← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 10011–10050 · переход к 10016.

стр. 10011

عبادتهم؛ لأنهم ملكه، وهم المحتاجون إليه، وكلمة (١) ﴿هو﴾ للحصر؛ أي: هو الغني وحده، وليس معه غني آخر، دليله قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. ﴿الْحَمِيدُ﴾؛ أي: المحمود في ذاته وصفاته، وإن لم يكن له حامد .. فهو الحامد لنفسه، أو المحمود على نعمه التي أنعمها عليهم، وفي هذه الآيات أمور: منها: أنّ التفويض والتوكل وإخلاص القصد والإعراض عما سوى الله تعالى، والإقبال على الله بالتوحيد والطاعة من موجبات حسن العاقبة، وهي الجنة والقربة والوصلة، كما أن الكفر والشرك والرياء والسمعة من أسباب سوء العاقبة، وهي النار والعذاب الغليظ، والفرقة والقطيعة، فالتمسك بأحكام الدين هي العروة الوثقى لأهل اليقين، فإنها لا تنفصم، بخلاف سائر العرى. ومنها: أنّ ليس لعمر الدنيا بقاء، بل هي ساعة من الساعات، فعلى العاقل أن لا يغتر بالتمتع القليل، بل يتأهب لليوم الطويل. ومنها: أنّ الله تعالى قدر المقادير، ودبر الأمور، فالكل يجري في الأفعال والأحوال على قضائه وقدره، وليس على الناصح إلا التبليغ دون الجبر والحزن على عدم القبول، فإن الحجر يصير مرآةً الصيقل. ومنها: أنّ عدم الجريان بموجب العلم من الجهل في الحقيقة. ومنها: أنّ الله تعالى خلق الخلق ليربحوا عليه، لا ليربح عليهم، فمنفعة الطاعات والعبادات راجعة إلى العباد، لا إلى الله تعالى، إذ هو غني عن العالمين، لا ينتفع بطاعاتهم، ولا يتضرر بمعاصيهم، فهو يمن عليهم أن هداهم للإيمان والطاعات، وليس لهم أن يمنوا عليه بإسلامهم، جعلنا الله سبحانه وإياكم من عباده المخلصين، وحفظنا في حصنه الحصين، بمنه وكرمه وتوفيقه الرصين.

стр. 10012

٢٧ - ثم لما ذكر سبحانه أن له ما في السماوات والأرض .. أتبعه بما يدل على أن له وراء ذلك ما لا يحيط به عدد، ولا يحصر بحد، فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾؛ أي: ولو أن جميع ما في الأرض من جنس شجرة أقلام يكتب بها، و ﴿مِنْ شَجَرَةٍ﴾ حال من الموصول، ووجد الشجرة لما تقرر في علم المعاني: أن استغراق المفرد أشمل، فكأنه قال: كل شجرةٍ شجرةٍ حتى لا يبقى من جنس الشجر واحدة، إلا وقد بريت أقلامًا، وجمع الأقلام لقصد التكثير، بحيث تعد كل شجرة من الأشجار أقلامًا، قال أبو حيان: وهذا من وقوع المفرد موقع الجمع، والنكرة موقع المعرفة، كقوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾. والمعنى: لو ثبت أن الأشجار كلها أقلام، ﴿وَالْبَحْرُ﴾؛ أي (١): والحال أن البحر المحيط بسعته، وهو البحر الأعظم الذي منه مادة جميع البحار المتصلة والمنقطعة، وهو بحر لا يعرف له ساحل، ولا يعلم عمقه إلا الله تعالى، والبحار التي على وجه الأرض خلجان منه، وفي هذا البحر عرش إبليس - لعنه الله - وفي مدائن تطفو على وجه الماء، وأهلها من الجن في مقابلة الربع الخراب من الأرض، وفي هذا البحر ينبت شجر المرجان، كسائر الأشجار في الأرض، وفيه من الجزائر المسكونة والخالية ما لا يعلمه إلا الله تعالى. وهو؛ أي: ﴿البحر﴾: مبتدأ، خبره: قوله: ﴿يَمُدُّهُ﴾؛ أي: يزيده وينصب فيه، من مد الدواة: جعلها ذات مداد وزاده فيها، فلذا أغنى عن ذكر المداد، ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾؛ أي: من بعد نفاده وفنائه ﴿سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ أخرى، نحو بحر الصين، وبحر تُبَّت كَسُكَّر على ما في "القاموس"، وبحر الهند، وبحر السند، وبحر فارس، وبحر الشرق، وبحر الغرب، والله أعلم. ويحتمل أن يكون المراد: الأنهار السبعة من الفرات، ودجلة، وسيحان، وسيحون، وجيحان، وجيحون، والنيل؛ لأن البحر عند العرب الماء الكثير. والمعنى: يمده الأبحر السبعة مدًا لا ينقطع أبدًا، وكتبت بتلك الأقلام

стр. 10013

وبذلك المداد كلمات الله. وجواب ﴿لو﴾ ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾؛ أي: ما فنيت كلماته التي هي عبارة عن معلوماته، بل نفذت تلك الأقلام وذلك المداد قبل نفاذها، وإيثار جمع القلة في الكلمات للإيذان بأن ما ذكر لا يفي بالقليل من كلمات الله، فكيف بالكثير منها. قال أبو علي الفارسي: المراد (١) بالكلمات - والله أعلم - ما في المقدور، دون ما خرج منه إلى الوجود، ووافقه القفال، فقال: المعنى أن الأشجار لو كانت أقلامًا، والبحار مدادًا، فكتب بها عجائب صنع الله الدالة على قدرته ووحدانيته .. لم تنفد تلك العجائب، قال القشيري: رد القفال معنى الكلمات إلى المقدورات، وحمل الآية على الكلام القديم أولى، وهو الظاهر من النظم القرآني. وفي "التأويلات النجمية": المعنى (٢): لو أن ما في الأرض من الأشجار أقلام، والبحر يصير مدادًا، وبمقدار ما يقابله ينفق القرطاس، ويتكلف الكتاب، حتى تنكسر الأقلام، وتفنى البحار، وتستوفى القراطيس، ويفنى عمر الكتاب .. ما نفدت معاني كلام الله تعالى؛ لأن هذه الأشياء وإن كثرت فهي متناهية، ومعاني كلامه لا تتناهى؛ لأنها قديمة، والمحصور لا يفي بما لا حصر له، انتهى. وقد قصر من جعل الأرض قرطاسًا. وقال النحاس (٣): قد تبين أن الكلمات هنا يراد بها العلم وحقائق الأشياء، لأنه جل وعلا علم قبل أن يخلق الخلق ما هو خالق في السماوات والأرض من شيء، وعلم ما فيه من مثاقيل الذر، وعلم الأجناس كلها، وما فيها من شعرة وعضو، وما في الشجرة من ورقة، وما فيها من ضروب الخلق. والمعنى عليه (٤): أي ولو أن أفنان الأشجار وأغصانها بريت أقلامًا وجُعل

стр. 10014

البحر مدادًا، وأمدته سبعة أبحر، والخلائق جميعًا يكتبون بها كلمات الله وعجائب صنعه الدالة على عظمته وجلاله .. لتكسرت الأقلام، ونفد ماء البحر، ولم تنفد كلمات الله تعالى، وعجائب صنعه، ونحو الآية قوله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ﴾. وإنما ذكر السبعة الأبحر للدلالة على الكثرة، لا لقصد هذا العدد بعينه، وقد تقرر أن العرب تذكر السبعة والسبعين والسبع مئة، وتريد بذلك الكثرة، كما جاء في الحديث: "سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله" وفي الآية: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾. كحديث "المؤمن يأكل في معي واحد، والكافر في سبعة أمعاء". ولما كان لفظ سبعة ليس موضوعًا في الأصل للتكثير، وإن كان مرادًا به التكثير .. جاء مميزه بلفظ القلة، وهو أبحر، ولم يقل بحور، وإن كان لا يراد به أيضًا إلا التكثير ليناسب بين اللفظين، فكما يجوز في سبعة واستعمل للتكثير، كذلك يجوز في أبحر واستعمل للتكثير، ذكره أبو حيان. وقصارى ذلك: أنه سبحانه أخبر أن عظمته وكبرياءه وجلاله وأسماءه الحسنى لا يحيط بها أحد، ولا يصل البشر إلى معرفة كنهها وعدها، كما ورد في الحديث: "سبحانك لا نحصى ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك". وقرأ الجمهور (١): ﴿وَالْبَحْرُ﴾ بالرفع على أنه مبتدأ، و ﴿يَمُدُّهُ﴾: خبره، والجملة: في محل الحال، وقال المبرد: مرتفع بفعل مقدر؛ أي: ولو ثبت البحر حال كونه تمده من بعده سبعة أبحر، وقيل: مرتفع بالعطف على ﴿أن﴾ وما في حيزها، وقرأ أبو عمرو وابن أبي إسحاق (٢): ﴿والبحر﴾ بالنصب عطفًا على اسم ﴿أن﴾ أو بفعل مضمر يفسره ﴿يمده﴾. وقرأ عبد الله: ﴿وبحر يمده﴾ بالتنكير وبالرفع، والواو للحال، أو للعطف على ما تقدم، وإن كانت الواو للحال .. كان

стр. 10015

﴿بحر﴾: مبتدأ، وهو نكرة، وذكروا في مسوغات الابتداء بالنكرة: تقدم واو الحال عليها، كقوله: سَرَيْنَا وَنَجْمٌ قَدْ أَضَاءَ فَمُذْ بَدَا ... مُحَيَّاكَ أَخْفَى ضَوْؤُهُ كُلَّ شَاِرقِ وقرأ الجمهور: ﴿يمده﴾ بالياء من مد الثلاثي، وابن مسعود وابن عباس: بتاء التأنيث، من مد أيضًا، وقرأ عبد الله أيضًا والحسن وابن مطرف وابن هرمز: بالياء من تحت، من أمد الرباعي، وقرأ جعفر بن محمد: ﴿والبحر مداده﴾؛ أي: يكتب به من السواد، وقال ابن عطية: هو مصدر. انتهى. وقال أبو حيان: وفي الكلام جملة محذوفة يدل عليها المعنى، تقديرها: وكتب بها الكتَّاب كلمات الله ما نفذت. والمعنى: ولو أن أشجار الأرض أقلام، والبحر ممدود بسبعة أبحر، وكتبت بتلك الأقلام وبذلك المداد كلمات الله .. ما نفدت، ونفدت الأقلام والمداد الذي في البحر وما يمده. انتهى. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿عَزِيزٌ﴾؛ أي: غالب لا يعجزه شيء، قد عز كل شيء وقهره، فلا مانع لما أراد، ولا معقب لحكمه، ﴿حَكِيمٌ﴾ في خلقه وأمره وأقواله وأفعاله وشرعه وجميع شؤونه، لا يخرج عن علمه وحكمته أمر، فلا تنفد كلماته المؤسسة عليها. فائدة: وقال بعضهم (١): وخاصية الاسم العزيز: وجود الغنى والعز صورةً ومعنًى، فمن ذكره أربعين يومًا في كل يوم أربعين مرة .. أغناه الله وأعزه، فلم يحوجه إلى أحد من خلقه، وخاصية الاسم الحكيم: دفع الدواهي وفتح باب الحكمة، من أكثر ذكره .. صرف عنه ما يخشاه من الدواهي وفتح له بابًا من الحكمة. انتهى. ٢٨ - ثم أبان أن هذا الخلق الذي لا حصر له محيط به علمًا، ولا يعجزه شيء

