الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال: أبو بكر ﵁: وما هو؟ قال: كنتُ تكهَّنْتُ لإنسانٍ في الجاهلية، وما أُحْسِنُ الكهانة، إلا أنِّي خدعتُه، فلقِيني فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلت منه، فأدخل أبو بكر ﵁ يده، فقاء كلَّ شيء في بطنه.
ووقع لأبي بكر ﵁ مع النُّعَيْمان بن عمرو الصحابي المشهور ذلك أيضًا؛ قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، قال (١): إنَّ ناسًا مِنْ أصحاب رسول اللَّه ﷺ نزلوا بنا، فكان النُّعَيْمان بنُ عمرو يقول لأهل الماء يكونُ كذا وكذا، فيأتونه (٢) باللَّبن والطَّعام، فيرسِلُه إلى أصحابه، فبلغ أبا بكرِ ﵁ خبرُه، فقال: أراني آكُلُ مِنْ كهَانَةِ النُّعيمان منذُ اليوم، فاستقاء ما في بطنه.
وفى "الورع" لأحمد عن إسماعيل، عن أيُّوب، عن ابنِ سيرين، قال: لم أعلم (٣) أحدًا استقاء مِنْ طعامٍ غيرَ أبي بكر ﵁، فإنَّه أُتي بطعام فأكل، ثمَّ قيل له: جاء به النُّعَيمان. قال: فأطعمتموني (٤) كهانة النُّعَيْمان؟ ثمَّ استقاءَ. ورجالُه ثقاتٌ، لكنه مرسل.
وفي "الأطعمة" لعثمان الدارمي مِنْ حديث مرَّة الطَّيب، عن زيد بن أرقم، قال: كنا قعودًا عند أبي بكر الصِّدِّيق ﵁، إذ أتاه غلامٌ له بطعام، فأهوى إلى لُقمة فأكلها، فقال له الغلام: يا أبا بكر، كنتَ تسألُني كلَّ يومٍ: مِنْ أينَ جئتَ به، ومِن أين اكسبته، وإنك لم تَسْألني اليوم. قال: ويحك، ما حملني عليه إلَّا الجُوعُ، ومِنْ أينَ اكتسبته؟ قال: كنتُ رقيتُ لقومٍ في الجاهلية، فوعدوني عليه عِدَةً، وإني درت اليومَ، فلم أُصِبْ شيئًا، فمرَرْتُ بهم وعندهم وليمةٌ لهم، فقلت لهم: عِدَتي الَّتي وعدتُموني في
стр. 947
الجاهلية، فأطعموني (١) هذا الطعام، فقال: ويحك، ألا أراكَ أطعمتني مما حرَّم اللَّه ورسوله؟ ثمَّ أدخلَ أصبعه في فيه، ثم تقايأ، فرمى بها، فقال له جُلساؤه: يا أبا بكر، ما بلغ اللَّه بهذه اللُّقمة؟ قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "أَيُّما لحمٍ نبتَ مِنْ حرامٍ، فالنَّارُ أولى به".
وإنما اقتصر شيخنا على ذكر السيد أبي بكر الصديق في ذلك لشهرته، وإلا فالسَّيِّدُ عمر أيضًا وقع له مثل ذلك. روى مالكٌ في "الموطأ" عن زيد بن أسلم أنه قال: شربَ عمرُ بنُ الخطَّاب ﵁ لبنًا فأعجبه، فسأل الذي سقاه: مِنْ أينَ هذا اللَّبنُ، فأخبره أنَّه ورد على ماءٍ قد سمَّاه، وإذا نَعَمٌ مِنْ نَعَم الصَّدقة وهم يسقُون، فحلبوا لي مِنْ ألبانها، فجعلتُه في سقائي، فهو هذا، فأدخل عمرُ يده في فيه، فاستقاءه.
بل اتفق لهما معًا -أعني أبا بكر وعمر- وهما في غزوة ذاتِ السَّلاسلِ أنَّ عوفًا مرَّ بقوم وهم على جزور، قد نحروها وهم لا يقدِرُون على أن يفصِلُوها، وكان امرؤٌ جازِرًا، فقال لهم: تعطُوني منها عشيرًا على أن أقسِمَها بينكم، فقالوا: نعم، فأخذ الشَّفرتين، وجزَّأها مكانه، وأخذَ جزءه، فحمله إلى أصحابه فأكلوا، وقال الشَّيخان له: أنَّى لك هذا اللَّحمُ يا عوفُ، فأخبرهما، فقالا: لا واللَّه ما أحسنتَ حينَ أطعمتنا هذا، ثم قاما يتقيآن ما في بطُونهما منه، فلما رجعُوا مِنْ ذلك السَّفَرِ، كان عوفٌ أوَّلَ قادمٍ، فسلَّم عليه، فقال له النبي ﷺ : "عوف بن مالك"؟ فقلت: نعم بأبي أنت وأمي، فقال: "صاحبُ الجزور"؟ لم يزده على ذلك شيئًا. وحاصِلُه أنه ﷺ أخبرَه بذلك قبل أن يخبره عوفٌ به، وكذا أورد البيهقي القصَّة في "الدلائل". انتهى.
ورأيته يومًا في بعض إراحاته مِنَ القضاء، وقد وُضِعَ على خُوانه صحنُ عِنَبٍ، فأخذ عنبةً منها، وهم بوضعها في فيه، ثمَّ بدا له، فاستدعى ببعضِ الفتيان، فسأله: مِنْ أينَ هذا العنبُ؟ فقال: مِنْ جهة كذا، فتغيظ وقال: أنا ما قلتُ لك لا تحضِرْ لي شيئًا مِنْ هذا؟
стр. 948
وكان لا يتناول مما يُهدى لبيته شيئًا، بل ما كنت أظنُّ به الاطلاع على شيءٍ مِنْ ذلك، وطالما كان يُرسل مِنْ يشتري له مِنَ السُّوق ما لعلَّه يكونُ عندَ أهله.
ونحو ذلك أنَّه كان إذا اضطر إلى الحضور في الولائم والمهمَّات ونحوها ممَّا الغالب على أربابها عدمُ التَّوقِّي، يُوهِم أنَّه يأكل، بل ربما أعطى هذا وهذا ممَّن يكون جالسًا على السِّماط مِنَ الأتباع ونحوهِم مما بين يديه على الطَّريقة المألوفة في ذلك، بحيثُ يُسَرُّ صاحب المهِمِّ غالبًا، ولا يدخل في جوفه مِنْ ذلك شيئًا ألبتة.
ولقد قرأتُ بخطِّ بعضِ الأعيان مِنَ الحلبيين -كما تقدم في الباب الثاني (١) - أنه لمَّا كانَ بحلب صُحْبَةَ السُّلطان كان له راتِبُ لحم يُؤتى إليه به كلَّ يومٍ، قال: فكان لا يأكله، بل (٢) يشتري له غيره.
وكان يتعفَّف -فيما بلغني- عن تعاطي معلوم الخطابة بالقلعة أيَّامَ قضائه، وهو أربعمائة درهم في كلِّ شهرٍ، لضَعْفِ الوقف، وراموا إجراءَ السَّفطِيِّ على ذلك، فلم يوافق، بل قال: هذا المعلومُ لكوني أُباشِرُ الوظيفةَ بنفسي أجعله مما أتقوَّتُه.
وكذا كان ما يصِلُه مِنْ الضَّحايا وشِبْهها يوزِّعُ ما لا يرتضيه منها لجماعته، فما يكونُ مِنْ جهةِ الصَّاحب كريم الدين كاتب المناخات لأمِّ أولاده، وما يكونُ مِنْ جهة الزَّيني الاستادار لولده، وما يكون مِنْ جهة السُّلطان -وكان الظَّاهِر يخصُّه بإرسال قَدْرٍ زائد عَنْ رفقته- يفرِّقه أجزاءً، إلى غير ذلك ممَّا يحرِصُ على عدم تعاطي أكلِ شيءٍ منه. نعم، بلغني أنَّه كان يأكل مما يرسل به إليه أميرِّ المؤمنين في رمضان.
ولم يزل يتَّجِر إلى أن مات، وضاع له الكثير مع وكلائه، كالشَّمس الزَّركشي، حسبما أشرتُ لقصته معه في الباب الثالث، وكالفقيه محب الدِّين بن الحمِّصاني السُّكَّري الذي كان يؤدِّبُ الأطفال بالمسجد المجاور
стр. 949
للمدرسة الشريفيَّة البهائية، فإنَّه دفع له مالًا كبيرًا، لكونه كان ماهرًا في طبخ السُّكَّر، فأفسده عَنْ آخره، وهدَّده صاحب التَّرجمة بإحضارِ الوالي إليه ونحو ذلك؛ لتوهمه أنه أخفى المالَ، ومع ذلك، فما أفاد، فأعرض عنه، وسافرَ المذكورُ إلى بلاد اليمن، فقيل: إنه أظهر تموُّلَه هناك.
وجيء له بشخص ممَّن أخذ له مالًا، وقد أمر بعضَ القُضاة حينَ ادَّعى عليه وكيلُه بسجنه بسببه، فأشار لبعض مَنْ كان ببن يديه إشارةً خفيَّة أن يشَفَعَ فيه، ففعل الرَّجُلُ، فأجابه لذلك، وأمر بإطلاقه، فقيل له: فلِمَ أمرت بشكواه؟ فقال: إنني قد شربتُ ماءَ زمزم أنَّ اللَّه يصرِفُ عنِّي حُبَّ المالِ، ولكني أخشى أن يطمع النَّاس في مالي، فيكونُ ذلك إضاعةً للمال.
ونحوه إظهارُ التَّحريض على كاتب الغيبة في الخانقاه البيبرسية، للخوف مِنْ طمَعِهم في التَّمادي على عدم الحضور، وإلا فقد كان يقولُ له سرًّا: إذا رأيتَ شخصًا بالبياطرة أو نحوها مِنْ الجهة الأخرى قاصدًا المجيء ليحضر وسبق، فلا تكتب عليه غيبة. وأين هذا ممن يأمر عند فراغه مِنْ القراءة أو قُبيلها بقفل باب المدرسة، بحيث مَنْ يجيء مِنَ الصوفية حينئذ لا يتمكَّن مِنَ الدخول، وتكتب عليه الغيبة. وممَّن كان وكيله في ذلك فخرُ الدِّين بن دويم الآتي ذكرُه في وصيَّته مِنَ الباب التاسع. وزعم أنَّه كان يقول له: أنت الفجرُ الصَّادق، وفلانٌ -ويعيِّنُ بعضَ نُوَّابه- الفجرُ الكاذب. وما أظنُّه -إن صحَّ وصفُه للأولِ بذلك- كان يريد إلَّا التفاؤل به، وإلا فقد رأيت بعضَ معتَبَرِي أهلِ مكَّة دوَّن عنه حكايةً عزاها لصاحب الترجمة لا شكَّ عندي في اختلاقه لها، أو اختلاقه لعزوها إليه (١)، إن كانت الحكاية قديمة، عفا اللَّه عنهما وإيانا.
وقد راج أمرُ الفخرِ المذكور في دُنياه وأثرى، ببركة موكِّله، جريًا على عادَةِ مِنْ ينتمي إليه، بحيث كان الكثير منهم يعتَرِفُ بذلك، فحكى لي التاجرُ بدرُ الدِّين حسن بن علي المرجُوشي جارُنا، وكان مِنَ الخيار الثِّقات، سمِعَ الحديثَ على صاحبِ التَّرجمة، قال: ألزمني الأميرُ جمال الدين
стр. 950
الأستادار أخذَ صِنْفٍ مِنَ القماش كان قد كسدَ عند صاحِب التَّرجمة، وأن يُنْظِرَني في ثمنه إلى وقتِ كذا. قال: ففعلت ذلك مع شدَّة كراهيتي فيه، لكنه لم يسعني المخالفة، فلما استقرَّ القماشُ عندي، وكان مِنْ شعار الحريم السُّلطاني وشِبْهِهنَّ في الأفراح ونحوها، طرأ لهن ما يقتضي طلبه، فما مضت أيامٌ قلائلُ حتَّى بِعْتُ ذلك القماشَ قبلَ حُلول الأجلِ بأكرم ربح، فعَدَدتُ ذلك مِنْ بركته.
وكانت -كما بلغني- وظائِفُه التي يباشرها يتحرَّى منها ما كان أقرب إلى الحِلِّ مع مُرَتَّبه في الجوالي، وهو في كلِّ يوم مائةُ درهم، بل زيد في بعض عزلاته الأخيرة، وصار دينارًا أو مثقالًا، فيبدأ بالأكل منه، وكذا التَّصَدُّق، ثم يليه اللُّبس، ثم كذا، إلى آخر ضَرْوراته، ويميِّزُ المعاليمَ بعضها مِنْ بعضٍ بالإشارة بنُقْطةٍ أو نقطتين ونحو ذلك.
وقد رأيتُه يُعطي خادِمَه الشيخ شمس الدين بن قُريش ما يشتري له به شيئًا مِنَ المأكول، ويُوصيه أن لا يكلِّفَ البائعَ لأكثرَ ممَّا يعطيه باختياره، وقس على ذلك في أموره كلِّها، لا سيِّما نقل العِلْمِ وروايته، فكان غايةً في التَّحريِّ في ذلك، يدلُّك على هذا أن النجم المُرجاني ذكر له أنَّ الجمالَ إبراهيم بن محمد الأميوطي كان حاضرًا ختم "الصحيح" عند النشاوري، إذ قُرِىءَ عليه، وأنه أجازَ للحاضرين. قال: فلم تَطِبْ نفسي مِنْ أجل الشَّكِّ في حضوري يومَ الخَتْمِ الذي حذر فيه الأميوطي أن أُخرِّج عنه، وإن غلب على الظَّنِّ حُصول الإجازة لي منه.
