وخبر، والجملة: مستأنفة استئنافًا بيانيًا، ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾: جار ومجرور حال من ﴿الْحَقُّ﴾، ﴿لِتُنْذِرَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل، ﴿تنذر﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على محمد، منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، ﴿قَوْمًا﴾: مفعول به، والجملة الفعلية، مع أن المضمرة: في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿اللام﴾، تقديره: لإنذارك قومًا، والمفعول الثاني: للإنذار، محذوف، والجار والمجرور: متعلق بمحذوف، تقديره: أنزلناه إليك لتنذر قومًا العقاب، والجملة المحذوفة: مستأنفة. ﴿مَا أَتَاهُمْ﴾: ﴿مَا﴾: نافية. ﴿أَتَاهُمْ﴾: فعل ومفعول به، ﴿مِنْ﴾: زائدة، ﴿نَذِيرٍ﴾: فاعل، والجملة: صفة ﴿قَوْمًا﴾، ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾: صفة لـ ﴿نَذِيرٍ﴾، ويجوز أن يتعلق بـ ﴿أَتَاهُمْ﴾، ﴿لَعَلَّهُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿يَهْتَدُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿لعل﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾.
﴿اللَّهُ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر، والجملة: مستأنفة، ﴿خَلَقَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الموصول، والجملة: صلة الموصول، ﴿السَّمَاوَاتِ﴾: مفعول به، ﴿وَالْأَرْضَ﴾: معطوف عليه، ﴿وَمَا﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، ﴿بَيْنَهُمَا﴾: ظرف ومضاف إليه، صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾: متعلق بـ ﴿خَلَقَ﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ، ولكنها هنا بمعنى الواو، ﴿اسْتَوَى﴾: فعل ماض وفاعل مستتر معطوف على ﴿خَلَقَ﴾، ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾: متعلق بـ ﴿اسْتَوَى﴾، ﴿مَا﴾: نافية، ﴿لَكُمْ﴾: خبر مقدم، ﴿مِنْ دُونِهِ﴾: حال من ﴿وَلِيٍّ﴾ لأنه صفة نكرة قدمت عليها، ﴿مِنْ﴾: زائدة، ﴿وَلِيٍّ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿وَلَا شَفِيعٍ﴾: معطوف على ﴿وَلِيٍّ﴾، والجملة الاسمية: في محل النصب حال من فاعل ﴿خَلَقَ﴾ أو ﴿اسْتَوَى﴾، ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أفلا تسمعون هذه المواعظ فلا تتذكرون، والجملة المحذوفة: مستأنفة، ﴿لا﴾: نافية، ﴿تتذكرون﴾: فعل وفاعل معطوف على ذلك المحذوف.
стр. 10082
﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥)﴾.
﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعول به، والجملة الفعلية: في محل النصب حال من فاعل ﴿اسْتَوَى﴾، ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُدَبِّرُ﴾، و ﴿مِنَ﴾ للابتداء، ﴿إِلَى الْأَرْضِ﴾: متعلق به أيضًا .. و ﴿إِلَى﴾ للانتهاء، ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على ﴿الْأَمْرَ﴾، ﴿إِلَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿يَعْرُجُ﴾، والجملة الفعلية: حال من الأمر، أي: حال كون ذلك الأمر المدبر يرجع إليه، ﴿فِي يَوْمٍ﴾: متعلق بـ ﴿يَعْرُجُ﴾ أيضًا، ﴿كَانَ مِقْدَارُهُ﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿أَلْفَ سَنَةٍ﴾: خبره، وجملة ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿سَنَةٍ﴾، وجملة ﴿تَعُدُّونَ﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد: محذوف، تقديره: مما تعدونه.
﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧)﴾.
﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة: مستأنفة، ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾: معطوف على ﴿الْغَيْبِ﴾. ﴿الْعَزِيزُ﴾: خبر ثان لاسم الإشارة، ﴿الرَّحِيمُ﴾: خبر ثالث له، ﴿الَّذِي﴾: خبر رابع له، ويجوز أن يكون نعتًا لـ ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾، أو رفعه أو نصبه على القطع، ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الموصول، ومفعول به، والجملة: صلة الموصول، ﴿خَلَقَهُ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعول به، والجملة الفعلية: في محل الجر صفة لـ ﴿شَيْءٍ﴾ أو في محل النصب صفة لـ ﴿كُلَّ﴾، وقرىء: خلقه بسكون اللام، فيكون بدل اشتمال من ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾، والضمير عائد على ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ ﴿وَبَدَأَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله، معطوف على ﴿أَحْسَنَ﴾. ﴿خَلْقَ الْإِنْسَانِ﴾: مفعول به، ﴿مِنْ طِينٍ﴾: متعلق بـ ﴿خَلْقَ﴾.
﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨)﴾.
﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ، ﴿جَعَلَ نَسْلَهُ﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على
стр. 10083
الله، ومفعول به معطوف على ﴿بَدَأَ﴾، ﴿مِنْ سُلَالَةٍ﴾: متعلق بـ ﴿جَعَلَ﴾ إن كان بمعنى الخلق، أو في محل نصب على أنه مفعول ثان له، ﴿مِنْ مَاءٍ﴾: صفة لـ ﴿سُلَالَةٍ﴾، ﴿مَهِينٍ﴾ صفة لـ ﴿مَاءٍ﴾.
﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٩)﴾.
﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ، ﴿سَوَّاهُ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعول به معطوف على ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ﴾ إن كان الضمير لـ ﴿الْإِنْسَانِ﴾، أو معطوف على ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ إن كان الضمير للنسل، ﴿وَنَفَخَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله معطوف على ﴿سَوَّاهُ﴾، ﴿فِيهِ﴾: متعلق بـ ﴿نفخ﴾، ﴿مِنْ رُوحِهِ﴾: متعلق بـ ﴿نفخ﴾ أيضًا، أو مفعوله إن قلنا ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿وَجَعَلَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله معطوف على ﴿نفخ﴾، ﴿لَكُمُ﴾: متعلق بـ ﴿جعل﴾. ﴿السَّمْعَ﴾: مفعول به لـ ﴿جعل﴾، ﴿وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾: معطوفان على ﴿السَّمْعَ﴾، ﴿قَلِيلًا﴾: صفة لمصدر محذوف، أو لظرف محذوف منصوب على المفعولية المطلقة، أو على الظرفية، والعامل فيه: ﴿تَشْكُرُونَ﴾، ﴿مَا﴾: زائدة، زيدت لتأكيد القلة، ﴿تَشْكُرُونَ﴾: فعل وفاعل؛ أي: تشكرون شكرًا قليلًا، أو زمانًا قليلًا، والجملة الفعلية: مستأنفة.
﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (١٠) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)﴾.
﴿وَقَالُوا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿قالوا﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة، مسوقة لبيان ضروب من أباطيلهم، ﴿أَإِذَا﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري، مقدمة على محلها, لأنها داخلة على جواب، ﴿إذا﴾ المقدر، تقديره: إذا ضللنا في الأرض أنبعث، ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، مضمن معنى الشرط، ﴿ضَلَلْنَا﴾: فعل وفاعل، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية: في محل الجر مضاف إليه، على كونها فعل شرط لها، والظرف: متعلق بالجواب
стр. 10084
المحذوف، وجملة ﴿إذا﴾: في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾، ﴿أَإِنَّا﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري أيضًا، ﴿إنا﴾: ناصب واسمه، ﴿لَفِي﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿في خلق﴾: خبر ﴿إن﴾، ﴿جَدِيدٍ﴾: صفة ﴿خَلْقٍ﴾، وجملة ﴿إن﴾: في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾ أيضًا. ﴿بَلْ﴾: حرف إضراب للإضراب الانتقالي من بيان كفرهم بالبعث، إلى ما هو أدل على قبح صنيعهم، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿كَافِرُونَ﴾. و ﴿كَافِرُونَ﴾: خبرهم، والجملة: مستأنفة، ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة: مستأنفة، ﴿يَتَوَفَّاكُمْ﴾: فعل مضارع ومفعول به، ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ﴾: فاعل، والجملة الفعلية: في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾، ﴿الَّذِي﴾: في محل الرفع صفة لـ ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ﴾، ﴿وُكِّلَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة ونائب فاعله: ضمير يعود على الموصول، ﴿بِكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿وُكِّلَ﴾، والجملة: صلة الموصول، ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ، ﴿إِلَى رَبِّكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿تُرْجَعُونَ﴾، و ﴿تُرْجَعُونَ﴾: فعل مغير ونائب فاعل معطوف على ﴿يَتَوَفَّاكُمْ﴾ على كونه مقولًا لـ ﴿قُلْ﴾.
﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢)﴾.
﴿وَلَوْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿لو﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿تَرَى﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على محمد، أو على أي مخاطب، ﴿إِذِ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، مجرد عن معنى الشرط، ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾: مبتدأ، ﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾: خبر ومضاف إليه، ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: حال من الضمير المستكن في ﴿نَاكِسُو﴾، والجملة الاسمية في محل الجر مضاف إليه، والظرف: متعلق بـ ﴿تَرَى﴾ لتحقق وقوعه، ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾، وجعله أبو البقاء مما وقعت فيه، ﴿إِذِ﴾: موقع إذا، و ﴿تَرَى﴾ بصرية، مفعولها محذوف، أغنى عنه المبتدأ، وجواب ﴿لو﴾: محذوف، والتقدير: ولو ترى المجرمين وقت نكوسهم رؤوسهم عند ربهم .. لرأيت أمرًا فظيعًا، وجملة ﴿لو﴾ الشرطية: مستأنفة. ﴿رَبَّنَا﴾: منادى مضاف، ﴿أَبْصَرْنَا﴾: فعل وفاعل والمفعول محذوف؛ أي: صدق وعدك
стр. 10085
ووعيدك، ﴿وَسَمِعْنَا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿أَبْصَرْنَا﴾، ومفعوله محذوف؛ أي: تصديق رسلك، وجملة ﴿أَبْصَرْنَا﴾: جواب النداء، وجملة النداء مع جوابه: مقول لقول محذوف، منصوب على الحال من الضمير المستكن في ﴿نَاكِسُو﴾، تقديره: ناكسوا رؤوسهم، حالة كونهم قائلين: ربنا أبصرنا وسمعنا، فارجعنا نعمل صالحًا، ﴿فَارْجِعْنَا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة تفريعية، ﴿ارجعنا﴾: فعل دعاء سلوكًا مسلك الأدب مع الباري، مبني على السكون، وفاعله: ضمير يعود على الله، و ﴿نا﴾: ضمير المتكلمين في محل النصب مفعول به، والجملة: معطوفة على جملة ﴿أَبْصَرْنَا﴾ وإن كانت إنشائية لجوازه، ﴿نَعْمَلْ﴾: فعل مضارع مجزوم بالطلب السابق، وفاعله: ضمير يعود على المتكلمين، ﴿صَالِحًا﴾: مفعول به، ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، ﴿مُوقِنُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)﴾.