стр. 10016

فيه متى أراد، فقال: ﴿مَا خَلْقُكُمْ﴾ قال مقاتل وقتادة: إن كفار قريش قالوا: إن الله خلقنا أطوارًا: نطفةً، علقةً، مضغةً لحمًا، فكيف يبعثنا خلقًا جديدًا في ساعة واحدة؟ فأنزل هذه الآية، وقال: ما خلقكم على الله يا أهل مكة إذ خلقكم ﴿وَلَا بَعْثُكُمْ﴾؛ أي: إحياؤكم وإخراجكم من القبور إذ يبعثكم ﴿إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾؛ أي: إلا كخلق نفس واحدة وبعثها في سهولة الحصول، فالكل هين عليه، إذ لا يشغله شأن عن شأن؛ لأنه يكفي لوجود الكل تعلق إرادته وقدرته، قلوا أو كثروا، ويقول كن فيكون، كما قال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾، وقال: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾. وقال: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ ومثاله في الدنيا: أن السلطان يضرب النقارة عند الرحيل فيتهيأ الكل في ساعةٍ واحدةٍ. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿سَمِيعٌ﴾ يسمع كل مسموع فيدخل فيه ما قالوا في أمر الخلق والبعث، مما يتعلق بالإنكار والاستبعاد، ﴿بَصِيرٌ﴾ يبصر كل مبصر، لا يشغله علم بعضها عن بعض، فكذا الخلق والبعث، وقال بعضهم: بصير بأحوال الأحياء والأموات، ٢٩ - والخطاب بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ لكل أحد يصلح للخطاب، أو للرسول ﷺ ؛ أي: ألم تعلم يا من يصلح للخطاب علمًا قويًا جاريًا مجرى الرؤية. ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ ﴿يُولِجُ﴾ ويدخل بقدرته وحكمته ﴿اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾؛ أي: يدخل الليل في النهار، ويضيفه إليه بأن يزيد من ساعات الليل في ساعات النهار صيفًا بحسب مطالع الشمس ومغاربها، يعني: يصير النهار خمس عشرة ساعة، والليل تسع ساعات. قال عبد الله بن سلام (١): أخبرني يا محمد عن الليل: لم سمي ليلًا؟ قال: لأنه منال الرجال من النساء، جعله الله ألفةً ومسكنًا ولباسًا" قال: صدقت يا محمد، ولم سمي النهار نهارًا؟ قال: "لأنه محل طلب الخلق لمعايشهم، ووقت سعيهم واكتسابهم" قال: صدقت.

стр. 10017

﴿وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾؛ أي: يدخله فيه، ويضم بعض أجزائه إليه، بأن يزيد من ساعات النهار في ساعات الليل شتاءً بحسب المطالع والمغارب، فيصير الليل خمس عشرة ساعة، والنهار تسع ساعات. أي: ألم تشاهد أيها الناظر بعينيك: أن الله يزيد ما نقص من ساعات الليل في ساعات النهار، ويزيد ما نقص من ساعات النهار في ساعات الليل. والخلاصة: أنه يأخذ من الليل في النهار، فيقصر ذلك ويطول هذا، وذاك في مدة الصيف، إذ يطول النهار إلى الغاية، ثم يبتدىء النهار في النقصان، ويطول الليل إلى الغاية في مدة الشتاء. ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ لمصالح خلقه ومنافعهم؛ أي: ذللهما وجعلهما منقادين بالطلوع والأفول، تقديرًا للآجال، وتتميمًا للمنافع، والجملة: معطوفة على ﴿يُولِجُ﴾ والاختلاف بينهما صيغةً، لما أن إيلاج أحد الملوين في الآخر أمر متجدد في كل حين، وأما تسخير النيرين فأمر لا تعدد فيه ولا تجدد، وإنما التعدد والتجدد في آثاره، وقد أشير إلى ذلك حيث قيل: ﴿كُلٌّ﴾ من الشمس والقمر ﴿يَجْرِي﴾ بحسب حركته الخاصة القسرية على المدارات اليومية المتخالفة المتعددة حسب تعدد الأيام، جريًا مستمرًا ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾؛ أي: إلى وقت معلوم، وأجل محدد، قدره الله تعالى لجريهما، إذا بلغه كورت الشمس والقمر، وهو يوم القيامة، كما روي عن الحسن، فإنهما لا ينقطع جريهما إلا حينئذٍ، وذلك لأنه تموت الملائكة الموكلون عليهما، فيبقى كل منهما خاليًا كبدنٍ بلا روح، ويطمس نورهما، فيلقيا في جهنم، ليظهر لعبدة الشمس والقمر والنار أنها ليست بآلهة، ولو كانت آلهةً .. لدفعت عن أنفسها، فالجملة معترضة بين المتعاطفين، أعني: قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ إلخ. وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ مسوقة لبيان الواقع بطريق الاستطراد، هذا وقد جعل جريانهما عبارةً عن حركتهما الخاصة بهما في فلكهما، والأجل المسمى عبارة عن منتهى دورتهما، وجعل مدة الجريان للشمس سنةً، وللقمر شهرًا، فالجملة حينئذٍ: بيان لحكم تسخيرهما، وتنبيه على كيفية إيلاج أحد الملوين في الآخر، وكون ذلك

стр. 10018

بحسب انقلاب جريان الشمس والقمر على مداراتهما اليومية. فإن قلت (١): لم قال هنا ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ بلفظ ﴿إِلَى﴾، وقال في فاطر والزمر بلفظ (اللام) حيث قال: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قلت: لأن ما هنا وقع بين جملتين دالّتين على غاية ما ينتهي إليه الخلق، وهما قوله: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا﴾ الآية، فناسب ذكر (إلى) الدالة على الانتهاء. والمعنى: لا يزال كل من الشمس والقمر جاريًا، حتى ينتهي إلى آخر وقت جريه المسمى له، وما في فاطر والزمر خالٍ عن ذلك، إذ ما في فاطر لم يذكر مع ابتداء خلق ولا انتهاء به، وما في الزمر ذكر مع ابتداءٍ به فناسب ذكر اللام المعدية. والمعنى: يجري كل مما ذكر لبلوغ أجلٍ. وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾؛ أي: عالم بكنهه، معطوف على ﴿أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ﴾ إلخ، داخل معه في حيز الرؤية، فإن من شاهد ذلك الصنع الرائق، والتدبير اللائق، لا يكاد يغفل عن كون صانعه محيطًا بجلائل أعماله ودقائقها؛ أي: وأن الله سبحانه بأعمالكم من خير أو شر خبير بها، مطلع عليها، لا تخفى عليه خافية من أمرها، وهو مجازيكم بها. قرأ الجمهور (٢): ﴿تَعْمَلُونَ﴾ بالفوقية على الخطاب، وقرأ السلمي ونصر بن عامر وعياش الدوري عن أبي عمرو: ﴿بما يعملون﴾ بياء الغيبة. ٣٠ - والإشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ إلى ما تقدم ذكره، و (الباء) في ﴿بِأَنَّ اللَّهَ﴾: للسببية؛ أي: ذلك المذكور من سعة العلم، وشمول القدرة، وعجائب الصنع، واختصاص الباري بها كائن بسبب أن الله تعالى: ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾ إلهيته فقط الثابت وجوده، ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ﴾؛ أي: يعبدون ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ تعالى من الأصنام

стр. 10019

﴿الْبَاطِلُ﴾ إلهيته، لا يقدر على شيء من ذلك، فليس في عبادته نفع أصلًا، والتصريح (١) بالبطلان، مع أن الدلالة على اختصاص حقية إلهيته به تعالى، مستتبعة للدلالة على بطلان إلهية ما عداه لإبراز كمال الاعتناء بأمر التوحيد؛ أي: وبسبب ظهور بطلان إلهيته ما يعبدونه من غيره تعالى. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص (٢): ﴿يَدْعُونَ﴾ بياء الغيبة، وغيرهم ﴿تدعون﴾ بالفوقية، وقال هنا: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ وفي الحج ﴿مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ بزيادة هو لمقام التأكيد. والمعنى: أي إنما يظهر الله آياته للناس، ليستدلوا بها على أنه هو المستحق للعبادة، وأن كل ما سواه هو الباطل، الذي يضمحل ويفنى، فهو الغني عما سواه، وكل شيء فقير إليه، ﴿و﴾ بسبب ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ تعالى ﴿هُوَ الْعَلِيُّ﴾ في صفاته ﴿الْكَبِيرُ﴾ في ذاته؛ أي: وأنه تعالى المرتفع على كل شيء، والمتسلط على كل شيء، فكل شيء خاضع له تعالى، وهو الحكم العدل، اللطيف الخبير، وهذه الجملة معطوفةً أيضًا على جملة ﴿أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾. والمعنى (٣): ذلك الصنع البديع، الذي وصفه في الآيات المتقدمة للاستدلال بها على حقية الله تعالى، وبطلان ما سواه، وعلوه وكبريائه بسبب أنه تعالى، وهو العلي، في مكانته، ذو الكبرياء في ربوبيته وسلطانه. ٣١ - وبعد أن ذكر الآيات السماوية الدالة على وحدانيته تعالى، أشار إلى آيةٍ أرضيةٍ بجامع ما اشتركا فيه من الجريان، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ رؤية عيانيةً أيها الذي من شأنه الرؤية والمشاهدة ﴿أَنَّ الْفُلْكَ﴾ والسفن ﴿تَجْرِي﴾ وتسير ﴿فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ تعالى؛ أي (٤): بإحسانه ورحمته، أو بالريح لأن الريح من نعم الله تعالى فالباء متعلقة بـ ﴿تَجْرِي﴾ أو بمحذوف حال من فاعله؛ أي: متلبسةً بنعمته تعالى، وإحسانه في تهيئة أسبابه، وفي "الأسئلة المقحمة": تجري برحمة الله،

стр. 10020

حيث جعل الماء مركبًا لكم لتقريب المزار. اهـ؛ أي: تجري في البحر بلطفه بكم، وبرحمته لكم، وذلك من أعظم نعمة عليكم؛ لأنها تخلصكم من الغرق عند أسفاركم في البحر لطلب الرزق. وقرأ الجمهور: ﴿بِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ على الإفراد اللفظي، وقرأ (١) الأعرج والأعمش وابن يعمر: ﴿بنعمات الله﴾ بكسر النون وسكون العين جمعًا بالألف والتاء، وقرأ ابن أبي عبلة بفتح النون وكسر العين بالألف والتاء، وقال أبو حيان: والباء تحتمل السببية؛ أي: تجري بسبب الريح، وتسخير الله تعالى، وتحتمل الحالية؛ أي: مصحوبةً بنعمة الله، وهي ما تحمله السفن من الطعام والأرزاق والتجارات. انتهى. وقال ابن عطية: الباء للإلصاق. انتهى. وقرأ موسى بن الزبير: ﴿الفلك﴾ بضم اللام، ﴿لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ﴾ من للتبعيض (٢)؛ أي: ليريكم بعض دلائل قدرته وعجائب صنعه، قال يحيى بن سلام: وهو جري السفك في البحر بالريح، وقال ابن شجرة: المراد بقوله: ﴿مِنْ آيَاتِهِ﴾ ما يشاهدونه من قدرة الله تعالى، وقال النقاش: ما يرزقهم الله في البحر. والمعنى: أي ألم تشاهد أيها الرسول السفن وهي تسير في البحر حاملة للأقوات والمتاع من بلد إلى آخر، ومن قطر إلى قطر هو في حاجة إليها, لينتفع الناس بما على ظاهر الأرض مما ليس في أيديهم، وفي هذا دليل على عجيب قدرته، التي ترشدكم إلى أنه الحق الذي أوجد ما ترون من الأحمال الثقيلة على وجه الماء، الذي ترسب فيه الإبرة فما دونها. ثم ذكر من يستفيد من النظر في الآيات، فقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المذكور من أمر الفلك والبحر ﴿لَآيَاتٍ﴾ عظيمة في ذاتها، كثيرة في عددها، ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾؛ أي: مبالغ في الصبر على المشاق، فيتعب نفسه في التفكر في الأنفس والآفاق ﴿شَكُورٍ﴾؛ أي: مبالغ في الشكر على نعمائه، فبعث نفسه في التفكر في

стр. 10021

عدم غرقه، وفي سيره إلى البلاد الشاسعة والأقطار البعيدة، وفي كون سيره ذهابًا وإيابًا تارة بريحين، وتارة بريح واحدة، وفي إنجاء أبيه نوح ﵇ ومن أراد الله تعالى من خلقه، وإغراق غيرهم من جميع أهل الأرض، وفي غير ذلك من شؤونه وأموره. اهـ. "خطيب". وهما صفتا المؤمن، فكأنه قيل: إن في ذلك لآيات لكل مؤمن؛ أي: إن فيما ذكر لدلائل واضحات لكل صبار في الضراء، شكور في الرخاء. قال الشعبي: الصبر نصف الإيمان, والشكر: نصف الإيمان, واليقين: الإيمان كله، ألم تر إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾. وقوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠)﴾. وقال ﷺ : "الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر". ٣٢ - ثم بين أن المشركين ينسون الله تعالى في السراء، ويلجؤون إليه حين الضراء، فقال: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ﴾ يقال: غشيه: إذا ستره وعلاه، والضمير لمن ركب البحر مطلقًا، أو لأهل الكفر، ففيه التفات من ضمير الخطاب في ﴿لِيُرِيَكُمْ﴾ إلى ضمير الغيبة في ﴿غَشِيَهُمْ﴾؛ أي: وإذا علاهم وأحاط بهم ﴿موج﴾: هو ما ارتفع من الماء ﴿كَالظُّلَلِ﴾؛ أي: كالجبال، أو كالسحاب في الارتفاع. وقرأ محمد بن الحنفية: ﴿كالظلال﴾: جمع ظله، كقلال وقلة، شبه الموج لكبره بما يظل الإنسان من جبل أو سحاب أو غيرهما، وإنما شبه (١) الموج وهو مفرد بالظلل وهي جمع؛ لأن الموج يأتي شيئًا بعد شيء، ويركب بعضه بعضًا، وقيل: إن الموج في معنى الجمع؛ لأنه مصدر، وأصل الموج الحركة والازدحام، ومنه يقال: ماج الماء: إذا تحرك، وماج الناس: إذا ازدحموا. ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ وحده حال كونهم ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾؛ أي: الدعاء والاستغاثة، لا يذكرون معه غيره، ولا يستغيثون بغيره، ولا يعولون على غيره في خلاصهم؛ لأنهم يعلمون أنه لا ينفع ولا يضر سواه، لزوال ما ينازع الفطرة من

стр. 10022

الهوى والتقليد بما دهاهم من الخوف الشديد، والإخلاص: إفراد الشيء من الشوائب. ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ﴾ الله من البحر ﴿إِلَى الْبَرِّ﴾ وجاد تحقيق مناهم بسبب إخلاصهم في الدعاء صاروا على قمسين ﴿فـ﴾ قسم ﴿مقتصد﴾؛ أي: آخذ بالطريق القصد، ومتمسك بالدين المستقيم، وهو التوحيد والطاعة لله سبحانه فيما أمر ونهى، قاله الحسن: وقيل؛ أي: موف بما عاهد عليه الله في البحر، من إخلاص الدين له، باق على ذلك بعد أن نجاه الله من هول البحر، وأخرجه إلى البر سالمًا. وقسم كافر جاحد، ففي الكلام حذف، ويدل على هذا المحذوف قوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ﴾ وينكر ﴿بِآيَاتِنَا﴾؛ أي: بدلائل قدرتنا التي منها إنجاء هؤلاء من البحر، والقرآن الذي أنزل على محمد ﷺ ؛ أي: ما ينكر بحقيتها ﴿إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ﴾؛ أي: غدار نقاض للعهد؛ أي: كثير الختر والغدر لما عاهد على نفسه. ﴿كَفُورٍ﴾؛ أي: كثير الكفران لنعم الله تعالى، وإنما (١) يطلق هذا اللفظ على من صار الكفر عادةً ديدنًا له، كما يقال: ظلوم، لمن كان الظلم عادةً له. وختم هذه الآية بصيغتي مبالغة اللتين هما (٢): ﴿خَتَّارٍ﴾ و ﴿كَفُورٍ﴾ ليكونا في مقابلة ما ختم به الآية التي قبلها، وهما: ﴿صَبَّارٍ﴾ و ﴿شَكُورٍ﴾ فتوازنت الكلمات الأربع لفظًا ومعنًى، أما توازنها لفظًا فظاهر، وأما معنًى، فالختار: هو الغدار، والغدر لا يكون إلا من قلة الصبر، فإن الصبار يفوض أمره إلى الله تعالى وأما الغدار: فيعهد ويغدر فلا يصبر على العهد، وأما الكفور: فمقابلته معنًى للشكور واضحةٌ. ومعنى الآية (٣): أي وإذا أحاطت بهؤلاء المشركين الذين يدعون من دون الله تعالى الآلهة والأصنام الأمواج العالية كالجبال، وأحدق بهم الخطر من كل

стр. 10023

جانب، حين يركبون السفن .. فزعوا بالدعاء إلى الله تعالى، مخلصين له الطاعة، لا يشركون به شيئًا، ولا يدعون معه أحدًا سواه، ولا يستغيثون بغيره، فلما نجوا من الأهوال التي كانوا فيها، وخلصوا إلى البر .. فمنهم متوسط في أقواله وأفعاله بين الخوف والرجاء، موفٍ بما عاهد عليه الله في البحر، ومنهم من غدر ونقض عهد الفطرة، وكفر بأنعم الله عليه. ٣٣ - ولما ذكر (١) الله تعالى الدلائل على الوحدانية والحشر من أول السورة إلى هنا .. أمر بالتقوى على سبيل الموعظة، والتذكير بهذا اليوم العظيم، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ نداء (٢) عام لكافة المكلفين، وأصله لكفار مكة ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ الذي رباكم بنعمه في جميع أطواركم، بقبول التوحيد، وامتثال المأمورات، والتبري من الكفر، واجتناب المنهيات؛ أي: اجعلوا التقوى وقايةً وسترًا لكم من عذاب ربكم. قال بعضهم: مرةً يخوفهم بأفعاله فيقول: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً﴾ ومرةً بصفاته فيقول: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤)﴾ ومرةً بذاته فيقول: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾، ﴿وَاخْشَوْا﴾ الخشية: خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى به ﴿يَوْمًا﴾، قال في "التيسير": يجوز أن يكون على ظاهره؛ لأن يوم القيامة مخوف، وأن يكون على تقدير مضاف؛ أي: وخافوا عذاب يوم ﴿لَا يَجْزِي﴾؛ أي: لا يدفع فيه، ﴿وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ شيئًا من العذاب، أو لا يقضي عنه شيئًا من الحقوق، أو لا يحمل والد عن ولده شيئًا من سيئاته، ولا يعطيه شيئًا من طاعته، يقال: جزاه دينه، إذا قضاه عنه. والمعنى: أي لا يغني الوالد عن ولده شيئًا، ولا ينفعه بوجه من وجوه النفع لاشتغاله بنفسه. وقرأ الجمهور (٣): ﴿لَا يَجْزِي﴾ بفتح الياء مضارع جزي الثلاثي، وقرأ

стр. 10024

عكرمة: بضم الياء وفتح الزاي مبنيًا للمفعول، وأبو السماك وعامر بن عبد الله وأبو السوار: ﴿لا يجزىء﴾ بضم الياء وكسر الزاي مهموزًا، ومعناه: لا يغني، يقال أجزأت عنه جزاء فلان؛ أي: أغنيت. والولد (١) ولو كان يقع على القريب والبعيد؛ أي: ولد الولد، لكن الإضافة تشير إلى الصلبي القريب، فإذا لم يدفع عما هو ألصق به .. لم يقدر أن يدفع عن غيره بالطريق الأولى، ففيه قطع لأطماع أهل الغرور، والمفتخرين بالآباء والأجداد، المعتمدين على شفاعتهم من غير أن يكون بينهم جهة جامعة، من الإيمان والعمل الصالح. ﴿وَلَا مَوْلُودٌ﴾ للشخص بلا واسطة، فلا يطلق إلا على ولد الصلب، بخلاف الولد فإنه يطلق على ولد الولد كما في "الكشاف"، ﴿هُوَ جَازٍ﴾؛ أي: دافع أو قاض أو حامل ﴿عَنْ وَالِدِهِ﴾ بلا واسطة ﴿شَيْئًا﴾ من العذاب أو من الحقوق أو من الذنوب، وخص الولد والوالد بالذكر تنبيهًا على غيرهما، والمولود: خاص بالصلبي الأقرب كما مر، فإذا لم يقبل شفاعته للأب الأول الذي ولد منه .. لم يقبل لمن فوقه من الأجداد، وتغيير النظم للدلالة على أن المولود أولى بأن لا يجزي، ولقطع طمع من توقع من المؤمنين: أيشفع أباه الكافر في الآخرة، ولذا قالوا: إن هذا الخبر خاص بالكفار، فإن أولاد المؤمنين وآباءهم ينفع بعضهم بعضًا، قال تعالى: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾؛ أي: بشرط الإيمان. قيل معنى هذا الكلام (٢): أن الله سبحانه ذكر شخصين في غاية الشفقة والمحبة، وهما الوالد والولد، فنبه بالأعلى على الأدنى، وبالأدنى على الأعلى، فالوالد يجزي عن ولده لكمال شفقته عليه، والولد يجزي عن والده لما له من حق التربية وغيرها، فإذا كان يوم القيامة .. فكل إنسان يقول: نفسي نفسي، ولا يهتم بقريب ولا بعيد، كما قال ابن عباس: كل امرىء تهمه نفسه.

стр. 10025

ومعنى الآية: أي (١) يا أيها المشركون من قريش وغيرهم، اتقوا الله وخافوا أن يحل بكم سخطه، في يوم لا يغني والد عن ولده، ولا مولود هو مغن عن والده شيئًا؛ لأن الأمور كلها بيد من لا يغالب، ومن لا تنفع عنده الشفاعة، ولا الوسائل التي تنفع في الدنيا، بل لا تجدي عنده إلا وسيلة واحدة، هي العمل الصالح الذي قدمه المرء في حياته الأولى. ثم أكد ما سلف بقوله: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ بالحشر والجنة والنار والثواب والعقاب، والوعد: يكون في الخير والشر، بخلاف الوعيد، فإنه في الشر خاصة، كما سيأتي. ﴿حَقٌّ﴾؛ أي: ثابت كائن لا محالة، ولا خلف فيه؛ أي: اعلموا أن مجيء هذا اليوم حق, لأن الله سبحانه قد وعد به، ولا خلف لوعده. ثم حذرهم من شيئين فقال: ١ - ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ عن الآخرة، والمراد بالحياة الدنيا: زينتها وزخارفها وآمالها؛ أي: إذا عرفتم ما ذكروا وأردتم بيان ما هو النصيحة لكم .. فأقول لكم: لا تخدعنكم زينة هذه الحياة القريبة الزوال ولذاتها عن الحياة الأخروية الأبدية، فتميلوا إليها، وتدعوا الاستعداد لما فيه خلاصكم من عقاب الله في ذلك اليوم، وفي "التأويلات النجمية": فلا تغرنكم بسلامتكم في الحال، وعن قريبٍ ستندمون في المآل. انتهى. ٢ - ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ﴾؛ أي: لا يخدعنكم ﴿بِاللَّهِ﴾ بإطماعكم في سعة رحمة الله وعظيم حلمه وعفوه الشيطان ﴿الْغَرُورُ﴾؛ أي: المبالغ في الغرور والخداع، بأن يرجيكم التوبة والمغفرة، فيجسركم على ارتكاب المعاصي، وينسيكم الرجوع إلى القبور، ويحملكم على الغفلة عن أحوال القيامة وأهوالها، فلا تتخذوا لها زادًا. قال في "كشف الأسرار" (٢): الغرة بالله: حسن الظن به مع سوء العمل، وفي الخبر: "الكيس من وإن نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه

стр. 10026

هواها وتمنى على الله المغفرة"، ونعم ما قيل: إِنَّ السَّفِيْنَةَ لَا تَجْرِيْ عَلَى الْيَبَسِ فلا بد من الأعمال الصالحة، فإن بها النجاة، وبها يلتحق الأواخر الأوائل. ففي الآية حسم لمادة الطمع في الانتفاع بالغير من إهمال الإِسلام أو الطاعات، اعتمادًا على صلاح الغير، فإن يوم القيامة يوم عظيم، لا ينفع فيه من له اتصال الولادة، فما ظنك بما سواها، ويشتغل كل أحد بنفسه، إلا من رحمة الله تعالى، وعن كعب الأحبار: تقول امرأة من هذه الأمة لولدها يوم القيامة يا ولدي، أما كان لك بطني وعاءً، وحجري وطاءً، وثديي سقاءً، فاحمل عني واحدًا فقد أثقلتني ذنونبي، فيقول: هيهات يا أماه، كل نفس بما كسبت رهينة، فإذا حملت عنك فمن يحمل عني. وقرأ ابن أبي إسحاق وابن أبي عبلة ويعقوب: ﴿فلا تغرنكم﴾ بالنون الخفيفة وقرأ سماك بن حرب وأبو حيوة ﴿الغرور﴾ بالضم، وهو مصدر، والجمهور: بالفتح، صيغة مبالغة، ويمكن حمل قراءة الضم عليه مبالغة في جعل الشيطان نفس المصدر، على حد زيد عدل. فائدة: قال بعضهم (١): لا ينبغي للمؤمن أن يتطير ويعد نفسه من الأشقياء، فيتكاسل في العمل، بل ينبغي له أن يحسن الظن بالله تعالى، ويجاهد في طريقه، فإن للاعتقاد تأثيرًا بليغًا، وقد وعد الله سبحانه، ووعد الشيطان، ووعد الله تعالى صدق محض؛ لأنه هو الولي، ووعد الشيطان كذب محض, لأنه هو العدو، فالإصغاء لكلام الولي خير من استماع كلام العدو، فلا تغتر بتغرير الشيطان والنفس، ولا بالحياة الدنيا، فإن دولتها ذاهبة، وزينتها زائلة، وليس لها لأحدٍ وفاء.

стр. 10027

نسأل الله أن يختم لنا على أفضل الأعمال، الذي هو التوحيد، وذكر رب العرش المجيد، ويجعلنا في جنات تجري من تحتها الأنهار، ويشرفنا بجوار المصطفى المختار، مع آله الأخيار، وصحابته الأبرار، عليه وعليهم صلوات الله وسلامه أجمعين. ٣٤ - ثم ذكر سبحانه خمسة أشياء، لا يعلمها إلا هو، فقال: ١ - ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿عِنْدَهُ عِلْمُ﴾ وقت قيام ﴿السَّاعَةِ﴾؛ أي: لا عند غيره، قال الفراء (١): إن معنى هذا الكلام النفي؛ أي: ما يعلمه أحد إلا الله ، والساعة: جزء من أجزاء الجديدين، سميت بها القيامة؛ لأنها تقوم في آخر ساعة من ساعات الدنيا؛ أي: عنده تعالى علم وقت قيام الساعة، وما يتبعه من الأحوال والأهوال، وهو متفرد بعلمه، فلا يعلمه أحد سواه، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، كما قال: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ فلا يدري أحد من الناس في أي سنة، وفي أي شهر، وفي أي ساعة من ساعات الليل والنهار تقوم القيامة. ٢ - ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ في وقته المقدر له، ومكانه المعين في علمه تعالى، والفلكيون (٢) وإن علموا الخسوف والكسوف ونزول الأمطار بالأدلة، فليس ذلك غيبًا، بل بأماراتٍ وأدلةٍ تدخل في مقدور الإنسان، ولا سيما أن بعضها قد يكون أحيانًا في مرتبة الظن، لا في مرتبة اليقين. وهذه الجملة: معطوفة على ما يقتضيه الظرف في قوله: ﴿عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ من الفعل، تقديره: إن الله سبحانه يثبت عنده علم الساعة، وينزل الغيث، كما في "المدارك"، وهذا من (٣) حيث ظاهر التركيب، وأما من حيث المعنى فهو معطوف على ﴿السَّاعَةِ﴾ فيكون العلم مسلطًا عليه؛ أي: وعنده علم وقت نزول الغيث، وسمي المطر غيثًا؛ لأنه غياث الخلق، به رزقهم، وعليه بقاؤهم فالغيث مخصوص بالمطر النافع.

стр. 10028

والمعنى (١): أي وينزل الغيث في زمانه الذي قدره من غير تقديم ولا تأخير إلى محله الذي عينه في علمه، من غير خطأ، ولا تبديل، فهو منفرد بعلم زمانه ومكانه وعدد قطراته، روي مرفوعًا: "ما من ساعة من ليل، ولا نهار، إلا السماء تمطر فيها، يصرفه الله حيث يشاء"، وفي الحديث: "ما سنة بأمطر من أخرى، ولكن إذا عمل قوم بالمعاصي .. حول الله ذلك إلى غيرهم، فإذا عصوا جميعًا .. صرف الله ذلك إلى الفيافي والبحار". فمن أراد استجلاب الرحمة .. فعليه بالتوبة والندامة والتضرع إلى قاضي الحاجات بأخلص المناجاة. قرأ الجمهور: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ مشددًا، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي: مخففًا. ٣ - ﴿وَيَعْلَمُ﴾ ﴿مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾؛ أي: ما في أرحام النساء من الجنين؛ أي: يعلم ذاته، أذكر أم أنثى، حي أم ميت، وصفاته، أتام الخلق أم ناقصة، حسن أم قبيح، أحمر أم أسود، سعيد أم شقي؛ أي: يعلم أوصافه في حالة كونه نطفةً قبل تمام خلقه، وما يعرفه الناس الآن بالعلم الحديث، فبعد تمام خلقه، والأرحام: جمع رحم: بيت منبت الولد ووعاؤه. ٤ - ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ﴾ من النفوس وما تعرف ﴿مَاذَا﴾؛ أي: أيّ شيء ﴿تَكْسِبُ﴾ وتفعل ﴿غَدًا﴾؛ أي: يومًا تاليًا ليومها الذي هي فيها؛ أي: لا يعرف (٢) أحد من الناس ماذا يفعل غدًا، وماذا يحصل له فيه من خير أو شر، ووفاق وشقاق، وربما يعزم على خير فيفعل الشر وبالعكس، وإذا لم يكن للإنسان طريق إلى معرفة ما هو أخص به من كسبه، وإن أعمل حيله، وأنفذ فيها وسعه .. كان من معرفة ما عداه، مما لم ينصب له دليل عليه أبعد، وكذا إذا لم يعلم ما في الغد مع قربه فما يكون بعده لا يعلمه بطريق الأولى. والمعنى: أي وما تدري نفس من النفوس كائنةً ما كان، من غير فرق بين الملائكة والأنبياء والجن والإنس، ماذا تكسب غدًا من كسب دين أو كسب دنيا.

стр. 10029

٥ - ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ﴾ من النفوس وإن أعملت حيلها ﴿بِأَيِّ أَرْضٍ﴾ ومكان ﴿تَمُوتُ﴾؛ أي: لا تدري أين مضجعها من الأرض، أفي بحر أم في بر أم في سهل أم في جبل، كما لا تدري في أي وقت تموت، وإن كانت تدري أنها تموت في الأرض في وقت من الأوقات، وربما أقامت بمكان ناوية أن لا تفارقه إلى أن تدفن به، ثم تدفن في مكان لم يخطر لها ببال قط، ومن ادعى أنه يعلم شيئًا من هذه الخمس فقد كفر بالقرآن؛ لأنه خالفه. وقرأ الجمهور (١): ﴿بِأَيِّ أَرْضٍ﴾، وقرأ أبي بن كعب وموسى الأهوازي وابن أبي عبلة: ﴿بأية أرض﴾ بتاء التأنيث لإضافتها إلى المؤنث، وجوز الفراء ذلك، وهي لغة ضعيفة قليلة. فإن قلت (٢): لم قال تعالى: ﴿بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ ولم يقل: بأي وقت تموت، مع أن كلًّا منهما غير معلوم لغيره تعالى، بل نفي العلم بالزمان أولى، لأن من الناس من يدعي علمه بخلاف المكان؟ قلت: إنما خص المكان بنفي علمه؛ لأن الكون في مكان دون مكان في وسع الإنسان واختياره، فاعتقاده علم مكان موته أقرب، بخلاف الزمان، ولأن للمكان دون الزمان تاثيرًا في جلب الصحة والسقم، أو تأثيره فيهما أكثر. تنبيه (٣): أضاف في الآية العلم إلى نفسه في الثلاثة الأولى من الخمسة المذكورة، ونفى العلم عن العباد في الأخيرتين منها، مع أن الخمسة سواء في اختصاص الله تعالى بعلمها، وانتفاء علم العباد بها, لأن الثلاثة الأولى أمرها أعظم وأفخم، فخصت بالإضافة إليه تعالى، والأخيرتان من صفات العباد، فخصتا بالإضافة إليهم، مع أنه إذا انتفى عنهم علمهما .. كان انتفاء علم ما عداهما من الخمسة أولى. اهـ. "كرخي". وعن أبي هريرة ﵁ قال خرج علينا رسول الله ﷺ يطوف

стр. 10030

ببعض نواحي المدينة، فإذا بقبر يحفر فأقبل حتى وقف عليه، فقال: "لمن هذا": قيل لرجل من الحبشة، فقال: "لا إله إلا الله، سيق من أرضه وسمائه، حتى دفن في الأرض التي خلق منها، تقول الأرض يوم القيامة: يا رب هذا ما استودعتني" وأنشدوا: إِذَا مَا حَمَامُ الْمَرْءِ كَانَ بِبَلدَةٍ ... دَعَتْهُ إِلَيْهَا حَاجَةٌ فَيَطِيْرُ وفي قوله: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ تنبيه العبد على التيقظ للموت، والاستعداد له بحسن الطاعة، والخروج عن المظلمة، وقضاء الدين، وإثبات الوصية بماله وما عليه في الحضر، فضلًا عن أوان الخروج عن وطنه إلى سفر، فإنه لا يدري أين كتبت منيته من بقاع الأرض، وأنشد بعضهم: مَشَيْنَا فِيْ خُطَىً كُتِبَتْ عَلَيْنَا ... وَمَنْ كُتِبَتْ عَلَيْهِ خُطَىً مَشَاهَا وَأَرْزَاقٌ لَنَا مُتَفَرِّقَاتٌ ... فَمَنْ لَمْ تَأتِهِ مِنَّا أَتَاهَا وَمَنْ كُتِبَتْ مَنِيَّتُهُ بِأَرْضٍ ... فَلَيْسَ يَمُوْتُ فِي أرْضٍ سِوَاهَا ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿عَلِيمٌ﴾ يعلم الأشياء كلها، هذه الخمسة وغيرها، ﴿خَبِيرٌ﴾ يعلم بواطنها كما يعلم ظواهرها. فإن قلت: لم عد هذه الخمسة المذكورة في الآية فقط، مع أن كل المغيبات لا يعلمها إلا الله ؟ قلت: خصها لما أن السؤال عنها ورد كما سبق في سبب النزول، وكان أهل الجاهلية يسألون المنجمين عن هذه الخمسة، زاعمين أنهم يعرفونها، وتصديق الكاهن فيما يخبره من الغيب كفر، لقوله ﷺ : "من أتى كاهنًا فصدقه فيما يقول .. فقد كفر بما أنزل الله على محمد". والكاهن: هو الذي يخبر عن الكوائن في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة الأسرار، وكان في العرب كهنة يدعون معرفة الأمور، فمنهم من يزعم أن له رئيًا من الجن يلقى إليه الأخبار. وفي الحديث: "من سأل عرافًا .. لم تقبل له صلاة أربعين ليلة". والعراف: من يخبر عن المسروق ومكان الضالة، والمراد: من سأله على وجه

стр. 10031

التصديق لخبره، وتعظيم المسؤول، يعني إذا اعتقد أنه ملهم من الله، أو أن الجن يلقون إليه مما يسمعون من الملائكة .. فصدقه فهو حرام، وإذا اعتقد أنه عالم بالغيب .. فهو كفر، كما في حديث الكاهن، وأما إذا سأل ليمتحن حاله، ويخبر باطن أمره، وعنده ما يميز به صدقه من كذبه .. فهو جائز، فعلم أن الغيب مختص بالله تعالى، لا يعلمه أحد من المخلوقات، إلا أن علم بعضهم بعضه باطلاع الله تعالى، إياه عليه، كالأنبياء. الإعراب ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)﴾. ﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة أو استئنافية. ﴿من﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر: جملة الشرط أو الجواب أو هما، ﴿يُسْلِمْ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر مجزوم بـ ﴿من﴾ على كونه فعل شرط لها ﴿وَجْهَهُ﴾: مفعول به، ﴿إِلَى اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿يُسْلِمْ﴾، و ﴿يُسْلِمْ﴾ يتعدى باللام، ولكنه عدي هنا بإلى ليكون معناه أنه سلم نفسه إليه، كما يسلم المتاع إلى الرجل إذا دفع إليه. والمراد به: التوكل والتفويض إليه، ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾: مبتدأ وخبر، و ﴿الواو﴾ فيه: حالية، والجملة: في محل النصب حال من فاعل ﴿يُسْلِمْ﴾. ﴿فَقَدِ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب وجوبًا لاقترانه بـ ﴿قد﴾، ﴿قد﴾: حرف تحقيق، ﴿اسْتَمْسَكَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونه جوابًا لها، ﴿بِالْعُرْوَةِ﴾: متعلق بـ ﴿اسْتَمْسَكَ﴾، ﴿الْوُثْقَى﴾ صفة لـ ﴿العروة﴾، وجملة ﴿من﴾ الشرطية: معطوفة على جملة: ﴿وَإِذَا قِيلَ﴾ أو مستأنفة، ﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية أو اعتراضية، ﴿إلى الله﴾: خبر مقدم، ﴿عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة: مستأنفة، أو معترضة. ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣)﴾.

стр. 10032

﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَنْ﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر: جملة الشرط، أو الجواب، ﴿كَفَرَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونه فعل شرط لها، ﴿فَلَا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب، ﴿لا﴾: ناهية جازمة، ﴿يَحْزُنْكَ﴾: فعل ومفعول مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، ﴿كُفْرُهُ﴾: فاعل، والجملة: في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية: معطوفة على سابقتها. ﴿إِلَيْنَا﴾: خبر مقدم، ﴿مَرْجِعُهُمْ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها، ﴿فَنُنَبِّئُهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿ننبئهم﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به، ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية: معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، كأنه قيل: إلينا يرجعون فننبئهم بما عملوا، ﴿عَمِلُوا﴾: فعل وفاعل صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد: محذوف، ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه، ﴿عَلِيمٌ﴾: خبره، ﴿بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: متعلق بـ ﴿عَلِيمٌ﴾. وجملة ﴿إِنَّ﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥)﴾. ﴿نُمَتِّعُهُمْ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة: مستأنفة، ﴿قَلِيلًا﴾: صفة لمصدر محذوف؛ أي: تمتيعًا قليلًا، أو لزمان محذوف؛ أي: زمانًا قليلًا، ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ، ﴿نَضْطَرُّهُمْ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به معطوف على ﴿نُمَتِّعُهُمْ﴾، ﴿إِلَى عَذَابٍ﴾: متعلق بـ ﴿نَضْطَرُّهُمْ﴾، ﴿غَلِيظٍ﴾: صفة ﴿عَذَابٍ﴾. ﴿وَلَئِنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿إن﴾: حرف شرط جازم، ﴿سَأَلْتَهُمْ﴾: فعل ماض وفاعل ومفعول أول في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية، على كونه فعل شرط لها، ﴿مَّنْ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿سأل﴾، ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، ﴿وَالْأَرْضَ﴾ معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿مَّنْ﴾ الموصولة. ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ ﴿اللام﴾: واقعة في جواب القسم، مؤكدة للأولى،

стр. 10033

﴿يقولن﴾: فعل مضارع مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم، وعلامة رفعه ثبات النون المحذوفة لتوالي الأمثال؛ لأن أصله ليقولونن، والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين: في محل الرفع فاعل، والنون المشددة: نون التوكيد الثقيلة، حرف لا محل لها من الإعراب، ﴿اللَّهُ﴾: خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو الله، أو مبتدأ، خبره، محذوف؛ أي: الله خالقها، والجملة الاسمية: في محل النصب مقول ﴿لَيَقُولُنَّ﴾، وجملة ﴿يقولن﴾: جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مع جوابه: مستأنفة، وجواب ﴿إن﴾ الشرطية: محذوف دل عليه جواب القسم، تقديره: وإن سألتهم من خلق السماوات والأرض؟ يقولون: الله، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية: معترضة لا محل لها من الإعراب لاعتراضها بين القسم وجوابه. ﴿قُلِ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر، والجملة: مستأنفة، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة: مقول لـ ﴿قُلِ﴾، ﴿بَلْ﴾: حرف للإضراب الانتقالي، ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾: خبره، والجملة الإضرابية: مستأنفة. ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦) وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾. ﴿لِلَّهِ﴾: خبر مقدم، ﴿مَا﴾: اسم موصول مبتدأ مؤخر، والجملة: مستأنفة، ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل، ﴿الْغَنِيُّ﴾: خبره الأول، ﴿الْحَمِيدُ﴾: خبر ثان له، وجملة ﴿إِنَّ﴾: مستأنفة مسوقة لتقرير ما قبلها. ﴿وَلَوْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿لو﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿أَنَّمَا﴾ ﴿أن﴾: حرف نصب ومصدر، ﴿ما﴾: اسم موصول في محل النصب اسم ﴿أن﴾، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، ﴿مِنْ شَجَرَةٍ﴾: حال من ﴿ما﴾، أو من ضمير الاستقرار، ﴿أَقْلَامٌ﴾: خبر ﴿أن﴾، وجملة ﴿أن﴾: من اسمها وخبرها في تأويل مصدر فاعل لفعل محذوف وقع فعل شرط لـ ﴿لو﴾ تقديره: ولو ثبت كون ما في

стр. 10034

الأرض من شجرة أقلامًا، ﴿وَالْبَحْرُ﴾: ﴿الواو﴾: حالية، ﴿البحر﴾: مبتدأ، ﴿يَمُدُّهُ﴾: فعل ومفعول به، ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾: جار ومجرور حال من ﴿سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها، ﴿سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾: فاعل لـ ﴿يَمُدُّهُ﴾، والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: في محل النصب حال من ﴿ما﴾ الموصولة في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ﴾. والرابط: ﴿الواو﴾: أو ضمير محذوف، تقديره: والحال أن بحرها؛ أي: بحر الأرض يمده سبعة أبحر من بعده. ﴿مَا﴾: نافية، ﴿نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾؛ فعل وفاعل، والجملة: جواب ﴿لو﴾ الشرطية، وجملة ﴿لو﴾: مستأنفة، ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، ﴿عَزِيزٌ﴾: خبره الأول، ﴿حَكِيمٌ﴾: خبره الثاني، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾. ﴿مَا﴾: نافية، ﴿خَلْقُكُمْ﴾: مبتدأ، ﴿وَلَا بَعْثُكُمْ﴾: معطوف على ﴿خَلْقُكُمْ﴾، ﴿إِلَّا﴾: أداة الاستثناء مفرغ، ﴿كَنَفْسٍ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، ﴿وَاحِدَةٍ﴾: صفة ﴿نفس﴾، والجملة الاسمية: مستأنفة، ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، ﴿سَمِيعٌ﴾: خبره الأول، ﴿بَصِيرٌ﴾: خبره الثاني، وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿أَلَمْ﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التقريري، ﴿لم﴾: حرف جزم، ﴿تَرَ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر مجزوم بـ ﴿لم﴾، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به ﴿فِي النَّهَارِ﴾ متعلق بـ ﴿يُولِجُ﴾. والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿أن﴾ وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ﴿تر﴾. وجملة قوله: ﴿وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾: في محل الرفع معطوفة على جملة قوله: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ﴾. ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.

стр. 10035

﴿وَسَخَّرَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿سخر﴾: فعل ماض وفاعل مستتر، ﴿الشَّمْسَ﴾ مفعول به ﴿وَالْقَمَرَ﴾ معطوف على ﴿الشَّمْسَ﴾. والجملة الفعلية في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿يُولِجُ﴾ على كونها خبر لـ ﴿أن﴾، وسيأتي لك بيان حكمة المخالفة بين صيغتي المتعاطفين في مبحث البلاغة. ﴿كُلٌّ﴾: مبتدأ، وجملة: ﴿يَجْرِي﴾: في محل الرفع خبر المبتدأ، ﴿إِلَى أَجَلٍ﴾ متعلق بـ ﴿يَجْرِي﴾، ﴿مُسَمًّى﴾: صفة لـ ﴿أجل﴾. والجملة الاسمية: في محل النصب حال من ﴿الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿أن الله﴾: ناصب واسمه، ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: متعلق بـ ﴿خَبِيرٌ﴾. وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة ﴿خَبِيرٌ﴾: خبر ﴿أن﴾، وجملة ﴿أن﴾: معطوفة على جملة قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ﴾. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠)﴾. ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ، ﴿بِأَنَّ اللَّه﴾: جار ومجرور وخبره، والجملة الاسمية: مستأنفة، ﴿أن﴾: حرف نصب، ﴿اللَّهَ﴾: اسمها، ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل، ﴿الْحَقُّ﴾: خبرها. وجملة ﴿أن﴾: في تأويل مصدر مجرور بالباء، تقديره: ذلك كائن بسبب كون الله تعالى هو الحق، ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿أن﴾: حرف نصب، ﴿ما﴾: اسم موصول في محل النصب اسمها، وجملة ﴿يَدْعُونَ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد: محذوف، تقديره: وأن ما يدعونه، ﴿مِنْ دُونِهِ﴾: جار ومجرور حال من ﴿ما﴾ الموصولة، أو من العائد المحذوف، ﴿الْبَاطِلُ﴾: خبر ﴿أن﴾، وجملة ﴿أن﴾: في محل الجر معطوفة على جملة ﴿أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾، وجملة ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾: معطوفة عليها أيضًا. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١)﴾. ﴿أَلَمْ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التقريري، ﴿لم﴾: حرف جزم، ﴿تَرَ﴾:

стр. 10036

فعل مضارع وفاعل مستتر مجزوم بـ ﴿لم﴾، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، والجملة الفعلية: مستأنفة، ﴿أَنَّ الْفُلْكَ﴾: ناصب واسمه، ﴿تَجْرِي﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على ﴿الْفُلْكَ﴾، ﴿فِي الْبَحْرِ﴾: متعلق بـ ﴿تَجْرِي﴾، ﴿بِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿تَجْرِي﴾؛ أي: حالة كونها مصحوبة بنعمة الله أو متعلق بـ ﴿تَجْرِي﴾ أيضًا؛ أي: بسبب الريح التي هي النعمة، وجملة ﴿تَجْرِي﴾ في محل الرفع خبر ﴿أن﴾، وجملة ﴿أن﴾: في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ﴿تَرَ﴾. ﴿لِيُرِيَكُمْ﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل، ﴿يريكم﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله ومفعول أول, لأن رأى هنا بصرية تعدت إلى المفعولين بهمزة النقل، منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، ﴿مِنْ آيَاتِهِ﴾: جار ومجرور في محل المفعول الثاني ﴿لِيُرِيَكُمْ﴾، والجملة الفعلية: في تأويل مصدر مجرور باللام؛ أي: لاراءَته إياكم بعض آياته، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿تَجْرِي﴾، ﴿إن﴾: حرف نصب، ﴿فِي ذَلِكَ﴾: خبر مقدم لـ ﴿إنَّ﴾، ﴿لَآيَاتٍ﴾: اسمها مؤخر، و ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿لِكُلِّ﴾: جار ومجرور صفة ﴿لَآيَاتٍ﴾، ﴿صَبَّارٍ﴾: مضاف إليه ﴿لِكُلِّ﴾، ﴿شَكُورٍ﴾: صفة لـ ﴿صَبَّارٍ﴾، وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة مسوقة لتقرير ما قبلها. ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾. ﴿وَإِذَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة أو استئنافية، ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿غَشِيَهُمْ مَوْجٌ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة: في محل الخفض مضاف إليه لـ ﴿إذا﴾ على كونها فعل شرط لها، والظرف: متعلق بالجواب الآتي، وجملة ﴿إذا﴾: معطوفة على جملة قوله: ﴿أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ أو مستأنفة، ﴿كَالظُّلَلِ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿مَوْجٌ﴾. ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة: جواب ﴿إذا﴾: لا محل لها من الإعراب، ﴿مُخْلِصِينَ﴾: حال من الواو في ﴿دَعَوُا﴾، ﴿لَهُ﴾: متعلق بـ ﴿مُخْلِصِينَ﴾، ﴿الدِّينَ﴾: مفعول ﴿مُخْلِصِينَ﴾، لأنه اسم فاعل يعمل عمل الفعل الصحيح. ﴿فَلَمَّا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿لما﴾: اسم

стр. 10037

شرط غير جازم في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بجوابه، ﴿نَجَّاهُمْ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله ومفعول به، ﴿إِلَى الْبَرِّ﴾: متعلق بـ ﴿نَجَّاهُمْ﴾، والجملة الفعلية: فعل شرط لـ ﴿لما﴾ في محل جر بالإضافة، وجواب ﴿لما﴾: محذوف، تقديره: صاروا قسمين، وجملة ﴿لما﴾ معطوفة على جملة ﴿إذا﴾، ﴿فَمِنْهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة تفصيلية، ﴿منهم﴾ خبر مقدم، ﴿مُقْتَصِدٌ﴾: مبتدأ مؤخر؛ أي: فقسم مقتصد كائن منهم، والجملة الاسمية: معطوفة على جواب ﴿لما﴾ المحذوف على كونها تفصيلًا له، ومقابل قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾: محذوف دل عليه ما بعده، تقديره: ومنهم جاحد كافر. ﴿وَمَا يَجْحَدُ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿ما﴾: نافية، ﴿يَجْحَدُ﴾: فعل مضارع، ﴿بِآيَاتِنَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَجْحَدُ﴾، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿كُلُّ خَتَّار﴾: فاعل ﴿يَجْحَدُ﴾، ﴿كَفُورٍ﴾: صفة ﴿خَتَّارٍ﴾، والجملة الفعلية: مستأنفة. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿يا﴾: حرف نداء، ﴿أي﴾: منادى نكرة مقصودة، و ﴿الهاء﴾: حرف تنبيه زائد تعويضًا عما فات؛ أي: من الإضافة، ﴿النَّاسُ﴾: بدل لـ ﴿أي﴾، وجملة النداء: مستأنفة، ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية: جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿وَاخْشَوْا يَوْمًا﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿اتَّقُوا﴾، ﴿لَا﴾: نافية، ﴿يَجْزِي وَالِدٌ﴾: فعل وفاعل ﴿عَنْ وَلَدِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَجْزِي﴾، والجملة الفعلية: في محل النصب صفة لـ ﴿يَوْمًا﴾، والرابط: محذوف، تقديره: لا يجزي فيه، ﴿وَلَا مَوْلُودٌ﴾: مبتدأ أول، ﴿هُوَ﴾: مبتدأ ثان، ﴿جَازٍ﴾: خبر للمبتدأ الثاني، مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين؛ لأن أصله: جازي، فأعمل به إعمال قاضٍ، وجملة المبتدأ الثاني: خبر للمبتدأ الأول، أعني: مولود، وجوز الابتداء به مع كونه نكرةً وقوعه في سياق النفي، وجملة المبتدأ الأول: في محل النصب معطوفة على جملة ﴿لَا

стр. 10038

يَجْزِي وَالِدٌ﴾ على كونها صفة لـ ﴿يَوْمًا﴾؛ أي: واتقوا يومًا لا مولود هو جاز عن والده شيئًا، والرابط: محذوف أيضًا، تقديره: هو جاز فيه ﴿عَنْ وَلَدِهِ﴾: متعلق بـ ﴿جَازٍ﴾. ﴿شَيْئًا﴾: مفعول ﴿جَازٍ﴾ أو ﴿يَجْزِي﴾، فالمسألة من باب التنازع. وفي "السمين": قوله: ﴿وَلَا مَوْلُودٌ﴾: جوزوا فيه وجهين: أحدهما: أنه مبتدأ، وما بعده الخبر. والثاني: أنه معطوف على ﴿وَالِدٌ﴾، وتكون الجملة صفة له. انتهى. ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣)﴾. ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾: ناصب واسمه ومضاف إليه، ﴿حَقٌّ﴾: خبره، وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ﴾. ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم ما ذكرته لكم من المواعظ، وأردتم بيان ما هو النصيحة لكم .. فأقول لكم: لا تغرنكم، ﴿لا﴾: ناهية جازمة، ﴿تغرن﴾: في محل الجزم بـ ﴿لا﴾ الناهية، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، و ﴿الكاف﴾: مفعول به ﴿الْحَيَاةُ﴾: فاعل ﴿الدُّنْيَا﴾: صفة لـ ﴿الْحَيَاةُ﴾. والجملة الفعلية: في فحل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة، مستأنفة. ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ﴾: فعل ومفعول به معطوف على سابقتها، ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق به، ﴿الْغَرُورُ﴾: فاعل. ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، ﴿عِنْدَهُ﴾: خبر مقدم، ﴿عِلْمُ السَّاعَةِ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية: في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة، ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾: فعل وفاعل مستتر يعود عى الله، ومفعول به، والجمة الفعلية: في محل الرفع معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، على كونها خبرًا

стр. 10039

لـ ﴿أن﴾ فهو بمثابة خبر ثان لـ ﴿إن﴾. ﴿وَيَعْلَمُ مَا﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به معطوف أيضًا على جملة ﴿عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾، فهو بمثابة خبر ثالث لها، ﴿فِي الْأَرْحَامِ﴾: جار ومجرور صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولهّ، ﴿وَمَا تَدْرِي﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿ما﴾: نافية، ﴿تَدْرِي نَفْسٌ﴾: فعل وفاعل والجملة الفعلية: معطوفة على جملة ﴿إِنَّ﴾. ﴿مَاذَا﴾: اسم استفهام مركب في محل النصب مفعول مقدم لـ ﴿تَكْسِبُ﴾، ويجوز أن تكون ﴿ما﴾ مبتدأ و ﴿ذا﴾: اسم موصول خبر لـ ﴿ما﴾، وجملة ﴿تَكْسِبُ﴾: صلة لـ ﴿ذا﴾ الموصولة، والجملة الاسمية سادة مسدّ مفعولي ﴿تَدْرِي﴾. ﴿تَكْسِبُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على ﴿نَفْسٌ﴾، ﴿غَدًا﴾: ظرف زمان منصوب متعلق بـ ﴿تَكْسِبُ﴾، وجملة ﴿تَكْسِبُ﴾ في محل النصب ساد مسد مفعولي ﴿تَدْرِي﴾ المعلقة بالاستفهام. ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ﴾: فعل وفاعل معطوفة على سابقتها، ﴿بِأَيِّ أَرْضٍ﴾: متعلق بـ ﴿تَمُوتُ﴾، وهو معلق للدراية عن العمل فيما بعده، ﴿تَمُوتُ﴾: فعل وفاعل مستتر، والجملة: في محل النصب ساد مسد مفعولي ﴿تَدْرِي﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه. ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر أول له. ﴿خَبِيرٌ﴾: خبر ثان له، والجملة: مستأنفة مقررة لما قبلها. التصريف ومفردات اللغة ﴿يُسْلِمْ وَجْهَهُ﴾؛ أي: يفوض أمره، إلى الله، مأخوذ من أسلمت المتاع إلى الزبون. اهـ. "بيضاوي"، والزبون بفتح الزاي: المشتري من الزبن، وهو: الدفع. اهـ. "شهاب"؛ لأنه يدفع غيره عن أخذ المبيع، وأسلم إذا عدي بإلى، يكون بمعنى سلم، وإذا عدي باللام، تضمن معنى الإخلاص، والوجه: بمعنى الذات، والمعنى: أقبل بكليته إلى الله. ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾؛ أي: مطيع لله في أمره ونهيه. ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ﴾ قال في "المفردات": إمساك الشيء: التعلق به وحفظه، واستمسكت بالشيء: إذا تحربت بالإمساك، انتهى. والسين والتاء فيه زئداتان.

стр. 10040

﴿بِالْعُرْوَةِ﴾، والعروة: بضم أوله: ما يعلق به الشيء من عروته بالكسر؛ أي: ناحيته، والمراد: مقبض نحو الدلو والكلوز، وفي "القاموس": العروة من الدلو، والكوز المقبض، ومن الثوب أُخْتُ زِرّهِ كالعثرى، وفي "الأساس" و"اللسان": وتستعار العروة لما يوثق به ويعول عليه، فيقال للمال النفيس - والفرس الكريم: لفلان عروة. و ﴿الْوُثْقَى﴾: الموثقة المحكمة، تأنيث الأوثق، كالصغرى تأنيث الأصغر، والشيء الوثيق: ما يأمن صاحبه من السقوط. والمعنى: فقد تعلق بأوثق ما يتعلق به من الأسباب وأقواه، وأصله: أن من يرقى إلى جبلٍ شاهقٍ، أو يتدلى منه، يستمسك بحبل متينٍ مأمون الانقطاع. ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ يقال: أحزنه، من المزيد، ويحزنه من الثلاثي، وأما حزن الثلاثي ويحزن المزيد، فليس بشائع في الاستعمال. ﴿قَلِيلًا﴾؛ أي: تمتينًا أو زمانًا قليلًا، فهو إما صفة لمصدر أو ظرف محذوف. ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ﴾: الاضطرار: حمل الإنسان على ما يضره، وهو في التعارف: حمل الإنسان على أمر يكرهه؛ أي: نلجئهم ونردهم في الآخرة قسرًا إلى العذاب. ﴿إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾؛ أي: ثقيل، ثقل الأجرام الغلاظ، والغليظ: ضد الرقيق، وأصله: أن يستعمل في الأجسام، لكن قد يستعمل في المعاني، كما في "المفردات". ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ بضم اللام لإسناده إلى ضمير الجماعة، أصله: يقولونن، بواو الضمير وثلاث نونات، فهو مرفوع بالنون المحذوفة لعدم مباشرته بنون التوكيد، حذفت نون الرفع لتوالي الأمثال، فالتقى ساكنان، ثم حذفت الواو لبقاء دالها وهو ضم اللام، فصار: ﴿يقولن﴾ بضم اللام.

стр. 10041

﴿مِنْ شَجَرَةٍ﴾ الشجر: اسم جنس يفرق بينه وبين مفرده بالتاء، كتمرة وتمر، والشجر ضد النجم، وهو ما له ساق قوي. ﴿أَقْلَامٌ﴾: جمع قلم، وأصل القلم، القص من الشيء الصلب كالظفر، وخص ذلك بما يكتب به، وفي "كشف الأسرار": سمي قلمًا لأنه قط رأسه، والإقليم: القطعة من الأرض، وتقليم الأظفار: قطعها، والفرق بين القط والقد: أن القط: القطع عرضًا، والقد: القطع طولًا، والقطع: فصل الجسم بنفوذ جسم آخر فيه. ﴿وَالْبَحْرُ﴾؛ أي: المحيط, لأنه المتبادر من التعريف، إذ هو الفرد الكامل. اهـ. "شهاب". وهو البحر الأعظم، الذي منه مادة جميع البحار المتصلة به، كبحر الغرب والشرق، والمنقطعة عنه. ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ﴾؛ أي: يدخل، والمراد: أنه يضيف الليل إلى النهار والعكس بالعكس، فيتفاوت بذلك حال أحدهما زيادةً ونقصانًا، فالإيلاج: الإدخال، والولوج: الدخول في مضيق. ﴿تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾؛ أي: تسير سيرًا سريعًا. قال في "المفردات": الجري: المر السريع، وأصله لمر الماء ولما يجري بجريه. ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾؛ أي: مبالغ في الصبر على المشاق. اعلم: أن الصبر تحمل المشاق بقدر القوة البدنية، وذلك في الفعل كالمشي ورفع الحجر، كما يحصل للجسوم الخشنة، وفي الانفعال كالصبر على المرض، واحتمال الضرب والقطع، وكل ذلك ليس بفضيلة تامة، بل الفضيلة في الصبر عن تناول مشتهى لإصلاح الطبيعة، والصبر على الطاعات لإصلاح النفس، فالصبر كالدواء المر وفيه نفعٌ. ﴿شَكُورٍ﴾؛ أي: مبالغ في الشكر على نعمائه، والشكر: تصور النعمة بالقلب والثناء على المنعم باللسان، والخدمة بالأركان، وجعل الصبر مبدأ، والشكر منتهًى في الآية يدل على كون الشكر أفضل من الصبر.

стр. 10042

﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ﴾ يقال: غشيه: إذا ستره وعلاه وغطاه ﴿مَوْجٌ﴾ هو ما ارتفع من الماء ﴿كَالظُّلَلِ﴾: الظلل: جمع ظلة بضم الظاء، وهو كل ما أظلك من جبل أو سحاب أو شجر أو غيرها، شبه بها الموج في كثرتها وارتفاعها، وجعل الموج وهو واحد، كالظلل، وهو جمع؛ لأن الموج يأتي منه شيء بعد شيء. ﴿مُقْتَصِدٌ﴾؛ أي: سالك للقصد؛ أي: للطريق المستقيم، وهو التوحيد لا يعدل عنه إلى غيره، أو متوسط في الكفر لانزجاره في الجملة. ﴿خَتَّارٍ﴾: مبالغة من الختر، من بابي ضرب ونصر، والختر: أشد الغدر وأقبحه، قال في "المفردات": الختر: غدر يختر فيه الإنسان؛ أي: يضعف ويكسر لاجتهاده فيه. اهـ. ومنه قولهم: إنك لا تمد لنا شبرًا من الغدر، إلا مددناك باعًا من ختر. قال الشاعر: وَإِنَّكَ لَوْ رَأَيْتَ أبا عُمَيْرٍ ... مَلأْتَ يَدَيْكَ مِنْ غَدْرٍ وَخَتْرِ وقوله: ملأت يديك من غدرٍ وخترٍ، شبه المعقول بالمحسوس على سبيل الاستعارة المكنية وملء اليدين تخييل ﴿لَا يَجْزِي وَالِدٌ﴾ يقال: جزاه دينه: إذا قضاه، وفي "المفردات": الجزاء الغناء والكفاية. ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ والوعد: يكون في الخير والشر، يقال: وعدته بنفع وضر وعدًا وميعادًا، والوعيد في الشر خاصةً. ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ﴾ يقال: غره: إذا خدعه وأطمعه بالباطل فاغتر هو، كما في "القاموس". ﴿الْغَرُورُ﴾ قال في "المفردات": الغرور كل ما يغر الإنسان من مال وجاه وشهوة وشيطان، وقد فسر بالشيطان، إذ هو أخبث الغاوين. ﴿عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ والساعة في الأصل: جزء من أربعة وعشرين جزءًا من الملوين، وسميت القيامة بلفظ الساعة؛ لأنها تقوم في آخر جزء من تلك الأجزاء. ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾؛ أي: المطر، سمي المطر بالغيث؛ لأن به يغاث الخلق

стр. 10043

من الجدب والقحط، وبه رزقهم وبقاؤهم، كما مر، ولا يسمى بالغيث إلا المطر النافع. ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ جمع رحم، والرحم: بيت منبت الولد ووعاؤه. ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ﴾ والدراية: المعرفة المدركة بضرب من الحيل، ولذا لا يوصف الله سبحانه بها, ولا يقال: الله الداري. وأما قول الشاعر: لَا هُمَّ لَا أَدْرِيْ وَأنْتَ الدَّارِيْ فقول عربي جلف جاهل، جاهل بما يطلق على الله من الصفات، وما يجوز منها وما يمتنع، أو بطريق المشاكلة، كما في قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾. ﴿مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ والكسب: ما يتحراه الإنسان مما فيه اجتلاب نفع وتحصيل حظ، مثل كسب المال، وقد يستعمل فيما يظن الإنسان أن يجلب به منفعةً أو يدفع به مضرة، والغد: اليوم يلي يومك الذي أنت فيه، كما أن أمس اليوم الذي قبل يومك بليلة. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ﴾ حيث أطلق الجزء وأراد الكل؛ لأن الوجه هنا بمعنى الذات، لا خصوص العضو الذي تقع به المواجهة. ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ فقد مثل حال المتوكل المشتغل بالطاعة، بحال من أراد أن يتدلى من جبل شاهق، فاحتاط لنفسه بأن استمسك بأوثق عروة من حبل متين مأمون انقطاعه، وقيل: هو

стр. 10044

تشبيه تمثيلي، لذكر طرف التشبيه، فقد شبه من تمسك بالإِسلام بمن أراد أن يرقى إلى شاهق جبل، فتمسك بأوثق حبل، وحذف أداة التشبيه للمبالغة. ومنها: الاستعارة المكنية في قوله: ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ حيث شبه إلزامهم التعذيب، وإرهاقهم باضطرار المضطر إلى الشيء الذي لا يقدر على الانفكاك منه؛ أي: يثقل عليهم ثقل الأجرام الغلاظ. ومنها: الاستعارة المصرحة في لفظ ﴿غَلِيظٍ﴾ لأن الغليظ ضد الرقيق، فهو حقيقة في الأجسام، فاستعاره للتعذيب الذي هو معنى من المعاني؛ لأنه بمعنى عذاب شديد، فالشدة معنًى من المعاني، فاستعار لها لفظ الغلط على طريق الاستعارة التصريحية التبعية، لجرياتها في المشتق بعد جريانها في الجامد. ومنها: تقديم ما حقه التأخير لغرض الحصر في قوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾؛ أي: إليه تعالى، لا إلى أحد غيره. ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ حيث أطلق المحل الذي هو الصدر، وأراد به الحال الذي هو القلب؛ لأن المعنى: عليم بخطرات القلوب. ومنها: الحصر في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ لأن كلمة ﴿هُوَ﴾ هنا للحصر؛ أي: هو الغني وحده، وليس معه غني آخر، كما مرّ. ومنها: توحيد لفظ ﴿شَجَرَةٍ﴾ لإفادة الاستغراق في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ﴾ فكأنه قال من كل شجرة شجرة حتى لا يبقى من جنس الشجر شجرة واحدة، إلا وقد بريت أقلامًا. ومنها: جمع الأقلام لقصد التكثير. ومنها: المخالفة في الصيغة بين ﴿سخر﴾ المعطوف و ﴿يُولِجُ﴾ المعطوف عليه في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ﴾ وقوله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ لاختلاف مفادهما؛ لأن إيلاج أحد الملوين في الآخر متجدد كل حين، فعبر عنه بالصيغة المتجددة حينًا بعد حين، وأما تسخير النيرين، فهو أمر لا يتجدد ولا

стр. 10045

يتعدد، بل هو ديمومة متصلة متتابعة، فعبر عنه بالصيغة الماضية الكائنة. ومنها: الطباق بين لفظ ﴿الْحَقُّ﴾ - و ﴿الْبَاطِلُ﴾ في قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾. ومنها: كمال الاعتناء بشأن التوحيد في قوله: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ حيث صرحه مع أن ثبوت حقيقة إلهيته تعالى، مستتبع لبطلان إلهيةِ ما عداه. ومنها: صيغ المبالغة في قوله: ﴿صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ وقوله: ﴿خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾. ومنها: الحذف والزيادة في عدة مواضع. فائدة: فإن قيل: إذا أمكن العلم بالغيب لخلص عباده تعالى بتعليمه إياهم، فلم لم يعلم الله سبحانه نبيه ﷺ الغيوب المذكورة في الآية؟ فالجواب: أن الله تعالى إنما لم يعلمه ذلك، إشعارًا بأن المهم للعبد أن يشتغل بالطاعة ويستعد لسعادة الآخرة، ولا يسأل عما لا يهم، ولا يشتغل بما لا يعنيه، فافهم جدًّا، واعمل لتكون عاقبتك خيرًا، انتهى من "روح البيان". والله أعلم * * *

стр. 10046

مجمل ما احتوته هذه السورة الكريمة من الموضوعات ١ - القرآن هداية، ورحمة للمؤمنين. ٢ - قصص من ضل عن سبيل الله بغير علم، واتخذ آيات الله هزوًا. ٣ - وصف العالم العلوي والعالم السفلي، وما فيهما من العجائب الدالة على وحدانية الله تعالى. ٤ - قصص لقمان وإيتاؤه الحكمة، وشكره لربه على ذلك، ثم نصائحه لابنه. ٥ - الأمر بطاعة الوالدين، إلا فيما لا يرضي الخالق. ٦ - النعي على المشركين في ركونهم إلى التقليد، إذا دعوا إلى النظر في الكون، وعبادة الخالق له. ٧ - لا نجاة للإنسان إلا بالإخبات إلى الله سبحانه. ٨ - تسلية الرسول على عدم إيمان المشركين. ٩ - تعجيب رسوله من المشركين، بأنهم يقرون بأن الله هو الخالق لكل شيء، ثم هم يعبدون معه غيره، ممن هو مخلوق مثلهم. ١٠ - نعم الله ومخلوقاته لا حصر لها. ١١ - الأمر بالنظر إلى الكون وعجائبه، لنسترشد بذلك إلى وحدانية الصانع لها. ١٢ - تحميق المشركين بأنهم في الشدائد يدعون الله وحده، وفي الرخاء يشركون معه سواه. ١٣ - الأمر بالخوف من عقاب الله، يوم لا يجزي والد عن ولده.

стр. 10047

١٤ - مفاتيح الغيب الخمسة، التي استأثر الله بعلمها. ١٥ - إحاطة علمه تعالى بجميع الكائنات، ظاهرها وباطنها (١). والله أعلم * * *

стр. 10048

سورة السجدة سورة السجدة وتسمى سورة المضاجع، مكية كلها كما رواه ابن الضريس وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس، ورواه ابن مردويه عن ابن الزبير، وأخرج ابن النجار عن ابن عباس قال: هي مكية، سوى ثلاث آيات. ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا﴾ إلى تمام الآيات الثلاث، فمدنية، وكذا قال الكلبي ومقاتل، وقيل: إلا خمس آيات من قوله. ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾. وآياتها: ثلاثون آية، وقيل: تسع وعشرون (١) بناء على الاختلاف في أنّ آخر الآية: ﴿لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أو هو ﴿كَافِرُونَ﴾ فعلى الأول تكون ثلاثين آية، وعلى الثاني تكون تسعًا وعشرين. اهـ. "شيخنا". وكلماتها: ثلاث مئة وثمانون كلمة. وحروفها: ألف وخمس مئة وثمانية عشر حرفًا، نزلت بعد سورة المؤمنون. تسميتها: سميت بسورة السجدة لاشتمالها على آية السجدة. المناسبة: مناسبتها لما قبلها: أن الله (٢) لما ذكر فيما قبلها دلائل التوحيد، من بدء الخلق، وهو الأصل الأول، ثم ذكر المعاد والحشر، وهو الأصل الثاني، وختم به السورة .. ذكر في بدء هذه السورة الأصل الثالث، وهو تبيين الرسالة. وعبارة المراغي هنا: ووجه اتصالها بما قبلها من وجوه (٣):

стр. 10049

١ - اشتمال كل منهما على دلائل الألوهية. ٢ - أنه ذكر في السورة السالفة دلائل التوحيد، وهو الأصل الأول، ثم ذكر المعاد، وهو الأصل الثاني، وهنا ذكر الأصل الثالث وهو النبوة. ٣ - أن هذه السورة شرحت مفاتيح الغيب، التي ذكرت في خاتمة ما قبلها، فقوله: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ شرح لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾. وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ شرح لقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ وقوله: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ تفصيل لقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ وقوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ إيضاح لقوله: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ وقوله: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ إلخ شرح لقوله: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾. الناسخ والمنسوخ منها: قال ابن حزم: سورة السجدة جميع (١) آياتها محكمة غير آخرها، وهو قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠)﴾ (٣٠) الآية. نسخت بآية السيف. فضلها: ومن فضائلها ما أخرجه (٢) مسلم وأصحاب "السنن" من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة بـ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾. وأخرجه البخاري وغيره أيضًا من حديثه، وأخرج أبو عبيد في فضائله، وأحمد وعبد بن حميد والدارمي والترمذي والنسائي والحاكم، وصححه، وابن مردويه عن جابر قال: كان النبي ﷺ لا ينام حتى يقرأ: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة، و ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾. وأخرج أبو نصر والطبراني والبيهقي في "سننه" عن ابن عباس يرفعه إلى رسول الله ﷺ قال: "من صلى أربع ركعات خلف العشاء الأخيرة، قرأ في

стр. 10050

الركعتين الأوليين: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ - و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ وفي الركعتين الأخيريين: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ - و ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة .. كتبن له كأربع ركعات من ليلة القدر". وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ - و ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة، بين المغرب والعشاء الآخرة .. فكأنما قام ليلة القدر. وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ في ليلة ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة، ويس و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ و ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ .. كن له نورًا وحرزًا من الشيطان، ورفع في الدرجات إلى يوم القيامة". وأخرج ابن الضريس عن المسيب بن رافع: أن النبي ﷺ قال: " ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ تجيء لها جناحان يوم القيامة، تظل صاحبها وتقول: لا سبيل عليه، لا سبيل عليه". قال الدارمي (١): وأخبرنا أبو المغيرة قال: حدثنا عبدة عن خالد بن معدان قال: اقرؤوا المنجية، وهي ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ فإنه بلغني أن رجلًا كان يقرؤها، ما يقرأ شيئًا غيرها، وكان كثير الخطايا، فنشرف جناحها عليه، وقالت: رب اغفر له، فإنه كان يكثر قراءَتي، فشفعها الرب فيه، وقال: اكتبوا له بكل خطيئة حسنةً وارفعوا له درجة. والله أعلم * * *
следующие страницы →