← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 9976–10015 · переход к 9981.

стр. 9976

من الحسن شيء، فإن افتخرت .. فافتخر بمعنى فيك غير خارج عنك. وإذا أعجبك شيء من الدنيا .. فاذكر فناءك وبقاءه، أو بقاءك وزواله، أو فناءكما جميعًا، فإذا راقك ما هو لك .. فانظر إلى قرب خروجه من يدك، وبعد رجوعه إليك، وطول حسابه عليك، إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر. حكي: أنه حمل إلى بعض الملوك قدح من فيروزج موضع بالجوهر، لم ير له نظير، ففرح به الملك فرحًا شديدًا، فقال لمن عنده من الحكماء: كيف ترى هذا؟ فقال: أراه فقرًا حاضرًا ومصيبةً عاجلةً، قال: وكيف ذلك؟ قال: إن انكسر .. كانت مصيبة لا جبر لها، وإن سرق .. صرت فقيرًا إليه، وقد كنت قبل أن يحمل إليك في أمن من المصيبة والفقر، فاتفق أنه انكسر القدح يومًا، فعظمت المصيبة على الملك، وقال: صدق الحكيم ليته لم يحمل إلينا. إِنَّمَا الدُّنْيَا كَرُؤْيَا فَرَّحَتْ ... مَنْ رَآهَا سَاعَةً ثُمَّ انْقَضَّتْ ٣ - ١٩ ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾؛ أي: توسط (١) فيه، والقصد: ما بين الإسراع والبطء، يقال: قصد فلان في مشيته: إذا مشى مستويًا، لا يدب دبيب المتماوتين، ولا يثب وثوب الشياطين. وقد ثبت أن رسول الله ﷺ كان إذا مشى .. أسرع، فلا بد أن يحمل القصد هنا على ما جاوز الحد في السرعة، وقال مقاتل: معناه: لا تختل في مشيتك، وقال عطاء: امش بالوقار والسكينة، كقوله: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. والمعنى (٢): توسط بين الدبيب والإسراع، فلا تمش كمشي المظهرين الضعف في المشي، فكأنهم أموات، وهم المراؤون الذين ضل سعيهم، ولا كمشي الشطار ووثوبهم، وعليك بالسكينة والوقار. وفي الحديث: "سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن". قال بعضهم: إن للشيطان من آدم نزغتين، بأيتهما ظفر قنع: الإفراط والتفريط، وذلك في كل شيء

стр. 9977

يتصور فيه ذلك. وقرىء (١): ﴿وأقصد في مشيك﴾ بهمزة القطع. والخلاصة: أي وامش مشيًا مقتصدًا، ليس بالبطيء المتثبط، ولا بالسريع المفرط، بل امش هونًا بلا تصنع، ولا مراءة للخلق بإظهار التواضع أو التكبر، روي عن عائشة أنها نظرت إلى رجل كاد يموت تخافتًا فقالت: ما لهذا؟ فقيل: إنه من القراء - الفقهاء العالمين بكتاب الله - قالت: كان عمر سيد القراء، وكان إذا مشى أسرع، وإذا قال أسمع، وإذا ضرب أوجع. ورأى عمر رجلًا متماوتًا فقال له: لا تمت علينا ديننا - أماتك الله -. ورأى رجلًا مطأطئًا رأسه فقال له: ارفع رأسك فإن الإِسلام ليس بمريض. ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾؛ أي: وانقص من صوتك واخفضه واقصر على قدر الحاجة، ولا تتكلف رفعه في محل الخطاب، والكلام خصوصًا عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعند الدعاء والمناجاة، فإن الجهر بأكثر من الحاجة يؤذي السامع، والخفض أوقر للمتكلم، وأبسط لنفس السامع وفهمه، والصوت هو الهواء المنضغط عند قرع جسمين، كما سيأتي بسطه في مبحث المفردات. ثم علل النهي وبينه بقوله: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾؛ أي: إن أبشع الأصوات وأقبحها، الذي ينكره العقل الصحيح، ويحكم بقبحه برفعها فوق الحاجة بلا داعٍ ﴿لـ﴾ هو ﴿صَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ وغاية من يرفع صوته أنه يجعله شبيهًا بصوت الحمار في علوه، ورفعه، وهو البغيض إلى الله تعالى. وفي ذلك ما لا يخفى من الذم وتهجين رفع الصوت، والترغيب عنه، ومن جعل الرافع صوته كأنه حمار مبالغةً في التنفير من عمله، وهذا أدب من الله لعباده بترك الصياح عند وجوه الناس تهاونًا بهم، أو بترك الصياح جملةً، وقد كانت العرب تفخر بجهارة الصوت، فمن كان منهم أشد صوتًا .. كان أعز، وكان أخفض .. كان أذل، قال شاعرهم:

стр. 9978

جَهِيْرُ الْكَلاَمِ جَهِيْرُ الْعُطَاسْ ... جَهِيْرُ الرُّوَاءِ جَهِيْرُ النِّعَمْ وَيَعْدُوْ عَلَى الأيْنِ عَدْوَ الظَّلِيْمِ ... وَيَعْلُو الرِّجَالَ بِخَلْق عَمِمْ (١) وقال قتادة: أقبح الأصوات صوت الحمير، أوله زفير وآخره شهيق، قال المبرد: تأويله: إن الجهر بالصوت ليس بمحمود، وإنه داخل في باب الصوت المنكر. اهـ. وأفرد الصوت مع إضافته إلى الجمع، لما أن المراد ليس بيان حال صوت كل واحد من آحاد هذا الجنس حتى يجمع، بل بيان حال صوت هذا الجنس من بين أصوات سائر الأجناس، فإن كل حيوان يفهم من صوته أنه يصيح من ثقل أو تعب، كالبعير أو لغير ذلك، والحمار لو مات تحت الحمل لا يصيح، ولو قتل لا يصيح، وفي بعض أوقات عدم الحاجة يصيح وينهق بصوت أوله زفير وآخره شهيق، وهما فعل أهل النار. قال أبو الليث: صوت الحمار كان هو المعروف عند العرب وسائر لناس بالقبح، وإن كان قد يكون ما سواه أقبح منه في بعض الحيوان، وإنما ضرب الله المثل بما هو معروف عند الناس بالقبح؛ لأن أوله زفير وآخره شهيق، كصوت أهل النار، يتوحش من يسمعه ويتنفر منه كل التنفر. والمعنى: أن أنكر أصوات الناس حين يصوتون ويتكلمون، لصوت من يصوت صوت الحمار؛ أي: يرفع صوته عند التصويت كما يرفع الحمار صوته. قال سفيان الثوري: صوت كل شيء تسبيح إلا صوت الحمير، فإنها تصيح لرؤية الشيطان، ولذلك سماه منكرًا. وفي الحديث: "إذا سمعتم نهاقة الحمير - وهو بالضم صوتها - فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنها رأت شيطانًا، وإذا سمعتم صياح الديكة، بفتح الياء جمع ديك .. فاسألوا من فضله، فإنها رأت ملكًا". وفي الحديث دلالة على نزول الرحمة عند حضور أهل الصلاح، فيستحب الدعاء في ذلك الوقت، وعلى نزول الغضب عند أهل المعصية، فيستحب التعوذ، كما في

стр. 9979

"شرح المشارق" لابن الملك. ومن هنا قال النبي ﷺ : "يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب"؛ أي: يقطع كمالها وينقصها مرور هذه الأشياء بين يدي المصلي، أما المرأة فلكونها أحب الشهوات إلى الناس، وأشد فسادًا للحال من الوسواس، وأما الكلب الأسود فلكونه شيطانًا، كما قال النبي ﷺ : "الكلب الأسود شيطان" سمى شيطانًا لكونه أعقر الكلاب وأخبثها وأقلها نفعًا وأكثرها نعاسًا، ومن هذا قال الإِمام أحمد بن حنبل: لا يحل الصيد به، وأما الحمار فلكون الشيطان قد تعلق بذنبه حين دخل سفينة نوح ﵇، فهو غير مفارق عنه في أكثر الأوقات، وهو السر في اختصاص الحمار برؤية الشيطان. والله أعلم. كما أن وجه اختصاص الديك برؤية الملك، كون صياحه تابعًا لصياح ديك العرش، كما ثبت في بعض الروايات الصحيحة, فالملك غير مفارق عنه في غالب الحالات، وفي الحديث: "إن الله يبغض ثلاثة أصواتها، نهقة الحمير، ونباح الكلب، والداعية بالحرب". ٢٠ - ولما فرع الله سبحانه من قصة لقمان .. رجع إلى توبيخ المشركين على إصرارهم على ما هم عليه مع مشاهدتهم لدلائل التوحيد، وتبكيتهم، وإقامة الحجج عليهم فقال: ﴿أَلَمْ تَرَوْا﴾؛ أي: ألم تعلموا يا بني آدم ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ ﴿سَخَّرَ﴾ وذلل ﴿لَكُمْ﴾؛ أي: لمنافعكم، والتسخير سوق الشيء إلى الغرض المختص به قهرًا ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ من (١) الكواكب السيارة، مثل الشمس والقمر وغيرهما، والملائكة المقربين، بأن جعلها أسبابًا محصلة لمنافعكم، ومراداتكم، فتسخير الكواكب بأن الله تعالى سيرها في البروج على الأفلاك التي دبر لكل واحد منها فلكًا، وقدر لها القرانات والاتصالات، وجعلها مدبرات العالم السفلي من الزماني، مثل الشتاء والصيف والخريف والربيع، ومن المكاني مثل المعدن والنبات والحيوان والإنسان، وظهور الأحوال المختلفة بحسب

стр. 9980

الكواكب على الدوام لمصالح الإنسان ومنافعهم منها، وتسخير الملائكة بأن الله تعالى من كمال قدرته وحكمته، جعل كل صنف من الملائكة موكلين على نوع من المدبرات وعونًا لها، كالملائكة الموكلين على الشمس والقمر والنجوم وأفلاكها، والموكلين على السحاب والمطر، وقد جاء في الخبر: "إن على كل قطرة من المطر موكلًا من الملائكة لينزلها حيث أمر". والموكلين على البحور والفلوات والرياح والملائكة الكتاب للناس الموكلين عليهم. ومنها المعقبات من بين أيديهم ومن خلفهم، يحفظونهم من أمر الله، حتى جعل على الأرحام ملائكةً، فإذا وقعت نطفة الرجل في الرحم. يأخذها الملك بيده اليمنى، وإذا وقعت نطفة المرأة .. يأخذها الملك بيده اليسرى، وإذا أمر بمشجها .. يمشج النطفتين، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ والملائكة الموكلون على الجنة والنار، كلهم مسخرون لمنافع الإنسان ومصالحهم، حتى الجنة والنار مسخرتان لهم تطميعًا وتخويفًا؛ لأنهم يدعون ربهم خوفًا وطمعًا. ﴿و﴾ سخر لكم ﴿مَا فِي الْأَرْضِ﴾ من الجبال والصحارى والبحار والأنهار والحيوانات والنباتات والمعادن، بأن مكنكم من الانتفاع بها بوسط أو بغير وسط، فيدخل في ذلك جميع مخلوقات الأرض المسخرة لبني آدم، من الأحجار والتراب والزرع والشجر، والثمر والحيوانات التي ينتفعون بها، والعشب الذي يرعون فيه دوابهم، وغير ذلك مما لا يحصى كثرةً. فالمراد بالتسخير: جعل المسخر بحيث ينتفع به المسخر له، سواء كان منقادًا له وداخلًا تحت تصرفه أم لا، ﴿و﴾ أن الله ﴿أَسْبَغَ﴾ وأتم وأكمل ﴿عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ﴾ يقال: سبغت النعمة: إذا تمت وكملت وكثرت. وقرأ ابن عباس ويحيى بن عمارة (١): ﴿وأصبغ﴾ بالصاد، وهي لغة لبني كلب يبدلونها من السين إذا جامعت الغين أو الخاء أو القاف صادًا، وباقي

