← Тараджим

Тараджим · id 17372

الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر

السخاوي

Полный текст (1 240 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

محمد ابن الشَّيخ زين الدين عبد الرحمن الحسني الفاسي المكي قريب صاحبه التَّقي الفاسي حين قدِمَ عليه الإخبار بنسَبِه، فكتب في محضر (١) عمل مِنْ أجله مستندًا في ذلك إلى الاستفاضة ما نصُّه: الأمرُ على ما نصَّ وشرح فيه مِنْ نسبه مُنهيه للسَّيِّد أمير المؤمنين: أبي محمد الحسن بن علي ﵄، وكتب أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن حجر عفا اللَّه تعالى عنه آمين. وثبت بأخباره مع غيره عند بعض النُّوَّاب، وكان ذلك قبل استقراره في القضاء الأكبر بأشهر. وقد سبقه لمثل ذلك الإمام أبو محمد بن أبي زيد المالكي صاحب "الرسالة". وكذا شهد غيرُ واحد في محضر (٢) متضمن لنفي طائفة مخصوصة عَنِ الشَّرف؛ منهم: أبو حامد الإسفرايني الشافعي، وأبو الحسين القُدوري الحنفي -وناهيك بهما- في جماعة مِنَ العُلماء والسَّادة (٣). وقدم عليه عبد اللَّه بن محمد بن عمر بن أبي بكر بن عبد الوهاب بن علي بن نزار الظَّفاري، الذي كان جد أبيه انتزع ظفار مِنْ يد صاحبها وحيدًا فقيرًا، فشكا إليه حاله، فبرَّه وأحسَن إليه (٤). وكذا قدم عليه العلامة محمد بن أحمد بن أبي عبد اللَّه بن مرزوق حفيد العالم، فأتحفه "بشرح الشفا" لجده العلامة المفنَّن أبي عبد اللَّه محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن مرزوق بخطِّه، وسُرَّ به سرورًا كثيرًا. قلت: وهذا "الشَّرح" ما رأيتُه. وقد كتب عليه بعضُ المغاربة أيضًا -وهو أبو محمد عبد اللَّه بن محمد بن أحمد بن محمد بن أبي القاسم التَّجاني شرحًا حافلًا، لكنه لم يُكمله، والموجود منه في أوقات المؤيِّدية مِنْ أوله إلى بعد قوله: "فصل في

стр. 982

حُسْنِ خُلقه ﷺ " في نحو خمسة عشرَ كرّاسًا. وللتَّاج أبي محمد عبد الباقي بن عبد المجيد بن هبة اللَّه بن متَّى القرشي اليماني نزيل طيبة (١) تعليق على "الشفا" في نحو ثلاث كراريس سماه "الاكتفا في شرح ألفاظ الشفا". ونحوه في الحجم مصنَّف للشيخ شهاب الدين بن رسلان الرَّملي. وأوسع منهما وأفيد كتابُ حافظ حلب البرهان سبط ابن العجمي في مجلد، سئل صاحب التَّرجمة كما تقدم في سدِّ ما فيه مِنَ التراجم المبيض لها، وقد اختصر منه مع زيادات شيخُنا العلامة التقي الشُّمُني كتابًا لطيفًا يكون في نحو نصف حجمه، انتفع الفضلاء به. وعمل القاضي علاء الدين بن أقبَرس على "الشفا" شرحًا في مجلدين يقال: إنه تعبَ فيه. وللشَّمس محمد الحجازي مختصِر "الرَّوضة" عليه مؤلَّفُ في أكثر مِنْ ستة كراريس. وكذا لابن العُمُك (٢) -وأظنُّه يماني- مؤلَّفٌ على "الشفا" في أربعة كراريس. وكل هذا استطراد لكن لا بأس به. [ستره:] وأما ستره فحكي لي أنَّه بينما هو في حلقته وعلى طرف بساطه صُرَّة فيها مبلغ كبير، إذ تقدَّم إليه شخصٌ ممَّن له وَجَاهَةٌ، فتحدَّث معه واختلس في غُضون جلوسه معه تلك الصُّرَّة، ظانًّا أنَّ صاحبَ التَّرجمة في غفلة عَنْ ذلك، وقام. فهمَّ بعضُ مَنْ رآه ممَّن كان واقفًا في خدمة شيخنا بالتكلُّم، فأشار إليه يمنعُه مِنْ ذلك، وقال: لولا بلوغُ أمرٍ شديد بهذا الرَّجل ما أقدم على مثل هذا.

стр. 983

[صبره على الطلبة] وأما صبره على الطلبة، فشيءٌ لا يُدْرَكُ وصفُه، حتى إنَّه مكث في مرض موته مدَّةً وهو لا يُعْلِمُ بعضَ مَنْ يقرأ عليه ليلًا بذلك، مراعاة لخاطره، وهو يتحمل المشقة إلى أن أعيى، فأعلمه بلطف. [عاريته للكتب] وأما عاريته للكتب، فأمرٌ انفرد به عَنْ سائر أهل مصره، حتى لا أعلم نظيره في ذلك، بل كان يعيرها لمن يُسافر بها، وربما افتدى كتب المحمودية التي تحت نظره بها. حتى كان ﵀ يقول لي: لا تأخُذ مِنْ كتب الخزانة إلا ما ليس في كُتبي، بل أُقسِمُ باللَّه أَنَّه نهاني [في وقت] (١) عن الاستعارة مِنْ غيره. ورأيت معه في رمضان مِنْ السَّنة التي توفي فيها مجلدًا كنتُ أحبُّ الوقوف عليه، فالتمستُ منه عاريته بعد فراغ أربه مِنْ مطالعته، فقال: نعم. ومضى بقيَّة الشَّهر وشوال وذو القعدة، واتفق دخولي مع الجماعة لعيادته في ذي الحجة، فأشار إليَّ فأخذته مِنْ بين كتبه. هذا وهو ضعيف، وقد مضى مِنْ سؤالي له نحو ثلاثة أشهر ولم ينسَ ذلك. وباللَّه قد رأيت بعض أصحابنا تأثر مِنْ ذلك، فإنا للَّه. وأرسلت إليه مرة أطلبُ منه نسخةً مِنْ بعض الأجزاء الحديثية مُفْرَدَة، فكأنه ما تيسَّرت له إذ ذاك، فقطع نسخةً بخطه مِنْ مجموع مِنْ مجاميعه، وأرسل بها إليَّ في الحال. وكأنه -واللَّه أعلم- فهم توجُّهي بها لبعض الأماكن البعيدة، وقصدت خِفَّة الحمل. ولم يكن غالبًا يمضي يوم مِنَ الأيام إلا وأستعيرُ منه شيئًا مِنَ الكتب، وهو يُسْعِفُ بكلِّ ما ألتمِسَهُ منه مِنْ ذلك، ولا يُظْهِرُ مُللًا، بل واللَّه لو لم أفهم منه محبَّة ذلك. ما أكثرتُ منه.

стр. 984

واستعرت منه مرة "معجم شيوخه"، وذلك بعد أن حصل عليه (١) بسببه مِنْ بعض الأعداد ما أسلفتُ الإشارة إليه، وصار هو لا يسمح به لكلٍّ أحدٍ، حتى إنَّ شيخنا العلَّامة ابن خضر كان كتب منه قديمًا قطعةً، فما تيسر له إكمالها، فأقام عندي مدَّة، ثم طلبه منِّي قبلَ أن أكتبَه أو شيئًا منه، ودعت ضرورةٌ إليه ثانيةً عن قُرْبٍ، لكنني استحييتُ منه، فكتبت له في قائمة الأسماءِ التي اضطررت للكشف عنها منه أطلب الوقوف عليها، وفي ظنِّي أنَّه يكتبها لي بخطه جريًا على عادته معي في كثيرٍ مِنَ الأحاديث والتَّراجم والأسانيد التي كنتُ ألتمسُها منه، فيكتبها لي بخطه. فبمجرَّد أن دخل القاصدُ إليه، عاد و"المعجم" معه، فسُررت به كثيرًا، ورجعت مِنْ فوري، ففككته مِنَ الجلد، وتجردت فكتبت منه التراجم دون الأسانيد، اكتفاءً بالفهرست، مع تنبيهي في كلِّ ترجمة على أسماء ما ذكر فيها مِنَ المرويات. وتمَّ في أيام يسيرةٍ أظنُّها أربعة، وجئته به، فقضى العجب مِنْ ذلك، وسألته في فهرست الكتاب بخطه ففعل. ولو شرحتُ ما اتفق لي معه مِنْ ذلك، لقضي العجب، فكيف بغيري مِنْ جماعته، بل كان شديدَ الانكار على مِنْ يبخل بعارية الكتب، بحيث سمعته مرة يقول: أرسل إليَّ القاضي بدر الدين بن التِّنسي المالكي يطلب "السُّنن" لأبي داود ليحدث به، فأعلمته بأنَّ النُّسخة التي عندي بخطي، وتعسُرُ القراءة منه غالبًا على مِنْ لم يكن مِنْ أهل الحديث (٢)، لكنه كان عنه الأمير تغري برُمش الفقيه نسخةٌ موقوفةٌ بخط المحدث أبي العباس أحمد، الملقب بالملك المحسن ابن السُّلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، وهو وإن كان الآن في بيت المقدس فهي عند فلان، وسمَّى له بعض أصحابنا المحدثين، وقال له: إنه يطلبها منه، فأرسل إليه فأنكر وجودها، وقال: إنَّها عند الأمير،

стр. 985

مع كون سِبْطي (١) استكتب منها في هذه الأيام نسخة، وفرغت أمس، وأعادها إليه، وصار يقضي العجب مِنْ ذلك، ويقول: هذا وهي وقفٌ، فلو كانت ملكًا، ماذا كان يفعل؟ قلت: يحلفُ بالطلاق، إنَّه ما اشتراها لنفسه، وإنَّما وكلَّهُ بعضُ مَنْ حلَّفه أن لا يسمِّيه. قال شيخنا: وحينئذٍ أرسلتُ إليه بنسختي، مع شدة احتياجي إليها حتى لا يتوهم فيَّ أمرًا. قلت: وكذا اتفق أن القاضي بهاء الدِّين ابن العلامة شمس الدين ابن القطان رام أن يحدِّث بكتاب "السنن" لابن ماجه، فبلغه أن عند هذا المبهم (٢) نسخة الوقف بالخانقاه البيبرسية، وهي أصلٌ معتمد، فتوجَّه إليه مرة بعد أخرى، فما سمح له بها، فجاء صاحب التَّرجمة، وحكى ذلك له، فدفع له نسخته مع احتياجه للمراجعة منها. رحمهما اللَّه وإيانا. وقد ضاع له بسبب ذلك شيءٌ كثير جدًّا، بحيث أخبرني في سنة إحدى وخمسين أنَّه فقد مِنْ كتبه ما ينيفُ على مائة وخمسين مجلدة، وربما بيعت في السُّوق ويشتريها، ورأينا بعد نحو عشرين سنة مِنْ وفاته شيئًا مِنْ نفائس كتبه التي كنتُ أتلهَّفُ على الوقوف عليها عند بعض مَنِ استعارها، فاستمرت عنده حتى بيعت في تركته (٣)، ومشى أمرها. واتفق أنَّه سُرِقَ لبعض طلبته مِنْ خزانته بالمدرسة المنكوتمرية أوراقٌ مع مجلد لصاحب التَّرجمة مِنْ "شرح البخاري"، ووُجِدَ ذلك مع شخص، فأحضروه بين يديه، وأخذ بعضُ الحاضرين يلتمس منه الاعتراف بالسَّرقة، وصار شيخُنا يشيرُ لنقيبه يأمرُه بعدم الاعتراف. ﵀ وإيانا. ومن شدَّة رغبته في العاريَّة: أن القاضي ناظرَ الجيش الزين عبد الباسط رهن عنده كتبًا في بعض نكباته، فاستأذنه شيخنا -لوفور ديانته- في إعارتها لمن لعلَّه يلتمس شيئًا منها، فأذن له، وكنت أعرفُ منها نسخةً

стр. 986

جيِّدةً، مِنَ "الاستيعاب" لابن عبد البرِّ في ستة أسفار أو أكثر، وكذا نسخة متقنة "بصحيح مسلم" في مجلد، إلى غير ذلك ممَّا يطول شرحه. وأعلى مِنْ هذا كلِّه: أنَّ البدر العيني لمَّا شرع في "شرح البخاري"، رام استعارة "شرح" صاحب التَّرجمة مِنْ شيخنا البرهان ابن خضر، فتوقَّف حتى استأذنه، فأذِنَ له رغبةً في عموم النفع. هذا مع ما كان سلَفَ مِنَ البدر ممَّا ألجأ لتصنيف "الاستنصار". رحمة اللَّه عليهم. [اهتمامه بطلبته] وأما تنبيهه الطلبة على مَنْ ببلده (١) مِنْ شيوخ الزواية، وإعطاؤه إياهم الأجزاء والكتب المروية لهم، فعندي مِنْ أخباره في ذلك جملةً. وطال ما دفع إليَّ الأجزاء العالية يأمرني بقراءتها على العز بن الفرات. وربما شكوتُ إليه جَفْوَتَه وعدمَ طواعيته لي في القراءة لما أرومه، فيكتب له يرغِّبُه في التحديث ويحثُّه عليه، ويؤكِّدُ عليه في الاهتمام بشأني، حتى كان العزُّ يتبجَّح بذلك. وكثيرًا ما كان يكتُب لي بخطه أسانيد للعزِّ وغيره، بل تراجم جماعة مِنْ الشُّيوخ ونحوه (٢) بخطه، كما أشرت إليه قريبًا مما يقضي العجب مِنْ ذكره، فكيف برؤيته. وباللَّه كلَّما تذكرت هذا وشبهه مِنْ إقباله عليَّ وإحسانه إليَّ، يتصدَّعُ قلبي، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون. وكنتُ في خدمته مرة (٣) على العادة بالمدرسة المحمودية، فعند إرادتي الانصراف قال لي: إلى أين؟ فقلت: إلى ابن الجمال الأميوطي لسماع "سيرة ابن سيد النَّاس" عليه. فقال: على مِنْ سمعها؟ فقلت: مِنْ لفظ أبيه، وأبوه -كما في شريف علمكم- مِنْ لفظ المؤلِّف. فقال لي: سماعٌ عظيمٌ. وإنما قصد بذِكْرِ ذلك -مع كونه هو الواقع- الترغيب في سماعها منه.

