هدايتهم. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب، ﴿في ذَلِكَ﴾: خبرها مقدم، ﴿لَآيَاتٍ﴾: اسمها مؤخر، و ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة، ﴿أَفَلَا﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، تقديره: أصموا فلا يسمعون، والجملة المحذوفة: مستأنفة، ﴿لا﴾: نافية، ﴿يَسْمَعُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ذلك المحذوف.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (٢٧)﴾.
﴿أَوَلَمْ﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، و ﴿الواو﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أغفلوا ولم يروا، أو التقدير ألم يشاهدوا ولم يروا إلخ، والجملة المحذوفة: مستأنفة، ﴿لم﴾: حرف جزم، ﴿يَرَوْا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لم﴾، والجملة: معطوفة على تلك المحذوفة، ﴿أَنَّا﴾: ناصب واسمه، ﴿نَسُوقُ الْمَاءَ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، ﴿إِلَى الْأَرْضِ﴾: متعلق به، ﴿الْجُرُزِ﴾: صفة لـ ﴿الْأَرْضِ﴾، والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر ﴿أن﴾، وجملة ﴿أن﴾: في تأويل مصدر ساد مسد مفعول ﴿رأى﴾؛ أي: سوقنا الماء إلى الأرض الجرز. ﴿فَنُخْرِجُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر معطوف على ﴿نَسُوقُ﴾. ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿نخرج﴾، ﴿زَرْعًا﴾: مفعول به، ﴿تَأْكُلُ﴾: فعل مضارع، ﴿مِنْهُ﴾: متعلق به ﴿أَنْعَامُهُمْ﴾: فاعل، ﴿وَأَنْفُسُهُمْ﴾: معطوف عليه، وجملة ﴿تَأْكُلُ﴾: صفة لـ ﴿زَرْعًا﴾، ﴿أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، تقديره: أعموا فلا يبصرون، والجملة المحذوفة: مستأنفة، ﴿لا﴾: نافية، ﴿يُبْصِرُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على تلك المحذوفة.
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٨) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠)﴾.
﴿وَيَقُولُونَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿يَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة، ﴿مَتَى﴾: اسم استفام في محل النصب على الظرفية مبني على السكون
стр. 10117
لشبهه بالحرف شبهًا معنويًا، ﴿هَذَا﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿الْفَتْحُ﴾: بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان له، والظرف: متعلق بواجب الحذف لوقوعه خبرًا مقدمًا، تقديره: هذا الفتح كائن متى؛ أي: في أيّ وقت يكون، والجملة الاسمية: في محل النصب مقول لـ ﴿يَقُولُونَ﴾، ﴿إن﴾: حرف شرط، ﴿كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: فعل ناقص واسمه وخبره في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها، وجواب ﴿إن﴾ الشرطية معلوم مما قبلها؛ أي: إن كنتم صادقين فمتى هو، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية: في محل النصب مقول لـ ﴿يَقُولُونَ﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر، والجملة: مستأنفة، ﴿يَوْمَ الْفَتْحِ﴾: منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿لَا يَنْفَعُ﴾، ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يَنْفَعُ﴾: فعل مضارع، ﴿الَّذِينَ﴾: مفعول به، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾: صلة الموصول، ﴿إِيمَانُهُمْ﴾: فاعل ﴿يَنْفَعُ﴾. والجملة الفعلية: في محل النصب مقول، لـ ﴿قُلْ﴾ ﴿وَلَا هُمْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لا﴾: نافية، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يُنْظَرُونَ﴾: من الفعل المغير ونائب فاعله خبره، والجملة الاسمية: في محل النصب معطوفة على جملة ﴿لَا يَنْفَعُ﴾: على كونها مقولًا لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿فَأَعْرِضْ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت حالهم المذكور، وأردت بيان ما هو الأصلح لك .. فأقول لك: أعرض عنهم. ﴿أعرض﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد، ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة: مستأنفة، ﴿وَانْتَظِرْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر معطوف على ﴿أعرض﴾، ومفعوله محذوف، تقديره: النصر عليهم، ﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾: ناصب واسمه وخبره، ومفعول: ﴿مُنْتَظِرُونَ﴾ محذوف، تقديره: النصر عليكم، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، على كونها مسوقة لتعليل الأمر بالانتظار.
التصريف ومفردات اللغة
﴿كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾: أصل الفسق: الخروج، من فسقت التمرة: إذا خرجت من قشرها، ثم استعمل في الخروج من الطاعة وأحكام الشرع مطلقًا،
стр. 10118
فهو أعم من الكفر، وقد يخص به كما في قوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
﴿جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾: المأوى: المسكن، قال الراغب: المأوى: مصدر أوى إلى كذا: انضم إليه، وجنة المأوى: كقوله: دار الخلد في كون الدار مضافًا إلى المصدر، وفي "الإرشاد": أضيفت الجنة إلى المأوى؛ لأنها الفتاوى الحقيقي، وإنما الدنيا منزل مرتحل عنه لا محالة، كما مر.
﴿نُزُلًا﴾: وهو في الأصل ما يعد للنازل والضيف، من طعام وشراب وصلة، ثم أطلق على كل عطاء، والمراد به هنا: الثواب والجزاء.
﴿فَمَأْوَاهُمُ﴾: اسم مكان؛ أي: ملجَؤُهم ومنزلهم.
﴿الْأَدْنَى﴾؛ أي: الأقرب، والمراد به عذاب الدنيا، فإنه أقرب من عذاب الآخرة وأقل منه، وقد ابتلاهم الله بسني جدب وقحط، أهلكت الزرع والضرع، والعذاب الأكبر، هو عذاب يوم القيامة.
﴿دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾؛ أي: قبل العذاب الأكبر، فدون هنا بمعنى قبل، كما مر، وذلك لأنه في الأصل أدنى مكان من الشيء، فيقال: هذا دون ذلك: إذا كان أحط منه قليلًا، ثم استعير منه للتفاوت في الأموال.
﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ جمع مجرم، اسم فاعل من أجرم الرباعي، يقال: أجرم زيد: إذا فعل الجريمة؛ أي: السيئة، منتقمون: جمع منتقم، اسم فاعل من انتقم الخماسي، يقال: نقمت الشيء ونقمت منه: إذا أنكرته، إما باللسان، وإما بالعقوبة، والنقمة: العقوبة، والانتقام: العقوبة على الجريمة.
﴿فِي مِرْيَةٍ﴾ وفي "المفردات": المرية: التردد في الأمر، وهو أخص من الشك.
﴿مِنْ لِقَائِهِ﴾ يقال: لقيه كرضيه: إذا رآه، قال الراغب: يقال: ذلك في الإدراك بالحس بالبصر وبالبصيرة، وهو مصدر مضاف إلى مفعوله.
стр. 10119
﴿أَئِمَّةً﴾: جمع إمام بمعنى المؤتم، والمقتدى به قولًا وفعلًا، وأصله أأممة بوزن أفعلة جمع إمام، كأسلحة وسلاح، ولكن لما اجتمع المثلان، وهما الميمان، أدغمت الأولى في الثانية، ونقلت حركتها إلى الهمزة فصار أئمة بهمزتين، فأبدل من الهمزة المكسور ياء، كراهة اجتماع الهمزتين. اهـ. "شرح العقائد".
﴿إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾: الجرز: الأرض اليابسة الجرداء، التي لا نبات فيها، قال الزمخشري: الجرز: الأرض التي جرز؛ أي: أزيل نباتها، قيل: هي مشتقة من قولهم: رجل جروز: إذا كان لا يبقي شيئًا إلا أكله، ومنه قول الراجز:
خبٌّ جَرُوْزٌ إِذَا جَاعَ بَكَى ... وَيأكُلُ التَّمْرَ وَلاَ يُبْقِي النَّوَى
وكذلك ناقة جروز: إذا كانت تأكل كل شيء تجده، وفي "المختار": أرض جرز وجرز، كعسر وعسر: لا نبات بها؛ أي: قطع وأزيل بالمرة، وقيل: هو اسم موضع باليمن. وفي "المصباح": الجرزة: القبضة من القث ونحوه، أو الحزمة، والجمع: جرز كغرفةٍ وغرف، وأرض جرز بضمتين: قد انقطع الماء عنها فهي يابسة لا نبات فيها.
﴿الْفَتْحِ﴾: الحكيم، ويقال: للحاكم: الفاتح والفتاح؛ لأنه يفصل بين الناس بحكمه، ومعنى: ﴿مَتَى هَذَا الْفَتْحُ﴾؛ أي: الفصل بيننا وبينكم في الخصومة.
﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾؛ أي: يمهلون ويؤخرون.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: المقابلة اللطيفة بين جزاء الأبرار، وجزاء الفجار في قوله: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾ وقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ وهي من المحسنات البديعية.
стр. 10120
ومنها: الشماتة في قوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ وهي فن من فنون البديع، لم يذكره أحد من الذين كتبوا في فنون البديع، ما عدا ابن أبي الإصبع، وهي: أعني: الشماتة. ذكر ما أصاب عدوك من آفات ومحن جزاء ما اقترفت يداه مع المبالغة في تصوير غمائه، وما يتخبط به من أهوال، وإظهار إغتباطك بما أصابه شماتةً به وتشفيًا منه، وفي هذه الآية من ضرورب التشفي والشماتة ما لا يخفى، وهو شائع في القرآن وفي الشعر، ومنه قصيدة فتح الفتوح لأبي تمام.
ومنها: الاستبعاد المستفاد بـ ﴿ثُمَّ﴾ في قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ لأن الإعراض عن الآيات مع غاية وضوحها وإشراقها، مستبعد في حكم العاقل الراجح.
ومنها: التعريض في قوله: ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ فإنه تعريض للكفار بأنهم في شك من لقائه، إذ لو لم يكن لهم فيه شك .. لآمنوا بالقرآن.
ومنها: التأكيد والتخصيص المستفاد من كلمة ﴿هُوَ﴾ في قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ لأن المعنى: إن ذلك الفصل يوم القيامة، ليس إلا إليه وحده، لا يقدر عليه أحد سواه، ولا يفوض إلى من عداه، كما سبق.
ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾.
ومنها: الاستفهامات للتقريع والتوبيخ في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ وفي قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ﴾ وقوله: ﴿أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾ وقوله: ﴿أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ لأن المقصود في الكل الإنكار والتوبيخ.
ومنها: المناسبة المعنوية بين أول الآية وآخرها في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وهي؛ أي: المناسبة المعنوية: أن يبتدىء المتكلم بمعنى، ثم يتمم كلامه بما يناسبه معنى دون لفظ، وهذه الآية قال في أولها: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ وهي موعظة سمعية، لكونهم لم ينظروا إلى القرون الهالكة، وإنما سمعوا بها، فناسب أن يأتي بعدها بقوله: ﴿أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾. وفي قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ﴾ بدأ هذه الآية بهذه الكلمة، وهي موعظة مرئية، فناسب
стр. 10121
أن يقول في آخرها: ﴿أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ لأن الزرع مرئي، لا مسموع، ليناسب آخر كل كلام أوله.
