حازم، وقال مرَّة: عن ابن عمر ﵄، وقال مرَّةً: عن سهل بن سعد ﵁، قال: "جاء جبريل ﵇ إلى النبي ﷺ ، فقال: يا محمد، عِشْ

стр. 919

ما شئتَ فإنَّك ميِّتٌ، وأحبب مِنْ شئت (١) فإنَّك مفارِقُه، واعمل ما شئت فإنك مَجْزِيٌّ به. ثم قال: يا محمد، شَرَفُ المؤمن قيام الليل، وعِزُّه استغناؤُه عَنِ النَّاس". وقال: صحيح الإسناد. كذا قال: ولم يتعقَّبه الذهبي، فغفَل عنه، فإنَّ سنده ضعيف، واللَّه أعلم. ومنها أنه سئل عن كيفية الخطوة الواحدة وهيئتها التي ذكر الفقها أنَّها إذا توالت ثلاثًا أبطلتِ الصلاة هل هي مجرد نقلِ القدم الواحد مِنْ محلٍّ لمحلٍّ آخر، إما أمامه أو خلفه أو عن يمينه أو شماله، أو هي نقل كلا القدمين واحدةً بعد أخرى، وتُعَدُّ هذه خطوةً واحدةً؟ وعن قوله تعالى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، هل الولد مِنْ سَعْي أبويه، ويدخل في الآية الشريفة، أو هو مختَصٌّ بالأب دون الأم، أم كَيف الحال؟ وإذا كان الأمرُ كما ذكر ولا ينفع الإنسان إلا ما كان مِنْ سعيه، فما قولُكم في صدقة الأجنبيِّ ودعائه وفعلِه الخيرَ عَنِ الميّت. [هيئة الخطوة المفسدة للصلاة] فأجاب: أما الخطوة الواحدة، فحقيقتُها نقلُ القدم مِنْ مكانها إلى مكانٍ آخر، ثم نقل القدم الأخرى إلى محاذاة أختها، ولا تُشْتَرَطُ المحاذاةُ، بل لو انتقلت إلى دون الأخرى أو فوقها لم تخرُج عَنْ كونها خطوةً، إلا إذا أراد النقلَ إلى ما يسمَّى خطوة، فإنها تصير خطوتين. [تفسير قوله تعالي: وأن ليس للإنسان إلا ما سعى] وأما تفسير الآية، فاختلفوا فيه على أقوال: أحدها: أن الحكم المذكورَ منسوخٌ، والناسخ قوله تعالى في الذين آمنوا ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١].

стр. 920

ثانيها: أنَّ هذا إنما كان لقول إبراهيم وموسى، وأمَّا هذه الأمَّةُ، فلهم سعيهم سعي غيرهم، بدليل حديث التي سألت عن حجِّ الصبي، فقال: "ولك أجرٌ"، وللحديث الآخر: إنَّ أمِّي ماتت، فهل لها أجرٌ إن تصدَّقتُ عنها؟ قال: "نعم، ولكِ أجرٌ"، والحديثان صحيحان. ثالثها: المراد بالإنسان: الكافر، فإنه يُثاب بما عمل مِنْ خيرٍ في الدُّنيا ولا يلحقه مِنْ ثوابُ غيره شيء. رابعها: نزلت في خاصٍّ مِنَ الناس، وهو عبد اللَّه بن أُبَيٍّ في إعطاء النبي ﷺ (ولده) (١) قميصه ليكفنه فيه، فكان ذلك في مقابلة أنَّه كسا العبَّاسَ عمَّ النبيِّ ﷺ قميصًا. خامسها: ليس للآدمي إلَّا ما سعى مِنْ طريق العَدْلِ، وأما مِنْ طريق الفَضْلِ، فيعطيه اللَّه تعالى مِنْ ذلك ما شاء اللَّه. سادسها: أن اللام بمعنى على، فلا يؤاخَذُ بجريرةِ غيرِه، ويلحقُه ثوابُ سَعْي غيره بشرطه. سابعها: الآية على ظاهرها، لكن السَّعيَ تارةً بنفسه وتارةً بغيره، فهو السَّببُ في ذلك، كأن يسعى في إقامة أمر الدِّين، فيحبُّه أهلُ الدِّين، فيدعون له، فيحصُلُ له سببُ المحبَّة، وهو ما سعى فيها بالإحياء له، وإنَّما حصل له بواسطة. ثامنها: معنى (سعى): (نوى). وأرجحها فيما يظهر لي خامسها، واللَّه أعلم بالصواب. [توثيق الإمام أبي حنيفة] ومنها ما سئل عمَّا ذكره النَّسائي في "الضُّعفاء والمتروكين" عن أبي حنيفة ﵁ مِنْ أنَّه ليس يقوى في الحديث، وهو كثيرُ الغلط

стр. 921

والخطأ على قِلَّة روايته، هل هو صحيحٌ، وهل وافقه على هذا أحدٌ مِنْ أئمة المحدِّثين أم لا؟ فأجاب بما قرأتُه مِنْ خطِّه: النَّسائي مِنْ أئمة الحديث، والذي قاله إنما هو بحسب ما ظهرَ له وأدَّاه إليه اجتهاده، وليس كل أحدٍ يُؤْخَذُ بجميع قوله. وقد وافقَ النَّسائيَّ على مطلق القول في الإمام جماعةٌ مِنَ المحدِّثين، واستوعبَ الخطيبُ في ترجمته مِنْ "تاريخه" أقاويلَهم، وفيها ما يُقْبَلُ وما يُرَدُّ. وقد اعتُذِرَ عَنِ الإمام بأنه كان يرى أنَّه لا يحدث إلا بما حفظه منذُ سمعه إلى أنْ أدَّاه، فلهذا قلت الزواية عنه، وصارت روايته قليلةً بالنسبة لذلك، وإلا فهو في نفس الأمر كثير الرواية. وفي الجملة، تَرْكُ الخَوْضِ في مثل هذا أولى، فإنَّ الإمامَ وأمثالَه ممَّن قفزوا القَنْطَرَة، فما صار يُؤَثِّرُ في أحد منهم قولُ أحدٍ، بل هم في الدرجة التي رفعهم اللَّه تعالى إليها مِنْ كونهم متبوعين مقتدى بهم، فليُعتَمَدْ هذا، واللَّه ولي التوفيق. ومنها ما سئل عن معنى قوله تعالى: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ [ آل عمران: ١٢٥]. وهل كان له ﷺ عَذَبَةٌ؟ فإنه نقِلَ عَنِ المجد الشِّيرازي في كتابه "منح الباري في شرح البخاري" أنه كان للنبيِّ ﷺ عَذَبَةٌ طويلةٌ نازلةٌ بين كتفيه، وتارةً على كتفه، وأنه ما فارق العَذَبَة قط. ونُقِلَ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "خالفُوا اليهود، ولا تُصمِّمُوا، فإن تصميم العمائم مِنْ زيِّ أهل الكتاب"، ونقل أيضًا أنه قال: "أعوذ باللَّه مِنْ عمامةٍ صمَّاء"، فهل هذا صحيح أم لا؟ [معنى قوله تعالي ﴿مُسَوِّمِينَ﴾] فأجاب: أما معنى قوله تعالى: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ فمعلَّمين على الأرجح. قال الماوردي: قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو بكسر الواو، أي أنهم سَوَّمُوا خيلَهم بعلامةٍ، وقرأ الباقون بفتحها، أي أنها سائمة.

стр. 922

وعلى الأول، فاختُلِفَ في التَّسويم على قولين: أحدهما: أنها كانت بالصُّوف في نواصي الخيل وأذنابها. قاله ابن عباس وجماعة. والثاني: أنَّها عمائم صُفْرٌ، ونقل القرطبي أنها كانت مرخاةً بين أكتافِهم. وروى الطَّبري مِنْ حديث أبي أُسَيْد السَّاعدي ﵁، وكان بدريًا، قال: خرجت الملائكةُ يومَ بدرٍ في عمائمَ صُفْرٍ طرحوها بين أكتافهم. وإسناده حسن. ثم قال: فالعلامة هي العمائم الصُّفْرُ المرخاة بين الكتفين، فثبتت مشروعية العذبة بذلك. وأما ما نقله الشيخ مجد الدين فقوله: طويلة وبين كتفيه ونازلة على كتفه، لم أره، لكن في "الطبراني"، وهو في "المختارة" للضياء القدسي مِنْ طريقه، عن عبد اللَّه بن بُسْرٍ ﵁، قال: بعث رسول اللَّه ﷺ عليًا ﵁ إلى خيبر، فعمَّمَه بعمامةٍ سوداء، ثم أرسلها مِنْ ورائه، أو قال: على كتفه. إسناده حسن. وأما قوله: ما فارق العذبةَ قط، يرده ما قال صاحبُ "الهدي" أنه كان تارةً يعتَّم بعذبةٍ وتارةً بغيرِ عذَبَةٍ. وأما حديث "لا تصمموا" و"عمامة صماء"، فلم أقف لهما على أصل. واعلم أن مَنْ فعلَ العذبةَ اقتداءً بالنبي ﷺ كان مأجورًا، ومَنْ فعلها تكبُّرًا ومشيخة فهو حرامٌ، واللَّه أعلم. [السيدة نفيسة بنت الحسن والإمام الشافعي] ومنها أنَّه سُئِلَ عَن صحَّة ما يُحكى مِنْ أنَّ السيدة المشهورة نفيسة ابنة