стр. 987

وكنت أقرأ عليه يومًا بعض الأجزاء التي شاركه نقيبه القاضي شهاب الدين بن يعقوب في سماعها، وهو واقف بخدمته على عادته، فقال له: اجلس، فإنَّ لك في هذا الجزء مشركة، والتفت إليَّ، فنبَّهني لذلك. وسمعنا عليه بمشاركة أمِّ أولاده وقريبه الزَّين شعبان، بل بموقعه ناصر الدين ابن المهندس، بل بتلميذه ابن سالم، إلى غير ذلك، ممَّا كان الأوْلى بنا خلافه، لكن شَرَه الطَّلب أدَّى إلى ذلك، لا سيما مع العلم بأنَّه لا يخدش في جلالته، بل ولا يحصُلُ له بذلك أدنى تأثير. وأخبرني مستمليه الشَّيخ أبو النعيم رضوان ﵀ -وهو ممَّن سمعنا عليه أيضًا بمشاركته- أنَّه لم يَلْقَ في ذلك أكثر نُصحًا، ولا أحسنَ بشرًا، ولا أجملَ طريقةً منه. وقال: إنَّه مكث مدةً يراجع بعض الحُفَّاظ مِنْ شيوخه في جزء انفرد به بعضُ المسندين، فما تيسَّر له إعطاؤه إياه، إلى أن علم صاحبُ التَّرجمة، فبادر إلى إعطائه له. وكم مِنْ مُسْنِدٍ استدعى به إلى مجلسه لإسماع الطلبة عليه؛ كالواسطي والدَّنديلي والشمس البَيْجُوري. بل قرأ بنفسه على بعضهم. وعندي أنَّه ما قرأ خصوص "صحيح مسلم" على ابن الكويك إلا لتنتشر روايته فيه، وإلا فهو كان قد أخذه قديمًا عن البالسي بمثل سماع ابن الكويك سواء. وكذا تخريجه "المشيخة الباسمة للقبابي (١) وفاطمة" ما أراد بها إلا إعلام طلبته بذلك، ونحوه تخريجه "مشيخة الرهان الحلبي"، إلى غير ذلك ممَّا لا أستطيع حصرَه. وسأله صاحبُنا الجمال بن السَّابق الحموي -جمَّل اللَّه بوجوده- في سنة سبع وثلاثين -كما حكاه لي- أن يرشِدَه لأعلى الموجودين إسنادًا، فذكر له البدر حسين البوصيري، والزَّين عبد الرحمن الزركشي، وعائشة ابنة القاضي علاء الدين الكناني أم قاضي المذهب وعالمه العز الحنبلي، وقريبتها فاطمة. وقال له: إذا سمعت مِنْ هؤلاء، تكون مساويًا لي في كثيرٍ مِنَ المرويات.

стр. 988

وكل هذا يسيرٌ بالنِّسبة لما أودعه اللَّه في قلبه منَ النُّصح والرَّغبة في نشر العلم. ولذلك نشر إليه ذكره في الآفاق، ورفعه إلى المحل الأعلى، بل وراء هذا كلِّه أنَّه لم يحدِّث "بصحيح مسلم" -فيما علمتُه- إلَّا بعد وفاة الشَّيخ زين الدِّين الزركشي، خاتمة أصحاب البياني فيه بالسماع، لكونه كان أعلى سندًا منه. [استجلاب الخواطر] وأما استجلاب الخواطر، فكلُّ ما ذكرناه مُقتضٍ لذلك مِنَ الحلم والبَذْلِ والشَّفقة والسَّتر، وكفى بها دلالة على حُسْنِ العِشْرة. وطال ما كان ينهرُ أتباعه بسبب مقته بعض الطَّلبة، لظنِّه أنَّ ذلك يرضيه، وربَّما قال له: اخرج أنت ودعه. إلى غير ذلك مما يكتفي بدونه مِنْ مثله في علوِّ مقداره، وطال ما كان يخُصُّ مَنْ يفهم عنه بعضَ جفاء بمزيد الإقبال، بحيث لا يفارقه إلا وهو في غاية الحمد والاغتباط، فمنهم مَنْ يستمرُّ على المودَّة، ومنهم مَنْ يغلِبُ عليه الحسَدُ. وبلغني عَنْ بعض الفُضلاء ممَّن كان هواه عند غيره أنَّه كان يقول: مِنْ العجيب أنَّني بمجرَّدِ لُقِيِّ الذي أهواه أمقُته، فإنه يبادرني بمدِّ يده، وصاحبُ التَّرجمة لا ينقضي مجلسي معه إلا وقد ملكني بلذيذِ خطابه، وكثرة آدابه، وبديع محاضرته، ولطيف محاورته. [تواضعه:] وأما التواضع: فإلى غاية يكون في ذلك النهاية. ولقد كنتُ جالسًا معه مرَّة، فخدرت رجلُه، فأراد أن يقوم فأشار إليَّ أن آخُذَ بيده، ففعلتُ وحرَّك رجله قليلًا، فوقع في خاطري تقبيلها، فتأثَّر مِنْ ذلك إلى الغاية، وهكذا كان دأبُه، لم يكن يُمكِّنْ أحدًا مِنْ تقبيل يده إلا بجهدٍ، مع أنَّه -فيما بلَّغنيه بعضُ مَنْ شاهده- قبَّل يدَ شخصٍ مِنْ قُدماء مَنْ أخذ عنه ممَّن أكثر مِنْ قراءة الحديث والعناية به (١) لتوسُّم الخير فيه. وكان عند إرادة دخول بيته عَقِبَ الدَّرس أو غيره، يقفُ مع مَنْ يقصدُ

стр. 989

الاجتماع به -ولو لم يكن بذاك- نحو ساعة أو أكثر، بحيث (١) يمل أتباعه وهو واقف، لا يُفارقه حتى يكون هو المفارق له. ولقد كنت واللَّه العظيم أجيءُ إليه، وأنا حينئذٍ في المكتب، فأعارضه وهو يريدُ الدُّخول إلى منزله، فيقف معي (٢) ما شاء اللَّه حتى أسأله عَنْ ما أرومُ المسألة عنه مِنْ أحاديث وغيرها، بل ربَّما سألتُه إذ ذاك في كتابة أشياء، فيكتبها لي بخطِّه ممَّا هي عندي الآن. وكان ﵀ لا يتكثَّر بعلومه، ولا يتبجَّح بها، ولا يفتخر، ولا يباهي بمعارفه، بل كان يستحيي مِنْ مدحه ويُطرِقُ، ولقد قال له بعضُ طلبته مرة: يا سيدي، إنَّ لك بفتح الباري المنَّةَ على البخاري، فقال له، قصمت ظهري، أو كما قال. ومن تواضعه -كما أسلفته في أواخر الفصل السادس مِنْ الباب السادس (٣) - أنَّ بعضَ الفُضلاء التمس منه قراءة كتاب في أصول الفقه، وأظنُّه "شرح جمع الجوامع" له، وكرَّر الطَّلب لذلك، فصار شيخُنا يُبدي له أعذارًا، كان مِنْ جملتها: جهدي أتفرَّغُ لإلقاء العلم الذي يُقال إنَّني أعرفه. ونحوه كما تقدم أيضًا قوله في فن القراءات: بضاعتي في هذا الفن مزجاة. هذا مع كونه أستاذًا في كل فنٍّ بحُسْنِ ذكائه. وأما في الحديث فهُناك تخضعُ له الرِّقاب، لكنه أراد مزيدَ التواضع. وفي الواقع أن أوقاته كانت تضيق عَنْ ذلك. ونحو ذلك أنَّه لمَّا أملى بالكاملية، ثم انتقل منها إلى البيبرسيّة -كما أسلفتُه- لقيه ناصر الدين محمد بن عمر الشَّيخي نزيل الكاملية وصهر ناظرها، فقال له: يا سيدي، أوحشت الكامليَّة، فأجابه بقوله: الكاملية مشتقَّةٌ مِنَ الكمال، يعني: ولستُ كاملًا. ومن تواضعه أيضًا: أنَّه لم يكن يذكر أحدًا مِنْ طلبته ولو صَغُرَ إلا بصاحبنا فلان. وما كنت أظنُّه يقصِدُ مع التواضع بذلك إلا التَّنويه بذكرهم. ولعمري لقد انتفع جماعةٌ مِنْ طلبته وغيرها بتربيتهم والثناء عليهم، ومنهم

стр. 990

الشَّيخ برهان الدين السُّوبيني، فإن الظاهر أرسل يسألُه في تعيين أحدٍ مِنْ جماعته لقضاء مكَّة فعيّنه، ورفع مِنْ مقداره إلى الغاية حتَّى ولاه، وتنقَّل لغيرها مِنَ البلاد كالشَّام وحلب، ولمَّا عيَّنه لذلك، راسل القاضي أبا اليُمن بالوصية به، مفتتحًا الرِّسالة بقوله: إنَّه مستمرٌ على المحبَّة والثَّناء والدُّعاء. قال: وقد توجَّه إلى مكة الشَّيخ برهان الدين السُّوبيني، وهو مِنْ أهل الخير والعلم، فيكون نظركم عليه، فإنه غريب، وليست له نيَّةٌ في الإقامة سوى مجاورة هذه المدَّة التي في بقية هذه السَّنَةِ. وكتب له أيضًا ما نصُّه: إنَّه مستمرٌّ على الدُّعاء والمحبة، وقد وصل مشرفكم، وفيه ذكر القاضي الجديد، والذي يعلم به أن الحامل على تعيين هذا أنَّ العبد وجد صاحبَ الأمر في غاية التَّصميم على منع تولية أحدٍ مِنْ أهل مكة هذا المنصب، وسببه اختلاف أغراض السَّاعين لمن يحصل منهم السَّعيُ له، فكلٌّ يطري صاحبه بما ليس فيه، ويُبالغ في الغَضِّ مِنْ غيره، فتعارضت الأحوال وتساقطت، واحتيج للإصلاح بين الجميع بتولية أجنبي، وهذه عادة قديمة لا تنتج غالبًا إلَّا جرَّ الخير لمن يستحقُّ الوظيفة مِنْ أهل تلك البلدة، فيعود الأمرُ إليه، ويندفع الاعتراضُ. وقد وصل كتاب الشَّيخ برهان الدين -يعني السوبيني- ولسانُه رطبٌ بالثَّناء عليكم والدُّعاء لكم، حتى إن فيه أنَّه لم يجبر خاطره أحدٌ مِنْ أهل البلد غيرُكم، وهذا غاية الثناء. والمسؤول مِنْ فضلكم إبلاغ السَّلام على الولد العزيز -يعني الشَّيخ نور الدين أحد طلبة صاحب التَّرجمة- وتعريفه أنَّه يتفضَّل بإعلام العبد بسيرة القاضي برهان الدين هذه المدَّة، وهل ظاهرُه فيها كباطنه، وسرُّه كعلانيته، إلى آخر كتابه. قلت: وقد أثنى صاحبُ التَّرجمة على السُّوبيني بقوله في حرف السِّين المهملة مِنْ "تحرير المشتبه" (١) له: وبمهملة، وبعد الواو موحدة مكسورة،

