مجمل ما احتوته هذه السورة الكريمة من الموضوعات
١ - القرآن هداية، ورحمة للمؤمنين.
٢ - قصص من ضل عن سبيل الله بغير علم، واتخذ آيات الله هزوًا.
٣ - وصف العالم العلوي والعالم السفلي، وما فيهما من العجائب الدالة على وحدانية الله تعالى.
٤ - قصص لقمان وإيتاؤه الحكمة، وشكره لربه على ذلك، ثم نصائحه لابنه.
٥ - الأمر بطاعة الوالدين، إلا فيما لا يرضي الخالق.
٦ - النعي على المشركين في ركونهم إلى التقليد، إذا دعوا إلى النظر في الكون، وعبادة الخالق له.
٧ - لا نجاة للإنسان إلا بالإخبات إلى الله سبحانه.
٨ - تسلية الرسول على عدم إيمان المشركين.
٩ - تعجيب رسوله من المشركين، بأنهم يقرون بأن الله هو الخالق لكل شيء، ثم هم يعبدون معه غيره، ممن هو مخلوق مثلهم.
١٠ - نعم الله ومخلوقاته لا حصر لها.
١١ - الأمر بالنظر إلى الكون وعجائبه، لنسترشد بذلك إلى وحدانية الصانع لها.
١٢ - تحميق المشركين بأنهم في الشدائد يدعون الله وحده، وفي الرخاء يشركون معه سواه.
١٣ - الأمر بالخوف من عقاب الله، يوم لا يجزي والد عن ولده.
стр. 10047
١٤ - مفاتيح الغيب الخمسة، التي استأثر الله بعلمها.
١٥ - إحاطة علمه تعالى بجميع الكائنات، ظاهرها وباطنها (١).
والله أعلم
* * *
стр. 10048
سورة السجدة
سورة السجدة وتسمى سورة المضاجع، مكية كلها كما رواه ابن الضريس وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس، ورواه ابن مردويه عن ابن الزبير، وأخرج ابن النجار عن ابن عباس قال: هي مكية، سوى ثلاث آيات.
﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا﴾ إلى تمام الآيات الثلاث، فمدنية، وكذا قال الكلبي ومقاتل، وقيل: إلا خمس آيات من قوله.
﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
وآياتها: ثلاثون آية، وقيل: تسع وعشرون (١) بناء على الاختلاف في أنّ آخر الآية: ﴿لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أو هو ﴿كَافِرُونَ﴾ فعلى الأول تكون ثلاثين آية، وعلى الثاني تكون تسعًا وعشرين. اهـ. "شيخنا". وكلماتها: ثلاث مئة وثمانون كلمة. وحروفها: ألف وخمس مئة وثمانية عشر حرفًا، نزلت بعد سورة المؤمنون.
تسميتها: سميت بسورة السجدة لاشتمالها على آية السجدة.
المناسبة: مناسبتها لما قبلها: أن الله (٢) لما ذكر فيما قبلها دلائل التوحيد، من بدء الخلق، وهو الأصل الأول، ثم ذكر المعاد والحشر، وهو الأصل الثاني، وختم به السورة .. ذكر في بدء هذه السورة الأصل الثالث، وهو تبيين الرسالة.
وعبارة المراغي هنا: ووجه اتصالها بما قبلها من وجوه (٣):
стр. 10049
١ - اشتمال كل منهما على دلائل الألوهية.
٢ - أنه ذكر في السورة السالفة دلائل التوحيد، وهو الأصل الأول، ثم ذكر المعاد، وهو الأصل الثاني، وهنا ذكر الأصل الثالث وهو النبوة.
٣ - أن هذه السورة شرحت مفاتيح الغيب، التي ذكرت في خاتمة ما قبلها، فقوله:
﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ شرح لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾. وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ شرح لقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ وقوله: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ تفصيل لقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ وقوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ إيضاح لقوله: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ وقوله: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ إلخ شرح لقوله: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾.
الناسخ والمنسوخ منها: قال ابن حزم: سورة السجدة جميع (١) آياتها محكمة غير آخرها، وهو قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠)﴾ (٣٠) الآية. نسخت بآية السيف.
فضلها: ومن فضائلها ما أخرجه (٢) مسلم وأصحاب "السنن" من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة بـ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾. وأخرجه البخاري وغيره أيضًا من حديثه، وأخرج أبو عبيد في فضائله، وأحمد وعبد بن حميد والدارمي والترمذي والنسائي والحاكم، وصححه، وابن مردويه عن جابر قال: كان النبي ﷺ لا ينام حتى يقرأ: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة، و ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾.
وأخرج أبو نصر والطبراني والبيهقي في "سننه" عن ابن عباس يرفعه إلى رسول الله ﷺ قال: "من صلى أربع ركعات خلف العشاء الأخيرة، قرأ في
стр. 10050
الركعتين الأوليين: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ - و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ وفي الركعتين الأخيريين: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ - و ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة .. كتبن له كأربع ركعات من ليلة القدر".
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ - و ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة، بين المغرب والعشاء الآخرة .. فكأنما قام ليلة القدر.
وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ في ليلة ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة، ويس و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ و ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ .. كن له نورًا وحرزًا من الشيطان، ورفع في الدرجات إلى يوم القيامة".
وأخرج ابن الضريس عن المسيب بن رافع: أن النبي ﷺ قال: " ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ تجيء لها جناحان يوم القيامة، تظل صاحبها وتقول: لا سبيل عليه، لا سبيل عليه".
قال الدارمي (١): وأخبرنا أبو المغيرة قال: حدثنا عبدة عن خالد بن معدان قال: اقرؤوا المنجية، وهي ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ فإنه بلغني أن رجلًا كان يقرؤها، ما يقرأ شيئًا غيرها، وكان كثير الخطايا، فنشرف جناحها عليه، وقالت: رب اغفر له، فإنه كان يكثر قراءَتي، فشفعها الرب فيه، وقال: اكتبوا له بكل خطيئة حسنةً وارفعوا له درجة.
والله أعلم
* * *
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ ...﴾ مناسبتها لما قبلها: أن الله لما ذكر الرسالة بقوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ والوحدانية بقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ إلخ .. أردف ذلك ذكر البعث، واستبعاد المشركين له، ثم الرد عليهم.
قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما أثبت (١) البعث والرجوع إليه .. بين حال المشركين حين معاينة العذاب، ووقوفهم بين يدي الله تعالى أذلاء ناكسي رؤوسهم من الحياء والخجل، طالبي الرجوع إلى الدنيا لتحسين أعمالهم، ثم بين أنه لا سبيل إلى العودة؛ لأنهم لو ردوا لعادوا إلى ما نهوا عنه، وأنه قد ثبت في قضائه، وسبق في وعيده: أن جنهم تمتلىء من الجِنة والناس، ممن ساءت أعمالهم، وقبحت أفعالهم، فلا يصلحون لدخول الجنة، ويقال لهم: ذوقوا عذاب النار، جزاء ما عملتم في الدنيا، وقد نسيتم لقاء ربكم، فجازاكم بفعالكم، وجعلكم كالمنسيين من رحمته.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر علامة أهل الكفر، من طأطأة الرؤوس خجلًا وحياءً مما صنعوا في الدنيا، وذكر ما يلاقون من العذاب المهين يوم القيامة .. عطف على ذلك ذكر علامة أهل الإيمان, من تذللهم لربهم، وتسبيحهم بحمده، ومجافاة جنوبهم للمضاجع، يدعون ربهم خوفًا وطمعًا، ثم أردفه ذكر ما يلاقون من نعيم مقيم، وقرة أعين، جزاءً لهم على جميل أعمالهم، ومحاسن أقوالهم.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ ...﴾ الآية، سبب نزولها (٢): ما أخرجه
стр. 10053
البزار عن بلال قال: كنا نجلس في المسجد، وناس من أصحاب رسول الله ﷺ يصلون بعد المغرب إلى العشاء، فنزلت هذه الآية: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ وفي إسناده عبد الله بن شبيب ضعيف. وأخرج الترمذي وصححه عن أنس، إن هذه الآية: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾. نزلت في انتظار الصلاة التي تدعى العتمة.
وأخرج (١) البخاري في "تاريخه" وابن مردويه عنه: نزلت في صلاة العشاء. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه أيضًا في الآية: كانوا لا ينامون حتى يصلوا العشاء. وأخرج ابن أبي شيبة عنه قال: كنا نجتنب الفرش قبل صلاة العشاء. وأخرج عبد الرزاق وابن مردويه عنه أيضًا قال: ما رأيت رسول الله ﷺ راقدًا قط قبل العشاء ولا متحدثًا بعدها، فإن هذه الآية: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ نزلت في ذلك.
التفسير وأوجه القراءة
١ - ﴿الم (١)﴾. قال البقلي ﵀: الألف إشارة إلى الإعلام، واللام إلى اللزوم، والميم إلى الملك، أعلم من نفسه أهل الكون لزوم العبودية عليهم، وملكهم قهرًا وجبرًا، حتى عبدوه طوعًا وكرهًا. اهـ.
وفي "التأويلات النجمية": يشير (٢) بالألف: إلى أنه ألف المحبون بقربتي فلا يصبرون عني، وألف العارفون بتمجيدي فلا يستأنسون بغيري، والإشارة في اللام, لأني لأحبائي مدخر لقائي، فلا أبالي أقاموا على صفائي، أم قصروا في وفائي، والإشارة في الميم: ترك أوليائي مرادهم لمرادي، فلذلك آثرتهم على جميع عبادي. اهـ. وهذا كله مما لا نقل ولا أصل له.
وقال أهل التفسير: ﴿الم (١)﴾: خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هذه السورة مسماة بـ ﴿الم (١)﴾.
٢ - ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ المتلو عليك يا محمد، وهو القرآن، في
стр. 10054
هذا المقام وجوه من الإعراب، الأوجه الأنسب بما بعده، أنه مبتدأ، وجملة قوله ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ ولا شك حال، من ﴿الْكِتَابِ﴾؛ أي: حال كونه لا شك فيه عند أهل الاعتبار ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ خبر المبتدأ، فان كونه من رب العالمين، حكم مقصود الإفادة، وإنما كان منه لكونه معجزًا، والضمير (١) في ﴿فِيهِ﴾: عائد إلى مضمون الجملة.
والمعنى: تنزيل الكتاب، كائن من رب العالمين، حال كونه لا ريب فيه؛ أي: في كونه منزلًا من رب العالمين, لأنه معجز للبشر؛ أي: إن الكتاب المتلو عليك يا محمد، لا ريب ولا شك في أنه منزل من رب العالمين، وأنه ليس بكذب، ولا سحر ولا كهانةٍ ولا أساطير الأولين.