стр. 923

الحسن ﵂ صنعت وليمةً دعت الإمام الشافعي إليها فحضرها، وأنَّها دخلت مصرَ قبل دُخول الشَّافعي إليها، وأنَّها في هذا القبر مِنْ حين وفاتها سنة ثمان ومائتين إلى هلمَّ جرا. فأجاب ما نصه: حضُور الإمام الوليمة عندها لا أعرفه، بل ورد أنَّ الشافعي لما مات مروا بجنازته عليها، فصلَّت عليه، ولم يثبُت هذا أيضًا. وأما كونها قُبِرَت إلى آخره، فهو المشهورُ، لكن ذكَرَ بعضُ أهلِ المعرفة أن خُصوصَ هذا القبر الذي يُزارُ ليس هو قبرها، لكنها دُفِنَتْ في تلك البقعة بالاتفاق، وما زال قبرُها مقصودًا بالزيارة والتبرك به، حتى اشتهر عَنْ نقل بعض العلماء أن المصريين كانوا يُسَمونَ الدعاء عندها الترياقَ المجرَّبَ! وقد غلا في ذلك بعضُ العوامِّ، بل كلهم، حتى إن بعضهم يقع في الكفر وهو لا يشعُرُ، واللَّه المستعان. [ترجمة السيدة نفيسة] وقد قرأت بخط صاحب الترجمة ترجمتها، ونص ذلك: نفيسة ابنة الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب. كان لأبيها الحسن مِنْ الولد: القاسم ومحمد وعبد اللَّه ويحيى وأم كلثوم ونفيسة. أمُّهم زينب أم سلمة ابنة الحسن بن الحسن بن علي. وعلي وإبراهيم وزيد أمهم أم ولد، وإسماعيل وإسحاق أمها أمُّ ولدٍ أخرى. وتزوجت نفيسةُ قريبها إسحاق بن جعفرٍ الصَّادق بن محمد بن علي بن الحُسين بن علي، فولدت منه القاسم وأم كلثوم، وقَدِمَ بها مصر، فنزلت بالممصوصة التي تُعرف الآن بالمصاصة، وبجانبها قومٌ مِنْ أهل الذمة لهم بنت مُقْعَدةٌ، فدخلوا إلى السيدة نفيسة، ثم ذهبوا لحاجة لهم وتركوا البنت عندها، فتوضأت نفيسةُ وصبَّت مِنْ فضل وضوئها على البنت، فقامت في الحال تسعى على قدمَيْها، ولم تكن مشت قطُّ، فلما جاء أهلها رأوُا ابنتَهم على تلك الحالة سألوها، فأخبرتهم ما صنعت الستُّ نفيسة، فأسلموا أجمعون على يدها، وشاع هذا الخبرُ بمصرَ، فقصدوها للتبرك والزيارة، واشتهر أمرُها.

стр. 924

ويقال: إنَّ النيل توقَّف، فأرسلت بقناعها وأمرتهم أن يلقوه في النيل ويحضروه إليها، فزاد في الحال إلى أن وفَّى الغرض وزيادة. ولما قدم الشافعي مصر، وُصِفَتْ له، فتوجه هو وعبد اللَّه بن عبد الحكم لزيارتها، وسألاها الدعاء، فلما مات أمرتهم أن يحضروا بجنازته إليها، فصلَّت عليه. وكراماتُها كثيرةٌ جدًا، وقد اشتهر أمرُها في الآفاق، حتى إن أهلَ الحجاز يغبِطُون أهلَ مصر بوجودها عندهم. وماتت في رمضان سنة ثمان ومائتين. ويقال: إنَّها حفرت قبرَها، وقرأت فيه ستَّة آلاف ختمة، وآخر ما قرأت فيه: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ١٢]، وخرجت روحُها فيه. انتهى. [قبر الحسين] ومنها أنه سئل عن المكان المنسوب لدفن الحسين ﵁ بالقاهرة، أهو كذلك؟ فقال: الحسينُ ﵇ ليس مدفونًا في هذا المكان الذي بالقاهرة بالاتفاق، وإنما رأسه فيما ذكر بعضُ المصريين، ونفاه بعضهم. [بدع القرّاء] ومنها أنه سئل عن مِنْ قرأ شيئًا مِنَ القرآن، وقال في دعائه: اللهمَّ اجعل ثواب ما قرأته، أو مثل ثواب ما قرأته زيادة في شرف سيدنا رسول اللَّه ﷺ ، فما معنى الزيادة مع كماله؟ فأجاب: هذا مخترع مِنْ متأخري القراء، لا أعرف لهم سلفًا فيه، ولكن ليس هو بمحال كما تخيله السائل، فقد ورد في رؤية الكعبة: "اللهم رد هذا البيتَ تشريفًا وتعظيمًا. . . " إلى آخره. فلعلَّ المخترع المذكور قاسه على ذلك، وكأنَّه لحظ أنَّ معنى طلب الزيادة أن يتقبَّل قراءته فيثيبه عليها. وإذا أُثيبَ أحدٌ مِنَ الأمة على فِعلِ طاعة مِنَ الطاعات، كان للذي علَّمَه نظيرُ

стр. 925

أجره، وللمعلِّم الأول -وهو الشَّارع ﷺ نظير جميعِ ذلك. فهذا معنى الزيادة في شرفه، وإن كان شرفه مستقرًا حاصلًا. وإذا عرف هذا، عرف أن معنى قول الداعي: اجعل مثلَ ثواب تقبُّلِ هذه القراءة، ليحصل مثلُ ذلك للنبي ﷺ . وأما قولُه: اجعل ثواب ذلك، بغير لفظ "مثل"، فله أصلٌ، وهو الحديث المرويُّ عن أُبَيِّ بن كعب، ففيه: أجْعَلُ لك صلاتي كلَّها؟ قال ﷺ : "إذًا تُكفى همَّك". وقد قيل: إنَّ المراد بالصلاة هُنا الدُّعاء، وقيل: الصلاةُ حقيقةً، والمرادُ: نفسُ ثوابِها، أو: مثلُ ثوابها. واللَّه أعلم. [حكم الغلط في النسخ] ومنها أنه سُئِلَ عن ناسخٍ متحفظٍ مِنَ الغلط له مخالطةٌ بالفقهاء، غير أنَّه لم يقرأ العربية، فهل يحرُم عليه التلفظ بالحديث أو نسخه أم لا؟ فأجاب: لا يحرُم عليه ذلك، ولا يُشتَرَطُ على النَّاسخ أن يعرِفَ النَّحو، بل إذا كان ينقُلُ ما يجده مِنْ غيرِ زيادةٍ ولا نُقصان، جاز له ذلك، ولو قدر أنَّه غلط في بعض الأحيان، لم يُؤاخَذْ بذلك، لأن النسيان جائزٌ على كلِّ إنسان، واللَّه المستعان. وقد صرح العلماء بمشروعية المقابلة بعد النسخ والتحريض عليها، لجواز وقُوع السَّهو، ولو كان النَّاسخ يعرف العربية، فليس بمعصومٍ مِنَ الخطأ، وإن كان العارفُ أولى مِنْ غيرِ العارف، واللَّه أعلم. [الاعتراض علي القاضي عياض] ومنها أنه سئل عن مَنِ اعترضَ على القاضي عياض، حيث قال في "الشفا": (وأما تواضُعه ﷺ على عُلوِّ منصبه، فكان أشدَّ النَّاس تواضعًا وأقلَّهم كِبْرًا). فإنَّه ﷺ منْتَفٍ عنه الكِبْرُ أصلًا ورأسًا. وصار هذا المعترِض يتتبَّعُ نُسَخَ "الشفا" فيمحو ذلك منها. أهو مصيب؟ فأجاب: الاعتراضُ باطلٌ، لأنَّ العُلماء قد تكلَّموا على الحديث الذي

стр. 926

رواه النسائي عن عبد اللَّه بن أبي أوفى ﵁، قال: كانَ رسولُ اللَّه ﷺ يكثر الذِّكرَ ويقلُّ اللَّغوَ. الحديث. فقالوا: قول الراوي: يُقِلُّ اللَّغْوَ، أي: لا يلغُو أصلًا. فال ابن الأثير في "النهاية" مادة (قلل): ومنه الحديث أنه كان يقلُّ اللَّغْوَ، أي لا يلغو أصلًا، وهذه اللفظة قد تُسْتَعْمَلُ في نفي الشَّيء، كقوله تعالى: ﴿قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤١]. فالمعنى في كلام القاضي حينئذٍ: أنه كان قليلَ الكِبْر، أي لا يقعُ منه أصلًا، كما قيل ذلك في الحديث، وليس في ذكره ذلك بأفعلَ التَّفضيل ما يقتضي مشاركة الناس في الكبر، لأن أفعلَ التَّفضيل قد تخرجُ عَنِ المشاركة كما في قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]، [ولا خيريَّة في مستقرِّ النار ولا حُسْنَ في مقيلها] (١). وقد وقع مثل ذلك في الحديث المتَّفق عليه مِنْ حديث سعد بن أبي وقاص ﵁: استأذن عمرُ ﵁ على رسول اللَّه ﷺ وعنده نِسْوَةٌ. . . الحديث. وفيه: "أنت أقطُّ وأغلط". فقال النَّووي في "شرح مسلم": قال العلماء: ليست لفظة أفعل هنا للمفاضلة، بل هي بمعنى: قط غليظ. ثم نقل عَنِ القاضي عياض، قال: قد صحَّ حملُها على المفاضلة، وأنَّ القدر الذي منها في النَّبيِّ ﷺ هو ما كان في إغلاظه على الكافرين والمنافقين، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣ والتحريم: ٩]، وكما كان يُغْلِظُ عليهم ويغضَبُ عند انتهاك حرمات اللَّه. انتهى. فحينئذٍ قولُ القاضي: (وأقلَّهم كبرًا)، بمعنى انتفى الكِبْرِ عنه البَتَّةَ، كما تقدَّم، وقد يُؤوَّلُ على شدَّته على الكُفَّارِ والمنافقين كما في الذي قبله، لأنَّ تواضُعَه ورأفتَه ورحمَتَه كانت بالمؤمنين، كما في قوله تعالى ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].