стр. 991

وتحتانية ساكنة، ثم نون: صاحبنا الإمام برهان الدين إبراهيم بن عمر بن إبراهيم الحموي، ثم السُّوبيني ثم الطرابلسي، نسبة إلى سُوبين، مِنْ قرى حماة، شافعي المذهب، كثير المعارف في عدة علوم، رأس في الفرائض، وهو اليوم عالم طرابلس، يشغل في فقه الشافعية والحنفية، وحجَّ فقدِمَ علينا سنة أربع وأربعين وهو في الخمسين، دام النفع به. وذكر لي أن جدَّه لأمِّه الشَّيخ عمر السوبيني كان صالحًا، له كرامات، ثم ولي هو قضاء مكة، ثمَّ حلب، ثم رجع إلى طرابلس. وكذا نوه بالعلَّامة نور الدين بن سالم حتى ولي قضاء صفد، واستمر بها حتَّى مات. وبالقاضي قطب الدين الخيضَري حتى يتنّبه المرجوع لهم في الولايات والعزل إليه، وصار إلى ما صار، ولم يكن هذا قصده بالتَّنويه، والأعمال بالنيات. ولما فُتحت المدرسة الأشرفية برسباي، وحضر واقفها فيها، كان صاحبُ التَّرجمة ممن حضر، واستحضر معه مستمليه الزَّين رضوان العقبي، فقال الشَّيخ للسلطان مشيرًا للمدرسة: هذه جنَّةً ويحسُنُ كون رضوان خادمها، فقرَّره في خدامتها الكبرى لحسن هذا التوسُّل] (١). وممَّا نقلته مِنْ خطِّه في تاريخ "إنباء الغمر" (٢) ما نصه في سنة ثلاث وأربعين: ورحل إلى القاهرة طالبُ حديث الفاضلُ البارعُ قطبُ الدِّين محمد بن محمد بن عبد اللَّه بن خَيضر بن سليمان بن داود بن فلاح (٣) بن ضُمَيْدَة البلقاوي، ثم الدمشقي، ويعرف الآن بالخيضري، نسبةً لجدِّ أبيه، فسمع الكثير، وكتب كتبًا كثيرة وأجزاء، وجدَّ وحصَّل في مدة لطيفة شيئًا كثيرًا، وتوجَّه صُحبة الحاج المصري لقضاء الفرض، وكتب عنِّي في مدة يسيرة المجلد الأول مِنْ "الإصابة في تمييز الصحابة" وقرأه، وعارض به

стр. 992

معي وأتقنه، ونسخ أيضًا "تعجيل المنفعة في رجال الأربعة"، وقرأه كلَّه وأتقنه، وسمع عدَّة أجزاء، وكتب عدَّة مجالس مِنْ "الأمالي"، وخطُّه مليح، وفهمُه جيد، ومحاضراتُه تدلُّ على كثرة استحضاره. انتهى. وسأله القطب في أشياء، منها: الإذن له بالإفتاء والتدريس فما أجابه، [بل وعده بالإجابة] (١) في وقت عيَّنه له حسبما كتبه صاحب التَّرجمة بخطه. وكذا التمس منه الكتابة على "طبقات الشافعية" مِنْ جمعه، فأجابه بما حاصله أنَّه كان اللائق به نسبة ما جرده مِنْ حواشي نسخته "بالطبقات الوسطى" للتاج السبكي إليه، في كلام فيه طول، يدل على مزيد تأثُّرٍ منه يتضمن عتبًا زائدًا، لا سيما حين رآه ينقل عن المقريزي أشياء إنَّما عُمْدَةُ المقريزي فيها على شيخنا. قال: ولم تزل قلَّة الإنصاف قاطعةً ... بين الرجال ولو كانوا ذوي رَحِمِ ونوَّه أيضًا بكلٍّ مِنَ البدر زين ابن التنسي المالكي، والبغدادي الحنبلي حتى ولي قضاء مذهبه استقلالًا. وكذا نوَّه بالقاضي عز الدين الحنبلي، بحيث راج ذكره بسبب ذلك، كما أسلفته في الباب الثاني. وكان ﵀ -ولي كما أسلفت في الباب الرابع- ربما نزل لبعض طلبته أو أصحابه عما يكون باسمِه مِنَ الوظائف السَّنِيَّة، قصدًا لاشتهار أمرهم، لا سيما فيما لا يكون لهم به شهرة ممَّا يعلم هو تحقُّقَهم به، كما وقع له مع العلامة البدر بن الأمانة والشهاب بن المحمَّرة، حيث نزل للأوَّل -كما مضى- عن درس الحديث، وللثاني عن درس الفقه، وقيل: لو عكس، لكان أمسَّ، فقال: إنَّما أردتُ اشتهارهما بما لا شُهْرَة لهما به مما يعلمانه. وكتب ورقة للظاهر يُثني فيها على بعض طلبته، ويعرفه بفاقتهِ، رجاء إحسانه إليه وعطفه عليه.

стр. 993

ومرَّة أخرى للشيخ علي الخراساني المحتسب، ليكون واسطة بينه وبين الظاهر، وافتتحها بقوله: القضائي الشَّيخي النُّوري العبد أحمد يقبِّل الأرض، مبتهلًا بالدُّعاء الصالح لمولانا، ومذكِّرًا له بما كان كلَّمه قديمًا بسبب الماثل بها، ثمَّ أثنى عليه. قال: والمقصود الأعظم تحصيلُ ما يكفُّ به وجهه عن السؤال، بحيث يكون راتبًا جاريًا لكفايته، وسببًا متَّصلًا بتحصيل عِفَّتِه، وأجرًا وافيًا يضيءُ نورُه لمن ساعده في صحيفته. ومرة أخرى إلى الزَّيني الاستادار. وتكرَّرت كتابته له مرَّة، بسبب الشهاب ابن أسد حتى استقرَّ به في إمامة مدرسته، ومرَّة بسبب غيره حتى استقر به في قراءة الحديث بجامع بولاق، وطالما كان يرسل مشرفاته بسبب مِنْ يقصِدُه مِنَ الطَّلبة ونحوهم في الحوائج إلى مِنْ يحصّل له غرضه، ولو كان المكتوبُ إليه منحطَّ الرُّتبة، وربما أرسل قاصدَه وتلميذه أو غير ذلك، ولا يبخل بالثَّناء على المرسل بسببه، بل يصفُه بالأوصاف الحَسَنةِ التي يرتقي بها الطالبُ بأحسنِ عبارة وأمتن إشارة، بحيث تكونُ عندَ صاحبَ الحاجة -غالبًا- أشهى مِنْ قضائها، وربما أدَّاه سروره بتلك الألفاظ لحفظها أو كتابة صورتها. وممن أعرف الآن منهم مِنْ أصحابنا: الشَّيخ شمس الدين الجوجري والشَّيخ عبد الرحيم الأبناسي وأبو (١) حامد القدسي، وهو الذي أبهمتُه قريبًا (٢)، وابن خليل. وفي إيراد بعض ذلك -فضلًا عن جميعه الذي لا تمكن الإحاطة به- طول. وممَّن كتب له لكلِّ واقفٍ عليه في سَفْرَةٍ سافرها الشَّيخ شمس الدين النَّواجي، ولجماعة مخصوصين صاحبُنا الشَّيخ نجم الدين بن فهد كما سيأتي عند اسمه مِنَ الباب الذي يلي هذا (٣). وكذا كتب مِنْ أجلي مرَّة قُصَّةً كاملةً بخطه لأبي الخير النَّخَّاس، فكان مِنْ جملتها: وأنَّه مِنَ الملازمين بالاشتغال بالسُّنَّة النبوية ليلًا ونهارًا. ورسالة للزَّيني الاستادار مرَّةً بعد أخرى في أحدهما: أنَّه مِنْ المهرة في

стр. 994

العلم والمقبلين علي الحديث النبوي بخصوصه إقبالًا كلِّيًّا. كلّ ذلك قصدًا للتنويه بالمكتوب بسببه، ورجاءً لبلوغ قصده وأربه. وكذا نوَّه بذكر أصغر خدامه مصنف "الجواهر" [بغير ما أوردته أيضًا مما] (١) لا أتشاغل ببثِّه هُنا. ويا لهفي على فراقه إلى أن ألقاه. فماذا فقدت مِنْ علم وحلمٍ وتواضع وإنصاف وبذل وبشاشة وأوصاف لا أُدرِكُ الإحاطة بها. وإذا تأمَّلت آخر قصيدة في الفصل الخامس مِنَ الباب الذي قبلَه (٢)، علمتَ شدَّة تواضُعه وهضْمَ نفسِه إلى الغاية رحمةُ اللَّه عليه. [انبساطه:] وأما انبساطه، لا سيما في محالّ النُّزه، فمعلوم. وربما لعب الشَّطرنج، لكن في النادر جدًّا، بحيثُ لم يضبط عنه غير المرَّة والمرتين، مع كونه عاليةً فيه، يلعبُه استدبارًا. فممَّا ضبط عنه لعبُه به مع الشهاب الرِّيشي أحد جماعته بالمناوات بعد أن خطمه رخًّا (٣). وزعم العالية محمد الحلوائي الملقب البُخْش، وهو مِنْ مدة تزيد على ثلاثين سنة عالية، أنَّه لعبه معه مرة سبع دسوت، فضله صاحبُ التَّرجمة بثلاثة منها، وتساويًا في باقيها، واللَّه أعلم. وكان يلعبه مع صهره الشهاب بن مكنون في أوقات راحته. وحكى لي سبطه أنَّه لعبه بعد سنة آمد مع بعض المعتبرين. قال: وأظنه البدر بن الأمانة. ورأيت بخطِّ بعض الأعيان مِنْ الحلبيين -كما أسلفته في الباب الثاني (٤) - ما نصُّه: وأما لطائفه وملاطفته للطلبة والإحسان إليهم، فلا تكاد تُوصف، وقد كنتُ أسمع به وبأوصافه، فلما شاهدته رأيتُه فوق ذلك.

стр. 995

كانت مُسائلة الرُّكبان تخبرني ... عن أحمد بن عليٍّ أحسنَ الخبرِ لمَّا التقينا فلا واللَّه ما سَمِعَتْ ... أُذني بأحسَنَ ممَّا قد رأى بصري قلت: ومن حكاياته اللطيفة التي سمعتُها مِنْ لفظه: ما حكاه لنا عن الشَّريف البدر النَّسَّابة عم الذي أخذنا عنه، وكان مِنْ جماعته، أنَّه كان شيخ البيبرسية وناظرها، فرافع فيه الصُّوفية إلى السُّلطان، فبرز أمرُهُ بالتوجُّه لقاضي الشرع، فحضر إليه القاصدُ، فاعتذر ابن أخيه بضعفه، فلم يقل منه ذلك، وألزموه بإخراجه ومجيئه لمجلس الشرع، فحملوه، فلما جاء (١) وقع مغشيًّا عليه، فرش عليه ماء الورد، فما (٢) أفاق، فقال القاضي للصُّوفية: أنتم تدَّعُون أنَّه لا يُنفق عليكم، فهو يعتذر عَن ذلك بماذا؟ فقالوا: يدَّعي العمارة، فقال لهم: أليس هو شيخ المكان؟ قالوا نعم، فقال لهم: أليس شرطُ الواقف أن يكون الشَّيخُ ناظرًا؟ قالوا: نعم، فقال لهم: إنَّ الناظر يتصرَّف كيف شاء، ولا حُكْمَ لكم عليه، فقام الشَّريف حينئذٍ سريعًا، وقال: باللَّه يا مولانا قاضي القُضاة [قل لهم] (٣)، فكانت مِنَ اللَّطائف، وسمع الدَّعوى عليه. ونحو ذلك ما حكاه أيضًا عن مَنِ ادُّعِيَ عليه بمسطور، فجحد أن يكون هذا هو المكتب عليه المسطور، فتغافل القاضي عَنِ المدَّعى عليه معظمَ النَّهار، ثم نادى: يا فلان، للاسم المكتوب في المسطور الذي أنكره المدَّعى عليه، فبادر إلى الجواب غفلةً منه، فقال للمدَّعي: قم فادَّع عليه. قلت: وقد بلغنا عن القاضي بكَّار أنَّه دخل عليه بعضُ أُمنائه (٤) وهو مخرَّقُ الثِّياب، فقال له: بعثتني لأحفظ تركة فلان، فصنع بي جارُه هذا، فأمر بإحضاره، فأحضر، فقال له: أنت صنعت هذا بأميني؟ قال: نعم، فقال للأعوان: خُذوه، فأخذوه فسقط ميتًا، فدهِشَ القاضي، فقال له أمناؤه، لا تخف، فقد مات اليوم هكذا مرَّتين! فاستوى الرَّجُلُ جالسًا، وقال: كذبوا