﴿وَلَوْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة لقول محذوف على قول محذوف عند قوله: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾؛ أي: يقولون ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا، ونقول لهم: لو شئنا لآتينا كل نفس هداها في الدنيا إلخ، أو استئنافية، ﴿لو﴾: حرف شرط، ﴿شِئْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة؛ فعل شرط ﴿لو﴾، ﴿لَآتَيْنَا﴾: ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لو﴾، ﴿آتينا﴾: بمعنى أعطينا، فعل وفاعل، والجملة: جواب ﴿لو﴾ الشرطية، وجملة ﴿لو﴾ الشرطية: في محل النصب مقول للقول المحذوف، أو مستأنفة، ﴿كُلَّ نَفْسٍ﴾: مفعول أول لـ ﴿أتينا﴾، ﴿هُدَاهَا﴾: مفعول ثانٍ له. ﴿وَلَكِنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لكن﴾: حرف استدراك، ﴿حَقَّ الْقَوْلُ﴾: فعل وفاعل، ﴿مِنِّي﴾: متعلق بـ ﴿حَقَّ﴾، أو حال من ﴿الْقَوْلُ﴾: وجملة الاستدراك: معطوفة على جملة ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾، ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿أملأن﴾: فعل مضارع في محل الرفع، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، ونون التوكيد الثقيلة: حرف لا محل لها من الإعراب، وفاعله: ضمير يعود على الله، ﴿جَهَنَّمَ﴾: مفعول به، ﴿مِنَ الْجِنَّةِ﴾: متعلق بـ ﴿أملأن﴾،
стр. 10086
﴿وَالنَّاسِ﴾: معطوف على ﴿الْجِنَّةِ﴾، ﴿أَجْمَعِينَ﴾: توكيد لـ ﴿الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾، والجملة الفعلية: جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مع جوابه: في محل الرفع بدل من القول، على كونه فاعلًا محكيًا، لـ ﴿حَقَّ﴾ بدل كل من كل.
﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾.
﴿فَذُوقُوا﴾ ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفريع، ﴿ذوقوا﴾: فعل أمر وفاعل، والمفعول: محذوف لدلالة ما بعده عليه؛ أي: فذوقوا العذاب، والجملة الفعلية: معطوفة مفرعة على جملة ﴿حَقَّ الْقَوْلُ﴾، ﴿بِمَا﴾: ﴿الباء﴾: حرف جر وسبب، ﴿ما﴾: مصدرية، ﴿نَسِيتُمْ﴾: فعل وفاعل، ﴿لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية: في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿الباء﴾ تقديره: فذوقوا العذاب بسبب نسيانكم لقاء يومكم هذا، الجار والمجرور: متعلق بـ ﴿ذوقوا﴾. ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، ﴿نَسِينَاكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة: في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها، ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿فَذُوقُوا﴾: مؤكدة لها، ﴿بِمَا﴾: ﴿الباء﴾: حرف جر وسبب، ﴿ما﴾: اسم موصول في محل الجربـ ﴿الباء﴾، ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿كان﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد: محذوف، تقديره: بما كنتم تعملونه، والجار والمجرور: متعلق بـ ﴿ذوقوا﴾.
﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥)﴾.
﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر، ﴿يُؤْمِنُ﴾: فعل مضارع، ﴿بِآيَاتِنَا﴾: متعلق به، ﴿الَّذِينَ﴾: فاعل، والجملة: مستأنفة، ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿ذُكِّرُوا﴾: فعل ونائب فاعل، ﴿بِهَا﴾: متعلق بـ ﴿ذُكِّرُوا﴾، والجملة: في محل الخفض بضافة ﴿إِذَا﴾ إليها، على كونها فعل شرط لها، والظرف: متعلق
стр. 10087
بالجواب، ﴿بِهَا﴾ جار ومجرور متعلقان بـ ﴿ذُكِّرُوا﴾. ﴿خَرُّوا﴾: فعل وفاعل ﴿سُجَّدًا﴾: حال من واو ﴿خَرُّوا﴾، وجملة ﴿خَرُّوا﴾ جواب ﴿إِذَا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إِذَا﴾: صلة الموصول، لا محل لها من الإعراب أيضًا، ﴿وَسَبَّحُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿خَرُّوا﴾، ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، حال من فاعل ﴿سبحوا﴾؛ أي: يسبحوا حالة كونهم ملتبسين بحمد ربهم، ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾: ﴿الواو﴾: حالية، ﴿هم﴾: مبتدأ، وجملة ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية: في محل النصب حال من فاعل ﴿خَرُّوا﴾ أو معطوفة على صلة ﴿الَّذِينَ﴾.
﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾.
﴿تَتَجَافَى﴾: فعل مضارع، ﴿جُنُوبُهُمْ﴾: فاعل، والجملة: مستأنفة مسوقة لبيان بقية خصالهم الحميدة، أو حال من فاعل ﴿سبحوا﴾، ﴿عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾: متعلق بـ ﴿تَتَجَافَى﴾، ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة: في محل النصب حال من ضمير ﴿جُنُوبُهُمْ﴾؛ لأن المضاف جزء من المضاف إليه ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾: منصوبان، إما: على التعليل، أو على الحال، أو على المصدرية لفعل محذوف؛ أي: يخافون خوفًا، ويطمعون طمعًا، ﴿وَمِمَّا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُنْفِقُونَ﴾، ﴿رَزَقْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد: محذوف؛ أي: ومما رزقناهموه ﴿يُنْفِقُونَ﴾، فعل وفاعل، والجملة: معطوفة على جملة ﴿تَتَجَافَى﴾ على كونها مستأنفة. ﴿فَلَا تَعْلَمُ﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية أو فصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت الخصال الحميدة المذكورة لهؤلاء، وأردت معرفة جزائهم عند الله تعالى .. فأقول لك: لا تعلم نفس، ﴿لا﴾: نافية، ﴿تَعْلَمُ نَفْسٌ﴾: فعل وفاعل، والجملة: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، أو مستأنفة؛ ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به، لـ ﴿تَعْلَمُ﴾؛ لأن علم هنا بمعنى عرف، ﴿أُخْفِيَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله: ضمير يعود على ﴿ما﴾، والجملة: صلة الموصول، ﴿لَهُمْ﴾؛ متعلق بـ ﴿أُخْفِيَ﴾، ﴿مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾: جار ومجرور حال من
стр. 10088
نائب فاعل ﴿أُخْفِيَ﴾. ﴿جَزَاءً﴾: مفعول مطلق لفعل محذوف، تقديره: جوزوا ذلك جزاءً، والجملة المحذوفة: مستأنفة على كونها مقولًا لجواب إذا المقدرة، ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿جَزَاءً﴾، ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَعْمَلُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿كان﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد: محذوف، تقديره: يعملونه.
التصريف ومفردات اللغة
﴿افْتَرَاهُ﴾؛ أي: افتعله واختلقه من عند نفسه.
﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾: التدبير: التفكر في دبر الأمور، والنظر في عاقبتها، وهو بالنسبة إليه تعالى التقدير: وتهيئة الأسباب، وله تعالى مدبرات سماوية كما قال: ﴿فالمدبرات أمرًا﴾.
والمعنى: يدبر الله تعالى أمر الدنيا بأسباب سماوية من الملائكة وغيرها. وأضاف التدبير إلى ذاته، إشارة إلى أن تدبير العباد عند تدبيره لا أثر له.
﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ العروج: ذهاب في صعود، من عرج بفتح الراء، يعرج بضمها، من باب نصر، إذا صعد؛ أي: يصعد ذلك الأمر إليه تعالى، ويثبت في علمه موجودًا بالفعل.
﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ وهذا اليوم هو عبارة عن زمان يتقدر بألف سنة، وليس المراد به مسمى اليوم الذي هو مدة النهار بين ليلتين، والعرب قد تعبر عن المدة باليوم، كما قال الشاعر:
يَوْمَانِ يَوْمُ مَقَامَاتٍ وَأَنْدِيَةٍ ... وَيوْمُ سَيْرٍ إِلَى الأَعْدَاءِ تَأْوِيْبُ
فإن الشاعر لم يرد يومين مخصوصين، وإنما أراد أن زمانهم شطرين، فعبر عن كل واحد من الشطرين بيوم.
﴿الْغَيْبِ﴾: ما غاب عن الخلق.
стр. 10089
﴿وَالشَّهَادَةِ﴾: ما شوهد لهم.
﴿الْعَزِيزُ﴾: الغالب على أمره، الذي لا يغالب على ما أراده.
﴿الرَّحِيمُ﴾: المنعم على عباده.
﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾: قال الراغب: الإحسان: يقال على وجهين:
أحدهما: الإنعام على الغير، يقال: أحسن إلى فلان.
والثاني: إحسان من فعله، وذلك إذا علم علمًا حسنًا، أو عمل عملًا حسنًا، وعلى هذا قول أمير المؤمنين ﵁: الناس على ما يحسنون؛ أي: منسوبون إلى ما يعلمون من الأفعال الحسنة. انتهى.
﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ﴾؛ أي: خلق آدم أبي البشر ﵇.
﴿مِنْ طِينٍ﴾: الطين: التراب والماء المختلط.
﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾؛ أي: ذريته، سميت به لأنها تنسل من الإنسان؛ أي: تنفصل، كما قال في "المفردات": النسل الانفصال من الشيء، والنسل: الولد، لكونه ناسلًا عن أبيه. انتهى.
﴿مِنْ سُلَالَةٍ﴾؛ أي: من نطفة مسلولة؛ أي: منزوعة من صلب الإنسان.
﴿مَهِينٍ﴾؛ أي: ضعيف حقير، كما في "القاموس".
﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾؛ أي: قوم النسل بتكميل أعضائه في الرحم وتصويرها على ما ينبغي.
﴿وَالْأَفْئِدَةَ﴾: جمع فؤاد، بمعنى: القلب، لكن إنما يقال: فؤاد، إذا اعتبر في القلب معنى التفؤد؛ أي: التوقد، كما مرّ.
﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾: قال في "القاموس": ضل صار ترابًا وعظامًا وخفي وغاب. انتهى. وأصله: ضل الماء في اللبن: إذا غاب وهلك.
والمعنى: هلكنا وصرنا ترابًا مخلوطًا بتراب الأرض، بحيث لا يتميز منه،
стр. 10090
أو غبنا فيه بالدفن، وذهبنا عن أعين الناس.
﴿يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾: التوفي: أخذ الشيء تامًا وافيًا، واستيفاء العدد، قال في "الصحاح": توفاه الله: قبض روحه، والوفاة: الموت، والملك: جسم لطيف نوراني، يتشكل بأشكال مختلفة، قال بعض المحققين: المتولي من الملائكة شيئًا من السياسة، يقال له: ملك بالفتح، ومن البشر يقال له: ملك بكسر اللام، فكل ملك ملائكة، وليس كل ملائكة ملكًا، بل الملك هم المشار إليهم بقوله: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ﴾، ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ﴾، ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾: ونحو ذلك، ومنه ملك الموت. انتهى. والموت: صفة وجودية، خلقت ضدًا للحياة.
﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ التوكيل: أن تعتمد على غيرك، وتجعله نائبًا عنك، والتوكل: أن تكون نائبًا عن غيرك.
فائدة في التفعل والاستفعال: قال الزمخشري: والتوفي: استيفاء النفس، وهي الروح، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾.
وإن قلت: كيف نفسر التوفي بالاستيفاء؟
قلت: إنه معلوم أن التفعل فيما يلي:
١ - مطاوعة الرباعي المضعف، نحو نبهته فتنبه، وجمعته فتجمع، وكسرته فتكسر، وقطعته فتقطع.
٢ - التكلف: نحو تصبر وتكرم وتشجع؛ أي: تكلف الصبر والكرم والشجاعة.
٣ - الاتخاذ: نحو توسد ذراعه؛ أي: اتخذه وسادةً، وتورك البعير؛ أي: اتخذ وركه مطية، وتبنيت يوسف؛ أي: اتخذته ابنًا.
٤ - التجنب: نحو تأثم؛ أي: تجنب الإثم، وتهجد؛ أي: تجنب الهجود وهو النوم، وتذمم؛ أي: تجنب الذم.
٥ - التدريج: نحو تحفظت الدرس؛ أي: حفظته قسمًا بعد قسم، وتجرعت
стр. 10091
الدواء؛ أي: أخذته جرعةً.
٦ - الصيرورة: نحو تأيمت المرأة؛ أي: صارت أيمًا؛ أي: لا زوج لها.
٧ - الطلب نحو تعجل الشيء؛ أي: طلب عجلته، وتبينه؛ أي: طلب بيانه.
٨ - الانتساب نحو تبدى؛ أي: انتسب إلى البادية.
وأشهر معاني الاستفعال ما يأتي:
١ - الطلب: نحو استقدمت فلانًا؛ أي: طلبت قدومه، واستخرجت حل المسألة؛ أي: حصلت عليه بعد طلبٍ.
٢ - الصيرورة: نحو استحجر الطين؛ أي: صار حجرًا، واستنوَق الجمل؛ أي: صار كالناقة، واسترجلت المرأة؛ أي: صارت كالرجل.
٣ - النسبة: نحو استوصبت رأيه؛ أي: أي نسبت إليه الصواب، واستقبحت فعله؛ أي: نسبت إليه القبح.
٤ - اختصار اللفظ: نحو استرجع القوم؛ أي: قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون.
٥ - القوة: نحو استهتر؛ أي: اشتد هتاره، واستكبر؛ أي: قوي كبره، وقد تأتي هذه الصيغة بمعنى أفعل، نحو استجاب بمعنى أجاب، وقد تكون مطاوعًا له، نحو أحكمت البناء، فاستحكم، وأقمت اعوجاجه فاستقام.
﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ النكس: قلب الشيء على رأسه؛ أي: مطرقوا رؤوسهم.
﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ قال في المفردات: خر الشيء إذا سقط سقوطًا، وسمع منه خرير، والخرير: يقال لصوت الماء والريح وغير ذلك مما يسقط من العلو، فاستعمال الخرور في الآية تنبيه على اجتماع أمرين: السقوط، وحصول الصوت منهم بالتسبيح، وقوله: بعد ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ تنبيه على أن ذلك الخرير كان تسبيحًا بحمد الله، لا شيئًا آخر. انتهى.
стр. 10092
﴿تَتَجَافَى﴾ التجافي: النبوّ والبعد. أخذ من الجفاء، فإن من لم يوافقك ... فقد جافاك، وتجنب وتنحى عنك.
﴿جُنُوبُهُمْ﴾: جمع جنب، وهو شق الإنسان وغيره.
﴿عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾: جمع مضجع، كمقعدٍ، بمعنى: موضع الضجوع؛ أي: وضع الجنب على الأرض، قال عبد الله بن رواحة:
وَفِيْنَا رَسوْلُ اللهِ يَتْلُوْ كِتَابَهُ ... إِذَا انْشَقَّ مَعْرُوْفٌ مِنْ الصُّبْحِ سَاطِعُ
أَرَانَا الْهُدَى بَعْدَ الْعَمَى فَقُلُوْبُنَا ... بِهِ مُوْقِنَاتٌ مَا إِذَا قَالَ وَاقِعُ
يَبِيْتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ ... إِذَا اسْتَثْقَلَتَ بِالْمُشْرِكِيْنَ الْمَضَاجِعُ
﴿مَا أُخْفِيَ لَهُمْ﴾؛ أي: خبىء لهم.
﴿مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾: القرة: بمعنى اسم الفاعل؛ أي: ما يحصل به القرير؛ أي: الفرح والسرور؛ أي: من شيء نفيس تقربه أعينهم وتسر.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿تنذر﴾ - و ﴿نَّذِيرٍ﴾.
ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾. وفي قوله: ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾.
ومنها: إطلاق المعين، وإرادة المطلق، في قوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ﴾ لأن المراد هنا: مطلق المدة، لا اليوم الذي هو بين ليلتين.
ومنها: الطباق بين ﴿الْغَيْبِ﴾ ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾، وبين ﴿خَوْفًا﴾ ﴿وَطَمَعًا﴾.
ومنها: الإضافة للتشريف في قوله: ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾: مثل ناقة الله، وبيت الله، إظهارًا بأنه خلق عجيب ومخلوق شريف.
ومنها: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في قوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ والأصل وجعل له السمع، والنكتة: أن الخطاب إنما يكون مع الحي، فلما نفخ
стр. 10093
تعالى الروح فيه .. حسن خطابه مع ذريته.
ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وغرضهم: الاستهزاء والاستبعاد.
ومنها: الإضمار في قوله: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾؛ أي: يقولون: ربنا أبصرنا وسمعنا.
ومنها: المجاز العقلي في قوله: ﴿يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ لأن المتوفي حقيقة: هو الله .
ومنها: الاختصاص في قوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾؛ أي: إليه لا إلى غيره مرجعكم يوم القيامة.
ومنها: حذف جواب ﴿لو﴾ للتهويل، في قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾؛ أي: لرأيت أمرًا مهولًا.
ومنها: العدول عن الجملة الفعلية إلى الاسمية، في قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ حيث لم يقل ولو ترى إذ ينكس المجرمون رؤوسهم، عدل عن الفعلية إلى الاسمية، لتقرير ثباتهم على نكس رؤوسهم، خجلًا وحياءً وخزيًا عندما تبدو مثالبهم، وهناتهم بصورة دميمة شوهاء، تبعث على الهزء بهم، والسخرية منهم، كأنما استمر ذلك منهم لا يرتفع لهم رأس، ولا يمتد منهم طرف.
وكذلك عدل عن الفعلية إلى الاسمية المؤكدة في قوله: ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾؛ أي: إنهم ثابتون على الإيقان، راغبون فيه، بعد أن ظهرت لهم المغاب، مناديةً عليهم بالويل والثبور.
ومنها: المشاكلة في قوله: ﴿بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ وهي الاتفاق في اللفظ، مع الاختلاف في المعنى؛ لأن الله سبحانه لا ينسى ولا يذهل، وإنما المعنى: نترككم في العذاب ترك الشيء المنسي المرمي ظهريًا.
ومنها: التهكم في قوله: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ لأن الذوق حقيقة في الشيء اللذيد.
стр. 10094
ومنها: التكرار في قوله: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ للتأكيد والتشديد، ولتبيين المفعول المطوي للذوق الأول، وللإشعار بأن سببه ليس مجرد النسيان، بل له أسباب أخر من فنون الكفر والمعاصي التي كانوا مستمرين عليها في الدنيا .. اهـ. "أبو السعود".
ومنها: الكناية عن كثرة العبادة والتبتل ليلًا في قوله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾.
ومنها: المجاز العقلي في قوله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ حيث أسند التجافي إلى الجنوب، ولم يقل يجافون جنوبهم، إشارةً إلى أن حال أهل اليقظة ليس كحال أهل الغفلة، فإنهم لكمال حرصهم على المناجاة، ترتفع جنوبهم عن المضاجع حين ناموا بغير اختيارهم كأن الأرض ألقتهم من نفسها، وأما أهل الغفلة فيتلاصقون بالأرض لا يحركهم محرك، كما سبق.
ومنها: إضافة الموصوف إلى صفته للتأكيد، في قوله: ﴿عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ مثل عذاب الحريق؛ لأن المعنى العذاب المخلد.
ومنها: التنكير في قوله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ لقصد العموم؛ أي: أي نفس كانت من ملك مقرب، ونبي مرسل.
ومنها: الحصر في قوله: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾؛ أي: ما يؤمن بآياتنا إلا الذين إذا ذكروا بآيات ربهم إلخ.
ومنها: حذف العامل في قوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لقصد الإيجاز؛ أي: جوزوا جزاءً بما كانوا إلخ.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 10095
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠) وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٣) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٥) أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (٢٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (٢٧) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٨) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما بين (١) حال المجرمين والمؤمنين .. عطف على ذلك سؤال العقلاء: هل يستوي الفريقان؛ وبين أنهما لا يستويان، ثم فصل ذلك ببيان مآل كل منهما يوم القيامة.
قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها: أنه تعالى لما ذكر في أول السورة الرسالة والتوحيد والبعث .. عاد في آخرها إلى ذكرها مرةً أخرى.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها: أن
стр. 10096
الله سبحانه لما ذكر الرسالة في قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ...﴾ أعاد هنا ذكر التوحيد، مع ذكر البرهان عليه بما يرونه من المشاهدات التي يبصرونها.
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها: أنه تعالى لما أثبت الرسالة والتوحيد فيما سبق .. عطف على ذلك ذكر الحشر، وبذلك صار ترتيب آخر السورة متناسقًا مع ترتيب أولها، فقد ذكر الرسالة في أولها بقوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ وفي آخرها بقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ وذكر التوحيد في أولها بقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ وفي آخرها بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ﴾ وذكر الحشر في أولها بقوله: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ وفي آخرها بقوله: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ﴾.
أسباب النزول
﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (١): ما أخرجه الواحدي، وابن عساكر، عن طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال: الوليد بن عقبة بن أبي معيط لعلي بن أبي طالب: أنا أحد منك سنانًا، وأنشط منك لسانًا، وأملأ للكتيبة منك، فقال له علي: اسكت، فإنما أنت فاسق فنزلت: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨)﴾.
وأخرج ابن جرير عن عطاء بن يسار مثله.
وأخرج ابن عدي، والخطيب في "تاريخه" من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس مثله.
وأخرج الخطيب وابن عساكر، من طريق ابن لهيعة عن عمرو بن دينار عن ابن عباس: أنها نزلت في علي بن أبي طالب وعقبة بن أبي معيط، وذلك في سباب كان بينهما، كذا في هذه الرواية: أنها نزلت في عقبة بن الوليد لا الوليد.
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما
стр. 10097
أخرجه ابن جرير عن قتادة، قال الصحابة: إن لنا يومًا يوشك أن نستريح فيه وننعم، فقال المشركون: ﴿مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، فنزلت هذه الآية.
التفسير وأوجه القراءة
١٨ - ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا﴾؛ أي: مصدقًا في إيمانه، كعلي بن أبي طالب وأضرابه ﴿كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ أي: كافرًا منافقًا في إيمانه كالوليد بن عقبة بن أبي معيط وأضرابه. وفي "السمين" أنه ﷺ كان يتعمد الوقف على قوله: ﴿فَاسِقًا﴾ ويبتدىء بقوله: ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾؛ أي: الفريقان: المؤمنون والفاسقون في الدنيا بالطاعة، وفي الآخرة بالثواب والكرامة عند الله تعالى، وكان بينهما كلام وتنازع، حتى قال علي بن أبي طالب ﵁: يا فاسق، وفي "الكرخي": ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾؛ أي: شرفًا ومثوبةً، والضمير في ﴿يَسْتَوُونَ﴾ لمن الواقعة على الفريقين، وفيه مراعاة لمعنى ﴿من﴾ بعد مراعاة لفظها.
وعبارة "أبي السعود": قوله: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا﴾ ... إلخ. الهمزة فيه: للإنكار، داخلة على مقدر؛ أي: أفبعدما بينهما من التفاوت والتباين، يتوهم كون المؤمن من الذي حكيت أوصافه، كالفاسق الذي ذكرت أحواله، لا، والتصريح بقوله: ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾ مع إفادة الإنكار، لنفي المساواة على أبلغ وجه وآكده للتأكيد، وليبني عليه التفصيل الآتي. انتهت.
فالاستفهام للإنكار؛ أي: ليس المؤمن كالفاسق، فقد ظهر ما بينهما من التفاوت، ولهذا قال: ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾، ففيه زيادة تصريح لما أفاده الإنكار الذي أفاده الاستفهام، قال الزجاج: جعل الاثنين جماعة حيث قال: ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾ لأجل معنى ﴿من﴾، وقيل: لكون الاثنين أقل الجمع.
والمعنى: أي فهذا الكافر المكذب وعد الله ووعيده، المخالف أمره ونهيه، كهذا المؤمن بالله، المصدق ووعده ووعيده، المطيع لأمره ونهيه، كلا، لا يستوون عند الله، ولا يتعادل الكفار به والمؤمنون.
стр. 10098
وخلاصة ذلك: أبعد ظهور ما بينهما من تفاوت بين، يظن أن المؤمن الذي حكيت أوصافه، كالكافر الذي ذكرت قبائح أعماله؟ كلا، إن الفصل بينهما لا يخفى على ذي عينين.
ونحو الآية قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١)﴾ وقوله: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾. وقوله:
١٩ - ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ الآية.
وبعد أن نفى استواءهما، أتبعه بذكر حال كل منهما على سبيل التفصيل، فقال: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله وصدقوهما ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾؛ أي: عملوا الأعمال الصالحة، بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي، ﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾؛ أي: مساكن فيها البساتين والدور والغرف العالية.
وفي "الإرشاد" (١) أضيفت الجنة إلى المأوى؛ لأنها الفتاوى الحقيقي، وإنما الدنيا منزل مرتحل عنه لا محالة، ولذلك سميت قنطرةً؛ لأنها معبر للآخرة لا مقر، وعن ابن عباس ﵄: جنة المآوى كلها من الذهب، وهي إحدى الجنان الثمان، التي هي دار الجلال، ودار القرار، ودار السلام، وجنة عدن، وجنة المأوى، وجنة الخلد، وجنة الفردوس، وجنة النعيم.
وقرأ الجمهور: ﴿جَنَّاتُ﴾ بالجمع.
حالة كون تلك الجنات ﴿نُزُلًا﴾، لهم؛ أي: ثوابًا وأجرًا يكرمون به، كما يكرم الضيف بما يعد له من الطعام النفيس، والنزل، بضمتين في الأصل: ما يعد للنازل والضيف من طعام وشراب، كما سيأتي، ثم صار عامًا في كل عطاء؛ أي: فلهم جنات المأوى ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: بسبب أعمالهم الحسنة، التي عملوها في الدنيا نزلًا وجزاءً لهم عليها.
стр. 10099
وقرأ الجمهور (١): ﴿نزلا﴾ بضم الزاي، وأبو حيوة: بإسكانها، والنزل: عطاء النازل، ثم صار عامًا فيما يعد للضيف
٢٠ - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾؛ أي: خرجوا عن دائرة الإيمان والطاعة، بإيثار الكفر والمعصية عليهما، ﴿فَمَأْوَاهُمُ﴾؛ أي: منزلهم ومقرهم ومرجعهم، الذين يصيرون إليه، ويستقرون فيه هو ﴿النَّارُ﴾ بدل جنات المأوى للمؤمنين ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾؛ أي: من النار. ﴿أُعِيدُوا فِيهَا﴾؛ أي: في النار بمقامع الحديد؛ أي: إذا أرادوا الخروج منها .. ردوا إليها راغمين مكرهين، وهذا عبارة عن الخلود فيها، فإنه لا خروج ولا إعادة في الحقيقة، وقيل: إذا دفعهم اللهب إلى أعلاها .. ردوا إلى مواضعهم، ويروى: أنه يضربهم لهيب النار، فيرتفعون إلى طبقاتها، حتى إذا قربوا من بابها، وأرادوا أن يخرجوا منها .. يضربهم لهيب النار، أو تتلقاهم الملائكة بمقامع، فتضربهم فيهوون إلى قعرها سبعين خريفًا، وهكذا يفعل بهم أبدًا، وكلمة ﴿في﴾ للدلالة على أنهم مستقرون فيها، وإنما الإعادة من بعض طبقاتها إلى بعض.
﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾ والقائل (٢) لهم هذه المقالة، هم خزنة جهنم من الملائكة، أو القائل لهم هو الله سبحانه جلّ وعلا، وفي هذا القول لهم، حال كونهم قد صاروا في النار من الإغاظة ما لا يخفى؛ أي: وقيل لهم إهانةً وتشديدًا عليهم، وزيادة في غيظهم: ﴿ذُوقُوا﴾ وباشروا ﴿عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ﴾؛ أي: بعذاب النار ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ على الاستمرار في الدنيا، وتقولون: لا جنة ولا نار.
قال في "برهان القرآن": قال هنا (٣): ﴿عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ﴾. وقال في سبأ: ﴿عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا﴾ لأن النار في هذه السورة، وقعت موقع الكناية، لتقدم ذكرها، والكنايات لا توصف بوصف العذاب، وفي سبأ لم يتقدم ذكر النار، فحسن وصف النار، وهذه لطيفة فاحفظها. انتهى.
стр. 10100
وقال في "فتح الرحمن" (١) ذكر الوصف والضمير هنا، نظرًا للمضاف، وهو، العذاب، وأنثهما ثم نظرًا للمضاف إليه، وهو: النار، وخص ما هنا بالتذكير؛ لأن النار وقعت موقع ضميرها لتقدم ذكره، والضمير لا يوصف، فناسب التذكير، وفي سبأ لم يتقدم ذكر النار، ولا ضميرها فناسب التأنيث. انتهى.
٢١ - ثم بين أن عذاب الآخرة له مقدمات في الدنيا؛ لأن الذنب مستوجب لنتائجه عاجلًا أو آجلًا، فقال: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ﴾؛ أي: أهل مكة ﴿مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾؛ أي (٢): الأقرب، وهو عذاب الدنيا، وهو ما محنوا به من القحط سبع سنين، بدعاء النبي ﷺ ، حين بالغوا في الأذية، حتى أكلوا الجيف والجلود والعظام المحترقة والعلهز، وهو الوبر والدم، بأن يخلط الدم بأوبار الإبل ويشوى على النار، وصار الواحد منهم يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان، وكذا ابتلوا بمصائب الدنيا وبلاياها، مما فيه تعذيبهم، حتى آل أمرهم إلى القتل والأسر يوم بدر، ﴿دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾؛ أي: قبل العذاب الأكبر، الذي هو عذاب الآخرة، فـ ﴿دُونَ﴾ بمعنى قبل. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾؛ أي: لعل من بقي منهم وشاهده، ولعل في مثل هذا بمعنى كي ﴿يَرْجِعُونَ﴾ ويتوبون عما هم فيه من الكفر والمعاصي، بسبب ما ينزل بهم من العذاب إلى الإيمان والطاعة، ويتوبون عما كانوا فيه.
والمعنى: أي وعزتي وجلالي (٣)، لنبتلينهم بمصائب الدنيا وأسقامها وآفاتها، من المجاعات والقتل، ونحو ذلك، عظةً لهم، ليقلعوا عن ذنوبهم قبل العذاب الأكبر، وهو عذاب يوم القيامة.
٢٢ - ثم ذكر حال من قابل آيات الله بالإعراض، بعد بيان حال من قابلها بالسجود والتسبيح والتحميد فقال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ الاستفهام: إنكاري، بمعنى
стр. 10101
النفي؛ أي: لا أحد أشد ظلمًا ﴿مِمَّنْ ذُكِّرَ﴾ ووعظ ﴿بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾؛ أي: بالقرآن، ﴿ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾؛ أي: عن تلك الآيات، فلم يتفكر فيها, ولم يقبلها, ولم يعمل بموجبها، بل تناساها كأنه لا يعرفها, لكونه سمع من آيات الله ما يوجب الإقبال على الإيمان والطاعة، فجعل الإعراض مكان ذلك.
والإتيان (١) بـ ﴿ثُمَّ﴾ لاستبعاد الإعراض عنها، مع غاية وضوحها، وإرشادها إلى سعادة الدارين، كقولك لصاحبك: دخلت المسجد، ثم لم تصل فيه، استبعادًا لتركه الصلاة فيه.
والمعنى: هو أظلم من كل ظالم، وإن كان سبك التركيب على نفي الأعظم من غير تعرض لنفي المساوي.
ثم بين جزاءه على ذلك فقال: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾؛ أي: من كل من اتصف بإجرام، وإن هانت جريمته ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾ بالعذاب، فكيف من كان أظلم من كل ظالم، وأشد جرمًا من كل مجرم، يقال: انتقمه: إذا عاقبه على جريمته؛ أي: إنا سننتقم أشد الانتقام من الذين اجترحوا السيئات، واكتسبوا الآثام والمعاصي، روى ابن جرير بسنده عن معاذ بن جبل قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ثلاث من فعلهن .. فقد أجرم، من عقد لواءً في غير حق، أو عقّ والديه، أو مشى مع ظالم لينصره، يقول الله: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ ".
واعلم: أن الظلم أقبح الأمور، ولذلك حرمه الله على نفسه، فينبغي للعاقل أن يتعظ بمواعظ الله، ويتخلق باخلاقه، ويجتنب عن أذية الروح - بموافقة النفس والطبيعة - وأذية عباد الله تعالى.
٢٣ - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾؛ أي: التوراة؛ أي: وعزتي وجلالي لقد آتينا وأعطينا موسى بن عمران التوراة، كما آتيناك القرآن ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ﴾؛ أي: في شك ﴿مِنْ لِقَائِهِ﴾؛ أي (٢): من لقائك موسى ﵇ ليلة المعراج، قاله ابن عباس ﵄.
стр. 10102
وقرأ الحسن: ﴿فِي مِرْيَةٍ﴾ بضم الميم، ذكره أبو حيان.
عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "رأيت ليلة أسري بي موسى رجلًا آدم طوالًا جعدًا، كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى رجلًا مربوعًا، مربوع الخلق، إلى الحمرة وإلى البياض، سبط الشعر، ورأيت مالكًا خازن النار، والدجال في آيات أراهن الله إياه، فلا تكن في مرية من لقائه". متفق عليه.
وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "أتيت على موسى ليلة أسري بي، عند الكثيب الأحمر، وهو قائم يصلي في قبره". أخرجه مسلم.
فإن قلت: قد صحّ في حديث المعراج: أنه رآه في السماء السادسة عند مراجعته في الصلوات، فكيف الجمع بين هذين الحديثين؟
قلت: يحتمل أن تكون رؤيته في قبره عند الكثيب الأحمر كان قبل صعوده إلى السماء، وذلك في طريقه إلى بيت المقدس، ثم لما صعد إلى السماء السادسة .. وجده هناك قد سبقه لما يريد الله ، وهو على كل شيء قدير.
فإن قلت: كيف تصح منه الصلاة في قبره وهو ميت، وقد سقط عنه التكليف وهو في دار الآخرة، وليست دار عمل؟ وكذلك رأى النبي ﷺ جماعة من الأنبياء وهم يحجون، فما الجواب عن هذا؟
قلت: يجاب عنه بأجوبة:
منها: أن الأنبياء كالشهداء، بل هم أفضل منهم، والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، فلا يبعد أن يحجوا أو يصلوا كما صح في الحديث، وأن يتقربوا إلى الله بما استطاعوا، وإن كانوا قد ماتوا, لأنهم بمنزلة الأحياء في هذه الدار، التي هي دار العمل، إلى أن تفنى، ثم يرحلون إلى دار الجزاء، التي هي الجنة.
ومنها: أنه ﷺ رأى حالهم الذي كانوا عليه في حياتهم، ومثلوا له كيف كانوا، وكيف كان حجهم وصلاتهم.
ومنها: أن التكليف وإن ارتفع عنهم في الآخرة، لكن الذكر والشكر
стр. 10103
والدعاء لا يرتفع، قال الله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ إلى غير ذلك.
وقيل: معنى ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾؛ أي (١): من تلقي موسى كتاب الله بالرضا والقبول، وعبارة النسفي هنا: ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾؛ أي (٢): من لقاء موسى الكتاب، أو من لقائك موسى ليلة المعراج، أو يوم القيامة، أو من لقاء موسى ربه في الآخرة، كذا عن النبي ﷺ انتهى. وعبارة، "المراح": ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾؛ أي: فلا تكن يا أشرف الخلق في شك من لقاء الكتاب الذي هو القرآن؛ أي: إنا آتينا موسى مثل ما آتيناك من الكتاب، فلا تكن في شك من أنك لقيت نظيره. اهـ. كذا في "البيضاوي".
وقيل المعنى (٣): فلا تكن في شك من لقاء موسى الكتاب، فإنا ألقينا عليه التوراة، وهذا المعنى هو الذي يستدعيه ترتيب الفاء على ما قبلها.
فإن قلت (٤): ما معنى النهي وليس له ﷺ في ذلك شك أصلًا؟
قلت: فيه تعريض للكفار بأنهم في شك من لقائه، إذ لو لم يكن لهم فيه شك .. لآمنوا بالقرآن، إذ في التوراة وسائر الكتب الإلهية ما يصدق القرآن من الشواهد والآيات، فإيتاء الكتاب ليس ببدع حتى يرتابوا فيه، ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾.
وعبارة "المراغي" هنا: أي (٥) ولقد آتينا موسى التوراة، مثل ما آتيناك القرآن، وأنزلنا عليك الوحي، مثل ما أنزلناه عليه، فلا تكن في شك من لقائك الكتاب، فأنت لست ببدع من الرسل، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾.
وذكر موسى من بين سائر الرسل، لقرب عهده عن النبي ﷺ ، ووجود من كان على دينه بينهم، إلزامًا لهم، ولم يذكر عيسى؛ لأن اليهود ما كانوا
стр. 10104
يعترفون بنبوته، والنصارى كانوا يقرون بنبوة موسى، فذكر المجمع عليه.
وقد يكون ذكره لأن الآية جاءت تسلية لرسوله ﷺ ، فإنه لما أتى بكل آية، وذكرهم، وأعرض قومه عنها .. حزن حزنًا شديدًا، فقيل له: تذكر حال موسى ولا تحزن، فإنه قد لقي مثل ما لقيت، وأوذي كما أوذيت، فإن من لم يؤمن به .. آذاه، كفرعون وقومه، ومن آمنوا به من بني إسرائيل آذوه أيضًا بالمخالفة له، كقولهم: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ وقولهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ وغيره من الأنبياء لم يؤذه إلا من لم يؤمن به.
﴿وَجَعَلْنَاهُ﴾؛ أي: وجعلنا الكتاب الذي آتيناه موسى، أو جعلنا موسى، فالضمير إما للكتاب أو لموسى ﴿هُدًى﴾ مرشدًا ﴿لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ من الضلالة إلى طريق الهدى، كما جعلناك مرشدًا لأمتك؛ لأنه أنزل إليهم وهم متعبدون به دون بني إسماعيل، وعليهم يحمل الناس في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾. ونحو الآية قوله: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢)﴾.
٢٤ - ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ﴾؛ أي: من بني إسرائيل ﴿أَئِمَّةً﴾؛ أي: رؤساء وعلماء، وقيل: أنبياء، قاله قتادة. ﴿يَهْدُونَ﴾ يرشدون الخلق إلى الحق بما في التوراة من الشرائع والأحكام، والحكم ﴿بِأَمْرِنَا﴾ إياهم بذلك، أو بتوفيقنا لهم ﴿لَمَّا صَبَرُوا﴾ على الحق في جميع الأمور والأحوال، و ﴿لَمَّا﴾ (١) إما شرطية لما فيها من معنى الجزاء، نحو: أحسنت إليك لما جئتني، وجوابها معلوم مما قبلها، والتقدير: لما صبر الأئمة والعلماء من بني إسرائيل على المشاق وطريق الحق .. جعلناهم أئمة، أو ظرفية بمعنى: حين، فلا جواب لها؛ أي: جعلناهم أئمة حين صبروا على المشاق.
وقوله: ﴿وَكَانُوا﴾؛ أي: أئمة بني إسرائيل ﴿بِآيَاتِنَا﴾ التنزيلية التي في تضاعيف الكتاب ﴿يُوقِنُونَ﴾؛ أي: يصدقون أنها من عند الله تعالى، لإمعانهم فيها
стр. 10105
النظر، ولا يشكون فيها كما يشك الكفار من قومك في حق القرآن، ويحتمل (١) كونه معطوفًا على ﴿صَبَرُوا﴾ فيكون داخلًا في التعليق، ويحتمل أن يكون معطوفًا على ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ﴾.
والمعنى (٢): أي وجعلنا من بني إسرائيل رؤساء في الخير، يهدون أتباعهم وأهل القبول منهم بإذننا لهم، وتقويتنا إياهم؛ لأنهم صبروا على طاعتنا، وعزفت أنفسهم عن لذات الدنيا وشهواتها، وكانوا من أهل اليقين بحججنا، وبما تبين لهم من الحق.
وفي ذلك إيماء إلى أن الكتاب الذي آتيناكه سيكون هداية للناس، وسيكون من أتباعه أئمة يهدون مثل تلك الهداية، بل رجحهم على الكل بكل كمال، فإن الأفضل أولى بإحراز الفضائل كلها.
وقرأ الكوفيون (٣): ﴿أَئِمَّةً﴾. قال النحاس: وهو لحن عند جميع النحويين، لأنه جمع بين همزتين في كلمة واحدة، وقرأ الجمهور (٤): ﴿لَمَّا صَبَرُوا﴾ بفتح اللام وتشديد الميم، على أنها شرطية أو ظرفية، كما مر، وقرأ حمزة والكسائي وخلف وورش عن يعقوب ويحيى بن وثاب وطلحة والأعمش: بكسر اللام وتخفيف الميم؛ أي: جعلناهم أئمة لصبرهم، واختار هذه القراءة أبو عبيد، مستدلًا بقراءة ابن مسعود: ﴿بما صبروا﴾ بالباء.
٢٥ - ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ يا محمد ﴿هُوَ﴾ لا غيره ﴿يَفْصِلُ﴾ ويقضي ﴿بَيْنَهُمْ﴾ ويحكم؛ أي: بين المؤمنين والكفار، أو بين بني إسرائيل، أو بين الأنبياء وأممهم المكذبين ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ فيميز بين المحق والمبطل، وكلمة ﴿هُوَ﴾ للتخصيم والتأكيد، وإن ذلك الفصل يوم القيامة، ليس إلا إليه وحده، لا يقدر عليه أحد سواه، ولا يفوض إلى من عداه ﴿فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ من أمور الدين في الدنيا.
стр. 10106
أي: إن ربك يقضي بين خلقه يوم القيامة فيما كانوا فيه في الدنيا يختلفون، من أمور الدين والثواب والعقاب، فيدخل الجنة أهل الحق، ويدخل النار أهل الباطل.
٢٦ - وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ تخويف لكفار مكة، و (الهمزة) فيه: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، و (الواو): عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير؛ أي: أغفلوا ولم يبين مآل أمرهم، والفاعل: ما دل عليه قوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾؛ أي: كثرة إهلاكنا؛ لأن كم لا يقع فاعلًا، فلا يقال: جاءني كم رجل، ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: من قبل أهل مكة ﴿مِنَ الْقُرُونِ﴾؛ أي: من الأمم الماضية، كعاد وثمود حالة كون أهل مكة ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾؛ أي: في مساكن أولئك القرون، والجملة: حال من ضمير ﴿لَهُمْ﴾؛ أي: أغفلوا من حالهم ومآلهم، ولم يبين لهم مآلهم، وهو الإهلاك إن استمروا على التكذيب كثرة إهلاكنا من قبلهم من القرون، مثل عاد وثمود وقوم لوط، حالة كون أهل مكة يمرون في متاجرهم إلى الشام على ديار الهالكين وبلادهم، ويشاهدون آثار هلاكهم وخراب منازلهم.
والخلاصة: أولم يرشد هؤلاء المكذبين بالرسول ما أهلك الله قبلهم من الأمم الماضية بتكذيبهم لرسلهم، ومخالفتهم إياهم فيما جاؤوهم به من سبل الحق، فلم يبق منهم باقية، والحال أنهم يمشون في مساكنهم في متاجرهم إلى الشام، ونحو الآية قوله: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾. وقوله: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ وقوله: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥)﴾.
وقرأ الجمهور: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾ بالياء التحتية، وقرأ السلمي وقتادة وأبو زيد عن يعقوب: بالنون، وهذه القراءة واضحة، قال النحاس: والقراءة بالياء فيه إشكال؛ لأنه يقال: الفعل لا يخلو من فاعل، فأين الفاعل ليهدوا؟ ويجاب عنه بأن الفاعل هو ما قدمنا ذكره. اهـ.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الإهلاك وما يتعلق به من الآثار ﴿لَآيَاتٍ﴾ عظيمة ومواعظ بليغة، وحججًا قاطعةً لكل مستبصر ومعتبر بها؛ أي: إن في خلاء مساكن القرون
стр. 10107
الذين أهلكناهم من أهلها لما كذبوا برسلنا، وجحدوا بآياتنا، وعبدوا غيرنا، لآيات لهم وعظات يتعظون بها, لو كانوا من أولي الحجا.
و (الهمزة): في قوله: ﴿أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾: للتوبيخ المضمن للإنكار، داخلة على محذوف، و (الفاء): عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أيعرضون عن آياتنا وعظاتنا وتذكيرنا إياهم، وصموا عنها فلا يسمعونها سماع تدبر وتفكر، ليعتبروا بها، وينتهوا عما هم عليه من الكفر والتكذيب.
٢٧ - و (الهمزة): في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾: للاستفهام التوبيخي، المضمن للتقرير، داخلة على محذوف، و (الواو): عاطفة على ذاك المحذوف، ﴿أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ﴾ والمراد: سوق السحاب الحامل للماء, لأنه هو الذي ينسب إلى الله تعالى، وأما السقي بالأنهار فمنسوب إلى العبد، وإن كان الإنبات من الله تعالى، ولما كان هذا السوق وما بعده من الإخراج محسوسًا .. حمل بعضهم الرؤية على البصرية، ويدل عليه أيضًا آخر الآية، وهو ﴿أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾.
وقال في "بحر العلوم": حملًا على المقصود من النظر؛ أي: قد علموا أنا نسوق الماء ﴿إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾؛ أي: التي جرز وقطع نباتها وأزيل بالكلية، لعدم المطر أو لغيره كالرعي، لا التي لا تنبت، لقوله: ﴿فَنُخْرِجُ﴾ من تلك الأرض ﴿بِهِ﴾؛ أي: بسبب ذلك الماء المسوق ﴿زَرْعًا﴾؛ أي: نباتًا ﴿تَأْكُلُ مِنْهُ﴾؛ أي: من ذلك الزرع؛ أي: من بعضه ﴿أَنْعَامُهُمْ﴾ ودوابهم ومواشيهم، كالتبن والقصيل والورق وبعض الحبوب المخصوصة بها ﴿و﴾ تأكل من بعضه ﴿وَأَنْفُسُهُمْ﴾ كالحبوب التي يقتاتا الإنسان والثمار.
والتقدير: أي ألم يشاهد هؤلاء المكذبون بالبعث بعد الموت والنشر بعد الفساد، ولم يروا أنا نسوق بقدرتنا السحاب الحامل للماء إلى الأرض اليابسة، التي لا نبات فيها، فننزل بها مطرًا، فنخرج به زرعًا أخضر، تأكل منه ماشيتهم، وتتغدى به أجسامهم، فيعيشون به؛ أي: قد علموا ذلك، وشاهدوه، فلا عذر لهم في تكذيبهم البعث بعد الموت.
و ﴿الهمزة﴾: في قوله: ﴿أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ للتوبيخ داخلة على محذوف،
стр. 10108
و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: ألا ينظرون ذلك بأعينهم، وعموا عنه فلا يبصرون هذه النعم، ويشكرون المنعم، ويوحدونه، لكونه المنفرد بإيجاد ذلك، فيعلموا أن القدرة التي بها فعلنا ذلك لا يتعذر عليها أن تحيى الأموات وتنشرهم من قبورهم، وتعيدهم بهيئتهم التي كانوا عليها قبل موتهم.
والمعنى: ألا ينظرون (١) فلا يبصرون ذلك، فيستدلون به على وحدته وكمال قدرته وفضله تعالى، وأنه الحقيق بالعبادة، وأن لا يشرك به بعض خلقه، من ملك إنسان، فضلًا عن جماد لا يضر ولا ينفع، وأيضًا فيعلمون أنا نقدر على إعادتهم وإحيائهم.
وقرىء (٢): ﴿الجرز﴾ بسكون الراء، قوله: ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا﴾ وخص الزرع بالذكر، وإن كان يخرج الله به أنواعًا كثيرة من الفواكه والبقول والعشب المنتفع به في الطب وغيره تشريفًا للزرع، ولأنه أعظم ما يقصد من النبات، وأوقع الزرع موقع النبات.
قوله تعالى: ﴿أَنْعَامُهُمْ﴾ قدمت الأنعام في الذكر؛ لأن ما ينبت يأكله الأنعام أول فأول، من قبل أن يأكل بنو آدم الحب، ألا ترى أن القصيل، وهو شعير يزرع، تأكله الأنعام قبل أن يسبل، والبرسيم والفصفصة وأمثال ذلك تبادره الأنعام بالأكل منه قبل أن يأكل بنو آدم حب الزرع، أو لأنه غذاء الدواب، والإنسان قد يتغذى بغيره من حيوان وغيره، أو بدأ بالأدنى ثم ترقى إلى الأشرف وهم بنو آدم.
وقرأ أبو حيوة وأبو بكر في رواية: ﴿يأكل﴾ بالياء من أسفل، وقرأ الجمهور: ﴿يُبْصِرُونَ﴾ بياء الغيبة، وابن مسعود: بتاء الخطاب، وجاءت الفاصلة ﴿أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ لأن ما سبق مرئي، وفي الآية قبله مسموع، فناسب ﴿أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾.
٢٨ - ثم أخبر الله عن سوء صنيع الكفرة، باستعجال فصل القضاء
стр. 10109
بينهم وبين الرسول ﷺ على سبيل الاستهزاء والسخرية والتكذيب، فقال: ﴿وَيَقُولُونَ﴾؛ أي: ويقول المشركون عمومًا، أو مشركو مكة على طريق الاستهزاء والاستبعاد والتكذيب: ﴿مَتَى هَذَا الْفَتْحُ﴾ الذي تدعي يا محمد؛ أي: في أيّ وقت يكون لك الفتح والنصر علينا والظفر بنا، وكلمة ﴿مَتَى﴾ (١): في موضع رفع على الخبرية، أو في موضع نصب على الظرفية، والاستفهام فيها: استفهام استهزاء، لا استفهام سؤال، وذلك (٢) أن المؤمنين كانوا يقولون لكفار مكة: إن لنا يومًا يفتح الله فيه بيننا وبينكم؛ أي: يحكم ويقضي، يريدون يوم القيامة، أو إن الله سيفتح لنا على المشركين، ويفصل بيننا وبينهم، وكان أهل مكة إذا سمعوه .. يقولون بطريق الاستعجال تكذيبًا واستهزاء: ﴿مَتَى هَذَا الْفَتْحُ﴾؛ أي: في أي وقت يكون الحكم والفصل، أو النصر والظفر علينا ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في أنه كائن.
أي (٣): متى تنصر علينا أيها الرسول كما تزعم، ومتى ينتقم الله منا، وما نراك وأصحابك إلا مختفين خائفين، أذلة، إن كنتم صادقين في الذي تقولون، من أنا معاقبون على تكذيبنا الرسول، وعبارة الآلهة والأوثان، وهم ولا شك لا يستعجلونه، إلا لاستبعادهم حصوله، وإنكارهم إياه، وتكذيبهم له،
٢٩ - وقد أمر الله سبحانه نبيه ﷺ أن يجيبهم عن استبعادهم موبخًا لهم بقوله: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد تبكيتًا لهم، وتحقيقًا للحق: لا تستعجلوا ولا تستهزئوا فإن ﴿يَوْمَ الْفَتْحِ﴾ يوم إزالة الشبهة بإقامة القيامة، فإن أصله: إزالة الإغلاق والأشكال، أو يوم الغلبة على الأعداء ﴿لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مفعول به ﴿إِيمَانُهُمْ﴾ فاعل، ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾؛ أي: يمهلون ويؤخرون.
أما (٤) إذا كان المراد به يوم القيامة، فإن الإيمان يومئذ لا ينفع الكافر لفوات الوقت، ولا يمهل أيضًا في إدراك العذاب، ولا في بيان العذر، فإنه لا
стр. 10110
عذر له، وأما إذا كان المراد يوم النصرة كيوم بدر، فإنه لا ينفع إيمانه حال القتل، إذ هو إيمان يأس، كإيمان فرعون حين ألجمه الغرق، ولا يتوقف في قتله أصلًا.
والمعنى (١): أي قل لهم: إذا حل بكم بأس الله وسخطه في الدنيا وفي الآخرة .. لا ينفعكم إيمانكم الذي تحدثونه في هذا اليوم، ولا تؤخرون للتوبة والمراجعة.
والخلاصة: لا تستعجلوه ولا تستهزئوا، فكأني بكم، وقد حل ذلك اليوم، وآمنتم فلم ينفعكم الإيمان, واستنظرتم حلول العذاب فلم تنظروا، والعدول عن تطبيق الجواب على ظاهر سؤالهم، للتنبيه على أنه ليس مما ينبغي أن يسأل عنه، لكونه أمرًا بينًا غنيًا عن الإخبار، وكذا إيمانهم واستنظارهم يومئذ، وإنما المحتاج إلى البيان، عدم نفع ذلك الإيمان, وعدم الإنظار.
٣٠ - ثم ختم السورة بأمر رسوله بالإعراض عنهم، وانتظار الفتح بينه وبينهم، فقال: ﴿فَأَعْرِضْ﴾ يا محمد ﴿عَنْهُمْ﴾؛ أي: عن هؤلاء المشركين، ولا تبال بهم، وبلغ ما أنزل إليك من ربك ﴿وَانْتَظِرْ﴾ ما الله صانع بهم، فإنه سينجزك ما وعدك، وسينصرك على من خالفك، إنه لا يخلف الميعاد، ﴿إِنَّهُمْ﴾؛ أي: إن هؤلاء المشركين ﴿مُنْتَظِرُونَ﴾؛ أي: متربصون بك الدوائر، كما قال تعالى: ﴿أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون﴾.
أي (٢): وانتظر النصرة عليهم وهلاكهم، لصدق وعدي، إنهم منتظرون الغلبة عليك، وحوادث الزمان بك، من موت أو قتل، فيستريحوا منك، أو إهلاكهم، كما في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ الآية، ويقرب منه ما قيل: وانتظر عذابنا فإنهم منتظرون، فإن استعجالهم المذكور، وعكوفهم على ما هم عليه من الكفر والمعاصي، في حكم انتظارهم العذاب المترتب عليه لا محالة.
وسترى عاقبة صبرك عليهم، وعلى أداء رسالة ربك بنصرك وتأييدك،
стр. 10111
وسيجدون نحب ما ينتظرون فيك وفي أصحابك، من وبيل عقاب الله لهم، وحلول عذابه بهم، وقد أنجز الله وعده، فنصر عبده، وفتح للمؤمنين، وحصل أمانيهم أجمعين، والآية منسوخة بآية السيف، وقيل: غير منسوخة، إذ قد يقع الإعراض مع الأمر بالقتال.
وقرأ الجمهور (١): ﴿مُنْتَظِرُونَ﴾ بكسر الظاء على صيغة اسم الفاعل؛ أي: انتظر عذابهم إنهم منتظرون هلاكك، قال أبو حاتم: والصحيح: الكسر، وقرأ ابن السميقع واليماني: ﴿منتظرون﴾ بفتح الظاء على صيغة اسم المفعول، ورويت هذه القراءة عن مجاهد وابن محيصن، قال الفراء: لا يصح إلا بإضمار؛ أي: إنهم منتظريهم.
وفي "فتح الرحمن" قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٨)﴾.
إن قلت (٢): هذا سؤال عن وقت الفتح، وهو يوم القيامة، فكيف طابقه الجواب بقوله: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ﴾؟
قلت: لما كان سؤالهم سؤال تكذيب واستهزاء بيوم القيامة، لا سؤال استفهام .. أجيبوا بالتهديد المطابق للتكذيب والاستهزاء، لا ببيان حقيقة الموقت، وإن فسر الفتح بفتح مكة، أو بيوم بدر .. كان المراد أن المتولين لم ينفعهم إيمانهم حال القتل، كإيمان فرعون، بخلاف الطلقاء الذين آمنوا بعد الأمر، فالجواب بذلك مطابق للسؤال من غير تأويل. انتهى.
الإعراب
﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩)﴾.
﴿أَفَمَنْ﴾ ﴿الهمزة﴾: فيه للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف،
стр. 10112
و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أيتوهم كون المؤمن كالفاسق بعدما ثبت ما بينهما من التفاوت، ﴿فمن كان﴾ ﴿من﴾: اسم موصول مبتدأ، ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص واسمها ضمير يعود على ﴿من﴾، ﴿مُؤْمِنًا﴾: خبرها، وجملة ﴿كان﴾: صلة لـ ﴿من﴾ الموصولة، ﴿كَمَنْ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ. والجملة الاسمية: معطوفة على الجله المحذوفة، ﴿كَانَ فَاسِقًا﴾: فعل ناقص واسمه المستتر وخبره صلة ﴿من﴾ الموصولة، ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾: فعل مضارع مرفوع بالنون وفاعل، والجملة: مستأنفة لا محل لها من الإعراب، ومتعلقه محذوف؛ أي: لا يستوون في المآل. ﴿أَمَّا﴾: حرف شرط وتفصيل، ﴿الَّذِينَ﴾؛ مبدأ، ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على ﴿آمَنُوا﴾، ﴿فَلَهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿أَمَّا﴾ ﴿لهم﴾؛ خبر مقدم ﴿جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾: مبتدأ مؤخر والجملهّ وخبره في محل الرفع خبر للأول وجملة الأول مع خبره جواب ﴿أما﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿أَمَّا﴾ من فعل شرطها وجوابها: مستأنفة استئنافًا بيانيًا لا محل لها من الإعراب. ﴿نُزُلًا﴾: حال من ﴿جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾، ﴿بِمَا﴾: ﴿الباء﴾: حرف جر وسبب، ﴿ما﴾: مصدرية أو موصولة، ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَعْمَلُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿كان﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ المصدرية؛ أي: بسبب عملهم أو صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد: محذوف؛ أي: سبب الذي كانوا يعملونه، الجار والمجرور صفة لـ ﴿نُزُلًا﴾؛ أي: نزلًا كائنًا بسبب عملهم، أو بسبب العمل الذي يعملونه.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾.
﴿وَأَمَّا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿أما﴾: حرف شرط ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ أول، ﴿فَسَقُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، ﴿فَمَأْوَاهُمُ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿أما﴾، ﴿مأواهم﴾: مبتدأ، ﴿النَّارُ﴾: خبره، والجملة: في محل الرفع خبر للمبتدأ الأول، وجملة الأول: جواب ﴿أما﴾، وجملة ﴿أما﴾: معطوفة على جملة ﴿أما﴾ الأولى، ﴿كُلَّمَا﴾: اسم شرط غير جازم في محل النصب على الظرفية متعلق بالجواب الآتي، ﴿أَرَادُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة: فعل شرط
стр. 10113
لـ ﴿كُلَّمَا﴾: في محل جر بالإضافة. ﴿أَنْ يَخْرُجُوا﴾: ناصب وفاعل وفاعل في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ ﴿أَرَادُوا﴾، ﴿مِنْهَا﴾: متعلق بـ ﴿يَخْرُجُوا﴾؛ أي: كلما اْرادوا الخروج منها، ﴿أُعِيدُوا﴾: فعل ماض مغير الصيغة ونائب فاعل، ﴿فِيهَا﴾ متعلق به، والجملة الفعلية: جواب ﴿كُلَّمَا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿كُلَّمَا﴾: مستأنفة مسوقة لبيان كيفية مأواهم فيها.
﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
﴿وَقِيلَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، قيل: فعل ماض مغير الصيغة، ﴿لَهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿قيل﴾، ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾: نائب فاعل لـ ﴿قيل﴾ محكي, لأن مرادنا لفظه، لا معناه. وهو مقول له أيضًا. وجملة ﴿قيل﴾: معطوفة على جملة ﴿أُعِيدُوا﴾، وإن شئت قلت: ﴿ذُوقُوا﴾: فعل أمر وفاعل مبنى على حذف النون، ﴿عَذَابَ النَّارِ﴾: مفعول به، وجملة ﴿ذُوقُوا﴾: في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿قيل﴾، ﴿الَّذِي﴾ صفة لـ ﴿عَذَابَ﴾. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿تُكَذِّبُونَ﴾، وجملة ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ صلة الموصول.
﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢)﴾.
﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿نذيقن﴾: فعل مضارع في محل الرفع لتجرده عن الناصب والجازم، مبنى على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله: ضمير المتكلمين يعود على الله، تقديره: نحن، و ﴿الهاء﴾: مفعول به. ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾: متعلق به، ﴿الْأَدْنَى﴾ صفة لـ ﴿الْعَذَابِ﴾، والجملة الفعلية: جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم: مستأنفة، ﴿دُونَ﴾: ظرف زمان بمعنى قبل متعلق بمحذوف حال ﴿مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾، ﴿الْعَذَابِ﴾ مضاف إليه، ﴿الْأَكْبَرِ﴾: صفة له، ﴿لَعَلَّهُمْ﴾: ناصب واسمه. وجملة ﴿يَرْجِعُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿لعل﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿من﴾: اسم استفهام للاستفهام
стр. 10114
الإنكاري في محل الرفع مبتدأ، ﴿أَظْلَمُ﴾: خبره، والجملة: مستأنفة، ﴿مِمَّنْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَظْلَمُ﴾: ﴿ذُكِّرَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة ونائب فاعل مستتر، ﴿بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿ذُكِّرَ﴾، والجملة الفعلية: صلة الموصول، ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ، ﴿أَعْرَضَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر معطوف على ﴿ذُكِّرَ﴾، ﴿عَنْهَا﴾ متعلق بـ ﴿أَعْرَضَ﴾، ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، ﴿مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ متعلق بـ ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾، و ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾ خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٣)﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿قد﴾: حرف تحقيق، ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾: فعل وفاعل ومفعولان، والجملة: جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة مسوقة لتسليته ﷺ ، ﴿فَلَا تَكُنْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿لا﴾: ناهية جازمة، ﴿تَكُنْ﴾: فعل مضارع ناقص مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، واسمها: ضمير يعود على محمد، ﴿فِي مِرْيَةٍ﴾؛ جار ومجرور خبر ﴿تَكُنْ﴾، ﴿مِنْ لِقَائِهِ﴾: صفة لـ ﴿مِرْيَةٍ﴾، وجملة ﴿لا تكن﴾: معطوفة على جملة القسم، ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى﴾: فعل وفاعل ومفعولان معطوف على ﴿آتَيْنَا﴾، ﴿لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: متعلق بـ ﴿هُدًى﴾، أو صفة له.
﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾.
﴿وَجَعَلْنَا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿جعلنا﴾ الأول. ﴿مِنْهُمْ﴾: جار ومجرور في محل المفعول الثاني لـ ﴿جعلنا﴾، ﴿أَئِمَّةً﴾: مفعول أول لـ ﴿جعلنا﴾، وجملة ﴿يَهْدُونَ﴾ صفة لـ ﴿أَئِمَّةً﴾، ﴿بِأَمْرِنَا﴾: حال من فاعل ﴿يَهْدُونَ﴾. ﴿لَمَّا﴾: ظرف بمعنى حين، متعلق بـ ﴿جعلنا﴾؛ أي: جعلناهم أئمةً حين صبروا، ﴿صَبَرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿لما﴾ أو فعل شرط لها، وجوابها: محذوف، تقديره: لما صبروا جعلنا منهم أئمة،
стр. 10115
﴿وَكَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿بِآيَاتِنَا﴾: متعلقة بـ ﴿يُوقِنُونَ﴾، وجملة ﴿يُوقِنُونَ﴾ خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كانوا﴾: إما معطوفة على ﴿صَبَرُوا﴾ أو على ﴿جعلنا﴾ كما مر.
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٥)﴾.
﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾: ناصب واسمه، ﴿هُوَ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَفْصِلُ﴾: خبره، والجملة الاسمية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾: مستأنفة، ﴿بَيْنَهُمْ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿يَفْصِلُ﴾، ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ظرف مضاف إليه متعلق بـ ﴿يَفْصِلُ﴾ ﴿فِيمَا﴾: متعلق به أيضًا، ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿فِيهِ﴾ متعلق بـ ﴿يَخْتَلِفُونَ﴾ وجملة ﴿يَخْتَلِفُونَ﴾ خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد ضمير ﴿فيه﴾.
﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (٢٦)﴾.
﴿أَوَلَمْ﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، و ﴿الواو﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، تقديره: أغفلوا ولم يهد لهم، والجملة المحذوفة: مستأنفة، ﴿لم﴾: حرف جزم، ﴿يَهْدِ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لم﴾. وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وهي الياء، وفاعله: محذوف دلت عليه ﴿كَمْ﴾ الخبرية، تقديره: ولم يهدِ لهم كثرة إهلاكنا القرون، والجملة الفعلية: معطوفة على تلك المحذوفة، ﴿لَهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿يَهْدِ﴾، ﴿كَمْ﴾: خبرية بمعنى عدد كثير، في محل النصب مفعول به مقدم لـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾، ﴿أَهْلَكْنَا﴾: فعل وفاعل، ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ حال ﴿مِنَ الْقُرُونِ﴾ أو متعلق بـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾، ﴿مِنَ الْقُرُونِ﴾: حال من ﴿كَمْ﴾ لأنه في الأصل تمييز ﴿لَكُم﴾ دخلت عليه ﴿من﴾ البيانية، وجملة ﴿أَهْلَكْنَا﴾: جملة ﴿أَهْلَكْنَا﴾: جملة مفسرة لفاعل ﴿يَهْدِ﴾ لا محل لها من الإعراب، ﴿يَمْشُونَ﴾: فعل وفاعل، ﴿فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾: متعلق به، والجملة: في محل النصب حال من ضمير ﴿لَهُمْ﴾، أو مستأنفة مسوقة لبيان وجه
стр. 10116
هدايتهم. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب، ﴿في ذَلِكَ﴾: خبرها مقدم، ﴿لَآيَاتٍ﴾: اسمها مؤخر، و ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة، ﴿أَفَلَا﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، تقديره: أصموا فلا يسمعون، والجملة المحذوفة: مستأنفة، ﴿لا﴾: نافية، ﴿يَسْمَعُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ذلك المحذوف.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (٢٧)﴾.
﴿أَوَلَمْ﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، و ﴿الواو﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أغفلوا ولم يروا، أو التقدير ألم يشاهدوا ولم يروا إلخ، والجملة المحذوفة: مستأنفة، ﴿لم﴾: حرف جزم، ﴿يَرَوْا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لم﴾، والجملة: معطوفة على تلك المحذوفة، ﴿أَنَّا﴾: ناصب واسمه، ﴿نَسُوقُ الْمَاءَ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، ﴿إِلَى الْأَرْضِ﴾: متعلق به، ﴿الْجُرُزِ﴾: صفة لـ ﴿الْأَرْضِ﴾، والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر ﴿أن﴾، وجملة ﴿أن﴾: في تأويل مصدر ساد مسد مفعول ﴿رأى﴾؛ أي: سوقنا الماء إلى الأرض الجرز. ﴿فَنُخْرِجُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر معطوف على ﴿نَسُوقُ﴾. ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿نخرج﴾، ﴿زَرْعًا﴾: مفعول به، ﴿تَأْكُلُ﴾: فعل مضارع، ﴿مِنْهُ﴾: متعلق به ﴿أَنْعَامُهُمْ﴾: فاعل، ﴿وَأَنْفُسُهُمْ﴾: معطوف عليه، وجملة ﴿تَأْكُلُ﴾: صفة لـ ﴿زَرْعًا﴾، ﴿أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، تقديره: أعموا فلا يبصرون، والجملة المحذوفة: مستأنفة، ﴿لا﴾: نافية، ﴿يُبْصِرُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على تلك المحذوفة.
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٨) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠)﴾.
﴿وَيَقُولُونَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿يَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة، ﴿مَتَى﴾: اسم استفام في محل النصب على الظرفية مبني على السكون
стр. 10117
لشبهه بالحرف شبهًا معنويًا، ﴿هَذَا﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿الْفَتْحُ﴾: بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان له، والظرف: متعلق بواجب الحذف لوقوعه خبرًا مقدمًا، تقديره: هذا الفتح كائن متى؛ أي: في أيّ وقت يكون، والجملة الاسمية: في محل النصب مقول لـ ﴿يَقُولُونَ﴾، ﴿إن﴾: حرف شرط، ﴿كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: فعل ناقص واسمه وخبره في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها، وجواب ﴿إن﴾ الشرطية معلوم مما قبلها؛ أي: إن كنتم صادقين فمتى هو، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية: في محل النصب مقول لـ ﴿يَقُولُونَ﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر، والجملة: مستأنفة، ﴿يَوْمَ الْفَتْحِ﴾: منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿لَا يَنْفَعُ﴾، ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يَنْفَعُ﴾: فعل مضارع، ﴿الَّذِينَ﴾: مفعول به، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾: صلة الموصول، ﴿إِيمَانُهُمْ﴾: فاعل ﴿يَنْفَعُ﴾. والجملة الفعلية: في محل النصب مقول، لـ ﴿قُلْ﴾ ﴿وَلَا هُمْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لا﴾: نافية، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يُنْظَرُونَ﴾: من الفعل المغير ونائب فاعله خبره، والجملة الاسمية: في محل النصب معطوفة على جملة ﴿لَا يَنْفَعُ﴾: على كونها مقولًا لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿فَأَعْرِضْ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت حالهم المذكور، وأردت بيان ما هو الأصلح لك .. فأقول لك: أعرض عنهم. ﴿أعرض﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد، ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة: مستأنفة، ﴿وَانْتَظِرْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر معطوف على ﴿أعرض﴾، ومفعوله محذوف، تقديره: النصر عليهم، ﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾: ناصب واسمه وخبره، ومفعول: ﴿مُنْتَظِرُونَ﴾ محذوف، تقديره: النصر عليكم، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، على كونها مسوقة لتعليل الأمر بالانتظار.
التصريف ومفردات اللغة
﴿كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾: أصل الفسق: الخروج، من فسقت التمرة: إذا خرجت من قشرها، ثم استعمل في الخروج من الطاعة وأحكام الشرع مطلقًا،
стр. 10118
فهو أعم من الكفر، وقد يخص به كما في قوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
﴿جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾: المأوى: المسكن، قال الراغب: المأوى: مصدر أوى إلى كذا: انضم إليه، وجنة المأوى: كقوله: دار الخلد في كون الدار مضافًا إلى المصدر، وفي "الإرشاد": أضيفت الجنة إلى المأوى؛ لأنها الفتاوى الحقيقي، وإنما الدنيا منزل مرتحل عنه لا محالة، كما مر.
﴿نُزُلًا﴾: وهو في الأصل ما يعد للنازل والضيف، من طعام وشراب وصلة، ثم أطلق على كل عطاء، والمراد به هنا: الثواب والجزاء.
﴿فَمَأْوَاهُمُ﴾: اسم مكان؛ أي: ملجَؤُهم ومنزلهم.
﴿الْأَدْنَى﴾؛ أي: الأقرب، والمراد به عذاب الدنيا، فإنه أقرب من عذاب الآخرة وأقل منه، وقد ابتلاهم الله بسني جدب وقحط، أهلكت الزرع والضرع، والعذاب الأكبر، هو عذاب يوم القيامة.
﴿دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾؛ أي: قبل العذاب الأكبر، فدون هنا بمعنى قبل، كما مر، وذلك لأنه في الأصل أدنى مكان من الشيء، فيقال: هذا دون ذلك: إذا كان أحط منه قليلًا، ثم استعير منه للتفاوت في الأموال.
﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ جمع مجرم، اسم فاعل من أجرم الرباعي، يقال: أجرم زيد: إذا فعل الجريمة؛ أي: السيئة، منتقمون: جمع منتقم، اسم فاعل من انتقم الخماسي، يقال: نقمت الشيء ونقمت منه: إذا أنكرته، إما باللسان، وإما بالعقوبة، والنقمة: العقوبة، والانتقام: العقوبة على الجريمة.
﴿فِي مِرْيَةٍ﴾ وفي "المفردات": المرية: التردد في الأمر، وهو أخص من الشك.
﴿مِنْ لِقَائِهِ﴾ يقال: لقيه كرضيه: إذا رآه، قال الراغب: يقال: ذلك في الإدراك بالحس بالبصر وبالبصيرة، وهو مصدر مضاف إلى مفعوله.
стр. 10119
﴿أَئِمَّةً﴾: جمع إمام بمعنى المؤتم، والمقتدى به قولًا وفعلًا، وأصله أأممة بوزن أفعلة جمع إمام، كأسلحة وسلاح، ولكن لما اجتمع المثلان، وهما الميمان، أدغمت الأولى في الثانية، ونقلت حركتها إلى الهمزة فصار أئمة بهمزتين، فأبدل من الهمزة المكسور ياء، كراهة اجتماع الهمزتين. اهـ. "شرح العقائد".
﴿إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾: الجرز: الأرض اليابسة الجرداء، التي لا نبات فيها، قال الزمخشري: الجرز: الأرض التي جرز؛ أي: أزيل نباتها، قيل: هي مشتقة من قولهم: رجل جروز: إذا كان لا يبقي شيئًا إلا أكله، ومنه قول الراجز:
خبٌّ جَرُوْزٌ إِذَا جَاعَ بَكَى ... وَيأكُلُ التَّمْرَ وَلاَ يُبْقِي النَّوَى
وكذلك ناقة جروز: إذا كانت تأكل كل شيء تجده، وفي "المختار": أرض جرز وجرز، كعسر وعسر: لا نبات بها؛ أي: قطع وأزيل بالمرة، وقيل: هو اسم موضع باليمن. وفي "المصباح": الجرزة: القبضة من القث ونحوه، أو الحزمة، والجمع: جرز كغرفةٍ وغرف، وأرض جرز بضمتين: قد انقطع الماء عنها فهي يابسة لا نبات فيها.
﴿الْفَتْحِ﴾: الحكيم، ويقال: للحاكم: الفاتح والفتاح؛ لأنه يفصل بين الناس بحكمه، ومعنى: ﴿مَتَى هَذَا الْفَتْحُ﴾؛ أي: الفصل بيننا وبينكم في الخصومة.
﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾؛ أي: يمهلون ويؤخرون.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: المقابلة اللطيفة بين جزاء الأبرار، وجزاء الفجار في قوله: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾ وقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ وهي من المحسنات البديعية.
стр. 10120
ومنها: الشماتة في قوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ وهي فن من فنون البديع، لم يذكره أحد من الذين كتبوا في فنون البديع، ما عدا ابن أبي الإصبع، وهي: أعني: الشماتة. ذكر ما أصاب عدوك من آفات ومحن جزاء ما اقترفت يداه مع المبالغة في تصوير غمائه، وما يتخبط به من أهوال، وإظهار إغتباطك بما أصابه شماتةً به وتشفيًا منه، وفي هذه الآية من ضرورب التشفي والشماتة ما لا يخفى، وهو شائع في القرآن وفي الشعر، ومنه قصيدة فتح الفتوح لأبي تمام.
ومنها: الاستبعاد المستفاد بـ ﴿ثُمَّ﴾ في قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ لأن الإعراض عن الآيات مع غاية وضوحها وإشراقها، مستبعد في حكم العاقل الراجح.
ومنها: التعريض في قوله: ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ فإنه تعريض للكفار بأنهم في شك من لقائه، إذ لو لم يكن لهم فيه شك .. لآمنوا بالقرآن.
ومنها: التأكيد والتخصيص المستفاد من كلمة ﴿هُوَ﴾ في قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ لأن المعنى: إن ذلك الفصل يوم القيامة، ليس إلا إليه وحده، لا يقدر عليه أحد سواه، ولا يفوض إلى من عداه، كما سبق.
ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾.
ومنها: الاستفهامات للتقريع والتوبيخ في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ وفي قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ﴾ وقوله: ﴿أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾ وقوله: ﴿أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ لأن المقصود في الكل الإنكار والتوبيخ.
ومنها: المناسبة المعنوية بين أول الآية وآخرها في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وهي؛ أي: المناسبة المعنوية: أن يبتدىء المتكلم بمعنى، ثم يتمم كلامه بما يناسبه معنى دون لفظ، وهذه الآية قال في أولها: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ وهي موعظة سمعية، لكونهم لم ينظروا إلى القرون الهالكة، وإنما سمعوا بها، فناسب أن يأتي بعدها بقوله: ﴿أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾. وفي قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ﴾ بدأ هذه الآية بهذه الكلمة، وهي موعظة مرئية، فناسب