ومنها: التعميم بعد التخصيص، أو الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ﴾ لأنه إن عم غير المستهزئين .. فهو تعميم بعد تخصيص، وإن خص بهم .. فهو إظهار في مقام الإضمار، تسجيلًا عليهم بالكفر، وبيانًا لعلة عدم النفع وعدم إمهالهم. اهـ. "شهاب".
ومنها: الجناس المغاير في قوله: ﴿وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 10122
مجمل ما اشتملت عليه هذه السورة الكريمة من الموضوعات
١ - إثبات رسالة النبي ﷺ ، وبيان أن مشركي العرب لم يأتهم رسول من قبله.
٢ - إثبات وحدانية الله تعالى، وأنه المتصرف في الكون، المدبر له على أتم نظام وأحكم وجه.
٣ - إثبات البعث والنشور، وبيان أنه يكون في يوم كألف سنة مما تعدون.
٤ - تفصيل خلق الإنسان في النشأة الأولى، وبيان الأطوار التي مرت به، حتى صار بشرًا سويًا.
٥ - وصف الذلة التي يكون عليها المجرمون يوم القيامة، وطلبهم الرجوع إلى الدنيا لإصلاح أحوالهم، ورفض ما طلبوا لعدم استعدادهم للخير والفلاح.
٦ - تفصيل أحوال المؤمنين في الدنيا، وذكر ما أعده الله لهم من النعيم، والثواب العظيم في الآخرة.
٧ - استعجال الكفار لمجيء يوم القيامة، استبعادًا منهم لحصوله (١).
والله أعلم
* * *
стр. 10123
سورة الأحزاب
صورة الأحزاب مدنية كلها بالاتفاق (١). وآياتها: ثلاث وسبعون آية. وكلماتها: ألف ومئتان وثمانون كلمة. وحروفها: خمسة آلاف وسبع مئة وتسعون حرفًا.
التسمية: سميت سورة الأحزاب, لأنه ذكر فيها قصة المشركين الذين تحزبوا على المسلمين، من كل جهة، فاجتمع كفار مكة مع غطفان وبنى قريظة وأوباش العرب على حرب المسلمين، ولكن الله ردهم مدحورين، وكفى المؤمنين القتال بتلك المعجزة الباهرة.
الناسخ والمنسوخ فيها: قال ابن حزم (٢): سورة الأحزاب فيها آيتان من المنسوخ:
أولاهما: قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ الآية (٤٨) نسخت بآية السيف.
والآية الثانية: قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ﴾ الآية (٥٢) نسخها الله تعالى بآية قبلها في النظم، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ الآية (٥٠).
المناسبة: مناسبتها لما قبلها: تشابه (٣) مطلع هذه السورة وخاتمة السالفة، فإن تلك ختمت بأمر النبي ﷺ بالإعراض عن الكافرين، وانتظار عذابهم، وهذه بدئت بأمره ﷺ بالتقوى، وعدم طاعة الكافرين والمنافقين، واتباع ما أوحي إليه من ربه، ومع التوكل عليه.
стр. 10124
فضلها: ومن فضائلها (١): ما روى عن النبي ﷺ : "من قرأ سورة الأحزاب، وعلّمها أهله، وما ملكت يمينه .. أعطي الأمان من عذاب القبر".
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما، عن ابن عباس: أن عمر بن الخطاب قام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد: أيها الناس إن الله بعث محمدًا بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فقرأناها ووعيناها: ﴿الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة﴾ ورجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى أن يطول بالناس زمان أن يقول قائل: لا نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضةٍ أنزلها الله، وقد روي عنه نحو هذا من طرق.
وأخرج ابن مردويه عن حذيفة قال: قال لي عمر بن الخطاب: كم تعدون سورة الأحزاب، قلت: ثنتين أو ثلاثًا وسبعين، قال: إن كانت لتقارب سورة البقرة، وإن كان فيها لآية الرجم.
وأخرج البخاري في "تاريخه" عن حذيفة قال: قرأت سورة الأحزاب على رسول الله ﷺ ، فنسيت منها سبعين آيةً ما وجدتها.
وأخرج أبو عبيد في "الفضائل" وابن الأنباري، وابن مردويه عن عائشة قالت: كانت سورة تقرأ في زمان رسول الله ﷺ مئتي آية، فلما كتب عثمان المصاحف .. لم يقرر منها إلا على ما هو الآن.
وعن أبي بن كعب قال: كانت سورة الأحزاب تقارب سورة البقرة، أو أطول منها، وكان فيها آية الرجم، وهي: ﴿إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالًا من الله والله عزيز حكيم﴾ ثم رفع أكثرها فيما رفع، قال ابن كثير: إسناده حسن.
والله أعلم
* * *
المناسبة
قد تقدم لك بيان المناسبات بين بداية هذه السورة، ونهاية السورة السالفة، وأما قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ...﴾ الآيات، فمناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما أمر نبيه (١) بتقواه والخوف منه، وحذر من طاعة الكفار والمنافقين والخوف منهم .. ضرب لنا الأمثال، ليبين أنه لا يجتمع خوف من الله وخوف من سواه، فذكر أنه ليس للإنسان قلبان، حتى يطيع بأحدهما ويعصي بالآخر، وإذا لم يكن للمرء إلا قلب واحد، فمتى اتجه لأحد الشيئين صد عن الآخر، فطاعة الله تصد عن طاعة سواه، وأنه لا تجتمع الزوجية والأمومة في امرأة، والبنوة الحقيقية والتبني في إنسان.
قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه لما أبان (٢) فيما سلف أن الدعي ليس ابنًا لمن تبناه، فمحمد ﷺ ليس أبًا لزيد من حارثة، ثم أعقب ذلك بالإرشاد إلى أن المؤمن أخو المؤمن في الدين، فلا مانع أن يقول إنسان لآخر أنت أخي في الدين .. أردف ذلك ببيان أن محمدًا ﷺ ليس أبًا لواحدٍ من أمته، بل أبوته عامة، وأزواجه أمهاتهم، وأبوته أشرف من أبوة النسب؛ لأن بها الحياة الحقيقية. وهذه بها الحياة الفانية، بل هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا حضهم على الجهاد ونحوه .. فذلك لارتقائهم الروحي، فإذًا كيف يستأذن الناس آباءهم وأمهاتهم حين أمرهم ﷺ بغزوة تبوك، وهو أشفق عليهم من الآباء، بل من أنفسهم.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية بما قبلها: أن الله سبحانه لما أبان فيما سلف أحكامًا شرعها لعباده، وكان فيها أشياء مما كان في الجاهلية، وأشياء مما كان في الإِسلام، ثم أبطلت ونسخت .. أتبع ذلك بذكر ما فيه حث على التبليغ، فذكر أخذ العهد على النبيين أن يبلغوا رسالات ربهم، ولا سيما أولو العزم منهم، وهم الخمسة
стр. 10127
المذكورون في الآية، ما ذكر في آية أخرى سؤال الله أنبياءه عن تصديق أقوامهم له، ليكون في ذلك تبكيت للمكذبين من الكفار فقال: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما أمر عباده بتقواه وعدم الخوف من سواه .. ذكر هنا تحقيق ما سلف، فأبان أنه أنعم على عباده المؤمنين، إذ صرف عنهم أعداءَهم، وهزمهم حين تألبوا عليهم عام الخندق.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ...﴾ سبب نزول هذه الآية: ما (١) روى الضحاك عن ابن عباس، قال: إن أهل مكة منهم الوليد بن المغيرة، وشيبة بن ربيعة، دعوا النبي ﷺ أن يرجع عن قوله على أن يعطوه شطر أموالهم، وخوف المنافقون واليهود بالمدينة؛ إن لم يرجع قتلوه، فأنزل الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ....﴾.
قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه الترمذي وحسنه عن ابن عباس، قال: قام النبي ﷺ يصلي، فخطر خطرةً، فقال المنافقون الذين يصلون معه: ألا ترى أن له قلبين، قلبًا معكم، وقلبًا معه، فأنزل الله ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ...﴾.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق خصيف عن سعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة قالوا: كان رجل يدعى ذا القلبين، فنزلت هذه الآية.
وأخرج ابن جرير من طريق قتادة عن الحسن مثله، وزاد: وكان يقول: لي نفس تأمرني، ونفس تنهاني.
وأخرج من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: نزلت في رجل من بني
стр. 10128
فهم قال: إن في جوفي لقلبين، أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي: أنها نزلت في رجل من قريش من بني جمع، يقال له: جميل بن يعمر.
قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ ...﴾ الآية (١)، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي، في جماعة آخرين عن ابن عمر: أن زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ ، ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد، حتى نزل القرآن: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ...﴾ الآية. فقال النبي ﷺ : أنت زيد بن حارثة بن شراحيل.
وكان من خبره أنه سبي من قبيلته "كلب"، وهو صغير، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة، فلما تزوجها رسول الله ﷺ .. وهبته له، ثم طلبه أبوه وعمه، فخير بين أن يبقى مع رسول الله ﷺ أو أن يذهب مع أبيه، فاختار البقاء مع رسول الله ﷺ ، فأعتقه وتبناه، وكانوا يقولون: زيد بن محمد، فلما تزوج رسول الله ﷺ زينب، وكانت زوجًا لزيد، وطلقها .. قال المنافقون: تزوج محمد امرأة ابنه، وهو ينهى عن ذلك، فنزلت الآية لنفي أن يكون للمتبنى حكم الابن حقيقةً في جميع الأحكام التي تعطى للابن.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه البيهقي في "الدلائل" عن حذيفة، قال: لقد رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافون قعودًا، وأبو سفيان ومن معه من الأحزاب فوقنا، وقريظة أسفل منا، نخافهم على ذرارينا، وما أتت قط علينا ليلة أشد ظلمةً، ولا أشد ريحًا منها، فجعل المنافقون يستأذنون النبي ﷺ ، يقولون: إن بيوتنا عورة، وما هي بعورة، فما يستأذن أحد منهم إلا أذن له، فيتسللون إذا استقبلنا النبي ﷺ رجلًا رجلًا، حتى علي فقال: ائتني بخبر القوم، فجئت فإذا الريح في عسكرهم، ما تجاوز عسكرهم شبرًا، فوالله إني لأسمع صوت الحجارة
стр. 10129
في رحالهم وفرشهم، الريح تضربهم بها، وهم يقولون: الرحيل الرحيل، فجئت فأخبرته خبر القوم، وأنزل الله سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ الآية.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١ ٢)﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (١): ما أخرجه ابن أبي حاتم والبيهقي في "الدلائل" من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو المزني عن أبيه عن جده قال: خط رسول الله ﷺ الخندق عام الأحزاب، فأخرج الله سبحانه من بطن الخندق صخرةً بيضاء مدورةً، فأخذ رسول الله ﷺ المعول، فضربها ضربة صدعها، وبرق منها برق أضاء ما بين لابتي المدينة، فكبر وكبر المسلمون، ثم ضرب الثانية فصدعها، وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها، فكبر وكبر المسلمون، ثم ضربها الثالثة فكسرها، وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها، فكبر وكبر المسلمون، فسئل عن ذلك فقال: ضربت الأولى فأضاءت لي قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأخبرني جبريل: أن أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربت الثانية فأضاءت لي قصور قيصر من أرض الروم، وأخبرني جبريل: أن أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربت الثالثة فأضاء لي قصور صنعاء، وأخبرني جبريل: أن أمتي ظاهرة عليها، فقال المنافقون: ألا تعجبون، يحدثكم ويمنيكم ويعدكم الباطل، ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأنها تفتح لكم، وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق، لا تستطيعون أن تبرزوا، فأنزل الله قوله: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢)﴾. قال: ابن أبي حاتم. وأخرج جويبر عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في متعب بن قشير الأنصاري، وهو صاحب هذه المقالة.
