← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 10151–10190 · переход к 10156.

стр. 10151

وأخلفتنا ينو قريظة وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من هذه الريح ما ترون، فارتحلوا فإني مرتحل، ووثب على جمله، وشرع القوم يقولون: الرحيل الرحيل، والريح تقلبهم على بعض أمتعتهم وتضربهم بالحجارة، ولم تجاوز عسكرهم، ورحلوا وتركوا ما استثقلوا من متاعهم، فلما رجع أخبر رسول الله ﷺ ، فضحك حتى بدت أنيابه في سواد الليل، وقال: "الآن نغزوهم ولا يغزونا". اهـ. ملخصًا من كتب السيرة، وقد بسط أهل السير في هذه الوقعة بما هو معروف، فلا نطيل بذكرها. ٩ - ثم شرع سبحانه في تفصيلها فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وصدقوا بالله ورسوله ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: اشكروا إنعام الله عليكم بالنصرة، فمعنى ذكر النعمة: شكرها، ﴿إِذْ﴾ ظرف للنعمة؛ أي: إنعام الله عليكم بالنصرة حين ﴿جَاءَتْكُمْ﴾ وأحاطت بكم ﴿جُنُودٌ﴾ مجندة، وجموع مجمعة، وعساكر مسلحة، والمراد بهم: جنود الأحزاب، الذين تحزبوا على رسول الله ﷺ ، وغزوه بالمدينة، وهم أبو سفيان بن حرب بقريش، ومن معهم من الألفاف، وعيينة بن حصن الفزاري، ومن معه من قومه غطفان، وبنو قريظة والنضير، فضايقوا المسلمين مضايقةً شديدةً، كما وصف الله سبحانه في هذه الآية، وكانت هذه الغزوة في شوالٍ سنة خمس من الهجرة، قاله ابن إسحاق، وقال ابن وهب وابن القاسم عن مالك: كانت في سنة أربع، وكانت جملة الأحزاب أثني عشر ألفًا، وجملة المسلمين ثلاثة آلاف، ومكثوا في حفر الخندق ستة أيام، وقيل: خمسة عشر، وقيل: أربعةً وعشرين، وقيل: شهرًا، فلما فرغوا من حفره أقبلت قريش، والقبائل، فحاصروا المسلمين خمسة عشر يومًا، وقيل: أربعةً وعشرين يومًا، والخندق بينهم وبين المسلمين، حتى هزمهم الله بريح وجنود لم يروها، بلا مقاتلة أحدٍ من المسلمين. ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ﴾ ليلًا من جانب القهار، عطف على جاءتكم ﴿رِيحًا﴾ شديدةً ناصرةً لكم, وهي ريح الصبا، وهي تهب من جانب المشرق، والدبور من قبل المغرب، قال ابن عباس: قالت الصبا للدبور؛ أي: للريح الغريبة: اذهبي بنا

стр. 10152

ننصر رسول الله ﷺ ، فقالت: إن الحرائر لا تهب ليلًا، فغضب الله عليها فجعلها عقيمًا، وفي الحديث: "نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور". ﴿وَ﴾ أرسلنا عليهم أيضًا ﴿جُنُودًا﴾ عظيمةً هائلةً ﴿لَمْ تَرَوْهَا﴾؛ أي: لا ترون أنتم أيها المسلمون تلك الجنود، وهم الملائكة، قيل: كانوا ألفًا، روي (١) أن الله تعالى بعث على المشركين ريحًا باردةً، في ليلة شاتية، ولم تجاوز عسكرهم، فأحصرتهم وسفت التراب في وجوههم، وبعث الله عليهم أيضًا الملائكة، فقلعت الأوتاد، وقطعت أطناب الفساطيط، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، ونفثت في روعهم الرعب، وكبرت في جوانب معسكرهم، حتى سمعوا التكبير وقعقعة السلاح، واضطربت الخيول، ونفرت، فصار سيد كل حي يقول لقومه: يا بني فلان: هلموا إلى، فإذا اجتمعوا قال لهم: النجاء النجاء؛ أي: الإسراع الإسراع، فانهزموا من غير قتال، وارتحلوا ليلًا، وحملوا ما خف عليهم من متاعهم، وتركوا ما استثقلوه مثله. والمعنى (٢): أي تذكروا أيها المؤمنون نعم الله، التي أسبغها عليكم، حين حوصرتم أيام الخندق، وحين جاءتكم جنود الأحزاب من قريش وغطفان، ويهود بني النضير أجلاهم رسول الله ﷺ من المدينة إلى خيبر، فأرسلنا عليهم ريحًا باردةً، في ليلة باردةً، أحصرتهم وسفت التراب في وجوههم، وأمر ملائكته فقلعت الأوتاد، وقطعت الأطناب، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وماجت الخيل بعضها في بعض، وقذف الرعب في قلوب الأعداء، حتى قال طليحة بن خويلد الأسدي: إن محمدًا قد بدأكم بالسحر، فالنجاة النجاة، فانهزموا من غير قتال. والخلاصة: أنه تعالى يمتن على عباده المؤمنين بذكر النعم التي أنعم بها عليهم، إذ صرف عنهم أعداءهم حين تألبوا عليهم، وتحزبوا عام الخندق.

стр. 10153

وقرأ الحسن (١): ﴿وجنودًا﴾ بفتح الجيم، والجمهور: بالضم، وقرأ أبو عمرو في رواية وأبو بكر في رواية: ﴿لم يروها﴾ بياء الغيبة؛ أي: الكفار، وباقي السبعة والجمهور: بتاء الخطاب؛ أي: أيها المسلمون. ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ : ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ قرأ (٢) الجمهور: بتاء الخطاب؛ أي: بما تعملون أيها المسلمون من ترتيب الأسباب، وحفر الخندق، واستنصاركم به، وتوكلكم عليه، ﴿بَصِيرًا﴾؛ أي: رائيًا، ولذلك فعل ما فعل من نصركم عليهم، وعصمتكم من شرهم، فلا بد لكم من الشكر على هذه النعمة الجليلة، باللسان والجنان والأركان. وقرأ أبو عمرو بالتحتية؛ أي: بما يعمله الكفار من العناد لله ولرسوله، والتحزب للمسلمين، واجتماعهم عليهم من كل جهة؛ أي: وكان الله سبحانه عليمًا بجميع أعمالكم، من حفركم للخندق، وترتيب وسائل الحرب، لإعلاء كلمته، ومقاساتكم من الجهد والشدائد ما لا حصر له، بصيرًا بها, لا يخفى عليه شيء منها، وهو يجازيكم عليها, ولا يظلم ربك أحدًا. ١٠ - ثم زاد الأمر تفصيلًا وبيانًا، فقال: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ﴾: ﴿إِذْ﴾: هذه وما بعدها: بدل من ﴿إذ﴾ الأولى، والعامل في هذه: هو العامل في تلك، وقيل: منصوبة بمحذوف، هو اذكر؛ أي: اذكروا أيها المؤمنون: هول إذ جاءكم أعداؤكم الأحزاب ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾؛ أي: من أعلى الوادي من جهة المشرق، والذين جاؤوا من هذه الجهة هم غطفان، وسيدهم عيينة بن حصن، وهوازن، وسيدهم عوف بن مالك، وأهل نجد، وسيدهم طليحة بن خويلد الأسدي، وانضم إليهم عوف بن مالك، وبنو النضير. ﴿و﴾ جاؤوكم ﴿مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾؛ أي: من أسفل الوادي من جهة المغرب، من ناحية مكة، وهم قريش ومن معهم من الأحابيش، وسيدهم أبو سفيان بن حرب، وجاء أبو الأعور السلمي، ومعه حيي بن أخطب اليهودي، في

стр. 10154

يهود بني قريظة من وجه الخندق، ومعهم عامر بن الطفيل. وقوله: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ﴾: معطوف على ما قبله، داخل في حكم التذكير، والزيغ: الميل عن الاستقامة؛ أي: وإذ مالت الأبصار عن كل شيء، فلم تنظر إلا إلى عدوها مقبلًا من كل جانب، وقيل: شخصت من فرط الهول والحيرة. والمعنى (١): واذكروا حين مالت الأبصار عن مستوى نظرها، حيرةً وشخوصًا، لكثرة ما رأت من العَدد والعُدد، فإنه كان مع قريش ثلاث مئة فرس، وألف وخمس مئة بعير. ﴿وَ﴾ إذ ﴿بَلَغَتِ﴾ ووصلت ﴿الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾: جمع حنجرة، وهي منتهى الحلقوم؛ أي: ارتفعت القلوب عن أماكنها للخروج، فزعًا وخوفًا، ووصلت في الارتفاع إلى رأس الحلقوم وأسفله، وهو مدخل الطعام والشراب، والحنجرة: منتهى الحلقوم وطرفه الأسفل؛ أي: بلغت رأس الغلصمة والحنجرة من خارج رعبًا وغمًا؛ لأن الرئة تنتفخ من شدة الفزع والغم، فيرتفع القلب بارتفاعها إلى رأس الحنجرة، وهو مشاهد في مرض الخفقان من غلبة السوداء. قال قتادة: شخصت عن أماكنها، فلولا أنه ضاق الحلقوم بها عن أن تخرج .. لخرجت، وقال بعضهم: كادت تبلغ، فإن القلب إذا بلغ الحنجرة، مات الإنسان، فعلى هذا يكون الكلام تمثيلًا، لاضطراب القلوب من شدة الخوف، وإن لم تبلغ الحناجر حقيقةً. وقوله: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ﴾ يا من يظهر الإِسلام على الإطلاق ﴿الظُّنُونَا﴾ المختلفة، المخلصون يظنون النصر والظفر، والمنافقون يظنون خلاف ذلك، معطوف على ﴿زَاغَتِ﴾. وصيغة المضارع فيه لاستحضار الصورة، والدلالة على الاستمرار، وقال الحسن: ظن المنافقون أنه يستأصل محمد وأصحابه، وظن المؤمنون أنه ينصر، وقيل: الآية خطاب للمنافقين، والأولى (٢) ما قاله الحسن.