стр. 9981

القراء: بالسين على الأصل، وقرأ الحسن والأعرج وأبو جعفر وشيبة ونافع وأبو عمرو وحفص ﴿نِعَمَهُ﴾ جمعًا مضافًا للضمير، وباقي السبعة وزيد بن علي: ﴿نعمةً﴾ على الإفراد. حالة كون تلك النعم ﴿ظَاهِرَةً﴾؛ أي (١): محسوسةً مشاهدة، مثل حسن الصورة وامتداد القامة، والحواس الظاهرة من السمع والبصر والشم والذوق واللمس والنطق، وذكر اللسان والرزق والمال والجاه والخدم والأولاد والصحة والعافية والأمن ووضع الوزر ورفع الذكر، والأدب الحسن، ونفس بلا ذلة، وقدم بلا زلة، والإقرار والإِسلام من نطق الشهادتين، والصلاة والصوم والزكاة، والحج وتعلم القرآن وحفظه، ومتابعة الرسول إلى غير ذلك. ﴿و﴾ حالة كونها ﴿بَاطِنَةً﴾؛ أي: معقولةً غير مشاهدة بالحس، كنفخ الروح في البدن، وإشراقه بالعقل والفهم والفكر والمعرفة، وتزكية النفس عن الرذائل، وتحلية القلب بالفضائل، ولذا قال ﵇: "اللهم كما حسنت خَلقي، فحسن خُلقي" ومحبة الرسول وزينه في قلوبكم، واتصال الذكر على الدوام والرضى والغفران وقلب بلا غفلة، وتوجهٍ بلا علةٍ، وفيض بلا قلةٍ". والمعنى (٢): أي ألم تروا أيها الناس، أن الله هو الذي سخر لكم ما في السماوات من شمس وقمر ونجوم، تستضيئون بها ليلًا ونهارًا، وتهتدون بها في ظلمات البر والبحر، وسحاب ينزل لكم الأمطار لسقي الناس والحيوان والمزارع المختلفة، وما في الأرض من الدواب والأشجار والمياه والبحار والسفن والمعادن التي في باطنها إلى نحو ذلك من المنافع التي جعلها لغذائكم وأقواتكم، فتتمتعون ببعض ذلك وتنتفعون بجميع ذلك، وأتم عليكم نعمة محسوسة وغير محسوسة. والخلاصة: أنه تعالى نبه خلقه إلى ما أنعم به عليهم في الدنيا والآخرة، بأن سخر لهم ما في السماوات وما في الأرض، وأسبغ عليهم من النعم الظاهرة

стр. 9982

والباطنة، فأرسل الرسل وأنزل الكتب وأزاح الشبه والعلل. روي: أن النبي ﷺ قال لابن عباس، وقد سأله عن هذه الآية: "الظاهرة: الإِسلام وما حسن من خلقك، والباطنة: ما ستر عليك من سيء عملك" وقيل: الظاهرة: الصحة وكمال الخلق، والباطنة: المعرفة والعقل، وقيل: الظاهرة: ما يرى بالأبصار من المال والجاة والجمال وتوفيق الطاعات، والباطنة: ما يجده المرء في نفسه من العلم بالله وحسن اليقين، وما يدفع عن العبد من الآفات، وقيل: الظاهرة: نعم الدنيا، والباطنة: نعم الآخرة. ثم ذكر أنه مع كل هذه الأدلة الظاهرة قد مارى وجادل بعض الناس دون برهان عقل، ولا مستند من نقل، فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾؛ أي: وبعض الناس، فهو مبتدأ، وخبره قوله: ﴿مَنْ يُجَادِلُ﴾؛ أي: وبعض الناس والمشركين يخاصم ﴿فِي﴾ توحيد ﴿اللَّهِ﴾ سبحانه وصفاته وينكرها، كالنضر بن الحارث وأبي بن خلف، ويميل إلى الشرك حيث يزعم أن الملائكة بنات الله ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مستفاد من عقل ﴿وَلَا هُدًى﴾ مستفادٍ من جهة الرسول ﴿وَلَا كِتَابٍ﴾ أنزله الله سبحانه ﴿مُنِيرٍ﴾؛ أي: مضيء له بالحجة، ٢١ - بل يجادل بمجرد التقليد، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾؛ أي: لهؤلاء المجادلين، والجمع باعتبار معنى من ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ تعالى على نبيه من القرآن الواضح، والنور البيّن، فآمنوا به ﴿قَالُوا﴾ لا نتبعه ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ الأقدمين من عبادة الأصنام والأوثان والملائكة، فإنهم كانوا أهل حق ودين صحيح، فنعبد ما كانوا يعبدونه من الأصنام، ونمشي في الطريق الذي كانوا به في دينهم، فوبخهم سبحانه على تلك المقالة التي هي من حبائل الشيطان ووساوسه، فقال: ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ﴾؛ أي: يدعو آباءهم، والهمزة فيه (١) للاستفهام الإنكاري المضمن للتعجب من التعلق بشبهة هي في غاية البعد من مقتضى العقل، داخلة على محذوف، والضمير عائد إلى الآباء، والجملة في حيز النصب على الحالية من المحذوف.

стр. 9983

والمعنى: أيتبعونهم ولو كان الشيطان يدعوهم بما هم عليه من الشرك ﴿إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾؛ أي: إلى عذاب النار الشديدة الاتقاد والالتهاب، فهم مجيبون إليه حسبما يدعوهم؛ أي: أيتبعونهم في حال دعاء الشيطان آباءَهم إلى العذاب، مع أنه لا ينبغي أتباعهم في هذه الحال؛ لأنها حال تلفٍ وعذاب. ويجوز أن يراد أنه يدعو هؤلاء الأتباع إلى عذاب السعير؛ لأنه زين لهم اتباع آبائهم والتدين بدينهم، ويجوز (١) أن يراد أنه يدعو جميع التابعين والمتبوعين إلى العذاب، فدعاؤه للمتبوعين بتزيينه لهم الشرك، ودعاؤه للتابعين بتزيينه لهم دين آبائهم، وفي الآية منع صريح من التقليد، وما أقبح التقليد، وأكثر ضرره على صاحبه، وأوخم عاقبته، وأشأم عائدته على من وقع فيه، فإن الداعي له إلى ما أنزل الله على رسوله، كمن يريد أن يذود الفراش عن لهب النار لئلا تحترق، فتأبى ذلك، وتتهافت في نار الحريق وعذاب السعير. فائدة: والتقليد لغةً (٢): وضع الشيء في العنق محيطًا به، ومنه القلادة، ثم استعمل في تفويض الأمر إلى الغير كأنه ربطه بعنقه، واصطلاحًا: قبول قول الغير بلا حجة، فيخرج الأخذ بقول النبي ﷺ ؛ لأنه حجة في نفسه، وفي "التعريفات" (٣): التقليد: عبارة عن اتباع الإنسان غيره فيما يقول أو يفعل، معتقدًا للحقية فيه من غير نظر وتأمل في الدليل، كأن هذا المتبع جعل قول الغير أو فعله قلادةً في عنقه. انتهى. والمعنى (٤): أي أيتبعونهم على كل حال دون نظر إلى الدليل، فربما كان اعتقادهم مبنيًا على الهوى وترهات الأباطيل، سداه ولحمته: ما زينه لهم الشيطان من وساوس لا تستند إلى حجة ولا برهان. والخلاصة: أما كان لهم أن يفكروا ويتدبروا حتى يعلموا الحق من الباطل،

стр. 9984

والصواب من الخطأ، فإن الرجال بالحق وليس الحق بالرجال، وفي هذا ما لا يخفى من تسفيه عقولهم وتسخيف آرائهم، وأنهم بلغوا الدرك الأسفل في هدم العقل وعدم الركون إلى الدليل مهما استبانت غايته، واستقامت محجته. الإعراب ﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾. ﴿الم (١)﴾: تقدم إعراب هذه الكلمة مرةً بعد مرةً، فلا عودة ولا إعادة. ﴿تِلْكَ﴾: مبتدأ. ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾: خبره ومضاف إليه، والجملة: مستأنفة. ﴿الْحَكِيمِ﴾: صفة لـ ﴿الْكِتَابِ﴾، وسيأتي معنى إسناد الحكمة إليه في مبحث البلاغة، ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾: حالان من ﴿الآيات﴾، والعامل فيهما ما في تلك من معنى الإشارة. ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة أو بنفس المصدر، تنازع فيه كل من الحالين ﴿الَّذِينَ﴾ صفة ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾. ﴿يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾: فعل وفاعل ومفعول صلة الموصول. ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾: كذلك معطوف على الصلة، ﴿وَهُمْ﴾: مبتدأ، ﴿بِالْآخِرَةِ﴾: متعلق بـ ﴿يُوقِنُونَ﴾، و ﴿هُمْ﴾: الثاني تأكيد للأول، وجملة ﴿يُوقِنُونَ﴾: خبر لـ ﴿هُم﴾ الأول، والجملة الاسمية: معطوفة على جملة الصلة. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ. ﴿عَلَى هُدًى﴾: خبره، ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾: صفة لـ ﴿هُدًى﴾، والجملة الاسمية: مستأنفة مسوقة لتقرير ما قبلها ومدحًا لهم، ﴿وَأُولَئِكَ﴾: مبتدأ، ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل، ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾: خبر للمبتدأ، والجملة: معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦)﴾. ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾: خبر مقدم، ﴿مَنْ﴾: اسم موصول مبتدأ مؤخر، ﴿مَنْ﴾: فعل وفاعل مستتر، وهو عائد الموصول ومفعول به، والجملة الفعلية: صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، والجملة الاسمية: مستأنفة مسوقة لتقرير حال