التفسير وأوجه القراءة
١ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾؛ أي (٢): يا أيها النبي الكريم، خف الله بطاعته وأداء
стр. 10130
فريضته، وواجب حقوقه عليك، وترك محارمه، وانتهاك حدوده.
والخلاصة: يا أيها المخبر عنا، المأمون على وحينا، أثبت ودم على تقوى الله تعالى.
وناداه (١) تعالى بالنبي لا باسمه؛ أي: لم يقل يا محمد، كما قال يا آدم ويا نوح ويا موسى ويا عيسى ويا زكريا ويا يحيي، تشريفًا له، فهو من الألقاب المشرفة، الدالة على علو جنابه ﷺ ، وله ﷺ أسماء وألقاب غير هذا، وكثرة الأسماء والألقاب تدل على شرف المسمى، وأما تصريحه باسمه في قوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ فلتعليم الناس أنه رسول الله، وليعتقدوه كذلك، ويجعلوه من عقائدهم الحقة.
وقيل المعنى: يا أيها النبي اتق في نقض العهد، ونبذ الأمان، واثبت على التقوى، وزد منها، فإنه ليس لدرجات التقوى نهاية، وإنما حملت على الدوام، لأن المشتغل بالشيء لا يؤمر به، فلا يقال للجالس مثلًا: أجلس، أمره الله تعالى بالتقوى تعظيمًا لشأن التقوى، فإن تعظيم المنادي، ذريعة إلى تعظيم شأن المنادى له.
وقال ابن عطاء: معناه يا أيها المخبر عن خبر صدق، والعارف بي معرفةً حقيقةً، اتق الله في أن يكون لك الالتفات إلى شيء سواي. انتهى.
ولما وجه إلى رسوله ﷺ الأمر بتقوى الولي الودود .. أتبعه بالنهي عن الالتفات نحو العدو والحسود، فقال: ﴿وَلَا تُطِعِ﴾؛ أي: لا توافق ﴿الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: المجاهرين للكفر كأهل مكة، ﴿وَالْمُنَافِقِينَ﴾؛ أي: المظهرين للإسلام، المضمرين للكفر، كأهل المدينة فيما طلبوا منك، ولا تساعدهم على شيءٍ، واحترس منهم، فإنهم أعداء الله والمؤمنين.
روي (٢): أن أبا سفيان وعكرمة بن أبي جعل وأبا الأعور عمر بن سفيان
стр. 10131
السلمي، قدموا المدينة بعد غزوة أحد فنزلوا على عبد الله بن أبي بن سلول، وأعطاهم النبي الأمان على أن يكلموه، فقالوا: ارفض ذكر آلهتنا وقيل: إنها تنفع وتشفع وندعك وربك، ووازرهم المنافقون على ذلك، فهم المسلمون بقتلهم فنزلت الآية؛ أي: اتق الله في نقض العهد، ولا تطع الكافرين من أهل مكة، والمنافقين من أهل المدينة فيما طلبوا منك.
وقيل المعنى (١): أي ولا تطع الكافرين الذين يقولون لك: اطرد عنا أتباعك من ضعفاء المؤمنين حتى نجالسك، والمنافقين الذين يظهرون الإيمان والنصيحة، وهم لا يألونك وأصحابك إلا خبالًا، فلا تقبل لهم رأيًا، ولا تستشرهم مستنصحًا بهم، فإنهم أعداؤك، ويودون هلاكك، وإطفاء نور دينك.
روي: أنه لما قدم رسول الله ﷺ . المدينة تابعه ناس من اليهود نفاقًا، وكان يلين لهم جانبه، ويظهرون له النصح خداعًا، فحذره الله منهم، ونبهه إلى عداوتهم، ثم علل ما تقدم بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿كَانَ﴾ (٢) على الاستمرار والدوام، لا في جانب الماضي فقط ﴿عَلِيمًا﴾ بالمصالح والمفاسد، فلا يأمرك إلا بما فيه مصلحة، ولا ينهاك إلا عما فيه مفسدة، ﴿حَكِيمًا﴾ لا يحكم بما تقتضيه الحكمة البالغة.
قال أبو السعود: وهذه الجملة للأمر والنهي: مؤكدة لمضمون وجوب الامتثال. أو المعنى: أي إن الله سبحانه عليم بما تضمره نفوسهم، وما الذي يقصدونه من إظهار النصيحة، وبالذي تنطوي عليه جوانحهم، حكيم في تدبير أمرك وأمر أصحابك، وسائر شؤون خلقه، فهو أحق أن تتبع أوامره وتطاع.
والخلاصة: أنه تعالى هو العلم بعواقب الأمور، الحكيم في أقواله وأفعاله وتدبير شؤون خلقه،
٢ - ثم أكد وجوب الامتثال، بأن الأمر هو مربيك في نعمه، الغامر لك بإحسانه، فهو الجدير أن يتبع أمره، ويجتنب نهيه، فقال: ﴿وَاتَّبِعْ﴾ يا
стр. 10132
محمد ﴿مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ من القرآن؛ أي: واعمل بما ينزله إليك ربك من وحيه، وآي كتابه في كل أمورك، ولا تتبع شيئًا مما عداه من مشورات الكافرين والمنافقين، ولا من الرأي البحث، فإن فيما أوحي إليك ما يغنيك عن ذلك.
ثم علل ذلك بما يرغبه في اتباع الوحي، وبما ينأى به عن طاعة الكافرين والمنافقين، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: بما تعمل أنت وأصحابك ﴿خَبِيرًا﴾ لا يخفى عليه شيء منه، ثم يجازيكم على ذلك بما وعدكم به من الجزاء، وجملة ﴿إن﴾ معللة لأمره باتباع ما أوحي إليه، والأمر له ﷺ أمر لأمته، فهم مأمورون باتباع القرآن، كما هو مأمور باتباعه، ولذا جاء بخطابه وخطابهم في قوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ على قراءة الجمهور، بالفوقية للخطاب، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم.
وقرأ أبو عمرو السلمي وابن أبي إسحاق (١): ﴿بما يعملون﴾ بياء الغيبة هنا، وفيما سيأتي في قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾؛ أي: بما يعمل الكفار والمنافقون، ويحتمل أن يكون من باب الالتفات، وقرأ باقي السبعة ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ بتاء الخطاب في الموضعين.
٣ - ثم بعد أن أمره باتباع ما أوحي إليه من القرآن، وترك مراسيم الجاهلية، أمره بتفويض أموره إليه وحده، فقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾؛ أي: اعتمد عليه في شؤونك، وفوض أمورك إليه وحده ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾ سبحانه ﴿وَكِيلًا﴾؛ أي: حافظًا يحفظ من توكل عليه، وكفيلًا له في جميع شؤونه، فلا تلتفت في شيء من أمرك إلى غيره.
والخلاصة: حسبك الله، فإنه إن أراد لك نفعًا .. لم يدفعه عنك أحد، وإن أراد بك ضرًا .. لم يمنعه منك أحد. قال الزروقي في "شرح الأسماء الحسنى": الوكيل: هو المتكفل بمصالح عباده، والكافي لهم في كل أمر، ومن عرف أنه الوكيل .. اكتفى به في كل أمره، فلم يدبر معه، ولم يعتمد إلا عليه، وخاصيته
стр. 10133
نفي الجوائح والمصائب وصرفها، فمن خاف ريحًا أو صاعقة أو نحوهما .. فليكثر منه، فإنه يصرف ويفتح له أبواب الخير والرزق.
٤ - ثم ذكر سبحانه مثلًا توطئةً وتمهيدًا لما يعقبه من الأحكام القرآنية، التي هي من الوحي الذي أمره الله باتباعه، فقال: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ﴾؛ أي: ما خلق الله ﴿لِرَجُلٍ﴾؛ أي: لشخص، وهو مخصوص بالذكر من الإنسان، والتنكير (١) فيه، و ﴿من﴾ الاستغراقية في قوله: ﴿مِنْ قَلْبَيْنِ﴾ لإفادة التعميم، والقلب: مضغة صغيرة في هيئة الصنوبرة، خلقها الله تعالى في الجانب الأيسر من صدر الإنسان، معلقة بعرق الوتين، وجعلها محلًا للعلم ﴿فِي جَوْفِهِ﴾؛ أي: في صدره، وذكره لزيادة التقرير، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾.
وقيل: ﴿من﴾ في قوله: ﴿مِنْ قَلْبَيْنِ﴾: زائدة في المفعول، وإنما (٢) امتنع تعدد القلب؛ لأنه معدن الروح الحيواني، المتعلق للنفس الإنساني، ومنبع القوى بأسرها، فيمتنع تعدده, لأنه يؤدي إلى التناقض، وهو أن يكون كل منهما أصلًا لكل القوى، وغير أصل لها. اهـ. "كرخي".
قيل (٣): نزلت هذه الآية في أبي معمر جميل بن أسد الفهري، كما سبق، كان رجلًا لبيبًا حافظًا لما يسمع، فقالت قريش: ما حفظ أبو معمر هذه الأشياء إلا من أجل أن له قلبين، وكان هو يقول: لي قلبان أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد، فلما هزم الله المشركين يوم بدر .. انهزم أبو معمر، فلقيه أبو سفيان، وإحدى نعليه بيده، والأخرى برجله، فقال له: يا أبا معمر ما حال الناس؟ فقال: انهزموا، فقال: ما بال إحدى نعليك في يدك، والأخرى في رجلك؟ فقال أبو معمر: ما شعرت إلا أنهما في رجلي، فعلموا يومئذ أنه لو كان له قلبان لما نسي نعله في يده.