стр. 10155

واختلف القراء في الألف التي في ﴿الظُّنُونَا﴾، وكذا ﴿السبيلا﴾ و ﴿الرسولا﴾، كما سيأتيان في آخر هذه السورة، فأثبت هذه الألفات نافع وابن عامر وأبو بكر وصلًا ووقفًا، ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو والكسائي، وتمسكوا بخط المصحف العثماني، وبخط جميع المصاحف في جميع البلدان، فإن الألف فيها كلها ثابتة، واختار هذه القراءة أبو عبيد، إلا أنه قال: لا ينبغي للقارىء أن يدرج القراءة بعدهن، بل يقف عليهن، وتمسكوا أيضًا بما في أشعار العرب من مثل هذا، وأنشد أبو عمرو في "كتاب الألحان": إِذَا الْجَوْزَاءُ أَرْدَفَتِ الثُّرَيَّا ... ظَنَنْتَ بِآلِ فَاطِمَةَ الظُّنُوْنَا وقرأ (١) أبو عمرو وحمزة والجحدري ويعقوب، بحذفها في الوصل والوقف معًا، وقالوا هي من زيادات الخط، فكتبت كذلك، ولا ينبغي النطق بها، وأما في الشعر فهو يجوز فيه للضرورة ما لا يجوز في غيره، وقرأ ابن كثير والكسائي وحفص وابن محيصن: بإثباتها وقفًا وحذفها وصلًا، وهذه القراءة راجحة باعتبار اللغة العربية، أما (٢) إثباتها وقفًا، ففيه اتباع الرسم، وموافقة لبعض مذاهب العرب؛ لأنهم يثبتون هذه الألف في قوافي أشعارهم، وفي تصاريفها؛ اتباعًا للفتحة، والفواصل في الكلام كالمصارع، وقال أبو علي: هي رؤوس الآي، تشبه بالقوافي، من حيث إنها كانت مقاطع كما كانت القوافي مقاطع، وهذه الألف هي التي تسميها النحاة ألف الإطلاق، والكلام فيها معروف في علم النحو. ١١ - ﴿هُنَالِكَ﴾ هو (٣) في الأصل ظرف للمكان البعيد، لكن العرب تكني بالمكان عن الزمان، وبالزمان عن المكان، فهو إما ظرف زمان أو ظرف مكان لما بعده؛ أي: في ذلك المكان الهائل، أو في ذلك الدحض الذي تدحض فيه الأقدام ﴿ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ واختبروا بالحصر والرعب والخوف والجوع والبرد؛ أي:

стр. 10156

عوملوا معاملة من يختبر، فظهر المخلصر من المنافق، والراسخ من المتزلزل ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾؛ أي: حركوا تحريكًا شديدًا، وأزعجوا إزعاجًا قويًا، وذلك أن الخائف يكون قلقًا مضطربًا، لا يستقر على مكان، وتكرير حروف لفظه، تنبيه على تكرر معنى الزلل، ولكن صبروا وقاسوا الشدائد في طريق الحق ونصره، واجتهدوا إلى أن فتح الله مكة، واتسع الإِسلام وبلاده وأهاليه. وقرأ الجمهور (١): ﴿زلزلوا﴾ بضم الزاي الأولى، وكسر الثانية، على ما هو الأصل في المبني للمفعول، وقرأ أحمد بن موسى اللؤلؤي عن أبي عمرو: بكسر الزاي الأولى، قاله ابن خالويه، وقال الزمخشري: وعن أبي عمرو إشمام زاي: ﴿زلزلوا﴾. انتهى، كأنه يعني إشمامها الكسر، ووجه الكسر في هذه القراءة الشاذة: أنه أتبع حركة الزاي الأولى بحركة الثانية، ولم يعتد بالساكن، كما لم يعتد به من قال: منتن، بكسر الميم إتباعًا لحركة التاء، وهو اسم فاعل من أنتن، وقرأ الجمهور: ﴿زلزالًا﴾ بكسر الزاي، والجحدري وعيسى بفتحها، وكذا: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١)﴾، ومصدر فعلل من المضاعف يجوز فيه الكسر والفتح، نحو قلقل قلقالًا، وقد يراد بالمفتوح معنى اسم الفاعل، كصلصال بمعنى مصلصل؛ أي: مصوت. ومعنى الآيتين: أي واذكروا حين مالت الأبصار عن سننها، وانحرفت عن مستوى نظرها، حيرةً ودهشةً، وخاف الناس خوفًا شديدًا، وفزعوا فزعًا عظيمًا، وظنوا مختلف الظنون، فمنهم مؤمن مخلص يستنجز الله وعده في إعلاء دينه ونصرة نبيه، ويقول هذا ما وعدنا الله ورسوله، ومنهم منافق وفي قلبه مرض، يظن أن محمدًا وأصحابه سيستأصلون، ويستولي المشركون على المدينة، وتعود الجاهلية سيرتها إلى نحو ذلك من ظنون لا حصر لها، تجول في قلوب المؤمنين والمنافقين، على قدر ما يكون القلب عامرًا بالإخلاص، مكتوبًا له السعادة، أو متشككًا في اعتقاده، ليست له عزيمة صادقة، ثم ذكر أن هذه الشدائد محصت

стр. 10157

المؤمنين، وأظهرت المنافقين فقال: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١)﴾؛ أي: حين ذاك اختبر الله المؤمنين، ومحصهم أشد التمحيص، فظهر المخلص من المنافق، والراسخ في الإيمان من المتزلزل، واضطربُوا اضطربًا شديدًا من الفزع وكثرة العدو. ١٢ - وقوله: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾: معطوف على ﴿وَإِذْ زَاغَتِ﴾، والتعبير بالمضارع، لحكاية الحال الماضية كما سيأتي؛ أي: واذكروا حين قال المنافقون، كمعتب بن قشير: ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾؛ أي: ضعف اعتقاد في الإيمان, لقرب عهدهم بالإِسلام، والمراد بالمنافقين: عبد الله بن أبي وأصحابه، وبالذين في قلوبهم مرض: أهل الشك والاضطراب. فإن قلت (١): ما الفرق بين المنافق والمريض؟ قلت: المنافق من كذب الشيء تكذيبًا لا يعتريه فيه شك، والمريض: من قال الله تعالى في حقه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ كذا في "الأسئلة المقحمة". ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، من النصر والظفر على العدو، واعلاء الدين وهم لم يقولوا رسول الله ﷺ ، وإنما قالوه باسمه، ولكن الله ذكره بهذا اللفظ، ﴿إِلَّا غُرُورًا﴾؛ أي: إلا وعد غرور، وهو بالضم لا غير، والقائل لذلك معتب بن قشير ومن تبعه، كما سبق؛ أي: إلا وعدًا باطلًا يغرنا به، ويوقعنا فيما لا طاقة لنا به، ويسلخنا عن دين آبائنا، ويقول: إن هذا الدين سيظهر على الدين كله، وإنه سيفتح لنا فارس والروم، وها نحن أولاء قد حصرنا هاهنا، حتى ما يستطيع أحدنا أن يبرز لحاجته. ١٣ - وكان القائلون بهذه المقالة نحو سبعين رجلًا من أهل النفاق والشك (٢)، وهذا القول المحكي عن هؤلاء هو كالتفسير للظنون المذكورة؛ أي: كان ظن هؤلاء هذا الظن، كما كان ظن المؤمنين النصر وإعلاء كلمة الله، ﴿وَ﴾ اذكروا

стр. 10158

﴿إِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ﴾ وجماعة، ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: من المنافقين، قال مقاتل: هم بنو سالم من المنافقين، وقال السدي: هم عبد الله بن أبي وأصحابه، وقيل: هم أوس بن قيظي وأصحابه، والطائفة: تقع على الواحد فما فوقه، والقول الذي قالته هذه الطائفة هو قوله: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ﴾؛ أي: يا أهل المدينة ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾؛ أي: لا إقامة ولا استقرار لكم هاهنا في العسكر، أو لا موضع إقامة لكم هاهنا جنب هذا العسكر العظيم لكثرة العدو، وغلبة الأحزاب، يريدون لا معسكر لكم هاهنا. وقرأ السلمي والأعرج واليماني وحفص والجحدري وأبو حيوة (١): بضم الميم، فاحتمل أن يكون مكانًا؛ أي: لا مكان إقامة، واحتمل أن يكون مصدرًا؛ أي: لا إقامة، وقرأ أبو جعفر وشيبة وأبو رجاء والحسن وقتادة والنخعي وعبد الله بن مسلم وطلحة، وباقي السبعة: بفتحها، واحتمل أيضًا المكان؛ أي: لا مكان قيام، واحتمل المصدر؛ أي: لا قيام لكم. ﴿فَارْجِعُوا﴾ إلى منازلكم بالمدينة ليكون ذلك أسلم لكم من القتل، وقد يكون المعنى: لا مقام لكم في دين محمد، فارجعوا إلى ما كنتم عليه من الشرك، وأسلموا محمد إلى أعدائه، ومرادهم الأمر بالفرار، لكنهم عبروا عنه بالرجوع ترويجًا لمقالهم، وإيذانًا بأنه ليس من قبيل الفرار المذموم، وقد ثبطوا الناس عن الجهاد، والرباط لنفاقهم ومرضهم، ولم يوافقهم إلا أمثالهم، فإن المؤمن من المخلص لا يختار إلا الله ورسوله. وذلك أن رسول الله ﷺ والمسلمين خرجوا عام الخندق، حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع، والخندق بينهم وبين القوم، فقال هؤلاء المنافقون: ليس هاهنا موضع إقامة، وأمروا الناس بالرجوع إلى منازلهم بالمدينة، وفي "المختار" التثريب: التعبير والاستقصاء في اللوم، وثرب عليه تثريبًا: قبح عليه فعله. اهـ. فائدة: يثرب (٢) هو اسم للمديمة المنورة، لا ينصرف للتعريف وزنة الفعل،

стр. 10159

وفيه التأنيث أيضًا، وقد نهى النبي ﷺ أن تسمى المدينة بيثرب، وقال: "هي طيبة أو طابة والمدينة"كأنه كره هذا اللفظ, لأن يثرب يفعل من التثريب، وهو التقريع والتوبيخ واللوم، الذي لا يستعمل إلا فيما يكره غالبًا، ولذلك نفاه يوسف ﵇، حيث قال لإخوته: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾، وكأن المنافقين ذكروها بهذا الاسم مخالفةً له ﷺ ، فحكى الله عنهم كما قالوا. وقال الإِمام السهيلي: سميت يثرب لأن الذي نزلها من العماليق اسمه يثرب بن عبيل بن مهلاييل بن عوض بن عملاق بن لاود بن إرم، وعبيل: هم الذين سكنوا الجحفة، وهي ميقات الشاميين، فأجحفت بهم السيول فيها؛ أي: ذهبت بهم فسميت الجحفة، وقال بعضهم: هي من الثرب بالتحريك، وهو الفساد، وكان في المدينة الفساد واللؤم بسبب عفونة الهواء، وكثرة الحمى، فلما هاجر رسول الله ﷺ .. كره ذلك فسماها طيبة، على وزن بصرة، من الطيب، وقد أفتى الإِمام مالك - رحمه الله تعالى - فيمن قال: تربة المدينة رديئة بضربه ثلاثين درةً، وقال: ما أحوجه إلى ضرب عنقه، تربة دفن فيها رسول الله ﷺ ، يزعم أنا غير طيبة. وفي الحديث: "من سمى المدينة بيثرب .. فليستغفر الله، فليستغفر الله، هي طيبة، هي طيبة". وقوله ﷺ حين أشار إلى دار الهجرة: "لا أراها إلا يثرب" ونحو ذلك من كل ما وقع في كلامه ﷺ من تسميتها بذلك، كان قبل النهي عن ذلك، وإنما سميت طيبة؛ لطيب رائحة من مكث بها، وتزايد روائح الطيب بها, ولا يدخلها طاعون ولا دجال، ولا يكون بها مجذوم؛ لأن ترابها يشفي المجذوم، وهو كغراب، علة تحدث من انتشار السوداء في البدن كله، فيفسد مزاج الأعضاء وهيآتها، وربما انتهى إلى تآكل الأعضاء وسقوطها عن تقرحٍ. انتهى. وفيه إشارة إلى حال أهل الفساد والإفساد في هذه الأمة، إلى يوم القيامة، نسأل الله تعالى أن يقيمنا على نهج الصواب، ويجعلنا من أهل التواصي بالحق، والصبر دون التزلزل والاضطراب.