٣ - فلما أنكرت قريش كونه منزلًا من رب العالمين .. قال: ﴿أَمْ﴾ منقطعة تقدر ببل الإضرابية، وهمزة الاستفهام الإنكاري؛ أي: بل أ ﴿يَقُولُونَ﴾؛ أي: أيقول أهل مكة ﴿افْتَرَاهُ﴾؛ أي: افترى محمد هذا القرآن واختلفه من عند نفسه، لا ينبغي ولا يليق منهم هذا القول، فهذا القول منهم منكر متعجب منه، لغاية ظهور بطلانه.
فأضرب عن الكلام الأول إلى ما هو معتقد الكفار، مع الاستفهام المتضمن للتقريع والتوبيخ، حيث قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ ثم أضرب عن معتقدهم إلى بيان ما هو الحق في شأن الكتاب، فقال: ﴿بَلْ هُوَ﴾؛ أي: هذا القرآن ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾؛ أي: ليس هو كما قالوا مفترًى، بل هو الحق من ربك.
ونظم الكلام (٢): أنه أشار أولًا إلى إعجازه، ثم رتب عليه أن تنزيله من رب العالمين، وقرر ذلك بنفي الريب عنه، ثم أضرب عن ذلك إلى ما يقولون فيه على خلاف ذلك، إنكارًا له، وتعجيبًا منه، ثم أضرب عنه إلى إثبات أنه الحق المنزل من الله، وبين المقصود من تنزيله والعلة فيه فقال: ﴿لِتُنْذِرَ﴾ وتخوف يا محمد ﴿قَوْمًا﴾ هم العرب، والظاهر أن المفعول الثاني للإنذار: محذوف،
стр. 10055
و ﴿قَوْمًا﴾ هو الأول؛ أي: لتنذر قومًا العقاب.
وجملة قوله: ﴿مَا﴾: نافية ﴿أَتَاهُمْ﴾ وجاءهم ﴿مِنْ﴾: زائدة ﴿نَذِيرٍ﴾ مخوف ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾؛ أي: من قبل إنذارك، أو من قبل زمانك، جملة منفية في محل نصب صفة لـ ﴿قَوْمًا﴾؛ أي: أنزله إليك لتنذر عذاب الله قومًا ما جاءهم منذر من قبلك ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ بإنذارك إياهم؛ أي: رجاء أن يهتدوا أو كي يهتدوا، والترجي معتبر من جهته ﷺ ؛ أي: لتنذرهم (١) راجيًا لاهتدائهم إلى التوحيد والإخلاص.
وفي "الخازن": المراد بالقوم العرب؛ لأنهم كانوا أمةً لم يأتهم نذير قبل محمد ﷺ ، إذ كانت قريش أهل الفطرة، وأضل الناس وأحوجهم إلى الهداية، لكونهم أمةً أمية، وقال ابن عباس: يعني أهل الفترة، الذين كانوا بين عيسى ومحمد ﷺ . اهـ.
وفي الحديث: "ليس بيني وبينه نبي"؛ أي: ليس بيني وبين عيسى نبي من العرب، أما إسماعيل ﵇، فكان نبيًا قبل عيسى، مبعوثًا إلى قومه خاصةً، وانقطعت نبوته بموته، وأما خالد بن سنان، فكان نبيًا بعد عيسى، ولكنه أضاعه قومه، فلم يعش إلى أن يبلغ دعوته، فعلم من هذا أن أهل الفطرة ألزمتهم الحجة العقلية, لأنهم كانوا عقلاء قادرين على الاستدلال، لكنهم لم تلزمم الحجة الرسالية.
وعلم من قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أن المقصود من البعثة تعريف طريق الحق، وكل يهتدي بقدر استعداده، إلا أن لا يكون له استعداد أصلًا، كالمصرين، فإنهم لن يقبلوا التربية والتعريف، وكذا من كان على جبلتهم إلى يوم القيامة.
ألا ترى أن أبا جهل رأى النبي ﷺ ، ووصل إليه، لكن لما رآه بعين الاحتقار، وأنه يتيم أبي طالب، لا بعين التعظيم، وأنه رسول الله، ووصل إليه
стр. 10056
وصول عناد وإنكار، لا وصول قبول وإقرار .. لم يصر جوهرًا للهداية، وهكذا حال ورثته من المصرين والمنكرين.
ومعنى الآيتين: أن (١) هذا القرآن الذي أنزل على محمد، لا شك أنه من عند الله، وليس بشعر ولا كهانة، ولا مما تخرصه محمد ﷺ بل هو الحق والصدق من عند ربك، أنزله إليك لتنذر قومك بأس الله وسطوته، أن تحل بهم على كفرهم به، وأنه لم يأتهم نذير من قبلك، ليبين لهم سبيل الرشاد، وأن محمدًا لم يختلقه كما يزعمون، وفي هذا رد لقولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾.
٤ - ﴿اللَّهُ﴾؛ أي: المعبود الذي يستحق منكم العبادة أيها الناس، هو الإله ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ وأوجد ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ السبع ﴿وَالْأَرْضَ﴾ على غير مثال سبق؛ أي: أبدع الأجرام العلوية والسفلية ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾؛ أي: ما بين السماوات والأرض من السحاب والرياح وغيرهما؛ أي: خلقهما وما فيهما وما بينهما ﴿فِي﴾ مقدار ﴿سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ من أيام الدنيا، التي أولها الأحد وآخرها الجمعة، قاله (٢) الحسن، وقيل: مقدار اليوم منها ألف سنة من سنين الدنيا، قاله الضحاك، فعلى هذا: المراد بالأيام هنا: هي من أيام الآخرة، لا من أيام الدنيا، أو المعنى: خلقهما (٣) وما فيهما وما بينهما في ستة أطوارٍ في نظر الناظرين إليها, وليس المراد اليوم المعروف؛ لأنه قبل خلق السماوات لم يكن ليل ولا نهار، وإنما خلقها في ستة أيام مع أنه قادر على خلقها في لحظة واحدة، بأن يقول لها: كوني فتكون، ليعلم عباده الرفق والتأني، والتثبت في الأمور وعدم العجلة، وفي آية أخرى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾.
﴿ثُمَّ﴾ بعد خلق السماوات والأرض وما بينهما ﴿اسْتَوَى﴾؛ أي: علا وارتفع سبحانه ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾ استواءٍ يليق بجلاله، لا يكيف ولا يمثل ولا يشبه؛
стр. 10057
أي: نُثبِتُه من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تعطيل، ونؤمن به ونعتقده على الوجه الذي يليق بجنابه، مع تنزيهه عما لا يجوز عليه من صفات النقص والحدوث ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
والإيمان بذلك غير موقوف على معرفة حقيقته، وكيفيته؛ لأنه لا يعرف الله إلا الله ، فالصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - ومن بعدهم من الأئمة، لم يشتبه أحد منهم فيه، وقال القرطبي: ليس ﴿ثُمَّ﴾ للترتيب في قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ بل هي بمعنى الواو. اهـ.
وقال الإِمام مالك ﵀: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وقال الإِمام أحمد ﵀: أخبار الصفات وأحاديثها وآياتها تمر كما جاءت، بلا تشبيه ولا تعطيل، فلا يقال: كيف ولم؟ نؤمن بأن الله سبحانه على العرش كيف شاء هو، وكما شاء بلا حد ولا صفة يبلغها واصف، أو يحدها حاد، نقرأ الآية والخبر، ونؤمن بما فيهما، ونكل الكيفية في الصفات إلى علم الله . وقال القرطبي: لم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقةً، وإنما جهلوا كيفية الاستواء، فإنه لا تعلم حقيقته. اهـ.
وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة صفة عرش الرحمن، وإحاطته بالسماوات والأرض وما بينهما وما عليهما، وهو المراد هنا، وقد قدمنا البحث عن هذا المقام بأبسط مما هنا في سورة الأعراف وطه الفرقان.
﴿مَا لَكُمْ﴾ يا أهل مكة ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ تعالى ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ يلي أموركم وناصر ينصركم بدفع عذابه عنكم ﴿وَلَا﴾ من ﴿شَفِيعٍ﴾ يشفعكم عنده تعالى، فينقذكم من عذابه، إن هو عاقبكم على معصيتكم إياه؛ أي: ليس (١) لكم أيها الناس من يلي أموركم، وينصركم منه إن أراد بكم ضرًا، ولا يشفع لكم عنده إذ هو عاقبكم.
والخلاصة: فإياه فاتخذوه وليًا، وبه وبطاعته فاستعينوا على أموركم، فإنه
стр. 10058
يَمنعكم ممن أراد بكم سوءًا، ولا يقدر أحد على دفع السوء عنكم إذا هو أراد وقوعه بكم؛ لأنه لا يقهره قاهر، ولا يغلبه غالب.
ثم أمرهم بالتذكر والتدبر في الأدلة فقال: ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ و (الهمزة) فيه للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير (١): ألا تسمعون هذه المواعظ فلا تتذكرون بها، فالإنكار متوجه إلى عدم الاستماع وعدم التذكر، أو تسمعونها فلا تتذكرون بها، فالإنكار متوجه إلى عدم التذكر مع تحقق ما يوجبه من السماع.
والفرق بين التذكر والتفكر (٢): أن التفكر عند فقدان المطلوب لاحتجاب القلب بالصفات النفسانية، وأما التذكر: فهو عند رفع الحجاب والرجوع إلى الفطرة الأولى، فيتذكر ما انطبع في الأزل من التوحيد والمعارف.
والمعنى (٣): أي أفلا تعتبرون وتتفكرون أيها العابدون غيره تعالى، المتوكلون على من عداه، تعالى وتقدس عن أن يكون له نظير أو شريك، لا إله إلا هو، ولا رب سواه.
٥ - ولما بين خلق السماوات والأرض، وما بينهما .. بين تدبيره لأمرها فقال: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾؛ أي: أمر الدنيا وشأنها وحالا، والأمور التي تقع فيها؛ أي: ينزّل قضاءه وقدره ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ مدبرًا بوساطة الملائكة الموكلين بأمر الدنيا ﴿إِلَى الْأَرْضِ﴾ مدة دوام الدنيا.
وروى (٤) عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن سابط، يدبر أمر الدنيا أربعة: جبريل وميكائيل وملك الموت وإسرافيل صلوات الله عليهم وسلامه، فأما: جبريل، فموكل بالرياح والجنود، وأما ميكائيل فموكل بالقطر والماء، وأما ملك الموت فموكل بقبض الأرواح، وأما إسرافيل فهو ينزل بالأمر عليهم.