стр. 996

واللَّه ما مِتُّ إلَّا السَّاعة، وعاد فرقد! فجعل بكَّارُ يرشُّ عليه الماءَ وَرْدٍ ويُشمُّه الكافُورَ، ويرْفُق به ويعِدُه، إلى أن قام، فصرفه وأقبل إلى (١) أعوانه، فقال: هدَّدتموه وجرَّرْتُموه، فلو وافق أجله؟ ومنها ما أثبته، قال: دخل أبو محمد بن حمدون النَّديم مع المعتضد الزَّلَّاقة، فأمر بلقاط الرُّطَب، فلما قُدِّمَ إليه، قال للقَيِّم: ما اسم هذا اللون مِنَ الرُّطب؟ قال بَرْشُوما يا أمير المؤمنين، فأمر به فضُرِبَ ستمائة سوط، وطرح في جانب البستان، فلما قُدِّم الطَّعام، كان فيما قُدِّمَ المغمومة، فقال: يا ابن حمدون، ما اسم هذا اللَّون مِنَ الطَّبيخ؟ قال: المسرورة يا أمير المؤمنين: فقال: مَنْ علَّمك هذا؟ قال: المطروح في جانب البستان. وسمعته يحكي عَنْ بعضهم، قال إذا تزوج الشَّيخ شابَّة، فرح صبيان الخِطَّة. وعن بعض الولاة المغفَّلين أنَّه أُتي بمخنَّث، فقال: ما هذا؟ فقالوا: مخنَّث يُنْكَحْ كما تُنْكَحُ المرأةُ، فقال: هو يبذلُ نفسَه وأحظُرُها أنا عليه؟! اذهب يا ابن أخي فارتَدْ لاستك!. وعن بعض المصحِّفين ممَّن قرأ كتاب بعض الولاة لنائب له في جهةٍ مِنْ جهاته، وفيه أمرُه بأن يُحصي مَنْ قِبَلَه مِنَ المُخَنَّثين، قالها بالخاء، فكادوا أن يهلكوا، لكن فرَّجَ اللَّه عنهم بالاطلاع على تصحيف اللَّفظة. قلت: ويُقال: إنَّه لم يطَّلع على تصحيفها إلَّا بعد الفعل، ولذلك قال بعضُ الشعراء: ما رأينا ضربةً مِنْ بطلٍ ... بحسام برأت ألف قَلَمْ بل رأينا نُقْطَةً مِنْ قَلَمٍ ... في سِجِلِّ نكَّسَتْ ألفَ عَلَمْ وكان ﵀ إذا سمع مِنْ يصخب في البحث يحكي حكايةً فيها أن الصَّوابَ مع الأسَدِّ لا مع الأشَدِّ. ومن لطيف حكاياته مما سمعتُه منه، قال: بينما جماعة بمصر -وأظنُّ أنَّه حكى لنا أنَّه كان فيهم- إذ جاء إليهم شخص، ولعله نشأ ببادية بعيدة وهو مذعور، وقد رأى البُلقيني وهو يدِّرسُ في حلقته بالبرقوقية، فقال:

стр. 997

رأيتُ اليوم عجبًا، وما سلَّمني مِنْ القتل إلا اللَّه تعالى! كنتُ بالقاهرة، فطلعتُ الجامع الذي بناه السلطان -يعني البرقوقية- فأجدُ خَلقًا قد ملؤوا إيوانها (١) الكبير، وشخصٌ في صدر المكان يصيحُ عليهم، وهم يضاربونه بأجمعهم، إلى أن تعبوا مِنَ الكلام، ثم قام كلُّ واحدٍ منهم إلى نعلٍ، فأخذه، وجئتُ قبل تمام الوقعة!. ثم يحكي عقبها سواء حكاية أظن أنها قديمة تُشبهها، وهي أن آخرَ مثلُ الأول قال: دخلتُ جامعًا، فأجِدُ شخصًا على مكانٍ مرتفع وبيده سيفٌ وهو يشتمُ مَنْ بينَ يديه ويحتدُّ عليهم، وهم سكوتٌ، وربما بكى بعضُهم مِنْ شدَّة الخوف، إلى أن تعِبَ، فنزل إليهم والسَّيف في يده، فقاموا إليه بأجمعهم ليقاتلوه، وفارقتهم قبل تمام الوقعة!. وحكى لنا أيضًا أنَّ شخصًا سمع الخطيب يقول: حديث "لا يدخل الجنَّة قتات"، فشرع يبكي وينتحبُ، فسأله مَنْ بجانبه: لماذا؟ فقال: أنا حِرْفتي بيعُ القتِّ، وقد قال الخطيب ما سمعتَ! فقال: إنَّما معناه النَّمام. قلت: وهذه الحكاية رأيتها في ترجمة الحافظ أبي إسحاق إبراهيم بن سعيد بن عبد اللَّه بن الحبَّال، قال الحافظ محمد بن طاهر: سمعته يقول: كنَّا يومًا نقرأ على شيخٍ جزءًا، فقرأنا قوله ﷺ : "لا يدخُلُ الجنَّة قتَّات". وكان في الجماعة رجلٌ يبيعُ القتَّ، وهو علفُ الدَّوابِّ، فقام وبكى، وقال: أتوب إلى اللَّه مِنْ بيع القتِّ، فقيل له: ليس هو الذي يبيع القتَّ، ولكنَّه النَّمَّام الذي ينقُلُ الحديثَ مِنْ قومٍ إلى قومٍ، فسكن بكاؤه، وطابت نفسُه. وحكى لنا أيضًا أن بعضهم جلس ليبُول، فوقف بالقرب منه شخصٌ، فقال له: منعتني نفع بولتي بوقوفك، فإنَّ الحياء منك يمنعني (٢) مِنْ إخراج الريح. قلت: وهذا مرويٌّ عن حُميد بن هلال، فروى الحسن بن قتيبة المدائني عن الحسن بن دينار -أحد الضعفاء- قال: حدثنا حميد بن هلال،

стр. 998

قال: ذهب رجلٌ يبول، فتبعه رجلٌ، فقال له: حرمتني بركة بولي. قال (١): وما بركةُ البَوْلِ؟ قال: الفَسْوَةُ والضَّرطَةُ!. وقد روى سعيد بن منصور في "سننه" مِنْ طريق سوادَةَ بن هانىء، قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: إذا خرج رجلان جميعًا لإهراقة الماء، فليتنحَّ أحدُهما عَنْ صاحبه، فإن الرَّجُلَ يتنفَّسُ. وحكى لنا أيضًا أن بعض أهل البوادي رُؤي في الصَّيف وهو يغتسِلُ، فصار كلَّما غطَسَ ورفع رأسه، حلَّ عُقدَةً مِنْ خيطٍ كان معه، وأنه كرَّر ذلك مرارًا، فسُئِلَ عَنْ سبب ذلك، فقال: كنتُ في الشِّتاء كلَّما وجبَ عليَّ غُسلٌ، عقدت عُقدَةً، فأنا في هذا الوقت أُوفي بجميع ما عليَّ مِنْ ذلك! وحكى لنا غيرَ مرَّةٍ عن ناصر الدين بن صُغَيْر الطبيب (٢) أنَّ الصَّفدي قال له: لو جلست على دُكَّان عطَّار، لارتفقت بذلك. فقال له: يا مولانا، هؤلاء النِّساء، إن لكم يكنِ الطبيبُ يهوديًّا شيخًا مائل الرَّقبة، سائل اللُّعاب، لم يكن لهُنَّ عليه إقبالٌ. ومما سمعته يحكيه -مما في ظني أنَّه عزاه لبعض التَّواريخ، وأهابُ تسميته قبل الوقوف عليها- أن ثلاثةً مِنَ الحُدبان كانوا إخوةً في الشكل والطُّول (٣) والهيئة واللُّبس، أحبَّ بعضُ النَّاس مبيتهم عنده بداره للتَّفرُّج على هيئتهم وسماع ألفاظهم، ففعل ذلك، وعند تمام الأرب منهم أدخلهم في شونةٍ (٤) عنده ممتلئة تبنًا ليبيتوا بها، فانهار عليهم التِّبْنُ، فأصبحوا لا حياة بهم، فخيف مِنْ غائلة ذلك، فأعمَلَتْ جاريةً مِنْ جوار المنزل الحيلة في إخراجهم بأن أرغَبَتْ بعض السَّقَّائين، وقالت له: عندنا شخصٌ أحدبُ توفي

стр. 999

بسقوط التِّبْنِ عليه، ولا نحبُّ العلمَ به خوفًا مِنْ غائلته. فهل لك أن تُعمل الفكر في إلقائه في البحر ولك دينارٌ؟ فقال: نعم، فأخذه ولفَّه في عباءته، وألقاه على ظهر الجمل إلى أن وصل به إلى البحر في السَّلامة، فألقاه فيه ورجع، فبادرت قبل مجيئه لإخراج الثَّاني، وقالت له عندما رام أخذَ جُعْلِه: هذا هو قد سَبَقَكَ! فما شكَّ في صِدقها, لكونه -كما قدَّمنا- شبيهًا له, وأخذه ففعل به ما فعل بالثَّاني. وهكذا فعلت بالثالث، وقاسى غلبة في ذلك!. هذا معنى ما سمعتُه، وهي هزليَّةٌ، وتمامها، وهو غاية في الظَّرفِ، لكن الغالب الظَّنِّ أنَّها مُفتَعَلَةٌ: أن السَّقاء عند فراغه مِنَ الثالث وطلوعه مِنْ البحر، وجد بعضَ الحُدْبَانِ وهو ماشٍ بين يديه ومعه إبريقٌ كأنه كان يتوضَّأ، فأدركه بعزم قويٍّ (١) واقتلعه مِنَ الأرض قائلا له: إلى متى تتبعُني في هذا اليوم، قد مسكتُك، ولم يزل به حتى ألقاه في البحر وهو يصيح، فلا قوة إلا باللَّه، وأستغفر اللَّه تعالى مِنْ حكاية مثل هذا. وكذا سمعته غير مرة يحكي أنَّ بعضهم حكى أنَّ بعض البلدان يتشجَّر النَّعنع حتَّى يعمَل مِنْ خشبه السَّلالم، فقال له بعضُهم: أغربُ مِنْ هذا زوجُ حمام راعِبِيٍّ، يبيضُ في كلِّ نيفٍ وعشرين يومًا بيضتين، فأنتزعهما مِنْ تحته وأضع مكانهما صنجة مائة وصنجة خمسين، فإذا انتهت مدَّةُ الحضان، تفقَّسَت الصنجتان عن طَشْتٍ وإبريقٍ أو سطلٍ وكرنيب. قال: وإنَّما أراد الثاني المبالغة، مشيرًا إلى كذِبِ الأول. قلت: وهاتان الحكايتان رأيتهما في ترجمة صاحب "الأغاني" أبي الفرج علي بن الحسين بن محمَّد بن أحمد بن الهيثم الأصبهاني. وقريبُ الشَّبَه مِنْ هذا: أنَّ بعض الجماعة مِمَّن يُعْرَفُ بالمجازفة مِنْ الحلبيين [حكى أنَّ عندهم بحلب] (٢) مِنْ اجتمع مِنْ أولاده الذُّكور تسعة

стр. 1000

وثلاثون وتكملة الأربعين (١) أنثى، فقال بعضُ الحاضرين: وأغربُ مِنْ هذا. . . وشرع يحكي شيئًا، وكان ذلك بين يدي صاحب التَّرجمة، فضحك وقام إلى الصلاة، قصدًا لقطع ذلك. ومما أثبته قال: رفع رجلٌ قُصَّةً إلى القاضي الفاضل بخطٍّ ضعيف، رافعها اسمه شعيب، فكتب عليها ﴿يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ ويا خطه: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ [هود: ٩١]. فانظر لنا مَنْ يقرأ ما تكتب، أو يكتُبُ ما نقرأ، والسلام. وممَّا سمعته أنَّ خطيبًا [ببعض القرى] (٢) استضافَ شخصًا، فأقام عنده أيامًا، ثم قال له الخطيبُ: لي مدَّةٌ إصلِّي بأهل هذه القرية، وقد أشكل عليَّ مِنَ القرآن مواضع، فأحبُّ أن أسألك عنها، فقال: سل، فقال: في الفاتحة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ﴾. فما الكلمة التي بعدها. هل هي سبعين أو تسعين؟ أشكل عليَّ أمرها، فانا أقولُها (تسعين) عملًا بالاحتياط!. [قلت (٣): وهذه الحكاية أسندها ابن الجوزي، فقال: حدثنا أبو البركات محمد بن علي بن محمَّد بن أحمد بن الرُّومي، أنَّ رجلًا مِنَ النَّاس مضى إلى قرية، فلقيه خطيئها فضافه، فأقام عنده أيامًا، فقال له الخطب: لي مدّة أُصلِّي بهؤلاء، وقد أشكل عليَّ في القرآن مواضع. قال: سل عنها. قال: في "الحمد" ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ﴾، أي شيء: "تسعين" أو "سبعين"، أشكلت عليَّ، فأنا أقولُها "تسعين" عملًا بالاحتياط! حكاها ابنُ النَّجار في ترجمة ابن الرومي]. وأنشد ﵀ مرَّةً يخاطب بعضَ الطَّلبة عن شيخه العلاء ابن أبي المجد قراءة عن العلاء بن المظفَّر الوداعي، وكان خاتمة أصحابه بالإجازة قوله: متى أراه خلفه ... عاتٍ مِنْ الأقوام عادي

стр. 1001

ونداؤه: هذا جزاء ... فأقول قد صدق المنادي وبقي يخاطبه بقوله: "هذا جزاء"، والطالب لا يفهم، بل صار يعيدُها تبعًا لشيخنا دون فهم المقصود، فإنه لو فهمه ما ذكره. وقد قال محمَّد بن إسحاق صاحبُ "المغازي" فيما رويناه في "النوادر والنُّتَف" لأبي الشَّيخ ابن حيَّان الحافظ: يعجبني مِنَ القُّراء كل ضحَّاك بسَّام، طلْقُ الوَجْهِ، ليس الذي تلقاه ببشاشةٍ ويلقاك بوجه عبُوسٍ، يمتَنُّ عليك بعلمه، لا أكثر اللَّه في القُرَّاء مثل ذلك. وممَّا رأيته مما هو دالٌّ على لُطف ذاته وجميل عِشْرَتِه: أنَّني بينما أنا أقرأ عليه بعضَ عواليه في بعض اللَّيالي على العادة، إذ حضر بعضُ أصحابه وهو العلَّامة نور الدين بن سالم، وكنتُ أنا وإياه وسط النَّهار بين يدي شيخنا، سمع معي (١) شيئًا ممَّا (٢) قرأته، فعندما رآه شيخُنا مقبلا أشار إليَّ أن إذا أمرتك بالإعادة، لا تفعل، ووصل فجلس، فقال له شيخ الإِسلام: ما هذا الحال، تغيب عن السَّماع في هذا المرويِّ العالي؟ فالتفت إليَّ، وقال: لِمَ لَمْ تُعلمني بذلك حيث كنت أنا وإياك السَّاعة؟ فلم أُجِبه وصِرتُ أقرأ وشيخُنا يبالغ في وصفه بالتَّقصير عن تفويت مثل ذلك، وهو -أعني ابن سالم- يحثُّ عليَّ في الإعادة، ولا أجيبه بكلمة إلى أن تعبَ، فقال لشيخنا: قل له يفعل، ففعل لكنِّي امتثلتُ إشارته السَّابقة، وصِرْتُ في خجل. كلُّ هذا بأدنى إشارة، مع سكون وإطراقٍ وعدم مزيد حركة, ممَّا لا أستطيعُ التَّعبير عنه. وكان ﵀ يخصُّ ابن سالم مِنْ ذلك بما لم أره يُكثر فعله مع غيره. رأيته عند سفر ابن سالم إلى صفد -وما التقيا بعدها في غالب الظَّنِّ- وشيخُنا يقولُ له: يا شيخ فلان، شيخك ابنُ الكُوَيْك يروي "الشفا" غايةً في العُلوِّ، فما كان بأسرع مِنْ إخراجه الدَّواة والقلم، وشرع يستملي منه ذلك، فأخذ يتلاهى عنه، تارةً بالبحث والتقرير، وتارة بالكتابة على

стр. 1002

الفتاوى، وتارة بغير ذلك، وهو يحترقُ ويلِحُّ في الطَّلب، فما احتملتُ أنا ذلك، وكنت بجانبه سواء، فأمليتُه مِنْ حفظي السَّندَ المشارَ إليه سرًّا، وما خطر لي أن يُعلمه بذلك، فبمجرّد تمامه قال: قُضيَ الأمر وبطَلت الحاجة! فقال له: كيف؟ فأشار إليَّ، فأظهر سُرورًا بذلك. وبينهما مِنَ المُلاطفات غيرُ ذلك. ومع هذا كلِّه، فقد قال له (١) مرَّةً في حالة مرافقته له في السَّفر إلى آمد، عندما تكرَّر منه كَثْرَةُ صبِّ الماءِ والتَّمادي في الوضوء لوسواسٍ كان عنده، وكذا في تكرار النِّيَّة عند الإحرام بالصَّلاة حتى يكاد يخرجُ وقت الصَّلاة، واحتدَّ عليه: متى عدتُ أراك تفعلُ هكذا، ضربتُ عُنقَك! وإنَّما قاله ﵀ مبالغةً، فأجابه بقوله: عجيبٌ، كيف يصير ابنُ سالمٍ عاطبًا! فتبسم شيخنا. وكان لابن سالم مُمَاجناتٌ كثيرة، مع فهم جيِّدٍ وعلم، وقد قرأ على شيخنا في "النَّسائي الكبير"، مع كونه رفيقًا له في سماعه فيه على ابن الكُويك، لكن لجلالته عنده واحتياجه (٢) لضَبْطِ المتون السَّند، والتفقُّه في الحديث، ولغير ذلك، ﵀ وإيانا. وكذا كان كثير المماجَنَةِ مع الشِّهاب الرِّيشي، أحدِ جماعته، سمعتُ الرِّيشي يحكي مرَّةً عن شيءٍ أدركه ممَّا اتَّفق قديمًا، فقال شيخنا رحمه اللَّه تعالى: "حاسبُوهم بالتَّاريخ"، ثم أسرَّ قوله: "تجدوهم كذَّابين". وكثيرًا ما سمعتُه يقول: لا يزال العاميُّ يدِّعي الصِّبا، ويغضبُ ممَّن يصفُه بغيره حتى يزاحم الخمسين، فإذا بلغ ذلك أخذ (٣) يتمشيخ ويبالغ ويقول لمن دُونَه في السِّنِّ ما الذي رأيت؟ أنا رأيتُ السُّلطان الفلاني، واتَّفق كذا، وأكلت كَيْتَ وكَيْت بكذا، وما أشبه ذلك، وربما يدَّعي بعضُهم مجاوزة المائة، وإذا حقق الأمرَ فيه، لا يزيد على السَّبعين، ولهذا كان يمنع

стр. 1003

مِنْ الأخذِ عمَّن يدَّعي السِّنَّ، أو يدَّعي له مِنَ العوام ونحوهم ممَّن لو صحَّت الدَّعوى منه (١)، لدخل في عموم إجازة القُدماء، وهو متعيِّنٌ. وذكرت هذه الحكاية استطردًا لقوله: "حاسبوهم بالتاريخ" (٢). وقال للشِّهاب الرِّيشي مرَّةً وهو جالسٌ في محراب المنكوتمرية، والشهاب بحذاء المحراب أيضًا يا شهابَ الدِّين، هل تعرفُ في القرآن "الرَّحيم الرحمن"؟ فبادر إلى إنكار ذلك، مع كونه ماهرًا في حفظ القرآن, بل ومِنَ القُرَّاء واستمر يبالغُ في الإنكار وشيخنا ساكتٌ وهو (٣) يكثر التَّبسُّمَ، وأطال في ذلك، فقال له: يا شهاب، ارفع رأسَكَ وانظر تُجاهَكَ، فرفع رأسه، قرأى بصدر الإيوان المقابل له مكتوبًا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢)﴾، فكانت مِنَ الفوائد الجليلة، واستحسنها الجماعة. وعندي مِنْ خفَّةِ خاطره، وحلاوة نادرته، ولطافة طبعه، الذي إذا وقعت لها الكلمةُ الزَّائدةُ المستحسنة لا يسكت عنها، أمرًا عجبًا، وتجد كلَّ واحدٍ مِنْ جماعته يحفظُ مِنْ ذلك ما لا يحفظُه الآخرُ، فرحمه اللَّه وإيانا. آمين. ومِنْ ذلك: أنَّ سائلًا رفع له قُصَّةً يلتمَسُ شيئًا مِنْ مبرَّاته، فكتب له عليها بقدرٍ، ثم جاءه (٤) بعد قليل بقُصَّةٍ أيضًا، ظانًّا أنَّه يَخْفَى عليه قُرْبُ مجيئه، فكتب له بهامشها: إذا ما جَنَيْتَ جنى نَخْلَةٍ ... فلا تَقْرَبَنهَا إلى قابِلِ ونحو هذا: أنَّه عزل أحدَ نوَّابه شمس الدين بن خيرة، فتوسَّل عنده

стр. 1004

في عَوْده بحارة الأمير يشبك فأجابه، لكن عيَّن له الجلوس بمجلس الهلالية بالدَّجاجين، ليكون مبعدًا عن أميره المشار إليه، فلم يقنع بذلك، وتوسَّل ثانيًا بالأمير المذكور، فكتب له: إذا أنت لم تقنَعْ ورُمْتَ زيادَةً ... ندِمْتَ ولم تأمَنْ زوالَ الذي حَصَلْ وقريب مِنْ ذلك: أن أحد النُّوَّاب، الشِّهاب أحمد بن محمَّد بن الدقاق المصري، حضر إليه حين عودهِ للقضاء في بعض المرَّات، يلتمسُ استنابتَه على العادة، فوجد جَمعًا مِنَ النُّواب قد سبقوه إليه، فقضى أربهم، ودخل إلى منزله، فسيَّر إليه (١) قصَّته مع بعض الخُدَّام، فعاد بها بدون الغَرَضِ، فجهَّزها له ثانيًا بعد أن كتب فيها ما معناه: إنَّه إن لم تقض حاجته شكا إلى الفُقراء، فأجابه بما نصُّه: أمَّا ابن الدقَّاق، ففاتته الدقة، فإنه غاب، ومَنْ غاب خاب، وأكل نصيبه الأصحاب، وما مَثَلي ومثَلُه إلا كمثل رجل جاء إلى الطَّحان بزَنبيله، فقال: قدِّمني على غيري، وإلَّا أدعو عليك يَنكَسِرْ حَجَرُكَ وتموتُ دوابُّك، فقال: إن كنتَ مستجابَ الدَّعوة، فادعو لقمحك يبقى دقيقًا. ومنه فيما بلغني: أنَّ شخصًا به حَوَلٌ مِمَّن كان يعارض (٢) المجاورين بالأزهر، فصاروا يكتبون له بحائط محلِّ جلوسه: لا حول ولا قوة إلا باللَّه، فاستفتى صاحب التَّرجمة عن ذلك، ورام أن يجيبه بتعزير فاعِلِه، فكتب له ما نصُّه: لا حول ولا قوَّة إلا باللَّه كنزٌ مِنْ كنوزُ الجنَّة. ومنه: أن بعضَ الطَّلبة قرأ: "وله حُصَاص" (٣)، أعجم أوَّله، فردَّ عليه بقوله: "حاء"، فكانت مِنَ اللَّطائف. وكان مرَّةً يفرِّقُ على الفقراء دراهمَ، لكلِّ شخصٍ درهمًا، فجاءتهُ امرأةٌ مِنَ الفُقراء مِنْ شُبَّاك المدرسة وهو جالس بها، فقالت له وهي رافعة

стр. 1005

سبَّابتها: يا سيِّدي وُحَيِّد، فقال مِنْ غير أن يُسْمِعَها: توجَّهي لبعلِك. واجْتَازت امرأةٌ أخرى ولها رائحةٌ عطِرَةٌ، فقال له شخصٌ بجانبه كالمُنكِرِ عليها: انظرُ إلى هذه الرَّائحة، فقال له: رايحة جَايَة. وكنَّا معه في الدَّرس بالمقعد، فقام الهواءُ، بحيثُ طارت أوراقُ بعضِ الحاضرين مِنْ بين يديه، وكان في المجلس الشَّيخ حسين الشيرازي العجمي -عرف بالفتحي (١) - فقال مخاطبًا لصاحب الأوراق: يا شيخ ثقِّل، فقال له صاحبُ التَّرجمة: بعد العصر. وحضر إجلاسًا لناصر الدين بن السَّفَّاح، فقال لعمِّه -وهو كاتب السِّرِّ إذ ذاك- بعد فراغه مِنَ المجلس: واللَّه يَسْرُد مليح. وجلس مع رفقته مِنْ قُضاة المذاهب (٢) وغيرهم وهم راجعون مِنَ السَّفر إلى آمد، فذكر كلُّ واحدٍ منهم ما يحتجُ لشرائه مِنَ القماش ونحوه هديَّةً لأهله وغيرهم، فقال واحدٌ منهم: أمَّا أنا، فأشتري لهم حِمْلَ جوز ولوز وزبيب وتين (٣)، فقال له صاحبُ التَّرجمة بديهة: هذه هدية عزَّة، فاستحسنها الحاضرون، لأنَّ تصحيفها "عُرَّة". ووقف إليه شخصٌ مِنَ الشُّطَّار، فقال له بلفظه المألوف: اللَّه يسعدك. فالتفت إليه مباسطًا له، قائلًا: أيش أنت، فقال خثعم، فقال له: إنهم وسَّطوه، فقال الشَّاطر: إنَّه نَبَتَ. وسمعته يحكي قضية (٤) العِرْسِ وتغطيته، ومجيء أمِّه ودورانها حول ابنها ترجو إطلاقه، وأنَّه طال ذلك عليها، فبادرت وأحضرت في فمها دينارًا، ثم آخر، ثمَّ آخر حتَّى استوفت عددًا، وأنَّها جاءت بالخِرْقَةِ بعد ذلك، إشارة إلى فراغ ما عندها، فأطلق بعدَ ذلك. لكن ما علمتُ هل

стр. 1006

حكاها أنها اتَّفَقَتْ له أو للبدر البشْتَكي أو لمن تقدَّم. ثم رأيتُها في ترجمة محمَّد بن أحمد بن عبد الباقي بن منصور بن الخاضِبَة مِنْ "ذيل تاريخ بغداد"، قال: كنتُ ليلةً أنسخُ وأنا في ضيقٍ، وبعد مُضيِّ قطعةٍ مِنَ الليل، خرجت فأرةٌ ثمَّ أخرى، فكانا يمرحان ويلعبان، ودنت إحداهما منِّي، فالقيت عليها طاسةً، فجاءت صاحبتُها، فجعلت تشمُّ الطَّاسة وتضرِبُ نفسَها عليها إلى أن أعيت، فذهبت [فدخلت سِرْبَها] (١)، ثم رجعت بعد ساعة وفي فمها دينارٌ، فألقته ومكثت ساعةً تنظرُ إليَّ، وأنا مُتشاغِلٌ عنها بالنَّسخ، ثم ذهبت إلى مكانها أيضًا وجاءت بدينارٍ آخر، إلى أن أحضرت خمسة أو أربعةً، وفي الآخر أطالت المُكْثَ والنَّظَرَ إليَّ وأنا متشاغِلُ عنها، ثم ذهبت إلى سِرْبها أيضًا، ثم رجعت وفي فمها جُلَيْدَةٌ، فوضعتها فوقَ الدَّنانير، ففهِمْتُ أنَّه لم يَبقَ عندها شيءٌ، فرفَعتُ الطَّاسة، فقفزا ودخلا السِّربَ، فقمْتُ وأخذتُ الدَّنانير فأنفقتُها. وكانت زِنَة كلِّ واحدٍ دينار وربع. ويُروى أنَّ المقدادَ ذهب لحاجته ببقيع الخَبْخَبَة، فإذا جُرذٌ يخْرِج مِنْ جُحْرٍ دينارًا، ثمَّ لم يزل يُخْرِجُ دينارًا دينارًا حتى أخرج سبعة عشر، ثمَّ أخرج خِرْقةً حمراء وفيها دينار آخر. فقدِمْتُ بها إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال له النَّبيُّ ﷺ : "هل خرَّبت الجحر"؟ قال: لا، فقال: "باركَ اللَّه لك فيها" (٢). وكذا حكى لنا قضية البراغيث وجَعْلِها في وعاء مختوم عليه في انقلابهم تُرابًا، ثم براغيث، وما تحققت الحكاية على وجهها أيضًا. وحكى لي العلَّامةُ الشِّهاب الحجازي، قال: كنتُ أقرأُ بشباك الخانقاه البيبرسية في وظيفتي مع الجماعة على العادة، فصادف اجتياز صاحبِ التَّرجمة وابن يعقُوب في خدمته عند قراءتنا: ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ﴾ [يوسف: ٦] فحرَّك رأسَه، ثم إنَّني لقيتُه بعد ذلك، فسألني: هل كان ذلك قصدًا أو اتِّفاقًا؟ قال: فحلفتُ له بالطَّلاق أنَّه اتِّفاقًا.

стр. 1007

وقد أشرتُ إلى هذه الاتِّفاقية في أواخر الباب الرابع (١). وحكى لنا، قال: كان شيخا القاضي صدر الدين المناوي كثيرًا ما يجمعُ الطَّلبة ونحوهم على الطَّعام الفاخر. فاتَّفق أنَّه أحضِرَتْ له جارية ليختبِرَها فيما وُصِفَتْ عنده به مِنْ إتقان الطَّبخ حتى يشتريَها، فأمرها بطبخ ألوانٍ عُيِّنَتْ لها بعد أن أحضرَ لها جميعَ احتياجاتها على الهيئة المرضيَّة، بحيث لا يختلُّ بشيءٍ. ولمَّا انتهت مِنْ تهيئتها، ورأت الجاريةُ التي كانت قبلَها مِنْ ذلك ما حسدتها مِنْ أجله، أخذت صبرًا، ودارت على القدور فأشعلتها عن آخرها، والطَّبَّاخَةُ غافلةٌ عَنْ صنيعها، ووصل عِلْمُ ذلك للقاضي، فتغيَّر لطول مُكْثِ الجماعة بين يديه لانتظار الاستواء، فدبَّر نقيبه الأمرَ بمد السِّماط، وحين ينتهي وضع تلك الأطعمة يخير الجماعة بين التَّقدُّم للأكل أو النظر لأمر غريب، وهو إحضارُ شخصٍ واحدٍ يأكُلُ الجميع، ففعل ذلك، فاختاروا التفرُّج، وقدَّمُوه على الأكل، ففي الحال أحْضِرَ شخصٌ يسمَّى سرحان، فجلس في ذيل السِّماطِ، وشرع في الأكل حتَّى أتى على آخره، وما تمَّ ذلك حتى أمر القاضي بإحضار شواءٍ مِنَ السُّوق يكفي بجماعة فأكلوه، وتعجَّب كلٌّ منهم لصنيع سرحان. قلت: وقد ترجم شيخُنا سرحان هذا في سنة اثنتين وتسعين مِنْ "إنبائه" (٢)، وقال: إنَّه كان مالكيًا عارفًا بمذهبه، أكولًا مهشورًا بذلك. انتهى. وهو ممَّن أخذ عنه البدر بن الأمانة الفرائض، وأظنُّه كان إمام المالكية بالصَّالحية، وأحدَ سُكَّانها. [رغبته في العلم:] وأما شدَّة رغبته في العلم ومحبَّتُه في المذاكرة به والمباحثة فيه، فوراء العقل، مع كثرة الإنصاف ولو على نفسه، وعدم استنكاف سماع الفائدة ولو مِنْ صغار آحاد طلبته، بل يستحسِنُها ويأمرُ الحاضرين بسماعها، حتَّى رأيتُه

стр. 1008

مرَّةً يقول، وقد (١) تكلَّم شابٌّ بشيءٍ وهو خارج الحلقة: اسمعُوا ما يقولُ الشَّابُّ، فإنَّه يقول جيدًا. وطال ما يقول: مقالة هذا هي الصواب، مع كونه كان قرَّرَ خلافها رجوعًا منه إلى الحق، وإنصافًا وعدم محاباة. وحكى لي شيخنا العلامة مفخرُ العصر تقي الدين الشُّمُنِّي، وهو مِنْ تلامذته، قال: كنتُ أحضُرُ عنده بعد أن اشتغلْتُ وفهمت العِلمَ فيكرِمُني، وأفهم أنَّ سببَ ذلك كون والدي مِنْ جماعته، لا لكوني طالبَ علمٍ؛ لأنه لم يكن اطَّلع على ذلك، إلى أن حضرتُ بين يديه مرَّةً على العادة في المحمودية، وقارىءٌ يقرأ عليه حديث "فليَخْلُقوا ذرة وليخْلُقُوا حبَّةً أو شعيرة"، فوقع السؤال عَن الحكمة في التَّرقِّي، كذلك قال: فأجبتُ بأن صُنْعَ (٢) الأشياء الدَّقيقة فيه صعوبةٌ، والأمر لمعنى التَّعجيز، فناسبَ التَّرقِّي مِنَ الأعلى للأدنى. قال: فأعجبه ذلك، وأقبل عليَّ، وصار يلحظُني ويُكرمني ويُصغي لمقالي. ﵀. [أدبه مع العلماء:] وأمَّا كثرة أدبه مع العلماء المتقدِّمين منهُم والمتأخِّرين, فمشهورٌ بحيث كان إذا تعقَّب النَّوويَّ ﵀ شيء يقول: وعجبتُ للشَّيخ مع سَعَةِ علمه كيف قال كذا، أو ما أشبه ذلك مِنْ العبارات. وسمعت أنَّه توجَّه مرَّةً هو وقاضي الحنفيَّة الزَّين التَّفهني لإسماع تصنيفه في "مناقب اللَّيث" عند ضريحه، فحصل الابتداءُ بزيارة الإِمام الشَّافعي ﵁، ثم التوجه بعد ذلك إلى ضريح اللَّيث ﵁، فقرأ شيخُنا ابنُ خضر "المناقب"، ثم رجعوا، فقال صاحبُ التَّرجمة: أحبُّ أن يكون آخر عهدي بالإمام كما ابتدأتُ بزيارته، ففارقه التَّفهني مِنْ تلك الجهة، واستمر عند الباب الآخر ينتظر شيخَنا حتَّى فرغ مِنَ الزِّيارة، وأنكر بعضُهم سرًّا على التَّفَهْني صنيعه، وكانت مدته بعد قريبه رحمة اللَّه

стр. 1009

عليهم. ولكونه كان بهذه المثابة، عُتِبَ عليه حين استقرَّ في تدريس الشَّافعي، بد بدأ بالدُّخول لمحل الدَّرس مع اعتذاره عن عدم الابتداء بالزِّيارة، بخشية الإطالة على الجماعة الذين قصدوا الموافاة، والزيارةُ تحصُلُ بعدَ الفراغ مِنْ القصد الذي جِيءَ بسببه، والأعمالُ بالنِّيَّات. [تهجده:] وأما تهجُّده، فما كان يتركُه، بل أخبرني غير واحد ممن رافقه في السَّفر أنَّه كان يقوم اللَّيل في السَّفر أيضًا، وكذا لم يتركه في ضعف موته قائمًا، بل ربَّما توكأ على ولده إلى أن أعيى، وذلك قبل وفاته بأربعة أيام. وأما أنا، فبتُّ معه عقِبَ وفاة ابنة أخت أم أولاده بتربتهم بجامع المارداني، فصلَّينا معه العشاء بالجامع المذكور، ورجعنا فنام والتفّ في لحاف حتَّى مضى مِنَ اللَّيل النِّصْفُ فيما أظنُّ، ثم استيقظ والجماعة كلُّهم نائمون، واتَّفق أنَّني كنت مستيقظًا، فهممتُ لأقوم معه، فمنعني وهو في سكون زائد ورشاقة، خوفًا مِنَ استيقاظ أحدٍ، فدخل الخلاء، ثم توضأ وضوءًا خفيفًا جدًا في تمام على جاري عادته، واستقبل المحراب، فصلَّى إلى أن غلبني النَّومُ، وكان يطيل القيام وكأنَّه كان يقرأ راتبا مِنَ القرآن في تهجُّده، ثم استيقظتُ فأجده نائمًا، وأظنُّه استمر كذلك إلى أن قام لصلاة الصبح، وقمنا معه، فصلينا بالجامع المارداني أيضًا، ورجع كلٌّ إلى محله (١). [صومه:] وأما صومه، فكان ﵀ يسرُدُ الصَّوم أوَّلًا، ثم صار يصومُ يومًا ويفطِرُ يومًا، مع الحِرص على صوم تاسوعاء وعاشوراء، وعرَفَة وستَّة شوال، ويأكل وقت الفِطْرِ يسيرًا، ثُمَّ يتسحر بشيءٍ يسير كذلك قريب الفجر جدًا. وأظنُّه كما كان يقصِد في الصَّوم صومَ داود ﵇، كذلك كان

стр. 1010

يتحرَّى طريقته في الصَّلاة، ينام نصف الليل الأول، ويقوم ثُلُثَه، وينام سُدُسَه؛ لأنَّه ورد في الصَّحيح عَنْ نبيَّنا عليه أفضلُ الصَّلاة والسلام أنَّ ذلك أحبُّ الصلاة إلى اللَّه تعالى، كما صحَّ أنَّ صومه أحبُّ الصِّيام إلى اللَّه. [تلاوته للقرآن:] وأما تلاوته، فكان يُكثر منه -لا سيما في حال ركوبُه، وعقِبَ صلاة الصُّبح- بتدبُّرٍ وتأنٍّ وسكون، إذا مرَّ بآيةِ رحمة سأل، أو عذاب تعوَّذ. ولقد صلَّيت معه المغرب، فقرأ في الركعتين بغالب سُورة الأعراف، وكان شَرَعَ فيها بناءً على قراءة السُّورة بتمامها، فإنَّه استأذن الجماعة، وكنَّا أربعةً أو ثلاثة، فقرأ ما يقتضي التَّخفيف. وبتشاغله بالتلاوة في حال الرُّكوب كان يمتنع مِنَ السَّلام على كثير مِمن يراه، والأعمال بالنِّيَّات. [عيادته المرضى:] وأما عيادتُه للمرضى وشهودُ الجنائز، فكان حريصًا على ذلك، لا سيَّما مَنْ يلوذ به. ومَن لم يتيسَّر له عيادته منهم، تفقَّده بشيءٍ مِنَ الدُّنيا. ولقد توعّكتُ مرَّةً، فأرسل نقيبَه القاضي شهاب الدين بن يعقوب إليَّ ومعه مبرَّةٌ، ثم صار كلَّ يوم يسأل مِنْ الوالد عَقِبَ صلاة الصبح -إذ كان ملازمًا للصلاة معه- عنِّي، حتى إنَّ الوالد اشتدَّ خوفُه عليَّ، وازدادت محبَّته فيَّ، لما رأى مِنْ كثرة سُؤال هذا العظيم المقدار عَنْ أقلِّ خُدَّامه. وهكذا كان دأبُه ﵀ مع أتباعه، طال ما عاد عبد الغني العطَّار الذي كان جابيًا عنده، وغير ذلك ممَّا هو معدود عند العارف بالسُّنَّة العامل بها، في مناقبه ومفاخره. نعم، لم يكن شديدَ الاستقصاء في تتبُّع ذلك؛ لعدم اتِّساع أوقاته له، ولقد أشار هو إلى ذلك، حيث قيل له عن القاضي بدر الدين البغدادي ومبالغته في التردد للأعيان وشبههم بسبب ذلك ونحوه، فقال: كلٌ ميسَّرٌ لما خلق له، أو كما قال.

стр. 1011

[محبته للصالحين:] وأما اعتقاده في الصالحين، ومن يثبت عنده انجذابه منهم، فمعلوم. قد زارَ جماعةً منهم، بل وبرهم، وعادت بركتهم عليه، ورأينا يحضُرُ عنده في مجلس الإملاء ممَّن يُنْسَبُ إلى الخير شخص يقال له الشَّيخ عوض، يأكل مِنْ صنعة الحياكة، فكان يشتري منه غالبًا شيئًا مِنْ صنعته، ويلبس منه قصدًا لحصول البركة، وبرًا منه له، وكان المذكور ظريفًا، طال ما كان يقول له: يا ابني يا أحمد افعل كذا وما أشبه ذلك، ومرَّة غاب المستملي الشَّيخ رضوان، فقال لشيخنا: اتَّخذ لك رضوانين ثلاثة. كل ذلك وشيخُنا يجِلُّه ويتوسَّم البركة فيه، وناداه مرَّةً: يا شيخ عوض، فأبشع في حقِّ مَنْ سمَّاه بذلك، فقال له صاحبُ التَّرجمة: إنما سمَّاك أبوك وأمُّك. إلى غير ذلك مما يُستدل بدونه على حُسْنِ الاعتقاد والميل لمن (١) لم يخرج عن (٢) الكتاب والسنة، بل أنشد المذكور شعرًا بحضرته، فقال لصاحبنا النجم بن فهد: اكتب هذا عن الشَّيخ، فما اتَّفق أنَّه كان معه دواة. وكان يقول عن الشَّيخ محمد بن صالح المجذوب كان: إنه فقيرٌ ظريف، وبرَّه غير مرَّة. وزار في سنة ست وثلاثين العلامة العارف باللَّه تعالى الشِّهاب ابن رسلان صاحب التصانيف والأحوال المرضية بالرملة. وحضر إليه الشَّيخ مدين رحمهما اللَّه بسبب استرضائه على الولوي البلقيني، فرأيت شيخنا أكثرَ مِنَ التَّأدُّب معه. وكذا سيأتي في أول الباب التاسع (٣) ذكرُ شيءٍ مِنْ صنيعه مع الكمال المجذوب. وجاءه الشَّيخ أبو العباس أحمد ابن الشَّيخ محمَّد الغمري نزيل المحلَّة

стр. 1012

وهو صغيرٌ، فقام إليه، واحتضنه قائلًا له: المؤمن محفوظٌ في ولده وولدِ ولدِه، وأجلسَه بجانبه. وكان يرسل لبعض الفُقراء المعتقدين الكسوة وغيرها، وربَّما قدِمَ عليه بعضُهم ويدفع إليه الشَّيء اليسير مِنْ المأكول كالحمص ونحوه، فيأخذه منه تبركًا، ومرة أرسل لعياله مِنْ ذلك، وممن فعل معه ذلك الشَّيخ مُبارك، بل حكى لي السَّيدُ جلال الدين الجرواني النقيب أنَّ السَّبب كان في اعتقال إياه أنَّه حضر إليه مرَّةً، فلم يلتفت شيخنا إليه، بل أعرض عنه، فخرج وفهم منه شيخُنا التغيُّر. قال: وقدر أنَّه عزل بعد يسير، فأمر السيِّد أن يتلافى خاطر المشار إليه، فلم يزل يتتبَّعه حتى أحضره إليه، فاستدرك شيخُنا ما كان فاته مِنَ الإحسان إليه، واعتذر عَنْ فعلِه السَّابق، حتى رضي ودعا ثم انصرف. وبالجملة، فكان في ذلك متوسِّط الحال، غير مُفْرِطٍ ولا مُفَرِّطٍ. نعم، كان ينكر على كثير مِنْ مكشوفي العورات المتضمِّخين في النَّجاسات، الناهبين البضائع مِنَ الطُّرقات، المتلذذين بالشَّهوات ممَّن لم يعْلَمْ صلاحه قبل هذه الحالات، ويقول: نصَّ أهل العِرفان مِنْ عُلماء الشأن على أنَّ مَنْ كان قبل طُروءِ مثل هذا على الكتاب والسُّنَّة، فهو واردٌ ربَّاني، وإلا فهو شيطانيُّ. ومَنْ يقدِرْ ينازع في هذا. نسأل اللَّه التوفيق. قال سيد الطائفة أبو القاسم الجنيد فيما رويناه عنه: طريقُنا مضبوطٌ بالكتاب والسُّنَّة، مِنْ لم يحفظ القرآن، ولم يكتب الحديث، ولا يتفقَّه، لا يُقتدى به. ونقل صاحب "مجمع الأحباب"، وهو الشَّريف الواسطي، عن الموفق ابن قدامة أنَّه سئل عَنْ هؤلاء المعتوهين الذين تمرُّ بهم أوقات الصلوات ولا يُصلُّون، فقال: هؤلاء قومٌ سلبهمُ اللَّه ما سلبَ، ووهب لهم ما وهبَ، فأسقط عنهم ما وجبَ لمَّا سلب. وكذا كان يجهر بالإنكار على ابن عربي ومَنْ نحا نحوه، ويحكي مقالته الشَّنيعة في تفسير قوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ (١) أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾ [نوح: ٢٥]، ومذهبه القبيح في تفضيل الوليِّ على النَّبيِّ إذ يقول:

стр. 1013

مقامُ النُّبُوَّة في برزخٍ ... فُوَيْقَ الرَّسول ودُون الولي ويتعجَّب مِنَ الإقدام على مثل هذا، ويُبالغ في الحطِّ على مَنْ يعتقدُه أو ينظر في مقالته، ويمقته بسبب ذلك لفظًا وخطًّا، ويتوقَّفُ في الرواية عَنِ الدَّاعية منهم. واتفق أنَّه قبل القرن باهلَ شخصًا متجوهًا مِنْ معتقديه، فما تمَّت السَّنَةُ حتَّى هلك ذاك، وكفى اللَّه شرَّه، كما بيَّنَتْ القصَّة في "تصنيفي" المتعلق بابن عربي، بل وفي أوائل هذا الباب أيضًا (١)، أهلك اللَّه تعالى أتباعه ومن يعتقدُ مقالتَه. وحكى لنا صاحبُ التَّرجمة، وأثبتهُ في "اللسان" (٢) مِنْ تصانيفه: أنَّه سأل شيخَ الإسلام السِّراج البُلقيني عن ابن العربي، فبادر الجواب بأنه كافرٌ، وسأله عَنِ ابنِ الفارض، فقال: لا أحب أن أتكلَّم فيه. قال: فقلت: فما الفرقُ بينهما والموضعُ واحدٌ، وأنشدتُه مِنْ التائية، فقطع عليَّ بعد إنشادِ عدَّة أبياتٍ بقوله: هذا كفر هذا كفر! انتهى. وقد بلغني عَنْ بعض الثِّقات ممن أخذ عن شيخنا أنَّه سمع صاحبَ التَّرجمة يقول: ثلاثةٌ أُلينَ لهم النَّظم كما أُلين لداود الحديد، وهم: الشَّاطبيُّ وابن الوردي وابن الفارض. انتهى. وسمعتُه مرارًا يقول عن ابن الوردي مما أثبته في ترجمته (٣): أقسم باللَّه لم ينظمْ أحدٌ بعده الفقه إلَّا وقصر دونه. وكذا سمعته يحكي ما رُزِقَهُ الشَّاطبيُّ مِنَ القَبُول في "لاميَّته" بحيث إن أبا حيَّان رام مزاحمته في ذلك، فعمل قصيدة سماها "عقد اللآلي في القراآت السبع العوالي" فصرَّح فيها بالقُرَّاءِ مِنْ غير رمزٍ، والتمس مِنْ ولدِه حفظها، فما أجابَ لذلك، وحفظ "الشَّاطبية".

стр. 1014

[اتباعه للسنَّة:] وأما اتباعه للسنة في جميع أحواله، فشيءٌ لا يُسألُ عنه؛ لأنَّها عنه تُؤخذ، ومنه تُعرَفُ، ويحرص بلسانه وقلمه على جذب الناس إليها، وتحذيرهم مِنْ مخالفتها، حتى كان يتأثر مِنْ تأخير الفِطْرِ وتقديم السَّحور، كما قدَّمته عند شيء مِنْ أقضيته مِنَ الباب الرابع (١). وكذا مِنْ الزيادة في التكبير المشروع في العيدين، وقال في "فتح الباري": وقد أُحدثَ في هذا الزَّمان زيادةٌ فيه لا أصلَ لها. إلى غير ذلك ممَّا يعلَم مِنَ الكتاب المشار إليه، كقوله فيه: ولا أصل لما اعقاده كثيرٌ مِنَ النَّاس مِنَ استكمال قراءة الفاتحة بعد قوله: الحمد للَّه رب العالمين، يعني في العُطاس. وكذا العدول عن الحمد إلى: أشهدُ أن لا إله إلا اللَّه، أو تقديمها على الحمد. ويقول كما سمعتُه مرارًا: هؤلاء العوامُّ يثابرُون على القيام دفعةً واحدةً بعد فراغ المؤذن مِنَ الأذان يوم الجمعة للصلاة، بحيثُ أخشى توهمهم وجوبها، مع أنَّه لم يرد قبل الجمعة بخصوصها سنة، وكان هو عند ما يشرع المؤذِّن في الأذان، يثيب فيصلي أربعًا سنَّةَ الزوال، ويجيب المؤذِّنَ وهو في الصَّلاة إلَّا في الحيعلتين. [خوفه مِن اللَّه:] وأما خوفه مِنْ اللَّه ومحاسبتُه لنفسه، فأمرٌ يفوقُ الوصفَ. ونحوُه أنَّه ذكر يومًا القبرَ والموت، فقال: بينما المرءُ بين أهله وعشيرته الذين ألِفَهم وألفوه، إذِ انتقَلَ إلى مكان لم يألَفْ مثله قط [وجاءه مَنْ لم يره قط] (٢)، واسترسل في ذكر هذا المعنى، ثم صعق صعقةً مطربةً، ونهض إلى الصَّلاة.

стр. 1015

[جمعه بين العلم والعمل:] وأما جمعه بين العلم والعمل، فقد علمته مفصلًا مِنْ هذا الكتاب، ولكن ليس الخبر كالعيان. [برنامجه اليومي:] وأما بيان طريقته في تقضي أوقاته، فكان ﵀ يصلي الصُّبح في أوإئل أمره بغلس في الجامع الحاكم، ثم صار -لعله بعد ولاية القضاء- يصلِّيه وقتَ الإسفار بالمدرسة المنكوتمرية، يجيءُ إليها مِنْ خلوته النَّافذة لمنزل سكنه، فإذا فرغَ مِنَ الصَّلاة، فإن كانت لأحدٍ حاجةٌ كلَّمه، ثم يدخلُ إلى منزله، فيشتغل بأذكار الصَّباح أو بالتِّلاوة، ثم يأخذُ في المطالعة والتَّصنيف إلى وقت صلاة الضُّحى، فيصليها، ثم إن كان بالباب مَنْ يستأذِن للقراءة، ظهر إليهم، فقرأ بعضُهم روايةً وبعضُهم درايةً، واستمر جالسًا معهم إلى قريب الظُّهر، ثم يدخل إلى منزله فيستريح قدر ثُلث ساعة، ثم يقومُ فيصلِّي الظهر داخل بيته، ثم يُطالِع أو يصنِّف إلى بعد أذان العصر بنحو ثلثي ساعة أو أقل أو أكثر، فيظهر حينئذٍ إلى المدرسة، فيجد الطَّلبة وغيرهم في انتظاره، فيصلي بهم العصر، ثم يجلس للإقراء، ويكونُ حينئذٍ مَنْ له تصوُّفٌ قد انتهى، وإن سُبِقَ فيكون بشيءٍ يسير جدًا، وهذا هو الباعثُ له على التَّأخير يسيرًا، قصدًا لعموم النفع، ومراعاةً لخاطر الطَّلبة. وفي غضون قراءتهم عليه، وكذا في نوْبَةِ الصَّباح، يكتبُ على ما يجتمع عنده مِنَ الفتاوي الحديثية والفقهية، وربما دار بينه وبين الطلبة الكلام في بعضها, ولا ينتهي غالبًا مِنْ هذه الجلسة إلَّا عند الغُروب، فيدخُل إلى منزله، فإن لم يكن صائمًا تعشَّى، وإلا انتظر الأذان، فيأكل ثم يصلِّي، ويتنفَّل أو يطالع إلى أن يسمع العشاء، فيقوم إلى المدرسة، فيجد جَمعًا مِنْ الطلبة أيضًا في انتظاره، فيصلِّي ركعتين، ثم يجلس للقراءة غالبًا، أو للمذاكرة أكثر مِنْ ساعة، ثم يقومُ فيصلِّي العشاء بالجماعة، ثم يدخلُ إلى بيته فيصلي سنة العشاء، فإذا كان رمضانُ وظهر أذان العشاء، أقيمت الصلاة بمجرد ظهوره، وتقدَّم الإِمام المقرَّر للتراويح، وهو في مدة طويلة البدر

стр. 1016

حسن بن عبد اللَّه بن تقي المقرىء صهر الشمس بن الصائغ، القباني بفندق الموز، الذي ترجمه صاحبُ التَّرجمة في "الإنباء" (١)، ثم بعد وفاته -وهي في شوال سنة أربع وأربعين- نور الدِّين أبو محمَّد علي بن أحمد السَّمَنُّودي عم (٢) إمام المدرسة الراتب أبي عبد القادر إبراهيم بن محمَّد بن أحمد السَّمَنُّودي. وصليت به في بعض الليالي، فصلى العشاء ثمَّ التراويح، فإذا قام الإِمام ليوتر، جلس هو غالبًا يسبح إلى أن يفرغ، ثم يدخُل إلى بيته، فينام، ثم يفعل ما ذكرته عند تهجُّده قريبًا. هذه وظيفته (٣) في أكثر الأوقات. وأمَّا في أيام الدُّروس والولايات، فيختلُّ هذا النِّظامُ قليلًا، وكذا في رمضان، فإنَّه يمشي الصُبحَ بالمدرسة على العادة، ثم يدخُلُ إلى منزله أو يمكثُ في المحراب إلى طُلوع الشَّمس، فيجيء الجماعةُ لسماع الحديث، ويقرأ القارىءُ -وهو الشَّيخ برهان الدين بن خضر- ولم يقرأ بين يديه في هذا المجلس غيره إلا سنة كان فيها مجاورًا بمكة، فقرأ ابنُ سالم القطعة المسموعة مِنْ "صحيح ابن خزيمة"، وانتدب الشَّيخ شمس الدين بن قمر للرَّدِّ عليه. ووقعت ظريفةٌ، وهو أنَّه ردَّ عليه لفظةً بسين مهملة بعد أن قرأها بشين معجمة، فقال له القارىءُ: فوقها ثلاثُ نقطٍ، كلُّ واحدةٍ بقدر عمامتك! أو كما قال. وأمَّا بعد موته، فقرأ برهانُ الدِّين البقاعي سنة واحدةً، قرأ فيها نحو النِّصف مِنْ "مسند أبي يعلى"، وتوفي شيخنا قبل السنة الثانية، والقراءة تكون حصةً منْ "صحيح البخاري" تقع (٤) فيها المباحثةُ، وتنتشرُ الفوائدُ النَّفيسةُ بين الطَّلبة، فإذا انتهى منها، شرع في قراءة باقي الحصَّة في شيء مِنْ كتب

стр. 1017

الحديث، ويقع حينئذٍ الإصغاءُ للسَّماع، ولا يتكلَّم إلا في النَّادر، وإن تكلَّم أحدٌ، أنصت القارىءُ إن لم يسكت المتكلِّمُ، ويكون مجموعُ الحصتين أكثر مِنْ ساعتين، فإذا انتهى المجلسُ قام بإثره غالبًا، ودخل إلى منزله. فإن كان قاضيًا ركب في ثلاثة أيام أو يومين مِنَ الأسبوع إلى مجلس الحديث بالقلعة بعد صلاة الظهر، ويرجع بعد أذان العصر. وفي يوم الثلاثاء يركبُ مِنْ بيته عَقِبَ الشمس بساعة إلى الإملاء، فإذا فرغ، دخل إلى زوجته الحلبية. وكان مسكنها بالبيبرسية، ثم نقلها بأخَرَة إلى غيرها، فيقيم عندها إلى أن يحضُر الخانقاه، ثم يرجع إلى بيته قريب الغُروب. وفي يوم الأربعاء غالبًا يحضُرُ أوَّل النهار جامع طُولون، ثم يرجعُ إلى المحمودية، فيقيم بها إلى قريب العصر يطالع ويصنِّفُ ويُقْرأ عليه، ثم يجيء (١) إلى المؤيَّديَّة. وفي يوم الجمعة -إن كان قاضيًا- ركب قبل الأذان بساعةٍ وثلثِ ساعةٍ أو أكثر قليلًا فيخطُب بالسُّلطان، ثم يرجِعُ إلى بيت الحلبيَّة، لا يصِلُ إليها غالبًا في أكثر مِنْ هذين اليومين، وإن لم يكن قاضيًا، فإن كان يتولَّى الخطابة (٢) بنفسه في جامع عمرو بن العاص ﵁، توجَّه قبل الوقت بساعتي رَمْلٍ، وإلَّا توجَّه لجامع الحاكم بنحو مِنْ ساعةٍ، ويكونُ في الغالب إذا قصد جامع الحاكم ماشيًا ومعهُ مِنَ النَّاس جمعٌ وافرٌ، ثم يركبُ مِنْ طريقٍ أخرى إلى أهله، وكان المتولي لإعلامه غالبًا بدخول وقت تأهُّبهِ يوم الجمعة الشَّيخ شرف الدين بن الخشَّاب، خدمةً له. وفي أيام النيل ينتقل إلى بيته بالقرب مِنْ جامع المقسِّي عند قنطرة باب البحر، ويهرع الطَّلبةُ وغيرهم له إلى هناك مُشاةً وركبانًا بحسب مراتبهم، ولا ينفكُّ عن شهود الصبح والعصر والعشاء في جامع المقسِّي، ويعتمد في اللَّيل على عُكَّازٍ.

стр. 1018

رربما سكن أيام النِّيل قريبًا مِنْ جامع البشيري، ويتوحه إليه الطلبة أيضًا هناك. وأسكَنَ الحلبيَّة في بعض الأوقات بجوار جامع سارُوجا. وكانت أوقاتُه كلها مشحونة بالعبادة؛ إما بالعلم، أو الصَّلاة، أو التِّلاوة، أو الذكر، كما أسلفنا في أثناء الباب الثاني. وقد رأيت الشَّيخ شمس الدين الصَّفِّي ضَبَط حين كان يسمع عليه ليلًا ما قرأ بهِ في العشاء في أسبوع، ففي يوم السبت: إذا زلزلت والعاديات، ويوم الأَحد: والشمس والليل، ويوم الإثنين: والضحى وألم نشرح، ومرة: الأعلى والماعون، ويوم الثلاثاء: والسماء والطارق ولئيلاف قريش، ويوم الأربعاء: التكوير والانفطار، ويوم الخميس ليلة الجمعة: مِنْ أول الكهف إلى "رشدًا" "أفحسب الذين كفروا"، إلى آخر السورة. وأمّا أنا، فسمعته يقرأ في الصبح مرَّةً بالقيامة والبلد، ومرة بالسَّجدة وهل أتى، وأخرى بالنَّبأ والنازعات، إلى غير ذلك. قلت: وقد ورد في تعيين النَّظائر التي كان النبيُّ ﷺ يقرِن بينها بالدُّخان والتكوير، وبالذَّاريات والطُّور، وبالنَّجم والرحمن، وباقتربت والحاقَّة، وبالواقعة ونون، وبسأل والنَّازعات، وبالمدَّثر والمزمِّل، وبلا أقسم وهل أتى، وبالمرسلات والنبأ، وبعبس والمطفِّفين. وكان يُسدلُ يديه في القيام يسيرًا، ثم يجعلهما تحت صدره، وقال مرَّة: أنا أقرأ في ركعتين "مالك"، وفي ركعتين، "ملِك"، وكأنَّه يروم بذلك الجمع بين المذهبين. [أوصافه الخِلْقيَّة:] وأما شيء مِنْ أوصافه؛ فكان رحمه اللَّه تعالى ربعةً، أبيض اللَّونِ، منَّورَ الصُّورة، كثَّ اللحية، حَسَن الشَّيبة، مليح الشَّكل، صحيح السَّمعِ والبصر، ثابت الأسنان نقيَّها، صغير الفم، قويَّ البُنْيَةِ، عالي الهِمَّة، خفيف

стр. 1019

المشْيَةِ ولو عند إقباله على الملوك ونحوهم، وقيامهم له بمجرد وقوع بصرهم عليه، فإنه لا يزيد على المعتاد أيضًا، وربما نقم الأعداءُ عليه ذلك، ذا رشاقةٍ زائدةٍ، بحيث رأيتُه مرَّة توضأ مِنْ فِسقيَّةِ المنكوتمرية، فما رأيت أرشقَ منه في جلُوسه على الحجر واغترافه الماء، وصعدنا في خدمته قُبَيلَ وفاته لعيادة الشَّيخ يحيى العجيسي بالنَّاصرية، فصار يصعدُ درجتين درجتين، ويقول: إنَّ ذلك أروحُ له. هذا مع سكون ووقار وأبهة وثبات، تاركًا لما لا يعنيه، طارحًا للتكلف، كثيرَ الصَّمت إلا لضرورة، شديد الحياء، لا يواجِه أحدًا بمكروهٍ، مع الصَّدع بالحقِّ، وقوَّة النفس فيه، فاشيًا للسَّلام [ما لم يكن تاليًا] (١) خفيف الوضوء في تمام، سريع عقد النية، بل يعيب على مَنْ يتردَّد فيها، وكذا مَنْ يبالغ في إخراج الحروف بتقطيع الكلمة، ومَنْ يُكثِر صبَّ الماء في وضوئه، لا يتأنَّقُ في مأكله ومشربه، ولا في آنيته، بل مهما قدم له عياله مِنْ ذلك رضيَهُ، ولو كان صائمًا لا يختص عنهم بمزيدِ أمرٍ لنفسه، ويأكل العلقة منَ الطَّعام واليسير مِنَ الغذاء، لكنه كان يتقوَّى بالسكر، ويميل إلى قصب السُّكر ميلًا قويًا، ويكثر النقل، لا يزالُ بجانبه عُلبةٌ فيها شيءٌ كثير منه، بحيث يصعد إليها النَّمل وشبهه. وسمعته يقول: أنا لا أشبع مِنْ أكل ألوان مختلفة، إنَّما أشبعُ مِنْ لون واحد. ونحو هذا قولُ بعض مَنْ أخذت عنه: إنَّما يشبع مِنْ ائتدم بالبطِّيخ والجبن بالمروءة. وكذا كان لا يتأنَّقُ في الرفيع مِنَ الثِّياب، ومع ذلك فأموره كلها بهجةٌ نيِّرةٌ إلى الغاية، قصير الثياب، حسن العمة، ظريف العذبة. وبلغني أنَّه كان يُرخيها على كتفه قبل القضاء وبعد استقراره في مشيخة البيبرسية، ما رأيته لبس طيلسانًا قطُّ سوى مرَّةٍ واحدةٍ في مرض موته، فما رأيتُ أبهج منه فيه، وحكى لنا حينئذٍ حكايةً اقتضت منعه للُبسِهِ قدَّمناها في الباب الثاني (٢).

стр. 1020

وفي ظني أنَّه إنَّما تركه لعدم ورُود السُّنَّة به، بل في حديث ضعيف أورده الطبراني في ترجمة عبد الوارث مِنْ "الأوسط" عن أبي ذرٍّ، رفعه: "إذا اقترب الزَّمان، كثُر لُبْسُ الطَّيالِسَةِ". وفي "البخاري" (١) عن أبي عمران -هو الجَوْني- قال: نظر أنسٌ ﵁ إلى النَّاس يومَ الجمعة، فرأى طيالِسَةً، فقال: كأنَّهم السَّاعة يهود خيبر، وفي لفظ لابن خُزيمة: أنَّ أنسًا ﵁ قال: ما شبَّهتُ الناس اليوم في المسجد وكثرَةِ الطَّيالِسَة إلا بيهود خيبر. وهذا ظاهرٌ أن يهود خيبر كانوا يكثرون مِنْ لُبْسِ الطيالسة، وأنَّ غيرهم مِنَ النَّاس الذين شاهدهم أنسٌ ﵁ كانوا لا يُكثرون منها، فلما قدِمَ البصرة ورآهم يُكثرون مِنْ لُبسها، شبَّههم بيهود خيبر، لكن هذا لا يلزَم منه كراهيةُ لبسِ الطَّيالسة. على أنَّه قيل: المراد بالطَّيالسة: الأكسيةُ، وقيل: إنَّما أنكر اصفرار لونِها (٢). وصحَّ مِنْ طريق إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة عن أنس بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ قال: "يتبعُ الدَّجَّال مِنْ يهودِ أصبهان سبعُون ألفًا عليهم الطَّيالسة" (٣). وهو عند الطبراني في "الأوسط" مِنْ حديث ربيعة عن أنس بلفظ "عليهم السِّيجان"، وهو جمع ساجٍ، وهو الطَّيلسان. قال ابن الحاج في "المدخل": فيكون ذلك تشبُّهًا بهم، وعن بعضهم أنَّه ريبةٌ بالليل ومذلَّةٌ بالنهار. وقال بعضُ العلماء: إنه لا بأس بالطَّيلسان لمن يخرُج مِنْ حمَّام أو مَنْ يعرَقُ في بيتٍ أو خَلْوةٍ ثمَّ يُريدُ الخروج، ويخاف على نفسه مِنْ ضرر الهواء. وكأنه أخذه مِنْ قول مالك: إنَّه لا بأس بالتَّقنُّع مِنْ حرٍّ أو بردٍ. قلت: وقد حكى ابن عبدِ البرِّ أنَّ أوَّل مَنْ لبِس الطَّيلسان بالمدينة
следующие страницы →