стр. 10134
وقيل (١): هي مثل ضربه الله للمظاهر؛ أي: كما لا يكون للرجل قلبان، كذلك لا تكون امرأة المظاهر أمه، حتى يكون لَهُ أُمَّان، وكذلك لا يكون الدعي ابنًا لرجلين، وقيل: كان الواحد من المنافقين يقول: لي قلب يأمرني بكذا، وقلب ينهاني عن كذا، فنزلت الآية لرد النفاق، وبيان أن النفاق لا يجتمع مع الإِسلام، كما لا يجتمع قلبان في جوف واحد.
﴿وَمَا جَعَلَ﴾ سبحانه ﴿أَزْوَاجَكُمُ﴾؛ أي: نساءَكم وزوجاتكم أيها الرجال جمع زوج ﴿اللَّائِي﴾ جمع التي ﴿تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ﴾؛ أي: تقولون لهن، أنتن علينا كظهور أمهاتنا؛ أي: في التحريم، فإن معنى ظاهر من امرأته: قال لها: أنت علي كظهر أمي، فهو مأخوذ من الظهر بحسب اللفظ، كما يقال: لبى المحرم: إذا قال: لبيك، وأفف الرجل: إذا قال: أفٍّ، وتعديته بـ ﴿من﴾ لتضمينه التجنب، وكان طلاقًا في الجاهلية، وكانوا يجتنبون المظاهر، منها كما يجتنبون المطلقة.
فمعنى أنت علي كظهر أمي (٢): أنت علي حرام كبطن أمي، فكنوا عن البطن بالظهر، لئلا يذكروا البطن، الذي ذكره يقارب ذكر الفرج، وإنما جعلوا الكناية بالظهر عن البطن, لأنه عمود البطن قوام البنية، ﴿أُمَّهَاتِكُمْ﴾؛ أي: كأمهاتكم في الحرمة.
والمعنى: ما جمع الله الزوجية والأمومة في امرأة؛ لأن الأم مخدومة لا يتصرف فيها، والزوجة خادمة يتصرف فيها، والمراد بذلك: نفي ما كانت العرب تزعمه، من أن الزوجة المظاهر منها كالأم؛ أي: ولم يجعل (٣) الله سبحانه لكم أيها الرجال نساءكم اللاتي تقولون لهن: أنتن علينا كظهور أمهاتنا أمهاتكم، بل جعل ذلك من قبلكم كذبًا، لا من قبل الله سبحانه، بل ألزمكم عقوبةً وكفارةً على ذلك، كما سيأتي بيانها في سورة المجادلة.
وقد كان الرجل في الجاهلية متى قال هذه المقالة لامرأته .. صارت حرامًا
стр. 10135
حرمةً مؤيدةً، فجاء الإِسلام ومنع هذا التأبيد، وجعل الحرمة مؤقتة، حتى تؤدى كفارة - غرامة - لانتهاكه حرمة الدين، إذ حرم ما أحل الله له.
وقرأ قالون وقنبل (١): ﴿اللَّائِي﴾ هنا، وفي المجادلة والطلاق بالهمز من غير ياء، وقرأ ورش: بهمزة مكسورة مسهلة كالياء، بدون ياء بعدها، وقرأ البزي وأبو عمرو: بياء ساكنة بعد ألف محضة بدلًا من الهمزة، وهو بدل مسموع لا مقيس، قال أبو عمرو بن العلاء: هي لغة قريش التي أمر الناس أن يقرؤوا بها، وقرأ باقي السبعة: بالهمز وياء بعدها.
وقرأ عاصم: ﴿تُظَاهِرُونَ﴾ هنا بتاء الخطاب المضمومة مع كسر الهاء أيضًا، مضارع ظاهر، من باب فاعل الرباعي، وقرأ الحرميان: نافع وابن كثير وأبو عمرو: ﴿تظهرون﴾ بشد الظاء والهاء وفتح التاء بدون ألف، أصله: تتظهرون، وقرأ ابن عامر: ﴿تظاهرون﴾ بفتح التاء والهاء وتشديد الظاء، مضارع تظاهر، من باب تفاعل، وقرأ حمزة والكسائي: ﴿تظاهرون﴾ بتخفيف الظاء وبالألف بحذف إحدى التاءين؛ لأن أصله: تتظاهرون، ووافقهما ابن عامر في المجادلة، وقرأ باقي السبعة في المجادلة: ﴿تظاهرون﴾ بشد الظاء، وقرأ ابن وثاب فيما نقل ابن عطية: ﴿يظهرون﴾ بضم الياء وسكون الظاء وكسر الهاء، مضارع أظهر، وفيما حكى أبو بكر الرازي عنه: بتخفيف الظاء، لحذفهم تاء المطاوعة وشد الهاء، وقرأ الحسن: ﴿تظهرون﴾ بضم التاء وتخفيف الظاء وشد الهاء، مضارع ظهر مشدد الهاء، وقرأ هارون عن أبي عمرو: ﴿تظهرون﴾ بفتح التاء والهاء وسكون الظاء مخفف الهاء، من ظهر الثلاثي، وفي مصحف أبي: ﴿تتظهرون﴾ بتاءين فتلك تسع قراءات.
﴿وَمَا جَعَلَ﴾ : ﴿أَدْعِيَاءَكُمْ﴾ الذين تبنيتم، جمع دعي فعيل بمعنى مفعول؛ أي: مدعو، وهو الذي يدعى ولدًا لغير أبيه ويتخذ ابنًا؛ أي: متبنى، بتقديم الباء الموحدة على النون، ﴿أَبْنَاءَكُمْ﴾؛ أي: كأبنائكم حقيقة في
стр. 10136
حكم الميراث والحرمة والنسب؛ أي (١): ما جعل الدعوة والنبوة في رجلٍ واحدٍ؛ لأن الدعوة عرض، والبنوة: أصل في النسب، ولا يجتمعان في الشيء، وهذا أيضًا ردّ لما كانوا يزعمون، من أن دعي الرجل ابنه، فيجعلون له من الميراث مثل نصيب الذكر من أولادهم، ويحرمون نكاح زوجته إذا طلقها أو مات عنها.
والمعنى (٢): أي ولم يجعل الله من أدعى أحدكم أنه ابنه، وهو ابن غيره ابنًا له بدعواه فحسب، وفي هذا إبطال لما كان في الجاهلية وصدر الإِسلام، من أنه إذا تبنى الرجل ابن غيره .. أجريت عليه أحكام الابن النسبي، وقد تبنى رسول الله ﷺ قبل البعثة زيد بن حارثة، والخطَّاب عامر بن ربيعة، وأبو حذيفة سالمًا.
ويجوز أن يكون نفي القلبين لتمهيد أصل يحمل عليه نفي الأمومة عن المظاهر منها، والبنوة عن المتبنى، كما مر.
والمعنى (٣): لما لم يجعل الله قلبين في جوف واحدٍ لأدائه إلى التناقض، وهو أن يكون كل منهما أصلًا لكل القوى، وغير أصلٍ، كذلك لم يجعل الله الزوجة أمًا، والدعي ابنًا لأحدٍ، يعني كون المظاهر منها أمًا، وكون الدعي ابنًا؛ أي: بمنزلة الأم والابن في الآثار والأحكام المعهودة بينهم في الاستحالة، بمنزلة اجتماع قلبين في جوف واحد.
وفيه إشارة إلى أن في القرابة النسبية خواص لا توجد في القرابة السببية، فلا سبيل لأحد أن يضع في الأزواج بالظهار وما وضع الله في الأمهات، ولا أن يضع في الأجانب بالتبني ما وضع الله في الأبناء، فإن الولد سر أبيه، فما لم يجعل الله فليس في مقدور أحد أن يجعله.
﴿ذَلِكُمْ﴾ المذكور (٤) من قولكم للزوجة: أنت علي كظهر أمي، أو للدعي
стр. 10137
أنت ابني ﴿قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ فقط؛ أي: قول تقولونه بألسنتكم لا حقيقة له ولا تأثير له إذ الإبن يكون بالولادة وكذلك الأم فلا تصير به المرأة أمًا، ولا ابن الغير به ابنًا، ولا يترتب على ذلك شيء من أحكام الأمومة والبنوة، وقيل: الإشارة (١) إلى الأخير فقط, لأنه المقصود من سياق الكلام؛ أي: دعاؤكم الدعي بقولكم: هذا ابني قولكم بألسنتكم، لا تأثير له في الأعيان، فهو بمعزل عن أحكام البنوة كما زعمتم، والأفواه جمع فم، كما سيأتي. قال الراغب: وكل موضع علق الله فيه حكم القول بالفم فإشارة إلى الكذب، وتنبيه على أن الاعتقاد لا يطابقه.
﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿يَقُولُ﴾ القول ﴿الْحَقَّ﴾ والصدق، والكلام المطابق للواقع الذي يجب اتباعه لكونه حقًا في نفسه، لا باطلًا، فيدخل تحته دعاء الأبناء لآبائهم، أو يحكم الحكم الحق، وهو أن غير الابن لا يكون ابنًا، ﴿وَهُوَ﴾ ﴿يَهْدِي﴾ ويرشد ﴿السَّبِيلَ﴾؛ أي: سبيل الحق لا غيره، فدعوا أقوالكم وخذوا بقوله هذا؛ أي: يدل على الطريق الموصلة إلى الحق.
وقرأ الجمهور: ﴿يَهْدِي﴾ مضارع هدى، وقتادة: بضم الياء وفتح الهاء وشد الدال. ذكره أبو حيان.
والمعنى (٢): أي والله هو الصادق الذي يقول الحق، وبقوله يثبت نسب من أثبت نسبه، وبه تكون المرأة أمًا إذا حكم بذلك، وهو يبيّن لعباده سبيل الحق، ويهديهم إلى طريق الرشاد، فدعوا قولكم وخذوا بقوله عزّ اسمه.
وفي هذا: إرشاد للعباد إلى قول الحق، وترك قول الباطل والزور.
وخلاصة ما سلف:
١ - أنه لم ير في حكمته أن يجعل للإنسان قلبين؛ لأنه إما أن يفعل بأحدهما مثل ما يفعل بالآخر، فأحدهما يكون نافلة غير محتاج إليه، وإما أن يفعل بهذا غير ما يفعل بذاك، وهذا يؤدي إلى التناقض في أعمال الإنسان،
стр. 10138
فيكون مريدًا للشيء كارهًا له، وظانًا له موقنًا به في حال واحدة، وهذا لن يكون.