стр. 10059
﴿ثُمَّ يَعْرُجُ﴾ ويصعد الأمر المدبر من السماء، المفعول لأهل الأرض، ويرجع ﴿إِلَيْهِ﴾ تعالى التصرف في المخلوقات بالحشر والحساب ووزن الأعمال والتعذيب والتنعيم وغير ذلك، مما يقع في ذلك اليوم ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ﴾؛ أي: قدره وطوله ﴿أَلْفَ سَنَةٍ﴾؛ أي: قدر ألف سنة ﴿مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ في الدنيا من أيامها، وهو يوم القيامة.
والمعنى: أي (١) ينتقل التصريف الظاهري من أيدي العبيد يوم القيامة، ويكون لله وحده ظاهرًا وباطنًا، قال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾؛ أي: يدبر أمر الدنيا إلى أن تقوم الساعة ثم يصير الأمر كله إليه، ليحكم فيه في يوم كان مقداره ألف سنة مما كنا نعده في هذه الحياة. اهـ. "مراغي".
فإن قلت: قال هنا: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ وفي سورة المعارج: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ فبين الآيتين معارضة من حيث العدد، فما وجه الجمع بينهما؟
قلت: يجمع بينما بأن المراد من ذكر الألف، وذكر الخمسين: التنبيه على طوله، والتخويف منه، لا العدد المذكور بخصوصه.
وقيل: يجمع بينهما: بأن موقف القيامة خمسون موقفًا، كل موقف ألف سنة، فهذه الآية بينت أحد المواقف، وآية ﴿سأل﴾ بينت المواقف كلها، وهذا القول هو الأقرب في الجمع، وقيل: يجمع بيهما: بأن العذاب مختلف، فيعذب الكافر بجنس من العذاب ألف سنة، ثم ينتقل إلى جنس آخر مدته خمسون ألف سنة.
وقيل معنى الآية (٢): أي يدبر أمر الدنيا من السماء على عباده، ويصعد إليه آثار الأمر، وهي أعمالهم الصالحة، الصادرة على موافقة ذلك الأمر، فإن نزول الأمر وعروج العمل في مسافة ألف سنة مما تعدون عليهم؛ أي: على غير الملائكة، فإن بين السماء والأرض مسيرة خمس مئة سنة، فينزل في مسيرة خمس
стр. 10060
مئة سنة، ويعرج في مسيرة خمس مئة سنة، فهو مقدار ألف سنة.
والمراد (١) بالألف على القول الأول الأرجح: الزمن المتطاول، وليس المقصود منه حقيقة العدد، إذ هو عند العرب منتهى المراتب العددية، وأقصى غاياتها, وليس هناك مرتبة فوقه، إلا ما يتفرع منه من أعداد مراتبها. قال القرطبي: المعنى: إن الله تعالى جعله في صعوبته على الكفار كخمسين ألف سنة، قاله ابن عباس، والعرب تصف أيام المكروه بالطول، وأيام السرور بالقصر.
وخلاصة معنى الآية على ما اختاره بعضهم - وهو الظاهر - أي (٢): يدبر الله أمر الدنيا مدة أيام الدنيا، فينزل القضاء والقدر من السماء إلى الأرض، ثم يعود الأمر والتدبير إليه تعالى حين ينقطع أمر الأمراء، وحكم الحكام، وينفرد الله بالأمر في يوم؛ أي: يوم القيامة، كان مقداره ألف سنة؛ لأن يومًا من أيام الآخرة مثل ألف سنة من أيام الدنيا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ﴾ فمعنى خمسين ألف سنة على هذا: أنه يشتد على الكافرين، حتى يكون كخمسين ألف سنة في الطول، ويسهل على المؤمنين، حتى يكون كقدر صلاة مكتوبة صلاها في الدنيا، فقيامة كل واحد على حسب ما يليق بمعاملته، ففي الحشر مواقف ومواطن بحسب الأشخاص من جهة الأعمال والأحوال والمقامات.
وقد اختلف العلماء في تفسسير الآية على وجوه شتى، ضربنا عن ذكرها صفحًا؛ لأنه لا طائل تحتها، هذا ما سنح لي والعلم عند الله العلي.
وقرأ ابن أبي عبلة: ﴿يَعْرُجُ﴾ بالبناء للمفعول، والجمهور: مبنيًا للفاعل، وقرأ الجمهور (٣): ﴿مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ بتاء الخطاب، وقرأ السلمي وابن وثاب والأعمش والحسن: بياء الغيبة بخلاف عن الحسن، وقرأ جناح بن حبيش: ﴿ثُمَّ
стр. 10061
تعرج الملائكة﴾ بزيادة الملائكة، ولعله تفسير منه، لسقوطه في سواد المصحف.
٦ - ﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: ذلك الموصوف بالخلق والاستواء والتدبير ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾؛ أي: عالم ما غاب عن المخلوقات، وعالم ما شوهد لهم، أو عالم الغيب؛ أي: الآخرة، والشهادة؛ أي: الدنيا، والإشارة بقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ إلى لله سبحانه، باعتبار اتصافه بتلك الأوصاف، وهو مبتدأ خبره ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾، وفي هذا معنى التهديد؛ لأنه تعالى إذا علم بما يغيب ويحضر .. فهو مجاز لكل عامل بعمله، أو فهو يدبر الأمر بما تقتضيه حكمته.
﴿الْعَزِيزُ﴾؛ أي: الغالب القاهر، الذي لا يغالب على ما أراده، ﴿الرَّحِيمُ﴾ بعباده؛ أي: ذلك (١) الله العظيم الشأن، المتصف بالخلق والاستواء وانحصار الولاية والنصرة فيه، وتدبير أمر الكائنات، هو عالم ما غاب عن الخلق وما حضر لهم، ويدبر أمرهما حسبما يقتضيه الغالب على أمره، الرحيم بعباده في تدبيره، وفيه إيماء إلى أنه تعالى يراعي المصالح، تفضلًا وإحسانًا، لا إيجابًا، وهذه أخبار لذلك المبتدأ.
٧ - وقوله: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾: خبر آخر لذلك المبتدأ؛ أي: الذي جعل كل خلقه على وجه حسن في الصورة والمعنى، على ما يقتضيه استعداده، وتوجبه الحكمة والمصلحة، فالقبيح كالقردة والخنازير حسن في ذاته، وقبحه بالنظر إلى ما هو أحسن منه، لا في ذاته، طول رجل البهيمة والطائر وطول عنقهما، لئلا يتعذر عليهما ما لا بد لهما منه من قوتهما, ولو تفاوت ذلك لما يكن لهما معاش، وكذلك كل شيء من أعضاء الإنسان، مقدر لما يصلح به معاشه، فجميع المخلوقات حسنة، وإن اختلفت أشكالها وافترقت إلى حسن وأحسن، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ وحسنها من جهة المقصد الذي أريد بها, ولذلك قال ابن عباس: ليست القردة بحسنة، ولكنها متقنة محكمة. اهـ.
стр. 10062
أيضًا (١): ذلك المدبر لهذه الأمور، هو العالم بما يغيب عن أبصاركم، مما تكنه الصدور وتخفيه النفوس، وما لم يكن بعد مما هو كائن، وبما شاهدته الأبصار وعاينته، وهو الشديد في انتقامه ممن كفر به وأشرك معه غيره وكذب رسله، وهو الرحيم بمن تاب من ضلالته، ورجع إلى الإيمان به وبرسوله، وعمل صالحًا، وهو الذي أحسن خلق الأشياء وأحكمها.
وقرأ زيد بن علي (٢): ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ بخفض الأوصاف الثلاثة، وأبو زيد النحوي: بخفض ﴿الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾، وقرأ الجمهور: برفع الثلاثة على أنها أخبار لذلك، أو الأول خبر والتاليان وصفان له، ووجه الخفض: أن يكون ذلك إشارة إلى الأمر، وهو فاعل بـ ﴿يَعْرُجُ﴾؛ أي: ثم يعرج إليه ذلك؛ أي: الأمر المدبر، ويكون ﴿عَالِمُ﴾ وما بعده: بدلًا من الضمير في ﴿إِلَيْهِ﴾، وفي قراءة أبي زيد النحوي: يكون ﴿ذَلِكَ عَالِمُ﴾: مبتدأ وخبرًا، و ﴿الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ بالخفض بدلًا من الضمير في ﴿إِلَيْهِ﴾.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿خَلَقَهُ﴾ بفتح اللام، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: بإسكانها، فعلى القراءة الأولى، هو فعل ماض نعتًا لـ ﴿شَيْءٍ﴾، فهو في محل جر، وأما على القراءة الثانية ففي نصبه أوجه:
الأول: أن يكون بدلًا من ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ بدل اشتمال، والضمير عائد إلى ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾، وهذا هو الوجه المشهور عند النحاة.
الثاني: أنه بدل كل من كل، والضمير: راجع إلى الله سبحانه، ومعنى ﴿أَحْسَنَ﴾: حسن؛ لأنه ما من شيء إلا وهو مخلوق على ما تقتضيه الحكمة، فكل المخلوقات حسنة.
الثالث: أن يكون ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾: هو المفعول الأول، و ﴿خَلَقَهُ﴾: هو المفعول الثاني على تضمين ﴿أَحْسَنَ﴾ معنى أعطى، والمعنى: أعطى كل شيء
стр. 10063
خلقه الذي خصه به، وقيل على تضمينه معنى ألهم، قال الفراء: ألهم خلقه كل شيء مما يحتاجون إليه.
الرابع: أنه منصوب على المصدر المؤكد لمضمون الجملة؛ أي: خلقه خلقًا، كقوله: صنع الله، وهذا قول سيبويه، والضمير يعود إلى الله سبحانه.
والخامس: أنه منصوب بنزع الخافض، والمعنى: أحسن كل شيء في خلقه.
ومعنى الآية: أنه أتقن وأحكم خلق مخلوقاته، فبعض المخلوقات وإن لم تكن حسنة في نفسها، فهي متقنة محكمة، فتكون هذه الآية معناها: معنى أعطى كل شيء خلقه؛ أي: لم يخلق الإنسان على خلق البهيمة، ولم يخلق البهيمة على خلق الإنسان، وقيل: هو عام في اللفظ خاص في المعنى؛ أي: أحسن خلق كل شيء حسن، ذكره الشوكاني.
قال بعضهم (١): لو تصورت مثلًا أن للفيل مثل رأس الجمل، وأن للأرنب مثل رأس الأسد، وأن للإنسان مثل رأس الحمار .. لو جدت في ذلك نقصًا كبيرًا، وعلمت عدم تناسب وانسجام، ولكنك إذا علمت أن طول عنق الجمل، وشق شفته ليسهل تناوله الكلأ عليه أثناء السير، وأن الفيل لولا خرطومه الطويل .. لما استطاع أن يبرك بجمسه الكبير لتناول طعامه وشرابه، لو علمت كل هذا لتيقنت أنه صنع الله الذي أتقن كل شيء، ولقلت: تبارك الله أحسن الخالقين.
ولما ذكر خلق السماوات والأرض .. شرع يذكر خلق الإنسان، فقال: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ﴾؛ أي: بدأ خلق آدم أبي البشر ﵇ من بين جميع المخلوقات ﴿مِنْ طِينٍ﴾؛ أي: من تراب، فصار على صورة بديعة وشكل حسن، والطين: التراب والماء المختلط، وقد يسمى بذلك وإن زال عنه قوة الماء، وقد يكون المعنى: إن الطين ماء وتراب مجتمعان، والآدمي أصله: منى، والمني من
стр. 10064
الغذاء، والأغذية إما: حيوانية، وإما نباتية، والحيوانية ترجع إلى النباتية، والنبات وجوده بالماء والتراب، وهو الطين.
وقرأ الجمهور (١): ﴿بدأ﴾ بالهمز، والزهري: بالألف بدلًا من الهمزة، وليس بقياس أن تقول في هذا: هذا، بإبدال الهمزة ألفًا، بل قياس هذه الهمزة التسهيل بين بين، على أن الأخفش حكى في قرأت، قريت ونظائره، وقيل هي لغة الأنصار، تقول في بدأ: بدي، بكسر عين الكلمة وياء بعدها، وهي لغة لطي، فيحتمل أن تكون قراءة الزهري على هذه اللغة، أصله بدا ثم صار بدأ، أو على لغة الأنصار، وقال ابن رواحة:
بِاسْمِ الإِلهِ وَبِهِ بَدَيْنَا ... وَلَوْ عَبَدْنَا غَيْرَهُ شَقِيْنَا
٨ - ﴿ثُمَّ جَعَلَ﴾ وخلق ﴿نَسْلَهُ﴾؛ أي: نسل الإنسان الذي هو آدم وذريته، ﴿مِنْ سُلَالَةٍ﴾؛ أي: من نطفة مسلولة؛ أي: منزوعة من صلب الإنسان، ثم أبدل منها قوله: ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾؛ أي: ثم خلق نسل آدم وذريته من ماء ضعيف حقير، أو من ماء ممتهن لا خطر له عند الناس، يخرج من بين الصلب والترائب، وهو المني؛ أي: ثم جعل ذريته يتناسلون كذلك، من نطفة تخرج من بين الصلب والترائب، في كل من الرجل والمرأة، كما دل على ذلك علم الأجنة، وسيأتي إيضاح هذا عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾.
٩ - ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾؛ أي: سوى ذلك النسل وقومه وعدله، بتكميل أعضائه في الرحم، وتصويره على أحسن صورة، وقيل: المعنى: ثم سوى ذلك الإنسان الذي بدأ خلقه من طين، وهو آدم أبو البشر، وعدل خلقه وسوى شكله، وناسب بين أعضائه، ﴿وَنَفَخَ فِيهِ﴾؛ أي: في النسل الذي سواه في الرحم، أو في الإنسان الذي بدأ خلقه من طين، وهو آدم، ﴿مِنْ رُوحِهِ﴾؛ أي: من روح الله ، والإضافة للتشريف والتكريم، وهذه (٢) الإضافة تقوي: أن الكلام في آدم، لا في ذريته، وإن أمكن توجيهه بالنسبة إلى الجميع؛ أي: ونفخ فيه
стр. 10065
روحه، وجعلها تتعلق ببدنه، فيبدأ يتحرك وتظهر فيه آثار الحياة، ثم ينطق ويتكلم، وأضاف الروح إلى نفسه تشريفًا وإظهارًا بأنه خلق عجيب، ومخلوق شريف، وأن له شأنًا له مناسبة إلى حضرة الربوبية، ولأجله قيل: من عرف نفسه فقد عرف ربه.
وفي "الكواشي" جعل فيه الشيء الذي اختص به تعالى، ولذلك أضاف إليه، فصار بذلك حيًا حساسًا، بعد أن ان جمادًا، لا أن ثمة حقيقة نفخٍ. اهـ.
قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام (١): الروح: ليس بجسم يحل في البدن حلول الماء في الإناء، ولا هو عرض يحل في القلب أو الدماغ حلول السواد في الأسود، والعلم في العالم، بل هو جوهر لا يتجزأ باتفاق أهل البصائر، فالتسوية عبارة عن فعل في المحل القابل، وهو الطين في حق آدم ﵇، والنطفة في حق أولاده، بالتصفية وتعديل المزاج، حتى ينتهي في الصفاء ومناسبة الأجزاء إلى الغاية، فيستعدّ لقبول الروح وإمساكها، والنفخ: عبارة عما اشتعل به نور الروح في المحلل القابل، فالنفخ سبب الاشتعال، وصورة النفخ في حق الله تعالى والمسبب غير محال، فعبر عن نتيجة النفخ وهو الاشتعال بالنفخ .. إلى آخر ما ذكره الشيخ.
فإن قلت (٢): قال هنا بلفظ: ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ وفي المؤمنين بلفظ ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ فلم غاير بين الأسلوبين؟
قلت: لأن المذكور هنا صفة ذرية آدم، والمذكور هناك صفة آدم ﵇.
ثم خاطب جميع النوع فقال: ﴿وَجَعَلَ﴾؛ أي: خلق ﴿لَكُمُ﴾؛ أي: لمنافعكم يا بني آدم ﴿السَّمْعَ﴾ لتسمعوا الآيات التنزيلية الناطقة بالبعث وبالتوحيد، وإفراد ﴿السَّمْعَ﴾ لكونه مصدرًا يشمل القليل والكثير. ﴿وَالْأَبْصَارَ﴾ لتبصروا الآيات التكوينية المشاهدة فيهما ﴿وَالْأَفْئِدَةَ﴾ لتعقلوا وتستدلوا بها على حقيقة
стр. 10066
الآيتين، جمع فؤاد بمعنى القلب، لكن إنما يقال: فؤاد: إذا اعتبر في القلب معنى التفؤد؛ أي: التوقد.
﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾؛ أي: تشكرون رب هذه النعم شكرًا قليلًا، على أن القلة بمعنى النفي والعدم، فهو بيان لكفرهم بتلك النعم وربها، وفي قوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ﴾ التفات من الغيبة في قوله: ﴿وَنَفَخَ فِيهِ﴾ إلى الخطاب، والنكتة: أن الخطاب إنما يكون مع الحي، فلما نفخ فيه الروح .. حسن خطابه. اهـ. "صاوي".
وخص (١) ﴿السَّمْعَ﴾ بذكر المصدر دون البصر والفؤاد فذكرهما بالاسم، ولهذا جمعا, لأن السمع قوة واحدة، ولها محل واحد، وهو الأذن، ولا اختيار لها فيه، فإن الصوت يصل إليها ولا تقدر على رده، ولا على تخصيص السمع ببعض المسموعات دون بعض، بخلاف الأبصار، فمحلها العين، وله فيه اختيار، فإنها تتحرك إلى جانب المرئي دون غيره، وتطبق أجفانها إذا لم ترد الرؤية لشيء، وكذلك الفؤاد، له نوع اختيار في إدراكه، فيتعقل هذا دون هذا، ويفهم هذا دون هذا.
والمعنى: أي وأنعم عليكم فأعطاكم السمع تسمعون به الأصوات، والأبصار تبصرون بها المرئيات، والأفئدة تميزون بها بين الخير والشر، وبين الحق والباطل، وجاء الترتيب (٢) هكذا بتقديم السمع ثم البصر ثم الفؤاد، لما ثبت من أن الطفل بعد الولادة يسمع ولا يبصر مدى ثلاثة أيام، ثم يبتدىء يبصر، ثم يبتدىء يدرك ويميز، كما هو مشاهد، ثم إن الإنسان قابل هذه النعم بالكفران، إلا من رحم الله تعالى، فقال: ﴿قَلِيلًا﴾؛ أي: شكرًا قليلًا، أو زمانًا قليلًا تشكرون ربكم على هذه النعم، التي أنعم بها عليكم باستعمالها في طاعته، وعمل ما يرضيه، وفي هذا بيان لكفرهم لنعم الله، وتركهم لشكرها، إلا فيما ندر من الأحوال.
стр. 10067
١٠ - ﴿وَقَالُوا﴾؛ أي: وقال (١) كفار مكة، كأبي بن خلف وأضرابه من المنكرين للبعث بعد الموت: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: أنبعث ويجدد خلقنا إذا متنا وغبنا في الأرض بالدفن فيها، وذهبنا عن أعين الناس، وصرنا ترابًا مخلوطًا بتراب الأرض، بحيث لا نتميز منه؟! و ﴿الهمزة﴾ فيه: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، وذلك المحذوف هو العامل في ﴿إذا﴾، و ﴿الهمزة﴾ في قوله: ﴿أَإِنَّا﴾ لتأكيد الإنكار السابق وتذكيره؛ أي: ﴿أَإِنَّا﴾ ﴿لـ﴾ نبعث ونكون ﴿فِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ بعد موتنا وانعدامنا، ونصير أحياء كما كنا قبل موتنا، يعني هذا منكر عجيب، فإنهم كانوا يقرون بالموت ويشاهدونه، وإنما ينكرون البعث، فالاستفهام الإنكاري متوجه إلى البعث دون الموت، وقد تقدم اختلاف القراء في همزة ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا﴾ والتي بعدها.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿ضللنا﴾ بفتح اللام، والمضارع يضل بكسر عين الكلمة، وهي اللغة الشهيرة الفصيحة، وهي لغة نجد، وقرأ يحيي بن يعمر وابن محيصن وأبو رجاء وطلحة وابن وثاب، بكسر اللام، والمضارع بفتحها، وهي لغة أهل العالية، وقرأ أبو حيوة ﴿ضللنا﴾ بالضاد المنقوطة، وضمها وكسر اللام مشددة، ورويت عن علي، وقرأ علي وابن عباس والحسن والأعمش وأبان بن سعيد بن العاص صللنا بالصاد المهملة وفتح اللام، ومعناه: أنتنّا، وعن الحسن: ﴿صللنا﴾ بكسر اللام، يقال: صل يصل بفتح العين في الماضي وكسرها في المضارع، وصل يصل بكسر العين في الماضي وفتحها في المضارع، وأصل يصل بالهمزة على وزن أفعل، وقال الفراء: معناه صرنا بين الصلة، وهي الأرض اليابسة الصلبة، وقال النحاس: لا نعرف في اللغة: صللنا, ولكن يقال أصل اللحم وصل، وأخم وخم: إذا أنتن، وحكاه غيره.
والمعنى (٣): أي وقال المشركون بالله، المكذبون بالبعث: أئذا صارت
стр. 10068
لحومنا وعظامنا ترابًا في الأرض، أنبعث خلقًا جديدًا.
وخلاصة مقالهم: استبعاد الإعادة، بأنها كيف تعقل، وقد تمزقت الجسوم، وتفرقت في أجزاء الأرض وهم قد قاسوا قدرة الخالق، الذي بدأهم أول مرة، وأنشأهم من العدم، بقدرة المخلوق العاجز، شتان ما بينهما ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾.
ثم أضرب (١) وانتقل من بيان كفرهم بالبعث، إلى بيان ما هو أبلغ وأشنع منه، وهو كفرهم بالوصول إلى العاقبة، وما يلقونه فيها من الأهوال، فقال: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾؛ أي: ما بهؤلاء المشركين جحود قدرة الله تعالى على ما يشاء فحسب، بل هم تعدوا ذلك إلى الجحود بلقاء ربهم، حذر عقابه، وخوف مجازاته إياهم على معاصيهم، ولقاء الله: عبارة عن القيامة وعن المصير إليه؛ أي: بل هم جاحدون بلقاء ربهم مكابرةً وعنادًا، فإن اعترافهم بأنه المبتدىء للخلق، يستلزم اعترافهم بأنه قادر على الإعادة، فمن أنكر لقاء الله .. لقيه وهو عليه غضبان، ومن أقره .. لقي الله وهو عليه رحمن.
١١ - ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد، بيانًا للحق، وردًا على زعمهم الباطل ﴿يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾؛ أي: يقبض أرواحكم ملك الموت عزرائيل، بحيث لا يترك منها شيئًا، بل يستوفيها، ويأخذها تمامًا على أشد ما يكون من الوجوه وأفظعها، من ضرب وجوهكم وأدباركم، أو يقبض أرواحكم بحيث لا يترك منكم أحدًا، ولا يبقي شخصًا من العدد الذي كتب عليهم الموت، وأما ملك الموت، فيتوفاه الله تعالى، كما روي: "أنه إذا أمات الله الخلائق، ولم يبق شيء له روح .. يقول الله لملك الموت: من بقي من خلقي وهو أعلم فيقول: يا رب أنت أعلم بمن بقي، لم يبق إلا عبدك الضعيف ملك الموت، فيقول الله: يا ملك الموت قد أذقت أنبيائي ورسلي وأوليائي وعبادي الموت، وقد سبق في علمي القديم، وأنا علام الغيوب، أن كل شيء هالك إلا وجهي، وهذه نوبتك، فيقول: إلهي: ارحم
стр. 10069
عبدك ملك الموت، والطف به، فإنه ضعيف، فيقول : ضع يمينك تحت خدك الأيمن، واضطجع بين الجنة والنار ومت فيموت بأمر الله تعالى".
وفي الآية (١): رد على الكافرين، حيث زعموا أن الموت من الأحوال الطبيعية، العارضة للحيوان بموجب الجبلة.
﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾؛ أي: جعل موكلًا بقبض أرواحكم عند حضور آجالكم ﴿ثُمَّ﴾ بعد موتكم ﴿إِلَى رَبِّكُمْ﴾ لا إلى غيره، ﴿تُرْجَعُونَ﴾؛ أي: تبعثون وتردون إلى لقاء ربكم للحساب والمجازاة فيجازيكم بأعمالكم، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشرّ.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿ترجعون﴾ مبنيًا للمفعول، وزيد بن علي: مبنيًا للفاعل.
ومعنى الآية: أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين: إن ملك الموت الذي وكل بقبض أرواحكم، يستوفي العدد الذي كتب عليه الموت منكم حين انتهاء أجله، ثم تردون إلى ربكم يوم القيامة أحياء كهيئتكم قبل وفاتكم، فيجازي المحسن منكم بإحسانه، والمسيء بإساءته. وفي هذا إثبات للبعث مع تهديدهم وتخويفهم، وإشارة إلى أن القادر على الإماتة، قادر على الإحياء.
فإن قلت (٣): إن الله تعالى أخبر هنا أن ملك الموت هو المتوفي والقابض، وفي آيةٍ أخرى: أن القابض هو الرسل؛ أي: الملائكة، وفي أخرى أنه هو تعالى، فما وجه الجمع بين هذه الآي؟
قلت: يجمع بينها: بأن ملك الموت يقبض الأرواح، والملائكة أعوان له يعالجون ويعملون بأمره، والله تعالى يزهق الروح، فالفاعل لكل فعل حقيقة، والقابض لأرواح جميع الخلائق هو الله تعالى، وأن ملك الموت وأعوانه وسائط.
стр. 10070
قال ابن عطية: إن البهائم كلها يتوفى الله تعالى أرواحها دون ملك الموت، كأنه يعدم حياتها، وكذلك الأمر في بني آدم، إلا أن لهم نوع شرف بتصرف ملك الموت والملائكة معه في قبض أرواحهم. انتهى.
١٢ - والخطاب في قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ للرسول ﷺ ، أو لكل من يصلح له، وقال في "الكواشي": ﴿لو﴾ و ﴿إذ﴾ للماضي ودخلتا على المستقبل هنا؛ لأن المستقبل من فعله تعالى كالماضي، لتحقق وقوعه، و ﴿لو﴾ امتناعية، جوابها: محذوف، والمراد بالمجرمين: هم القائلون: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا﴾ إلخ، أو عام لكل مجرم، والرؤية بصرية.
والمعئى: ولو ترى يا محمد إذ المجرمون القائلون: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ ...﴾ إلخ.
﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: مطرقوا رؤوسهم ومطأطئوها في موقف العرض على الله من الحياء والحزن والغم.
وقرأ زيد بن علي: ﴿نكسوا رؤوسهم﴾ فعلًا ماضيًا ومفعولًا، وقرأ الجمهور: باسم فاعل مضافًا، حالة كونهم يقولون: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾؛ أي: صرنا ممن يبصر ويسمع، وحصل لنا الاستعداد لإدراك الآيات المبصرة والمسموعة، وكنا من قبل عميًّا لا ندرك شيئًا ﴿فَارْجِعْنَا﴾؛ أي: فارددنا إلى الدنيا ﴿نَعْمَلْ﴾ عملًا ﴿صَالِحًا﴾ حسبما تقتضيه تلك الآيات ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ الآن صدق الرسول، ومؤمنون بك وبكتابك، وجواب ﴿لو﴾: محذوف كما مر، تقديره: لرأيت أمرًا عجيبًا، وشأنًا فظيعًا، فهذا (١) الأمر مستقبل في التحقيق، ماض بحسب التأويل، كأنه قيل: قد انقضى الأمر ومضى، لكنك ما رأيته، ولو رأيته لرأيت أمرًا فظيعًا.
١٣ - قوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ مقول لقول محذوف، معطوف على قول مقدر قبل قوله: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ تقديره: ونقول ردًا لقولهم ذلك: ولو شئنا؛ أي: ولو تعلقت
стр. 10071
مشيئتنا وإرادتنا تعلقًا فعليًا، بأن نعطي كل نفس من النفوس البرة والفاجرة ما تهتدي به إلى الإيمان, والعمل الصالح بالتوفيق لها, ﴿لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾؛ أي: لأعطيناها إياه في الدنيا، التي هي دار الكسب، فلم يكفر منهم أحد، وما أخرنا ذلك الإعطاء إلى دار الجزاء.
قال النحاس في معنى هذا قولان: أحدهما أنه في الدنيا، والآخر أنه في الآخرة؛ أي: ولو شئنا لرددناهم إلى الدنيا. اهـ.
﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾؛ أي: ثبت قضائي، وسبق وعيدي، وهو ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي، لأجعلن نار جهنم ملأى ﴿مِنَ الْجِنَّةِ﴾ بالكسر، جماعة الجن، والمراد: الشياطين وكفار الجن ﴿و﴾ من ﴿النَّاسِ﴾ الذين اتبعوا إبليس في الكفر والمعاصي ﴿أَجْمَعِينَ﴾ يستعمل لتأكيد الاجتماع على الأمر، هذا (١) هو القول الذي وجب من الله، وحق على عباده، ونفذ فيه قضاؤه، فكان مقتضى هذا القول: أنه لا يعطي كل نفس هداها، وإنما قضى عليهم بهذا؛ لأنه سبحانه قد علم أنهم من أهل الشقاوة، وأنهم مما يختار الضلالة على الهدى؛ أي: ولولا ذلك .. لأكرمت كل نفس بالمعرفة والتوحيد.
وقال بعضهم (٢): ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾؛ أي: سبقت كلمتي حيث قلت لإبليس عند قوله: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ ...﴾ الآية. ﴿لَأَمْلَأَنَّ ...﴾ إلخ. وفي "التأويلات النجمية": ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ في الأزل هدايتكم وهداية أهل الضلالة ﴿لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ بإصابة رشاش النور على الأرواح ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ قبل وجود آدم وإبليس ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ إلخ؛ أي: ولكن تعلقت المشيئة بإغواء قوم، كما تعلقت بإهداء قوم، وأردنا أن يكون للنار قطان، كما أردنا أن يكون للجنة سكان، إظهارًا لصفات لطفنا، وصفات قهرنا؛ لأن الجنة وأهلها مظهر لصفات لطفى، والنار وأهلها مظهر لصفات قهري، وإني فعال لما أريد. انتهى.
стр. 10072
فإن قلت (١): لم قدم الجن على الإنس في قوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾؟
قلت: قدمها لأن المقام مقام تحقير، ولأن الجهنميين منهم أكثر فيما قيل، ولا يلزم من قوله: ﴿أَجْمَعِينَ﴾ دخول جميع الإنس والجن فيها, لأنها تفيد عموم الأنواع لا الأفراد، فالمعنى: لأملأنها من ذينك النوعين جميعًا، كما ذكره بعض المحققين، ورد: بأنه لو قصد ما ذكر .. كان المناسب التثنية دون الجمع، بأن يقول: كليهما، فالظاهر أنها لعموم الأفراد، والتعريف فيهما للعهد، والمراد عصاتهما، ويؤيده قوله في آية أخرى خطابًا لإبليس: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)﴾، فتأمل.