стр. 9985

اللاهين، الذين يضيعون أوقاتهم باللهو ومضاحيك الكلام، ﴿لِيُضِلَّ﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل، ﴿يضل﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على ﴿من﴾ منصوب بأن مضمرة بعد ﴿اللام﴾، ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق به، ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه حال من فاعل ﴿يَشْتَرِي﴾؛ أي: يشتري غير عالم بحال ما يشتريه، وجملة ﴿يضل﴾: مع أن المضمرة: في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿اللام﴾، تقديره: يشتري اللهو لإضلاله الناس، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿يَشْتَرِي﴾. ﴿وَيَتَّخِذَهَا﴾ الواو: عاطفة. ﴿يتخذها﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول أول بالنصب معطوف على ﴿يضل﴾، وبالرفع معطوف على ﴿يَشْتَرِي﴾. ﴿هُزُوًا﴾: مفعول ثان لـ ﴿يتخذ﴾، ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ أول ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم، ﴿عَذَابٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿مُهِينٌ﴾: صفة لـ ﴿عَذَابٌ﴾، والجملة من المبتدأ الثاني، وخبره: خبر للأول، وجملة الأول: مستأنفة. ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧)﴾. ﴿وَإِذَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿تُتْلَى﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿تُتْلَى﴾، ﴿آيَاتُنَا﴾: نائب فاعل لـ ﴿تُتْلَى﴾. والجملة الفعلية: في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها، ﴿وَلَّى﴾: فعل ماض وفاعل مستتر، ﴿مُسْتَكْبِرًا﴾: حال من فاعل ﴿وَلَّى﴾، وجملة ﴿وَلَّى﴾: جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾: معطونة على جملة ﴿يَشْتَرِي﴾ على كونها صلة الموصول. ﴿كَأَنْ﴾: مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، أي: كأنه، وجملة: ﴿لَمْ يَسْمَعْهَا﴾: في محل الرفع خبرها، وجملة؛ ﴿كَأَنْ﴾: في محل النصب حال ثانية من فاعل ﴿وَلَّى﴾، ﴿كَأَنْ﴾: حرف نصب وتشبيه، ﴿فِي أُذُنَيْهِ﴾: خبر مقدم لـ ﴿كَأَنْ﴾، ﴿وَقْرًا﴾: اسمها مؤخر، وجملة ﴿كَأَنْ﴾: حال من فاعل: ﴿يَسْمَعْهَا﴾ أو بدل من جملة ﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾، وأجاز الزمخشري أن تون جملتا التشبيه مستأنفتين، ﴿فَبَشِّرْهُ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر،

стр. 9986

تقديره: إذا عرفت حال ذلك المعرض، وأردت بيان عاقبته .. فأقول لك: بشره، ﴿بشره﴾: فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به، ﴿بِعَذَابٍ﴾: متعلق به، ﴿أَلِيمٍ﴾: صفة لـ ﴿عذاب﴾، والجملة الفعلية: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: ناصب واسمه، ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿آمَنُوا﴾، ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم، ﴿جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية: في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة، ﴿خَالِدِينَ﴾ حال مقدرة من ضمير لهم، ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾. ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾: مصدر مؤكد لنفسه منصوب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف وجوبًا، تقديره: وعدهم الله ذلك وعدًا، والجملة المحذوفة: مستأنفة مسوقة لتأكيد ما قبلها، وإنما قلنا مؤكد لنفسه لأن معنى ﴿لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾: وعدهم الله بها، فأكد معنى الوعد بالوعد، ﴿حَقًّا﴾: مصدر مؤكد لغيره، منصوب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف وجوبًا، تقديره: حقه حقًا، أي: حق ذلك الوعد حقًا، والجملة المحذوفة: مستأنفة مسوقة لتأكيد ما قبلها، وإنما قلنا مؤكد لغيره؛ لأن ﴿حَقًّا﴾: دال على معنى الثبات أكد به معنى الوعد، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: مبتدأ وخبر أول، ﴿الْحَكِيمُ﴾: خبر ثان، والجملة الاسمية: مستأنفة. ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة الفعلية: مستأنفة مسوقة للاستدلال على قدرته تعالى وعزته، ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، حال من ﴿السَّمَاوَاتِ﴾؛ أي: حالة كونها خاليةً من عمد، ﴿تَرَوْنَهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والرؤية هنا بصرية، والجملة الفعلية: في محل الجر صفة لـ ﴿عَمَدٍ﴾؛ أي: بغير عمدٍ مرئية لكم. ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾.

стр. 9987

﴿وَأَلْقَى﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله معطوف على ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق بـ ﴿ألقى﴾. ﴿رَوَاسِيَ﴾: صفة لمفعول محذوف، تقديره: جبالًا، رواسي، ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر، ﴿تَمِيدَ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على ﴿الْأَرْضِ﴾ منصوب بـ ﴿أَنْ﴾ المصدرية، ﴿بِكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿تَمِيدَ﴾، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ﴾ المصدرية ومدخولها: مجرور بإضافة المصدر المقدر إليه، المعلل للفعل، تقديره: وألقى في الأرض رواسي كراهية ميدها بكم. ﴿وَبَثَّ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله معطوف على ﴿ألقى﴾. ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿بث﴾، ﴿مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، صفة لمفعول به محذوف، تقديره: حيوانات كائنات من كل دابة. ﴿وَأَنْزَلْنَا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿خَلَقَ﴾ على طريق الالتفات عن الغيبة إلى التكلم، ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: متعلق بـ ﴿أنزلنا﴾، ﴿مَاءً﴾: مفعول به، ﴿فَأَنْبَتْنَا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿أنزلنا﴾، ﴿فِيهَا﴾: متعلق بمحذوف حال ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾. ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾: متعلق بـ ﴿أنبتنا﴾ أو صفة لمفعول محذوف؛ أي: نباتًا من كل زوج، ﴿كَرِيمٍ﴾ صفة لـ ﴿زَوْجٍ﴾. ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة: مستأنفة، ﴿فَأَرُونِي﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿أروني﴾: بمعنى أخبروني فعل أمر وفاعل ومفعول أول، وهو يحتاج إلى ثلاثة مفاعيل، وهذا أولها، والجملة الاستفهامية المعلقة: سدت مسد المفعولين ﴿مَاذَا﴾: اسم استفهام مركب في محل النصب مفعول مقدم لـ ﴿خَلَقَ﴾، أو ﴿ما﴾: اسم استفهام مبتدأ، ﴿ذا﴾: اسم موصول خبره، ﴿خَلَقَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل صلة لذا الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: ما الذي خلقه الذين ﴿مِنْ دُونِهِ﴾: جار ومجرور صلة ﴿الَّذِينَ﴾، ﴿بَلِ﴾: حرف للإضراب الانتقالي، ﴿الظَّالِمُونَ﴾: مبتدأ، ﴿فِي ضَلَالٍ﴾: خبره، ﴿مُبِينٍ﴾: صفة لـ ﴿ضَلَالٍ﴾، والجملة: مستأنفة. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢)﴾. ﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿قد﴾: حرف

стр. 9988

تحقيق. ﴿آتَيْنَا﴾: بمعنى أعطينا فعل وفاعل، ﴿لُقْمَانَ﴾: مفعول أول، ﴿الْحِكْمَةَ﴾: مفعول ثان له، والجملة الفعلية: جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم: مستأنفة، ﴿أَنِ﴾: مفسرة لأن الإيتاء فيه معنى القول؛ أي: قلنا له: ﴿اشْكُرْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر، والجملة الفعلية: جملة مفسرة لـ ﴿آتَيْنَا﴾: لا محل لها من الإعراب، ويجوز أن تكون ﴿أَنِ﴾: مصدرية مؤولة ما بعدها بمصدر منصوب على كونه بدلًا من ﴿الْحِكْمَةَ﴾، والأول: أظهر ﴿لِلَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿اشْكُرْ﴾. ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿من﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر: جملة الشرط أو الجواب أو هما، ﴿يَشْكُرُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر مجزوم بـ ﴿من﴾: على كونه فعل شرط لها، ﴿فَإِنَّمَا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب، ﴿إنما﴾: كافة ومكفوفة ﴿يَشْكُرُ﴾؛ فعل وفاعل مستتر، ﴿لِنَفْسِهِ﴾: متعلق به، والجملة: جواب ﴿من﴾ الشرطية، وجملة ﴿من﴾ الشرطية: مستأنفة، ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿من﴾: اسم شرط مبتدأ، والخبر: جملة الشرط، ﴿كَفَرَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿فَإِنَّ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة. ﴿إن الله غني﴾: ناصب واسمه وخبره. ﴿حَمِيدٌ﴾: خبر ثان، وجملة ﴿إن﴾: في محل الجزم جواب ﴿من﴾ الشرطية، وجملة ﴿من﴾ الشرطية، معطوفة على جملة ﴿من﴾ الأولى. ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾. ﴿وَإِذْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿إذ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، متعلق بمحذوف، تقديره: واذكر يا محمد لقومك قصة إذ قال لقمان، والجملة المحذوفة: مستأنفة، ﴿قَالَ لُقْمَانُ﴾: فعل وفاعل، ﴿لِابْنِهِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذ﴾، ﴿وَهُوَ﴾: ﴿الواو﴾: حالية. ﴿هو﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَعِظُهُ﴾: خبره, والجملة الاسمية, في محل النصب حال من ﴿لُقْمَانُ﴾. ﴿يَا بُنَيَّ﴾: ﴿يا﴾: حرف نداء، ﴿بني﴾: منادى مضاف إلى ياء

стр. 9989

المتكلم، وجملة النداء: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿لَا﴾: ناهية، ﴿تُشْرِكْ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾: على كونها جواب النداء. ﴿إِنَّ الشِّرْكَ﴾: ناصب واسمه، ﴿لَظُلْمٌ﴾: خبره، و ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿عَظِيمٌ﴾: صفة ﴿لَظُلْمٌ﴾، وجملة ﴿إن﴾: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾: على كونها معللة للنهي المذكور قبله. ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤)﴾. ﴿وَوَصَّيْنَا﴾: ﴿الواو﴾: اعتراضية. ﴿وصينا الإنسان﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية مع ما بعدها، إلى قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: معترضة لا محل لها من الإعراب، لاعتراضها بين وصايا القمان لابنه، مؤكدة لما اشتملت عليه من النهي عن الشرك، ﴿بِوَالِدَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿وصينا﴾، ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة: معترضة بين المفسَّر الذي هو ﴿وصينا﴾ والمفسِّر الذي هو ﴿أَنِ اشْكُرْ﴾: لا محل لها من الإعراب، ﴿وَهْنًا﴾: حال من ﴿أُمُّهُ﴾ ولكنه على تقدير مضاف؛ أي: حالة كونه ذات وهن، أو مصدر مؤكد لفعل محذوف وقع حالًا، تقديره حالة كونها تهن وهنًا على. ﴿عَلَى وَهْنٍ﴾ صفة لـ ﴿وَهْنًا﴾. ﴿وَفِصَالُهُ﴾: مبتدأ، ﴿فِي عَامَيْنِ﴾: خبره، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿حَمَلَتْهُ﴾: على كونها معترضة. ﴿أَنِ﴾: مفسرة، ﴿اشْكُرْ﴾: فعل وفاعل مستتر، والجملة: مفسرة لـ ﴿وصينا﴾، واختار الزجاج أن تكون ﴿أَنِ﴾ مصدرية، والمصدر المؤول منها: منصوب بنزع الخافض، والخافض المحذوف: متعلق بـ ﴿وصينا﴾؛ أي: ولقد وصينا الإنسان بالشكر لي ولوالديه وليس ببعيدٍ ﴿لِي﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿اشْكُرْ﴾، ﴿وَلِوَالِدَيْكَ﴾: معطوف عليه، ﴿إِلَيَّ﴾: خبر مقدم، ﴿الْمَصِيرُ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة: مستأنفة. ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾.