стр. 10160

وقوله: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾ معطوف على ﴿قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ والتعبير فيه بالمضارع لحكاية الحال الماضية أيضًا؛ أي: ويطلب جماعة منهم من النبي ﷺ الإذن في الرجوع إلى بيوتهم، وتركهم للقتال، معتذرين بمختلف المعاذير، وجملة قوله: ﴿يَقُولُونَ﴾: بدل من قوله: ﴿يستأذن﴾ أو حال، أو مستأنف جوابًا لسؤال مقدر، والقول الذي قالوه هو قولهم: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا﴾ ومنازلنا في المدينة ﴿عَوْرَةٌ﴾؛ أي: غير حصينة، وغير محرزة لما فيها, لأنها قصيرة الحيطان، وفي أطراف المدينة، فيخشى عليها من السراق، وأصل العورة في اللغة: الخلل في البناء ونحوه، بحيث يمكن دخول السارق فيها، كما سيأتي. والمعنى: أنها غير حصينة متخرقة، ممكنة لمن أرادها، فأذن لنا حتى نحصنها ثم نرجع إلى العسكر، وكان ﵇ يأذن لهم، وفي الحقيقة أنهم كاذبون فيما يقولون، وهم مضمرون غير ذلك، ثم رد الله عليهم بقوله: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾؛ أي: والحال أن بيوتهم ليست بضائعةٍ، يخشى عليها السراق، بل هي حصينة محرزة. وقرأ ابن عباس وابن يعمر وقتادة وأبو رجاء العطاردي وعكرمة ومجاهد وأبو حيوة وابن أبي عبلة، وأبو طالوت وابن مقسم وإسماعيل بن سليمان عن ابن كثير: ﴿عورة﴾ ﴿بعورة﴾ بكسر الواو فيهما؛ أي: قصيرة الجدران، والجمهور: بإسكانها فيهما، أطلقت على المختل مبالغةً. ثم بيّن سبب استئذانهم وما يريدونه به، فقال: ﴿إِنْ يُرِيدُونَ﴾؛ أي: ما يريدون بالاستئذان ﴿إِلَّا فِرَارًا﴾ وهربًا من القتال، وعدم مساعدة عسكر رسول الله ﷺ ، أو فرارًا من الدين والإِسلام. ١٤ - ثم بيّن وهن الدين وضعفه في قلوبهم إذ ذاك، وأنه معلق بخيط دقيق، ينقطع بأدنى هزةٍ، فقال: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ﴾ بيوتهم أو المدينة، أسند الدخول إلى بيوتهم، وأوقع عليهم، لما أن المراد فرص دخولها وهم فيها, لا فرص دخولها مطلقًا كما هو المفهوم لو لم يذكر الجار والمجرور. ﴿مِنْ أَقْطَارِهَا﴾؛ أي: من جميع جوانبها, لا من بعضها دون بعض؛ أي:

стр. 10161

لو كانت بيوتهم مختلة بالكلية، ودخلها كل من أراد الخبث والفساد، ﴿ثُمَّ سُئِلُوا﴾ من جهة طائفة أخرى عند تلك النازلة ﴿الْفِتْنَةَ﴾؛ أي: الردة والرجعة إلى الكفر مكان ما سئلوا من الإيمان والطاعة .. ﴿لَآتَوْهَا﴾ بالمد؛ أي: لأعطوا تلك الفتنة السائلين لها؛ أي (١): أعطوهم مرادهم غير مبالين بما دهاهم من الداهية والغارة بالقصر؛ أي: لفعلوا تلك الفتنة وجاؤوا بها. ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا﴾؛ أي: وما مكثوا وما تأخروا عن الإتيان بتلك الفتنة ﴿إِلَّا﴾، زمنًا ﴿يَسِيرًا﴾؛ أي؛ قليلًا قدر ما يسمع السؤال والجواب، فضلًا عن التعلل باختلال البيوت مع سلامتها، كما فعلوا الآن، وما ذلك إلا لمقتهم الإِسلام، وشدة بغضهم لأهله، وحبهم بالكفر وأهله، وتهالكهم على حزبه. والمعنى (٢): لو دخل هؤلاء الجيوش الذين يريدون قتالهم، وهم الأحزاب، من نواحي المدينة وجوانبها، أو دخلوا بيوتهم من جوانبها جميعًا، لا من بعضها، ونزلت بهم هذه النازلة الشديدة، واستبيحت ديارهم، وهتكت حرمهم ومنازلهم، ثم سئلوا الفتنة والردة والرجعة إلى الكفر، الذي يبطنونه ويظهرون خلافه من جهة أخرى، عند نزول هذه النازلة الشديدة بهم .. لآتوها؛ أي: لجاؤوا، وفعلوا تلك الفتنة، أو أعطوا تلك الفتنة لسائلها، وما تلبثوا وجلسوا بها؛ أي: بالمدينة بعد أن أتوا الفتنة إلا تلبثًا يسيرًا حتى يهلكوا، كذا قال الحسن والسدي والفراء والقتيبي، وقال أكثر المفسرين: إن المعنى: وما احتبسوا عن فتنة الشرك إلا قليلًا، بل هم مسرعون إليها، راغبون فيها, لا يقفون عنها إلا قدر زمن وقوع السؤال لهم، ولا يتعللون عن الإجابة بأن بيوتهم في هذه الحالة عورة، مع أنها قد صارت عورة على الحقيقة، كما تعللوا عن إجابة الرسول والقتال معه بأنها عورة، ولم تكن إذ ذاك عورة. وقال ابن عطية: والمعنى: ولو دخلت المدينة من أقطارها، واشتد الحرب الحقيقي، ثم سئلوا الفتنة، والحرب لمحمد ﷺ .. لطاروا إليها، وأتوها

стр. 10162

مجيبين فيها, ولم يتلبثوا في بيوتهم لحفظها إلا يسيرًا، قيل: قدر ما يأخذون سلاحهم. انتهى. وقرأ الجمهور (١): ﴿سُئِلُوا﴾، وقرأ الحسن: ﴿سولوا﴾ بواو ساكنة بعد السين المضمومة، قالوا: وهي من سأل يسال، كخاف يخاف، لغة: من سأل المهموز العين، وحكى أبو زيد هما يتساولان. انتهى. ويجوز أن يكون أصلها الهمز, لأنه يجوز أن يكون سولوا على قول من يقول في ضرب ضرب ثم سهل الهمزة، بإبدالها واوًا، على قول من قال: في بؤس بوس، بإبدال الهمزة واوًا لضم ما قبلها، وقرأ عبد الوارث عن أبي عمرو والأعمش: ﴿سيلوا﴾ بكسر السين من غير همز، نحو قيل، وقرأ مجاهد: ﴿سويلوا﴾ بواو بعد السين المضمومة، وياء مكسورة بدلًا من الهمزة، وقرأ الجمهور ﴿لَآتَوْهَا﴾ بالمد؛ أي: لأعطوها، وقرأ نافع وابن كثير: ﴿لأتوها﴾ بالقصر؛ أي: لجاؤوها. وفي هذا إيماء (٢) إلى أن الإيمان لا قرار له في نفوسهم، ولا أثر له في قلوبهم، فهو لا يستطيع مقابلة الصعاب، ولا مقاومة الشدائد، فلا تعجب لاستئذانهم، وطلبهم الهرب من ميدان القتال. والخلاصة: أن شدة الخوف والهلع الذي تمكن في قلوبهم، مع خبث طويتهم، وإضمارهم النفاق، تحملهه على الإشراك بالله، والرجوع إلى دينهم، عند أدنى صدمةٍ تحصل لهم من العدو، فإيمانهم طلاء ظاهري، لا أثر له في نفوسهم بحال، فلا عجب إذا هم تسللوا لواذًا، وبلغ الخوف من نفوسهم كل مبلغ. ١٥ - ثم بيَّن أن لهم سابقة عهدٍ بالفرار وخوف اللقاء من الكماة، فقال: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لقد كان الفريق الذين استأذنوك للرجوع إلى منازلهم في المدينة، وهم بنو حارثة وبنو سلمة ﴿عَاهَدُوا اللَّهَ﴾ سبحانه وحلفوا له ﴿مِنْ

стр. 10163

قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل واقعة الخندق، يعني: يوم أحد، حين هموا بالانهزام، ثم تابوا لما نزل فيهم ما نزل كما سبق في آل عمران، وقال قتادة: وذلك أنهم غابوا عن بدر، ورأوا ما أعطى الله لأهل بدر من الكرامة والنصر، فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالًا .. لنقاتلن. ﴿لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ﴾: جواب قسم؛ لأن ﴿عَاهَدُوا﴾: بمعنى حلفوا، كما في "الكواشي"؛ أي: لا يتركون العدو خلف ظهورهم ولا يفرون من القتال ولا ينهزمون ولا يعودون لمثل ما في يوم أحد، ثم وقع منهم هذا الاستئذان نقضًا للعهد، وقال أبو البقاء: ويقرأ بتشديد النون وحذف الواو على تأكيد جواب القسم. اهـ. "سمين". ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ﴾ ﴿مَسْئُولًا﴾ عنه صاحبه يوم القيامة، ومطلوبًا بالوفاء به في الدنيا، ومجازًى على ترك الوفاء به يوم القيامة، يسأل عنه: هل وفي المعهود به، أو نقضه فيجازى عليه؟ وهذا وعيد. والمعنى: أي (١) ولقد كان هؤلاء المستأذنون، وهم بنو حارثة وبنو سلمة، قد هربوا يوم أحد، وفروا من لقاء عدوهم، ثم تابوا وعاهدوا الله أن لا يعودوا إلى مثلها، وأن لا ينكثوا على أعقابهم حين قتالهم مع رسول الله ﷺ ، ثم بين ما للعهد من حرمةٍ فقال: ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ﴾ يسأل عن الوفاء به يوم القيامة ويجازى عليه. ١٦ - ثم أمر الله رسوله أن يقول لهم: إن فراركم لا يؤخر آجالكم، ولا يطيل أعماركم، فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المستأذنين الفارين من قتال العدو ومنازلته في الميدان: ﴿لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ﴾ والهرب، ولا يدفع عنكم ما أبرم في الأزل، من موت أحدكم حتف أنفه، ﴿إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ﴾ قتلة بسيف أو نحوه، إن فررتم من ﴿الْقَتْلِ﴾، والقتل: فعل يحصل به زهوق الروح، فإنه لا بد لكل شخص من الفناء والهلاك، سواء كان بحتف أنف أو بقتل سيف في وقت

стр. 10164

معين سبق به القضاء، وجرى عليه القلم، ولا يتغير أصلًا، فإن المقدر كائن لا محالة، والأجل إن حضر لم يتأخر بالفرار، وكان علي بن أبي طالب يقول عند اللقاء: دهم الأمر وتوقد الجمر. أَيَّ يَوْمَيَّ مِنَ الْمَوْتِ أَفِرّ ... يَوْمَ لَا يَقْدِرُ أَمْ يَوْمَ قَدِرْ يَوْمَ لَا يَقْدِرُ لَا أُرْهِبُهُ ... وَمِنَ الْمَقْدُوْرِ لَا يُنْجِيْ الْحَذِرْ ﴿وَإِذًا﴾؛ أي: وإن نفعكم الفرار مثلًا، فمتعتم بالتأخير ﴿لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا﴾ تمتيعًا ﴿قَلِيلًا﴾ أو إلا زمانًا قليلًا بعد فراركم إلى أن تنقضي آجالكم، وكل ما هو آتٍ قريب، وعمر الدنيا كله قليل، فكيف مدة آجال أهلها، وقد قال من عرف مقدار: عمرك في جنب عيش الآخرة، كنفس واحد، وقد أجاد من قال: الْمَوْتُ كَأْسٌ وَكُلُّ النَّاسِ شَارِبُهُ ... وَالْقَبْرُ بَابٌ وَكُلُّ النَّاسِ دَاخِلُهُ وعن بعض المروانية: أنه مر بحائط مائلٍ فأسرع، فتليت له هذه الآية فقال: ذلك القليل أطلب. والمعنى (١): أي وإن نفعكم الفرار، بأن دفع عنكم الموت، فمتعتم .. لم يكن ذلك التمتع إلا قليلًا، فإن أيام الحياة وإن طالت قصيرة، فعمر تأكله الدقائق قليل، وإن كثر، ولله در أحمد شوقي حيث يقول: دَقَّاتُ قَلْبِ الْمَرْءِ قَائِلَةٌ لَهُ ... إِنَّ الْحَيَاةَ دَقَائِقٌ وَثَوَانِيْ وقرأ الجمهور (٢): ﴿تمتعون﴾ بالفوقانية، وقرأ يعقوب الحضرمي في رواية الساجي عنه: بالتحتية، وفي بعض الروايات: ﴿لا تمتعوا﴾ بحذف النون إعمالًا لإذن، وعلى قراءة الجمهور: هي ملغاة. ١٧ - ولما كانوا ربما يقولون: بل ينفعنا، لأنا طالما رأينا من هرب فسلم، ومن ثبت فاصطلم .. أمره الله سبحانه بالجواب عن هذا فقال: ﴿قُل﴾ يا محمد لهؤلاء المستأذنين ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ﴾ ويحفظكم ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: من قضائه،

стр. 10165

والاستفهام فيه إنكاري، ومذهب (١) سيبويه على أن ﴿مِنَ﴾ الاستفهامية: مبتدأ، و ﴿ذا﴾: خبره، و ﴿الَّذِي﴾: صفة أو بدل منه، وذهب بعض النحاة إلى كون: ﴿مَنْ ذَا﴾ خبرًا مقدمًا، والعصمة: الحفظ والمنع؛ أي: قل لهم: من الذي يحفظكم ويدفع عنكم قضاء الله وحكمه ﴿إِنْ أَرَادَ﴾ الله سبحانه ﴿بِكُمْ سُوءًا﴾؛ أي: شرًا وضررًا وهلاكًا في أنفسكم، أو نقصًا في الأموال، وجدبًا مرضًا ﴿أَوْ﴾ من الذي يصيبكم بسوء وضرر إن ﴿أَرَادَ﴾ الله سبحانه ﴿بِكُمْ رَحْمَةً﴾؛ أي: نصرةً وإطالة عمر في عافيةٍ وسلامةٍ وخصبًا وكثرة مال، أو المعنى: من يمنع الله من أن يرحمكم، إن أراد بكم رحمةً، لما في العصمة من معنى المنع، ففي الكلام اختصار كما في قوله: متقلدًا سيفًا ورمحًا؛ أي: ومعتقلًا رمحًا، والاعتقال: أخذ الرمح بين الركب والسرج، وكما في قوله: علفتها تبنًا وماءً باردًا. والمعنى: لا أحد يستطيع أن يدفع عنكم شرًا قدره الله سبحانه عليكم، من قتل أو غيره، ولا أحد يستطيع أن يصيبكم بسوء، إن أراد الله بكم رحمةً، من خصب وملامة وعافيةٍ. وإجمال القول (٢): أن النفع والضر بيده سبحانه، وليس بغيره في ذلك تصريف ولا تبديل. ثم أكد هذا بقوله: ﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ﴾؛ أي: ولا يجد هؤلاء المنافقون لأنفسهم ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: متجاوزين الله سبحانه ﴿وَلِيًّا﴾ يلي أمرهم، ويدفع عنهم السوء قبل الوقوع ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ ينصرهم ويخلصهم من السوء، والضرر بعد الوقوع. واعلم (٣): أن الآية دلت على أمور: الأول: أن الموت لا بد منه، قال بعضهم: إذا بلغ الرجل أربعين سنة .. ناداه منادٍ من السماء: دنا الرحيل فأعد زادًا، وقال الثوري: ينبغي لمن كان له

стр. 10166

عقل إذا أتى عليه عمر النبي ﷺ أن يهيىء كفنه. والثاني: أن الفرار لا يزيد في الآجال، ومن أسوأ حالًا ممن سعى لتبديل الآجال والأرزاق، ورجاء دفع ما قدر له أنه لاقٍ، وأنه لا يقيه منه واقٍ. والثالث: أن من اتخذ الله سبحانه وليًا ونصيرًا .. نال ما يتمناه قليلًا وكثيرًا، ونصر أميرًا وفقيرًا، وطاب له وقته مطلقًا وأسيرًا، فثبت ثبات الجبال، وعامل معاملة الرجال، نسأل الله سبحانه أن يعصمنا من الفرار من نحو بابه، والإقبال على الإدبار عن جنابه، إنه الولي النصير، ذو الفضل الكثير. الإعراب ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٢) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٣)﴾: ﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿يا﴾: حرف نداء، ﴿أي﴾: منادى نكرة مقصودة، و ﴿الهاء﴾: حرف تنبيه زائد، ﴿النَّبِيُّ﴾: صفة لـ ﴿أي﴾ أو بدل منه، وجملة النداء: مستأنفة، ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على ﴿النَّبِيُّ﴾ ومفعول به، والجملة الفعلية: جواب النداء لا محل لها من الإعراب، ﴿وَلَا تُطِعِ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لا﴾: ناهية جازمة، ﴿تُطِعِ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، وفاعله: ضمير يعود على ﴿النَّبِيُّ﴾، والجملة: معطوفة على جملة ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾، ﴿الْكَافِرِينَ﴾: مفعول به، ﴿وَالْمُنَافِقِينَ﴾: معطوف عليه. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص واسمه ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، ﴿عَلِيمًا﴾: خبر أول له، ﴿حَكِيمًا﴾: خبر ثان، وجملة ﴿كَانَ﴾: في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَاتَّبِعْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على ﴿النَّبِيُّ﴾ ﷺ ، ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به، والجملة: معطوفة على جملة ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾، ﴿يُوحَى﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعله: ضمير يعود على ﴿مَا﴾، ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلق به، ﴿مِنْ

стр. 10167

رَبِّكَ﴾: حال من الضمير المستتر في ﴿يُوحَى﴾، والجملة الفعلية: صلة الموصول، ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، ﴿كَانَ﴾: فعل ناقص واسمه ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، ﴿بِمَا﴾: متعلق بـ ﴿خَبِيرًا﴾، وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾: صلة ﴿مَا﴾ الموصول، ﴿خَبِيرًا﴾ خبر ﴿كَانَ﴾، وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل الرفع مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَتَوَكَّلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد، معطوف على ﴿اتَّقِ﴾، ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿اتَّقِ﴾، ﴿وَكَفَى﴾: فعل ماض، ﴿بِاللَّهِ﴾: فاعل، و ﴿الباء﴾: زائدة، ﴿وَكِيلًا﴾: تمييز لفاعل ﴿كفى﴾. والجملة: مستأنفة. ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤)﴾. ﴿مَا﴾: نافية، ﴿جَعَلَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة مسوقة للرد على مزاعم المشركين، بأن لبعضهم قلبين، فهو أعقل من محمد، ﴿لِرَجُلٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿جَعَلَ﴾، وهو في محل المفعول الثاني لـ ﴿جَعَلَ﴾، ﴿مِنْ﴾: زائدة، ﴿قَلْبَيْنِ﴾: مفعول أول لـ ﴿جَعَلَ﴾ ﴿فِي جَوْفِهِ﴾ صفة لـ ﴿قَلْبَيْنِ﴾ ﴿وَمَا﴾ ﴿و﴾: عاطفة، ﴿جَعَلَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿اللَّهُ﴾. والجملة: معطوفة على جملة ﴿ما﴾ نافية ﴿جَعَلَ﴾ الأولى، ﴿أَزْوَاجَكُمُ﴾: مفعول أول لـ ﴿جَعَلَ﴾، ﴿اللَّائِي﴾: اسم موصول للجمع المؤنث في محل النصب صفة لـ ﴿أَزْوَاجَكُمُ﴾. ﴿تُظَاهِرُونَ﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، ﴿مِنْهُنَّ﴾: متعلق به، ﴿أُمَّهَاتِكُمْ﴾: مفعول ثان لـ ﴿جَعَلَ﴾، ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿ما﴾: نافية، ﴿جَعَلَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر معطوف على ﴿جَعَلَ﴾ الأول، ﴿أَدْعِيَاءَكُمْ﴾: مفعول أول لـ ﴿جَعَلَ﴾، ﴿أَبْنَاءَكُمْ﴾: مفعول ثان، ﴿ذَلِكُمْ﴾: مبتدأ، ﴿قَوْلُكُمْ﴾: خبره، والجملة: مستأنفة، ﴿بِأَفْوَاهِكُمْ﴾: حال من ﴿قَوْلُكُمْ﴾؛ أي: كائنًا بأفواهكم فقط، من غير أن تكون له حقيقة. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ، ﴿يَقُولُ الْحَقَّ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة: مستأنفة، ﴿وَهُوَ﴾: ﴿الواو﴾: حالية، ﴿هو﴾: مبتدأ ﴿يَهْدِي﴾: فعل مضارع

стр. 10168

وفاعل مستتر ﴿السَّبِيلَ﴾: مفعول ثان لـ ﴿يَهْدِي﴾، والأول محذوف؛ أي: من يشاء، أو منصوب بنزع الخافض، وجملة ﴿يَهْدِي﴾: في محل الرفع خبر المبتدأ. والجملة الاسمية: في محل النصب حال من فاعل ﴿يَقُولُ﴾. ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾. ﴿ادْعُوهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به. والجملة: مستأنفة مسوقة لبيان أن نسبة كل مولود إلى والده أقوم وأعدل. ﴿لِآبَائِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿ادْعُوهُمْ﴾. ﴿هُوَ﴾: مبتدأ، ﴿أَقْسَطُ﴾: خبره. والجملة: مستأنفة. ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿أَقْسَطُ﴾ أو حال من الضمير في ﴿أَقْسَطُ﴾، ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف، تقديره: هذا إن علمتم آباءهم. ﴿إن﴾: حرف شرط، ﴿لَمْ﴾: حرف جزم. ﴿تَعْلَمُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾. ﴿آبَاءَهُمْ﴾: مفعول به، والجملة: في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها. ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا، ﴿إخوانكم﴾: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: فهم إخوانكم. ﴿فِي الدِّينِ﴾: حال من ﴿إخوانكم﴾، ﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾: معطوف على ﴿إخوانكم﴾. والجملة الاسمية: في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها. وجملة ﴿إن﴾ الشرطية: معطوفة على الجملة المحذوفة. ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. ﴿وَلَيْسَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ليس﴾: فعل ماض ناقص. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: خبرها مقدم. ﴿جُنَاحٌ﴾: اسمها مؤخر. ﴿فِيمَا﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿جُنَاحٌ﴾. وجملة ﴿ليس﴾: معطوفة على جملة قوله: ﴿فإن لم تعلموهم﴾. ﴿أَخْطَأْتُمْ﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿أَخْطَأْتُمْ﴾. ﴿وَلَكِنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لكن﴾: حرف استدراك. ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل الجر معطوف على ما في قوله فيما ﴿أَخْطَأْتُمْ﴾. ويجوز أن يكون في محل الرفع مبتدأ، وخبره:

стр. 10169

محذوف تقديره: ولكن ما تعمدت قلوبكم تؤاخذون به. ﴿تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾: فعل وفاعل صلة لـ ﴿مَّا﴾ الموصولة، والعائد: محذوف، تقديره: ولكن ما تعمدته قلوبكم. ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿غَفُورًا﴾: خبر أول لكان. ﴿رَحِيمًا﴾: خبر ثان لها، وجملة ﴿كان﴾: مستأنفة. ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٦)﴾. ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى﴾: مبتدأ وخبر، ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ﴾: متعلق بـ ﴿أَوْلَى﴾. والجملة: مستأنفة. ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿أَوْلَى﴾ أيضًا. ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾: مبتدأ وخبر. والجملة: معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾: مبتدأ أول. ﴿بَعْضُهُمْ﴾: مبتدأ ثان أو بدل من أولوا. ﴿أَوْلَى﴾: خبر للمبتدأ الثاني. وجملة الثاني: خبر الأول. وجملة الأول: معطوفة على الجمل التي قبلها. ﴿بِبَعْضٍ﴾: متعلق ﴿أَوْلَى﴾، ولا بد من تقدير مضاف؛ أي: بإرث بعض. ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿أَوْلَى﴾ أيضًا؛ لأن أفعل التفضيل يعمل في الظرف؛ أي: هذه الأولوية، وهذا الاستحقاق، كائن وثابت في كتاب الله، ويجوز أن يتعلق بمحذوف، على أنه حال من الضمير في ﴿أَوْلَى﴾ والعامل فيها ﴿أَوْلَى﴾؛ لأنها شبيهة بالظرف، ولا يجوز أن يكون حالًا من ﴿وَأُولُو﴾ للفصل بالخبر، ولأنه لا عامل فيها. اهـ. "كرخي". ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: متعلق بـ ﴿أَوْلَى﴾ أيضًا. ﴿وَالْمُهَاجِرِينَ﴾: معطوف عليه، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء منقطع بمعنى لكن. ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر، ﴿تَفْعَلُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أَنْ﴾ المصدرية. ﴿إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿تَفْعَلُوا﴾: بتضمينه معنى تحسنوا أو تسدوا. ﴿مَعْرُوفًا﴾: مفعول به. والجملة الفعلية، مع ﴿أَنْ﴾ المصدرية: في تأويل مصدر مرفوع على كونه مبتدأ، وخبره: محذوف، والتقدير: لكن فعلكم إلى أوليائكم معروفًا جائز، والجملة الاستدراكية: مستأنفة. ﴿كَانَ ذَلِكَ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿فِي الْكِتَابِ﴾: متعلق بـ ﴿مَسْطُورًا﴾. ﴿مَسْطُورًا﴾. خبر ﴿كَانَ﴾: وجملة ﴿كَانَ﴾: مستأنفة.

стр. 10170

﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٧)﴾. ﴿وَإِذْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿إذ﴾: ظرف لما مضى متعلق بمحذوف، تقديره: واذكر يا محمد قصة إذ أخذنا إلخ. ﴿أَخَذْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾: متعلق به. ﴿مِيثَاقَهُمْ﴾: مفعول به. والجملة: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذ﴾. والجملة المحذوفة: مستأنفة. ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾: معطوفان على ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾: عطف خاص على عام. ﴿وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾: معطوفات على ﴿نُوحٍ﴾. ﴿ابْنِ مَرْيَمَ﴾: صفة لـ ﴿وَعِيسَى﴾. ﴿وَأَخَذْنَا﴾: فعل وفاعل معطوف على لـ ﴿أَخَذْنَا﴾ الأول للتأكيد. ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿أَخَذْنَا﴾. ﴿مِيثَاقًا﴾: مفعول به لـ ﴿أَخَذْنَا﴾. ﴿غَلِيظًا﴾: صفة ﴿مِيثَاقًا﴾. ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٨)﴾. ﴿لِيَسْأَلَ﴾ ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل، ﴿يسأل﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام كي. ﴿الصَّادِقِينَ﴾: مفعول به، والجملة: في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿اللام﴾: الجار والمجرور متعلق بمحذوف، تقديره: فعل ذلك ليسأل الصادقين. إلخ. والجملة المحذوفة: مستأنفة. ﴿عَنْ صِدْقِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿يسأل﴾. ﴿وَأَعَدَّ﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على الله معطوف على ﴿أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ﴾. ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾: متعلق بـ ﴿أعد﴾. ﴿عَذَابًا﴾: مفعول به. ﴿أَلِيمًا﴾: صفة له. وفي "الفتوحات": ﴿وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ﴾: يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن يكون معطوف على ما دل عليه ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ﴾، إذ التقدير: فأثاب الصادقين وأعد للكافرين. والثاني: أنه معطوف على ﴿أَخَذْنَا﴾؛ لأن المعنى: أن الله أكد على الأنبياء الدعوة إلى دينه لإثابة المؤمنين، وأعد للكافرين عذابًا أليمًا. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا

стр. 10171

وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩)﴾. ﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿يَا﴾: حرف نداء، ﴿أي﴾: منادى نكرة مقصودة. و ﴿الهاء﴾: حرف تنبيه زائد. ﴿الَّذِينَ﴾: صفة لـ ﴿أي﴾ أو بدل أو عطف بيان. وجملة النداء: مستأنفة. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿اذْكُرُوا﴾: فعل أمر وفاعل. ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾: مفعول به ومضاف إليه. والجملة: جواب النداء. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾؛ لأنه مصدر بمعنى: إنعام الله عليكم، أو بمحذوف حال من ﴿النعمة﴾. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان متعلق بـ ﴿اذْكُرُوا﴾، وهو بمنزلة بدل اشتمال من ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾، والمراد بـ ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾: نصرهُ في غزوة الأحزاب. ﴿جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾: فعل ومفعول به وفاعل، والجملة: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿فَأَرْسَلْنَا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿أرسلنا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿جَاءَتْكُمْ﴾. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿أرسلنا﴾. ﴿رِيحًا﴾: مفعول به، ﴿وَجُنُودًا﴾: معطوف على ﴿رِيحًا﴾. ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وجزم. ﴿تَرَوْهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول به مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾. والجملة الفعلية: صفة لـ ﴿جُنُودًا﴾. ورأى هنا بصرية. ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿بَصِيرًا﴾. وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة. ﴿بَصِيرًا﴾: خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ في محل النصب حال من فاعل ﴿أرسلنا﴾. ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١)﴾. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان بدل من ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾. ﴿جَاءُوكُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿جَاءُوكُمْ﴾. ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ﴾: معطوف على ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾. ﴿مِنْكُمْ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿أَسْفَلَ﴾. ﴿وَإِذْ زَاغَتِ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، معطوف على ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ﴾. ﴿زَاغَتِ الْأَبْصَارُ﴾: فعل وفاعل، والجملة: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾ ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿زَاغَتِ﴾. ﴿الْحَنَاجِرَ﴾: منصوب على الظرفية المكانية، أو على التوسع.

стр. 10172

﴿وَتَظُنُّونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿زَاغَتِ﴾، ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿تظنون﴾. ﴿الظُّنُونَا﴾: منصوب على المفعولية المطلقة، و ﴿الألف﴾: مزيدة تشبيهًا للفواصل بالقوافي. ﴿هُنَالِكَ﴾: ﴿هنا﴾: اسم إشارة للمكان البعيد، في محل النصب على الظرفية المكانية، مبني على السكون، و ﴿اللام﴾: لبعد المشار إليه، و ﴿الكاف﴾: حرف دال على الخطاب، والظرف متعلق بـ ﴿ابْتُلِيَ﴾. ﴿ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾: فعل مغير ونائب فاعل، والجملة: مستأنفة. ﴿وَزُلْزِلُوا﴾: فعل ونائب فاعل معطوف على ﴿ابْتُلِيَ﴾. ﴿زِلْزَالًا﴾: مصدر مبين للنوع. ﴿شَدِيدًا﴾: صفة لـ ﴿زِلْزَالًا﴾. ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (١٣)﴾. ﴿وَإِذْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿إذ﴾: ظرف لما مضى متعلق بمحذوف، تقديره: واذكر إذ يقول المنافقون، والجملة المحذوفة، مستأنفة، أو معطوفة على ما سبق. ﴿يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذ﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾: معطوف على ﴿الْمُنَافِقُونَ﴾. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾: خبر مقدم. ﴿مَرَضٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية: صلة الموصول. ﴿مَا وَعَدَنَا﴾: ﴿مَا﴾: نافية. ﴿وَعَدَنَا اللَّهُ﴾: فعل ومفعول وفاعل. ﴿وَرَسُولُهُ﴾: معطوف على الجلالة، والجملة الفعلية: في محل النصب مقول ﴿يَقُولُ﴾. ﴿إلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿غُرُورًا﴾: منصوب على المفعولية المطلقة، ولكنه على حديث مضاف؛ أي: وعد غرور. ﴿وَإِذْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إذ﴾: ظرف لما مضى من الزمان معطوف على ﴿إذ يقول﴾. ﴿قَالَتْ طَائِفَةٌ﴾: فعل وفاعل، والجملة: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذ﴾. ﴿مِنْهُمْ﴾: صفة لـ ﴿طَائِفَةٌ﴾. ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ﴾: منادى مضاف، ويثرب ممنوع من الصرف للعلمية ووزن الفعل، أو التأنيث المعنوي، وجملة النداء: في محل النصب مقول ﴿قَالَتْ﴾. ﴿لَا﴾: نافية تعمل عمل إن. ﴿مُقَامَ﴾: في محل النصب اسمها. ﴿لَكُمْ﴾: خبر ﴿لَا﴾. وجملة ﴿لَا﴾: في محل النصب مقول ﴿قَالَتْ﴾ على كونها جواب النداء. ﴿فَارْجِعُوا﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها

стр. 10173

أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا سمعتم كلامي، وقبلتم نصحي .. فأقول لكم: ارجعوا. ﴿ارجعوا﴾: فعل أمر مبني على حذف النون، و ﴿الواو﴾: فاعل، والجملة: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول ﴿قَالَتْ﴾. ﴿وَيَسْتَأْذِنُ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿يستأذن فريق﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿قَالَتْ﴾. ﴿مِنْهُمْ﴾: صفة ﴿فَرِيقٌ﴾. ﴿النَّبِيَّ﴾: مفعول به. ﴿يَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل. والجملة: في محل النصب حال من ﴿فَرِيقٌ﴾ لوصفه بما بعده. ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا﴾: ناصب واسمه. ﴿عَوْرَةٌ﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾. وجملة ﴿إِنَّ﴾: في محل النصب مقول لـ ﴿يَقُولُونَ﴾. ﴿وَمَا هِيَ﴾: ﴿الواو﴾: حالية. ﴿ما﴾: حجازية تعمل عمل ليس. ﴿هِيَ﴾: في محل الرفع اسمها. ﴿بِعَوْرَةٍ﴾: خبرها. و ﴿الباء﴾: زائدة. وجملة ﴿ما﴾: في محل النصب حال من ﴿بيوتنا﴾. ﴿إِنْ﴾: نافية. ﴿يُرِيدُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿فِرَارًا﴾: مفعول به. والجملة: مستأنفة. ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (١٤)﴾. ﴿وَلَوْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿لو﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿دُخِلَتْ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله: ضمير يعود إلى ﴿بيوتهم﴾، أو إلى المدينة. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق به. ﴿مِنْ أَقْطَارِهَا﴾: حال من مرفوع ﴿دُخِلَتْ﴾. والجملة: فعل شرط لـ ﴿لو﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب. ﴿سُئِلُوا﴾: فعل ونائب فاعل معطوف على ﴿دُخِلَتْ﴾. ﴿الْفِتْنَةَ﴾: مفعول ثان لـ ﴿دُخِلَتْ﴾. ﴿لَآتَوْهَا﴾: ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لو﴾ الشرطية. ﴿أتوها﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والمفعول الثاني: محذوف إن قرأنا بالمد؛ لأنه بمعنى أعطي، تقديره: لأعطوها السائلين. والجملة الفعلية: جواب ﴿لو﴾ الشرطية، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ما﴾: نافية. ﴿تَلَبَّثُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿بِهَا﴾: متعلق بـ ﴿تَلَبَّثُوا﴾. ﴿إِلا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿يَسِيرًا﴾: صفة لمصدر محذوف؛ أي: تلبثًا يسيرًا، أو لزمن محذوف؛

стр. 10174

أي: زمنًا يسيرًا، والجملة: معطوفة على جواب ﴿لو﴾ الشرطية. ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (١٥) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٦)﴾. ﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿عَاهَدُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية، في محل النصب خبر ﴿كان﴾. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿عَاهَدُوا﴾. وجملة ﴿كان﴾: جملة قسمية لا محل لها من الإعراب؛ لأنه بمعنى: ولقد أقسموا بالله من قبل. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يُوَلُّونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿الْأَدْبَارَ﴾: مفعول ثان لـ ﴿يُوَلُّونَ﴾، والمفعول الأول: محذوف، تقديره: لا يولون العدو الأدبار، والجملة الفعلية: جواب القسم لا محل لها من الإعراب. وجاء على حكاية اللفظ، فجاء بلفظ الغيبة، ولو جاء على حكاية المعنى .. لقيل: لا نولي. ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿كان عهد الله﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿مَسْئُولًا﴾: خبره. والجملة: معطوفة على جملة القسم. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة: مستأنفة. ﴿لَنْ﴾: حرف نفي ونصب. ﴿يَنْفَعَكُمُ﴾: فعل ومفعول به منصوب بـ ﴿لَنْ﴾. ﴿الْفِرَارُ﴾: فاعل، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط. ﴿فَرَرْتُمْ﴾: فعل وفاعل في محل الجزمِ بـ ﴿إِنْ﴾: الشرطية، على كونها فعل شرط لها. ﴿مِنَ الْمَوْتِ﴾: متعلق بـ ﴿فَرَرْتُمْ﴾، ﴿أَوِ الْقَتْلِ﴾: معطوف عليه، وجواب ﴿إِنْ﴾: الشرطية معلوم مما قبله، تقديره: إن فررتم من الموت .. لن ينفعكم الفرار، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿وَإِذًا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إِذًا﴾: حرف جواب وجزاء مهمل لعدم تصدرها في أول الكلام المجاب بها، كما هو الغالب والشرط فيها. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿تُمَتَّعُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿قَلِيلًا﴾: صفة لمصدر محذوف؛ أي: تمتيعًا قليلًا، أو زمان محذوف؛ أي: زمنًا قليلًا.

стр. 10175

﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧)﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر، والجملة: مستأنفة. ﴿مَنْ ذَا﴾: اسم استفهام مركب للاستفهام الإنكاري، في محل الرفع خبر مقدم. ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية: في مجل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿يَعْصِمُكُمْ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: متعلق به. والجملة: صلة الموصول ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿أَرَادَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر في محل الحزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿بِكُمْ﴾ متعلقان به ﴿سُوءًا﴾: مفعول به، وجواب ﴿إن﴾ معلوم مما قبله، تقديره: إن أراد بكم سوءًا فمن الذي يعصمكم، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية: في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿أَوْ أَرَادَ﴾: فعبم وفاعل مستتر معطوف على ﴿أَرَادَ﴾ الأول. ﴿بِكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿أَرَادَ﴾. ﴿رَحْمَةً﴾: مفعول به، ولا بد من تقدير محذوف هنا كما مر؛ أي: أو من الذي يصيبكم بسوء، إن أراد بكم رحمة. ﴿وَلَا يَجِدُونَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَجِدُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿لَهُمْ﴾: جار وجرور في محل المفعول الثاني، أو متعلق به إن كان من وجد الضالة. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: حال من ﴿وَلِيًّا﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها. ﴿وَلِيًّا﴾: مفعول أول لـ ﴿يَجِدُونَ﴾ أو مفعول به له. ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾: معطوف على ﴿وَلِيًّا﴾. والجملة الفعلية: مستأنفة. التصريف ومفردات اللغة ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾: النبي: إما مأخوذ من النبأ، وهو الخبر ذو الفائدة العظيمة، يحصل به علم أو غلبة ظن، وسمي نبيًا؛ لأنه منبىء؛ أي: مخبر عن الله بما تسكن إليه العقول الزكية، أو من النبوة؛ أي: الرفعة؛ لأنه مرفوع الرتبة على سائر الخلائق، أو رافع رتبة من تبعه، فهو فعيل: إما بمعنى فاعل، أو بمعنى مفعول، فأصله على الأول نبييء؛ وعلى الثاني: نبيو. ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾؛ أي: دم على التقوى، قال طلق بن حبيب: التقوى: أن تعمل

стр. 10176

بطاعة الله سبحانه على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله مخافة عذاب الله. اهـ. واعلم: أن التقوى في اللغة بمعنى: الاتقاء، وهو اتخاذ الوقاية، وعند أهل الحقيقة هو، الاحتواز بطاعة الله من عقوبته، وصيانة النفس عما تستحق به العقوبة، من فعل أو ترك، فالتقوى اسم مصدر من اتقى يتقي اتقاءً: إذا جعل لنفسه وقاية عما يخافه. ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: دم على ما أنت عليه من انتقاء الطاعة لهم، فيما يخالف شريعتك، ويعود بوهنٍ في الدين، وذلك أن رسول الله ﷺ لم يكن مطيعًا لهم، حتى ينهى عن إطاعتهم، لكنه أكد عليه ما كان عليه، وثبت على التزامه، والإطاعة: الانقياد، والطاعة: اسم مصدر من أطاع يطيع إطاعةً وطاعةً، والفرق بين الطاعة والعبادة: أن الطاعة فعل يعمل بالأمر، بخلاف العبادة. ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ﴾؛ أي: نساءكم، جمع زوج، كما أن الزوجات جمع زوجة، والزوج، أفصح، وإن كان الثاني أشهر. ﴿اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ﴾ يقال: ظاهر الرجل من زوجته: إذا قال لها: أنت علي كظهر أمي، يريدون: أنت محرمة علي كما تحرم الأم، وكانوا في الجاهلية يجرون على المظاهر منها حكم الأم، فهو مضارع ظاهر، ومصدره: الظهار بكسر الظاء، كقاتل قتالًا، وهو كما في "القاموس" قول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي، وقد ظاهر وتظهر وظهر، وخصوا الظهر دون غيره؛ لأنه موضع الركوب، والمرأة مركوب الزوج، ففي قول المظاهر: أنت علي كظهر أمي كناية تلويحية لأنه ينتقل من الظهر إلى المركوب، ومن المركوب إلى المرأة؛ لأنها مركوب الزوج، فكان المُظاهر يقول: أنت محرمة علي لا تركبين، كتحريم ركوب أمي. ﴿أُمَّهَاتِكُمْ﴾؛ أي: كأمهاتكم، جمع أم، زيدت الهاء فيه كما زيدت في إهراق، من أراق، وشذت زيادتها في الواحدة بأن يقال: أمه.

стр. 10177

﴿أَدْعِيَاءَكُمْ﴾: جمع دعي، وهو من يُدعى لغير أبيه؛ أي: يتخذ ولدًا وابنًا له، وهو المتبنى بتقديم الباء الموحدة على النون، فهو فعيل بمعنى مفعول، ولكن جمعه على أدعياء غير مقيس, لأن أفعلاء، إنما يكون جمعًا لفعيل المعتل اللام، إذا كان بمعنى فاعل، نحو تقي وأتقياء، وغني وأغنياء، وهذا وإن كان فعيلًا معتل اللام، إلا أنه بمعنى مفعول، فكان القياس جمعه على فعلى، كقتيل وقتلى، وجريح وجرحى، بأن يقال: دعيًا، فكأنه شبه فعيل بمعنى مفعول في اللفظ، بفعيل بمعنى فاعل، فجمع جمعه. ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾: والأفواه: جمع فم، وأصل فم: فوه بالفتح، مثل ثوب وأثواب، وهو مذهب سيبويه والبصريين، أوفوه بالضم، مثل سوق وأسواق، وهو مذهب الفراء، حذفت الهاء حذفاَ غير قياسي لخفائها، ثم الواو لاعتلالها، ثم أبدلت الواو المحذوفة ميمًا لتجانسهما, لأنهما من حروب الشفة، فصار فمًا. ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾: والسبيل من الطرق: ما هو معتاد السلوك وما فيه سهولة. ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ يقال: فلان يدعى لفلان؛ أي: ينسب إليه، ووقوع اللام هاهنا للاستحقاق. ﴿أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾: القسط بالكسر: العدل، بالفتح: هو أن يأخذ قسط غيره، وذلك غير إنصاف، ولذلك قيل: قسط الرجل: إذا جار، وأقسط: إذا عدل. حكي أن امرأة قالت للحجاج: أنت القاسط، فضربها، وقال: إنما أردت القسط بالفتح، وأقسط هنا أفعل تفضيل، قصد به الزيادة المطلقة، والمعنى بالغ في العدل والصدق. ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾؛ أي: إثم، يقال: جنحت السفينة؛ أي: مالت إلى أحد جانبيها، وسمي الإثم: المائل بالإنسان عن الحق جناحًا، ثم سمي كل إثم جناحًا، وقال بعضهم: إنه معرب، كناه على ما هو عادة العرب في الإبدال، ومثله الجوهر: معرب كوهر.

стр. 10178

﴿فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ بقطع الهمزة؛ لأن همزة باب الإفعال مقطوعة وفرق بين الخاطىء والمخطيء، بأن الخاطيء من يأتي بالخطأ: وهو يعلم أنه خطأ، والمخطيء: من يأتي بالخطأ، وهو لا يعلم أنه خطأ، يقال: أخطأ الرجل في كلامه وأمره، إذا زلّ وهنا وخطأ الرجل إذا ضلّ في دينه وفعله، ومنه قوله: ﴿لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧)﴾. ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: أرأف وأشفق وأجدر بهم. ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾: فيما دعاهم إليه من أمر الدين والدنيا، فإن نفوسهم تدعوهم إلى ما فيه هلاكهم، وهو يدعوهم إلى ما فيه نجاتهم. والمعنى: أن طاعتهم للنبي أولى من طاعتهم لأنفسهم. اهـ. "شيخنا". ويقال: فلان أولى بكذا: أحرى وأليق به. ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾: جمع رحم، وهو القرابة؛ أي: ذوو القرابات. ﴿مَسْطُورًا﴾؛ أي: مكتوبًا، يقال: سطر فلان كذا؛ أي: كتب سطرًا سطرًا، والسطر: الصف من الكتابة. ﴿مِيثَاقَهُمْ﴾: الميثاق: عقد يؤكد بيمين. ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: إنعام الله عليكم بالنصر على الأحزاب، وذكر النعمة: شكرها. ﴿جُنُودٌ﴾: جمع جند، ويقال للعسكر: الجند؛ اعتبارًا بالغلظ من الجند، وهي الأرض الغليظة التي فيها حجارة، ثم يقال لكل مجتمع جند، نحو: الأرواح جنود مجندة؛ أي: مجمعة، والمراد بالجنود هنا: الأحزاب، وهم قريش يقودهم أبو سفيان، وبنو أسد يقودهم طليحة، وغطفان يقودهم عيينة بن حصن، وبنو عامر يقودهم عامر بن الطفيل، وبنو سليم يقودهم أبو الأعور السلمي، وبنو النضير من اليهود ورؤسائهم: حيي بن أخطب، وأبناء أبي الحقيق، وبنو قريظة سيدهم كعب بن أسد، وكان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد، فنبذه كعب بسعي حيي، وكان مجموع جيوش الأعداء عشرة آلاف، أو نحو ذلك.

стр. 10179

﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ﴾؛ أي: انحرفت عن مستوى نظرها حيرةً ودهشةً، والزيغ: الميل عن الاستقامة، والأبصار: جمع بصر، والبصر: الجارحة الناظرة. ﴿الْحَنَاجِرَ﴾: جمع حنجرة، وهي: رأس الغلصمة، والغلصمة: رأس الحلقوم، والحلقوم: مجرى الطعام والشراب، وقيل: الحلقوم: مجرى النفس، والمريء: مجرى الطعام والشراب, وهو تحت الحلقوم. وقال الراغب: الحنجرة: رأس الغلصمة من خارج. اهـ. وهي منتهى الحلقوم وطرفه من أسفله اهـ. "سمين". ﴿هُنَالِكَ﴾: هو في الأصل للمكان البعيد، لكن العرب تكنى بالمكان عن الزمان، وبالزمان عن المكان. ﴿زِلْزَالًا﴾ الزلة في الأصل: استرسال الرجل من غير قصد، يقال: زلت رجله تزل، والمزلة: المكان الزلق، وقيل: للذنب من غير قصد: زلة، تشبيهًا بزلة الرجل، والتزلزل: الاضطراب، وكذا الزلزلة: شدة الحركة، وتكرير حروف لفظه تنبيه على تكرر معنى الزلل. ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: قال الواغب: المرض: الخروج عن الاعتدال الخاص بالإنسان، وهو ضربان: جسمي ونفسي، كالجهل والجبن والنفاق ونحوها من الرذائل الخلقية، وهم قوم كان المنافقون يستميلونهم بإدخال الشبه عليهم، لقرب عهدهم بالإِسلام. ﴿إِلَّا غُرُورًا﴾: بضم الغين لا غير, لأنه مصدر؛ أي: وعد غرور لا حقيقة له. ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾؛ أي: لا ينبغي لكم الإقامة هاهنا. ﴿عَوْرَةٌ﴾ بسكون الواو، وفي الأصل: أطلقت على المختل مبالغة، يقال: عور المكان عورًا: إذا بدا فيه خلل يخاف منه العدو والسارق، وفلان يحفظ عورته؛ أي: خلله، والعورة أيضًا: سوءة الإنسان، وذلك كناية، وأصلها من

стр. 10180

العار، وذلك لما يلحق في ظهورها من العار؛ أي: المذمة، ولذلك سمي النساء عورة، ومن ذلك العوراء، للكلمة القبيحة. ﴿مِنْ أَقْطَارِهَا﴾: جمع قطر بالضم، وهو الجانب والناحية. ﴿الْفِتْنَةَ﴾: الردة ومقاتلة المؤمنين. ﴿عَاهَدُوا اللَّهَ﴾ العهد: حفظ الشيء ومراعاته حالًا بعد حال، وسمي الموثق الذي يلزم مراعاته عهدًا، والمعاهدة: المعاقدة. ﴿الْأَدْبَارَ﴾: جمع دبر، ودبر الشيء: خلاف القبل، يقال: ولاه دبره: إذا انهزم. ﴿مَسْئُولًا﴾؛ أي: مطلوبًا حتى يوفى، يقال: سألت فلانًا حقي؛ أي: طالبته به. ﴿أَوِ الْقَتْلِ﴾ والقتل: فعل يحصل به زهوق الروح، قال الراغب: أصل القتل: إزالة الروح عن الجسد، كالموت، لكن إذا اعتبر بفعل المتولي لذلك يقال قتل، وإذا اعتبر بفوت الحياة يقال موت. انتهى. ﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ﴾: وإذًا: حرف جواب وجزاء كما مر، ولما وقعت هنا بعد عاطف .. جاءت على الأكثر، وهو عدم إعمالها، ولم يشذ ما هنا ما شذ في الإسراء، فلم يقرأ بالنصب. اهـ. "سمين". ﴿يَعْصِمُكُمْ﴾: والعصمة: الإمساك والحفظ. ﴿سُوءًا﴾: والسوء: كل ما يسوء الإنسان ويغمه، والمراد هنا: القتل والهزيمة ونحوهما. ﴿وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾: الولي هو الدافع عنهم قبل وقوع السوء بهم والناصر المخرج لهم من السوء بعد وقوعهم فيه، كذا فرق بينهما.

стр. 10181

البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: النداء بوصف النبي في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ إجلالًا له وتعظيمًا. ومنها: تنكير رجل في قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ لإفادة الاستغراق والشمول، وإدخال حرف الجر الزائد؛ لتأكيد الاستغراق في قوله: ﴿مِنْ قَلْبَيْنِ﴾. ومنها: ذكر الجوف في قوله: ﴿فِي جَوْفِهِ﴾ لزيادة التصوير في الإنكار. ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾. ومنها: التشبيه البليغ في قوله: ﴿أُمَّهَاتِكُمْ﴾، وقوله: ﴿أَبْنَاءَكُمْ﴾؛ أي: مثل أمهاتكم في التحريم، ومثل أبنائكم في الميراث، وفي قوله: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ حذف منه وجه الشبه وأداة التشبيه، فصار بليغًا، وأصل الكلام: وأزواجه مثل أمهاتهم في وجوب الاحترام والتعظيم والإجلال والتكريم. ومنها: المجاز بالحذف في قوله: ﴿أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾؛ أي: أولى بإرث بعض. ومنها: ذكر الخاص بعد العام، إظهارًا لشرفه وفضله في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ إلخ. فقد دخل هؤلاء المذكورون في جملة النبيين، ولكنه خصهم بالذكر؛ تنويهًا بشأنهم، وتشريفًا لهم؛ لأن هؤلاء الخمسة المذكورين هم أصحاب الشرائع والكتب، وأولو العزم من الرسل، فآثرهم بالذكر؛ للتنويه بإنافة فضلهم على غيرهم، وقدم النبي محمدًا ﷺ مع أنه مؤخر عن نوح ومن بعده؛ لأنه هو المخاطب من بينهم، والمنزل عليه هذا المتلو، فكان تقديمه لهذا السبب. ومنها: الاستعارة المكنية في قوله: ﴿مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ حيث شبه الميثاق بجرم

стр. 10182

محسوس، واستعار له شيئًا من صفات الإجرام، وهو الغلظ؛ للتنويه لعظم الميثاق وحرمته وثقل حمله. ومنها: التكرار في قوله: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ لغرض بيان وصف الغلظ. ومنها: الالتفات من التكلم في قوله: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ﴾ إلى الغيبة في قوله: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ﴾ لغرض التبكيت والتقبيح للمشركين. ومنها: الطباق بين ﴿أَخْطَأْتُمْ﴾ و ﴿تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، وبين ﴿سُوءًا﴾ و ﴿رَحْمَةً﴾؛ لأن المراد بالسوء: الشر، وبالرحمة: الخير، وبين ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾. ومنها: التمثيل في قوله: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ حيث صور القلوب في خفقانها، واضطرابها، بارتفاعها إلى الحناجر. ومنها: الإتيان بصيغة المضارع في قوله: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ لاستحضار الصورة الماضية، وللدلالة على الاستمرار، وفي قوله: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾ للدلالة على استحضار القول، واستحضار صورته، وفي قوله: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾. ومنها: الكناية في قوله: ﴿لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ﴾؛ لأنه كناية عن الفرار من الزحف. ومنها: الكناية في قوله: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾؛ لأنه كناية عن كونها غير حصينة. ومنها: العدول إلى الغيبة في قوله: ﴿لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ﴾ على إرادة حكاية اللفظ، ولو جاء على حكاية المعنى .. لقيل: لا نولي الأدبار على، صيغة التكلم.

стр. 10183

ومنها: توافق الفواصل في الحرف الأخير مثل: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾، ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾، وهو مما يزيد رونق الكلام، وعذوبته، لما له من وقعٍ رائعٍ وجذب سامع. ومنا: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 10184

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٩) يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا (٢٠) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١) وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٤) وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢٧) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩) يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما نصر (١) نبيه ﷺ ، فرد عنه الأحزاب، وفتح عليه قريظة والنضير .. ظن أزواجه ﵅ أنه اختص بنفائس اليهود

стр. 10185

وذخائرهم، فقعدن حوله وقلن: يا رسول الله، بنات كسرى وقيصر في الحلي والحلل، والإماء والخول - الخدم والحشم - ونحن على ما تراه من الفاقة والضيق، وآلمن قلبه الشريف بمطالبهن من توسعة الحال، ومعاملتهن معاملة نساء الملوك وأبناء الدنيا، من التمتع بزخرفها من المأكل والمشرب، ونحو ذلك، فأمره الله تعالى أن يتلو عليهن ما نزل في شأنهن. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه (١) البخاري بسنده عن أنس بن مالك ﵁ قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن أشهدني الله قتال المشركين .. ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد، وانكشف المسلمون .. قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء؛ يعني: أصحابه، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء؛ يعني: المشركين، ثم تقدم، فاستقبله سعد بن معاذ فقال: يا سعد بن معاذ! الجنة ورب النضر، إني أجد ريحها من دون أُحد، قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع. قال أنس: فوجدنا به بضعًا وثمانين ضربةً بالسيف، أو طعنةً برمح، أو رميةً بسهم، ووجدناه قد قتل وقد مثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه، قال أنس: كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾. إلى آخر الآية. والحديث أخرجه أيضًا مسلم والترمذي والنسائي وأحمد والطيالسي وابن جرير وأبو نعيم في "الحلية" وعبد الله بن المبارك في "الجهاد". قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا

стр. 10186

وَزِينَتَهَا ...﴾ الآيات، سبب نزولها: ما أخرجه البخاري بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: لم أزل حريصًا على أن أسال عمر ﵁ عن المرأتين من أزواج النبي ﷺ ، اللتين قال الله لهما: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ فقال: واعجبًا لك يا ابن عباس: عائشة وحفصة، ثم استقبل عمر الحديث يسوقه، فقال: إني كنت وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد، وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على النبي ﷺ ، فينزل يومًا، وأنزل يومًا، فإذا نزلت جئته من خبر ذلك اليوم من الأمر وغيره، وإذا نزل فعل مثله، وكنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا على الأنصار إذا هم قوم تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار، فصاحت علي امرأتي، فراجعتني، فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ولم تنكر أن أراجعك، فوالله إن أزواج النبي ﷺ ليراجعنه، وإن إحداهن لتهجره النهار حتى الليل، فأفزعني، فقلت: خابت من فعلت منهن بعظيمٍ، ثم جمعت على ثيابي فدخلت على حفصة، فقلت: أي حفصة، أتغاضب إحداكن رسول الله ﷺ حتى الليل؟ فقالت: نعم، فقلت: خابت وخسرت، أفتأمن من أن يغضب الله رسوله فتهلكين، لا تستكثري على رسول الله ﷺ ولا تراجعيه في شيء، ولا تهجريه، واسأليني ما بدا لك ولا تغرنك إن كانت جارتك هي أوضأ منك، وأحب إلى رسول الله ﷺ يريد عائشة - وكنا تحدثنا أن غسان تنعل النعال لغزونا، فنزل صاحبي يوم نوبته، فرجع عشاء، فضرب بأبي ضربًا شديدًا، وقال: أنائم هو، ففزعت فخرجت إليه، وقال: حدث أمر عظيم، قلت: ما هو، أجاءت غسان؟ قال: لا، بل أعظم منه وأطول، طلق رسول الله ﷺ نساءه، قال: قد خابت حفصة وخسرت، كنت أظن أن هذا يوشك أن يكون، فجمعت علي ثيابي، فصليت صلاة الفجر مع النبي ﷺ ، فدخل مشربةً له فاعتزل فيها، فدخلت على حفصة، فإذا هي تبكي، قلت: ما يبكيك، أولم أكن حذرتك، أطلقكن رسول الله ﷺ ؟ قالت: لا أدري هوذا في المشربة، فخرجت فجئت المنبر، فإذا حوله رهط يبكي بعضهم، فجلست معهم قليلًا ثم غلبني ما أجد، فجئت المشربة التي هو فيها، فقلت لغلام له أسود: استأذن لعمر، فدخل فكلم النبي ﷺ ثم خرج فقال: ذكرتك له

стр. 10187

فصمت، فانصرفت حتى جلست مع الرهط الذين عند المنبر، ثم غلبني ما أجد، فجئت الغلام، فذكر مثله، فجلست مع الرهط الذين عند المنبر، ثم غلبني ما أجد، فجئت الغلام، فقلت: استأذن لعمر، فذكر مثله، فلما وليت منصرفًا فإذا الغلام يدعوني، قال: أذن لك رسول الله ﷺ ، فدخلت عليه، فإذا هو مضطجع على رمال حصير، ليس بينه وبينه فراش، وقد أثر الرمال بجنبه، متكىء على وسادةٍ من أدم حشوها ليف، فسلمت عليه، ثم قلت: وأنا قائم: أطلقت نساءك يا رسول الله؟ فرفع بصره إليّ فقال: "لا" ثم قلت وأنا قائم: استأنس يا رسول الله لو رأيتني وكنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا على قوم تغلبهم نساؤهم، فتبسم النبي ﷺ ، ثم قلت: يا رسول الله لو رأيتني ودخلت على حفصة فقلت: لا يغرنك أن كانت جارتك هي أوضأ منك، وأحب إلى النبي ﷺ ، يريد عائشة، فتبسم أخرى، فجلست حين رأيته تبسم، ثم رفعت بصري في بيته، فوالله ما رأيت فيه شيئًا يرد البصر غير أهبة ثلاث، فقلت: أدع الله فليوسع على أمتك، فإن فارس والروم وسع عليهم وأعطوا الدنيا، وهم لا يعبدون الله، وكان متكأ فقال: "أو في شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا، فقلت: يا رسول الله، استغفر لي، فاعتزل النبي ﷺ من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة على عائشة، وكان قد قال: "ما أنا بداخل عليهن شهرًا، من موجدته عليهن حين عاتبه الله سبحانه، فلما مضت تسع وعشرون ليلة .. دخل على عائشة فبدأ بها، فقالت له عائشة: إنك أقسمت أن لا تدخل علينا شهرًا، وإنا أصبحنا لتسع وعشرين ليلةً أعدها عدًا، فقال النبي ﷺ : الشهر تسعٌ وعشرون، وكان ذلك الشهر تسعًا وعشرين، قالت عائشة: فأنزلت آية التخيير، فبدأ بي أول مرةٍ، فقال: "إني ذاكر لك أمرًا، ولا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك". قالت: قد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه، ثم قال: إن الله سبحانه قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ إلى قوله: ﴿عَظِيمًا﴾ قلت: أفي هذا أستامر أبوي، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، ثم خير نساءَه، فقلن: مثل ما قالت عائشة. الحديث أخرجه الترمذي وصححه، والنسائي وابن ماجه وأحمد وابن

стр. 10188

الجارود وابن جرير. وأخرج (١) مسلم وأحمد والنسائي من طريق أبي الزبير عن جابر قال: أقبل أبو بكر يستأذن على رسول الله ﷺ ، فلم يؤذن له، ثم أقبل عمر فاستأذن فلم يؤذن له، ثم أذن لهما فدخلا، والنبي ﷺ جالس وحوله نساؤه وهو ساكت، فقال عمر: لأكلمن النبي ﷺ لعله يضحك، فقال عمر: يا رسول الله لو رأيت ابنة زيد امرأة عمر، سألتني النفقة آنفًا فوجأت عنقها، فضحك النبي ﷺ حتى بدا ناجده، وقال: من حولي يسألنني النفقة آنفًا، فقام أبو بكر، إلى عائشة ليضربها، وقام عمر إلى حفصة، كلاهما يقول: تسألان النبي ﷺ ما ليس عنده، وأنزل الخيار فبدأ بعائشة، فقال النبي ﷺ : "إني ذاكر لك أمرًا، ما أحب أن تتعجلي فيه، حتى تستأمري أبويك" قالت: ما هو؟ فتلا عليها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ ...﴾ الآية. قالت عائشة: أفيك أستأمر أبوي؟ بل اختار الله ورسوله. التفسير وأوجه القراءة ١٨ - ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾: ﴿قد﴾ (٢) فيه لتأكيد العلم بالتعويق، ومرجع العلم إلى توكيد الوعيد، والتعويق: التثبيط، يقال: عاقه وعوقه: إذا صرفه عن الوجه الذي يريده، كما سيأتي. ومنه عوائق الدهر، والخطاب فيه لمن أظهر الإيمان مطلقًا. والمعنى: قد علم الله سبحانه المثبطين للناس عن نصرة رسول الله ﷺ ، الصارفين عن طريق الخير، وهم المنافقون أيًا من كان منهم. ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾ من منافقي المدينة، فالمراد: الأخوة في الكفر والنفاق ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾؛ أي: احضروا وارجعوا إلينا، ودعوا محمدًا ﷺ ، فلا تشهدوا معه الحرب، فإنا نخاف عليكم الهلاك، وهذا يدل على أنهم عند هذا القول

стр. 10189

خارجون عن العسكر، متوجهون نحو المدينة فرارًا من العدو، و ﴿هَلُمَّ﴾: اسم فعل بمعنى أقبل وأحضر وقرب، يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث عند الحجازيين، وكلمة ﴿إلى﴾ صلة التقريب الذي تضمنه ﴿هَلُمَّ﴾. والمعنى: قربوا أنفسكم إلينا. قيل (١): هم أناس من المنافقين، كانوا يثبطون أنصار النبي ﷺ ، ويقولون لهم: ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأسٍ، ويريدون أنهم قليلو العدد، ولو كانوا لحمًا لالتهمهم؛ أي: ابتلعهم أبو سفيان وأصحابه، دعوا الرجل فإنه هالك، وقيل: نزلت في المنافقين، وذلك أن اليهود أرسلت إليهم: ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبي سفيان ومن معه، فإنهم إن قدروا عليكم في هذه المرة .. لم يبقوا منكم أحدًا، وإنا نشفق عليكم، فأنتم إخواننا وجيراننا، هلموا إلينا، فأقبل عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه على المؤمنين، يعوقونهم ويخوفونهم بأبي سفيان ومن معه، وقالوا: لئن قدر اليوم عليكم لم يبق منكم أحدًا، أما ترجعون عن محمد، ما عنده خير، ما هو إلا أن يقتلنا هاهنا، انطلقوا بنا إلى إخواننا؛ يعني اليهود، فلم يزدد المؤمنون بقول المنافقين إلا إيمانًا وإحتسابًا. ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ﴾؛ أي: الحرب والقتال، وهو في الأصل الشدة ﴿إِلَّا﴾ إتيانًا ﴿قَلِيلًا﴾ خوفًا من الموت، فإنهم يعتذرون ويتأخرون ما أمكن لهم، أو يخرجون مع المؤمنين، يوهمونهم أنهم معهم، لا تراهم يبارزون ويقاتلون، إلا شيئًا قليلًا، إذا اضطروا إليه، وهذا على تقدير عدم الفرار، وقيل: المعنى: لا يحضرون القتال إلا رياءً وسمعةً من غير احتساب، وقال أبو حيان: وقلته: إما لقصر زمانه، وإما لقلة عقابه، وأنه رياء وتلميع لا تحقيق، انتهى. وقال ابن السائب: (٢) هي في عبد الله بن أبي بن سلول، ومعتب بن قشير

стр. 10190

ومن رجع من المنافقين من الخندق إلى المدينة، فإذا جاءهم المنافق .. قالوا له: ويحك، اجلس ولا تخرج، ويكتبون إلى إخوانهم في العسكر: أن ائتونا فإنا ننتظركم، وكانوا لا يأتون العسكر إلا أن لا يجدوا بدًا من إتياته، فيأتون ليرى الناس وجوههم، فإذا غفل عنهم .. عادوا إلى المدينة، فنزلت هذه الآية؟ والمعنى (١): أي إن ربك أيها الرسول، ليعلم حق العلم من يثبطون الناس عن رسول الله ﷺ ، يصدونهم عنه، وعن شهود الحرب معه، نفاقًا منهم، وتخذيلًا عن الإِسلام، ويعلم الذين يقولون لأصحابهم خلطائهم من أهل المدينة: تعالوا إلى ما نحن فيه من الظلال والثمار، ودعوا محمدًا فلا تشهدوا معه مشهدًا، فإنا نخاف عليكم الهلاك، ولا يأتون المعسكر إلا ليراهم المخلصون، فإذا غفلوا عنهم .. تسللوا لواذًا، وعادوا إلى بيوتهم. ١٩ - ثم ذكر بعض معايبهم، من البخل والخوف والفخر الكاذب فقال: ١ - ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ حال من فاعل ﴿يَأْتُونَ﴾؛ أي: حالة كونهم بخلاء عليكم، لا يعاونونكم بحفر الخندق، ولا بالنفقة والنصرة في سبيل الله، فهم لا يودون مساعدتكم، لا بنفس ولا بمالٍ، قاله مجاهد وقتادة، وقيل: بخلاء بالقتال معكم، وقيل: بالنفقة على فقرائكم ومساكينكم، وقيل: أشحةً بالغنائم إذا أصابوها، قاله السدي. وقرأ الجمهور: بالنصب، وقرأ ابن أبي عبلة: بالرفع. ٢ - ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ﴾؛ أي: الخوف من العدو ﴿رَأَيْتَهُمْ﴾؛ أي: رأيت يا محمد، أو أيها المخاطب أولئك المعوقين ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ يا محمد في تلك الحالة، حالة كونهم ﴿تَدُورُ﴾ وتتحرك ﴿أَعْيُنُهُمْ﴾ وأبصارهم في أحداقهم يمينًا وشمالًا، وذلك شأن الجبان، إذا شاهد ما يخافه، و (الكاف) في قوله: ﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾: صفة لمصدر محذوف؛ أي: تدور أعينهم دورانًا كائنًا كدوران عين المغشي عليه من معالجة سكرات الموت وأسبابه، حذرًا وخوفًا
следующие страницы →