ومعنى الآيتين: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ...﴾ إلخ؛ أي (٢): ولو ترى أيها الرسول هؤلاء القائلين: أئذا ضللنا في الأرض أننا لفي خلق جديد، ناكسي رؤوسهم عند ربهم، حياءً وخجلًا منه لما سلف منهم، من معاصيهم له في الدنيا، قائلين: ربنا أبصرنا الحشر، وسمعنا قول الرسول، وصدقنا به، فارجعنا إلى الدنيا نعمل صالح الأعمال .. لرأيت أمرًا فظيعًا، وهذا منهم عود على أنفسهم بالملامة إذا دخلوا النار، كما حكى عنهم سبحانه قولهم: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾.
ثم ادعوا اطمئنان قلوبهم حينئذٍ، وقدرتهم على فهم معاني الآيات، والعمل بموجبها، كما حكى الله عنهم بقوله: ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾؛ أي: إنا قد أيقنا الآن ما كنا به في الدنيا جهالًا من وحدانيتك، وأنه لا يصلح للعبادة سواك، وأنك تحيي وتميت، وتبعث من في القبور بعد الممات والفناء، وتفعل ما تشاء، ونحو الآية قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا ...﴾ الآية.
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾؛ أي: ولو أردنا أن نلهم كل نفس ما
стр. 10073
تهتدي به إلى الإيمان, والعمل الصالح .. لفعلنا, ولكن تدبيرنا للخلق على نظمٍ كاملةٍ كفيلة بمصالحه، قضى أن نضع كل نفس في المرتبة التي هي أهل لها، بحسب استعدادها، كما توضع في الإنسان العين في موضع لا يصلح له الظفر، والإصبع والمعدة في موضع لا يصلح له القلب، وهذا هو المراد من قوله: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ إلخ؛ أي: ولكن سبق وعيدي بملء جهنم من الجنة والناس، الذين هم أهل لها بحسب استعدادهم، ولا يصلحون لدخول الجنة، كما لا يعيش البعوض والذباب إلا في الأماكن القذرة، ليخلص الجو من العفونات، ولو جعلا في القصور النظيفة النقية .. ما عاشا فيها، إذ لا يجدن فيها غذاءً ولا منفعةً لهما.
وهكذا هؤلاء، إذا رأوا العالم المضيء المشرق، والأنوار المتلألئة، والحياة الطيبة في الجنة .. لم يستطيعوا دخولها، وعجزوا عن ذلك، فما مثلهم إلا كمثل السمك، الذي لا يعيش في البر، ومثل ذوات الأربع التي لا تعيش في البحر.
١٤ - فلما بين لهم أنه لا رجوع لهم إلى الدنيا .. أنبهم على ما عملوا من تدسية نفوسهم بفعل المعاصي وترك الطاعة له، فقال: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾، و ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم أنه لا رجوع لكم إلى الدنيا، وأردتم بيان مآلكم .. فأقول لكم، ذوقوا. و ﴿الباء﴾: في قوله: ﴿بِمَا نَسِيتُمْ﴾: للسببية، أتى بها (١) إشارةً إلى أنه وإن سبق القول في حق التعذيب، لكنه كان بسبب موجبٍ من جانبهم أيضًا، فإن الله قد علم منهم سوء الاختيار، وذلك السبب هو نسيانهم لقاء هذا اليوم الهائل، وتركهم التفكر فيه، والاستعداد له بالكلية، بالاشتغال باللذات الدنيوية وشهواتها، فإن التوغل فيها يذهل الجن والإنس عن تذكر الآخرة وما فيها، من لقاء الله تعالى، ولقاء جزائه ويسلط عليهم نسيانها، وإضافة اللقاء إلى اليوم، كإضافة
стр. 10074
المكر في قوله: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ﴾؛ أي: لقاء الله في يومكم هذا.
وقد يعبر بالذوق عما يطرأ على النفس، وإن لم يكن مطعومًا، لإحساسها به كإحساسها بذوق المطعوم؛ أي: فإذا دخلوا النار .. قالت لهم الخزنة: ذوقوها وجربوها بسبب نسيانكم وترككم الاستعداد للقاء ربكم في يومكم هذا، بترك الإيمان والطاعات.
وفي "التأويلات النجمية": يشير إلى أنكم كنتم في الغفلة، والنائم لا يذوق ألم ما عليه من العذاب ما دام نائمًا، ولكنه إذا انتبه من نومه .. يذوق ألم ما به من العذاب، فالناس نيام، ليس لهم ذوق ما عليهم من العذاب، فإذا ماتوا انتبهوا، فقيل لهم: ذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا.
﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾؛ أي: تركناكم في العذاب ترك المنسي بالكلية، استهانةً بكم، ومجازاةً لما تركتم، وفي "التأويلات النجمية": ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ من الرحمة، كما نسيتمونا من الخدمة.
أي (١): فذوقوا العذاب بسبب تكذيبكم بهذا اليوم، واستبعادكم وقوعه، وعملكم عمل من لا يظن أنه راجع إلى ربه فملاقيه، ثم ذكر لهم جزاءهم على فعل المعاصي، فقال: ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾؛ أي: إنا سنعاملكم معاملة الناسي؛ لأنه تعالى لا ينسى شيئًا، ولا يضل عنه شيء، وهذا أسلوب في الكلام، يسمى أسلوب المشاكلة، ونحوه قوله: ﴿الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ وقوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾.
﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾؛ أي: ذوقوا وباشروا العذاب المخلد في جهنم، الدائم الذي لا ينقطع أبدًا، فهو من إضافة الموصوف إلى صفته، مثل عذاب الحريق، ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: بسبب الذي كنتم تعملونه في الدنيا من الكفر والمعاصي، وهو تكرير (٢) للأمر للتأكيد وإظهار الغضب عليهم، وتعيين المفعول المطوي للذوق، والإشعار بأن سببه ليس مجرد ما ذكر من النسيان، بل له أسباب
стр. 10075
أخر، من فنون الكفر والمعاصي، التي كانوا مستمرين عليها في الدنيا.
أي: وذوقوا عذابًا تخلدون فيه إلى غير نهاية، بسبب كفركم وتكذيبكم بآيات ربكم، واجتراحكم للشرور والآثام، قال الشوكاني: واختلف (١) في النسيان المذكور، فقيل: هو النسيان الحقيقي، وهو الذي يزول عنده الذكر، وقيل: هو الترك، والمعنى على الأول: أنهم لم يعملوا لذلك اليوم، فكانوا كالناسين له، الذين لا يذكرونه، وعلى الثاني: لا بد من تقدير مضاف قبل لقاء؛ أي: ذوقوا بسبب ترككم لما أمرتكم به عذاب لقاء يومكم هذا، ورجح الثاني المبرد، وكذا قال الضحاك ويحيى بن سلام: إن النسيان هنا بمعنى الترك، قال يحيى بن سلام: والمعنى: بما تركتم الإيمان بالبعث في هذا اليوم، تركناكم من الخير، وقال مجاهد: تركناكم في العذاب. انتهى.
وقال الرازي في "تفسيره": إن (٢) اسم الإشارة في قوله: ﴿بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ يحتمل ثلاثة أوجه: أن يكون إشارة إلى اللقاء، وأن يكون إشارة إلى اليوم، وأن يكون إشارة إلى العذاب. انتهى.
١٥ - وجملة قوله: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ (٣): مستأنفة لبيان من يستحق الهداية إلى الإيمان, ومن لا يستحقها، تسلية للنبي ﷺ ؛ أي: إنكم أيها المجرمون لا تؤمنون بآياتنا, ولا تعملون بموجبها عملًا صالحًا، ولو رجعناكم إلى الدنيا كما تدعون حسبما ينطق به قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾، و ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا﴾ ووعظوا ﴿بِهَا﴾؛ أي: بآياتنا ﴿خَرُّوا﴾ وسقطوا على وجوههم حال كونهم ﴿سُجَّدًا﴾ لله ؛ أي: ساجدين خوفًا من عذاب الله ﴿وَسَبَّحُوا﴾؛ أي: نزهوه تعالى عن كل ما لا يليق به من الشرك والشبه والعجز عن البعث وغير ذلك، حال كونهم ملتبسين ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ على نعمائه، كتوفيق الإيمان والعمل الصالح وغيرهما.
стр. 10076
والمعنى: قالوا في سجودهم: سبحان الله وبحمده، أو: سبحان ربي الأعلى وبحمده، وقال سفيان: صلوا حمدًا لربهم، وجملة قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾: إما حال من فاعل: ﴿خَرُّوا﴾؛ أي: خروا حال كونهم غير متكبرين عن السجود لله تعالى، كما استكبر أهل مكة، أو عطف (١) على صلة ﴿الَّذِينَ﴾؛ أي: لا يتعظمون عن الإيمان والطاعة، كما يفعل من يصر مستكبرًا كأن لم يسمعها.
وفي "التأويلات النجمية": ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن سجودك، كما استكبر إبليس أن يسجد لك إلى قبلة آدم، ولو سجد لآدم بأمرك .. لكان سجوده في الحقيقة لك، وكان آدم قبلة للسجود، كما أن الكعبة قبلة لنا في سجودنا لك. انتهى.
قال بعضهم: وليس الإنسان بمعصوم عن إبليس في صلاته، إلا في سجوده, لأنه حينئذٍ يتذكر الشيطان معصيته فيحزن، ويشتغل بنفسه، ويعتزل عن المصلي، فالعبد في سجوده معصوم من الشيطان، غير معصوم من النفس، فخواطر السجود، إما ربانية، أو ملكية، أو نفسية، وليس للشيطان عليه من سبيل، فإذا قام من سجوده .. غابت تلك الصفة عن إبليس، فزال حزنه واشتغل بك.
فصل: هذا محل سجود بالاتفاق
وهذه الآية من عزائم سجود القرآن، فيسن السجود عند تلاوتها للقارىء والمستمع، عن ابن عمر ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ السورة التي فيها السجدة فيسجد، ويسجدون حتى ما يجد أحدنا مكانًا لوضع جبهته في غير وقت الصلاة. متفق عليه.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قرأ ابن آدم
стр. 10077
السجدة فسجد .. اعتزل الشيطان يبكي ويقول: يا ويلتا، أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار" أخرجه مسلم.
وينبغي (١) أن يدعو الساجد في سجدته بما يليق بآيتها، ففي هذه الآية يقول: اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك، المسبحين بحمدك، وأعوذ بك من أن أكون من المستكبرين عن أمرك. وكره مالك رحمه الله تعالى قراءة السجدة في قراءة صلاة الفجر جهرًا وسرًا، فإن قرأ هل يسجد؟ فيه قولان، كذا في "فتح الرحمن".
قال في "خلاصة الفتاوى": رجل قرأ آية السجدة في الصلاة، إن كانت السجدة في آخر السورة، أو قريبًا من آخرها، بعدها آية أو آيتان إلى آخر السورة، فهو بالخيار، إن شاء ركع بها ينوي التلاوة، وإن شاء سجد ثم يعود إلى القيام فيختم السورة، وإن وصل بها سورة أخرى كان أفضل، وإن لم يسجد للتلاوة على الفور حتى ختم السورة، ثم ركع سجد لصلاته. سقط عنه سجدة التلاوة. انتهى.
١٦ - وجملة قوله: ﴿تَتَجَافَى﴾؛ أي: ترتفع وتتنحى ﴿جُنُوبُهُمْ﴾؛ أي: أضلاعهم ﴿عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾؛ أي: عن الفرش ومواضع النوم، إما مستأنفة مسوقة لبيان بقية محاسن المؤمنين، أو حال من فاعل ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾؛ أي: وهم لا يستكبرون عن السجود حالة كون جنوبهم متجافية مبتاعدة عن مضاجعهم للصلاة، وهم (٢) المتهجدون في الليل، الذين يقومون للصلاة عن الفراش، وبه قال الحسن ومجاهد وعطاء والجمهور، والمراد بالصلاة: صلاة التنفل بالليل من غير تقييد، وقال قتادة وعكرمة: هو التنفل ما بين المغرب والعشاء، وقيل: صلاة العشاء فقط، وهو رواية عن الحسن وعطاء، وقال الضحاك: صلاة العشاء والصبح جماعةً، وقيل: هم الذين يقومون لذكر الله، سواء كان في صلاة أو غيرها.
وفي إسناد التجافي إلى الجنوب دون أن يقال: يجافون جنوبهم إشارة إلى
стр. 10078
أن حال أهل اليقظة والكشف، ليس كحال أهل الغفلة والحجاب، فإنهم لكمال حرصهم على المناجاة، ترتفع جنوبهم عن المضاجع حين ناموا بغير اختيارهم، كأن الأرض ألقتهم من نفسها، وأما أهل الغفلة فيتلاصقون بالأرض لا يحركهم محرك.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس (١): أنه قال في الآية: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾: كلما استيقظوا .. ذكروا الله ، إما في الصلاة، وإما في قيام أو قعود أو على جنوبهم، لا يزالون يذكرون الله تعالى.
وجملة قوله: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ حال من ضمير ﴿جُنُوبُهُمْ﴾؛ أي: تتجافى جنوبهم عن المضاجع، حال كونهم يدعون ربهم على الاستمرار ﴿خَوْفًا﴾ من سخطه وعذابه وعدم قبول عبادته منهم ﴿وَطَمَعًا﴾ في رحمته وثوابه، وانتصاب ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ على العلة، أو على المصدرية بعامل محذوف.
وقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾؛ أي: ومما أعطيناهم من المال ﴿يُنْفِقُونَ﴾؛ أي: يصرفون في وجوه الخير والحسنات، معطوف على ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾. قال بعضهم (٢): وهذا الإنفاق عام في الواجب والتطوع، وذلك على ثلاثة أضرب: زكاة من نصاب، ومواساة من فضل، وإيثار من قوت.
ومعنى الآيتين (٣): أي ما يصدق بحججنا وآيات كتابنا، إلا الذين إذا وعظوا بها .. خروا لله سجدًا تذللًا واستكانة لعظمته، وإقرارًا بعبوديته، ونزهوه في سجودهم عما لا يليق به، مما يصفه به أهل الكفر، من الصاحبة والولد والشريك، يفعلون ذلك وهم لا يستكبرون عن طاعته، كما يفعل أهل الفسق والفجور حين يسمعونها، فإنهم يولون مستكبرين، كأن لم يسمعونها.
ثم ذكر بقية محاسنهم بقوله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ إلخ؛ أي: يتنحون عن
стр. 10079
مضاجعهم التي يضطجعون فيها لمنامهم، فلا ينامون، داعين ربهم خوفًا من سخطه وعذابه، وطمعًا في عفوه عنهم وتفضله عليهم برحمته ومغفرته، ومما رزقناهم من المال، ينفقون في وجوه البر، ويؤدون حقوقه التي أوجبها عليهم فيه.
١٧ - ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ﴾ من النفوس، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، فضلًا عمن عداهم, لأن النكرة في سياق النفي تفيد العموم؛ أي: لا تعلم نفس من النفوس؛ أي: نفس كانت ﴿مَا أُخْفِيَ لَهُمْ﴾؛ أي: ما أخفاه الله سبحانه لأولئك الذين عددت نعوتهم الجليلة من التجافي والدعاء والإنفاق.
والمراد: لا تعلم نفس ما أخفي لهم علمًا تفصيليًا، وإلا فنحن نعلم ما أعد للمؤمنين من النعيم إجمالًا، من حيث إنه غرفٌ في الجنة وقصور وأشجار وأنهار وملابس ومآكل وغير ذلك، ذكره أبو السعود.
ومحل الجملة: نصب بـ ﴿لَا تَعْلَمُ﴾ سدت مسد المفعولين ﴿مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾؛ أي: مما تقر به أعينهم، إذا رأوه، وتسكن به أنفسهم، وتطمئن إليه قلوبهم من النعيم واللذات، التي لم يطلع على مثلها أحد مما يحصل به الفرح.
جوزوا ذلك ﴿جَزَاءً﴾ وفاقًا ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: بسبب ما كانوا يعملون في الدنيا، من إخلاص النية وصدق الطوية في الأعمال الصالحة، أخفوا أعمالهم فأخفى الله ثوابهم.
روى الشيخان وغيرهما، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" قال أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير والطبراني والحاكم وصححه، عن ابن مسعود قال: إنه لمكتوب في التوراة: لقد أعد الله تعالى للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر،
стр. 10080
ولا يعلم ملك مقرب، ولا نبي مرسل، وانه لفي القرآن: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ وهذه عدة عظيمة، لا تبلغ الأفهام كنهها، بل ولا تفاصيلها، وفي الباب أحاديث عن جماعة من الصحابة، وهي معروفة، فلا نطيل الكلام بذكرها.
وقرأ الجمهور (١): ﴿مَا أُخْفِيَ لَهُمْ﴾، فعلًا ماضيًا مبنيًا للمفعول، وحمزة والأعمش ويعقوب: بسكون الياء، فعلًا مضارعًا للمتكلم، وابن مسعود: ﴿ما نخفى﴾ بنون العظمة، والأعمش أيضًا: ﴿أخفيت﴾ وقرأ محمد بن كعب: ﴿ما أخفي﴾، فعلًا ماضيًا مبنيًا للفاعل، وقرأ الجمهور: ﴿من قرة﴾ على الإفراد، وقرأ عبد الله وأبو الدرداء وأبو هريرة وعوف العقيلي: ﴿من قرات﴾ على الجمع بالألف والتاء، وهي رواية عن أبي جعفر والأعمش.
الإعراب
﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣)﴾.
﴿الم (١)﴾: خبر لمبتدأ محذوف، إن قلنا إنه علم على السورة، تقديره: هذه السورة: ﴿الم (١)﴾؛ أي: مسماة به، والجملة مستأنفة، ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾: مبتدأ، ﴿لَا﴾: نافية للجنس، ﴿رَيْبَ﴾: في محل النصب اسمها، ﴿فِيهِ﴾: خبرها، وجملة ﴿لَا﴾: في محل النصب حال من ﴿الْكِتَابِ﴾، ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، خبر ﴿تَنْزِيلُ﴾، والجملة: مستأنفة، وهاهنا أعاريب آخر، ضربنا عنها صفحًا، لئلا يطول الكلام، وقد تقدم في أول البقرة ما يشبه هذا. ﴿أَمْ﴾: منقطعة بمعنى بل الإضرابية، وهمزة الاستفهام الإنكاري، ﴿يَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة، ﴿افْتَرَاهُ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على محمد ومفعول به، والجملة: في محل النصب مقول لـ ﴿يَقُولُونَ﴾. ﴿بَلْ﴾: حرف إضراب إبطال لإبطال قولهم، ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾: مبتدأ
стр. 10081
وخبر، والجملة: مستأنفة استئنافًا بيانيًا، ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾: جار ومجرور حال من ﴿الْحَقُّ﴾، ﴿لِتُنْذِرَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل، ﴿تنذر﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على محمد، منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، ﴿قَوْمًا﴾: مفعول به، والجملة الفعلية، مع أن المضمرة: في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿اللام﴾، تقديره: لإنذارك قومًا، والمفعول الثاني: للإنذار، محذوف، والجار والمجرور: متعلق بمحذوف، تقديره: أنزلناه إليك لتنذر قومًا العقاب، والجملة المحذوفة: مستأنفة. ﴿مَا أَتَاهُمْ﴾: ﴿مَا﴾: نافية. ﴿أَتَاهُمْ﴾: فعل ومفعول به، ﴿مِنْ﴾: زائدة، ﴿نَذِيرٍ﴾: فاعل، والجملة: صفة ﴿قَوْمًا﴾، ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾: صفة لـ ﴿نَذِيرٍ﴾، ويجوز أن يتعلق بـ ﴿أَتَاهُمْ﴾، ﴿لَعَلَّهُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿يَهْتَدُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿لعل﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾.
﴿اللَّهُ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر، والجملة: مستأنفة، ﴿خَلَقَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الموصول، والجملة: صلة الموصول، ﴿السَّمَاوَاتِ﴾: مفعول به، ﴿وَالْأَرْضَ﴾: معطوف عليه، ﴿وَمَا﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، ﴿بَيْنَهُمَا﴾: ظرف ومضاف إليه، صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾: متعلق بـ ﴿خَلَقَ﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ، ولكنها هنا بمعنى الواو، ﴿اسْتَوَى﴾: فعل ماض وفاعل مستتر معطوف على ﴿خَلَقَ﴾، ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾: متعلق بـ ﴿اسْتَوَى﴾، ﴿مَا﴾: نافية، ﴿لَكُمْ﴾: خبر مقدم، ﴿مِنْ دُونِهِ﴾: حال من ﴿وَلِيٍّ﴾ لأنه صفة نكرة قدمت عليها، ﴿مِنْ﴾: زائدة، ﴿وَلِيٍّ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿وَلَا شَفِيعٍ﴾: معطوف على ﴿وَلِيٍّ﴾، والجملة الاسمية: في محل النصب حال من فاعل ﴿خَلَقَ﴾ أو ﴿اسْتَوَى﴾، ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أفلا تسمعون هذه المواعظ فلا تتذكرون، والجملة المحذوفة: مستأنفة، ﴿لا﴾: نافية، ﴿تتذكرون﴾: فعل وفاعل معطوف على ذلك المحذوف.
стр. 10082
﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥)﴾.
﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعول به، والجملة الفعلية: في محل النصب حال من فاعل ﴿اسْتَوَى﴾، ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُدَبِّرُ﴾، و ﴿مِنَ﴾ للابتداء، ﴿إِلَى الْأَرْضِ﴾: متعلق به أيضًا .. و ﴿إِلَى﴾ للانتهاء، ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على ﴿الْأَمْرَ﴾، ﴿إِلَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿يَعْرُجُ﴾، والجملة الفعلية: حال من الأمر، أي: حال كون ذلك الأمر المدبر يرجع إليه، ﴿فِي يَوْمٍ﴾: متعلق بـ ﴿يَعْرُجُ﴾ أيضًا، ﴿كَانَ مِقْدَارُهُ﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿أَلْفَ سَنَةٍ﴾: خبره، وجملة ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿سَنَةٍ﴾، وجملة ﴿تَعُدُّونَ﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد: محذوف، تقديره: مما تعدونه.
﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧)﴾.
﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة: مستأنفة، ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾: معطوف على ﴿الْغَيْبِ﴾. ﴿الْعَزِيزُ﴾: خبر ثان لاسم الإشارة، ﴿الرَّحِيمُ﴾: خبر ثالث له، ﴿الَّذِي﴾: خبر رابع له، ويجوز أن يكون نعتًا لـ ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾، أو رفعه أو نصبه على القطع، ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الموصول، ومفعول به، والجملة: صلة الموصول، ﴿خَلَقَهُ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعول به، والجملة الفعلية: في محل الجر صفة لـ ﴿شَيْءٍ﴾ أو في محل النصب صفة لـ ﴿كُلَّ﴾، وقرىء: خلقه بسكون اللام، فيكون بدل اشتمال من ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾، والضمير عائد على ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ ﴿وَبَدَأَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله، معطوف على ﴿أَحْسَنَ﴾. ﴿خَلْقَ الْإِنْسَانِ﴾: مفعول به، ﴿مِنْ طِينٍ﴾: متعلق بـ ﴿خَلْقَ﴾.
﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨)﴾.
﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ، ﴿جَعَلَ نَسْلَهُ﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على
стр. 10083
الله، ومفعول به معطوف على ﴿بَدَأَ﴾، ﴿مِنْ سُلَالَةٍ﴾: متعلق بـ ﴿جَعَلَ﴾ إن كان بمعنى الخلق، أو في محل نصب على أنه مفعول ثان له، ﴿مِنْ مَاءٍ﴾: صفة لـ ﴿سُلَالَةٍ﴾، ﴿مَهِينٍ﴾ صفة لـ ﴿مَاءٍ﴾.
﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٩)﴾.
﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ، ﴿سَوَّاهُ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعول به معطوف على ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ﴾ إن كان الضمير لـ ﴿الْإِنْسَانِ﴾، أو معطوف على ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ إن كان الضمير للنسل، ﴿وَنَفَخَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله معطوف على ﴿سَوَّاهُ﴾، ﴿فِيهِ﴾: متعلق بـ ﴿نفخ﴾، ﴿مِنْ رُوحِهِ﴾: متعلق بـ ﴿نفخ﴾ أيضًا، أو مفعوله إن قلنا ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿وَجَعَلَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله معطوف على ﴿نفخ﴾، ﴿لَكُمُ﴾: متعلق بـ ﴿جعل﴾. ﴿السَّمْعَ﴾: مفعول به لـ ﴿جعل﴾، ﴿وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾: معطوفان على ﴿السَّمْعَ﴾، ﴿قَلِيلًا﴾: صفة لمصدر محذوف، أو لظرف محذوف منصوب على المفعولية المطلقة، أو على الظرفية، والعامل فيه: ﴿تَشْكُرُونَ﴾، ﴿مَا﴾: زائدة، زيدت لتأكيد القلة، ﴿تَشْكُرُونَ﴾: فعل وفاعل؛ أي: تشكرون شكرًا قليلًا، أو زمانًا قليلًا، والجملة الفعلية: مستأنفة.
﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (١٠) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)﴾.
﴿وَقَالُوا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿قالوا﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة، مسوقة لبيان ضروب من أباطيلهم، ﴿أَإِذَا﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري، مقدمة على محلها, لأنها داخلة على جواب، ﴿إذا﴾ المقدر، تقديره: إذا ضللنا في الأرض أنبعث، ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، مضمن معنى الشرط، ﴿ضَلَلْنَا﴾: فعل وفاعل، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية: في محل الجر مضاف إليه، على كونها فعل شرط لها، والظرف: متعلق بالجواب
стр. 10084
المحذوف، وجملة ﴿إذا﴾: في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾، ﴿أَإِنَّا﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري أيضًا، ﴿إنا﴾: ناصب واسمه، ﴿لَفِي﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿في خلق﴾: خبر ﴿إن﴾، ﴿جَدِيدٍ﴾: صفة ﴿خَلْقٍ﴾، وجملة ﴿إن﴾: في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾ أيضًا. ﴿بَلْ﴾: حرف إضراب للإضراب الانتقالي من بيان كفرهم بالبعث، إلى ما هو أدل على قبح صنيعهم، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿كَافِرُونَ﴾. و ﴿كَافِرُونَ﴾: خبرهم، والجملة: مستأنفة، ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة: مستأنفة، ﴿يَتَوَفَّاكُمْ﴾: فعل مضارع ومفعول به، ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ﴾: فاعل، والجملة الفعلية: في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾، ﴿الَّذِي﴾: في محل الرفع صفة لـ ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ﴾، ﴿وُكِّلَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة ونائب فاعله: ضمير يعود على الموصول، ﴿بِكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿وُكِّلَ﴾، والجملة: صلة الموصول، ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ، ﴿إِلَى رَبِّكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿تُرْجَعُونَ﴾، و ﴿تُرْجَعُونَ﴾: فعل مغير ونائب فاعل معطوف على ﴿يَتَوَفَّاكُمْ﴾ على كونه مقولًا لـ ﴿قُلْ﴾.
﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢)﴾.
﴿وَلَوْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿لو﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿تَرَى﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على محمد، أو على أي مخاطب، ﴿إِذِ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، مجرد عن معنى الشرط، ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾: مبتدأ، ﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾: خبر ومضاف إليه، ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: حال من الضمير المستكن في ﴿نَاكِسُو﴾، والجملة الاسمية في محل الجر مضاف إليه، والظرف: متعلق بـ ﴿تَرَى﴾ لتحقق وقوعه، ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾، وجعله أبو البقاء مما وقعت فيه، ﴿إِذِ﴾: موقع إذا، و ﴿تَرَى﴾ بصرية، مفعولها محذوف، أغنى عنه المبتدأ، وجواب ﴿لو﴾: محذوف، والتقدير: ولو ترى المجرمين وقت نكوسهم رؤوسهم عند ربهم .. لرأيت أمرًا فظيعًا، وجملة ﴿لو﴾ الشرطية: مستأنفة. ﴿رَبَّنَا﴾: منادى مضاف، ﴿أَبْصَرْنَا﴾: فعل وفاعل والمفعول محذوف؛ أي: صدق وعدك
стр. 10085
ووعيدك، ﴿وَسَمِعْنَا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿أَبْصَرْنَا﴾، ومفعوله محذوف؛ أي: تصديق رسلك، وجملة ﴿أَبْصَرْنَا﴾: جواب النداء، وجملة النداء مع جوابه: مقول لقول محذوف، منصوب على الحال من الضمير المستكن في ﴿نَاكِسُو﴾، تقديره: ناكسوا رؤوسهم، حالة كونهم قائلين: ربنا أبصرنا وسمعنا، فارجعنا نعمل صالحًا، ﴿فَارْجِعْنَا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة تفريعية، ﴿ارجعنا﴾: فعل دعاء سلوكًا مسلك الأدب مع الباري، مبني على السكون، وفاعله: ضمير يعود على الله، و ﴿نا﴾: ضمير المتكلمين في محل النصب مفعول به، والجملة: معطوفة على جملة ﴿أَبْصَرْنَا﴾ وإن كانت إنشائية لجوازه، ﴿نَعْمَلْ﴾: فعل مضارع مجزوم بالطلب السابق، وفاعله: ضمير يعود على المتكلمين، ﴿صَالِحًا﴾: مفعول به، ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، ﴿مُوقِنُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)﴾.
﴿وَلَوْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة لقول محذوف على قول محذوف عند قوله: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾؛ أي: يقولون ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا، ونقول لهم: لو شئنا لآتينا كل نفس هداها في الدنيا إلخ، أو استئنافية، ﴿لو﴾: حرف شرط، ﴿شِئْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة؛ فعل شرط ﴿لو﴾، ﴿لَآتَيْنَا﴾: ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لو﴾، ﴿آتينا﴾: بمعنى أعطينا، فعل وفاعل، والجملة: جواب ﴿لو﴾ الشرطية، وجملة ﴿لو﴾ الشرطية: في محل النصب مقول للقول المحذوف، أو مستأنفة، ﴿كُلَّ نَفْسٍ﴾: مفعول أول لـ ﴿أتينا﴾، ﴿هُدَاهَا﴾: مفعول ثانٍ له. ﴿وَلَكِنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لكن﴾: حرف استدراك، ﴿حَقَّ الْقَوْلُ﴾: فعل وفاعل، ﴿مِنِّي﴾: متعلق بـ ﴿حَقَّ﴾، أو حال من ﴿الْقَوْلُ﴾: وجملة الاستدراك: معطوفة على جملة ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾، ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿أملأن﴾: فعل مضارع في محل الرفع، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، ونون التوكيد الثقيلة: حرف لا محل لها من الإعراب، وفاعله: ضمير يعود على الله، ﴿جَهَنَّمَ﴾: مفعول به، ﴿مِنَ الْجِنَّةِ﴾: متعلق بـ ﴿أملأن﴾،