٢ - أنه لم ير أن تكون المرأة أمًا لرجل وزوجًا له, لأن الأم مخدومة مخفوض لها الجناح، والمرأة مستخدمة في المصالح الزوجية على وجوه شتى.
٣ - لم يشأ في حكمته أن يكون الرجل الواحد دعيًا لرجل وابنًا له؛ لأن البنوة نسب أصيل عريق، والدعوة إلصاق عارض بالتسمية، لا غير، ولا يجتمع في الشيء الواحد أن يكون أصيلًا وغير أصيلٍ.
٥ - ولما ذكر أنه يقول الحق .. فصل هذا الحق بقوله: ﴿ادْعُوهُمْ﴾؛ أي: أنسبوا أدعياءكم الذين ألحقتم أنسابهم بكم ﴿لِآبَائِهِمْ﴾؛ أي: إلى آبائهم الذين ولدوهم، فقولوا: زيد بن حارثة، ولا تقولوا: زيد بن محمد، وكذا غيره ﴿هُوَ﴾؛ أي: الدعاء لآبائهم، فالضمير (١) لمصدر ﴿دعوا﴾، كما في قوله: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، ﴿أَقْسَطُ﴾ وأعدل ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ سبحانه، وأصوب في حكمه من دعائكم إياهم لغير آبائهم، وأقسط أفعل تفضيل، قصد به الزيادة المطلقة.
والمعنى: بالغ في العدل والصدق، وهذه الجملة معللة لما قبلها.
وفي "كشف الأسرار": هو أعدل وأصدق من دعائهم إياهم لغير آبائهم.
﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا﴾ أنتم أيها الناس، ولم تعرفوا آباء أدعيائكم من هم، حتى تنسبوهم إليهم، وتلحقوهم بهم ﴿فَـ﴾ هم ﴿إِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ إن كانوا قد دخلوا في دينكم ﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾ إن كانوا محررين؛ أي: قولوا: هو مولى فلان، ولهذا قيل لسالم بعد نزول الآية: مولى حذيفة، وكان قد تبناه من قبل، قال الزجاج: ويجوز (٢) أن يكون ﴿مواليكم﴾ أولياؤكم في الدين، وقيل المعنى: فإن كانوا محررين، ولم يكونوا أحرارًا .. فقولوا: موالي فلان.
стр. 10139
فائدة: قال بعضهم (١): متى عرض ما يحيل معنى الشرط .. جعلت إن بمعنى إذ، وإذ: يكون للماضي، فلا منافاة هاهنا بين حرفي الماضي والاستقبال، قال البيضاوي: في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ إن تفعلوا جزم بـ ﴿لَمْ﴾ فإنها لما صيرته؛ أي: المضارع ماضيًا صارت كالجزء منه، وحرف الشرط كالداخل على المجموع، وكأنه قال: فإن تركتم الفعل، ولذلك ساغ اجتماعهما؛ أي: حرف الشرط ولم. انتهى.
﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ﴾ أيها الناس ﴿جُنَاحٌ﴾؛ أي: ذنب وإثم ﴿فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾؛ أي: فيما فعلتموه من تلك الدعوة، مخطئين قبل النهي أو بعده، نسيانًا أو سبق لسان.
قال ابن عطية: لا تتصف التسمية بالخطأ إلا بعد النهي، والخطأ: العدول عن الجهة المقصودة؛ أي: لا إثم عليكم فيما وقع منكم من ذلك خطأ من غير عمد بالنسيان، أو سبق اللسان، فقول القائل لغيره: يا بني، بطريق الشفقة، أو يا أبي، أو يا عمي، بطريق التعظيم، فإنه مثل الخطأ لا بأس به، ألا ترى أن اللغو في اليمين مثل الخطأ وسبق اللسان.
﴿وَلَكِنْ﴾ الجناح والإثم فيـ ﴿مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾؛ أي: فيما قصدت قلوبكم به بعد النهي، على أن ما في محل الجر عطفًا على ﴿مَا أَخْطَأْتُمْ﴾، أو المعنى: ولكن ما تعمدت قلوبكم فيه الجناح، على أن محل ﴿ما﴾ الرفع على الابتداء محذوف الخبر؛ أي: ولكن الجناح والإثم عليكم فيما فعلتموه عامدين، من نسبة الأبناء إلى غير آبائهم مع علمكم بذلك.
وخلاصة ما سلف (٢): أنه لا إثم عليكم إذا نسبتم الولد لغير أبيه خطأً غير مقصود، كان سهوتم أو سبق لسانكم بما تقولون، ولكن الإثم عليكم إذا قلتم ذلك تعمدين.
أخرج ابن جرير وابن المنذر وعن قتادة، أنه قال في الآية: لو دعوت رجلًا
стр. 10140
لغير أبيه، وأنت ترى أنه أبوه .. لم يكن عليك بأس، ولكن ما تعمدت وقصدت دعاءه لغير أبيه.
وفي الحديث: "من دعي إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه .. فالجنة عليه حرام".
﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ ﴿غَفُورًا﴾؛ أي: ستارًا لذنب من ظاهر زوجته، وقال الزور والباطل من القول، وذنب من ادعى ولد غيره ابنًا له، إذا تابا ورجعا إلى أمر الله، وانتهيا عن قيل الباطل، بعد أن نهاهما - ﴿رَحِيمًا﴾ بهما بقبول توبتهما، فلا يعاقبهما على ذلك بعد توبتهما.
فالمغفرة (١): هو أن يستر القادر القبيح الصادر ممن تحت قدرته، والرحمة: هو أن يميل إلى شخص بالإحسان لعجز المرحوم إليه، لا لعوض.
٦ - ثم ذكر سبحانه لرسوله مزيةً عظيمةً، وخصوصيةً جليلةً لا يشاركه فيها أحد من العباد، فقال: النبي محمد ﷺ ﴿أَوْلَى﴾؛ أي: أرأف وأشفق وأحرس ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: النبي أشد (٢) ولايةً ونصرةً لهم من أنفسهم، فإن النبي ﷺ لا يأمرهم إلا بما فيه خيرهم وصلاحهم، ولا ينهاهم إلا عما يضرهم ويؤذيهم في دنياهم وآخرتهم، أما النفس، فإنها أمارة بالسوء، وقد تجهل بعض المصالح، وتخفى عليها بعض المنافع.
روي: أن النبي ﷺ أراد غزوة تبوك، فأمر الناس بالخروج، فقال ناس: نشاور آباءنا وأمهاتنا فنزلت.
والمعنى (٣): النبي ﷺ أحرى وأجدر بالمؤمنين من أنفسهم في كل أمر من أمور الدين والدنيا، كما يشهد به الإطلاق على معنى أنه لو دعاهم إلى شيء ودعتهم نفوسهم إلى شيء آخر .. كان النبي أولى بالإجابة إلى ما يدعوهم إليه من
стр. 10141
إجابة ما تدعوهم إليه نفوسهم لأن النبي ﷺ لا يدعوهم إلا إلى ما فيه نجاتهم وفوزهم، وأما نفوسهم فربما تدعوهم إلى ما فيه هلاكهم، وبوارهم، كما قال تعالى حكايةً عن يوسف الصديق ﵇: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ فيجب أن يكون ﵇ أحب إليهم من أنفسهم، وأمره أنفذ عليهم من أمرها، وآثر لديهم من حقوقها، وشفقتهم عليه أقدم من شفقتهم عليها، وأن يبذلوها دونه، ويجعولها فداءه في الخطوب والحروب، ويتبعوه في كل ما دعاهم إليه، ويجعلوه مقدمًا على ما يختارونه لأنفسهم، كما قال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾.
وخلاصة ذلك: أنه تعالى علم شفقته ﷺ على أمته، وشدة نصحه لهم، فجعله أولى بهم من أنفسهم، وفي الحديث: "ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة"؛ أي: في الشفقة من أنفسهم ومن آبائهم، وفيه أيضًا: "مثلي ومثلكم، كمثل رجل أوقد نارًا، فجعل الفراش والجنادب يقعن فيها، وهو يذب عنها، وأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تفلتون من يدي". وفيه أيضًا: "لا يؤمن أحدكم، حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده وماله والناس أجمعين".
قال في "الأسئلة المقحمة": وفي الآية إشارة إلى أن اتباع الكتاب والسنة أولى، من متابعة الآراء والأقيسة، حسبما ذهب إليه أهل السنة والجماعة.
وقيل (١): المراد بـ ﴿أَنْفُسِهِمْ﴾ في الآية بعضهم، فيكون المعنى: أن النبي ﷺ أولى بالمؤمنين من بعضهم ببعض، وقيل: هي خاصة بالقضاء؛ أي: هو أولى بهم من أنفسهم فيما قضى به بينهم، وقيل: أولى بهم في الجهاد بين يديه، وبذل النفس دونه، والأول أولى.
﴿وَأَزْوَاجُهُ﴾؛ أي: زوجاته ﷺ ﴿أُمَّهَاتُهُمْ﴾؛ أي: مثل أمهاتهم، ومنزلات منزلتهن في التحريم والاحترام والتوقير والإكرام، فلا يحل لأحد منهم أن يتزوج
стр. 10142
بواحدة منهن، كما لا يحل له أن يتزوج أمه كما قال تعالى: ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ فهذه الأمومة مختصة بتحريم النكاح لهن وبالتعظيم لجنابهن، وأما فيما عدا ذلك من النظر إليهن، والخلوة بهن، والمسافرة معهن، والميراث، فهن كالأجنبيات، فلا يحل النظر إليهن، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ولا الخلوة بهن، ولا المسافرة معهن، ولا يرثن المؤمنين، ولا يرثونهن.
ثم إن (١) حرمة نكاحهن من احترام النبي ﷺ واحترامه واجب على الأمة، وتخصيص التحريم بهن، يدل على أنه لا يتعدى إلى عشيرتهن فلا يقال لبناتهن: أخوات المؤمنين، ولا لإخوانهن وأخواتهن أخوال المؤمنين وخالاتهم، ولهذا قال الشافعي: تزوج الزبير أسماء بنت أبي بكر، وهي أخت أم المؤمنين، ولم يقل: هي خالة المؤمنين.
وقال القرطبي: الذي يظهر لي: أنهن أمهات الرجال والنساء، تعظيمًا لحقهن على الرجال والنساء، كما يدل عليه قوله: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ وهذا يشمل الرجال والنساء ضرورةً قال: ثم إن في مصحف أبي بن كعب: ﴿وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم﴾، وقرأ ابن عباس: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم وأزواجه أمهاتهم﴾.
قيل: كن (٢) أمهات الرجال دون النساء، بدليل ما روي عن مسروق: إن امرأة قالت لعائشة: يا أمه، فقالت: لست لك بأم، إنما أنا أم رجالكم، فبان بذلك أن معنى الأمومة: إنما هو تحريم نكاحهن.