стр. 9990

﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة لقول محذوف على ﴿وصينا﴾؛ أي: ولقد وصينا الإنسان بالشكر لي ولوالديه وقلنا له: ﴿إن جاهداك﴾، ﴿إن﴾: حرف شرط، ﴿جَاهَدَاكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، ﴿عَلَى﴾: حرف جر، ﴿أَنْ﴾: حرف مصدر. ﴿تُشْرِكَ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر منصوب بـ ﴿أَنْ﴾ المصدرية، ﴿بِي﴾: متعلق به، والمصدر المؤول من ﴿أَن﴾ المصدرية وما في حيزها: مجرور بـ ﴿عَلَى﴾ والجار والمجرور متعلق بـ ﴿جَاهَدَاكَ﴾؛ أي: وإن جاهداك على الإشراك بي. ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿تُشْرِكَ﴾. ﴿لَيْسَ﴾: فعل ناقص، ﴿لَكَ﴾: خبر مقدم لها. ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿عِلْمٌ﴾. ﴿عِلْمٌ﴾ اسم ليس مؤخر، وجملة ﴿لَيْسَ﴾: صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة. ﴿فَلَا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب وجوبًا، ﴿لا﴾: ناهية، ﴿تُطِعْهُمَا﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، والجملة: في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية، على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول للقول المحذوف كما قدرنا آنفًا. ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. ﴿وَصَاحِبْهُمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿صاحبهما﴾: فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به معطوف على جواب ﴿إن﴾ الشرطية، ﴿فِي الدُّنْيَا﴾: حال من ضمير المفعول، ﴿مَعْرُوفًا﴾: منصوب بنزع الخافض؛ أي: بالمعروف، ﴿وَاتَّبِعْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر معطوف على الجواب أيضًا، ﴿سَبِيلَ﴾: مفعول به، ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل الجر مضاف إليه، وجملة ﴿أَنَابَ﴾: صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، ﴿إِلَيَّ﴾: متعلق بـ ﴿أَنَابَ﴾، ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ، ﴿إِلَيَّ﴾: خبر مقدم، ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية: معطوفة على جملة ﴿اتبع﴾، ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿أنبئكم﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به، ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أنبئكم﴾، والجملة الفعلية: معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾: خبره،

стр. 9991

وجملة ﴿كان﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة. ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾. ﴿يَا بُنَيَّ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء، معطوفة بعاطف مقدر على جملة النداء في قوله: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ على كونها مقولًا لـ ﴿قال﴾، ﴿إِنَّهَا﴾: ناصب واسمه، ﴿إن﴾: حرف شرط جازم، ﴿تَكُ﴾: فعل مضارع ناقص مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية، وعلامة جزمه سكون النون المحذوفة للتخفيف، واسمها ضمير مستتر جوازًا، تقديره: هي يعود على الخطيئة، ﴿مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾: خبرها، ﴿مِنْ خَرْدَلٍ﴾: صفة لـ ﴿حَبَّةٍ﴾، ﴿فَتَكُنْ﴾: فعل مضارع ناقص معطوف على ﴿تَكُ﴾، واسمها ضمير يعود على الخطيئة أيضًا، ﴿فِي صَخْرَةٍ﴾ خبر ﴿تكن﴾، ﴿أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾: معطوفان على ﴿فِي صَخْرَةٍ﴾، ﴿يَأْتِ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿إِن﴾ الشرطية على كونه جوابًا لها، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، ﴿بِهَا﴾: متعلق بـ ﴿يَأْتِ﴾، ﴿اللَّهُ﴾: فاعل ﴿يَأْتِ﴾. وجملة ﴿إن﴾ الشرطية من فعل شرطها وجوابها في محل الرفع خبر ﴿إنّ﴾. وجملة ﴿إنّ﴾ واسمها في محل النصب مقول ﴿قال﴾ على كونها جواب النداء، ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، ﴿لَطِيفٌ﴾: خبر أول له، ﴿خَبِيرٌ﴾: خبر ثان، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قال﴾ على كونها معللةً لما قبلها. ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧)﴾. ﴿يَا بُنَيَّ﴾: منادى مضاف معطوف بعاطف مقدر على قوله: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ على كونه مقول ﴿قال﴾، ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قال﴾: على كونها جواب النداء، ﴿وَأْمُرْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر معطوف على ﴿أَقِمِ﴾، ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: متعلق به، ﴿وَانْهَ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر معطوف على أيضًا على ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾، ﴿عَنِ

стр. 9992

الْمُنْكَرِ﴾: متعلق بـ ﴿وَانْهَ﴾، ﴿وَاصْبِرْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر على أقم. ﴿عَلَى مَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿اصبر﴾، ﴿أَصَابَكَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾: ناصب واسمه، ﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾: في محل النصب مقول ﴿قال﴾ على كونها معللة لما قبلها. ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨)﴾. ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لا﴾: ناهية جازمة، ﴿تُصَعِّرْ خَدَّكَ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، ﴿لِلنَّاسِ﴾: متعلق بـ ﴿تُصَعِّرْ﴾، والجملة: في محل النصب معطوفة على جملة ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾. ﴿وَلَا تَمْشِ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لا﴾: ناهية جازمة، ﴿تَمْشِ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق به، والجملة: في محل النصب معطوفة على جملة ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾، ﴿مَرَحًا﴾: منصوب على الحالية، ولكنه على تقدير مضاف؛ أي: ذا مرح، أو صفة لمصدر محذوف؛ أي: مشيًا مرحًا، أو مفعول لأجله، ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، ﴿لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ﴾: حرف ناف وفعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به، ﴿فَخُورٍ﴾: صفة لـ ﴿مُخْتَالٍ﴾: أو عطف بيان منه، والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قال﴾ على كونها معللةً لما قبلها. ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾. ﴿وَاقْصِدْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر معطوف على ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾، ﴿فِي مَشْيِكَ﴾: متعلق بـ ﴿اقصد﴾، ﴿وَاغْضُضْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر معطوف على ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾، ﴿مِنْ صَوْتِكَ﴾ متعلق بـ ﴿اغضض﴾. ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾: ناصب واسمه، ﴿لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾: خبره ومضاف إليه، و ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قال﴾ على كونها معللةً لما قبلها.

стр. 9993

﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾. ﴿أَلَمْ تَرَوْا﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري التوبيخي، ﴿لم﴾: حرف جزم، ﴿تَرَوْا﴾: فعل مضارع وفاعل مجزوم بـ ﴿لم﴾، والرؤية هنا قلبية، والجملة: مستأنفة مسوقة لتوبيخ المشركين على شركهم مع قيام الحجة، ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، ﴿سَخَّرَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر ﴿لَكُمْ﴾ متعلق به. ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿سَخَّرَ﴾ وجملة ﴿سَخَّرَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿أَنَّ﴾، وجملة ﴿أَنَّ﴾: في تأويل مصدر ساد مسد مفعول ﴿تَرَوْا﴾. ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: جار ومجرور صلة لـ ﴿مَّا﴾ الموصولة، ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾. ﴿وَأَسْبَغَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر معطوف على ﴿سَخَّرَ﴾، ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿أسبغ﴾. ﴿نِعَمَهُ﴾: مفعول به، ﴿ظَاهِرَةً﴾: حال من ﴿نِعَمَهُ﴾، ﴿وَبَاطِنَةً﴾: معطوف على ﴿ظَاهِرَةً﴾، ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾: خبر مقدم، ﴿مَن﴾: مبتدأ مؤخر، وجملة ﴿يُجَادِلُ﴾: صلة ﴿مَن﴾ الموصولة، ﴿فِي اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿يُجَادِلُ﴾، والجملة الاسمية: مستأنفة، ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه حال من فاعل ﴿يُجَادِلُ﴾، ﴿وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ﴾: معطوفان على ﴿علم﴾، ﴿مُنِيرٍ﴾: صفة لـ ﴿كِتَابٍ﴾. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾. ﴿وَإِذَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿قِيلَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ﴿لَهُمُ﴾: متعلق به، ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: نائب فاعل محكي لـ ﴿قِيلَ﴾، وجملة ﴿قِيلَ﴾: في محل الجر بإضافة ﴿إذا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها، وإن شئت قلت: ﴿اتَّبِعُوا﴾: فعل أمر وفاعل، ﴿مَا﴾: اسم موصول مفعول به، والجملة: في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿قِيلَ﴾، ﴿أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل صلة لـ ﴿مَا﴾، والعائد: محذوف:؛ أي: أنزله الله. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل جواب ﴿إذا﴾، وجملة ﴿إذا﴾: معطوفة على جملة ﴿يُجَادِلُ﴾ على كونها

стр. 9994

صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، ﴿بَلْ﴾: حرف عطف وإضراب، ﴿نَتَّبِعُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر، ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به. والجملة معطوفة على محذوف، هو مقول ﴿قَالُوا﴾، تقديره: قالوا لا نتبع ما أنزل الله بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا، ﴿وَجَدْنَا﴾: فعل وفاعل، ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق به، ﴿آبَاءَنَا﴾: مفعول به لـ ﴿وجد﴾؛ لأنه من وجد الضالة، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة. ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري التوبيخي، داخلة على محذوف، تقديره: أيتبعونه، ﴿ولو﴾: ﴿الواو﴾: حالية. ﴿لو﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿كَانَ الشَّيْطَانُ﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿يَدْعُوهُمْ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به ﴿إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَدْعُوهُمْ﴾، وجملة ﴿يَدْعُوهُمْ﴾: في محل النصب خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾: فعل شرط لـ ﴿لو﴾ لا محل لها من الإعراب، وجواب ﴿لو﴾ الشرطية: محذوف، تقديره: ولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير يتبعونه، وجملة ﴿لو﴾ الشرطية: في محل النصب حال من فاعل الفعل المحذوف، الذي هو مدخول همزة الاستفهام، والتقدير: أيتبعونه حال كون الشيطان داعيًا لهم إلى عذاب السعير. التصريف ومفردات اللغة ﴿الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾: إما فعيل بمعنى مفعل؛ أي: المحكم المحروس من التغيير والتبديل، والممنوع من الفساد والبطلان، فهو فعيل بمعنى مفعل، وإن كان قليلًا في كلامهم، كقولهم: أعقدت الدبس فهو عقيد؛ أي: معقد، أو بمعنى فاعل؛ أي: الحاكم بين العباد ببيان الحلال والحرام، والصحيح والفاسد. ﴿يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾: وفي "المفردات": إقامة الشيء، توفية حقه، وإقامة الصلاة: توفية شرائطها, لا الإتيان بهيئتها. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾: والاشتراء: دفع الثمن وأخذ المثمن، والبيع: دفع المثمن وأخذ الثمن، وقد يتجوز بالشراء والاشتراء عن كل ما يحصل به شيء، واللهو: مصدر لها يلهو، والمراد به هنا: اسم الفاعل؛ أي:

стр. 9995

ما يلهي ويشغل الإنسان عما يهمه من طاعة ربه، كالأحاديث التي لا أصل لها، وكل باطل ألهى عن الخير، والملاهي آلة اللهو، والملهى موضع اللهو، والحديث: يستعمل في قليل الكلام وكثيره، وإضافة اللهو إلى الحديث للبيان، وضابطها: أن يكون المضاف بعد المضاف إليه صالحًا للإخبار به عنه، كخاتم فضة. ﴿كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ والوقر الصمم، قال في "المفردات": الوقر: الثقل في الأذن، وفي "فتح الرحمن": الوقر الثقل الذي يغير إدراك المسموعات. ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾: والعمد: بفتحتين: جمع عماد، كأهب وإهاب، وهي السارية، وفي "المصباح": وعمدت الحائط عمدًا: دعمته، وأعمدته بالألف لغةً، والعماد: ما يسند به، والجمع عمد بفتحتين، وفيه أيضًا الدعامة بالكسر: ما يسند به الحائط إذا مال يمنعه السقوط، ودعمت الحائط دعمًا من باب نفع. ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ قال ابن عباس: هي الجبال الشامخات من أوتاد الأرض، وهي سبعة عشر جبلًا، منها: قاف - وأبو قبيس - والجودي ولبنان - وطور سنين - وطور سيناء، أخرجه ابن جرير في "المبهمات" للسيوطي. اهـ. ابن لقيمة على "البيضاوي"، وفي "المختار" رسا الشيء، ثبت، وبابه عدا وسما، والرواسي من الجبال: الثوابت الرواسخ، واحدتها راسية. اهـ. والإلقاء: طرح الشيء حيث تلقاه وتراه، ثم صار في التعارف اسمًا لكل طرح. ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾: الميد: اضطراب الشيء العظيم، كاضطراب الأرض، يقال: ماد يميد ميدًا وميدانًا: إذا تحرك واضطرب. ﴿وَبَثَّ فِيهَا﴾: وأصل البث: إثارة الشيء، وتفريقه، كبث الريح التراب. ﴿مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ وهي كل ما يدب على الأرض، من الدب، والدبيب، وكذا الدب: المشي الخفيف، ويستعمل ذلك في الحيوان، وفي الحشرات أكثر. ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾؛ أي: من السحاب؛ لأن السماء في اللغة: ما علاك وأظلك، كما مر.

стр. 9996

﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾؛ أي: صنف. ﴿كَرِيمٍ﴾؛ أي: كثير المنفعة، قال في "المفردات": وكل شيء يشرف في بابه، فإنه يوصف بالكرم. واعلم: وفقنا الله تعالى جميعًا للتفكر في عجائب صنعه، وغرائب قدرته، أن عقول العقلاء، وأفهام الأذكياء قاصرة متحيرة في أمر النباتات والأشجار، وعجائبها وخواصها وفوائدها ومضارها ومنافعها، وكيف لا؟ وأنت تشاهد اختلاف أشكالها، وتباين ألوانها، وعجائب صور أوراقها، وروائح أزهارها، وكل لون من ألوانها ينقسم إلى أقسام، كالحمرة مثلًا كوردي وأرجواني وسوسني وشقائق وخمري وعنابي وعقيقي ودموي، ولكي وغير ذلك، مع اشتراك الكل في الحمرة، ثم عجائب روائحها ومخالفة بعضها بعضًا، واشتراك الكل في طيب الرائحة، وعجائب أشكال أثمارها وحبوبها وأوراقها, ولكل لون وريح وطعم وورقٍ وثمرة وزهر وحب خاصية لا تشبه الأخرى، ولا يعلم حقيقة الحكمة فيها إلا الله تعالى، والذي يعرف الإنسان من ذلك بالنسبة إلى ما لا يعرفه كقطرة من بحر. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ قال الراغب: الحكمة: إصابة الحق بالعلم والعمل، فالحكمة من الله تعالى معرفة الأشياء وإيجادها على غاية الأحكام، ومن الإنسان معرفة الموجودات على ما هي عليه، وفعل الخيرات، وهذا هو الذي وصف به لقمان في هذه الآية. ﴿وَهُوَ يَعِظُهُ﴾ والوعظ: زجر يقترن بتخويفٍ، وقال الخليل: هو التذكير بالخير فيما يرق له القلب، والاسم: العظة والموعظة. ﴿يَا بُنَيَّ﴾: بالتصغير والإضافة إلى ياء المتكلم بالفتح والكسر، وتقدم البحث عن إعرابه، وأصله في سورة يوسف، فراجعه. ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ﴾؛ أي: أمرناه، يقال: وصيت زيدًا بعمرو: أمرته بتعهده ومراعاته.

стр. 9997

﴿وَهْنًا﴾: والوهن: الضعف من حيث الخلق، والخلق. وفي "المختار": الوهن: الضعف، وقد وهن من باب وعد، ووهنه غيره يتعدى ويلزم، ووهن بالكسر يهن وهنًا: لغة فيه، وأوهنه غيره، ووهنه توهينًا. ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ في "القاموس": الفصال: فطم الولد، وفيه أيضًا: وفصل الولد عن الرضاع، وبابه ضرب، والفصال: التفريق بين الصبي والرضاع، ومنه الفصيل، وهو ولد الناقة إذا فصل عن أمه، والعام بالتخفيف: السنة، لكن كثيرًا ما تستعمل السنة في الحول الذي فيه الشدة والجدب، ولذا يعبر عن الجدب بالسنة، والعام: فيما فيه الرخاء؛ أي: فطام الإنسان من اللبن، يقع في تمام عامين من وقت الولادة، وهي مدة الرضاع عند الشافعي، كما مر. ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ﴾ المجاهدة: استفراغ الجهد؛ أي: الوسع في مدافعة العدو. ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ قال في "المفردات": المعروف: اسم لكل فعل يعرف بالعقل، والشرع حسنه، والمنكر: ما ينكر بهما, ولهذا قيل للاقتصاد في الجود: معروف، لما كان ذلك مستحسنًا في العقول بالشرع. ﴿إِنَّهَا إِنْ تَكُ﴾ أصله: تكون، حذف الواو لاجتماع الساكنين، الحاصل من سقوط حركة النون بـ ﴿إن﴾ الشرطية، وحذفت النون أيضًا تشبيهًا لها بحرف العلة في امتداد الصوت، أو بالواو وفي الغنة، أو بالتنوين، وقال بعضهم: حذفت تخفيفًا لكثرة الاستعمال، فلا تحذف من مثل لم يصن ولم يخن، فإن وصلت بساكن .. ردت النون وتُحرك نحو ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. ﴿مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ المثقال: ما يوزن به، وهو من الثقل، وذلك اسم لكل صنج. وفي "كشف الأسرار": مثقال الشيء: ما يساويه في الوزن، وكثر الكلام فيه، فصار عبارةً عن مقدار الدنيا. انتهى، والحبة: واحد الحبوب، والخردل: نبات له حب صغير جدًا أسود مقرح، الواحدة: خردلة، ويقال: خردل الطعام: أكل خياره، وخردل اللحم: قطع أعضاءه وافرةً صغارًا. ﴿فِي صَخْرَةٍ﴾ الصخر: الحجر الصلب، والمراد بالصخرة: أية صخرة

стр. 9998

كانت، لإيراده بلفظ النكرة، كذا قيل: كما مر. ﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ العزم والعزيمة: عقد القلب على إمضاء الأمر، وعزم الأمور: ما لا يشوبه شبهة، ولا يدافعه ريبة. ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ التصعر: التواء وميل في العنق من خلقة أو داء أو من كبر في الإنسان وفي الإبل، والتصعير: إمالته عن النظر كبرًا كما في "تاج المصادر". ولما كان ذلك لغرض من الأغراض التي لا تدوم .. أشار إلى المقصود به بقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾ بلام العلة؛ أي: لا تفعل ذلك لأجل الإمالة عنهم، وفي "المصباح": الصعر، بفتحتين: ميل في العنق وانقلاب في الوجه إلى أحد الشدقين، وربما كان الإنسان أصعر خلقةً، أو صعره غيره بشيء يصيبه، وهو مصدر من باب تعب وصعر خده بالتثقيل، وصاعره: أماله عن الناس إعراضًا وتكبرًا. انتهى. وخد الإنسان: ما اكتنف الأنف عن اليمين والشمال، أو ما جاوز مؤخر العينين إلى منتهى الشدق، أو من لدن المحجر إلى اللحى، كما في "القاموس". ﴿مَرَحًا﴾ المرح: أشد الفرح والخفة الحاصلة من النعمة، كالأشر والبطر. ﴿مُخْتَالٍ﴾ الاختيالَ والخيلاء: التكبر عن تخيل فضيلة، ومنه لفظ الخيل، كما قيل: إنه لا يركب أحد فرسًا إلا وجد في نفسه نخوةً، فالمختال: المتكبر المتبختر في مشيته. ﴿فَخُورٍ﴾ من الفخر، والفخر: المباهاة في الأشياء الخارجة عن الإنسان، كالمال والجاه، والفخور: الذي يعدد مناقبه تطاولًا بها، واحتقارًا لمن عدم مثلها. ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ القصد: ضد الإفراط والتفريط، والمعنى: واعدل في المشي بعد الاجتناب عن المرح، فيه، حتى يكون مشيًا بين مشيين، لا تدب دبيب المتماوتين، ولا تثب وثب الشطار. ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ يقال: غض صوته وغض بصره: إذا خفض صوته

стр. 9999

وغمض بصره، قال في "المفردات": الغض النقص من الطرف والصوت، والصوت: هو الواء المنضغط عند قرع جسمين، قال بعضهم: الهواء الخارج من داخل الإنسان، إن خرج بدفع الطبع .. يسمى نفسًا، بفتح الفاء، وإن خرج بالإرادة وعرض له تموج بتصادم جسمين .. يسمى صوتًا، وإذا عرض للصوت كيفيات مخصوصة، بأسباب معلومة .. يسمى حروفًا، ويقال: صات يصوت صوتًا فهو صائت، ويقال: صوت تصويتًا فهو مصوت، ورجل صات؛ أي: شديد الصوت بمعنى صائت. ﴿لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾: جمع حمار، قال بعضهم: سمي حمارًا لشدته، من قولهم طعنة حمراء؛ أي: شديدة، وحمارة القيظ: شدته. ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ﴾ أصل تروا تريوا: تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفًا، فالتقى ساكنان ثم حذفت الألف لبقاء دالها، فصار تروا بوزن تفوا، والتسخير: سياقة الشيء إلى الغرض المختص به قهرًا. ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ﴾ يقال: أسبغ الله عليه النعمة: أتمها، وأسبغ الثوب أوسعه وأطاله، وأسبغ الرجل: لبس درعًا سابغةً، وأسبغ له النفقة: وسع عليه وأنفق تمام ما يحتاج إليه، وفي "المصباح": وسبغت النعمة سبوغًا: اتسعت، وأسبغها الله: أفاضها وأتمها، وأسبغت الوضوء: أتممته، وقرىء بالسين وبالصاد، وهكذا كل سين اجتمع معه الغين والخاء والقاف، تقول في سلخ صلخ، وفي سقر صقر، وفي سالغ صالغ، ومعنى سالغ من سلغت البقرة والشاة، إذا أسقطت السن التي خلقت بها السديس، والسلوغ في ذوات الأظلاف، بمنزلة البزول في ذوات الأخفاف. ﴿نِعَمَهُ﴾: جمع نعمة، وهي في الأصل: الحالة الطيبة التي يستلذها الإنسان، فأطلقت للأمور اللذيدة الملائمة للطبع المؤدية إلى تلك الحالة الطيبة. ﴿مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ﴾ يقال: جدلت الحبل، إذا أحكمت فتله، ومنه الجدال، فكأن المتجادلين يفتل كل واحد منهما الآخر عن رأيه.

стр. 10000

﴿إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ والسعر: التهاب النار، وعذاب السعير؛ أي: الحميم، كما في "المفردات". البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الإسناد المجازي في قوله: ﴿الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ لأن فيه وصف الشيء بصفة فاعله، ويجوز أن يكون الأصل: الحكيم قائله، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وهو الضمير المجرور، فبانقلابه مرفوعًا بعد الجر استكن في الصفة المشبهة، وهو من أحسن الصناعة. فائدة: وصف الكتاب هنا بالحكيم مناسب لموضوع السورة؛ لأنه قد كرر في موضوعها الحكمة، حيث قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ الخ. فناسب أن يختار هذا الوصف من أوصاف الكتاب المجيد على اصطلاحات القرآن، من التنسيق بين الألفاظ والموضوعات. ومنها: وضع المصدر موضع الوصف للمبالغة، في قوله: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣)﴾. ومنها: الإيجاز في قوله: ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: للذين يعملون الحسنات، ففيه إيجاز بليغ؛ لأن الحسنات لا تحصى، ولكنه خص منها هذه الثلاث المذكورة هنا لفضلها وشرفها. ومنها: الإشارة إلى القريب باسم إشارة البعيد في قوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾؛ أي: هذه آيات الكتاب تنزيلًا للبعد الرتبي منزلة البعد الحقيقي. ومنها: الإطناب بتكرار الضمير، وبتكرار اسم الإشارة في قوله: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ لزيادة الثناء عليهم والتشريف لهم، كما أن الجملة تفيد الحصر؛ أي: هم المفلحون لا غيرهم.

стр. 10001

ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ شبه استبدالهم اللهو عن آيات الله باشتراء من اشترى سلعة خاسرًا، فاستعار اسم الاشتراء له، ثم اشتق منه اشترى بمعنى استبدل، على طريقة الاستعارة التصريحية التبعية. ومنها: التشبيه المرسل المجمل في قوله: ﴿كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ لأنه ذكر فيه أداة التشبيه، وحذف وجه الشبه، فهو تشبيه مرسل مجمل. ومنها: أسلوب التهكم في قوله: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، لأن البشارة إنما تكون في الخير، واستعمالها في الشر سخريةٌ وتهكمٌ. ومنها: والمعاكسة في الإضافة للمبالغة في قوله: ﴿لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ لأن المعنى: لهم نعيم الجنات، فعكس للمبالغة كما في "البيضاوي". ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ شبه الجبال الرواسي استحقارًا لها، واستقلالًا لعددها، وإن كانت خلقًا عظيمًا بحصيات قبضهن قابض بيده، فنبذهن في الأرض، وما هو إلا تصوير لعظمته وتمثيل لقدرته، وإن كل فعل يتحير فيه الأذهان فهو هين عليه تعالى. ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾؛ أي: كراهية أن تميد بكم. ومنها: الالتفات إلى نون العظمة في قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ بعد قوله: ﴿خَلَقَ﴾، ﴿وَأَلْقَى﴾ ﴿وَبَثَّ﴾ كلها بضمير الغائب، التفت في الفعلين إلى نون العظمة، لإبراز مزيد الاعتناء بأمرهما، وتوفيةً لمقام الامتنان، وقال الفخر الرازي: وفي هذا الالتفات فصاحة وحكمة: أما الفصاحة: فهي أن السامع إذا سمع كلامًا طويلًا من نمط واحد، ثم ورد عليه نمط آخر يستطيبه، ألا ترى أنك إذا قلت: قال زيد كذا، وقال خالد كذا، وقال عمرو كذا، ثم إن بكرًا قال قولًا حسنًا يستطاب لما قد تكرر القول مرارًا، وأما الحكمة: فهو أن إنزال الماء نعمة ظاهرة متكررة في كل زمان، ومكان، فأسند الإنزال إلى نفسه صريحًا، ليتنبه

стр. 10002

الإنسان لشكر النعمة، فيزيد له في الرحمة. اهـ. من "التفسير الكبير". ومنها: إطلاق المصدر على اسم المفعول في قوله: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾؛ أي: مخلوقة. ومنها: الاستفهام للتوبيخ والتبكيت في قوله: ﴿مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾. ومنها: وضع الظاهر موضع المضمر لزيادة التوبيخ وللتسجيل عليهم بغاية الظلم والجهل بإشراكهم في قوله: ﴿بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ وكان الأصل أن يقال: بل هم في ضلال مبين. ومنها: الطباق بين ﴿شكر﴾ و ﴿كَفَرَ﴾. ومنها: صيغة المبالغة في قوله: ﴿فَخُورٍ﴾ لأن فعولًا من صيغ المبالغة؛ أي: كثير الفخر. ومنها: ذكر الخاص بعد العام في قوله: ﴿بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ﴾ لزيادة العناية والاهتمام بشأن الخاص. ومنها: تقديم ما حقه التأخير لإفادة الحصر مثل ﴿إلي المصير﴾، ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾؛ أي: لا إلى غيري. ومنها: التمثيل في قوله: ﴿إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ مثل ذلك لسعة علم الله، وإحاطته بجميع الأشياء، صغيرها وكبيرها، جليلها وحقيرها، فإنه تعالى يعلم أصغر الأشياء في أخفى الأمكنة. ومنها: التتميم في قوله: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ تمم خفاءها في نفسها بخفاء مكانها، وهذا من البديع. ومنها: المقابلة في قوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ﴾، ثم قال: ﴿وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ فقابل بين اللفظين. ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ شبه الرافعين أصواتهم بالحمير، وأصواتهم بالنهيق، ولم يذكر أداة التشبيه، بل أخرجه

стр. 10003

مخرج الاستعارة للمبالغة في الذم والتنفير عن رفع الصوت. ومنها: الطباق بين قوله: ﴿ظَاهِرَةً﴾ ﴿وَبَاطِنَةً﴾. ومنها: الإنكار والتوبيخ مع الحذف في قوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ﴾؛ أي: أيتبعونهم ولو كان الشيطان إلخ. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 10004

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥) لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦) وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧) مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١) وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢) يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣) إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر حال المشرك المجادل في الله بغير علم .. أردف ذلك بذكر حال المستسلم المفوض أموره إلى الله، وبيان عاقبته ومآله، ثم سلى رسوله على ما يلقاه من المشركين من العناد والكفران، وبين له أنه قد بلغ رسالات ربه، وتلك وظيفة الرسل، وعلي الحساب والجزاء، فهو يجازيهم بما يستحقون من العذاب الغليظ في جهنم، وبئس المصير.

стр. 10005

قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه لما أقام الأدلة (١) على وحدانيته بخلق السماوات بغير عمد، وبإسباغ نعمه الظاهرة والباطنة عليهم .. أردف ذلك ببيان أن المشركين معترفون بذلك، غير جاحدين له، وهذا يستدعي أن يكون الحمد كله له وحده، ومن يستحق الحمد هو الذي يستحق العبادة، فأمرهم عجيب، يعلمون المقدمات، ثم ينكرون النتيجة التي تستتبعها، فيعبدون من لا يستحق عبادةً، ولا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا من الأصنام والأوثان. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر أنه أجرى الحكمة على لسان لقمان، ثم قفى على ذلك ببيان أنه أسبغ نعمه على عباده ظاهرةً وباطنةً، وأن له ما في السماوات وما في الأرض .. أردف ذلك ببيان أن تلك النعم وهذه المخلوبات لا حصر لها، ولا يعلمها إلا خالقها، كما قال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾. ولما كانت تلك النعم لا نهاية لها، وربما ظن أنها مبعثرة لا قانون لها أو أنها لكثرتها يصعب عليه تدبيرها، وتصريف شؤونها كما يريد .. دفع هذا بقوله: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر أنه سخر للإنسان ما في السماوات وما في الأرض .. ذكر هنا بعض ما فيهما بقوله: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ ...﴾ إلخ. وبعض ما في السماوات بقوله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾. وبعض ما في الأرض بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ ثم ذكر أن كل المشركين معترفون بتلك الآيات، إلا أن البصير يدركها على الفور، ومن في بصيرته ضعف لا يدركها إلا إذا وقع في شدة وأحدق به الخطر، فهو إذ ذاك يعترف بأن كل شيء لإرادة الله تعالى.

стр. 10006

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر دلائل التوحيد على ضروب مختلفة، وأشكال متنوعة .. أمر بتقوى الله على سبيل الموعظة والتذكير بيوم عظيم، يوم يحكم الله بين عباده، يوم لا تنفع فيه قرابة، ولا تجدي فيه صلة رحم، فلو أراد والد أن يفدي ابنه بنفسه لما قبل منه ذلك، وهكذا الابن مع أبيه، فلا تلهينكم الدنيا عن الدار الآخرة، ولا يغرنكم الشيطان فيزينن لكم بوساوسه المعاصي والآثام. ثم ختم السورة بذكر ما استأثر الله بعلمه مما في الكائنات، وهي الخمس التي اشتملت عليها الآية الكريمة، مما لم يؤت علمها ملك مقرب، ولا نبي مرسل. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (١): ما أخرجه ابن جرير عن عكرمة قال: سأل أهل الكتاب رسول الله ﷺ عن الروح، فأنزل الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ فقالوا: تزعم أنا لم نؤت من العلم إلا قليلًا وقد أوتينا التوراة وهي الحكمة، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا، فنزلت: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ ...﴾ الآية. وأخرج ابن إسحاق عن عطاء بن يسار قال: نزلت بمكة: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة .. أتاه أحبار اليهود فقالوا: ألم يبلغنا عنك أنك تقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ إيانا تريد أم قومك؟ فقال: "كلًّا عنيت"، قالوا: فإنك تتلو أنا قد أوتينا التوراة، وفيها تبيان كل شيء، فقال رسول الله ﷺ : "هي في علم الله قليل"، فأنزل الله : ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية:

стр. 10007

ما أخرجه (١) ابن المنذر عن عكرمة قال: إنَّ رجلًا يقال له: الوارث بن عمرو بن الحارث جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد متى قيام الساعة؟ وقد أجدبت بلادنا فمتى تخصب بلادنا؟ وقد تركت أمرأتي حبلى فما تلد؟ وقد علمت ما كسبت اليوم فماذا أكسب غدًا؟ وقد علمت بأيّ أرض ولدت فبأي أرض أموت؟ فنزلت: ﴿اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ...﴾ الآية. وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "مفاتيح الغيب خمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ ". التفسير وأوجه القراءة ٢٢ - ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ﴾: ﴿من﴾: شرطية. ﴿أسلم﴾ (٢) إذا عدي بإلى .. يكون بمعنى سلم، وإذا عدي باللام .. تضمن معنى الإخلاص، والوجه: بمعنى الذات؛ أي: ومن يسلم نفسه إلى الله تسليم المتاع للعامل، بأن فوض أمره إليه، وأقبل بكليته إليه، ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾؛ أي: موحد مخلص في عمله؛ أي: والحال أنه محسن في عمله، آتٍ به على الوجه اللائق، الذي هو حسنه الوصفي المستلزم لحسنه الذاتي، ولا يحصل ذلك غالبًا إلا على مشاهدة، ولذا فسر النبي ﷺ الإحسان في حديث جبريل ﵇، "بأن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك". وجواب الشرط قوله: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ﴾؛ أي: تعلق وأخذ ﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾؛ أي: بعروة الحبل المعلق في الهواء، المحكمة: تلك العروة الموثقة المأمونة من الانقطاع وسقوط من تمسك وتعلق بها، والاستمساك هنا بمعنى: الإمساك، والسين والتاء فيه زائدتان، وإمساك الشيء: التعلق به، كما سيأتي في مباحث اللغة، والعروة: ما يعلق به الشيء، والمراد بها: مقبض نحو الدلو والكوز، والوثقى: تأنيث الأوثق؛ أي: الوثيقة القوية التي يؤمن من تمسك وتعلق

стр. 10008

بها من السقوط. والمعنى (١): فقد تعلق بأوثق ما يتعلق به من الأسباب وأقواه، وهو تمثيل لحال المتوكل على الله، المشتغل بالطاعة بحال من أراد أن يترقى إلى شاهق جبل، فتمسك بأوثق عرى الحبل المتدلي منه، بحيث لا يخاف انقطاعه. وخلاصة المعنى (٢): أي ومن يعبد الله وهو متذلل خاضع، مع الإحسان في العمل بفعل الطاعات، وترك المعاصي والمنكرات. . فقد تعلق بأوثق الأسباب التي توصل إلى رضوان ربه، ومحبته وحسن جزائه على ما قدم من عمل صالح. ثم بين العلة في أنه يلقى الجزاء الأوفى فقال: ﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾ ، لا إلى أحد غيره ﴿عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾؛ أي: عاقبة أمر المتوكل وأمر غيره، فيجازيه أحسن الجزاء. والمعنى: أي إن مصير أمور الخلائق ومرجعها إلى الله سبحانه، لا إلى غيره، فلا يكون لأحد إذ ذاك أمر ولا نهي، ولا عقاب ولا ثواب، فيجازي المتوكل عليه أحسن الجزاء، ويعاقب المسيء أنكل العذاب. وقرأ الجمهور (٣): ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ﴾ مضارع أسلم من باب أفعل، وقرأ علي بن أبي طالب والسلمي، وعبد الله بن مسلم بن يسار: ﴿يسلم﴾ بتشديد اللام مضارع سلم المضعف. ٢٣ - ثم سلى رسوله على ما يلقاه من أذى المشركين وعنادهم فقال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ بالله من قريش أو غيرهم ولم يسلم وجه لله ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ﴾ يا محمد ﴿كُفْرُهُ﴾ فإنه لا يضرك في الدنيا ولا في الآخرة، يقال: أحزنه من المزيد، ويحزنه من الثلاثي، كما سيأتي في مبحث التصريف، ﴿إِلَيْنَا﴾ لا إلى غيرنا ﴿مَرْجِعُهُمْ﴾ بعد الموت؛ أي: رجوعهم للمجازاة، ومعنى الرجوع إلى الله سبحانه الرجوع إلى

стр. 10009

حيث لا مالك ولا حاكم سواه، وهو يوم القيامة، ﴿فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾ في الدنيا من الكفر والمعاصي؛ أي: نُخبرهم بقبائح أعمالهم، فنجازيهم عليها بالعذاب والعقاب، وجمع الضمائر الثلاثة باعتبار معنى ﴿من﴾ كما أن الإفراد في الموضعين باعتبار لفظه. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾؛ أي: بما في القلوب من الخير والشر؛ أي (١): بالضمائر والنيات المصاحبة بالصدر الذي هو محل القلب؛ أي: عليم بما تسره صدورهم، لا تخفى عليه من ذلك خافية، فالسر عنده كالعلانية، فيجازي عليها كما يجازي على الأعمال الظاهرة. والمعنى: أن مصيرهم يوم القيامة إلينا، فنخبرهم بما عملوا في الدنيا من خبيث الأعمال، حتى لا يكون هناك سبيل إلى الإنكار، ثم نجازيهم على ذلك أشد العذاب، ثم بين أنه عادل في الجزاء لسعة علمه، وعظيم إحاطته بكل شيء فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ تعالى ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ فيجازيهم بكل ما عملوا سرًا وعلانيةً، إذ لا يخفى عليه خافية. ٢٤ - ثم بين أن ما يمتعون به في الدنيا عرض قليل، وظل زائل، لا ينبغي لعاقل أن يقيم له وزنًا بجانب العذاب الدائم، فقال: ﴿نُمَتِّعُهُمْ﴾؛ أي: نمتع الكافرين وننعمهم بمنافع الدنيا ﴿قَلِيلًا﴾؛ أي: تمتيعًا قليلًا، أو زمانًا قليلًا، فإن ما يزول وإن كان بعد أمد طويل بالنسبة إلى ما يدوم قليل؛ أي: نبقيهم في الدنيا مدةً قليلةً، يستمتعون بها ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ﴾؛ أي (٢): نلجئهم ونردهم في الآخرة قهرًا ﴿إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾؛ أي: شديد يثقل عليهم ثقل الأجرام الغلاظ، فإنه لا أثقل منه على من وقع فيه وأصيب به، فلهذا استعير له الغلظ، أو نضم إلى الإحراق الضغط والتضييق، وفي "التأويلات النجمية": غلظة العذاب: عبارة عن دوامه إلى الأبد، انتهى. والغليظ ضد الرقيق كما سيأتي.

стр. 10010

والمعنى: أي (١) نمهلهم في الدنيا زمنًا قليلًا، يتمتعون فيه بزخارفها، ثم نلجئهم على كره منهم إلى عذاب شاق على نفوسهم، ونحو الآية قوله: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾. ٢٥ - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله من قومك: ﴿مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾؛ أي: خلق الأجرام العلوية والسفلية ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ في الجواب لك: خلقهن ﴿اللَّهُ﴾ ، لغاية وضوح الأمر، بحيث اضطروا إلى الاعتراف به، وفي هذا إيماء إلى أنه قد بلغ من الوضوح مبلغًا لا يستطيعون معه الإنكار والجحود، ولما استبان بذلك صدقه ﷺ وكذبهم .. قال آمرًا رسوله ﴿قُلِ﴾ يا محمد ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على اعترافهم بما يوجب بطلان ما هم عليه من إشراك غيره تعالى به في العبادة التي لا يستحقها سوى الخالق المنعم على عباده، أو المعنى: فقل الحمد لله على ما هدانا من دينه. ثم بين أنهم بلغوا الغاية في الجهل فهم يعترفون بالشيء ويعملون نقيضه، فقال: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ﴾؛ أي: بل أكثر المشركين ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ من له الحمد، وأين موضع الشكر، فهم مع تكذيبك يعترفون بما يوجب تصديقك، أو لا يعلمون شيئًا من الأشياء، فلذلك لا يعملون بمقتضى اعترافهم بأن يتركوا الشرك، ويعبدوا الله وحده. ٢٦ - ولما أثبت لنفسه الإحاطة بأوصاف الكمال .. استدل على ذلك بقوله: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: له لا لغيره جميع ما في السماوات والأرض، ملكًا وخلقًا وتصرفًا، وليس ذلك لأحد سواه، فلا يستحق العبادة غيره تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾ بذاته وصفاته قبل خلق السماوات والأرض وبعده لا حاجة به في وجوده وكماله الذاتي إلى شيء أصلًا، وغني عن

стр. 10011

عبادتهم؛ لأنهم ملكه، وهم المحتاجون إليه، وكلمة (١) ﴿هو﴾ للحصر؛ أي: هو الغني وحده، وليس معه غني آخر، دليله قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. ﴿الْحَمِيدُ﴾؛ أي: المحمود في ذاته وصفاته، وإن لم يكن له حامد .. فهو الحامد لنفسه، أو المحمود على نعمه التي أنعمها عليهم، وفي هذه الآيات أمور: منها: أنّ التفويض والتوكل وإخلاص القصد والإعراض عما سوى الله تعالى، والإقبال على الله بالتوحيد والطاعة من موجبات حسن العاقبة، وهي الجنة والقربة والوصلة، كما أن الكفر والشرك والرياء والسمعة من أسباب سوء العاقبة، وهي النار والعذاب الغليظ، والفرقة والقطيعة، فالتمسك بأحكام الدين هي العروة الوثقى لأهل اليقين، فإنها لا تنفصم، بخلاف سائر العرى. ومنها: أنّ ليس لعمر الدنيا بقاء، بل هي ساعة من الساعات، فعلى العاقل أن لا يغتر بالتمتع القليل، بل يتأهب لليوم الطويل. ومنها: أنّ الله تعالى قدر المقادير، ودبر الأمور، فالكل يجري في الأفعال والأحوال على قضائه وقدره، وليس على الناصح إلا التبليغ دون الجبر والحزن على عدم القبول، فإن الحجر يصير مرآةً الصيقل. ومنها: أنّ عدم الجريان بموجب العلم من الجهل في الحقيقة. ومنها: أنّ الله تعالى خلق الخلق ليربحوا عليه، لا ليربح عليهم، فمنفعة الطاعات والعبادات راجعة إلى العباد، لا إلى الله تعالى، إذ هو غني عن العالمين، لا ينتفع بطاعاتهم، ولا يتضرر بمعاصيهم، فهو يمن عليهم أن هداهم للإيمان والطاعات، وليس لهم أن يمنوا عليه بإسلامهم، جعلنا الله سبحانه وإياكم من عباده المخلصين، وحفظنا في حصنه الحصين، بمنه وكرمه وتوفيقه الرصين.

стр. 10012

٢٧ - ثم لما ذكر سبحانه أن له ما في السماوات والأرض .. أتبعه بما يدل على أن له وراء ذلك ما لا يحيط به عدد، ولا يحصر بحد، فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾؛ أي: ولو أن جميع ما في الأرض من جنس شجرة أقلام يكتب بها، و ﴿مِنْ شَجَرَةٍ﴾ حال من الموصول، ووجد الشجرة لما تقرر في علم المعاني: أن استغراق المفرد أشمل، فكأنه قال: كل شجرةٍ شجرةٍ حتى لا يبقى من جنس الشجر واحدة، إلا وقد بريت أقلامًا، وجمع الأقلام لقصد التكثير، بحيث تعد كل شجرة من الأشجار أقلامًا، قال أبو حيان: وهذا من وقوع المفرد موقع الجمع، والنكرة موقع المعرفة، كقوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾. والمعنى: لو ثبت أن الأشجار كلها أقلام، ﴿وَالْبَحْرُ﴾؛ أي (١): والحال أن البحر المحيط بسعته، وهو البحر الأعظم الذي منه مادة جميع البحار المتصلة والمنقطعة، وهو بحر لا يعرف له ساحل، ولا يعلم عمقه إلا الله تعالى، والبحار التي على وجه الأرض خلجان منه، وفي هذا البحر عرش إبليس - لعنه الله - وفي مدائن تطفو على وجه الماء، وأهلها من الجن في مقابلة الربع الخراب من الأرض، وفي هذا البحر ينبت شجر المرجان، كسائر الأشجار في الأرض، وفيه من الجزائر المسكونة والخالية ما لا يعلمه إلا الله تعالى. وهو؛ أي: ﴿البحر﴾: مبتدأ، خبره: قوله: ﴿يَمُدُّهُ﴾؛ أي: يزيده وينصب فيه، من مد الدواة: جعلها ذات مداد وزاده فيها، فلذا أغنى عن ذكر المداد، ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾؛ أي: من بعد نفاده وفنائه ﴿سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ أخرى، نحو بحر الصين، وبحر تُبَّت كَسُكَّر على ما في "القاموس"، وبحر الهند، وبحر السند، وبحر فارس، وبحر الشرق، وبحر الغرب، والله أعلم. ويحتمل أن يكون المراد: الأنهار السبعة من الفرات، ودجلة، وسيحان، وسيحون، وجيحان، وجيحون، والنيل؛ لأن البحر عند العرب الماء الكثير. والمعنى: يمده الأبحر السبعة مدًا لا ينقطع أبدًا، وكتبت بتلك الأقلام

стр. 10013

وبذلك المداد كلمات الله. وجواب ﴿لو﴾ ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾؛ أي: ما فنيت كلماته التي هي عبارة عن معلوماته، بل نفذت تلك الأقلام وذلك المداد قبل نفاذها، وإيثار جمع القلة في الكلمات للإيذان بأن ما ذكر لا يفي بالقليل من كلمات الله، فكيف بالكثير منها. قال أبو علي الفارسي: المراد (١) بالكلمات - والله أعلم - ما في المقدور، دون ما خرج منه إلى الوجود، ووافقه القفال، فقال: المعنى أن الأشجار لو كانت أقلامًا، والبحار مدادًا، فكتب بها عجائب صنع الله الدالة على قدرته ووحدانيته .. لم تنفد تلك العجائب، قال القشيري: رد القفال معنى الكلمات إلى المقدورات، وحمل الآية على الكلام القديم أولى، وهو الظاهر من النظم القرآني. وفي "التأويلات النجمية": المعنى (٢): لو أن ما في الأرض من الأشجار أقلام، والبحر يصير مدادًا، وبمقدار ما يقابله ينفق القرطاس، ويتكلف الكتاب، حتى تنكسر الأقلام، وتفنى البحار، وتستوفى القراطيس، ويفنى عمر الكتاب .. ما نفدت معاني كلام الله تعالى؛ لأن هذه الأشياء وإن كثرت فهي متناهية، ومعاني كلامه لا تتناهى؛ لأنها قديمة، والمحصور لا يفي بما لا حصر له، انتهى. وقد قصر من جعل الأرض قرطاسًا. وقال النحاس (٣): قد تبين أن الكلمات هنا يراد بها العلم وحقائق الأشياء، لأنه جل وعلا علم قبل أن يخلق الخلق ما هو خالق في السماوات والأرض من شيء، وعلم ما فيه من مثاقيل الذر، وعلم الأجناس كلها، وما فيها من شعرة وعضو، وما في الشجرة من ورقة، وما فيها من ضروب الخلق. والمعنى عليه (٤): أي ولو أن أفنان الأشجار وأغصانها بريت أقلامًا وجُعل

стр. 10014

البحر مدادًا، وأمدته سبعة أبحر، والخلائق جميعًا يكتبون بها كلمات الله وعجائب صنعه الدالة على عظمته وجلاله .. لتكسرت الأقلام، ونفد ماء البحر، ولم تنفد كلمات الله تعالى، وعجائب صنعه، ونحو الآية قوله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ﴾. وإنما ذكر السبعة الأبحر للدلالة على الكثرة، لا لقصد هذا العدد بعينه، وقد تقرر أن العرب تذكر السبعة والسبعين والسبع مئة، وتريد بذلك الكثرة، كما جاء في الحديث: "سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله" وفي الآية: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾. كحديث "المؤمن يأكل في معي واحد، والكافر في سبعة أمعاء". ولما كان لفظ سبعة ليس موضوعًا في الأصل للتكثير، وإن كان مرادًا به التكثير .. جاء مميزه بلفظ القلة، وهو أبحر، ولم يقل بحور، وإن كان لا يراد به أيضًا إلا التكثير ليناسب بين اللفظين، فكما يجوز في سبعة واستعمل للتكثير، كذلك يجوز في أبحر واستعمل للتكثير، ذكره أبو حيان. وقصارى ذلك: أنه سبحانه أخبر أن عظمته وكبرياءه وجلاله وأسماءه الحسنى لا يحيط بها أحد، ولا يصل البشر إلى معرفة كنهها وعدها، كما ورد في الحديث: "سبحانك لا نحصى ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك". وقرأ الجمهور (١): ﴿وَالْبَحْرُ﴾ بالرفع على أنه مبتدأ، و ﴿يَمُدُّهُ﴾: خبره، والجملة: في محل الحال، وقال المبرد: مرتفع بفعل مقدر؛ أي: ولو ثبت البحر حال كونه تمده من بعده سبعة أبحر، وقيل: مرتفع بالعطف على ﴿أن﴾ وما في حيزها، وقرأ أبو عمرو وابن أبي إسحاق (٢): ﴿والبحر﴾ بالنصب عطفًا على اسم ﴿أن﴾ أو بفعل مضمر يفسره ﴿يمده﴾. وقرأ عبد الله: ﴿وبحر يمده﴾ بالتنكير وبالرفع، والواو للحال، أو للعطف على ما تقدم، وإن كانت الواو للحال .. كان

стр. 10015

﴿بحر﴾: مبتدأ، وهو نكرة، وذكروا في مسوغات الابتداء بالنكرة: تقدم واو الحال عليها، كقوله: سَرَيْنَا وَنَجْمٌ قَدْ أَضَاءَ فَمُذْ بَدَا ... مُحَيَّاكَ أَخْفَى ضَوْؤُهُ كُلَّ شَاِرقِ وقرأ الجمهور: ﴿يمده﴾ بالياء من مد الثلاثي، وابن مسعود وابن عباس: بتاء التأنيث، من مد أيضًا، وقرأ عبد الله أيضًا والحسن وابن مطرف وابن هرمز: بالياء من تحت، من أمد الرباعي، وقرأ جعفر بن محمد: ﴿والبحر مداده﴾؛ أي: يكتب به من السواد، وقال ابن عطية: هو مصدر. انتهى. وقال أبو حيان: وفي الكلام جملة محذوفة يدل عليها المعنى، تقديرها: وكتب بها الكتَّاب كلمات الله ما نفذت. والمعنى: ولو أن أشجار الأرض أقلام، والبحر ممدود بسبعة أبحر، وكتبت بتلك الأقلام وبذلك المداد كلمات الله .. ما نفدت، ونفدت الأقلام والمداد الذي في البحر وما يمده. انتهى. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿عَزِيزٌ﴾؛ أي: غالب لا يعجزه شيء، قد عز كل شيء وقهره، فلا مانع لما أراد، ولا معقب لحكمه، ﴿حَكِيمٌ﴾ في خلقه وأمره وأقواله وأفعاله وشرعه وجميع شؤونه، لا يخرج عن علمه وحكمته أمر، فلا تنفد كلماته المؤسسة عليها. فائدة: وقال بعضهم (١): وخاصية الاسم العزيز: وجود الغنى والعز صورةً ومعنًى، فمن ذكره أربعين يومًا في كل يوم أربعين مرة .. أغناه الله وأعزه، فلم يحوجه إلى أحد من خلقه، وخاصية الاسم الحكيم: دفع الدواهي وفتح باب الحكمة، من أكثر ذكره .. صرف عنه ما يخشاه من الدواهي وفتح له بابًا من الحكمة. انتهى. ٢٨ - ثم أبان أن هذا الخلق الذي لا حصر له محيط به علمًا، ولا يعجزه شيء
следующие страницы →