ومن ذلك أنَّ الشيخ مدْين، ﵀ حضر عندَ شيخِنا في خِتان حفيده، فسأله عن حديث "حسِّنوا نوافلكم، فإنَّ بها تكمُل فرائِضَكم"، فقال شيخنا: لا أستحضره، فقال له الشَّيخُ: إنَّه لد عزاه الفاكهاني لابن عبد البر في بعض تصانيفه، فقال شيخنا: يمكن، ولكن لا أعرفه الآن.
قلت: وللدَّيلمي في حديث عبد اللَّه بن يرفا اللَّيثي عن أبيه، عن جده، رفعه: "النَّافلة هديَّةُ المؤمن إلى ربِّه، فليُحسِن أحدُكم هديَّته وليطيِّبْهَا".
стр. 951
وسأله بعض الحنفيَّة عن عِدَّة مَنْ لقي أبو حنيفة ﵀ مِنَ الصَّحابة ﵃، فقال: أنسٌ فقط، قال السائل: فقلت له: إنَّ علماءنا بلغوا بهم سبعةً أو أربعةَ عشر، فقال: مَنْ يقدِرُ ينازعُكم وأنتم أصحابُ السَّيف والرُّمح والخُوذة؟! والذي أعرفه ما قلتُه لك.
واتفق أنَّ الفاضل عزَّ الدين عبد العزيز بن محمد الوفائي الميقاتي شَهِدَ عندَه في هلالِ رمضان، فقال له: أعن رؤيةٍ أم عَن حسابٍ؟ فقال: عَنْ رُؤية، فأمضى شهادته.
والتمس منه الشَّيخ محمد بن صالح الصَّالح الشهير الحضورَ في عَقدِ ابنته، وكانَ في رمضان سنة وفاته، والمتولي للقضاء إذ ذاك كان غيره، وعُدَّ ذلك في عليّ مقامه، فلما حضر: قال: مِنْ يعقد، فقيل له: أبوها، فتوقَّف في ذلك ورعًا واحتياطًا، لكونه شِبْهَ المجذوبِ، فقال بعض مَنْ حضر مِنَ العلماء: بل هو عاقل، فقال للقائل: إن كان عاقلًا، فأنتَ العاقِدُ.
ومن ورعه أنه كان يضم قُلامَةَ الأقلام، ثمَّ يجعلها في بَطْنِ دواته إلى أن تُرمى، لكونه يكتب بها الحديثَ والعلمَ، ويقول على سبيل المماجنة: مَنْ داسَ عليها دخل السجنَ!
ومن هنا يُعلم بطلان ما بلغني أنه نُسب إليه في الكتب، وكيف يليق أن يَفُوه مَنْ له أدنى مُسكة بشيءٍ مِنْ ذلك، وقد روينا في جزء مِنْ حديث أبي رفاعة عمارة بن وثيمة، أنه قال: قال لي أبو الربيع سليمان بن أبي طيبة: نهانا أشهبُ عَنْ تخطِّي الكتُب التي فيها حديثُ رسول اللَّه ﷺ .
وكذا مِنْ ورعه ووفور ديانته أنه أفرز قبل موته ما عنده مِنْ كتب الأوقاف التي لها مقرَّة، وكذا ما لا مقرَّةَ لها، وأشار بعَودِ كَل ذي مقرٍّ إلى موضعه، وما عدا ذلك، فيُقسَم بين طلبته، فما وفَوا له بذلك، وهذا أوَّلُ شيء أساؤوا التَّصرفَ فيه بعد وفاته، لكنه ﵀ اجتهد في عَودِها بعد مماته بحسب الإمكان. وكان يرى أن بقاءها عنده غيرُ ممتنع؛ لانتفاعه والمسلمين بها، بل كثيرًا ما كان يعيرها لمن يلتمسها منه، ولقد قال الظاهر جقمق: واللَّه إنه كان جديرًا بإبقاء كتب الأوقاف عنده، وأنا ممَّنِ استعارَ منِّي
стр. 952
مِنْ كتبِ الخانقاه إذ كنت ناظرًا عليها، أو كما قال.
ومن تحرِّيه أنه أملى في تخريج "الأذكار" الحديث المسلسل بالمحبة، فالتمس منه الجماعة إيصال (١) التسلسل بقوله، فتوقف حتى أدار نظره إليهم، ثم قال بعد أن سكت سكتة: واللَّه إني أحبكم، فقولوا، ثم قال لهم بعد ذلك مما كتبوه عنه في أصل المجلس ما نصه: ومِنْ لطيف ما وقع في هذه السلسلة: ما حدَّثنا شيخُنا إمامُ الحفاظ أبو الفضل بنُ الحسين ﵀، قال: سمعنا هذا الحديث على الشَّيخ فخر الدين النُّوَيْري، وكان غايةً في الورع، فلما وصَلَتِ السلسِلَة إليه، سألناه أن يقول لنا، فسكت، فأعدنا، فقال: ما أعرِفكم، فتعرَّفنا إليه، إلى أن قال. رحمهم اللَّه تعالى.
وأما ضبط لسانه:
فأمرٌ لا يُوصَفُ، لكن عنوانه أنَّ بعض الحُسَّاد زَعَمَ أنه تعقَّب عليه في تصنيفٍ جمعه ما وقع في "معجم" صاحب الترجمة، وبالغ في ذكر ألفاظ لا يقابله عليها إلا الذي أنطقه بها، واطَّلعَ صاحب الترجمة على ذلك، فكتب عليه ما نصُّه: لا شكوى إلا إلى اللَّه، ولا حولَ ولا قوة إلا باللَّه، وحسبُنا اللَّه. اشتمل هذا التَّصنيف على نِسْبَةِ مصنفِ الأصلِ إلى أشياءَ نسبة المعترض عليه إليها (٢) لا تجتَمِعَ في آدمي فيما يغلِبُ على الظنِّ، فللَّهِ الأمرُ.
قلت: ثم سردها شيخُنا بخطه، وهي نحو خمسين صفة خارجة عَنِ السَّبِّ والدعاء عليه، وكذا سبّ ولده والدعاء عليه مما لا أستبيحُ ذكرَه، ومع ذلك فلم يَزِدْ على قوله: الحمدُ للَّه على كلِّ حال، واللَّه المستعان. حصل الجوابُ بعونِ اللَّه تعالى عَن جميع ما ذكر فيه مِنَ الاعتراضاتِ مِنْ غير تعرُّضٍ للفظة فاحشةٍ، ولا كلمة سوءٍ، ولا تشاغُلٍ بردها، بل الأمرُ فيها موكولٌ إلى مَنْ يجازي المُسيءَ، ولا يضيعُ أجرَ مَنْ أحسنَ عملًا. انتهى.
стр. 953
فتضمنت هذه الحكايةُ ضبطه للسانه، وأنَّه إليه النهاية في الحلم والاحتمالِ والتحرُّزِ مِنَ الدُّعاء على مَنْ ظلمه، عملًا بقوله ﷺ : "مَنْ دعَا على مَنْ ظلمه، فقد انتصَر"، مع أنه ممن لا أشكُّ في إجابة دعوته، لا سيما وقد أخبرني بعضُ الثِّقات مِنْ طلبة (١) شيخنا أنه سمع الشيخَ الصالح العارف أبا الفتح محمد بن أحمد الفُوِّي حينَ التمس منه في (٢) بعض الحوادثِ التي جرت لصاحب الترجمة التوجُّهَ إلى اللَّه تعالى في مَنْ يعتَمِدُ أذيَّته والتَّشويش عليه بقوله: واللَّه لو توجَّه هو فيهم إلى اللَّه تعالى في ليلة، لكُفِي أمرهم، لأن عَلَمَ الولاية على رأسه. انتهى.
وذكر لي أبو المواهب المغربي، الشهير بابن زغدان، قال: سمعت قائلًا يقول في المنام: إذا كانت لك إلى اللَّه حاجة، فتوسل بابن حجر ثلاث مرات، فإن اللَّه يقضي حاجتك (٣).
وحكى لي الشيخ بهاء الدين بن حرمي، أحدُ جماعة صاحب الترجمة، قال: كنت إذا عرض لي أمر، أذكره له، رجاءَ بركتِه والتماس مساعدته، فلمَّا مات، عَرَضَ لي عارضٌ، فجئتُ الشَّيخَ شهابَ الدِّينِ الأبشيطي العالمَ الصَّالح، فذكرت له ذلك، فقال لي: توجَّه إلى اللَّه بشيخك، وأشار إلى صاحب الترجمة، يقضي اللَّه حاجتك، وذكر له كيفيَّة ما يفعلُ (٤).
وحكى لي صاحبنا الشيخ فخر الدين عثمان الدِّيمي الأزهري عن بعض الثقات أنه سمع الكمال المجذوب يقول: إنَّ صاحب الترجمة ما مات حتى تقطَّب.
стр. 954
ووراء كونِه لم يدع رتبةً أرفع منها، وهو منعه مَنْ يفعلُ ذلك مِنْ طلبته، كما أخبرني الشيخُ البدر أبو علي حسن بن علي الدِّماطي الضَّرير وهو مِنْ طلبته، أن صاحبَ الترجمة سمعه وهو يدعو على مَنْ يروم مَساءته فمنعه مِنْ ذلك، وقال: سلِ اللَّه أن يكفيني أمرَهم.
ونحوه مما شاهدتُه: أنَّ بعضهم حضر إليه وهو مسرورٌ، وأخبره بإدخالِ بعضِ مَنْ ناوأه حبس ذوي الجرائم، فتغيَّظ على المخبِرِ، وقال: إنَّما يفرَحُ بهذا فاسقٌ مِنْ أجل تلبُّسه بهذا المنصب الشريف. انتهى.
والحامل للطاعنين في علاه إنما هو الحسد، وما أحقَّهم بقولِ القائل:
حسَدُوا الفتى إذ لم ينالُوا سعيَهْ ... فالقومُ أعداءٌ لهُ وخُصُومُ
كضرائرِ الحَسْنَاءِ قُلْنَ لوجهِهِا ... حسدًا وبغيًا: إنَّه لدَمِيمُ
يا كعبُ ما إن رأى مِنْ بيتِ مَكْرُمَةٍ ... إلا له مِنْ بيوت النَّاسِ حسَّادُ
حَسَدوكَ أنْ رأوْكَ فضَّلك الـ ... ـله بما فُضِّلتَ به النُّجَبَا
إن يحسُدُوني فزادَ اللَّه في حَسَدِي ... لا عاشَ مَنْ عاشَ يومًا غيرَ مَحْسُودِ
ما يُحْسَدُ المَرءُ إلا مِنْ فضائِلِه ... بالعلم والبأس أو بالمَجْدِ والجُودِ
فازدادَ لي حَسَدًا مَنْ لستُ أحسُدُه ... إنَّ الفضيلةَ لا تَخْلو عَنِ الحَسَدِ
وقال الصَّفِيُّ الحلِّيُّ فيما أنبأني به أبو هريرة القبَّاني، عَنِ ابنِ رافعٍ، عنه:
أوَدُّ حُسَّاديَ أن يكْثُرُوا ... وأعذُرُ الحاسِدَ في فِعْلِهِ
لا أفْقِدُ الحُسَّادَ إلا إذا ... فقدت ما (١) أُحْسَدُ مِنْ أجْلِهِ
وقال غيرُه:
стр. 955
ما ضرَّني حَسَدُ اللِّئامِ ولم يَزَلْ ... ذو الفَضْلِ يحسُدُه ذَوُو النُّقْصانِ
يا بُؤْسَ قَوْمٍ ليس ذنبي بينهم ... إلا تَظَاهر نِعْمَةِ الرَّحمنِ
إنَّ العرانينَ تَلَقَّاها مُحَسَّدةَ ... ولا ترى للِئام النَّاسِ حُسّادا
وقيل:
أُغْرِيَ النَّاسُ بامتِداحِ القديم ... وبِذَمِّ الحَدِيثِ غير ذَمِيمِ
ليس إلا أنَّهم حَسَدُوا الحيَّ ... ورَقوا على العِظامِ الرَّميمِ
وفي المعنى:
النَّاس أعداء لرَبِّ فضيلةٍ ... مشهورةٍ ما دام حيًّا يُرْزَقُ
فإذا قضى أثنى عليه عدُوُّه ... كلَّ الثَّنا وَهُو المَغِيظُ المُحْنَقُ
وقد روينا عن المزني أن الشافعي ﵀ قيل له: إن فلانًا يقول: الشافعيُّ ليس بفقيه، فضحك، وأنشأ يقول:
إنِّي نَشَأتُ وحُسَّادي ذوو عَدَدٍ ... ربَّ المعارجِ لا تُفْني لهم عَدَدا
وعن الربيع، سمعت الشافعي ينشد:
كلُّ العداوةِ قد تُرجَى إماتَتُها ... إلا عداوة مَنْ عاداك بالحسد
وسمعته أيضًا يقول: يحسُدُني مَنْ هو مني إذ ليس مثلي، ويحسُدُني مِنْ هو مثلي إذ ليس منِّي.