وظاهر قوله (٣): ﴿وَأَزْوَاجُهُ﴾: عموم كل من أطلق عليها أنها زوجة له ﷺ ؛ أي: سواء دخل بهن أو لا، وسواء مات عنهن أو طلقهن، وقيل: لا يثبت هذا الحكم لطلقة، وقيل: من دخل بها ثبتت حرمتها قطعًا.
стр. 10143
وفي "فتح الرحمن": وإنما (١) جعلهن الله كالأمهات، ولم يجعل نبيه كالأب حتى قال: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ لأنه تعالى أراد أن أمته يدعون أزواجه بأشرف ما تنادى به النساء، وهو الأم، وأشرف ما ينادى به النبي ﷺ لفظ الرسول، ولأنه تعالى جعلهن كالأمهات، إجلالًا لنبيه، لئلا يطمع أحد في نكاحهن بعده، ولو جعله أبًا للمؤمنين .. لكان أبًا للمؤمنات أيضًا فيحرمن عليه، وذلك ينافي إجلاله وتعظيمه، ولأنه تعالى جعله أولى بنا من أنفسنا، وذلك أعظم من الأب في القرب والحرمة، إذ لا أقرب للإنسان من نفسه، ولأن من الآباء من يتبرأ من ابنه، ولا يمكنه أن يتبرأ من نفسه. انتهى.
ثم بين سبحانه: أن القرابة أولى بالإرث بها من الأخوة في الدين، فقال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾؛ أي: ذوو القربات النسبية ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلَى﴾ وأحق ﴿بـ﴾ إرث ﴿بَعْضٍ﴾ آخر منهم، فالكلام على حذف مضاف.
وهذه الآية كانت ناسخة للتوارث بالحلف والمؤاخاة بين المسلمين، وكان (٢) التوارث في بدء الإِسلام بالحلف والمؤاخاة بين المسلمين، فكان المهاجري يرث الأنصاري دون قراباته، وذوي رحمه، للأخوة التي آخى بينهما رسول الله ﷺ حين الهجرة، فقد آخى بين أبي بكر ﵁ وخارجة بن زيد، وبين عمر وشخص آخر، وبين الزبير وكعب بن مالك، ثم نسخ ذلك بهذه الآية.
وقوله تعالى: ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ : يجوز (٣) أن يتعلق بـ ﴿أَوْلَى﴾ لأن أفعل التفضيل يعمل في الظروف.
والمعنى: هذه الأولوية، وهذا الاستحقاق، كائن وثابت في كتاب الله تعالى، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من الضمير في ﴿أَوْلَى﴾، والعامل فيها ﴿أَوْلَى﴾ لأنها شبيهة بالظرف؛ أي: حالة كون أولويتهم ثابتةً في كتاب الله تعالى، ولا يجوز أن يكون حالًا من ﴿أولوا﴾ للفصل بالخبر، ولأنه لا عامل فيها
стр. 10144
على مذهب الجمهور. انتهى. من "الكرخي".
والمراد بالكتاب: اللوح المحفوظ، أو القرآن، أو آية المواريث، وقوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: الأنصار ﴿وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ يجوز في ﴿من﴾ وجهان:
أحدهما: أنها من الجارة للمفضل عليه، كهي في زيد أفضل من عمرو، المعنى عليه: وأولو الأرحام والقرابات، أولى بالإرث من المؤمنين والمهاجرين الأجانب.
والثاني: أنا للبيان، جيء بها بيانًا لأولي الأرحام، فتتعلق بمحذوف، والمعنى: وأولو الأرحام الكائنون من المؤمنين والمهاجرين، أولى بالإرث من الأجانب. اهـ. "سمين".
والمعنى (١): أي وأولو الأرحام أولى بالإرث بحق القوابة، من إرث المؤمنين بحق الدين، ومن إرث المهاجرين بحق الهجرة، فيما كتبه الله سبحانه، وفرضه على عباده.
والخلاصة: أن هذه الآية أرجعت الأمور إلى نصابها، وأبطلت حكمًا شرع لضرورةٍ عارضةٍ في بدء الإِسلام، وهو الإرث بالتآخي في الدين، والتآخي حين الهجرة بين الماجرين والأنصار، حين كان المهاجري يرث الأنصاري دون قرابته وذوي رحمه.
ثم استثنى من ذلك الوصية، فقال: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ﴾ وأصدقائكم؛ أي: إلا أن تحسنوا إلى أصدقائكم من الأجانب ﴿مَعْرُوفًا﴾؛ أي: وصيةً من الثلث؛ أي (٢): إن أوصيتم فغير الوارثين أولى، وإن لم توصوا .. فالوارثون أولى بميراثكم وبما تركتم.
وهذا الاستثناء إما متصل من أعم ما تقدر فيه الأولوية من النفع، كقولك: القريب أولى من الأجنبي، إلا في الوصية، تريد أحق منه في كل نفع، من
стр. 10145
ميراثٍ وهبةٍ وهديةٍ وصدقة وغير ذلك، إلا في الوصية، والمراد بالأولياء: من يوادونهم ويصادقونهم، ومن يوالونهم ويؤاخونهم، وبفعل المعروف الوصية؛ أي: التوصية بثلث المال، أو أقل منه، لا بما زاد عليه.
والمعنى: وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كل نفع، من ميراثٍ وهبةٍ وهديةٍ وصدقةٍ وغير ذلك، إلا أن تفعلوا إلى أصدقائكم معروفًا بتوصيةٍ لهم من ثلث المال، فهم أولى بالوصية, لأنه لاوصية لوارث، ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعًا؛ أي: الأقارب أحق بالميراث من الأجانب، لكن فعل التوصية أولى للأجانب من الأقارب, لأنه لا وصية لوارث.
ومعنى الآية: أن الله سبحانه لما نسخ التوارث بالحلف والهجرة .. أباح أن يوصى لهم.
ثم بين أن هذا الحكم هو الأصل في الإرث، وهو الحكم الثابت في كتابه، الذي لا يغير ولا يبدل، فقال: ﴿كَانَ ذَلِكَ﴾ المذكور في الآيتين: من أولوية النبي ﷺ بأنفسهم، ونسخ الميراث بالهجرة والمحالفة والمعاقدة، ورده إلى ذوي الأرحام من القرابات ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ متعلق بقوله: ﴿مَسْطُورًا﴾؛ أي: مكتوبًا؛ أي: كان ذلك المذكور من الحكمين مثبتًا في اللوح المحفوظ، أو مكتوبًا في القرآن الكريم.
والمعنى: أي (١) إن هذا الحكم، وهو كون أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض: حكم من الله تعالى مقدر مكتوب في الكتاب، الذي لا يبدل ولا يغير وإن كان قد شرع غيره في وقتٍ ما لمصلحةٍ عارضةٍ، وحكمةٍ بالغةٍ، وهو يعلم أنه سيغيره إلى ما هو جارٍ في قدره الأزلي، وقضائه التشريعي.
واعلم: أنه (٢) لا توارث بين المسلم والكافر، ولكن صحت الوصية بشيء من مال المسلم للذمي, لأنه كالمسلم في المعاملات، وصحت الوصية بعكسه؛ أي: من الذمي للمسلم، ولذا ذهب بعضهم إلى أن المراد بالأولياء: هم الأقارب
стр. 10146
من غير المسلمين؛ أي: إلا أن توصوا لذوي قرابتكم بشيء، وإن كانوا من غير أهل الإيمان, وذلك فإن القريب غير المسلم، يكون كالأجنبي، فتصح الوصية له مثله، وأما الوصية لحربي فلا تصح مطلقًا؛ أي: قريبًا أو أجنبيًا؛ لأنه ليس من أهل المواساة، والمعروف له كتربية الحية الضارة لتلدغه، وندبت الوصية. عند الجمهور في وجوه الخير، لتدارك التقاصير.
٧ - والظرف في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ﴾: متعلق بمحذوف، تقديره: واذكر يا محمد لقومك، أو ليكن ذكر منك، يعني لا تنس قصة وقت أخذنا من الأنبياء كافةً عند تحميلهم الرسالة ﴿مِيثَاقَهُمْ﴾؛ أي: عهودهم المؤكدة باليمين على تبليغ الرسالة، والدعوة إلى التوحيد والدين الحق.
ثم خصص سبحانه بعض النبيين بالذكر بعد التعميم الشامل لهم ولغيرهم فقال: ﴿وَمِنْكَ﴾؛ أي: وأخذنا منك يا حبيبي خاصةً، وقدم تعظيمًا وإشعارًا بأنه أفضل الأنبياء وأولهم في القرب، وإن كان آخرهم في البعث، وفي الحديث: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر"؛ أي: لا أقول هذا بطريق الفخر، ﴿و﴾ أخذنا ﴿مِنْ نُوحٍ﴾ شيخ الأنبياء وأول الرسل بعد الطوفان ﴿وَإِبْرَاهِيمَ﴾ الخليل ﴿وَمُوسَى﴾ الكليم ﴿وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ روح الله وكلمته خصهم (١) بالذكر مع اندراجهم في النبيين، للإيذان بمزيد فضلهم، وكونهم من مشاهير أرباب الشرائع، وأساطين أولي العزم من الرسل، قال الزجاج: وأخذ الميثاق حين أخرجوا من صلب آدم مثل الذر، ثم أكد ما أخذه على النبيين من الميثاق، بتكرير ذكره ووصفه بالغلظ، فقال: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ﴾؛ أي: من النبيين ﴿مِيثَاقًا﴾؛ أي: عهدًا مؤكدًا وثيقًا ﴿غَلِيظًا﴾؛ أي: شديدًا على الوفاء بما التزموا من تبليغ الرسالات، وأداء الأمانات، وهذا هو الميثاق الأول بعينه، والتكرير لبيان هذا الوصف، ويجوز أن يكون قد أخذ الله عليهم الميثاق مرتين، فأخذ عليهم في المرة الأولى مجرد الميثاق بدون تغليظ ولا تشديد، ثم أخذه عليهم ثانيًا مغلظًا مشددًا.
стр. 10147
والمعنى (١): أي واذكر أيها الرسول الكريم، العهد والميثاق الذي أخذه الله تعالى على أولى العزم الخمسة، وبقية الأنبياء، ليقيمن دينه ويبلغن رسالته، ويتناصرن، كما قال في آية أخرى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ الآية. ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ بسؤالهم عما فعلوا حين الإرسال كما قال: ﴿وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ وقد جرت العادة أن الملك إذا أرسل رسولًا وأمره بشيء، وقبله .. كان ذلك ميثاقًا عليه، فإذا أعلمه بأنه سيسأله عما يقول، ويفعل .. كان ذلك تغليظًا للميثاق، حتى لا يزيد ولا ينقص في الرسالة.