стр. 927

وقوله في "الصحيح": "إنَّه في التَّوراة ليس بفظٍّ ولا غليظ"، معناه: على المؤمنين، ونظيره قوله تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]، فمعنى ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]، أي: عاطفين عليه. ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ أي متكبرين عليه، يغازونهم ويعادونهم. ولا يجوز إتلاف نسخ "الشفا"، واللَّه أعلم. قلت: وقد استدرك القاضي عز الدين الحنبلي على هذا الجواب في موضعين: أحدهما: عند قوله: ولا خيريَّة في مستقرِّ النار ولا حُسْنَ في مقيلها، فقال: إذا كانت الأعرافُ منزلةً لا عِقابَ فيها، فأفعلُ في قوله: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] على بابها. ثانيهما: عند قوله: وقد يُؤوَّلُ على شدَّته على الكفار والمنافقين. فقال: تأويلُه الغلظة بكونها على الكفار فيه شيء، وذلك أنَّ غلظة النبي ﷺ على الكفَّار كانت أشدَّ مِنْ عمرَ بلا شكٍّ ولا ريب. انتهى. وكذا كانت تَرِدُ عليه الأسئلة مِنْ بلاد المغرب. وممَّن كان يكاتبُه في ذلك محدِّثُ تونس أبو عبد اللَّه محمد بن محمد بن محمد بن القمَّاح، كما استفدتُ ذلك مِنْ ترجمته مِنْ "الإنباء" في سنة سبع وثلاثين وثمانمائة، حيث قال صاحب الترجمة: وكاتبني مرارًا بمكاتبات تدل على شدَّةِ عنايته بذلك، يعني بالحديث، ولكن بقدر طاقته في البلاد. وكذا ورَدَتْ عليه أسئلةٌ كثيرة مِنْ ثَغْرِ الإسكندرية نظمًا ونثرًا مِنْ شيخ القرَّاءِ الشهاب أحمدَ بن محمَّد بن عمر بن هاشم الصَّنهاجي، وذكر لي ولدُه أنَّ عنده مِنْ ذلك جملةً. وأمَّا ما قصدته مِنْ إيرإد شرذمَةٍ مِنْ كلامه في العلوم بتنويعها، ونُبذَةٍ مِنَ اختياراته التي ترجَّحَ عنده الدَّليل فيها (١)، فلم يتيسر لي الآن كثيرُ أمر

стр. 928

أثبته فيه، لغيبة كتبي واشتغالي بما يضيقُ الوقتُ عن الانتقال لغيره ممَّا لو شرحتُ الأمرَ فيه لطال، لكنِّي أقول: أمَّا كلامُه في العلوم، فقد أسلفتُ التَّنبيه على متانَةِ كلامِه في التَّفسير، ومزيدِ حُسْنِ نظره فيه، وأنَّ بعضَ طلبته كتبَ عنه شيئًا مِنْ ذلك، ويُؤخَذ ممَّا سلف كلامه في فنِّ القراءات، مع أنه كتب بخطِّه في وقتٍ على سبيل التواضُع ما نصُّه: وبضاعتي في هذا الفنِّ مُزْجَاة. وقرَّرتُ أنَّ الإجماع قد انعقد على تقدُّمه في فُنونِ الأثر، وانفراده بذلك جملة وتفصيلًا. [شروط العمل بالحديث الضعيف] ومِنْ فوائده التى كتبها لى بخطِّه بعد تقرير ذلك بلفظه: إنَّ شرائط العمل بالضعيف ثلاثة: الأول: متَّفَقٌ عليه أن يكون الضَّعف (١) غيرَ شديدٍ، فيخرج مَنِ انفرد مِنَ الكذَّابين والمتَّهمين بالكذب ومن فحش غلطه. الثاني: أن يكون مندرجًا تحت أصل عام، فيخرج ما يخترع، بحيث لا يكون له أصلٌ أصلًا. الثالث: أن لا يعتقد عند العمل به ثُبوته، لئلَّا يُنسَبَ إلى النَّبيِّ ﷺ ما لم يقُلْهُ. والأخيران عنِ ابنِ عبد السَّلام وعن صاحبه ابن دقيق العيد، والأول نقلَ العلائيُّ الاتِّفاق عليه. وأما الفقه: فقد بينا أنه كان فقيه النَّفس، وكتبنا جملةً مِنْ كلامه فيه اغتناءٌ عن إيرادِ شيء هنا. وقد قرىء عليه مرَّةً في "شرح الحاوي" لشيخه ابن الملقن تقسيمًا،

стр. 929

فكان فيه أمرًا عجبًا، وكذا قرأ عليه الشيخُ شهابُ الدِّين بن أسد في "العجالة" "شرح المنهاج" لشيخه ابن الملقِّن أيضًا. ومن قبل ذلك قسم "المنهاج" بالمدرسة المنكوتمرية، وكان أحدَ القُرَّاء فيه الشريف النقيب جلال الدين الجرواني. [ورأيت القاضي برهان الدين بن ظهيرة المكي يرجِّحُ دروسه الفقهية التي أخذها عنه سنة خمسين على دروس غيره ممن أخذ عنه، خصوصًا إذا طالع. وهذا لا يتوقَّفُ فيه إلا مِنْ لم يُكْثِرْ مِنْ مخالطته، أو غلب عليه الهوى، "فحبُّك الشَّيءَ يُعمي ويُصِمُّ"] (١). وأما أصول الفقه: ففيما كتبه على "جمع الجوامع" مَقْنَعٌ عن إثبات شيء منه هُنا، ولوفور جلالته فيه، التمس منه صاحبُنا الشيخُ شهاب الدين البيجوري قراءة شيءٍ مِنْ كتبه عليه، فقال له على سبيل التواضع أيضًا: قُصارى أمري أن أتفرغ للقيام بما يُقال إنَّني أعرفُه، وهو الحديث. ثم إنَّه كان يحكي عَنْ بعضهم أنَّه كان يقرأ على العلَّامة عز الدين ابن جماعة في فُنون الحديث، وعلى العلامة الحافظ وليّ الدين ابن العراقي في أُصول الفقه، وكان يقال (٢): لو عكس لكان أولى. قلت: ونحوه قراءة الشيخ سيف الدين الحنفي لشرح "ألفية" (٣) العراقي على القاضي محب الدين البغدادي الحنبلي، وتركُه أخذه له عَنْ صاحب الترجمة، بل وعن فقيه مذهبه السراج قارىء الهداية، فإنَّه كان يُقرئه أيضًا. هذا مع كون المحبِّ لم يأخُذْه عَنْ مؤلفه. وكذا التمس منه الشهاب المذكور قراءة شرحه للأبيات العروضية، وما علمت هل قرأ أم لا؟

стр. 930

وأما أصول الدين: فتعلم كلامه فيه مِنْ كتاب الإيمان والتوحيد مِنْ "فتح الباري" له، وتقريره لمذهب السُّنة أحسنَ تقرير، والرد على مخالفيها، وفي أواخر الأجوبة (١) المنظومة مِنْ الفصل الخامس، وكذا في مسألة الظَّالم عدلُ اللَّه مِنَ الأجوبة القاهرية مِنْ الفصل السابع شيء منه. وكذا يعلم مِنْ "فتح الباري" كلامه في اللُّغة والنَّحو وسائر ما تقدَّم، مع أنَّ في آخرِ مسألةٍ مِنَ الأجوبة القاهرية التعرُّض لشيء مِنَ العربية. وقرأت بخطه: قال أبو حامد بن السبكي: حديث "مَنْ أكلَ البصل والثُّوم والكُرَّاثَ، فلا يقربنَّ مسجدنا"، فيه استعمال الواو بمعنى "أو"، وهو عزيزُ المثال، فقال شيخنا: وجدت له مثالًا، وهو الحديث الذي أخرجه أبو يعلى وابن السُّنِّي مِنْ طريق عبد الملك بن زُرارة، عَنْ أنس، رفعه: "ما أنعم اللَّه على عبد نِعْمَةً في أهلٍ ومالٍ وولدٍ، فقال: ما شاء اللَّه لا قوة إلا باللَّه. . . " الحديث. انتهى. [ولما أُنْشدتْ بينَ يديه أبياتَ القُطْب بن عبد القوي المكيِّ التي امتدحه بها، وفيها: (تمنِّي عنان الأعوجي)، سأل مَنْ عنده عن الأعوجي: ما هو فسكتوا بأجمعهِم، بل صرَّحُوا بعدم معرفته، فقال: هو اسم فرس. انتهى. وهو كذلك. قال في "الصحاح": وأعوج: اسم فرس كان لبني هلال، يُنسب إليه الأعوجيات بنات أعوج. قال أبو عبيدة: كان أعوج لكندة، فأخذته بنو سُليم في بعض أيامهم، فصار إلى بني هلال، وليس في العرب فحلٌ أشهرَ ولا أكثرَ نسلًا منه. وقال الأصمعي في كتاب "الفرس": أعوجُ كان لبني آكل المُرار، ثم صار لبني هلال بن عامر] (٢). بل جلُّ العلوم المتعارفة يُؤخذ مِنْ "فتح الباري" كلامه فيها، وتعرف

стр. 931

جلالته في سائرها، وكذا يعرفُ ذلك مَنْ نظر في "تذكرته" التي غاب عنِّي الآن ما التقطتُّه عنها. [تعقبه على النووي في الأذكار] وقد رأيتُ فيما رأيته بمكَّةَ مِنْ أجزاء "تذكرته الأدبية" المؤرخة بعدَ التسعين وسبعمائة مواضع استشكلها مِنْ كلام شيخ الإسلام النووي، ولا أدري أهي مبتكرةٌ له، أو اتبع فيها والده، أحببتُ إيرادها، وإن كان في "فتح الباري" قد بين أكثرها، فقال: قال النَّوويُّ ﵀ في "الأذكار": باب جواز دُعاء الإنسان على مَنْ ظلم المسلمن أو ظلمه وحده، وذكر أحاديث صحية كدُعائه، ﷺ على قُريشٍ وعلى مُضَرَ وغيرهم. وحكى في باب اللعن عَنِ الغزالي أنَّه قال: وفي الدُّعاء على الإنسان بالشَّرِّ حتى على الظَّالم، مثل: لا أصحَّ اللَّه جسمه، ولا سلمه اللَّه، وكلُّ ذلك مذمومٌ. قال شيخنا: ولم يتعقب النووي ﵀ هذا، مع أنَّ ظاهره التَّناقُضُ مع ما قدمه. فإن قيل: تلك الأحاديث في حقِّ الكافرين، ولعلَّ الغزالي أراد الظالم المسلم. قلت: قد صحَّ الحديث الذي فيه: "لا استطعت"، وأنَّه صحابي اسمُه بشر. كذا ذكره النووي، وقال: ففيه دليلٌ على جواز الدُّعاء على مَنْ خالف الحكمَ الشَّرعيَّ. قال شيخنا: فكيف يجمع بين كلامه؟ وقال في "شرح صحيح مسلم" في خُروج النبي ﷺ إلى البقيع ليلًا، إلى أن قالت عائشة ﵂: قلت: كيف أقول يا رسول اللَّه؟ قال ﷺ : "قولي: السلامُ على أهل الدِّيار مِنَ المؤمنين والمسلمين"، فقال: قال الخطَّابي وغيره: فيه أنَّ السَّلامَ على الأموات والأحياءِ سواءٌ في تقديم السَّلام على قوله: "عليكم"، بخلاف ما كانت الجاهليَّةُ عليه مِنْ قولهم: (عليك سلام اللَّه قيسَ بنَ عاصم). انتهى.

стр. 932

قال شيخنا: وقد قال في باب السلام: لو قال المبتدىء: عليكم السلام، هل يكره؟ نعم، فقد صحَّ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "لا تقُلْ: عليكَ السَّلامُ، فإنَّ عليك السلام تحيةُ الموتى". فهذا يقتضي: أن لا يستوي الأحياء والأموات، أو يجاب عن الحديث المذكور. وقال أيضًا -يعني النووي- قال الواحديُّ: وأمَّا المشتغلُ بقراءة القرآن، فالأولى أن لا يُسَلَّم عليه، فإن سُلِّمَ، كفاه الرَّدُّ بالإشارة. قال: والظَّاهر أنه يسلم، ويجبُ الرَّدُّ نطقًا. ثم قال: وإذا كان مشتغلًا بالدُّعاء، مستغرقًا فيه، مُجْتَمِعَ القلبِ، فالأظهر عندي أنه يُكرهُ السَّلام عليه؛ لأنَّه يتنكَّدُ به، ويشقُّ عليه أكثر مِنْ مشقَّة الأكل. قال شيخنا: فإذا كان القارىءُ بهذه الصِّفَةِ، كان حكمُه حكمَه، وإلَّا فما الفرقُ، وهلا حَمَلَ كلام الواحديِّ على مَنْ هو بهذه الصِّفة التي ذكرها في الدَّاعي؟ بل كلام الواحدي أقرب، فإنه قال: الأولى أنْ يَرُدَّ، وقال هو: يكره. فما العُذْرُ عنه؟ وقال أيضًا في قول عائشة ﵂: لو علم النبيُّ ﷺ ما أحدثَ النِّساءُ لمنعهُنَّ. قال: يعني مِنَ الزِّينة والطِّيبِ والثِّياب الحَسَنَة ونحوها (١). قال شيخنا: المنع مِنْ المذكورات كان مُقَرَّرًا في السُّنَّةِ قبلَ قولها هذا، والأحاديثُ الصَّحيحةُ في ذلك معلومةٌ ظاهرة، وقد ورد في بعض طرقه: "كما مُنِعَت نساءُ بني إسرائيل"، فالظَّاهر أنها أرادت المنعَ مِنْ إتيان المساجد. وقد قال أصحابُنا: لا يُسَنُّ لها حضورُ الجماعة إلا أن تكونَ عجوزًا لا تشتهى، وكذا قولهم في الجمعة، ولم يُعلِّلُوا ذلك بطِيبٍ ولا غيره، ويستدلُّونَ في الشُّروحات بحديثِ عائشةَ هذا. وقال أيضًا في قوله: "كان يُسْمِعُنا الآية أحيانًا" فعلَه لبيانِ جوازِ الجَهْرِ

стр. 933

في الصَّلاة السِّرِّيَّة، وأن الإسرارَ ليسَ بواجبٍ وللبيان، أو لعله سبق لسانه للاستغراق في التَّدبُّر. قال شيخنا: إنَّه خلافُ الظَّاهر، فإن كان يفعل، يقتضي تجدُّدَ الفعل والمفعول لبيان الجواز يكتفي فيه بمرَّةٍ أو مرَّاتٍ، وهذا فحواه المواظَبَةُ. وقال في قوله ﷺ : "يدخُلُ الجنَّة مِنْ أمَّتي سبعون ألفًا بغير حساب"، وفسَّره بأنهم "الذين لا يرقُون ولا يَسْتَرقُون ولا يَكْتُوون وعلى ربهم يتوكلون"، وحكى فيه أقوالَ السَّلَفِ، ثم قال: وأما تداويه، فلتبيين الجواز. فقال شخنا: هو كالذي قبله. وقال أيضًا في باب تكنية الكافر: إنَّه إذ لم يخَفْ فتنة، لا يكنيه، وذكر قصَّة هرقل، وأنه ﷺ كتب إليه، ولم يُكَنِّه، ولا لقَّبه بملك الروم، ولأنّا مأمورون بالإغلاظ لهم، فلا نُلِينُ لهم عبارة، ولا نُرَقِّقُ لهم قولًا. وقال: فرع: إذا كتبت إلى مشرك كتابًا؛ وكتبت فيه سلامًا ونحوه، ينبغي أنَّ يكتُبَ ما رويناه، فذكر القصة، وقال: عظيم الروم. قال شيخنا: فهذا ظاهره التناقض؛ فالحديث واحدٌ، والاستدلالُ مختلفٌ، فما وجهُ الجَمْعِ بين كلاميه؟! وقال أيضًا في قوله ﷺ : "إنَّ الملائكة لا يدخُلون بيتًا فيه كلبٌ ولا صورة" بعد أن حكى الخلاف في المُمْتَهَنِ وغيره، وما له ظلٌّ وغيره، وأنَّها تمتَنِعُ عقوبة لفاعلِ ذلك، فإنَّهم ملائكةٌ ينزِلونَ بالرحمة والاستغفار، أو لكثرة أكلِ الكلب النَّجاساتِ، أو لأن منها ما هو شيطان. ثم قال: وهل يمنعون مِنَ المُحرَّم فقط، أو منه ومِنْ غيره؟ قال الخطابي: مِنْ المحرَّم فقط. فإذا كنتِ الصُّورةُ ممتهنةً، أو الكلبُ لصيدٍ أو زرعٍ أو ماشيةٍ، فلا. قال: وذكر القاضي عياضٌ نحو ما قاله الخطَّابيُّ، والأظهرُ أنَّه عامٌ في كلِّ كلبٍ وكلِّ صورة، وأنهم يمتنعون مِنَ الجميع، لإطلاق الأحاديث، لأنَّ الجَرْوَ الذي كان في بيت النبي ﷺ تحتَ السَّريرِ كان فيه عُذْرٌ ظاهر، فإنَّه

стр. 934

لم يَعْلَمْ به، ومع هذا مُنِعَ جبريل ﵇ مِنْ دُخول البيت، وعلَّل بالجرو. فلو كان العذرُ مِنْ وُجود الصُّورة والكلب لا يمنعهم، لم يمتنع جبريل. قال شيخنا: لا ينطبق هذا الاستدلالُ على كلامهما، أمَّا الصُّورة، فلم يتعرَّض لها، وأما الجرو فإنهما استُثنيا ما يجوز اقتناؤُه، والجَرْو المذكور لم يثبت أنَّه بالصِّفَةِ المذكورة، فعَدَمُ العلم لم يُزِلِ الامتناع. وقال أيضًا في الكلام على حديث "جُعِلَ في قبرِ النَّبيِّ ﷺ قطيفة حمراء": نص الشافعيُّ وجميعُ أصحابنا وغيرُهم مِنَ العلماء على كراهة وَضْعِ قطيفة أو مُضَرِيَّة أو مخدَّة ونحو ذلك تحت الميت في القبر، وشذَّ عنهم البغويُّ مِنْ أصحابنا، فقال في كتاب "التهذيب" بذلك لهذا الحديث: والصَّواب كراهتُه، كما قال الجمهور، وأجابوا عن الحديثِ بأنَّ شُقْران انفردَ بذلك، ولم يوافقه غيره مِنْ الصحابة، ولا علموا ذلك، وإنما فعله شُقْران كراهة أن يلبَسَها أحدٌ بعدَ النبي ﷺ ، لأنه كان يلبَسُها ويفترِشُها، فلم تَطِبْ نفسُ شُقرانَ أن يتبذَّلها أحدٌ بعده، وخالفه غيرُه، فروى البيهقيُّ عَنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّه كره أن يُجْعَلَ تحتَ الميت ثوبٌ في قبره. قال شيخنا: قولهم في الجواب: إنَّ شُقران انفرد بذلك، ولم تعلم به الصَّحابة خلافُ الظَّاهر، وكيف يستقيمُ ذلك مع ما عُلِمَ مِنْ توفُّرِ دواعيهم على حُضور دفنه، فيبعدُ أن لا يعلَمَ أحدٌ منهم بإحضارِ شُقران القطيفة، وجعلِها تحتَه في قبره. وهذا أمر حِسِّيٌّ، وكيف يُظَنُّ أنَّ النبيَّ ﷺ يُقِرُّ على أمر مكروه في الشرع، مع نُور بصائرِ الصَّحابة وائتلاف كلمتهم على المواراة، فإنهم أخَّرُوا دفنه حتى انتظمت الكلمة وصحَّتِ الإمامة، فترجَّح ما قالَهُ صاحبُ "التَّهذيب". وقال أيضًا في باب الوفاء بالوعد بعد أن ذكر أدلَّته مِنْ الكتاب والسنة كقول اللَّه تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية [الصف: ٣]، وقوله عليه

стр. 935

السلام: "آية المنافق ثلاث" الحديث. ورواه مسلم "وإن صام وصلَّى وزَعَمَ أنَّه مؤمن". فقال: اختلفُوا في وجوبه، فذهب الشافعيُّ وأبو حنيفة والجمهور إلى أنَّه مُسْتَحَب، وليس واجبًا، فلو تركه فاته الفضلُ، وارتكب كراهةَ تَنْزيهٍ، ولكن لا يأثَمُ، وذهب جماعةٌ إلى أنه واجبٌ. قال ابن عبد البَرِّ: أجَلُّ مَنْ قال بوجوبه عمرُ بنُ عبد العزيز. قال شيخنا: لم يذكر جوابًا عن الآيات والأحاديث، لا سيما آية "الصف"، وحديث "آية المنافق" كما تقدم. والدِّلالة للوجوبِ فيها قويَّةٌ، فكيف حملوه على كراهية التنزيه، مع هذا الزَّجْرِ الشَّديد الذي لم يَرِدْ مثلُه إلّا في المحرَّمات الشَّديدة التحريم؟ الأدب: وحكيتُ مِنْ تضلُّعه بفنِّ الأدب ما يفوقُ الوصفَ، [وأنَّه -كما في أوائل الباب الثاني- لم يكن يسمعُ شعرًا إلا ويعرِفُ مِنْ أين أخذه النَّاظم، حتَّى إنَّه كتب مقابلَ مقطوع أدرجه البشتكيُّ -وناهيك به في فنِّ الأدب- في نظم نفسه أنَّه لغيره، بل ونبَّه أنه رآه البشتكيُّ نفسه معزوًا لمَنْ أفادَ أنه له، كماَ بيَّنتُ ذلك هناك] (١). وكانت له تشبيهاتٌ بديعةٌ؛ منها: أنَّه رأى ضَوْءَ القنديل مرَّة قد ضَعُفَ، ولم يجِد به علة سوى انخناق الفتيلة (٢) بالزَّيت، فأخذَ قلمًا، ومصَّ بفيه يسيرًا مِنَ الماء، فأضاءَ جدًّا، فقال: شبَّهتُ هذا بالآدمي عند إخراجِ الدَّمِ بالفصد ونحوِه وحصُول الخفَّة له غالبًا. قلت: ومِنْ نظم الشَّرف عبد الوهاب بن فضل اللَّه أخي محيي الدين:

стр. 936

لم يروّع له الجنانُ جنانًا ... قد أصاب الحديدَ منْهُ الحديدا مئل ما تنقصُ المصابيحَ بالبطِّ ... فيزداد في الضِّياءِ وَقُودَا وأنشد مرَّةً قولَ القائل: عافتِ الماءَ في الشِّتاء فقُلنا ... برِّديه تُصادِفيه سَخِينا (١) أنشده بإدغام اللام في الراء، فاستصعب ذلك بعضُ الحاضرين، فقال: مَنْ يقرأ سورة (والمطففين) يعرِفُ هذا، فبادر بعضُ الفُضلاء مِمَّنْ حضر، وقال: مَنْ يعرِفُ الفَكَّ يعرف هذا، وأشار إلى قوله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المطففين: ١٤]. وأنشد (٢) بعضُ الفضلاء بحضرةِ صاحبِ التَّرجمة: ياعالمًا قَدْ حلَّ إقليدسا ... لم يُخْطِهِ شَكْلٌ مِنَ أشكالِهِ فأيُّ شيءٍ نِصْفُهُ عُشْرُهُ ... ونصفه الثاني (٣) تِسْعَة أعشارِهِ فجالت أفكار الطَّلبة في ذلك، فبادر منشِدُها بقوله: هذا كتابُ اللَّه ؛ لأنَّ عُشْرَه ستةُ أحزاب، ونصفَه عددًا سبعةٌ وخمسون سورةً، وذلك عدُّ سوَرِهِ مِنَ المجادلة إلى آخره الذي هو ستَّة أحزاب، وأردف ذلك بقوله: هذا لا يُوجَدُ في غير القرآن. فقال صاحب الترجمة: قد وجدت اسمًا يتصور فيه مثل ذلك، وهو الفرس، فحارتِ الأفكارُ في معنى هذا، فقال بعضهم: لعلَّ مولانا شيخ الإسلام أراد اسم الفرس بغير اسمه العربي، [فأجابه بأنَّك فهمتَها، وذلك لأن اسم الفرس] (٤) بالتركي (أط)، وهو حرفان، وبحساب الجُمَّل عشرة،

стр. 937

فنصفها بالعد عُشْرُها بالحساب. ونقل عن عبد اللَّه بن المعتز أنَّه قال: أجمع بيتٍ قاله العربُ: أمُسْتَوْحِشٌ أنْتَ ممَّا أسأتَ ... فأحْسِنْ إذا شِئْتَ واسْتَأنِسِ ومن فوائده مما قرأته بخطه، قال: ضاع مني كُرَّاسٌ، فتعبت في التَّفتيش عليه بين الكتب والكراريس، فألهمني اللَّه تعالى أن قلت: يا سميعُ يا بصيرُ (١)، بِقُدرتك على كلِّ شيءٍ، وبعلمِكَ كل شيء، دُلَّني على هذا الكُرَّاس، فوجدُته في الحال. انتهى. وأفاد ﵀ أنَّ في "نشوان المحاضرة" للتَّنُوخي، قال: حدثني إبراهيم بنُ أحمد الطَّبري، حدثا جعفر الخُلْدِيُّ، قال: ودَّعْتُ العُتْبي الصُّوفي، فقلت: زَوِّدْني شيئًا، فقال: إن ضاع منك شيءٌ، فقل: يا جامِعَ النَّاس ليومٍ لا ريبَ فيه، إنَّ اللَّه لا يُخْلِفُ الميعاد، اجمع بيني وبينَ كذا، فإنَّه مُجَرَّبٌ، وذكر أنه جرَّب ذلك في قصةٍ طويلة. قلت (٢): وكذا قال النَّووي في "بستان العارفين" أنَّه جربه، فوجده نافعًا سببًا لوجُود الضَّالَّةِ عَنْ قُرْبٍ غالبًا. وحكى عن شيخه أبي البقاء نحوَ ذلك. وفي كرامات الأولياء مِنْ (٣) "رسالة القشيري"، قال: كان لجعفر الخُلدي فصٌّ، فوقع يومًا في دجلة، وكان يحفظُ دعاءً مجربًا لردِّ الضَّالة، فدعا به، فوجده في وسط أوراقٍ كان يتصفَّحُها. قال القشيري: سمعتُ أبا حاتمٍ السِّجستانيَّ يقول: سمعتُ أبا نصر السَّرَّاجَ يقول: إنَّ ذلك الدعاء: يا جامعَ النَّاسِ ليومٍ لا ريبَ فيه، اجمع عليَّ ضالَّتي.

стр. 938

ومن كلامه في شرح كلمات التَّصوُّف: قولهم: الصوفية لا يجتمعون عَنْ موعد، ولا يتفرَّقُون عَن مشُورة. إشارة إلى أنَّ قلُوبهم مجتمعة، فمن أراد الاجتماع بالآخر، لا يحتاج إلى موعد، بل يحصُل له الاجتماع بمجرَّدِ الإرادةِ والاحتياج إليه. وقولهم: الصُّوفيُّ لا يجاوزُ همَّهُ قدمَه. معناه أنه قَصَر الهمَّ على ما يتعلَّقُ بأمرِ الدِّين، فلا اهتمامَ له بأمرِ الدُّنيا، فهمُّه مقصورٌ على نفسه. وقولهم: ما اتَّخذَ اللَّه مِنْ وليٍّ جاهلٍ، ولو اتَّخذه لعلَّمَهُ. معناه: -وليس هو حديث- إنَّ الوليَّ لا يكون جاهلًا باللَّه تعالى، والجهل باللَّه هو الجهلُ المُرْدي المهلك، وأمَّا الجهلُ ببعضِ المسائل، بحيثُ لا يكون الشَّخصُ محتاجًا إليها في جميع أحواله، بل إذا اضطرَّ إليها لم يُقْدِمُ عليها حتَّى يسألَ عنها أهلَ العلم بها، فليس المراد هنا. وقولهم: السَّفر يُمَزِّقُ الأديان. المراد به إدامة السَّفر، ومعنى تمزيق الدين: أنَّ فيه إخلالًا بكثيرٍ مِنَ العبادات والتوجُّهات، وهذا يؤيِّدُ قولَ مَنْ قال أيضًا: السفر عدوُّ الدِّين، وذلك بسببِ كثرةِ الحركة والإعياء، وكثرة الاختلاط والتَّخليط في المآكل المجتمعة مِنْ أجناسٍ متفرقة في أماكنَ مختلفةٍ باختيار وبغيرِ اختيارٍ. قلت: وقد قال أبو المعالي جعفر بن حيدر العلوي فيما رواه السِّلَفِيُّ في "معجم السفر": الصوفي إذا سافر، فقدِ اختارَ الخرابَ على العمران، يعني التَّعبَ على الراحة، لكن الكنوز قد تُوجَدُ في الخرابات، ولا يوصل إلى الفوائد إلَّا بتعبِ النَّاس، لا بالراحة. وقولهم: وجدنا إخوان زماننا مثلَ مَرَقةِ الطَّباخ، طيِّبة الرَّائحة، لا طعمَ لها. المراد بتشبيه مودَّتِهم بما ذُكِرَ: أنَّها في الغالب تكونُ في الظَّاهر، لا في الباطن.

стр. 939

وقول أبي (١) القاسم الجنيد: مَنْ لم يحفظِ القرآنَ ويكتُبِ الحديثَ، لا يُقتدى به في هذا العلم. لأنه مضبوطٌ بالكتاب والسُّنَّة. وقوله أيضًا: كنَّا لا نعبأ بالصُّوفي إذا دَخَلَ الطَّريق بغيرِ علم. معناه: مَنْ (٢) لم يتأدب بآدابِ الكتَاب والسُّنَّة، لا يقتدى به في طريق الصوفية. [اختياراته:] وأما اختياراته، فأعرف منها الآن أنَّه كان يُسْفِرُ بصلاة الصُّبح، ويُسِرُّ القنوت مع تخفيفه جدًا، [ويقنت في الوتر] (٣)، ويتوقَّفُ في اشتراط استحضار النِّيَّةِ بين الهمزة والرَّاء في قول المصلي: اللَّه أكبر، إلى غير ذلك مما لو تُتُبِّع "شرح البخاري"، لوجد فيه منها الكثير. على أنَّه بلغني أنَّ بعضَ أصحابنا مِنْ طلبته كتب عنه شيئًا مِنْ ذلك، وفي "شرح البخاري" مزيدُ كفايةٍ منها. ولما صلَّى على شيخ الإسلام المحبِّ بنِ نصر اللَّه البغدادي الحنبلي وسبق، فجلس عد القبر ليشهد الدَّفنَ، وجِيءَ بالنَّعش قام إلى الجنازة، فإما أن يكون وافق النَّووي في اختياره استحبابَ القيام للجنازة، وتعقُّبَه دعوى النسخ، وكذا قول المتولي، أو (٤) يكون قيامُه لما انضم إليه مِنْ كونه عالمًا، وأنه لا يرى القيامَ مُطلقًا. وقد سئل عن مِنْ تشاغلَ بالعبادة ونحوِها حتَّى نَسِيَ ما كان يحفظه مِنَ القرآن.

стр. 940

فأجاب: بأنَّه قد وَرَدَ في الحديث الوعيد في حق مَنْ قرأ القرآن، بل آيةً منه ثمَّ نَسِيَ ذلك، وظاهرُه يقتضي التَّحريم، فيجبُ على مَنْ وقع له ذلك أن يُبادِرَ إلى حفظِ ما نَسِيَ قليلًا قليلًا إن شَقَّ عليه الكَثْرَةُ. قلت (١): ونسيان القرآن معدود في الكبائر. قال الرَّافعي: وللتَّوقُّفِ مجالٌ، يعني في ذلك، أي: إذا لم يكن عَن إهمالٍ وقصدٍ لذلك، ولكن استأنس النَّوويُّ ﵀ بذلك بالحديث الوارد في الوعيد، وقال: إنَّه تكلَّم فيه الترمذيُّ، أي: مِنْ جهة رواية عبد المطلب بن عبد اللَّه بن حَنْطَب، فإنه لم يسمع مِنْ أنس ولا مِنْ غيره مِنَ الصَّحابة إلا قوله: حدثني مَنْ شهِدَ خُطبةَ النَّبيِّ ﷺ . وقد حمل الشيخ شهاب الدين أبو شامة المقدسيُّ الأحاديثَ في ذمِّ نِسيان القرآن على ترك العمل، فإنَّ النِّسيان هو التَّركُ، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه: ١١٥] قال: وللقرآن حالتان، أحدهما: الشفاعة لمن قرأه ولم يَنْسَ العملَ به. الثانية: الشِكَاية لمن تركه تهاونًا به ولم يعمل بما فيه. قال: ولا يبعُدُ أن يكونَ مَنْ تهاون به حتَّى نسي تلاوته كذلك. وألحقَ بالدُّعاء والصَّدَقَةِ في وصول ثوابهما للميت الأضحية لعدم الفارق. والمصحَّحُ في مذهب الشافعي أنَّ الأضحيةَ لا تَصِلُ. وحكى لي بعضُ أصحابنا أن صاحب الترجمة أشار إليه بأن يأخذ مصحفًا (٢) كان معه، فاعتذر بأنه على غير وضوء، فقال: أنا أرى أنَّك إذا تناولته بِكُمِّكَ أو بحائلٍ مع استحضار التَّعظيم، لا حرج عليك، أو نحو هذا. قال صاحبنا: فامتنعتُ مِنْ تناوله منه، واستحييتُ مِنْ مخالفته. قلت: وقد روى الحافظُ الخطيب في ترجمة محمد بن كُزدي مما رواه محمد (٣) عن أبي بكر المرُّوذي، قال: كان أبو عبد اللَّه أحمد بن حنبل

стр. 941

ربَّما قرأ في المصحف وهو على غيرِ طهارَةٍ فلا يمسه، ولكن يأخذُ بيده عُودًا أو شيئًا يُصَفِّحُ به الورق. واختار وجوب الجَلْد أو الرَّجم على المأنوثِ، كالذي يُجامعه، لصحة الدليل به، والمفتَى به عند الشَّافعية الاقتصارُ على الحدِّ الزاجر له عَنْ ذلك، واللَّه أعلم.

стр. 942

الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر تأليف شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن محمد السخاوي المتوفى سنة ٩٠٢ هـ تحقيق إبراهيم باجس عبد المجيد [الجزء الثالث]

стр. 943

الباب السابع

стр. 944

الباب السابع في تحرِّيه في مأكله ومشربه وملبسه وأموره كلها، وضبط لسانه مما يشهد لورعه، حتَّى في الدُّعاء على مِنْ ظلمه، وسَعَةِ حلمه وصدره، وحُسن سياسته، والإغضاء عَنْ مِنْ يُؤذيه، لا سيما مع القدرة على الانتقام، بل يُحْسِنُ لمن أساء اليه، ويتجاوزُ عَن مِنْ قدَرَ عليه، وعدم سُرعة غضبه، ما لم يكن في حق اللَّه تعالى ورسوله ﷺ ، وصبرِه على المِحَنِ والحوادث البدنيَّةِ والمالية، وعدم بثِّ ما عنده مِنْ ذلك، مما يدلُّ على كمالِ عقله ووقاره، وأنَّه غايةٌ في السماحة والسخاءِ والبَذْلِ، مع قصده إخفاءَ ذلك، وشفقتِه على خلق اللَّه تعالى، وإحسانه للغرباء، لا سيما أهل الحرمين، وابتكارِه لهم في أوقافهم المستجد والقدوم، مما كثُرَ التَّرحُّمُ عليه بسببه، وبرِّهِ لشيوخه وأبنائهم، بل بطلبته وأصحابه وخَدَمِه وذوي البيوتِ، وقيامه مع مَنْ يقع (١) في جائِحَةٍ منهم، ولو لم يقصِده وسَتْره وصبرِه على الطلبة، وتفرده عن كافَّة أهلِ عصره لمزيد التبسط في عارية (٢) الكُتب، ودلالته الطَّلبة على الشُّيوخ مِنْ غير كراهةٍ في ذلك، واستجلاب الخواطر، وحُسْنِ عشرَتِه وتواضُعِه وانبساطِه، حتى يلعَبَ الشطرنج في النَّادرَ، وحلوِ مُحاضرته، وعَذْب مذاكرته، وذكره الحكايات اللَّطيفة والنوادر الظَّريفة، وإنشاده الأشعار الهزليَّة الدالَّة على رِقَّةِ طبعه، وظَرْفِه ولطافَةِ ذاتِه الشَّريفة، ممَّا لا يزداد معه إلا هيبةً

стр. 945

وجلالةً واحترامًا ووقعًا في النُّفوس، ومحبَّة في القُلوب، وعظيم رغبتَهِ في العِلْم والمذاكرة، وإثارةِ الفوإئد، وكثرةِ أدبه مع العُلماء المتقدِّمين منهم والمتَأخِّرين، إلى غير ذلك مِنَ التَّهجُّدِ وكَثرَةِ الصوم والتِّلاوة والتضَرُّع، وعيادة المرضى، وشهودِ الجنائز، والاعتقاد في الصَّالحين وزيارتهم وطلب الدعاء منهم، مع الإنكار على مَنْ يخرُجُ عَنِ القوانين الشَّرعية مِمَّن لم يعلم صلاحيَّته قبل ذلك، واتَّباع السُّنَّةِ في جميع أحواله، وشدة خوفه، وجمع العلم مع العمل، وبيان طريقته في تقضِّي أوقاته، وشيءٍ مِنْ وصفِه الأسنى ومناقبه الحُسْنَى. أما تحريه في مأكله ومشربه: فأمر مستفيض؛ بحيث إنَّ عياله أحصروا له شيئًا فأكله واستطابه، بناءً على أنه ممَّا جرت عادتُه بالأكل منه، وقبل تمام الأكل، ألقى اللَّه تعالى في خاطره السُّؤال عنه، فذكروا له جهةً لا يحبُّ الأكلَ منها، فاستدعى بتَشْطٍ وقال: أفعل كما فعل أبو بكر الصديق ﵁، ثم استقاء ما في بطنه. قلت: فأخرج يعقوب بن شيبة في "مسنده" مِنْ طريق نُبَيْحٍ العَنَزِي، عن أبي سعيدٍ ﵁، قال: كنا ننزل رفاقًا، فنزلتُ في رفقة فيها أبو بكر ﵁ على أهلِ أبياتٍ فيها امرأة حبلى، ومعنا رجلٌ، فقال لها: أيسُرُّكِ أن تلدي ذكرًا؟ قالت: نعم، فسجَعَ لها أسجاعًا، فأعطته شاةً، فذبحها وجلسنا نأكل، فلمَّا علمَ أبو بكر ﵁ بالقصَّة، قام فتقيأ كلَّ شيءٍ أكلَ. وأخرج البخاريّ مِنْ حديث يحيى بن سعيد، عن (١) عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂، قالت: كان لأبي بكر ﵁ غلامٌ يُخْرِجُ له الخراجَ، وكان أبو بكر ﵁ يأكلُ مِنْ خراجه، فجاء يومًا بشيءٍ، فأكل منه أبو بكر ﵁، فقال له

стр. 946

الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال: أبو بكر ﵁: وما هو؟ قال: كنتُ تكهَّنْتُ لإنسانٍ في الجاهلية، وما أُحْسِنُ الكهانة، إلا أنِّي خدعتُه، فلقِيني فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلت منه، فأدخل أبو بكر ﵁ يده، فقاء كلَّ شيء في بطنه. ووقع لأبي بكر ﵁ مع النُّعَيْمان بن عمرو الصحابي المشهور ذلك أيضًا؛ قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، قال (١): إنَّ ناسًا مِنْ أصحاب رسول اللَّه ﷺ نزلوا بنا، فكان النُّعَيْمان بنُ عمرو يقول لأهل الماء يكونُ كذا وكذا، فيأتونه (٢) باللَّبن والطَّعام، فيرسِلُه إلى أصحابه، فبلغ أبا بكرِ ﵁ خبرُه، فقال: أراني آكُلُ مِنْ كهَانَةِ النُّعيمان منذُ اليوم، فاستقاء ما في بطنه. وفى "الورع" لأحمد عن إسماعيل، عن أيُّوب، عن ابنِ سيرين، قال: لم أعلم (٣) أحدًا استقاء مِنْ طعامٍ غيرَ أبي بكر ﵁، فإنَّه أُتي بطعام فأكل، ثمَّ قيل له: جاء به النُّعَيمان. قال: فأطعمتموني (٤) كهانة النُّعَيْمان؟ ثمَّ استقاءَ. ورجالُه ثقاتٌ، لكنه مرسل. وفي "الأطعمة" لعثمان الدارمي مِنْ حديث مرَّة الطَّيب، عن زيد بن أرقم، قال: كنا قعودًا عند أبي بكر الصِّدِّيق ﵁، إذ أتاه غلامٌ له بطعام، فأهوى إلى لُقمة فأكلها، فقال له الغلام: يا أبا بكر، كنتَ تسألُني كلَّ يومٍ: مِنْ أينَ جئتَ به، ومِن أين اكسبته، وإنك لم تَسْألني اليوم. قال: ويحك، ما حملني عليه إلَّا الجُوعُ، ومِنْ أينَ اكتسبته؟ قال: كنتُ رقيتُ لقومٍ في الجاهلية، فوعدوني عليه عِدَةً، وإني درت اليومَ، فلم أُصِبْ شيئًا، فمرَرْتُ بهم وعندهم وليمةٌ لهم، فقلت لهم: عِدَتي الَّتي وعدتُموني في

стр. 947

الجاهلية، فأطعموني (١) هذا الطعام، فقال: ويحك، ألا أراكَ أطعمتني مما حرَّم اللَّه ورسوله؟ ثمَّ أدخلَ أصبعه في فيه، ثم تقايأ، فرمى بها، فقال له جُلساؤه: يا أبا بكر، ما بلغ اللَّه بهذه اللُّقمة؟ قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "أَيُّما لحمٍ نبتَ مِنْ حرامٍ، فالنَّارُ أولى به". وإنما اقتصر شيخنا على ذكر السيد أبي بكر الصديق في ذلك لشهرته، وإلا فالسَّيِّدُ عمر أيضًا وقع له مثل ذلك. روى مالكٌ في "الموطأ" عن زيد بن أسلم أنه قال: شربَ عمرُ بنُ الخطَّاب ﵁ لبنًا فأعجبه، فسأل الذي سقاه: مِنْ أينَ هذا اللَّبنُ، فأخبره أنَّه ورد على ماءٍ قد سمَّاه، وإذا نَعَمٌ مِنْ نَعَم الصَّدقة وهم يسقُون، فحلبوا لي مِنْ ألبانها، فجعلتُه في سقائي، فهو هذا، فأدخل عمرُ يده في فيه، فاستقاءه. بل اتفق لهما معًا -أعني أبا بكر وعمر- وهما في غزوة ذاتِ السَّلاسلِ أنَّ عوفًا مرَّ بقوم وهم على جزور، قد نحروها وهم لا يقدِرُون على أن يفصِلُوها، وكان امرؤٌ جازِرًا، فقال لهم: تعطُوني منها عشيرًا على أن أقسِمَها بينكم، فقالوا: نعم، فأخذ الشَّفرتين، وجزَّأها مكانه، وأخذَ جزءه، فحمله إلى أصحابه فأكلوا، وقال الشَّيخان له: أنَّى لك هذا اللَّحمُ يا عوفُ، فأخبرهما، فقالا: لا واللَّه ما أحسنتَ حينَ أطعمتنا هذا، ثم قاما يتقيآن ما في بطُونهما منه، فلما رجعُوا مِنْ ذلك السَّفَرِ، كان عوفٌ أوَّلَ قادمٍ، فسلَّم عليه، فقال له النبي ﷺ : "عوف بن مالك"؟ فقلت: نعم بأبي أنت وأمي، فقال: "صاحبُ الجزور"؟ لم يزده على ذلك شيئًا. وحاصِلُه أنه ﷺ أخبرَه بذلك قبل أن يخبره عوفٌ به، وكذا أورد البيهقي القصَّة في "الدلائل". انتهى. ورأيته يومًا في بعض إراحاته مِنَ القضاء، وقد وُضِعَ على خُوانه صحنُ عِنَبٍ، فأخذ عنبةً منها، وهم بوضعها في فيه، ثمَّ بدا له، فاستدعى ببعضِ الفتيان، فسأله: مِنْ أينَ هذا العنبُ؟ فقال: مِنْ جهة كذا، فتغيظ وقال: أنا ما قلتُ لك لا تحضِرْ لي شيئًا مِنْ هذا؟