وأنشد أبو الطَّيب سهلُ بن محمد بن سُليمان الصُّعلوكي للشافعي أيضًا:
وذو حَسَدٍ يغتابني حيثُ لا يرى ... مكاني ويُثني صالحًا حَيْثُ أسمَعُ
تورَّعْتُ أن أغتابه مِنْ ورائه ... وما هو إذ يغتابُني متوَرِّعٌ
وروينا مِنْ طريق المُزَنِيِّ والرَّبيع، كلاهما عَنِ الشَّافعي:
стр. 956
لما عَفَوْتُ ولم أحقِدْ على أحدٍ ... أرَحْتُ نفسي مِنْ همِّ العداواتِ
إني أُحَيِّي عَدُوِّي عندَ رؤيتِه ... لأدفَعَ الشرَّ عنِّي بالتَّحيَّاتِ
وأُحْسِنُ البِشْرَ للإنسانِ أبغُضُه ... كأنه قد حشا قلبي مَسَرّاتِ
ولستُ أسلَمُ مِنْ خِلٍّ يخالِفُني ... فكيفَ أسلَمُ مِنْ أهلِ العداواتِ
ولستُ أسلمُ ممَّن ليس يَعْتَبُني ... فكيف أسلَمُ مِنْ أهلِ المودَّات
والمحسود أبدًا يُقْدَحُ فيه، لأنَّ الحاسدَ لا غَرَضَ له إلا تتبُّع مثالبِ المحسودِ، فإن لم يَجِدْ، ألزَقَ مثلبتَه به، وقد قيل:
عِداتي لهم فضل عليَّ (١) ومِنَّةٌ ... فلا أذهبَ الرَّحمنُ عنِّي الأعاديَا
همُ بحثوا عَنْ زلَّتي فاجتنبتها ... وهم نافَسُوني فاكتسَبْتُ المعالِيَا
على أنَّه ﵀ لم يزدَدْ مع طعنهم في جنابه (٢)، وخوضهم في شريفِ مراتبه إلا رفعةً.
ما يضرُّ البحر أمسى زاخرًا ... إنْ رمى فيه غلامٌ بحَجِرْ
ما ضرَّ بحرُ الفراتِ يومًا ... إذ خاضَ فيه بعضُ الكلابِ
لو رجمَ النَّجمَ جميعُ الورى ... لم يصلِ (٣) الرَّجمُ إلى النَّجمِ
يا ناطِحَ الجبل العالي ليَكْلِمَه ... أشْفِقْ على الرَّأس لا تُشْفِقْ على الجَبَلِ
كناطحٍ صخرةً يومًا ليفلِقَها ... فلم يَضِرْها وأوهى قرنه الوَعِلُ
لا تَضَعْ مِنْ عظيمِ قدرٍ وإن ... كنْتُ مشارًا إليه بالتَّعْظيمِ
стр. 957
فالعظيمُ الخطيرُ يَصْغُرُ قدرًا ... بالتَّعَدِّي على الخَطيرِ العَظيمِ
وَلَعُ الخمرِ بالعقول رمى الـ ... ـخمرَ بتنجيسها وبالتَّحريمِ
وقلَّ مَنْ يخلو مِنْ كلام؛ لكون اتِّباع الهوى هو الأغلب إلَّا في النادر، والبلاءُ في تتابُعِ الألسنة كلها. نسأل اللَّهَ التوفيق.
ومَن ذا الذي يَنْجو مِنَ النَّاسِ سالمًا ... وللنَّاس قالٌ بالظُّنون وقيلُ
وهذا لأبي العتاهية، وقبله:
أرى عِلَلَ الدُّنيا عليَّ كثيرةً ... وصاحبُها حتَّى المماتِ عليلُ
وقال الآخر:
سلمت وهل حيٌّ مِنْ الناس يَسْلَمُ (١)
ومن سعة حلمه أيضًا:
أن بعضَ الشعراء (٢) ممن عاونَ في المصنَّف المشار إليه بالَغَ في هجائه، فما احتمل أتباعُ صاحب الترجمة ومحبيه -لا سيَّما ولده- ذلك، وأمروا بإحضاره فأُحْضِر، وبلغهَ ذلك، فتغيَّظ عليهم، وأمر بصرفه مُكْرَمًا، بل أنعم عليه بشيءٍ مِنَ الدُّنيا.
بل أخبرني قاضي القضاة شيخُ المذهب العز الحنبلي أنَّ المشارَ إليه أخبره أنَّه ضبط ما يَصِلُ إليه منْ صاحب الترجمة، فكان ألف درهم في كلِّ شهر، وكان يقول: لستُ الآن أتردد لَمن تحصُلُ لي منه الدنيا والآخرة غيره، يشير إلى أنَّه كان -مع كثرة إنعامه عليه- يستفيدُ عنه علمًا جمًّا، كما أسلفتُه في أوائل الباب الثاني.
стр. 958
ولقد قال الشيخ محمد بن زكِّينة النِّحريري الطَّويل، ويقال له: ابن القاضي، أحدُ المادحين لصاحب الترجمة، وهو ممن أضربنا عن إيرادِ شيءٍ مِنْ شعره، وكان هو يحضُّ أهلَ المجلس على الإصغاء لسماع مدائحه التي يتولى إنشادها بين يدي المُمَدَّح بصوته الجهوري، حتى قال مرَّةً للنَّواجي، وهو الذي أهملت ذكره: يا نواجي، إنِّني لسماعِك راجي، وإلا أكونْ لك هاجي، مخاطبًا (١) لصاحب الترجمة: يا مولانا، لِم تُعطي النَّواجي في قصيدته ثلاثةَ آلاف وتعطيني في قصيدتي ثلاثمائة؟ فقال: أما سمعت: "اقطَعوا عنِّي لسانه"؟ انتهى.
وإذا تأمَّلتَ ما حكيته عَن هذا الشَّاعر المبدأ بذكره، علمتَ سُوءَ طباعِه ودناءة أصلِه، حيثُ يقول [ما أستغفرُ اللَّه مِنْ إثباته] (٢):
يا مَنْ يَرُومَ نوالًا مِنْ بني حَجَرٍ ... لقد نَزَلْتَ بوادٍ غيرِ ذي ثَمَرَه
كيف تُرَجَّى خيورٌ تأتِ مِنْ حَجَرٍ ... وهو المُعَدُّ للاستنجاء والعَذَرَه
لكن قد عارضه بعضُ أصحابنا، [فأنشدني] (٣) البدر الأنصاريُّ ﵀ لنفسه:
يا مَنْ يرومُ عطاءً مِنْ بني حجرٍ ... لقد أمَمْتَ عظيمًا فاسْتَمِع خبَرَه
منه تفجَّر ماء العَذبِ ثمَّ وكَمْ ... مقبِّلٍ في طوفٍ مرَّة حَجَرَه
ومما يُنسب لبعضهم:
دحاك اللَّه مِنْ حَجَرٍ دعانا ... إلى البيداء وهو بها مُقَصِّرْ
فأبْشِرْ بانكسارٍ عَنْ قريبٍ ... ومُت كمدًا فما لَكَ مِنْ مجبِّر
قلت: ويظهر أنهما للشاعر الأول، فما يجسُر لذلك غيرُه. قاله تعصُّبًا لمن استعانَ به فيه، حيثُ نَسَبَ لصاحبِ التَّرجمة قوله:
دعاوى فاعلٍ كثُرَتْ فسادًا ... ومَنْ سَمِعَ الحديث فسَوفَ يُخْبِرْ
стр. 959
ولولا أنَّه رام انكسارًا ... لما طَلَبَ الإعانَةَ بالمُجَبِّر
ولولا تبشيع بعضِ الناس في إيرادِ ذلك، ما أثبتُّ شيئًا مِنْ هذا، واللَّه يغفر لنا أجمعين.
وكنت مرَّةً بين يديه بالمنكوتمرية، فجاء إبراهيمُ ابن الشيخ جمال الدين عبد اللَّه ابن الحافظ شهاب الدين أحمد العُرياني، وكان حينئذٍ متَّصفًا بما علمتَه غائبَ العقلِ، فوقف مِنْ وراء شُبَّاكها، وأخذ في السَّبِّ الفاحش والألفاظ القبيحة، فقال: نقومُ إلى أن يفرَغ أو يروح، ونهضَ فدخل مِنْ باب الخلوة، وردَّ بابها يسيرًا، فترك العرياني الشُّبَّاكَ وانصرفَ، فظنَّ صاحب الترجمة توجُّهَه بالكلِّيَّةِ، ففتح باب الخلوةِ ووقف، وإذا بالعرياني أقبل مِنْ باب المدرسة، وأخذ فيما كان فيه وأزيَدَ، فقال: ما بقيَ إلا الانصراف، وغلَّق البابَ وذهب، واستمرَّ المخذول فيما هو فيه ساعةً، ولم يمكِّن مع ذلك كله أحدًا مِنَ التَّعرُّضِ له، بل سمع أنَّه في تلك الليلة أمسكه بعضُهم -لا لهذا السبب- بأعوانِ الوالي، فأرسل إليه وأطلقه.
ولما مات شيخُنا ابن خضر، وكان بيده تدريسُ الحديث بالبيبرسية نيابةً عن صاحب الترجمة، توجه الشَّريفُ موسى السِّرسنابي للناظر، وسعى فيه لنفسه بناءً -فيما يظهر- على أن ابن خضر كان فيه استقلالًا، فلم يُجَب، ووصل علم ذلك لشيخنا، فلم يظهر له شيئًا مِنْ ذلك، ولا كان بمانع له عن إقرائه. نعم، قال بعد أن فرَغَ مِنْ قراءة درسه لبعض جماعته: هذا سعى في وظيفتي، ثم جاء يقرأ عليَّ!
واجتاز مرةً وهو في طائفة مِنْ جماعته بباب جامع العمري، وثَمَّ شخصٌ يقال له: علي بن خليفة، يُذكر بالجذب، فبدت منهُ كلماتٌ يابسةٌ، منها قوله: عمائم كالأبراج، وأكمام كالأخراج، والعلمُ عند اللَّه. فرام بعضُ جماعته منه تعزيره بالحبس ونحوه، فامتنع وقال: هذا مجذوب يسلم له حاله، وقدر أن صاحب الجامع عَلِمَ بذلك فتألَّم، وطرد الرَّجُلَ المشار إليه أو هجره بعد أن قال له: هذا شيخ السُّنَّةِ، أو كما قال.
وأحضروا له مرةً مراسلةً مِنْ بعضِ تلامذته إلى القاياتي قاضي الشَّافعية
стр. 960
إذ ذاك، فرأى فيها مكروهًا كثيرًا، بل قيل: إنَّ هذا التِّلميذَ لو رأى مِنْ القاياتي حينَ قُدومه مِنْ هذا السفرة التي كاتبَه فيها بما أُشير إليه مزيدَ إقبالٍ، لكانَ هُو المطاعِنَ في صاحب التَّرجمة وولده عنده، لكنَّه خُذلَ ببابه في كائنةٍ سهلة.
ورأى شيخنا مرة قد ترجم التَّاجَ عبد الرحمن بن الشهاب الأذرعيِّ قاضي دمنهُور، وقال في ترجمته: رحل إليه ابن فهد، فكتب المشارُ إليه بهامشِ خطِّه ما نصُّه: سبحان قاسمِ الحظوظ، لم يرحل إليه ابنُ فهدٍ إلَّا معي، ولا سَمِعَ عليه إلا بقراءتي. ووقف صاحب الترجمة على ذلك، وكان وقع في خاطري جمع ترجمة شيخنا في حياته، والتمستُ منه أن يملِيَ عليَّ منها ما لا أطَّلِعُ عليه إلا مِنْ قِبَله، فقال لي: قد كتب فلانٌ -وعنى المهملَ- عنِّي شيئًا مِنْ هذا، والآن كما حضر عندي صهرُه، وأرسلتُ له به معه، فاطلُبْه منه حتَّى أُرشِدَك لما فيه حصولُ المقصِدِ، فتوجهتُ مِنْ فوري إليه، وحكيتُ له الواقعة، فقال لي بصوتٍ مرتفع: هيهات هيهات، قد غيَّرتُ وبدَّلتُ، أيظُنُّ بقاءها كما شاهدها. لا واللَّه، فرجعتُ وبي مِنْ الغُبن ما اللَّه به عليم. هذا وصاحبُ الترجمة يعلم بذلك وأزْيَدَ منه، ويحلم عليه في ذلك كلِّه، بل ولا يظهر له إلا الجميلَ ولينَ القولِ والانبساط، أثابه اللَّه على صنيعه.
ولما مات صاحبُ الترجمة، توجَّه هذا المبهم لبعض خواصِّ الكمال ابن البارزي منْ أحبابنا، كثَّر اللَّه منهم، وقال له عن ولدِه: إنَّه عاميٌّ، وصفته كَيْت وكَيْت، وذكر أوصافًا، وأُحبُّ أنَّ القاضي يأخذ لي مِنَ الكتب التي عنده الكتابَ الفلانيَّ، فما انجرَّ المشارُ إليه معه لهذا، حِفْظًا لشيخه في ولده، لمزيدِ حُبِّه فيه، وما بلغ -وللَّه الحمد- منه أربًا. وحاول مناكدَتَه مرَّةً بعد مرَّةٍ، فما ظفر.
وقد أسلفت في الباب الرابع حكايةً للوجيزي أيضًا دالة على سعة حلمه.
وكتب له بعض الطلبة ورقة فيها ألفاظٌ غير لائقةٍ بجنابه، لكونِ هذا الطالب تعرَّض له طالبٌ آخر، وشيخهما ساكتٌ، فلم يُعجِبْه ذلك، ولامه عليه، فكتبَ له ما نصه: نظرَ العبدُ لما سطر باطنها، والجوابُ ما قيل به
стр. 961
(أبعد ستِّين منِّي يبتغي الأدباء)، فضلًا عَنْ سبعين، فضلًا عَنْ ثمانين. وقد قيل أيضًا:
والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتَّى يوارى في ثرى رِمْسِهِ
إلى أن قال: ونحنُ ابتُلينا بقوم ما تعودوا تربية أهلِ الكمال، وإنَّما تعوَّدُوا بجفاءِ الأغفال، فلا حولَ ولا قوَّة إلا باللَّه.
ونحوه قوله لبعض جيراننا: قد ابتُلينا بمن ينازع فيما نقولُه ويوهيه مشافهةً، بل وصرَّحَ بأعلى مِنْ ذلك بدون أدب. ولطالما أُوذِيَ ﵀ مِنْ أتباعه وبعض طلبته، فيحتسبُ ويصبِر.
اتَّفق أنَّه قام في منع خطبة أُحدثت بمصر بمدرسةٍ جَعَلَ واقفُها فيها مدرسًا، وطلبه بعد إبطالِ الدَّرس ليصرِفَ معلومَه في الخُطبة وتوابِعِها مِنْ غيرِ ضَرُورةٍ للتعدُّدِ ولا مُسَوِّغ معتبر للإبطال، وعورض في صنعه بحيث لم يتمَّ قصده.
ورام بعضُ أهلِ الدَّولةِ التسلُّط على أهلِ الذِّمَّة المؤدِّين للجزية في أخذِ أموالهم، مستندًا إلى أنهم أحدثوا في الكنائس بناءً، ونحو ذلك، فعارضه بمذهبه، حيثُ لهم إعادة ما استُهْدِمَ منها بشرطِه، فشافهه حينئذٍ تلميذُه القاضي بدر الدِّين بن التنسي بما لا أحب إثباتَه وإن تعرَّض له بعضُ المؤرِّخين.
وكنت بين يديه بتربة قجماس، أقرأ عليه بعضَ المرويَّات بمحضرٍ حافلٍ، فيه شيخ الإسلام الأقصرائي والبدرُ البغدادي الحنبلي، أحدُ تلامذة صاحب الترجمة، ومَنْ شاء اللَّه مِنَ الخلق، يوم توفي شيخنا المستملي أبو النَّعيم رضوان العُقبي (١)، وكان مِنْ جملةِ الحاضرين الشيخ شهاب الدين العُقبي، وهو أخو المتوفى المذكور، فلما تمَّتِ القراءةُ، واستجزتُ المسمِعَ على العادة، التمس منِّي الحنبليُّ المذكورُ -بحضور شيخنا- استجازة
стр. 962
العقبي، وفهمتُ قصده في ذلك، فلم ألتفت لقوله، وكرر ثانيًا وثالثًا، وصمَّم وجاكر، فلم أُجِبْ سؤاله، وقلتُ في المجلس: لا أستجيزُ بحضورِ شيخِ مشايخ الإسلام استجازةَ غيرِه أدبًا. وصار شيخنا لا يُظهر تأثرًا بذلك، مع فهمه مِنْ مقصده ما فهمْتُ، بل صار يقول: قد أعلمتُ أصحابنا بما للشِّهاب معي مِنْ المسموع. وخرَّج له صاحبنا -وأشار إلي- مشيخةً بيَّن فيها ذلك (مع غيره) (١)، وأحضرها إليَّ، فكتبت له عليها "الفتح القُربي في مشيخة الشِّهاب العقبي".
واتفق حضورُ الجنازةِ، وقيامُ الجماعةِ للصَّلاة، ورجع ما أخفاه الحنبليُّ في هذه الواقعة عليه، فاستمرَّ مضمرًا لي ذلك مع حادثةٍ اتَّفقت لي معه بعد وفاة صاحب الترجمة، قُهِر -وللَّه الحمد- فيها كهذه أو أعظم، وما كفَّه عنِّي إلا اللَّه ، لما علمت مِنْ شدَّة بأسه، وقيامه في ناموس نفسه. وكنتُ لما استشعرت منه إضمارَ شيءٍ مِنْ أجل ذلك، واتَّفق توجُّهي لمكَّة المشرفة، شربتُ ماء زمزم لكفاية أمره، ورجعت فقابلني بالإكرام، ووالى ذلك عليَّ مرَّةً بعد أخرى، وصِرْتُ بسبب ذلك أتردَّد إليه أحيانًا، إلا أنَّه مات عَن قُرْبٍ جدًا، رحمهم اللَّه تعالى.
هذا مع أنَّ الحنبليَّ المشار إليه كان تلميذه ونائبه، بل كان يحكي عن نفسه أنَّه كان ابتداء أمره يقرأ "الشفا" عند ضريح إمامنا الشَّافعي، وفي يوم ختمه يحضُرُ شخصٌ مِنْ المتموِّلين (٢)، فيفرقُ على الفُقراء الحاضرين صُرَّة صرَّة، ويُعطي القارىء فيما بينهما صُرَّةً جيدة. قال: فاتفق في بعض السِّنين أن ماتَ هذا الرَّجل يومَ الختم. قال: فقلت في نفسي: مِنَ الإنصاف حضورُ جنازته، ثمَّ نرجع، فنختم، ونُهدي ثوابَ ذلك في صحيفته، ففعلتُ بحضورِ مَنْ له عادةٌ مِنْ الفقراء في الحضور، وحصل منهم تألُّمٌ على فقده، فلمَّا كان مساء تلك الليلة، رأيتُ في المنام كأنَّ عندي مِنَ الغنم ما لا
стр. 963
أصِفُه، فلمَّا أصبحت أُخبرتُ عَنْ شخصٍ مِنَ الأعيان أنَّه ترك وظيفته (١) بالشَّيخونية، وسافر. قال: فجئتُ -يعني صاحبَ الترجمة- وكان ذلك قبل استقراره في القضاء، وكنتُ أراه بمنزلة الوالد، فأعلمتُه بذلك، فبادر وتوجَّه معي إلى ناظرها، فوصف له حالي، فقرَّرني فيها، ولم يكتَفِ النَّاظر بذلك، بل أنعم بثوبٍ بعلبكِّيِّ وبأقماع سكَّرٍ ودراهمَ جيدة، وانصرفنا فتوجه معي أيضًا إلى القاضي ناصر الدين البارزي صاحب ديوان الإنشاء، فتفضَّل أيضًا، وكان ذلك ابتداءُ الخير، ثم جات الغنيمةُ شَيئًا فشيئًا، وتحقَّقتُ أنَّ هذا كلَّه ببركةِ الإمام الشافعي. انتهى.
وجاء إلى صاحب الترجمة شخص آخر مِمَّن نال منه كثيرًا، بل ربما شافهه بالمكروه، فتلطَّفَ في خطابه، وكان مِنْ جُملة قوله له: كُنْ مِنْ أمَّةِ أحمد، ولا تكُنْ مِنْ قومِ صالح، فقال له: شَرْعُ مَنْ قبلَنا شرعٌ لنا، ما لم يَرِدْ ناسخٌ. انتهى.
وللَّه دَرُّ القائل في مَنْ يُعرِض عمَّن يؤذيه:
لو كلُّ كلبٍ عوى ألقمته حجرًا ... لأصبحَ الصَّخْرُ مثقالًا بدينارِ
وقال غيره:
ومن (٢) قابل الكلبَ العقورَ بما عَوَى ... وقاتله عَمْدًا لَمِنْ شِيَمِ الجَهْلِ
لأنَّ مكافاة الكلابِ نقيصَةٌ ... تَعُزُّ على الأحرار مِنْ جِهَةِ العَقْلِ
كل هذا مع قدرته على الانتقام، ولكن كان يعفو عند المقدرة، ويتفضَّل اللَّه بحصول الانتقام في الدُّنيا قبل الآخرة مِمَّن ناوأه ممَّن لم يُخْلِصْ في التَّوبة ويظهر النَّدمَ والرُّجوعَ، ويعزِم على عدم العَوْدِ، كما فعل ابن التنسي رحمهما اللَّه تعالى، فإنِّي رأيته حضر عند قبرِ شيخنا، وصار ينتحب بالبكاء ويصرِّح بالتأسُّف على فَقدِهِ، ويقول: ما كنَّا نظنُّ حصول هذا
стр. 964
الأمر بنا بعدك، يشيرُ إلى كائنةٍ اتَّفقت له في قيامه في المنع مِنْ قتل الكيماوي الذي كان ينتسِبُ إلى الشرف، معارضًا للسلطان، وقيام الفاضل شمس الدين الدسطي المالكي بمعاونة أبي الفضل البجائي المغربي في اتِّباع عَرَضِ السُّلطان، ليتوصَّلا بذلك إلى غرضهما مِنْ ولايةِ المنصب، وغير ذلك، حتى قُتِلَ المشارُ إليه بعد أن عُقِدَ مجلسٌ حافلٌ بسبب ذلكَ، وجاهر كلٌّ مِنَ المذكورين ابن التِّنسي بمكروه، فما احتمل ذلَك، وقام بعدَ انفضاضِ المجلسِ متوجِّهًا لقبرِ صاحب التَّرجمة، وفعلَ ما قدَّمتُه، وأفضى به الحال مِنْ شدَّة القهر إلى أن مات عَنْ قربٍ، وما كان مقصدُه في ذلك إلا جميلًا، فقد كان متثبِّتًا في الدِّماء، بل وفي سائر الأحكام.
وأما مَنْ عارضه، فانعكس مقصودُهما، ومُقِتَا عندَ الخاصَّةِ والعامَّةِ، وتشتَّتَ شملُهما، واستمرا في انخفاضٍ حتى ماتا.
وكان بعد موت البدر المذكور، توهَّم البجائي حصولُ المنصب، فقام نظامُ المملكة في استقرار القاضي وليِّ الدين السُّنباطي، وحَمَدَ المسلمون ذلك، كما حمدوا ولاية القاضي حسام الدين ابن حريز بالنسبة لمن رَفَعَ رأسه لها بعد موت السُّنباطي المذكور، كالبجائي أيضًا وغيره، لما لا يخفى مِنْ سيرة كلٍّ وسريرته، فسبحانَ الفعَّال لما يريد.
وما كنتُ أحِبُّ إثباتَ شيء مِنْ ذلك، إلا أنِّي لا آمَنُ حكايةَ الأمورِ على غير جليتها، خصوصًا مِنْ بعض مَنْ ينتسِبُ إلى صاحب الترجمة وإلى البجائي، فأحبَبْتُ الإشارةَ إلى ما لعلَّه يُفْهَمُ منه المقصود.
وبالجملة، فقد رأينا غيرَ واحدٍ ممَّن آذى صاحبَ الترجمة أو عارضه، أو تعرَّض لنقصه أو صرَّح بالوقيعة فيه، أو غير ذلك ممَّا الحاملُ على أكثرِه الحسدُ واتِّباعُ هوى النَّفس، مئه مِنْ أنواعِ العُقوبات والمِحَنِ ما لا يُعَبَّرُ عنه حتى بإدخال المقشرة، بل ونثر الأسنان أيضًا، مما يتشدَّق في حقِّه بفيه، بحيث لا يُقال له: أجدت لا يَفْضُضِ اللَّه فاك، لكن أغضينا عَنْ تفاصيل أحوالهم، مشيًا على سُنَّتِه، وما أحسنَ قولِ القائل:
стр. 965
عَدُوُّكَ مذمومٌ بكلِّ لسانِ ... ولو كان مِنْ أعدائِكَ القَمَرَانِ
وللَّه سرٌّ في علاك وإنَّما ... كلامُ العِدَا ضَرْبٌ مِنَ الهذيانِ
رأيت الذي ينوي لك الغدرَ يُبْتَلى ... بغدر حياةٍ أو بغدر زمانِ
وأغربُ ما اتَّفق مِنْ ذلك: أن واحدًا ممَّا أشيرَ إليه سَمِعَ منه التَّصريح بقوله: لا بدَّ أن أُغري السُّلطانَ عليه حتى يفعل به كيت وكيت، وذكر ما قدر أنَّه وقع لقائله مِنْ سجنٍ وأخذِ مالٍ وغيرِ ذلك، نسأل اللَّه السلامة.
وكذا مِنَ الغريب أنَّ بعضهم تعرَّض لولده، ولم يحفَظ حقَّ والده فيه، فقوصِصَ في ولده بعدَ حينٍ، إلى غيرِ ذلك ممَّا لا نُطيل بشرحه، وللَّه در القائل:
وما سادَ أحدٌ ناواه ... ولا كان ذا اسْتِنْصَار
ولا ساء مَنْ تولَّاه ... بل عمَّه بالفَضْلِ المِدْرَار
ليس للعِلْمِ في الجهالَةِ حظٌّ ... إنَّما العلم طرفُهُ الإغضَاءُ
وأمَّا مَنْ لم ينتقم منه، فالآخرة خير وأبقى.
وممَّا بلغني عنه أنَّه قال: مماليكُ الملِكِ على أقسام ثلاثة، منهم مَنْ هو معه ظاهرًا وباطنًا، ومنهم مَنْ يخالِفُه باطنًا، ومنهم مَنْ يتظاهَرُ بمخالفته، وهو مع ذلك لا يحب أن غيره يتعرَّضُ لهم، بل ينتقم ممَّن يتنقَّصُهُم، أو يؤذيهم، ولا شك أنِّي في معظم عُمري (١) قائمٌ بالذَّبِّ عَن حديثِ النبي ﷺ وفي خدمته، فنِسْبَتي إليه بذلك صحيحةٌ، وإن كنتُ مقصِّرًا، وأرجو بذلك أن يحفظني ويكفِيني سائر مُهِمَّاتي، أو كما قال.
ولا شكَّ أنَّ لحوم العلماء مسمومة، وقد قال النبيُّ ﷺ "مَنْ آذى لي
стр. 966
وليًّا، فقد بارزني بالمحاربة. . . " الحديث. والعلماءُ همُ الأولياء، لا سيَّما وقد أسلفتُ (١) التَّصريحَ عَن بعض أهلِ الأحوالِ بولايته وقطبيته وغير ذلك، بل وسيأتي قريبًا ذكر شيء مِنْ كراماته.
ومنها: أنَّه بلغني ممَّا لم أسمعه منه، أنَّه قال في حقِّ القاضي بدر الدين السَّعدي الحنبلي: صِغَارُ قومٍ كبارُ قومٍ آخرين، وظهر تصديقُ مقاله فيه بعد أزيدَ مِنْ خمسةٍ وعشرين سنة.
قلت: ولقد رأيناه -رحمه اللَّه تعالى- إذا بالغَ في الغضب على أحدٍ مِنْ خَدَمِه أو أتباعه، يقول: إنا للَّه.
وهذا قريبٌ ممَّا حكاه العجلي في ترجمة عبد اللَّه بن عَوْنٍ البصري أنَّه كان إذا غَضِبَ على أهله، قال: بارك اللَّه فيك، وأنَّه قال لابنٍ له يومًا: باركَ اللَّه فيك، فقال له الابن: باركَ اللَّه فيَّ؟ قال: نعم. قال له بعضُ مَنْ حضره: ما قال لك إلا خيرًا. قال: ما قالَ لي هذا حتى أجهَدَه. انتهى.
ولم يكونوا ﵃ ممَّن يعوِّد لسانه الفُحْشَ. قال السيد عيسى عليه وعلى نبيِّنا أفضلُ الصلاة والسلام لخنزيرٍ لقيه: اذهب بسلام. فقيل له في ذلك، فقال: أكرَهُ أن أعوِّدَ لساني النُّطقَ بسوءٍ.
قلت: ومع وُفور حلمه، وعدم سرعة غضبه، فكان سريعَ الغضبِ في اللَّه ورسوله، ويصرح -كما سلف في أول أجوبته في الفصل الخامس مِنَ الباب السادس- باقتداء النَّاس في هذه الأزمان بأولي الجهل، وعدم معرفة الحقِّ، وسيادةِ الوَضيع، وتغيُّر الأحوال، حتَّى عاد الدِّينُ غريبًا، إلى غير ذلك ممَّا يشهدُ لصدعه بالحقِّ، وعدم المبالاة في اللَّه تعالى، واتَّفق -كما سمعتُه منه مرارًا- أنَّه جرى بينه وبين بعض المحبِّين لابن عربي منازعة كثيرة في أمرِ ابن عربي، أدَّت إلى أن نال شيخُنا مِنَ ابنِ عربي لسُوء مقالته، فلم يسهل بالرَّجُلِ المنازع له في أمره، وهدَّده بأن يُغْرِيَ به الشيخ صفاء الذي كان الظَّاهرُ برقوق يعتقدُه، ليذكرَ للسُّلطان أنَّ جماعة بمصر منهم فلان
стр. 967
يذكرون الصَّالحين بالسوء، ونحو ذلك، فقال له شيخنا: ما للسُّلطان في هذا مدخَلٌ، لكن تعالَ نتباهل، فقلَّما تباهَلَ اثنان، فكان أحدهما كاذبًا إلا وأصيب، فأجاب لذلك: وعلَّمه شيخُنا أن يقول: اللهم إن كان ابنُ عربي على ضلال، فالعَنِّي بلَعْنَتِكَ، فقال ذلك: وقال شيخنا: اللَّهُمَّ إنْ كان ابنُ عربيٍّ على هُدى، فالعني بلعنتك، وافترقا.
قال: وكان المعانِدُ يسكن الرَّوضةَ، فاستضافه شخصٌ مِنْ أبناء الجُند جميل الصُّورة، ثمَّ بدا له أن يتركَهُم، وخرج في أوَّل اللَّيل مصمِّمًا على عدمِ المبيت، فخرجُوا يشيِّعُونه إلى الشَّختُور، فلمَّا رجعَ أَحسَّ بشيءٍ مرَّ على رجله، فقال لأصحابه: مرَّ على رجلي شيءٌ ناعم، فانظُروا، فنظروا فلم يَرَوا شيئًا، وما رجع إلى منزله إلَّا وقد عَمِيَ، وما أصبح إلا ميتًا. وكان ذلك في ذي القعدة سنة سبع وتسعين، وكانتِ المباهلة في رمضان منها، وكان شيخنا عند وقوع المباهلة عرَّف مَنْ حضر أنَّ مَنْ كان مُبطلًا في المباهلة لا تمضي عليه سنة.
قلت: وقد أشار صاحبُ الترجمة أيضًا إلى القصَّة في "شرح البخاري" أواخرَ المغازي عَقِبَ حديثِ حُذيفة ﵁، قال: جاء العاقِبُ والسَّيِّدُ صاحِبَا نجران إلى رسول اللَّه ﷺ يريدان يلاعناه أي يباهلاه، قال: فقال أحدُهما لصاحبه: لا تفعل، فواللَّه لَئِنْ كان نبيًّا فلاعنَّاه، لا نُفْلِحُ نحن ولا عقِبُنا مِنْ بعدنا (١). قالا: إنَّا نُعطِيكَ ما سألتنا، وذكرَ الحديث، ما نصُّه: فيه مشروعيَّةُ مباهلة المخالف إذا أصرَّ بعدَ ظهورِ الحجةِ، وقد دعا ابنُ عبَّاسٍ ﵄ إلى ذلك، ثمَّ الأوزاعي، ووقع لجماعةٍ مِنَ العُلماء.
ومما عُرِفَ بالتَّجربة أنَّ مَنْ باهل وكان مُبطلًا لا تمضي عليه سَنَةٌ مِنْ يومِ المباهلة، ووقع لي ذلك مع شخصٍ كان يتعصَّب لبعض الملاحِدَةِ، فلم يُقِم بعدها غيرَ شهرين.
وقد حاكى صاحب التَّرجمة في ذلك بعضٌ مِنَ الحُظوظ الدُّنيوية غالبة
стр. 968
عليه، ويروم عليها اعتماد صنيعه، لا سيَّما في شخصٍ يتجاذَبُ أطرافه جماعة فيهم مِنْ كائنته معه متراخية عَن كائنة المُشار إليه، فلا سمع ولا كرامة، بل نحمَدُ اللَّه على العافية، ونسأله إلهامَ رُشدِنا، ونستعيذ به مِنْ شُرور أنفسنا.
وأدى عدمُ إخلاصه إلى المبادرة لمخالفته والتصريح بانتقاصه، حتَّى قال فيه بعضهم عقب بيت ما أحببتُ إيراده هنا:
لو قالَ إنَّ الشَّمسَ تظهَرُ في السَّما ... وقَفَتْ ذَوُو الألبابِ عَنْ تصديقه
وحضر إلى صاحب الترجمة شخصٌ مِنْ ضواحي حلب، فاستأذنه للقراءة عليه عَقِبَ مجلسِ الإملاء فأذنَ له، فبادر بإحضارِ كُرسيٍّ، ووضعه وسط المكان، ثمَّ صعد عليه، وشرع في القراءة، فتبيَّن أنَّ في المقرُوء أشياءَ موضوعة، ونحو ذلك، فانزعج صاحبُ التَّرجمة، وسارع للقيام بعدَ أن نهرَ القارِىءَ، قائلًا له: أردت أن تقولَ: قرأتُ هذا على فلان، أو كما قال. وكأنَّه فَهِمَ مِنْ قرائن الحالِ جُرأةَ الرجل وإقدامَه، وخَشِيَ الاغترارَ به، فبادر للإنكار عليه، وعَدَدْتُ ذلك مِنْ كشفه، فإنَّ المشارَ إليه صار يقصُّ على الناس، ويُكثر مِنْ إيراد الأكاذيب والمُهمَلات، فلا حولَ ولا قوَّة إلا باللَّه.
وكذا اتَّفق له مَعْ شخص رام قراءة "شرح النخبة" عليه، فما أجابه، وتبين تلبُّسَه بما لا يليق اعتقادًا وعملًا.
وأحضر إليه شخص مصنَّفًا له في الحدود والضوابط، رام تقريظه له، فبادر ودفع له دينارًا، واعتذر عن عدم كتابته.
واتَّفق أنَّ صاحبَ الترجمة ﵀ كان شديدَ الإنكار على المنجِّمين ممَّن يَخطُّ بالرَّمل ونحوه، فسمع ذلك منه بعضُ مِنْ كان يحضر مجلسه، فأخذ في الإنكار على شيخ كان يتعيَّشُ مِنْ ذلك، مع كونه طعن في السِّنِّ، وكان مِنْ جملة قوله له: اعتقادُ هذا كفر مِنْ أجلِ ادِّعاء علم ما يكون قبلَ كونه، فبادر المشارُ إليه، وشكا الطَّالب لصاحب التَّرجمة، فاشتدَّ إنكارُه على
стр. 969
المنجِّم، وقال له بصوتٍ مرتفع: صدق (١)، هذا كفر.
وجاء مرَّة مجلس الإملاء، فوجد شخصًا مِنَ الجماعة قد آذى بعضَ الفضلاء، لكونه جلس فوقه، بحيثُ حكى لي مَنْ أثِقُ به أنَّه برك عليه والخنجرُ في كمِّه، وكان بينهما ما لا يليقُ ذكرُه، فانزعج لذلك، حتى إنَّه لم يؤدِّ مجلسَ الإملاء كعادته (٢)، وقال: خرجَ النَّبيُّ ﷺ ليخبرَ بليلةِ القدر، فتلاحى رجُلان، فرُفِعت. الحديث.
والحكايةُ منتشرةٌ بين أصحابنا مَع أشياءَ مِنْ هذا النَّمط وقعت لهذا المُهمَلِ، أظرَفها أنَّه خرجَ ليلةً مِنْ مجلس صاحب الترجمة بعدَ العشاء هو وصاحبنا الشَّيخ السُّنباطي والشَّيخ تقي الدين القلقشندي، فمشى السُّنباطي بجانبه، وكان المشارُ إليه بالجانب الآخر، بحيثُ صار التَّقي في الوسط، فتغيَّظ على السُّنباطي، وقال: لِمَ لَمْ تمش بجانبي حتى أكون في الوسط، إلى غير ذلك ممَّا له غيرُ هذا المحل، نسأل اللَّه التوفيق.
وأما حسن سياسته ومداراته، فلا يُلْحَقُ في ذلك.
وأما صبرُه على مَنْ تعرَّض له مِنَ الحوادث البدنيَّة والمالية، وعدم إعلامه بذلك كبيرَ أحدٍ، فغير خفيٍّ.
وسمعتُ بعضَ خدَّامه يحكي -واللَّه أعلمُ بصحَّته- أنَّه بينا هو راكبٌ في بعض توجُّهاته، إذ أحس بشيءٍ مِنْ داخل خُفِّه، بحيث صار يتضوَّرُ، لكن وهو صابرٌ لا يتكلَّم، إلى أن رجَعَ، فوجدوا ذلك عقربًا، وكانتِ السَّلامة على غيرِ القياس.
قلت: وقد حكى صاحبُ "الشِّفا" عن عبد اللَّه بن المبارك: قال: كنتُ عند مالكٍ ﵀ وهو يحدِّثُنا، فلدَغَتْه عقربٌ ستَّ عشرة مرة، وهو يتغيَّر لونُه ويصفرُّ، ولا يقطَعُ حديثَ رسول اللَّه ﷺ ، فلمَّا فرغ مِنَ المجلس،
стр. 970
وتفرَّق عنه النَّاسُ، قلت له: يا أبا عبد اللَّه، لقد رأيتُ اليومَ مِنْكَ عجبًا! قال: نعم، إنَّما صبرتُ إجلالًا لحديثِ رسول اللَّه ﷺ . انتهى.
ومن صبره أيضًا: أنَّه وضع يده على قُربوص السَّرج عند إرادته الرُّكوب، فلدغَته عقربٌ، فرجع إلى منزله مِنْ فوره، وأخذ موسى، فشرط أصبعه.
وطُعِن مرَّةً في طاعون سنة ثمان وأربعين، فباللَّه ما علِمْتُ بذلك.
وكذا توعَّك في سنة اثنتين وثلاثين، فما عَلِمَ به كثيرُ أحدٍ، وعُوفي عَن قرب، فاستعرض أهلَ السُّجونِ، وصُولح مَنْ له دَيْنٌ مِنْ مال شيخنا، وحصل لجمعٍ كثيرٍ مِنَ النَّاس فرج كثير. أمَّا صاحبُ الدَّين، فلِيَأسِه مِنْ حصول شيءٍ مِنَ المسجون، وأمَّا المسجون، فلِمَا كان يقاسيه مِنْ شدة الحرِّ وغيره. [وفي ذلك يقول:
مولاي يا قاضي القُضاة ومَنْ غَدَتْ ... كلُّ الورى تفديه بالأحداقِ
هُنِّيتَ عامًا مقبلًا يا سيِّدي ... وسَمَوْتَ للعلياء باستحقاقِ
أهلُ الحُبوسِ بأسْرِهم أطلقتَهُمْ ... وأسَرْتهم بمكارِمِ الأخلاقِ
كم مِنْ لسانٍ بالثَّنا أطلقتَه ... فلأنْتَ ممدُوحٌ على الإطلاقِ] (١)
بل حكى لي العزُّ السُّنباطي عَنِ الزَّين عبد الغني القِمَني أنَّه عرض له في عينه عارضٌ، بحيث لم يكُنْ يُبصِرُ بها كبير شيء، وأنَّه أخفى ذلك عَنْ كلِّ أحد.
ونحو هذا ممَّا يدلُّ على وُفُورِ عقله وثباته وعدم طَيْشِه، أنَّه بينما هو وأصحابُه بعدَ العشاء على العادة، سقط مِنْ سَقْفِ المدرسة ثُعبانٌ بحذائه، فقام مَنْ عنده فزعًا، وثبت هُو مكانه، فلم يتحرَّك.
قلت: وكذا يُحكى عَنِ ابنِ المبارك أنَّه قال: ما رأيتُ أوقرَ مِنْ مجلس
стр. 971
أبي حنيفة ﵀، كان يومًا في المسجد الجامع، فوقعت حيَّةٌ في حجره، فهرب النَّاسُ غيره، وما زاد على أن نَفَضَ الحيَّةَ وهو جالسٌ مكانه.
وكذا رواها شقيقٌ بن إبراهيم البلخي عن أبي حنيفة، وفيها: أنَّه نفضَها وما زال عَن مجلسه، ولا تغيَّر لونه. قال: فعرَفْت أنَّه صاحب يقين.
وبالضِّدِّ مِنْ ذلك: ما شاهدتُه مِنْ بعضِ مَنْ أخذتُ عنه وأنا معه في جماعة، وقع مطرٌ غزيرٌ وفيه بردٌ كبار، فسقط عليه بعضُه، فقام فزِعًا، وعذرته واللَّه في ذلك، فإنَّه كان أمرًا مَهُولًا. ﵏ أجمعين.
ومن وُفورِ صبره: أنَّه لمَّا امتُحِنَ في أيَّام القاياتي بإخراج البيبرسيَّة، ثم في أيام السَّفطي بغيرِ ذلك واشتدَّ الأمرُ، كما أسلفناه، كان يُبالِغُ في الحمد ويقول: لو أمرَ السُّلطانُ بإخراجي [مِنْ هذا البلد] (١) مَنْ كان يمنعُه مِنْ ذلك؟ فما هذا إلا مِنْ لُطف اللَّه بي، وإن كنت أعلم أنَّني أكونُ في غير هذا البلد أشدَّ تعظيمًا وأكثرَ احترامًا، إلا أن حبَّ المرء وطنه ممَّا جرتِ العادةُ به، لا سيما وفيه شماتة الأعداء وغير ذلك.
وقد أنشد بعضُهم:
تغرَّبْ على اسمِ اللَّه والتَمِسِ الغِنَى ... وسافِر ففي الأسفارِ خَمْسُ فَوائدِ
تَفَرُّجُ نفس والتِمَاسُ معيشةٍ ... وعِلمٌ وآدابٌ ورِفْعَةُ ماجِدِ
فإن قيل في الأسفارِ ذلٌّ وغُرْبَةٌ ... وتشتيتُ شملٍ وارتكابُ شَدَائِدِ
فلَلْمَوْتُ خيرٌ للفتى مِنْ مقامه ... بدارِ هَوانٍ بين واشٍ وحاسِدِ
وأما بذله وسخاؤه
فكان عجبًا يعسر (٢) استقصاؤه:
ومنه ما حكاه لي بعضُ أحبابه ممَّن أثق به أنَّه شكا إليه في وقتٍ مِنَ
стр. 972
الأوقات التي كان فيها ضيِّقَ الصَّدر بسبب مَنْ أفحشَ في معارضته دينًا يكونُ قدرَ ستة عثر دينارًا، فدفع له ذلك جُملَة.
وكان في كلِّ قليل يُعطي أجلَّ جماعته -وهو شيخنا العلامة ابن خضر- مالًا جزيلًا يفرِّقه على الطلبة ونحوهم، ويدفَعُ هو لجماعةٍ آخرين، ويجتمع الغوغاءُ مِنَ الفُقراء في يوم مِنَ السَّنة، فيتولَّى التَّفرِقَةَ عليهم غالبًا بنفسه أو بحضرته، ويتفقَّدُ أُناسًا مِنْ المعتبَرِينَ في العلم وغيرهم بالإرسال إلى محالِّهم، ومنهم القاياتي وابن الدَّيري وابنُ الهمام والعزُّ بن عبد السَّلام البغدادي والكمالُ الشُّمُنِّي والبدرُ البغدادي الحنبلي، حتى في أوائل ولايته قضاءَ الحنابلة، وأضرابهم.
وحكى العزُّ عبدُ السَّلام المذكورُ، قال: امتدحته بسبعة أبيات، فأثابني عليها سبعة دنانير.
بل كان في كلِّ قليلٍ يتفقَّدُ المحابيس، ويصالحُ عنهم مِنْ ماله، ويُحْسِن للفقراء مِنْ جيرانه، كالفقيه شمس الدين السعودي الضرير وغيره. وفي عشر الأضحى يدفَعُ لبعض خواصِّه مائة دينارٍ ليشتريَ بها ضحايا برَسْمِ الطَّلبة ونحوهم، كما بلغني، أو يفرِّق ذلك دراهم، وكذا يدفَعُ إلى جماعةٍ كثيرين في رمضان عسلًا وبعضهم سُكَّرًا، وبعضهم دراهم، توسعةً في نفقة الشَّهر المذكور، إلى غير ذلك مما لا أُطيل بإيراده، لا سيما وهو قد كان يُخفي ذلك جهدَه، حتى إنَّه أخرج مِنْ جيبه دراهم، ودفعها إليَّ أقَسِّمُها بين ثلاثةٍ جلسوا تُجاهه، توسَّمَ فيهمُ الحاجة، فما رأيتُ القسمة تَصِحُّ، فقلت له: القسمةُ متعذِّرةٌ، مِنْ أجل أنَّ العدد كذا، فتغيَّظ عليَّ، لكوني أعلمتُه بالكمِّيَّة، وفهِمْتُ حينئذٍ منه أنَّه يرى حُصولَ صدقة السِّرِّ بذلك للجهل بالقدر.
وقد قال هو في "فتح الباري" ما حاصله: إنَّ المقصودَ مِنْ الحديث: المبالغةُ في إخفاء الصَّدقة، بحيث إنَّ شمالَه، مع قُربها مِنْ يمينه وتلازُمهما، لو تُصُوِّرَ أنها تعلم، لم تعلم ما فعلتِ اليمين، لشدَّة إخفائه. قال: ويحتمل أن يكونَ مِنْ مجاز الحذف، والتَّقديرُ: حتَّى لا يعلم مَلَكُ شماله، أو حتى
стр. 973
لا يعلم مَنْ على شماله مِنَ النَّاس، وأبعدَ مَنْ زَعَمَ أنَّ المراد بشماله نفسه، وأنَّه مِنْ تسمية الكل باسم الجزء، فإنَّه ينحلُّ إلى أن نفسه لا تعلمُ ما تُنفق نفسه. وقيل: إنَّ معناه التَّصَدُّقَ على الضَّعيف والمكتسِب في صُورة الشِّراء، لترويج سلعته، أو رفع قيمتها، وهذه إن أريد أنها مِنْ صوَر الصَّدقة الخفية، فمسَلَّم. أما كونها مراد الحديث خاصَّةً فلا. انتهى.
ومما اتفق في هذا النوع مما يدل لكرامته: أنَّ بعضَ الفقراء مِنْ طلبة العلم المُتردِّدين للاستفادة (١) منه حضر إليَّ، وذكر حاجةً، واستشارني في بيع بعضِ كُتبه، ظانًّا حُصولَ شيءٍ مِني، فما تيسَّر، وحضرَ على العادة آخرَ النَّهارِ، فلمَّا تمَّ الدَّرسُ وقام شيخنا ليدخُلَ، وقف على بابِ خَلوَتِه وناداه، فدفع له دينارًا.
وحكى لي الشيخ إبراهيم بنُ سابق الغمري إمامُ المنكوتمرية، قال: كنتُ عنده في وقتِ عشائه، فأمرني فجلست بجانبه، وكنت آكُلُ يسيرًا حيث حدَّثَتْنِي نفسي بشيءٍ مِنْ جهة كونه قاضيًا. قال: فما تمَّ ذلك حتَّى قال لي: كُلْ يا إبراهيمُ وأنت طيِّبُ الخاطر.
وطالما كان بعضُ الطَّلبة ونحوهم يقترضُ منه المبلغ الكثير، ويكتبُ له وثيقةً مِنْ تلقاءِ نفسِه بذلك، فإذا تيسَّر له ذلك، ودفعه إليه، أعطاه منه قدرًا كبيرًا، فيقع موقعًا عظيمًا عند المدين.
واتَّفق أن شيخنا ابنَ خضر توفي ولصاحب التَّرجمةِ عليه مبلغٌ سبعين دينارًا، اقترضها منه مِنْ مدَّةٍ طويلةٍ، فرام شراءَ نسخته بفتح الباري مِنْ تركته، ليوقفها على الطلبة لأجل اعتمادها وإتقانها، فالتمس منه الجمالي ناظر الخاص (٢) أن يترُكَها له، ففعل. ولما أحضرَ المبلغَ الذي له، لم يلتَفِتْ لذلك، بل أشارَ بقطعِ خمسةَ عشر دينارًا منه للأولاد، لكونه كان سكَنَ بالحلبيَّة في بيتهم بجامع صاروجا شهرًا، والأجرةُ لا تساوي ذلك،
стр. 974
وبثمانية دنانير برًّا لهم، وبنحوِ عشرةِ دنانير عَنِ النواجي ثمن "مشتبه النسبة"، فإنه كان اشتراه مِنَ التَّركة، فذهب نحوُ نصفِ المبلغ احتسابًا، مع أنَّه قال: إنَّ القدر المتأخِّرَ هو لهم، يشير إلى أنَّه يبرُّهُم به بعد ذلك شيئًا فشيئًا، واعتذر عَنْ عدم تركه بيد المتكلِّم.
وبلغه عَن شخصٍ مِنْ أصحابه أنَّه اقترض مِنْ بعضهم مبلغ خمسين دينارًا بستِّين، وارتهن عنده كتبًا، فتألَّم لذلك، ثم أمر شخصًا مِنْ جماعته بالتوجُّه للنَّقيب شهاب الدِّين بن يعقُوب، يأمرُه بدفع الخمسين لمن عنده الكتب، واسترجاعها منه، ففعل.
وأحواله ﵀ في ذلك كلِّه أشهرُ مِنْ أن تذكرَ.
وكان يأتيه في كل خميس شخصٌ، أظنُّه مِنْ أصحاب الأحوال، فيقفُ وهو راكب حمارًا خلف الشُّبَّاك المقابل لمحلِّ جلوسه بالمَنْكُوتمرية، ويقول بصوت شجيٍّ: يا فتاحُ يا رزَّاق يا كريم، أنت اللَّه، لا تجعل يا مسكين في قلبك إلا اللَّه، فيبادر بإخراجِ دراهمَ مِنْ جيبه، ويرسِلُها له.
وأغربُ ما بلغني في كرمه مما صحَّ عندي: ما أخبرنيه العلَّامةُ الشِّهابُ أبو الطَّيِّب الحجازي غير مرة، قال: بينما أنا في آخر يومٍ مِنْ رمضان بالقراسنقرية، إذ مرَّ بي صاحبي الشيخ محب الدين محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن عُثمان الطُّوخي، وكان له أربع سنين منفردًا عَنِ النَّاس، فسلَّم عليَّ، وسألني: هل أتوجه في غد للسَّلام على صاحب الترجمة، فعرَّفتُه أنَّه لم تجرِ لي عادةٌ بالتَّهنئة في الأعياد والشُّهور، فقال: أُحِبُّ أن تفعلَ ذلك مِنْ أجلي، وتقول له: فلانٌ بأمارة ما لَهُ عندَك مائةُ ألفٍ يسلِّمُ عليك. قال الشِّهاب: فاستثقلتُ هذا، وقلت له: لا أحبُّ هذه الرسالة، فقال لي: افعل ذلك، فهو لا يكرَهُهُ، وشرع يحكي لي سببها، فقال: جئتُه يومًا، فسلَّمْتُ عليه، وشكوتُ له إفلاسًا، فقال لي: احتكِمْ عليَّ، فقلت له: مائة درهم. قال: فأفَّفني، وقال: ما ظنَنْتُ همَّتك تُؤدِّي إلى هذا وأنت رفيقي في الاشتغال وصاحبي، ومِنْ أهل الفضل، وقد أضمرتُ في خاطري أنَّكَ -واللَّه- لو طلبتَ مائة ألف، أعطيتكها، ولكن
стр. 975
هي لك دَيْنٌ عليَّ، ثم دفع إليَّ عشرين دينارًا. قال الشهاب: فلما كان الغد، حيثُ شيخُنا صاحب الترجمة، كما طلب المحبُّ منِّي، فلاطفني على العادة، وأجلسني بحذائه على السِّماط، فقلتُ له: معي رسالةٌ إليكم مِنْ فلانٍ، فقال: أهو موجودٌ، فلي مدَّةٌ ما رأيتُه؟ فقلت: إنَّ له الآن أربعَ سنين مُخْتَليًا، وقد جاءني بالأمس، وذكر لي شيئًا لا أحبُّ ذكره، فقال: قل، فقلتُ له: إنَّه قال لي: إن له معكم مائةَ ألفٍ، مع أنِّي سألته أن يرفَعَ عنِّي كُلْفَةَ تبليغ ذلك إليكم، فقال: لا تفعل، فإنه يُحِبُّ ذلك، فلما ذكرتُ ذلك، قال شيخَنا لي: فهل ذكر لك السَّببَ في ذلك؟ فقلت: نعم، وسكتُّ، فشرع يحكيه كما حكاه لي المحبُّ سواء، ثم قال عَقِبَ الحكاية: أرْسِلْهُ لي. انتهى. وهذه الحكاية ما سمعتُ في كرمه أبلغَ منها، فرحمه اللَّه.
وحضرت إليه مرَّةً جاريةٌ مِنْ معتَقاتِ وصيِّه ابن الخُّروبي ممَّن لها عليه نَوْعُ تربيةٍ وخدمةٍ، فشكت إليه حالها، فأعطاها عشرةَ آلاف درهم، وألزمها بإعلامها إيَّاه إذا فرَغَت، ليُرْدِفَها بغيرها، وبالغ في إكرامها، وأعلم الجماعة بما لها عليه مِنْ حقِّ التَّربية ونحو ذلك. هذا بعد أن قالت له: يا ابني يا أحمد، قد صِرْتَ إلى أمرٍ عظيم، أو نحو ذلك.
والتمس شخصٌ مِنَ الشَّيخ مدْين والشَّيخ عُبادة الإرسال إليه بسبب وفاء دَيْنٍ كان عليه، وهو أربعُونَ دينارًا، فلم يفعل ذلك، لعدم عِلْمِهما بصحَّة دعواه، فذهب هو بنفسه إليه، وأظهر انتسابًا لكلٍّ مِنَ الشَّيخين، ولوَّح بمعرفتهما بدَيْنِه، فلم يُكذِّبْ خبرَه، بل بادرَ ودفَع له عشرين دينارًا، وقال له: سل الشيخين (١) في إعلامي بحقيقةِ ذلك، وأنا أُكمل الباقي، فتوجَّه إليهما أيضًا، وحكى لهما ما اتفق، فزبرَه الشَّيخ عُبادة، وقال: إن لم تكفَّ عنَّا وإلا أرسلتُ إليه أنَّا لا نعلم صحَّة ذلك، أو كما قال.
وكان لمزيد رغبته في البِرِّ وصلة الرَّحِم، يميل لمن يبلغُه عنه ذلك، فحكى لي القاضي علاءُ الدين البلقيني حفيدُ شيخ الإسلام الجلال البُلقيني،
стр. 976
قال: كان زوجُ والدتي الشِّهاب أحمد بن قطب يجلِسُ بحانوتِ العُدول بميدان القمح، فرمت الجُلوسَ معه، فتأثَّرَ لذلك، وشكاني للوالدة، فألزَمَتْني بترك ذلك، فامتثَلْتُ أمرها، واتفق أنَّها ماتت بعدُ، فاستصْحَبْتُ عدم الجلوس معه إرعاءً لخاطرها بعد وفاتها قال: فكان صاحبُ التَّرجمة ﵀ يقول لي: قد شكرتُ صنيعَك في مراعاة خاطرِ والدتك بعدَ مماتها، وازددتُ فيك محبَّةً لذلك، وعتِبت على الشَّيخ وليِّ الدين محمد بن عبد اللَّه البُلقيني -يعني جدَّ البهاء أبي البقاء ابن القاضي علم الدِّين البُلقيني- مع محبَّتي له، كيف يسعى على قريبه الشِّهاب العجميِّ في قَضاء المحلَّةِ.
وكان ﵀ يبالغ في الاحتياطِ في إخراج زكاتِه وفِطْرَته، حتَّى إنه كان يأمر مِنْ يشتري له ليلة العيد مِنْ كلٍّ مِنَ القمح والزَّبيب والتَّمر ما يكونُ مجزئًا عنه وعن مَنْ تلزَمُه نفقَتُه.
وأما شفقتُه على خلق اللَّه تعالى
لا سيَّما طلبة العلم منهم: فأمرٌ يطولُ شرْحُه.
ومن ذلك حكايةُ المقترض لخمسين دينارًا بستين، كما سلفت قريبًا (١).
ومنه أن الشَّيخ غرس الدين (٢) خليل الحسيني كان قد استكتبه القاضي تاجُ الدِّين البُلقيني في كتاب استعاره مِنْ والده، وقُدِّرَ ضياعُه مِنْ تحتِ يدِ النَّاسخ، فخشِيَ مِنَ القاضي جلال الدين، وحكى ذلك لصاحب التَّرجمة، فقام معه في الفحص عنه مِنَ الكُتُبِيِّين ونحوهم، رجاء الظَّفرِ به، ليزول ما عند الغرس مِنَ الكَرْب بسببِ فَقده، وحرَصَ على ذلك أشدَّ الحِرْصِ، إلى أن غلبَ على ظنِّهِ اليأَسُ منه، فحينئذٍ حصَّلَ له منه نسخةً، وعاونه بوَرَقٍ أو ثمنه، حتَّى جدَّد منه نسخةً، فكان الشيخُ خليل ﵀ يذكرها في كل قليل في عدِّ حسناته وشفقته على أهل موداته.
стр. 977
وقريب الشَّبَهِ مِنْ هذا: ضياعُ مجلَّدٍ مِنْ "تاريخ الإسلام" للذهبي مِنْ نسخة الزَّيني عبد الباسط، وهي بخطِّ البدر البِشْتَكي، وبلغه عِلْمُ ذلك ممَّن ضاع المجلَّدُ منه، رجاء تفريج الكرب منه بسببه، فبادر وأخذ ذلك المحلَّ مِنْ نُسخة الأصل مِنَ المحمودية، وتوجَّه به مع ورقه وأجرته للبِشْتَكي، فشرع في تكميله. واتَّفق أنَّه قبلَ انقضاءِ الكتابة، وجدَ المجلَّدَ، فامتنع شيخُنا مِنَ التَّمكين مِنْ إعلام البدر بذلك، لظنِّه أنَّ شهامةَ البدر تقتضي إرسالَ الورق والأُجرة، ويتعطل عليه ما كتبه، بل استمرَّ إلى أن فرَغ، ولم يُعْلِم بوجدان المجلَّد.
ونحوه استكتابه لجماعةٍ ممن ليس خطُّهم بالطَّائل، فإنَّه كاد فيما يغلِبُ على الظَّنِّ لا يقصِدُ إلَّا البِرَّ لهم بذلك. ومِنْ هذه الطَّائفة الشَّريف شهاب الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر السُّيوطي، البارع في الفرائض والحساب، والمعروفُ بالخِفَّة والانجماع الزائد، وهو أخو السَّيد صلاح الدِّين محمد، أحد الآخذين عنه، ﵏ وإيانا.
ومن محبته لوصول الخير إلى العلماء ونحوهم أن النجم ابن حجِّي استنزل البرماوي عن درس التَّفسير بمائة دينار لصاحب الترجمة كما تقدَّم، وعن مشيخة الفخرية للبرهان البيجوري بخمسين دينارًا، وورد النُّزول بذلك على شيخنا، فأخفى عن البرهان العلم به حتى استكتب الناظر، وأخذ خطوط (١) المباشرين، وتوجَّه إليه بذلك فسُرَّ غاية السُّرور.
[إحسانه للغرباء]
وأخصُّ منه إحسانه للغرباء مِنْ الطلبة الوافدين إليه، وقد كانوا عنده على مراتب؛ منهم مَنْ يتفقَّده كلَّ قليل، ومنهم مِنْ يقررُ له شيئًا ينفقُه كل يوم، ومنهم مِنْ يتفقده عند قدُومه وعند سفره، ومنهم مَنْ يعلمُ عدمَ حَاجَتِهِ، لكنه يحبُّ إكرامه، فيهدي إليه إما شيئًا مِنْ تصانيفه أو ثيابًا مِنْ ملبوسه، وهذا يكون عند المهديِّ إليه أعظمَ مِنْ مفروحٍ به، إلى غير ذلك مِنَ الأقسام.
стр. 978
وكان مِنَ الغرباء الواصل إليهم برُّه ناصر (١) بن أحمد بن يوسف بن منصور البسكري، فإنه ممن لازم صاحب التَّرجمة مدَّةً طويلة، بل قال شيخنا في "معجمه": استفدتُ منه. ولهذا قال المشارُ إليه ما نصُّه: واتَّصلتُ بخدمة سيّدنا ومولانا، يعني صاحب الترجمة، فآنسَ الغُربة، وأنسَى الكُربة، وأحسن المعونة، وكفى المؤونة، وعمَّني خيرُه وبرُّه، ووسِعَني حِلْمُه وصبرُه.
وممَّن قدم عليه شخصٌ مِنْ الفُضلاء اسمه أسد اللَّه (٢)، فكان يتفقَّدُه كلَّ قليل بألفِ درهمٍ، فلما أراد الرُّجوعَ إلى بلاده، تكلَّم له شيخُنا ابنُ خضر مع صاحب الترجمة في إمداده بشيء، فكتب له وصولًا بثلاثمائة درهم، فحصل له ولمن توسَّل به تأثُّرٌ مِنْ ذلك، ولكنهما لم يجدا بُدًّا مِنْ قبضه وسافر، فحين وصوله إلى بيت المقدس تُوفِّي قبل نفاذ القدر المذكور فعُدَّ ذلك مِنْ كرامات صاحب الترجمة.
[برُّه لأهل مكة والمدينة:]
وأما أهلُ مكَّةَ والمدينة، فإنَّه لما حجَّ آخرَ حجَّاته، اقترض مِنْ بعض التجار هناك خمسمائة دينار أو أكثر، فتصدق بها عليهم، بل هو الذي قرَّر لهم المستجدَّ، وهو قدرٌ زائدٌ على ما كان لهم قديمًا، بل أحدث لهم أيضًا القدوم، وهو أنَّه عند ورود الواحد منهم إلى الديار المصرية، يُصرف له ما يناسبه على قدر مرتبته مما يحصُل له به غاية الارتفاق، فجزاه اللَّه خيرًا ورحمه.
وبلغني ممَّن أثِقُ به أنَّه دفع للشيخ العارف العلامة شمس الدين البوصيري، سرًّا فيما بينهما عند توجهه للحج في بعض المرات، وذلك قريبًا مِنْ سنة عشرين وثمانمائة، مالًا جزيلًا ليفرِّقه على فقراء مكة، وأسرَّ له أنَّ ذلك مِنْ وصيه ابن الكمَاخي. قال: فاشترى الشَّيخُ به دقيقًا، وفرَّقه على أهل مكة.
стр. 979
واتفق أنَّ بعض الأعداء تكلَّم في جانب صاحب التَّرجمة بسبب التَّرِكَة المذكورة، وما دفع عَن نفسه بذلك، واللَّه يعلمُ المفسدَ مِنَ المصلح.
ومع إحسانه للغُرباء، كان يُنكر على أهل مصر مزيد إفراطهم في تعظيم مَنْ يرِدُ عليهم مِنَ الغرباء، مع إهمالهم لمَن هو في بلدهم ممَّن هو أرفعُ بكثيرٍ، حتَّى رأيته كتب بخطه في ترجمة ابن الفناري الذي قدِمَ مِنْ بلاد الرُّوم ما نصُّه: وأهل مصر كما قال فيهم أبو عبيد بن حربويه: (إنَّ البغَاثَ بأرضكم يَسْتَنْسِرُ). انتهى. والبُغَاث: قال في "الصحاح" (١) عن ابن السِّكِّيت: طائر أبْغَث إلى الغُبرَةِ دُوَين الرَّخَمة، بطيءُ الطيران. والمعنى: مِنْ جاوركم عزَّ بكم.
قلت: وصاحبُ التَّرجمة معذورٌ، فإنه بمجرَّد تحول الفلاح ونحوه مِنْ ذوي الكثافة وغلظ الطَّبع في إكرامهم ومزيد إنعامهم، بحيث يَنسى ما كان فيه مِنَ الذُّلِّ والخمول والأحوال التي شرح تفاصيلها يطولُ، يأخذ في عداوتهم، والفحص عمَّا لعلَّه يتَّفق مِنْ عثراتهم واحدًا بعد واحدٍ، ويلصق بأهل مصر كل ما يتخيَّلُه مِنَ المفاسد، وهذا ممَّا يشهد له قولُ إمامِنا الشَّافعي ﵀: ما أكرمتُ أحدًا فوقَ مقدارِه، إلَّا اتَّضع مِنْ قدري عنده بمقدارِ ما أكرمتُه به.
ونحوه القول بأن ثلاثةً إن أكرمتهم أهانوك، منهم الفلاح.
[برُّه بشيوخه:]
وأما بره بشيوخه، فوراء العقل، حتى إنه همَّ بتتبع شيخه الحافظ نور الدين أبي الحسن الهيثمي في كتابه "مجمع الزوائد"، فبلغه أنَّ الشَّيخ تأثَّر مِنْ ذلك، فرجع مراعاةً لخاطره.
وكذا برُّه لأبناء شيوخه وذوي البيوت، بل طلبة العلم، فغير مُنكَرٍ، حتى ولو كان ابنُ الشَّيخ يُؤذيه. وباللَّه لقد همَّ الظاهر جقمق أن يفعل بكلٍّ
стр. 980
مِنْ قاضي القُضاة علم الدين وابن أخيه القاضي تاج الدين في وقتين مختلفين أمرًا مهولًا، فطلع مِنْ فوره إلى السُّلطان، وتوسل إليه في كل منهما بكلِّ طريق في إبطال ذلك، مع مشقَّة إبطاله على السُّلطان في أحدهما، حتَّى تمَّ. وكلَّمه مرَّة أخرى في أوائل ولايته مِنْ سنة اثنتين وأربعين في كائنةٍ مُفتَعَلةٍ في حق آخر مِنْ أقرباء قاضي القُضاة علم الدين فما خالفه، بل قال له: واللَّه لولا أنت، لكنتُ حرقتُه بالنَّارِ لما صنع، واللَّه يأخذ الحقَّ ممن افترى على المشار إليه. وقرر عند السلطان ما كان سببًا لبلوغه إلى هذا الحدَّ، هذا وقريبُه لم ينفعُه في هذه الكائنة بشيء.
واتَّفق مرَّة أن السُّلطان أيضًا حلف ليضربنَّ شخصًا معيَّنًا مِنْ أبناء العُلماء ألف عصا، فراجعه في إعفائه والصَّفح عنه، وأنَّه يُكَفِّرُ عَن يمينه، فامتنع، فلا زال يتلطَّفُ به حتى أمر بجمع عيدان، فضرب بها دفعةً واحدًا بعد أن قرأ قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤].
ومن إكرامه لذوي البُيوت -لا سيَّما العلماء وأهل الولايات منهم- ما صنعه مع السيد علاء الدين محمد ابن السيد عفيف الدين محمد الإيجي، حيث قدم عليه قصدًا للأخذ عنه مِنَ البلاد النائية، فإنه تفرَّغ له حتَّى قرأت له (١) عليه في ثلاثة أيام عليه شيئًا كثيرًا، بل وحدَّثه مِنْ لفظه ببعض ذلك، وناوله كثيرًا مِنْ مروياته ومصنَّفاته، وتأدَّب معه إلى الغاية، وأهدى إليه بعضَ الكتب، وقال له: المناولة في هذا أقربُ إلى الصِّحَّة، يعني لكونه لم يسترده.
[والتمس منه السيد زين الدين (٢) عبد اللطيف بن أبي السُّرور (٣)
стр. 981
محمد ابن الشَّيخ زين الدين عبد الرحمن الحسني الفاسي المكي قريب صاحبه التَّقي الفاسي حين قدِمَ عليه الإخبار بنسَبِه، فكتب في محضر (١) عمل مِنْ أجله مستندًا في ذلك إلى الاستفاضة ما نصُّه: الأمرُ على ما نصَّ وشرح فيه مِنْ نسبه مُنهيه للسَّيِّد أمير المؤمنين: أبي محمد الحسن بن علي ﵄، وكتب أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن حجر عفا اللَّه تعالى عنه آمين.
وثبت بأخباره مع غيره عند بعض النُّوَّاب، وكان ذلك قبل استقراره في القضاء الأكبر بأشهر.
وقد سبقه لمثل ذلك الإمام أبو محمد بن أبي زيد المالكي صاحب "الرسالة". وكذا شهد غيرُ واحد في محضر (٢) متضمن لنفي طائفة مخصوصة عَنِ الشَّرف؛ منهم: أبو حامد الإسفرايني الشافعي، وأبو الحسين القُدوري الحنفي -وناهيك بهما- في جماعة مِنَ العُلماء والسَّادة (٣).
وقدم عليه عبد اللَّه بن محمد بن عمر بن أبي بكر بن عبد الوهاب بن علي بن نزار الظَّفاري، الذي كان جد أبيه انتزع ظفار مِنْ يد صاحبها وحيدًا فقيرًا، فشكا إليه حاله، فبرَّه وأحسَن إليه (٤).
وكذا قدم عليه العلامة محمد بن أحمد بن أبي عبد اللَّه بن مرزوق حفيد العالم، فأتحفه "بشرح الشفا" لجده العلامة المفنَّن أبي عبد اللَّه محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن مرزوق بخطِّه، وسُرَّ به سرورًا كثيرًا.
قلت: وهذا "الشَّرح" ما رأيتُه.
وقد كتب عليه بعضُ المغاربة أيضًا -وهو أبو محمد عبد اللَّه بن محمد بن أحمد بن محمد بن أبي القاسم التَّجاني شرحًا حافلًا، لكنه لم يُكمله، والموجود منه في أوقات المؤيِّدية مِنْ أوله إلى بعد قوله: "فصل في
стр. 982
حُسْنِ خُلقه ﷺ " في نحو خمسة عشرَ كرّاسًا.
وللتَّاج أبي محمد عبد الباقي بن عبد المجيد بن هبة اللَّه بن متَّى القرشي اليماني نزيل طيبة (١) تعليق على "الشفا" في نحو ثلاث كراريس سماه "الاكتفا في شرح ألفاظ الشفا".
ونحوه في الحجم مصنَّف للشيخ شهاب الدين بن رسلان الرَّملي.
وأوسع منهما وأفيد كتابُ حافظ حلب البرهان سبط ابن العجمي في مجلد، سئل صاحب التَّرجمة كما تقدم في سدِّ ما فيه مِنَ التراجم المبيض لها، وقد اختصر منه مع زيادات شيخُنا العلامة التقي الشُّمُني كتابًا لطيفًا يكون في نحو نصف حجمه، انتفع الفضلاء به.
وعمل القاضي علاء الدين بن أقبَرس على "الشفا" شرحًا في مجلدين يقال: إنه تعبَ فيه.
وللشَّمس محمد الحجازي مختصِر "الرَّوضة" عليه مؤلَّفُ في أكثر مِنْ ستة كراريس.
وكذا لابن العُمُك (٢) -وأظنُّه يماني- مؤلَّفٌ على "الشفا" في أربعة كراريس.
وكل هذا استطراد لكن لا بأس به.
[ستره:]
وأما ستره فحكي لي أنَّه بينما هو في حلقته وعلى طرف بساطه صُرَّة فيها مبلغ كبير، إذ تقدَّم إليه شخصٌ ممَّن له وَجَاهَةٌ، فتحدَّث معه واختلس في غُضون جلوسه معه تلك الصُّرَّة، ظانًّا أنَّ صاحبَ التَّرجمة في غفلة عَنْ ذلك، وقام. فهمَّ بعضُ مَنْ رآه ممَّن كان واقفًا في خدمة شيخنا بالتكلُّم، فأشار إليه يمنعُه مِنْ ذلك، وقال: لولا بلوغُ أمرٍ شديد بهذا الرَّجل ما أقدم على مثل هذا.
стр. 983
[صبره على الطلبة]
وأما صبره على الطلبة، فشيءٌ لا يُدْرَكُ وصفُه، حتى إنَّه مكث في مرض موته مدَّةً وهو لا يُعْلِمُ بعضَ مَنْ يقرأ عليه ليلًا بذلك، مراعاة لخاطره، وهو يتحمل المشقة إلى أن أعيى، فأعلمه بلطف.
[عاريته للكتب]
وأما عاريته للكتب، فأمرٌ انفرد به عَنْ سائر أهل مصره، حتى لا أعلم نظيره في ذلك، بل كان يعيرها لمن يُسافر بها، وربما افتدى كتب المحمودية التي تحت نظره بها. حتى كان ﵀ يقول لي: لا تأخُذ مِنْ كتب الخزانة إلا ما ليس في كُتبي، بل أُقسِمُ باللَّه أَنَّه نهاني [في وقت] (١) عن الاستعارة مِنْ غيره.
ورأيت معه في رمضان مِنْ السَّنة التي توفي فيها مجلدًا كنتُ أحبُّ الوقوف عليه، فالتمستُ منه عاريته بعد فراغ أربه مِنْ مطالعته، فقال: نعم. ومضى بقيَّة الشَّهر وشوال وذو القعدة، واتفق دخولي مع الجماعة لعيادته في ذي الحجة، فأشار إليَّ فأخذته مِنْ بين كتبه. هذا وهو ضعيف، وقد مضى مِنْ سؤالي له نحو ثلاثة أشهر ولم ينسَ ذلك. وباللَّه قد رأيت بعض أصحابنا تأثر مِنْ ذلك، فإنا للَّه.
وأرسلت إليه مرة أطلبُ منه نسخةً مِنْ بعض الأجزاء الحديثية مُفْرَدَة، فكأنه ما تيسَّرت له إذ ذاك، فقطع نسخةً بخطه مِنْ مجموع مِنْ مجاميعه، وأرسل بها إليَّ في الحال. وكأنه -واللَّه أعلم- فهم توجُّهي بها لبعض الأماكن البعيدة، وقصدت خِفَّة الحمل.
ولم يكن غالبًا يمضي يوم مِنَ الأيام إلا وأستعيرُ منه شيئًا مِنَ الكتب، وهو يُسْعِفُ بكلِّ ما ألتمِسَهُ منه مِنْ ذلك، ولا يُظْهِرُ مُللًا، بل واللَّه لو لم أفهم منه محبَّة ذلك. ما أكثرتُ منه.
стр. 984
واستعرت منه مرة "معجم شيوخه"، وذلك بعد أن حصل عليه (١) بسببه مِنْ بعض الأعداد ما أسلفتُ الإشارة إليه، وصار هو لا يسمح به لكلٍّ أحدٍ، حتى إنَّ شيخنا العلَّامة ابن خضر كان كتب منه قديمًا قطعةً، فما تيسر له إكمالها، فأقام عندي مدَّة، ثم طلبه منِّي قبلَ أن أكتبَه أو شيئًا منه، ودعت ضرورةٌ إليه ثانيةً عن قُرْبٍ، لكنني استحييتُ منه، فكتبت له في قائمة الأسماءِ التي اضطررت للكشف عنها منه أطلب الوقوف عليها، وفي ظنِّي أنَّه يكتبها لي بخطه جريًا على عادته معي في كثيرٍ مِنَ الأحاديث والتَّراجم والأسانيد التي كنتُ ألتمسُها منه، فيكتبها لي بخطه. فبمجرَّد أن دخل القاصدُ إليه، عاد و"المعجم" معه، فسُررت به كثيرًا، ورجعت مِنْ فوري، ففككته مِنَ الجلد، وتجردت فكتبت منه التراجم دون الأسانيد، اكتفاءً بالفهرست، مع تنبيهي في كلِّ ترجمة على أسماء ما ذكر فيها مِنَ المرويات. وتمَّ في أيام يسيرةٍ أظنُّها أربعة، وجئته به، فقضى العجب مِنْ ذلك، وسألته في فهرست الكتاب بخطه ففعل.
ولو شرحتُ ما اتفق لي معه مِنْ ذلك، لقضي العجب، فكيف بغيري مِنْ جماعته، بل كان شديدَ الانكار على مِنْ يبخل بعارية الكتب، بحيث سمعته مرة يقول: أرسل إليَّ القاضي بدر الدين بن التِّنسي المالكي يطلب "السُّنن" لأبي داود ليحدث به، فأعلمته بأنَّ النُّسخة التي عندي بخطي، وتعسُرُ القراءة منه غالبًا على مِنْ لم يكن مِنْ أهل الحديث (٢)، لكنه كان عنه الأمير تغري برُمش الفقيه نسخةٌ موقوفةٌ بخط المحدث أبي العباس أحمد، الملقب بالملك المحسن ابن السُّلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، وهو وإن كان الآن في بيت المقدس فهي عند فلان، وسمَّى له بعض أصحابنا المحدثين، وقال له: إنه يطلبها منه، فأرسل إليه فأنكر وجودها، وقال: إنَّها عند الأمير،
стр. 985
مع كون سِبْطي (١) استكتب منها في هذه الأيام نسخة، وفرغت أمس، وأعادها إليه، وصار يقضي العجب مِنْ ذلك، ويقول: هذا وهي وقفٌ، فلو كانت ملكًا، ماذا كان يفعل؟ قلت: يحلفُ بالطلاق، إنَّه ما اشتراها لنفسه، وإنَّما وكلَّهُ بعضُ مَنْ حلَّفه أن لا يسمِّيه. قال شيخنا: وحينئذٍ أرسلتُ إليه بنسختي، مع شدة احتياجي إليها حتى لا يتوهم فيَّ أمرًا.
قلت: وكذا اتفق أن القاضي بهاء الدِّين ابن العلامة شمس الدين ابن القطان رام أن يحدِّث بكتاب "السنن" لابن ماجه، فبلغه أن عند هذا المبهم (٢) نسخة الوقف بالخانقاه البيبرسية، وهي أصلٌ معتمد، فتوجَّه إليه مرة بعد أخرى، فما سمح له بها، فجاء صاحب التَّرجمة، وحكى ذلك له، فدفع له نسخته مع احتياجه للمراجعة منها. رحمهما اللَّه وإيانا.
وقد ضاع له بسبب ذلك شيءٌ كثير جدًّا، بحيث أخبرني في سنة إحدى وخمسين أنَّه فقد مِنْ كتبه ما ينيفُ على مائة وخمسين مجلدة، وربما بيعت في السُّوق ويشتريها، ورأينا بعد نحو عشرين سنة مِنْ وفاته شيئًا مِنْ نفائس كتبه التي كنتُ أتلهَّفُ على الوقوف عليها عند بعض مَنِ استعارها، فاستمرت عنده حتى بيعت في تركته (٣)، ومشى أمرها.
واتفق أنَّه سُرِقَ لبعض طلبته مِنْ خزانته بالمدرسة المنكوتمرية أوراقٌ مع مجلد لصاحب التَّرجمة مِنْ "شرح البخاري"، ووُجِدَ ذلك مع شخص، فأحضروه بين يديه، وأخذ بعضُ الحاضرين يلتمس منه الاعتراف بالسَّرقة، وصار شيخُنا يشيرُ لنقيبه يأمرُه بعدم الاعتراف. ﵀ وإيانا.
ومن شدَّة رغبته في العاريَّة: أن القاضي ناظرَ الجيش الزين عبد الباسط رهن عنده كتبًا في بعض نكباته، فاستأذنه شيخنا -لوفور ديانته- في إعارتها لمن لعلَّه يلتمس شيئًا منها، فأذن له، وكنت أعرفُ منها نسخةً