فإن قلت: لم (٢) قدم النبي ﷺ في هذه الآية، وقدم نوحًا في آية ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ الآية؟
قلت: قدمه ﷺ هنا إظهارًا لشرفه وفضله عليهم ﷺ عليهم أجمعين، وقدم نوحًا هناك, لأن الآية سيقت لوصف ما بعث به نوح من العهد القديم، وما بعث به نبينا من العهد الحديث، وما بعث به من توسطهما من الأنبياء المشاهير، فكان تقديم نوح فيها أشد مناسبةً للمقصود من بيان أصالة الدين وقدمه. اهـ. "كرخي".
٨ - ثم بين علة أخذ الميثاق على النبيين، فقال: ﴿لِيَسْأَلَ﴾ الله سبحانه ﴿الصَّادِقِينَ﴾؛ أي: الأنبياء ﴿عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ في تبليغ الرسالة إلى قومهم، وفي هذا وعيد لغيرهم؛ لأنهم إذا كانوا يسألون عن ذلك فكيف غيرهم.
وقيل: ليسأل الأنبياء عما أجابهم به قومهم، كما في قوله: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ و (اللام) فيه: لام كي، إما متعلقة بـ ﴿أَخَذْنَا﴾؛ أي: وأخذنا من هؤلاء الأنبياء ميثاقهم، لكي نسأل المرسلين عما أجابتهم به أممهم، وما فعل أقوامهم فيما بلغوهم عن ربهم من الرسالة، وقيل: متعلق بمحذوف مستأنف، مسوق لبيان ما هو داع، إلى ما ذكر من أخذ الميثاق وغاية
стр. 10148
له، لا بـ ﴿أَخَذْنَا﴾ فإن المقصود نفس الميثاق، ثم بيان الغرض منه بيانًا قصديًا، كما ينبىء عنه تغيير الأسلوب بالالتفات إلى الغيبة.
والمعنى: فعل الله ذلك ليسأل يوم القيامة الأنبياء الذين صدقوا عهودهم عما قالوا لقومهم وفي الخبر: "أنه يسأل القلم يوم القيامة، فيقول: ما فعلت بأمانتي؟ فيقول: يا رب سلمتها إلى اللوح، ثم يصير القلم يرتعد مخافة أن لا يصدقه اللوح، فيسأل اللوح، فيقر بأن القلم قد أدى الأمانة، وأنه قد سلمها إلى إسرافيل، فيقول لإسرافيل: ما فعلت بأمانتي التي سلمها إليك اللوح؟ فيقول: سلمتها إلى جبريل، فيقول لجبريل: ما فعلت بأمانتي؟ فيقول: سلمتها إلى أنبيائك، فيسأل الأنبياء فيقولون: سلمناها إلى خلقك، فذلك قوله: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ قال القرطبي: إذا كان الأنبياء يسألون، فكيف من سواهم.
وقوله تعالى: ﴿وَأَعَدَّ﴾؛ أي: هيأ في الآخرة ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾؛ أي: للمكذبين الرسل ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾؛ أي: وجيعًا معطوف على محذوف، دل عليه ﴿لِيَسْأَلَ ...﴾ إلخ، فكأنه قال: فأثاب المؤمنين بهم، وأعد للكافرين بهم عذابًا أليمًا، وقيل: إنه قد حذف من الثاني ما أثبت مقابله في الأول، ومن الأول ما أثبت مقابلة في الثاني، والتقدير: ليسأل الصادقين عن صدقهم فأثابهم، ويسأل الكافرين عما أجابوا به رسلهم، وأعد لهم عذابًا أليمًا.
ويجوز أن يكون الكلام قد تم عند قوله: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ وتكون جملة ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ﴾ مستأنفة، لبيان ما أعده للكفار.
غزوة الأحزاب المسماة بغزوة الخندق
وخلاصة هذه القصة، على ما قاله أرباب السير: أن نفرًا من اليهود قدموا على قريش في شوال سنة، خمس من الهجرة بمكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ ، وقالوا لهم: إن دينكم خير من دينه، ثم جاؤوا غطفان وقيسًا وغيلان، وحالفوا جميع هؤلاء أن يكونوا معهم عليه، فخرجت هذه القبائل، ومعها قادتها وزعماؤها, ولما سمع رسول الله ﷺ بمسيرهم .. أمر المسلمين
стр. 10149
بحفر خندق حول المدينة، بإشارة سلمان الفارسي، وعمل فيه رسول الله ﷺ والمسلمون، وأحكموه، وكان رسول الله ﷺ يرتجز بكلمات ابن رواحة، ويقول:
لَا هُمَّ لَوْلاَ أنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ... وَلاَ تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيُنَا
فَأَنْزَلَنْ سَكِيْنَةً عَلَيْنَا ... وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
وَالْمُشْرِكُوْنَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا ... إِذَا أرَادُوْا فِتْنَةً أَبَيْنَا
وفي أثناء العمل برزت لهم صخرة بيضاء في بطن الخندق، فكسرت حديدهم، وشقت عليهم، فلما علم بها ﷺ .. أخذ المعول من سلمان، وضربها به ضربة صدعها، وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها - جانبي المدينة - حتى كأن مصباح في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله ﷺ تكبير فتح، وكبر المسلمون، وهكذا مرة ثانيةً وثالثةً، فكانت تضيء وكان التكبير، ثم قال رسول الله ﷺ : "ضربت ضربتي الأولى، فبرق البرق الذي رأيتم، فأضاء لي منها قصور الحيرة ومدائن كسرى، كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربت ضربتي الثانية، فبرق البرق الذي رأيتم، أضاء لي منها قصور قيصر من أرض الروم، كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربت الثالثة، فبرق البرق الذي رأيتم، أضاء لي منها قصور صنعاء، كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، فابشروا" فاستبشر المسلمون، وقالوا: الحمد لله الذي صدقنا وعده، فقال المنافقون: ألا تعجبون! يمنيكم، ويعدكم الباطل، ويخبركم أنه ينظر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأنها تفتح لكم، وإنكم إنما تحفرون الخندق من الفرق، لا تستطيعون أن تبرزوا، فنزل: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ ...﴾ إلخ. ونزل: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ...﴾ الآية.
ولما اجتمع هؤلاء الأحزاب، الذين حزبهم اليهود، وأتوا إلى المدينة .. رأوا الخندق حائلًا بينهم وبينها، فقالوا: والله هذه مكيدة ما كانت العرب تكيدها، ووقعت مصادمات بين القوم كرًا وفرًا، فمن المشركين من كان يقتحم
стр. 10150
الخندق فيرمى بالحجارة، ومنهم من يقتحمه بفرسه فيهلك.
ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر من غطفان، أتى رسول الله ﷺ فأعلمه أنه أسلم، وأن قومه لم يعلموا بذلك، فقال ﷺ : إنما أنت فينا رجل واحد، فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة" فأتى قريظة وقال لهم: لا تحاربوا مع قريش وغطفان، إلا إذا أخذتم منهم رهنًا من أشرافهم، يكونون بأيديكم تقية لكم، على أن يقاتلوا معكم محمدًا, لأنهم رجعوا وسئموا حربه، وإنكم وحدكم لا تقدرون عليه، وذهب إلى قريش وإلى غطفان، فقال لهم: إن اليهود يريدون أن يأخذوا منكم رهنًا، يدفعوها لمحمد فيضرب أعناقها، ويتحدون معه على قتالكم، لأنهم ندموا على ما فعلوا من نقض العهد، وتابوا، وهذا هو المخرج الذي اتفقوا عليه.
وحينئذ تخاذل اليهود والعرب، دب بينهم ودبيب الفشل، ومما زاد في فشلهم أن بعث الله عليهم ريحًا في ليلةٍ شاتيةٍ شديدة البرد، فجعلت تكفىء قدورهم، وتطرح آنيتهم، وقد قام رسول الله ﷺ ليلةً يصلي على التل الذي عليه مسجد الفتح، ثم يلتفت ويقول: "هل من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم" فعل ذلك ثلاث مراتٍ، فلم يقم رجل واحد من شدة الخوف، وشدة الجوع، وشدة البرد، فدعا حذيفة بن اليمان، وقال: "ألم تسمع كلامي منذ الليلة" قال حذيفة: فقلت: يا رسول الله منعني أن أجيبك الضر والقر، قال: "انطلق حتى تدخل في القوم، فتسمع كلامهم، وتأتيني بخبرهم، اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، حتى ترده إلى، انطلق ولا تحدث شيئًا حتى تأتيني"، فانطلق حذيفة بسلاحه، ورفع رسول الله ﷺ يده يقول: "يا صريخ المكروبين، ويا مجيب المضطرين، اكشف همي وغمي وكربي، فقد ترى حالي وحال أصحابي"، فنزل جبريل وقال: إن الله قد سمع دعوتك وكفاك هول عدوك، فخر رسول الله ﷺ على ركبتيه، وبسط يديه وأرخى عينيه وهو يقول: "شكرًا شكرًا كما رحمتني ورحمت أصحابي"، وذهب حذيفة إلى القوم، فسمع أبا سفيان يقول: يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام لقد هلك الكراع والخف
стр. 10151
وأخلفتنا ينو قريظة وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من هذه الريح ما ترون، فارتحلوا فإني مرتحل، ووثب على جمله، وشرع القوم يقولون: الرحيل الرحيل، والريح تقلبهم على بعض أمتعتهم وتضربهم بالحجارة، ولم تجاوز عسكرهم، ورحلوا وتركوا ما استثقلوا من متاعهم، فلما رجع أخبر رسول الله ﷺ ، فضحك حتى بدت أنيابه في سواد الليل، وقال: "الآن نغزوهم ولا يغزونا". اهـ. ملخصًا من كتب السيرة، وقد بسط أهل السير في هذه الوقعة بما هو معروف، فلا نطيل بذكرها.
٩ - ثم شرع سبحانه في تفصيلها فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وصدقوا بالله ورسوله ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: اشكروا إنعام الله عليكم بالنصرة، فمعنى ذكر النعمة: شكرها، ﴿إِذْ﴾ ظرف للنعمة؛ أي: إنعام الله عليكم بالنصرة حين ﴿جَاءَتْكُمْ﴾ وأحاطت بكم ﴿جُنُودٌ﴾ مجندة، وجموع مجمعة، وعساكر مسلحة، والمراد بهم: جنود الأحزاب، الذين تحزبوا على رسول الله ﷺ ، وغزوه بالمدينة، وهم أبو سفيان بن حرب بقريش، ومن معهم من الألفاف، وعيينة بن حصن الفزاري، ومن معه من قومه غطفان، وبنو قريظة والنضير، فضايقوا المسلمين مضايقةً شديدةً، كما وصف الله سبحانه في هذه الآية، وكانت هذه الغزوة في شوالٍ سنة خمس من الهجرة، قاله ابن إسحاق، وقال ابن وهب وابن القاسم عن مالك: كانت في سنة أربع، وكانت جملة الأحزاب أثني عشر ألفًا، وجملة المسلمين ثلاثة آلاف، ومكثوا في حفر الخندق ستة أيام، وقيل: خمسة عشر، وقيل: أربعةً وعشرين، وقيل: شهرًا، فلما فرغوا من حفره أقبلت قريش، والقبائل، فحاصروا المسلمين خمسة عشر يومًا، وقيل: أربعةً وعشرين يومًا، والخندق بينهم وبين المسلمين، حتى هزمهم الله بريح وجنود لم يروها، بلا مقاتلة أحدٍ من المسلمين.