стр. 948

وكان لا يتناول مما يُهدى لبيته شيئًا، بل ما كنت أظنُّ به الاطلاع على شيءٍ مِنْ ذلك، وطالما كان يُرسل مِنْ يشتري له مِنَ السُّوق ما لعلَّه يكونُ عندَ أهله. ونحو ذلك أنَّه كان إذا اضطر إلى الحضور في الولائم والمهمَّات ونحوها ممَّا الغالب على أربابها عدمُ التَّوقِّي، يُوهِم أنَّه يأكل، بل ربما أعطى هذا وهذا ممَّن يكون جالسًا على السِّماط مِنَ الأتباع ونحوهِم مما بين يديه على الطَّريقة المألوفة في ذلك، بحيثُ يُسَرُّ صاحب المهِمِّ غالبًا، ولا يدخل في جوفه مِنْ ذلك شيئًا ألبتة. ولقد قرأتُ بخطِّ بعضِ الأعيان مِنَ الحلبيين -كما تقدم في الباب الثاني (١) - أنه لمَّا كانَ بحلب صُحْبَةَ السُّلطان كان له راتِبُ لحم يُؤتى إليه به كلَّ يومٍ، قال: فكان لا يأكله، بل (٢) يشتري له غيره. وكان يتعفَّف -فيما بلغني- عن تعاطي معلوم الخطابة بالقلعة أيَّامَ قضائه، وهو أربعمائة درهم في كلِّ شهرٍ، لضَعْفِ الوقف، وراموا إجراءَ السَّفطِيِّ على ذلك، فلم يوافق، بل قال: هذا المعلومُ لكوني أُباشِرُ الوظيفةَ بنفسي أجعله مما أتقوَّتُه. وكذا كان ما يصِلُه مِنْ الضَّحايا وشِبْهها يوزِّعُ ما لا يرتضيه منها لجماعته، فما يكونُ مِنْ جهةِ الصَّاحب كريم الدين كاتب المناخات لأمِّ أولاده، وما يكونُ مِنْ جهة الزَّيني الاستادار لولده، وما يكون مِنْ جهة السُّلطان -وكان الظَّاهِر يخصُّه بإرسال قَدْرٍ زائد عَنْ رفقته- يفرِّقه أجزاءً، إلى غير ذلك ممَّا يحرِصُ على عدم تعاطي أكلِ شيءٍ منه. نعم، بلغني أنَّه كان يأكل مما يرسل به إليه أميرِّ المؤمنين في رمضان. ولم يزل يتَّجِر إلى أن مات، وضاع له الكثير مع وكلائه، كالشَّمس الزَّركشي، حسبما أشرتُ لقصته معه في الباب الثالث، وكالفقيه محب الدِّين بن الحمِّصاني السُّكَّري الذي كان يؤدِّبُ الأطفال بالمسجد المجاور

стр. 949

للمدرسة الشريفيَّة البهائية، فإنَّه دفع له مالًا كبيرًا، لكونه كان ماهرًا في طبخ السُّكَّر، فأفسده عَنْ آخره، وهدَّده صاحب التَّرجمة بإحضارِ الوالي إليه ونحو ذلك؛ لتوهمه أنه أخفى المالَ، ومع ذلك، فما أفاد، فأعرض عنه، وسافرَ المذكورُ إلى بلاد اليمن، فقيل: إنه أظهر تموُّلَه هناك. وجيء له بشخص ممَّن أخذ له مالًا، وقد أمر بعضَ القُضاة حينَ ادَّعى عليه وكيلُه بسجنه بسببه، فأشار لبعض مَنْ كان ببن يديه إشارةً خفيَّة أن يشَفَعَ فيه، ففعل الرَّجُلُ، فأجابه لذلك، وأمر بإطلاقه، فقيل له: فلِمَ أمرت بشكواه؟ فقال: إنني قد شربتُ ماءَ زمزم أنَّ اللَّه يصرِفُ عنِّي حُبَّ المالِ، ولكني أخشى أن يطمع النَّاس في مالي، فيكونُ ذلك إضاعةً للمال. ونحوه إظهارُ التَّحريض على كاتب الغيبة في الخانقاه البيبرسية، للخوف مِنْ طمَعِهم في التَّمادي على عدم الحضور، وإلا فقد كان يقولُ له سرًّا: إذا رأيتَ شخصًا بالبياطرة أو نحوها مِنْ الجهة الأخرى قاصدًا المجيء ليحضر وسبق، فلا تكتب عليه غيبة. وأين هذا ممن يأمر عند فراغه مِنْ القراءة أو قُبيلها بقفل باب المدرسة، بحيث مَنْ يجيء مِنَ الصوفية حينئذ لا يتمكَّن مِنَ الدخول، وتكتب عليه الغيبة. وممَّن كان وكيله في ذلك فخرُ الدِّين بن دويم الآتي ذكرُه في وصيَّته مِنَ الباب التاسع. وزعم أنَّه كان يقول له: أنت الفجرُ الصَّادق، وفلانٌ -ويعيِّنُ بعضَ نُوَّابه- الفجرُ الكاذب. وما أظنُّه -إن صحَّ وصفُه للأولِ بذلك- كان يريد إلَّا التفاؤل به، وإلا فقد رأيت بعضَ معتَبَرِي أهلِ مكَّة دوَّن عنه حكايةً عزاها لصاحب الترجمة لا شكَّ عندي في اختلاقه لها، أو اختلاقه لعزوها إليه (١)، إن كانت الحكاية قديمة، عفا اللَّه عنهما وإيانا. وقد راج أمرُ الفخرِ المذكور في دُنياه وأثرى، ببركة موكِّله، جريًا على عادَةِ مِنْ ينتمي إليه، بحيث كان الكثير منهم يعتَرِفُ بذلك، فحكى لي التاجرُ بدرُ الدِّين حسن بن علي المرجُوشي جارُنا، وكان مِنَ الخيار الثِّقات، سمِعَ الحديثَ على صاحبِ التَّرجمة، قال: ألزمني الأميرُ جمال الدين

стр. 950

الأستادار أخذَ صِنْفٍ مِنَ القماش كان قد كسدَ عند صاحِب التَّرجمة، وأن يُنْظِرَني في ثمنه إلى وقتِ كذا. قال: ففعلت ذلك مع شدَّة كراهيتي فيه، لكنه لم يسعني المخالفة، فلما استقرَّ القماشُ عندي، وكان مِنْ شعار الحريم السُّلطاني وشِبْهِهنَّ في الأفراح ونحوها، طرأ لهن ما يقتضي طلبه، فما مضت أيامٌ قلائلُ حتَّى بِعْتُ ذلك القماشَ قبلَ حُلول الأجلِ بأكرم ربح، فعَدَدتُ ذلك مِنْ بركته. وكانت -كما بلغني- وظائِفُه التي يباشرها يتحرَّى منها ما كان أقرب إلى الحِلِّ مع مُرَتَّبه في الجوالي، وهو في كلِّ يوم مائةُ درهم، بل زيد في بعض عزلاته الأخيرة، وصار دينارًا أو مثقالًا، فيبدأ بالأكل منه، وكذا التَّصَدُّق، ثم يليه اللُّبس، ثم كذا، إلى آخر ضَرْوراته، ويميِّزُ المعاليمَ بعضها مِنْ بعضٍ بالإشارة بنُقْطةٍ أو نقطتين ونحو ذلك. وقد رأيتُه يُعطي خادِمَه الشيخ شمس الدين بن قُريش ما يشتري له به شيئًا مِنَ المأكول، ويُوصيه أن لا يكلِّفَ البائعَ لأكثرَ ممَّا يعطيه باختياره، وقس على ذلك في أموره كلِّها، لا سيِّما نقل العِلْمِ وروايته، فكان غايةً في التَّحريِّ في ذلك، يدلُّك على هذا أن النجم المُرجاني ذكر له أنَّ الجمالَ إبراهيم بن محمد الأميوطي كان حاضرًا ختم "الصحيح" عند النشاوري، إذ قُرِىءَ عليه، وأنه أجازَ للحاضرين. قال: فلم تَطِبْ نفسي مِنْ أجل الشَّكِّ في حضوري يومَ الخَتْمِ الذي حذر فيه الأميوطي أن أُخرِّج عنه، وإن غلب على الظَّنِّ حُصول الإجازة لي منه. ومن ذلك أنَّ الشيخ مدْين، ﵀ حضر عندَ شيخِنا في خِتان حفيده، فسأله عن حديث "حسِّنوا نوافلكم، فإنَّ بها تكمُل فرائِضَكم"، فقال شيخنا: لا أستحضره، فقال له الشَّيخُ: إنَّه لد عزاه الفاكهاني لابن عبد البر في بعض تصانيفه، فقال شيخنا: يمكن، ولكن لا أعرفه الآن. قلت: وللدَّيلمي في حديث عبد اللَّه بن يرفا اللَّيثي عن أبيه، عن جده، رفعه: "النَّافلة هديَّةُ المؤمن إلى ربِّه، فليُحسِن أحدُكم هديَّته وليطيِّبْهَا".
следующие страницы →