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ﴾ ليلًا من جانب القهار، عطف على جاءتكم ﴿رِيحًا﴾ شديدةً ناصرةً لكم, وهي ريح الصبا، وهي تهب من جانب المشرق، والدبور من قبل المغرب، قال ابن عباس: قالت الصبا للدبور؛ أي: للريح الغريبة: اذهبي بنا
стр. 10152
ننصر رسول الله ﷺ ، فقالت: إن الحرائر لا تهب ليلًا، فغضب الله عليها فجعلها عقيمًا، وفي الحديث: "نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور".
﴿وَ﴾ أرسلنا عليهم أيضًا ﴿جُنُودًا﴾ عظيمةً هائلةً ﴿لَمْ تَرَوْهَا﴾؛ أي: لا ترون أنتم أيها المسلمون تلك الجنود، وهم الملائكة، قيل: كانوا ألفًا، روي (١) أن الله تعالى بعث على المشركين ريحًا باردةً، في ليلة شاتية، ولم تجاوز عسكرهم، فأحصرتهم وسفت التراب في وجوههم، وبعث الله عليهم أيضًا الملائكة، فقلعت الأوتاد، وقطعت أطناب الفساطيط، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، ونفثت في روعهم الرعب، وكبرت في جوانب معسكرهم، حتى سمعوا التكبير وقعقعة السلاح، واضطربت الخيول، ونفرت، فصار سيد كل حي يقول لقومه: يا بني فلان: هلموا إلى، فإذا اجتمعوا قال لهم: النجاء النجاء؛ أي: الإسراع الإسراع، فانهزموا من غير قتال، وارتحلوا ليلًا، وحملوا ما خف عليهم من متاعهم، وتركوا ما استثقلوه مثله.
والمعنى (٢): أي تذكروا أيها المؤمنون نعم الله، التي أسبغها عليكم، حين حوصرتم أيام الخندق، وحين جاءتكم جنود الأحزاب من قريش وغطفان، ويهود بني النضير أجلاهم رسول الله ﷺ من المدينة إلى خيبر، فأرسلنا عليهم ريحًا باردةً، في ليلة باردةً، أحصرتهم وسفت التراب في وجوههم، وأمر ملائكته فقلعت الأوتاد، وقطعت الأطناب، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وماجت الخيل بعضها في بعض، وقذف الرعب في قلوب الأعداء، حتى قال طليحة بن خويلد الأسدي: إن محمدًا قد بدأكم بالسحر، فالنجاة النجاة، فانهزموا من غير قتال.
والخلاصة: أنه تعالى يمتن على عباده المؤمنين بذكر النعم التي أنعم بها عليهم، إذ صرف عنهم أعداءهم حين تألبوا عليهم، وتحزبوا عام الخندق.
стр. 10153
وقرأ الحسن (١): ﴿وجنودًا﴾ بفتح الجيم، والجمهور: بالضم، وقرأ أبو عمرو في رواية وأبو بكر في رواية: ﴿لم يروها﴾ بياء الغيبة؛ أي: الكفار، وباقي السبعة والجمهور: بتاء الخطاب؛ أي: أيها المسلمون.
﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ : ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ قرأ (٢) الجمهور: بتاء الخطاب؛ أي: بما تعملون أيها المسلمون من ترتيب الأسباب، وحفر الخندق، واستنصاركم به، وتوكلكم عليه، ﴿بَصِيرًا﴾؛ أي: رائيًا، ولذلك فعل ما فعل من نصركم عليهم، وعصمتكم من شرهم، فلا بد لكم من الشكر على هذه النعمة الجليلة، باللسان والجنان والأركان.
وقرأ أبو عمرو بالتحتية؛ أي: بما يعمله الكفار من العناد لله ولرسوله، والتحزب للمسلمين، واجتماعهم عليهم من كل جهة؛ أي: وكان الله سبحانه عليمًا بجميع أعمالكم، من حفركم للخندق، وترتيب وسائل الحرب، لإعلاء كلمته، ومقاساتكم من الجهد والشدائد ما لا حصر له، بصيرًا بها, لا يخفى عليه شيء منها، وهو يجازيكم عليها, ولا يظلم ربك أحدًا.
١٠ - ثم زاد الأمر تفصيلًا وبيانًا، فقال: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ﴾: ﴿إِذْ﴾: هذه وما بعدها: بدل من ﴿إذ﴾ الأولى، والعامل في هذه: هو العامل في تلك، وقيل: منصوبة بمحذوف، هو اذكر؛ أي: اذكروا أيها المؤمنون: هول إذ جاءكم أعداؤكم الأحزاب ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾؛ أي: من أعلى الوادي من جهة المشرق، والذين جاؤوا من هذه الجهة هم غطفان، وسيدهم عيينة بن حصن، وهوازن، وسيدهم عوف بن مالك، وأهل نجد، وسيدهم طليحة بن خويلد الأسدي، وانضم إليهم عوف بن مالك، وبنو النضير.
﴿و﴾ جاؤوكم ﴿مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾؛ أي: من أسفل الوادي من جهة المغرب، من ناحية مكة، وهم قريش ومن معهم من الأحابيش، وسيدهم أبو سفيان بن حرب، وجاء أبو الأعور السلمي، ومعه حيي بن أخطب اليهودي، في
стр. 10154
يهود بني قريظة من وجه الخندق، ومعهم عامر بن الطفيل.
وقوله: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ﴾: معطوف على ما قبله، داخل في حكم التذكير، والزيغ: الميل عن الاستقامة؛ أي: وإذ مالت الأبصار عن كل شيء، فلم تنظر إلا إلى عدوها مقبلًا من كل جانب، وقيل: شخصت من فرط الهول والحيرة.
والمعنى (١): واذكروا حين مالت الأبصار عن مستوى نظرها، حيرةً وشخوصًا، لكثرة ما رأت من العَدد والعُدد، فإنه كان مع قريش ثلاث مئة فرس، وألف وخمس مئة بعير.
﴿وَ﴾ إذ ﴿بَلَغَتِ﴾ ووصلت ﴿الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾: جمع حنجرة، وهي منتهى الحلقوم؛ أي: ارتفعت القلوب عن أماكنها للخروج، فزعًا وخوفًا، ووصلت في الارتفاع إلى رأس الحلقوم وأسفله، وهو مدخل الطعام والشراب، والحنجرة: منتهى الحلقوم وطرفه الأسفل؛ أي: بلغت رأس الغلصمة والحنجرة من خارج رعبًا وغمًا؛ لأن الرئة تنتفخ من شدة الفزع والغم، فيرتفع القلب بارتفاعها إلى رأس الحنجرة، وهو مشاهد في مرض الخفقان من غلبة السوداء.
قال قتادة: شخصت عن أماكنها، فلولا أنه ضاق الحلقوم بها عن أن تخرج .. لخرجت، وقال بعضهم: كادت تبلغ، فإن القلب إذا بلغ الحنجرة، مات الإنسان، فعلى هذا يكون الكلام تمثيلًا، لاضطراب القلوب من شدة الخوف، وإن لم تبلغ الحناجر حقيقةً.
وقوله: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ﴾ يا من يظهر الإِسلام على الإطلاق ﴿الظُّنُونَا﴾ المختلفة، المخلصون يظنون النصر والظفر، والمنافقون يظنون خلاف ذلك، معطوف على ﴿زَاغَتِ﴾. وصيغة المضارع فيه لاستحضار الصورة، والدلالة على الاستمرار، وقال الحسن: ظن المنافقون أنه يستأصل محمد وأصحابه، وظن المؤمنون أنه ينصر، وقيل: الآية خطاب للمنافقين، والأولى (٢) ما قاله الحسن.
стр. 10155
واختلف القراء في الألف التي في ﴿الظُّنُونَا﴾، وكذا ﴿السبيلا﴾ و ﴿الرسولا﴾، كما سيأتيان في آخر هذه السورة، فأثبت هذه الألفات نافع وابن عامر وأبو بكر وصلًا ووقفًا، ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو والكسائي، وتمسكوا بخط المصحف العثماني، وبخط جميع المصاحف في جميع البلدان، فإن الألف فيها كلها ثابتة، واختار هذه القراءة أبو عبيد، إلا أنه قال: لا ينبغي للقارىء أن يدرج القراءة بعدهن، بل يقف عليهن، وتمسكوا أيضًا بما في أشعار العرب من مثل هذا، وأنشد أبو عمرو في "كتاب الألحان":
إِذَا الْجَوْزَاءُ أَرْدَفَتِ الثُّرَيَّا ... ظَنَنْتَ بِآلِ فَاطِمَةَ الظُّنُوْنَا
وقرأ (١) أبو عمرو وحمزة والجحدري ويعقوب، بحذفها في الوصل والوقف معًا، وقالوا هي من زيادات الخط، فكتبت كذلك، ولا ينبغي النطق بها، وأما في الشعر فهو يجوز فيه للضرورة ما لا يجوز في غيره، وقرأ ابن كثير والكسائي وحفص وابن محيصن: بإثباتها وقفًا وحذفها وصلًا، وهذه القراءة راجحة باعتبار اللغة العربية، أما (٢) إثباتها وقفًا، ففيه اتباع الرسم، وموافقة لبعض مذاهب العرب؛ لأنهم يثبتون هذه الألف في قوافي أشعارهم، وفي تصاريفها؛ اتباعًا للفتحة، والفواصل في الكلام كالمصارع، وقال أبو علي: هي رؤوس الآي، تشبه بالقوافي، من حيث إنها كانت مقاطع كما كانت القوافي مقاطع، وهذه الألف هي التي تسميها النحاة ألف الإطلاق، والكلام فيها معروف في علم النحو.
١١ - ﴿هُنَالِكَ﴾ هو (٣) في الأصل ظرف للمكان البعيد، لكن العرب تكني بالمكان عن الزمان، وبالزمان عن المكان، فهو إما ظرف زمان أو ظرف مكان لما بعده؛ أي: في ذلك المكان الهائل، أو في ذلك الدحض الذي تدحض فيه الأقدام ﴿ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ واختبروا بالحصر والرعب والخوف والجوع والبرد؛ أي: