وَزِينَتَهَا ...﴾ الآيات، سبب نزولها: ما أخرجه البخاري بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: لم أزل حريصًا على أن أسال عمر ﵁ عن المرأتين من أزواج النبي ﷺ ، اللتين قال الله لهما: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ فقال: واعجبًا لك يا ابن عباس: عائشة وحفصة، ثم استقبل عمر الحديث يسوقه، فقال: إني كنت وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد، وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على النبي ﷺ ، فينزل يومًا، وأنزل يومًا، فإذا نزلت جئته من خبر ذلك اليوم من الأمر وغيره، وإذا نزل فعل مثله، وكنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا على الأنصار إذا هم قوم تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار، فصاحت علي امرأتي، فراجعتني، فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ولم تنكر أن أراجعك، فوالله إن أزواج النبي ﷺ ليراجعنه، وإن إحداهن لتهجره النهار حتى الليل، فأفزعني، فقلت: خابت من فعلت منهن بعظيمٍ، ثم جمعت على ثيابي فدخلت على حفصة، فقلت: أي حفصة، أتغاضب إحداكن رسول الله ﷺ حتى الليل؟ فقالت: نعم، فقلت: خابت وخسرت، أفتأمن من أن يغضب الله رسوله فتهلكين، لا تستكثري على رسول الله ﷺ ولا تراجعيه في شيء، ولا تهجريه، واسأليني ما بدا لك ولا تغرنك إن كانت جارتك هي أوضأ منك، وأحب إلى رسول الله ﷺ يريد عائشة - وكنا تحدثنا أن غسان تنعل النعال لغزونا، فنزل صاحبي يوم نوبته، فرجع عشاء، فضرب بأبي ضربًا شديدًا، وقال: أنائم هو، ففزعت فخرجت إليه، وقال: حدث أمر عظيم، قلت: ما هو، أجاءت غسان؟ قال: لا، بل أعظم منه وأطول، طلق رسول الله ﷺ نساءه، قال: قد خابت حفصة وخسرت، كنت أظن أن هذا يوشك أن يكون، فجمعت علي ثيابي، فصليت صلاة الفجر مع النبي ﷺ ، فدخل مشربةً له فاعتزل فيها، فدخلت على حفصة، فإذا هي تبكي، قلت: ما يبكيك، أولم أكن حذرتك، أطلقكن رسول الله ﷺ ؟ قالت: لا أدري هوذا في المشربة، فخرجت فجئت المنبر، فإذا حوله رهط يبكي بعضهم، فجلست معهم قليلًا ثم غلبني ما أجد، فجئت المشربة التي هو فيها، فقلت لغلام له أسود: استأذن لعمر، فدخل فكلم النبي ﷺ ثم خرج فقال: ذكرتك له
стр. 10187
فصمت، فانصرفت حتى جلست مع الرهط الذين عند المنبر، ثم غلبني ما أجد، فجئت الغلام، فذكر مثله، فجلست مع الرهط الذين عند المنبر، ثم غلبني ما أجد، فجئت الغلام، فقلت: استأذن لعمر، فذكر مثله، فلما وليت منصرفًا فإذا الغلام يدعوني، قال: أذن لك رسول الله ﷺ ، فدخلت عليه، فإذا هو مضطجع على رمال حصير، ليس بينه وبينه فراش، وقد أثر الرمال بجنبه، متكىء على وسادةٍ من أدم حشوها ليف، فسلمت عليه، ثم قلت: وأنا قائم: أطلقت نساءك يا رسول الله؟ فرفع بصره إليّ فقال: "لا" ثم قلت وأنا قائم: استأنس يا رسول الله لو رأيتني وكنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا على قوم تغلبهم نساؤهم، فتبسم النبي ﷺ ، ثم قلت: يا رسول الله لو رأيتني ودخلت على حفصة فقلت: لا يغرنك أن كانت جارتك هي أوضأ منك، وأحب إلى النبي ﷺ ، يريد عائشة، فتبسم أخرى، فجلست حين رأيته تبسم، ثم رفعت بصري في بيته، فوالله ما رأيت فيه شيئًا يرد البصر غير أهبة ثلاث، فقلت: أدع الله فليوسع على أمتك، فإن فارس والروم وسع عليهم وأعطوا الدنيا، وهم لا يعبدون الله، وكان متكأ فقال: "أو في شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا، فقلت: يا رسول الله، استغفر لي، فاعتزل النبي ﷺ من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة على عائشة، وكان قد قال: "ما أنا بداخل عليهن شهرًا، من موجدته عليهن حين عاتبه الله سبحانه، فلما مضت تسع وعشرون ليلة .. دخل على عائشة فبدأ بها، فقالت له عائشة: إنك أقسمت أن لا تدخل علينا شهرًا، وإنا أصبحنا لتسع وعشرين ليلةً أعدها عدًا، فقال النبي ﷺ : الشهر تسعٌ وعشرون، وكان ذلك الشهر تسعًا وعشرين، قالت عائشة: فأنزلت آية التخيير، فبدأ بي أول مرةٍ، فقال: "إني ذاكر لك أمرًا، ولا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك". قالت: قد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه، ثم قال: إن الله سبحانه قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ إلى قوله: ﴿عَظِيمًا﴾ قلت: أفي هذا أستامر أبوي، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، ثم خير نساءَه، فقلن: مثل ما قالت عائشة.
الحديث أخرجه الترمذي وصححه، والنسائي وابن ماجه وأحمد وابن
стр. 10188
الجارود وابن جرير.
وأخرج (١) مسلم وأحمد والنسائي من طريق أبي الزبير عن جابر قال: أقبل أبو بكر يستأذن على رسول الله ﷺ ، فلم يؤذن له، ثم أقبل عمر فاستأذن فلم يؤذن له، ثم أذن لهما فدخلا، والنبي ﷺ جالس وحوله نساؤه وهو ساكت، فقال عمر: لأكلمن النبي ﷺ لعله يضحك، فقال عمر: يا رسول الله لو رأيت ابنة زيد امرأة عمر، سألتني النفقة آنفًا فوجأت عنقها، فضحك النبي ﷺ حتى بدا ناجده، وقال: من حولي يسألنني النفقة آنفًا، فقام أبو بكر، إلى عائشة ليضربها، وقام عمر إلى حفصة، كلاهما يقول: تسألان النبي ﷺ ما ليس عنده، وأنزل الخيار فبدأ بعائشة، فقال النبي ﷺ : "إني ذاكر لك أمرًا، ما أحب أن تتعجلي فيه، حتى تستأمري أبويك" قالت: ما هو؟ فتلا عليها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ ...﴾ الآية. قالت عائشة: أفيك أستأمر أبوي؟ بل اختار الله ورسوله.
التفسير وأوجه القراءة
١٨ - ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾: ﴿قد﴾ (٢) فيه لتأكيد العلم بالتعويق، ومرجع العلم إلى توكيد الوعيد، والتعويق: التثبيط، يقال: عاقه وعوقه: إذا صرفه عن الوجه الذي يريده، كما سيأتي. ومنه عوائق الدهر، والخطاب فيه لمن أظهر الإيمان مطلقًا.
والمعنى: قد علم الله سبحانه المثبطين للناس عن نصرة رسول الله ﷺ ، الصارفين عن طريق الخير، وهم المنافقون أيًا من كان منهم.
﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾ من منافقي المدينة، فالمراد: الأخوة في الكفر والنفاق ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾؛ أي: احضروا وارجعوا إلينا، ودعوا محمدًا ﷺ ، فلا تشهدوا معه الحرب، فإنا نخاف عليكم الهلاك، وهذا يدل على أنهم عند هذا القول
стр. 10189
خارجون عن العسكر، متوجهون نحو المدينة فرارًا من العدو، و ﴿هَلُمَّ﴾: اسم فعل بمعنى أقبل وأحضر وقرب، يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث عند الحجازيين، وكلمة ﴿إلى﴾ صلة التقريب الذي تضمنه ﴿هَلُمَّ﴾. والمعنى: قربوا أنفسكم إلينا.
قيل (١): هم أناس من المنافقين، كانوا يثبطون أنصار النبي ﷺ ، ويقولون لهم: ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأسٍ، ويريدون أنهم قليلو العدد، ولو كانوا لحمًا لالتهمهم؛ أي: ابتلعهم أبو سفيان وأصحابه، دعوا الرجل فإنه هالك، وقيل: نزلت في المنافقين، وذلك أن اليهود أرسلت إليهم: ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبي سفيان ومن معه، فإنهم إن قدروا عليكم في هذه المرة .. لم يبقوا منكم أحدًا، وإنا نشفق عليكم، فأنتم إخواننا وجيراننا، هلموا إلينا، فأقبل عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه على المؤمنين، يعوقونهم ويخوفونهم بأبي سفيان ومن معه، وقالوا: لئن قدر اليوم عليكم لم يبق منكم أحدًا، أما ترجعون عن محمد، ما عنده خير، ما هو إلا أن يقتلنا هاهنا، انطلقوا بنا إلى إخواننا؛ يعني اليهود، فلم يزدد المؤمنون بقول المنافقين إلا إيمانًا وإحتسابًا.
﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ﴾؛ أي: الحرب والقتال، وهو في الأصل الشدة ﴿إِلَّا﴾ إتيانًا ﴿قَلِيلًا﴾ خوفًا من الموت، فإنهم يعتذرون ويتأخرون ما أمكن لهم، أو يخرجون مع المؤمنين، يوهمونهم أنهم معهم، لا تراهم يبارزون ويقاتلون، إلا شيئًا قليلًا، إذا اضطروا إليه، وهذا على تقدير عدم الفرار، وقيل: المعنى: لا يحضرون القتال إلا رياءً وسمعةً من غير احتساب، وقال أبو حيان: وقلته: إما لقصر زمانه، وإما لقلة عقابه، وأنه رياء وتلميع لا تحقيق، انتهى.
وقال ابن السائب: (٢) هي في عبد الله بن أبي بن سلول، ومعتب بن قشير
стр. 10190
ومن رجع من المنافقين من الخندق إلى المدينة، فإذا جاءهم المنافق .. قالوا له: ويحك، اجلس ولا تخرج، ويكتبون إلى إخوانهم في العسكر: أن ائتونا فإنا ننتظركم، وكانوا لا يأتون العسكر إلا أن لا يجدوا بدًا من إتياته، فيأتون ليرى الناس وجوههم، فإذا غفل عنهم .. عادوا إلى المدينة، فنزلت هذه الآية؟
والمعنى (١): أي إن ربك أيها الرسول، ليعلم حق العلم من يثبطون الناس عن رسول الله ﷺ ، يصدونهم عنه، وعن شهود الحرب معه، نفاقًا منهم، وتخذيلًا عن الإِسلام، ويعلم الذين يقولون لأصحابهم خلطائهم من أهل المدينة: تعالوا إلى ما نحن فيه من الظلال والثمار، ودعوا محمدًا فلا تشهدوا معه مشهدًا، فإنا نخاف عليكم الهلاك، ولا يأتون المعسكر إلا ليراهم المخلصون، فإذا غفلوا عنهم .. تسللوا لواذًا، وعادوا إلى بيوتهم.
١٩ - ثم ذكر بعض معايبهم، من البخل والخوف والفخر الكاذب فقال:
١ - ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ حال من فاعل ﴿يَأْتُونَ﴾؛ أي: حالة كونهم بخلاء عليكم، لا يعاونونكم بحفر الخندق، ولا بالنفقة والنصرة في سبيل الله، فهم لا يودون مساعدتكم، لا بنفس ولا بمالٍ، قاله مجاهد وقتادة، وقيل: بخلاء بالقتال معكم، وقيل: بالنفقة على فقرائكم ومساكينكم، وقيل: أشحةً بالغنائم إذا أصابوها، قاله السدي. وقرأ الجمهور: بالنصب، وقرأ ابن أبي عبلة: بالرفع.
٢ - ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ﴾؛ أي: الخوف من العدو ﴿رَأَيْتَهُمْ﴾؛ أي: رأيت يا محمد، أو أيها المخاطب أولئك المعوقين ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ يا محمد في تلك الحالة، حالة كونهم ﴿تَدُورُ﴾ وتتحرك ﴿أَعْيُنُهُمْ﴾ وأبصارهم في أحداقهم يمينًا وشمالًا، وذلك شأن الجبان، إذا شاهد ما يخافه، و (الكاف) في قوله: ﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾: صفة لمصدر محذوف؛ أي: تدور أعينهم دورانًا كائنًا كدوران عين المغشي عليه من معالجة سكرات الموت وأسبابه، حذرًا وخوفًا
стр. 10191
والتجاءً بك، يقال: غشي على فلان: إذا نابه ما غشي فهمه وستر عقله، كما سيأتي؛ أي: تدور أعينهم كدوران عين الذي غشيته أسباب الموت، وأحاطت به سكراته، فيذهل عن كل شيء، ويذهب عقله، ويشخص بصره، فلا يطرف، كذلك هؤلاء، تشخص أبصارهم لما يلحقهم من الخوف، ويقال للميت إذا شخص بصره: دارت عيناه، ودارت حماليق عينيه.
والمعنى: أي (١) فإذا بدأ الخوف بِكَرِّ الشجعان وفرِّهم في ميدان القتال .. رأيتهم ينظرون إليك، وقد دارت أعينهم في مواضعها، فرقًا وخوفًا، كدوران عين الذي قرب من الموت، وعشيته أسبابه، فإنه إذ ذاك يذهب نبه وعقله، ويشخص بصره، فلا يتحرك طرفه.
٣ - ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾ وحصل الأمن من العدو وجمعت الغنائم .. ﴿سَلَقُوكُمْ﴾؛ أي: جرحوكم وآذوكم ﴿بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾؛ أي: بألسنة سليطةٍ ذربةٍ بذيةٍ خفيفة الحياء، جهروا فيكم بالسوء من القول، قال قتادة: ومعنى الآية: بسطوا ألسنتهم فيكم في وقت قسمة الغنيمة، وقالوا: وفروا لنا قسمتنا وسهمنا، فإنا قد ساعدناكم، وقاتلنا معكم، وبمكاننا غلبتم عدوكم، وبنا نصرتم عليه.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ بالسين، وابن أبي عبلة: بالصاد.
أي: فإذا كان الأمن .. تكلموا فصيح الكلام، وفخروا بما لهم من المقامات المشهودة في النجدة والشجاعة، وهم في ذلك كاذبون، قال قتادة: أما عند الغنيمة فأشح قوم، وأسوؤهم مقاسمةً، يقولون: أعطونا أعطونا، قد شهدنا معكم، وأما عند البأس فأجبن قوم، وأخذَ لُهم للحق. اهـ.
ثم بيّن ما دعاهم إلى بسط ألسنتهم فيهم، فقال: ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾: حال من فاعل سلقوكم؛ أي: طعنوكم بألسنةٍ حدادٍ؛ أي: مؤثرة في الإعراض تأثير الحديد في الأجسام، حالة كونهم بخلاء على المال، حريصين على أخذ الغنائم.
стр. 10192
وقرأ الجمهور: ﴿أَشِحَّةً﴾ بالنصب على الحال، وقرأ ابن أبي عبلة: ﴿أشحة﴾ بالرفع؛ أي: هم بخلاء حريصون على الغنائم، إذا ظفر بها المؤمنون، لا يريدون أن يفوتهم شيء مما وصل إلى أيديهم.
والخلاصة: أنهم حين البأس جبناء، وحين الغنيمة أشحاء.
أَفِيْ السلم أعيار جفاءً وغلظةً ... وَفِيْ الْحَرْبِ أمْثَالَ النِّسَاءِ الْعَوَاتِكِ
وبعد أن وصفهم بما وصفهم به، من دنيء الصفات .. بين ما دعاهم إليها، وهو قلة ثقتهم بالله، لعدم تمكن الوازع النفسي في قلوبهم فقال: ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بما ذكر من صفات السوء ﴿لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ بالإخلاص، حيث أبطنوا خلافًا ما أظهروا، فصاروا أخبث الكفرة، وأبغضهم إلى الله ﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ﴾ سبحانه ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾؛ أي: أظهر بطلانها إذ لم يثبت لهم أعمال تقتضي الثواب فتبطل؛ لأنهم منافقون، وفي هذا (١) دلالة على أن المعتبر عند الله هو العمل المبني على التصديق، وإلا فهو كبناء على غير أساس، أو المراد (٢) أبطل تصنعهم ونفاقهم، فلم يبق مستتبعًا لمنفعةٍ دنيوية أصلًا.
وقال الزمخشري: فإن قلت (٣): هل يثبت للمنافق عمل حتى يرد عليه الإحباط؟
قلت: لا, ولكن تعليم لمن يظن أن الإيمان باللسان إيمان، وإن لم يواطئه القلب، وأن ما يعمله المنافق من الأعمال يجزى عليه، فبين أن إيمانه ليس بإيمان، وأن كل عمل يوجد منه باطل، انتهى.
والمعنى: أي هؤلاء الذين بسطت أوصافهم لم يصدقوا الله ورسوله، ولم يخلصوا له العمل؛ لأنهم أهل نفاق، فأبطل أعمالهم، وأذهب أجورها، وجعلها هباءً ومنثورًا.
стр. 10193
﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾ الإحباط ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾؛ أي: هينًا على الله، لا يبالي به، لتعلق الإرادة به، إذ هم قوم فعلوا ما يستوجب الإحباط ويستدعيه، فاقتضت حكمته أن يعاملهم بما يقتضيه عدله، وتدل عليه حكمته.
٢٠ - ثم أبان مقدار الجبن والهلع الذي لحق بهم فقال: هم ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾؛ أي: هؤلاء المنافقون لجبنهم المفرط، يظنون أن الأحزاب باقون في معسكرهم، لم يذهبوا، إلى ديارهم، ولم ينهزموا، ففروا إلى المدينة، والأحزاب: هم الذين تحزبوا وتجمعوا على محاربة النبي ﷺ يوم الخندق، وهم قريش وغطفان وبنو قريظة والنضير من اليهود، كما مر.
أي: هم (١) من شدة الهلع والخوف، وعظيم الدهشة والحيرة، لا يزالون يظنون أن الأحزاب لم يرحلوا، وقد هزمهم الله، ورحلوا وتفرقوا في كل وادٍ.
وإجمال القول: أنهم لم يقاتلوا لجبنهم وضعف إيمانهم، فكأنهم غائبون، فظنوا أن الأحزاب لم يرحلوا، وقد كانوا راحلين منهزمين، لا يلوون على شيء.
﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ﴾ مرةً ثانية إلى المدينة ﴿يَوَدُّوا﴾ ويتمنوا ﴿لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ﴾؛ أي: خارجون من المدينة إلى البادية ساكنون ﴿فِي الْأَعْرَابِ﴾ لئلا يقاتلوا، والود (٢): محبة لشيء وتمني حصوله، والبادون: هم الساكنون في البادية، وهم خلاف الحاضرين، والبدو وكذا البادية: خلاف الحضر، كما سيأتي. والأعراب: سكان البادية مطلقًا.
حال كونهم ﴿يَسْأَلُونَ﴾ كل قادم من جانب المدينة عَنْ ﴿أَنْبَائِكُمْ﴾؛ أي: عن أخباركم وعما جرى عليكم من الأحزاب؛ أي: يودون أنهم غائبون عنكم، يسمعون أخباركم بسؤالهم عنها من غير مشاهدة.
أي: وإن يأت الأحزاب ويعودوا مرةً أخرى .. تمنوا أن لو كانوا مقميمن في البادية، بعيدين عن المدينة، حتى لا ينالهم أذًى ولا مكروه، ويكتفون بأن
стр. 10194
يسألوا عن أخباركم كل قادم من جانب المدينة، وفي هذا كفاية لديهم لجبنهم، وخور عزائمهم.
وقرأ الجمهور (١): ﴿يَسْأَلُونَ﴾ بالهمز مضارع سأل، وحكى ابن عطية أن أبا عمرو وعاصمًا، والأعمش قرؤوا: ﴿يسلون﴾ بغير همز نحو قوله: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ولا يعرف ذلك عن أبي عمرو وعاصم، ولعل ذلك في شاذهما، ونقلهما صاحب "اللوامح" عن الحسن والأعمش، وقرأ زيد بن علي وقتادة والجحدري والحسن ويعقوب بخلاف عنهما: ﴿يسأل بعضهم بعضًا﴾؛ أي: يقول: بعضهم لبعض: ماذا سمعت وماذا بلغك؟ أو يتساءلون الأعراب كما تقول: ترائينا الهلال.
ثم سلى نبيه ﷺ عنهم، وحقر شأنهم، فقال: ﴿وَلَوْ كَانُوا﴾؛ أي: ولو كان هؤلاء المنافقون ﴿فِيكُمْ﴾ أيها المؤمنون في الخندق في هذه الغزوة مشاهدين للقتال، ولم يرجعوا إلى المدينة، وكان قتال ﴿مَا قَاتَلُوا إِلَّا﴾ قتالًا ﴿قَلِيلًا﴾ رياءً وسمعةً وخوفًا من التعبير من غير حسبةٍ.
والمعنى: أي ولو كان هؤلاء المنافقون فيكم في الكرة السابقة، ولم يرجعوا إلى المدينة، وكان القتال قتال جلاءٍ وكرٍّ وفرٍّ وطعنٍ وضربٍ ومحاربةٍ بالسيوف، ومبارزة في الصفوف ما قاتلوا إلا قتالًا يسيرًا رياءً وخوفًا من العار، لا قتالًا يحتسبون فيه الثواب من الله وحسن الأجر.
وحاصل معنى الآية (٢): أي وإن يأت الكفار بعدما ذهبوا كرةً ثانية .. تمنى هؤلاء المنافقون أن لو كانوا ساكنين خارج المدينة بين الأعراب، بعداء عن تلك الكفرة، يسألون كل قادم من جانب المدينة عما جرى عليكم مع الكفار، والحال أن هؤلاء المنافقين، لو كانوا فيكم هذه الكرة، ولم يرجعوا إلى المدينة، ووقع قتال آخر .. ما قاتلوا معكم إلا قليلًا رياءً وخوفًا من التعيير.
٢١ - وبعد أن فصل أحوالهم، وشرح نذالتهم، وعظيم جبنهم .. عاتبهم أشد
стр. 10195
العتب، وأبان لهم أنه قد كان لهم برسول الله ﷺ معتبر لو اعتبروا، وأسوة لو أرادوا التأسي، فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ﴾ أيها المؤمنون، وهو الظاهر من قوله فيما بعد: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ ...﴾ الخ ﴿فِي رَسُولِ اللَّهِ﴾ ﷺ ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾؛ أي: خصلة صالحة، حقها أن يقتدى بها على سبيل الإيجاب في أمور الدين، وعلى سبيل الايستحباب في أمور الدنيا، والقدوة: الحالة التي يكون الإنسان عليها في اتباع غيره، إن حسنًا وإن قبيحًا، وإن سارًا وإن ضارًا، يقال: تأسيت به؛ أي: اقتديت به.
والمعنى (١): لقد كان لكم أيها المؤمنون في محمد ﷺ خصلة حسنة، وسنة صالحة، حقها أن يؤتى بها؛ أي: يقتدى فيها، كالثبات في الحرب، ومقاساة الشدائد، فإنه قد شج فوق حاجبه وكسرت رباعيته، وقتل عمه حمزة يوم أحد، وأوذي بضروب الأذى، فوقف ولم ينهزم، وصبر ولم يجزع، فاستسنوا بسنته وانصروه، ولا تتخلفوا عنه.
وقال بعضهم: كلمة ﴿فِي﴾ تجريدية، جرد من نفسه شيء وسمي قدوة، وهي هو؛ يعني أن رسول الله ﷺ في نفسه أسوة وقدوة، يحسن التأسي به، والاقتداء، كقولك: في البيضة عشرون منًا حديدًا؛ أي: هي نفسها هذا القدر من الحديد.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿أُسْوَةٌ﴾ بضم الهمزة، وقرأ عاصم: بكسرها، وهما لغتان، كما قال الفراء وغيره، وفي هذه الآية عتاب للمتخلفين عن القتال مع رسول الله ﷺ ؛ أي: لقد كان لكم في رسول الله، حيث بذل نفسه للقتال، وخرج إلى الخندق لنصرة دين الله أسوة، وهذه الآية، وإن كان سببها خاصًا .. فهي عامة في كل شيء، ومثلها ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.
стр. 10196
وهذه الجملة: خبرية لفظًا، إنشائيةً معنًى قصد بها الأمر؛ أي: اقتدوا به اقتداءً حسنًا، وهو أن تنصروا دين الله، كما نصر هو بنفسه بالخروج إلى الغزو.
و (اللام) في قوله: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾: ويأمل ثوابه ﴿و﴾ يرجو ﴿الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾؛ أي: نعيمه، أو يخاف الله واليوم الآخر، فالرجاء يحتمل الأمل والخوف متعلقه بحسنة، أو بمحذوف، هو صفة لحسنة؛ أي: كائنة لمن كان يرجو الله، وقال الزمخشري: إنه بدل من ﴿لَكُمْ﴾، كقوله: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾. انتهى. ولا يجوز (١) على مذهب جمهور البصريين أن يبدل من ضمير المتكلم، ولا من ضمير المخاطب اسم ظاهر في بدل الشيء، وأجاز ذلك الكوفيون والأخفش، ويدل عليه قول الشاعر:
بِكَمْ قُرَيْشٍ كَفَيْنَا كُلَّ مُعْضِلَةٍ ... وَأَمَّ نَهْجَ الْهُدَى مَنْ كَانَ ضَلِيْلًا
والمراد بـ ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾: المؤمنون، فإنهم الذين يرجون الله، ويخافون عذابه، ومعنى يرجون الله: يرجون ثوابه أو لقاءه، ومعنى يرجون اليوم الآخر: إنهم يرجون رحمة الله فيه، أو يصدقون بحصوله، وأنه كائن لا محالة، وهذه الجملة: تخصيص بعد التعميم بالجملة الأولى.
وقوله: ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ﴾ سبحانه بلسانه، وجنانه ذكرًا ﴿كَثِيرًا﴾ في جميع أوقاته وأحواله معطوف على ﴿كان﴾؛ أي: ولمن ذكر الله سبحانه في جميع أحواله، ذكرًا كثيرًا، وجمع (٢) بين الرجاء لله، وكثرة الذكر له، المؤدية إلى ملازمة الطاعة؛ لأن بهما يتحقق الائتساء برسول الله ﷺ .
قال الحكيم الترمذي: الأسوة في الرسول: الاقتداء به، والاتباع لسنته، وترك مخالفته في قول وفعل.
٢٢ - ثم بين سبحانه ما وقع من المؤمنين المخلصين عند رؤيتهم للأحزاب، ومشاهدتهم لتلك الجيوش، التي أحاطت بهم كالبحر المحيط، فقال: ﴿وَلَمَّا رَأَى
стр. 10197
الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ﴾؛ أي: الجنود المجتمعة لمحاربة النبي ﷺ وأصحابه يوم الخندق، والحزب: جماعة فيها غلظ، كما في "المفردات" .. ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال المؤمنون ﴿هَذَا﴾ البلاء العظيم، والإشارة (١) بقوله: ﴿هَذَا﴾ إلى ما رأوه من الجيوش، أو إلى الخطب الذي نزل بهم، والبلاء الذي دهمهم ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ﴾ سبحانه وأخبرنا به، ﴿وَرَسُولُهُ﴾ ﷺ بقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾ الآية. وبقوله ﷺ : "سيشتد الأمر باجتماع الأحزاب عليكم، والعاقبة لكم عليهم"، وبقوله ﵇: "إن الأحزاب سائرون، إليكم بعد تسع ليال أو عشر" كما روي عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ لأصحابه: "إن الأحزاب سائرون، إليكم تسعًا أو عشرًا؛ أي: في آخر تسع ليال أو عشر، فلما رأوهم قد أقبلوا من حين الإخبار .. قالوا ذلك، وهذا القول استبشار بحصول ما وعدهم الله تعالى ورسوله ﷺ ، من مجيء هذه الجنود، وأنه يعقب مجيئهم إليهم نزول النصر والظفر من عند الله تعالى.
ثم أردفوا ما قالوه بقولهم: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾؛ أي: ظهر صدق خبر الله ورسوله ﷺ ﴿وَمَا زَادَهُمْ﴾ ما رأوه ﴿إِلَّا إِيمَانًا﴾ بالله وتصديقًا بمواعيده ﴿وَتَسْلِيمًا﴾ لأوامره ومقاديره، وقال الفراء: ما زادهم النظر إلى الأحزاب إلا إيمانًا وتسليمًا.
وقرأ ابن أبي عبلة (٢): ﴿وما زادوهم﴾ بالواو وضمير الجميع يعود على الأحزاب؛ أي: ولما أبصر (٣) المؤمنون الصادقون المخلصون لله في القول والعمل الأحزاب، الذين أدهشت رؤيتهم العقول، وتبلبلت لها الأفكار، واضطربت الأفئدة .. قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله، من الابتلاء والاختبار، الذي يعقبه النصر في نحو قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ
стр. 10198
خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ...﴾ الآية. وقوله: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢)﴾ وقوله ﷺ : "سيشتد الأمر باجتماع الأحزاب عليكم" إلخ، وقوله: "إنهم سائرون إليكم تسعًا أو عشرًا"؛ أي: في آخر تسع ليال أو عشر من حين الأخبار، وصدق الله ورسوله في النصرة والثواب، كما صدق الله ورسوله في البلاء والاختبار، وما زادهم ذلك إلا صبرًا على البلاء، وتسليمًا للقضاء، وتصديقًا بتحقيق ما كان الله ورسوله وعدهم. ووجه إظهار الاسم الشريف والرسول في قوله: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ بعد قوله: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ هو قصد التعظيم كما في قول الشاعر:
أرَى الْمَوْتَ لَا يَسْبِقُ الْمَوْتَ شَيْءٌ
وأيضًا لو أضمرهما .. لجمع بين ضمير الله وضمير رسوله في لفظٍ واحدٍ، وقال صدقا، وقد ورد النهي عن جمعهما، كما في حديث: "بئس خطيب القوم أنت" لمن قال: ومن يعصهما فقد غوى،
٢٣ - ثم وصف سبحانه بعض الكملة من المؤمنين الذين صدقوا عند اللقاء واحتملوا البأساء والضراء بقوله:
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: من المؤمنين المخلصين لله، المصدقين برسوله ﴿رِجَالٌ﴾ كمله، فالتنوين فيه للتعظيم، والكمال ﴿صَدَقُوا﴾ ووفوا ﴿مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾؛ أي: أوفوا بما عاهدوا الله عليه، ونذروا على أنفسهم من الثبات مع الرسول، والمقاتلة لإعلاء الدين، والصبر في اللأواء وحين البأساء؛ أي (١): حققوا العهد بما أظهروه من أفعالهم، وهم عثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وحمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وأنس بن النضر وغيرهم ﵃ أجمعين - نذروا أنهم إذا لقوا حربًا مع رسول الله ﷺ .. ثبتوا وقاتلوا حتى يستشهدوا.
وقيل المعنى (٢): أنهم وفوا بما عاهدوا عليه رسوله ﷺ ليلة العقبة، من الثبات معه، والمقاتلة لمن قاتله، بخلاف من كذب في عهده، وهم المنافقون.
стр. 10199
قال الحكيم الترمذي ﵀: خص الله الإنس من بين الحيوان، ثم خص المؤمنين من بين الإنس، ثم خص الرجال من المؤمنين، فقال: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا﴾ فحقيقة الرجولية الصدق، ومن لم يدخل في ميادين الصدق .. فقد خرج من حدّ الرجولية.
وقوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى﴾ ووفى نحبه ونذره فاستشهد بعض يوم بدر، وبعض يوم أحد، وبعض في غير هذه المواطن، كحمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وأنس بن النضر. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ قضاء نذره ووفاءه والقتل في سبيله؛ لكون موقنًا كعثمان وطلحة وغيرهما، فإنهم على نذووهم وقد قضوا بعضها، وهو الثبات مع رسول الله ﷺ ، والقتال إلى حين نزول الآية الكريمة، ومنتظرون قضاء بعضها الباقي، وهو القتال إلى الموت شهيدًا، وفي وصفهم بالانتظار إشارة إلى كمال اشتياقهم إلى الشهادة.
تفصيل (١) لحال الصادقين، وتقسيم لهم إلى قسمين، والنحب في الأصل: النذر المحكوم بوجوبه، وهو أن يلتزم الإنسان شيئًا من أعماله ويوجبه على نفسه، وقضاؤه الفراغ منه والوفاءُ به، يقال: قضى فلان نحبه؛ أي: وفي بنذره، ويعبر بذلك عمن مات كقولهم: قضى أجله واستوفى أكله، وقضى من الدنيا حاجته، وذلك، لأن الموت كنذر لازم في عنق كل حيوان.
وقال أبو السعود: ويجوز (٢) أن يكون النحب مستعارًا لالتزام الموت شهيدًا، إما: بتنزيل أسبابه التي هي أفعال اختيارية للناذر منزلة التزام نفسه، وإما بتنزيل نفسه منزلة أسبابه، وإيراده الالتزام عليه، وهو الأنسب بمقام المدح، وأما ما قيل عن أن النحب استعير للموت؛ لأنه كنذر لازم في رقبة الحيوان، فهو تقبيح للاستعارة، وإذهاب لرونقها. انتهى.
ومعنى الآية (٣): أن من المؤمنين رجالًا أدركوا أمنيتهم، وقضوا حاجتهم، ووفوا بنذرهم، فقاتلوا حتى قتلوا، وذلك كما في يوم أحد، كحمزة بن عبد
стр. 10200
المطلب ومصعب بن عمير وأنس بن النضر، ومنهم من ينتظر قضاء نحبه حتى يحضر أجله، كعثمان بن عفان وطلحة والزبير وأمثالهم، فإنهم مستمرون على الوفاء بما عاهدوا الله عليه، من الثبات مع رسوله ﷺ ، والقتال لعدوه، ومنتظرون لقضاء حاجتهم، وحصول أمنيتهم بالقتل وإدراك فضل الشهادة.
وجملة قوله: ﴿وَمَا بَدَّلُوا﴾ عهدهم وما غيروه ﴿تَبْدِيلًا﴾ وتغييرًا ما، لا أصلًا، ولا وصفًا، كما غير المنافقون عهدهم، بل ثبتوا عليه ثبوتًا مستمرًا، راغبين فيه، مراعين لحقوقه على أحسن ما يكون، معطوفة على ﴿صَدَقُوا﴾ وفاعله: فاعله.
أما الذين قضوا نحبهم فظاهر، فقد أخرج الإِمام أحمد ومسلم والترمذي والنسائي في جماعة آخرين عن أنس، قال: غاب عمي أنس بن النضر عن بدر فشق عليه، وقال: أول مشهد شهده رسول الله ﷺ غبت عنه، لئن أراني الله تعالى مشهدًا مع رسول الله ﷺ فيما بعد .. ليرين الله تعالى ما أصنع، فشهد يوم أحد، فاستقبله سعد بن معاذ فقال: يا أبا عمرو إلى أين؟ قال: واهًا: لريح الجنة أجدها دون أحد، فقاتل حتى قتل، فوجد في جسده بضع وثمانون، من ضربةٍ وطعنةٍ ورميةٍ، ونزلت هذه الآية: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ الآية.
وأما الذين ينتظرون قضاء نحبهم .. فقد استمروا على ذلك حتى فارقوا الدنيا, ولم يغيروا ولا بدلوا، فيشهد به انتظارهم أصدق الشهادة، روي أن طلحة ﵁ ثبت مع رسول الله ﷺ يوم أحد يحميه، حتى أصيبت يده فشلت، وجرح أربعًا وعشرين جراحةً، فقال ﵇: "أوجب طلحة الجنة" وسماه النبي ﷺ يومئذ طلحة الخير، ويوم حنين طلحة الجود، ويوم غزوة ذات العشيرة طلحة الفياض، وقتل يوم الجمل، وفي الآية تعريض (١) بأرباب النفاق، وأصحاب مرض القلب، فإنهم ينقضون العهود، ويبدلون العقود.
стр. 10201
٢٤ - و (اللام): في قوله: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ يجوز أن يتعلق بـ ﴿صَدَقُوا﴾ أو بـ ﴿زَادَهُمْ﴾ أو بـ ﴿ما بدَّلوا﴾ أو بمحذوف، تقديره: وقع جميع ما وقع؛ ليجزي الله الصادقين بما صدر عنهم من الصدق والوفاء قولًا وفعلًا، قال في "كشف الأسرار": في الدنيا بالتمكين والنصرة على العدو وإعلاء الراية، وفي الآخرة بجميل الثواب، وجزيل المآب، والخلود في النعيم المقيم، والتقديم على الأمثال بالتكريم والتعظيم.
﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ﴾ بما صدر منهم من الأقوال والأعمال المحكية في التغيير والتبديل ﴿إِنْ شَاءَ﴾ تعذيبهم؛ أي: إن لم يتوبوا فإن الشرك لا يغفر البتة.
جعل (١) المنافقين كأنهم قصدوا عاقبة السوء، وأرادوها، بسبب تبديلهم وتغييرهم، كما قصد الصادقون عاقبة الصدق بوفائهم، فكل من الفريقين مسوق إلى عاقبته من الثواب والعقاب، فكأنهما استويا في طلبها، والسعي لتحصيلها، ومفعول ﴿إِنْ شَاءَ﴾ وجوابها: محذوفان؛ أي: إن شاء تعذيبهم عذبهم، وذلك إذا أقاموا على النفاق، ولم يتركوه ويتوبوا عنه، كما مرّ.
﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: يقبل توبتهم إن تابوا ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿كَانَ غَفُورًا﴾؛ أي: ستورًا على من تاب محاءً لما صدر منه ﴿رَحِيمًا﴾؛ أي: منعمًا عليه بالجنة والثواب.
والمعنى (٢): أي إنه سبحانه إنما يختبر عباده بالخوف والزلزال؛ ليتميز الخبيث من الطيب، ويظهر أمر كل منهما جليًا واضحًا، كما قال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)﴾ وقال: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾. ثم يثيب أهل الصدق منهم بصدقهم بما عاهدوا الله عليه ووفائهم له به، ويعذب المنافقين الناقضين لعهده، المخالفين لأوامره، إذا استمروا على نفاقهم حتى يلقوه، فإن تابوا ونزعوا عن نفاقهم، وعملوا صالح الأعمال .. غفر لهم ما
стр. 10202
أسلفوا من السيئات، واجترحوا من الآثام والذنوب، ولما كانت رحمته ورأفته بخلقه هي الغالبة .. قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾؛ أي: إنه تعالى من شأنه الستر على ذنوب التائبين، والرحمة بهم، فلا يعاقبهم بعد التوبة، وفي هذا حث عليها في كل حين، وبيان نفعها للتائبين.
٢٥ - ثم رجع يحكي بقية القصص، وفصل ذلك تتميمًا للنعمة التي أشار إليها إجمالًا بقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ ووسط بينهما بإيضاح ما نزل بهم من الطامة التي تحير العقول والأفهام، والداهية التي زلت فيها الأقدام، وما صدر من الفريقين المؤمنين وأهل الكفر والنفاق من الأحوال والأقوال؛ لإظهار عظمة النعمة، وإبانة جليل خطرها، ومجيئها حين اشتداد الحاجة إليها، فقال: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ﴾ سبحانه وصرف ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وهم الأحزاب، معطوف على قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ أو على محذوف؛ أي: وقع ما وقع من الحوادث، ورد الله الذين كفروا من الذين تحزبوا وتجمعوا لمحاربة النبي ﷺ إلى بلدانهم، حالي كونهم ملتبسين ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾ وغضبهم وحسرتهم، لم يشف صدورهم ﴿لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ حال بعد حال؛ أي: حال كونهم لم يصيبوا ما أرادوا من الغلبة، وسماها خيرًا؛ لأن ذلك كان خيرًا عندهم، فجاء على استعمالهم وزعمهم.
والمعنى: أن الله سبحانه ردهم بغيظهم، لم يشف صدورهم، ولا نالوا خيرًا في اعتقادهم، وهو الظفر بالمسلمين، أو لم ينالوا خيرًا، أي خير، بل رجعوا خاسرين، لم يربحوا إلا عناء السفر وغرم النفقة. ﴿وَكَفَى اللَّهُ﴾ سبحانه ﴿الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾؛ أي: أغناهم عن قتال الأحزاب بما أرسله عليهم من الريح الشديدة والجنود من الملائكة.
وحاصل المعنى (١): أي فأرسلنا ريحًا وجنودًا لم تروها، ورددنا الذين كفروا بالله ورسوله من قريش وغطفان بغمهم، بفوت ما أملوا من الظفر، وخيبتهم، فيما كانوا طمعوا فيه من الغلبة، والنصر على محمد وصحبه، إذ لم
стр. 10203
يصيبوا مالًا ولا إسارًا، ولم يحتج المؤمنون إلى منازلتهم ومبارزتهم لإجلائهم عن بلادهم، بل كفى الله المؤمنين القتال، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، فلا شيء بعده.
روى الشيخان من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يقول: "لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، فلا شيء بعده". ورويا أيضًا عن عبد الله بن أوفى: قال: دعا رسول الله ﷺ على الأحزاب، فقال: "اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم".
وروى محمد بن إسحاق: أنه لما انصرف أهل الخندق عن الخندق .. قال رسول الله ﷺ : "لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا, ولكنكم تغزونهم". وقد تحقق هذا، فلم تغزهم قريش بعد ذلك، بل كان رسول الله ﷺ يغزوهم، حتى فتح الله تعالى مكة.
﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ سبحانه ﴿قَوِيًّا﴾ على إحداث كل ما يريده، وإيجاده، إذ قال له؛ كن فكان، ﴿عَزِيزًا﴾؛ أي: غالبًا قاهرًا على كل شيء، لا يغالبه أحد من خلقه، ولا يعارضه معارض في سلطانه وجبروته؛ أي: وكان الله عزيزًا بحوله وقوته، فردهم خائبين لم ينالوا خيرًا.
٢٦ - ولما قص أمر الأحزاب، وذكر ما انتهى إليه أمرهمِ .. ذكر حال من عاونوهم من اليهود، فقال: ﴿وَأَنْزَلَ﴾ الله سبحانه اليهود ﴿الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ﴾؛ أي: عاونوا الأحزاب المردودين على رسول الله ﷺ والمسلمين، حين نقضوا العهد وعاضدوهم عليهم حالة كون المظاهرين ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ وهم بنو قريظة قوم من اليهود بالمدينة من حلفاء الأوس، وسيد الأوس حينئذٍ سعد بن معاذ ﵁ ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾؛ أي: من حصونهم وقصورهم، جمع صيصية بالكسر، وهي (١) ما يتحصن به، ويجعل وقايةً من المهالك، ولذلك يقال لقرن الثور
стр. 10204
والظبي وشوكة الديك، وهي في مخلبته التي في ساقه؛ لأنه يتحصن بها ويقاتل.
أي: وأنزل الله (١) يهود بني قريظة الذي عاونوا الأحزاب على رسول الله ﷺ ، وأخرجهم من حصونهم وقصورهم، بعد أن نقضوا العهد، بسفارة حيي بن أخطب النضيري، إذ لم يزل بزعيمهم كعب بن أسد حتى نقض العهد، وكان مما قاله له: جئتك بعز الدهر، أتيتك بقريش وأحابيشها، وغطفان، وأتباعها, ولا يزالون هاهنا حتى يستأصلوا محمدًا وأصحابه، فقال له كعب: بل والله جئتني بذل الدهر، ويحك يا حيي إنك مشؤوم، فدعنا منك، فلم يزل يحاوله حتى أجابه، واشترط له حيي إن ذهب الأحزاب، ولم يكن من أمرهم شيء، أن يدخل معهم في الحصين، فيكون أسوتهم.
ولما أيد الله المومنين، وكبت أعداءهم وردهم خائبين، ورجعوا إلى المدينة، ووضع الناس سلاحهم .. أوحي إلى رسول الله ﷺ : أن انهض إلى بني قريظة من فورك، فأمر الناس بالسير إليهم، وكانوا على أميال من المدينة بعد صلاة الظهر، وقال ﷺ : "لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة" فسار الناس، فأدركتهم الصلاة فصلى بعض في الطريق، وقال آخرون: لا نصليها إلا في بني قريظة، فلم يعنف واحدًا من الفريقين.
﴿وَقَذَفَ﴾ الله ؛ أي: ألقى ورمى ﴿فِي قُلُوبِهِمُ﴾؛ أي: في قلوب اليهود الذين ظاهروا الأحزاب ﴿الرُّعْبَ﴾؛ أي: الخوف والفزع الشديد، حتى سلموا أنفسهم للقتل، وأهليهم وأولادهم للأسر، حسبما ينطق به قوله: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ يعني رجالهم ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ يعني نساءهم وصبيانهم من غير أن يكون من جهتهم حركة، فضلًا عن المخالفة، وهذه الجملة: مبينة ومقررة لقذف الرعب في قلوبهم.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿تقتلون وتأسرون﴾ بالفوقية على الخطاب وكسر السين، وقرأ أبو حيوة: بضمها، وقد حكى الفراء كسر السين وضمها، فهما لغتان. وقرأ
стр. 10205
اليماني: بالفوقية في الأول، والتحتية في الثاني، وقرأ ابن ذكوان في رواية عنه: بالتحتية فيهما.
ووجه تقديم مفعول الفعل الأول، وتأخير مفعول الثاني (١): أن الرجال لما كانوا أهل الشوكة، وكان الوارد عليهم أشد الأمرين، وهو القتل .. كان الاهتمام بتقديم ذكرهم أنسب بالمقام.
وقد اختلف في عدد المقتولين والمأسورين، فقيل: كان المقتولون من ست مئة إلى سبع مئة، وقيل: ست مئة، وقيل: سبع مئة، وقيل: ثمان مئة، وقيل: تسع مئة. وكان المأسورون سبع مئة. وقيل: سبع مئة وخمسين، وقيل: تسع مئة.
والمعنى: أي وألقى الله الرعب والخوف الشديد في قلوبهم حين نازلهم رسول الله ﷺ ، وحاصرها خمسًا وعشرين ليلةً، فنزلوا على حكم سعد بن معاذ سيد الأوس, لأنهم كانوا حلفاءهم، فأحضره رسول الله ﷺ وقال له: "إن هؤلاء نزلوا على حكمك، فاحكم فيهم بما شئت" فقال ﵁: وحكمي نافذ فيهم؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم، فقال: إني أحكم أن تقتل مقاتليهم، وتسبى ذراريهم وأموالهم، فقال له رسول الله ﷺ : "لقد حكمت فيهم بحكم الله وحكم رسوله"، ثم أمر رسول الله ﷺ بالأخادية، فخدت في الأرض، وجيء بهم مكتوفي الأيدي، فضربت أعناقهم، وكانوا ما بين سبع مئة وثمان مئة، وسبي من لم ينبت منهم مع النساء، وسبي أموالهم.
والخلاصة (٢): أنه قذف الرعب في قلوبهم، حتى أسلموا أنفسهم للقتل، وأهليهم وأموالهم للأسر.
٢٧ - ﴿وَأَوْرَثَكُمْ﴾ أيها المؤمنون؛ أي: ملَّككم ملكًا، كالميراث في حصوله بلا مقابل ﴿أَرْضَهُمْ﴾؛ أي: مزارعهم وحدائقهم ﴿وَدِيَارَهُمْ﴾؛ أي: منازلهم وحصونهم ﴿وَأَمْوَالَهُمْ﴾؛ أي: حليهم وأثاثهم ومواشيهم وسلاحهم ونقودهم التي ادخروها، شبهت (٣) في بقائها على المسلمين بالميراث الباقي على الوارثين، إذ ليسوا في
стр. 10206
علقةٍ منهم من قرابةٍ ولا دين، ولا ولاءٍ، فأهلكهم الله تعالى على أيديهم، وجعل أملاكهم وأموالهم غنائم لهم باقيةً عليهم كالمال الباقي على الوارث. ﴿وَ﴾ أورثكم في علمه وتقديره ﴿أَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ الآن بأقدامكم، ولم تقبضوها كفارس والروم وما ستفتح على المسلمين إلى يوم القيامة من الأراضي والممالك، من وطيء على الأرض، يطأ وطئًا: إذا مشى عليها بالأقدام، قاله عكرمة، واختاره أبو حيان.
قال الشوكاني: واختلف (١) المفسرون في تعيين هذه الأرض المذكورة، فقال يزيد بن رومان وابن زيد ومقاتل: إنها خيبر، فإنها فتحت بعد بني قريظة بسنتين، ولم يكونوا إذ ذاك قد نالوها، فوعدهم الله بها، وقال قتادة: كنا نتحدث: إنها مكة، وقال الحسن: فارس والروم، وقال عكرمة: كل أرض تفتح إلى يوم القيامة. انتهى.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿لَمْ تَطَئُوهَا﴾ بهمزة مضمومة ثم واو ساكنة، وقرأ زيد بن علي: ﴿لم تطوها﴾ بفتح الطاء وواوٍ ساكنة أبدل همزة تطأ ألفًا على حد قوله:
إِنَّ السِّبَاعَ لَتَهْدَا فِيْ مَرَابِضِهَا ... وَالنَّاسُ لَا يُهْتَدَى مِنْ شَرِّهِمْ أَبَدَا
فالتقت ساكنة مع الواو فحذفت، كقوله: ﴿لَمْ تَرَوْهَا﴾، ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ سبحانه ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من المقدورات ﴿قَدِيرًا﴾؛ أي: قادرًا، فقد شاهدتم بعض مقدوراته من إيراثكم الأرض التي تسلمتموها ونصركم عليهم، فقيسوا عليها ما بعدها، إذ لا يتعذر عليه شيء أراده، ولا يمتنع عليه شيء شاءه.
وقال أبو حيان: وختم تعالى هذه الآية بقدرته على كل شيء، فلا يعجزه شيء، وكان في ذلك إشارة إلى فتحه على المسلمين الفتوح الكثيرة، وأنه لا يستبعد ذلك، فكما ملكهم هذه، فكذلك هو قادر على أن يملكهم غيرها من البلاد.
стр. 10207
٢٨ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ الكريم ﴿قُلْ﴾ أمر إيجاب في تخييرهن، وهو من خصائصه ﵇ ﴿لِأَزْوَاجِكَ﴾ ونسائك، قيل (١): هذه الآية متصلة بمعنى ما تقدمها من المنع من إيذاء النبي ﷺ ، وكان قد تأذى ببعض الزوجات، قال الواحدي: قال المفسرون: إن أزواج النبي ﷺ سألنه شيئًا من عرض الدنيا، وطلبن منه الزيادة في النفقة، وآذينه بغيرة بعضهن على بعض، فألى رسول الله ﷺ منهن شهرًا، وأنزل الله سبحانه آية التخيير هذه، وكن يومئذٍ تسعًا: عائشة بنت أبي بكر وحفصة بنت عمر وأم حبيبة - واسمها رملة بنت أبي سفيان - وأم سلمة - واسمها هند بنت أبي أمية المخزومية - وسودة بنت زمعة العامرية، وهذه الخمسة من قريش، وأربع من غيرهم: زينب بنت جحش الأسدية، وميمونة بنت الحارث الهلالية وصفية بنت حيي بن أخطب الخيبرية الهارونية وجويرية بنت الحارث الخزاعية والمصطلقية، وهذه كلها بعد وفاة خديجة الكبرى ﵂ وعنهن -.
﴿إِنْ كُنْتُنَّ﴾ أنتن ﴿تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾؛ أي: التنعم فيها، والسعة في معاشها، ﴿وَزِينَتَهَا﴾؛ أي: زخارفها ونضارتها ورفايتها ﴿فَتَعَالَيْنَ﴾؛ أي: أقبِلْنَ إلى بإرادتكن واختياركن لإحدى الخصلتين، وأجبن إلى ما أعرض عليكن وأسمعنه، وليس المراد حقيقة الإقبال والمجيء، كما يقال: أقبل يكلمني، وذهب يخاصمني، وقام يهددني، كما سيأتي في مبحث التصريف.
﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾ بالجزم جوابًا للأمر؛ أي: أعطيكن متعة الطلاق، وتقديم التمتع (٢) على التسريح المسبب عنه من باب الكرم وحسن الخلق، وفيه قطع لمعاذيرهن من أول الأمر، وقيل: لأن الفرقة كانت بإرادتهن كاختيار المخيرة نفسها، فإنه طلقة رجعية عند الشافعي، وبائنة عند أبي حنيفة. اهـ. "بيضاوي".
والمتعة لغة: اسم مصدر بمعنى التمتع والتلذذ بالأمور، وشرعًا: مال يجب على الزوج لمطلقة قبل وطء لم يجب لها شطر مهر، بأن كانت مفوضةً لم يفرض
стр. 10208
لها شيء، وهي واجبة في المطلقة التي لم يدخل بها, ولم يسم لها مهرًا عند العقد، ومستحبة في غيرها، والحكمة في (١) إيجابها: الجبر لما أوحشها الزوج بالطلاق، فيعطيها لتنتفع بها مدة عدتها، ويعتبر قدرها بحسب حال الزوج يسارًا وإعسارًا، كما هو مقرر في محله.
وقوله: ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾؛ أي: أطلقكن، بالجزم معطهوف على ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾. ﴿سَرَاحًا جَمِيلًا﴾؛ أي: طلاقًا حسنًا من غير ضرار ولا بدعة ولا صريح اللفظ، الذي يقع به الطلاق من غير نيةٍ، وهو لفظ الطلاق عند أبي حنيفة وأحمد، والطلاق والفراق والسراح عند الشافعي ومالك.
وقرأ (٢) الجمهور: ﴿أمتعكن﴾ بالتشديد من متع، وزيد بن علي: بالتخفيف من أمتع، وقرؤوا أيضًا: ﴿أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ بالجزم في الفعلين، وقرأ حميد الخراز: بالرفع في الفعلين على الاستئناف، والجزم على قراءة الجمهور على أنهما جواب الطلب، وقيل: على أنهما جواب الشرط، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿فَتَعَالَيْنَ﴾ اعتراضًا بين الشرط وجزائه، ولا يضر دخول الفاء على جملة الاعتراض كقول الشاعر:
وَاعْلَمْ فَعِلْمُ الْمَرْءِ يَنْفَعُهُ ... أنْ سَوْفَ يَأْتِي كُلُّ مَا قُدِرَا
واتفق الأئمة (٣) على أن السنة في الطلاق أن يطلقها واحدةً، في طهر لم يصبها فيه، ثم يدعها، حتى تنقضي عدتها، وإن طلق المدخول بها في حيضها أو طهرٍ أصابها فيه، وهي ممن تحبل .. فهو طلاق بدعة محرم، ويقع بالاتفاق، وجميع الثلاثة بدعة عند أبي حنيفة وهالك، وقال أحمد: هو محرم، خلافًا للشافعي، ويقع بلا خلافٍ بينهم.
واعلم: أن الشارع إنما كره الطلاق ندبًا إلى الألفة وانتظام الشمل، ولما علم الله أن الافتراق لا بد منه لكل مجموع مؤلف، لحقيقةٍ خفيت عن أكثر
стр. 10209
الناس .. شرع الطلاق رحمةً لعباده، ليكونوا مأجورين في أفعالهم، محمودين، غير مذمومين، إرغامًا للشيطان، فإنهم في ذلك تحت إذن إلهي.
وإنما كان الطلاق أبغض الحلال إلى الله تعالى؛ لأنه رجوع إلى العدم، إذ بائتلاف الطبائع ظهر وجود التركيب، وبعد الائتلاف كل العدم، فمن أجل هذه الرائحة كرهت الفرقة بين الزوجين؛ لعدم عين الاجتماع، كذا في "الفتوحات".
ومعنى الآية: أي يا أيها النبي الكريم والرسول العظيم، قل لأزواجك: اخترن لأنفسكن إحدى خصلتين: أولاهما: إن تكن ممن يحببن لذات الدنيا ونعيمها، والتمتع بزخرفها، فليس لكن عندي مقام، إذ ليس عندي شيء منها، قأقبلن علي أعطكن ما أوجب الله على الرجال للنساء من المتعة عند فراقهم إياهن بالطلاق، تطييبًا لخاطرهن، وتعويضًا عما لحقهن من ضرر بالطلاق، وهي كسوة تختلف بحسب الغنى والفقر، واليسار والإقتار، كما قال تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾. ثم أسرحكن وأطلقكن على ما أذن الله به وأدب عباده بقوله: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وحين نزلت هذه الآية، عرض عليهن رسول الله ﷺ ذلك، وبدأ بعائشة، وكانت أحب أهله إليه فخيرها، وقرأ عليها القرآن، فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة، ففرح رسول الله ﷺ ،
٢٩ - ثم تابعها بقية نسائه، ثم ذكر ثانية الخصلتين، فقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾؛ أي: إن كنتن تردن طاعة الله وطاعة رسوله، أو المعنى: إن كنتن تردن رسوله وصحبته ورضاه، وذكر الله للإيذان بكرامته ﷺ عنده تعالى: ﴿وَالدَّارَ الْآخِرَةَ﴾؛ أي: نعيمها الذي لا قدر عنده للدنيا وما فيها جميعًا، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿أَعَدَّ﴾ وهيأ في الآخرة، ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ﴾؛ أي: لمن عمل الصالحات منكن بمقابلة إحسانهن، و ﴿من﴾ للتبيين؛ لأن كلهن محسنات أصلح نساء العالمين، ولم يقل: لكن، إعلامًا بأن كل الإحسان في إيثار مرضاة الله ورسوله على مرضاه أنفسهن.
وقال أبو حيان: وأوقع الظاهر موقع المضمر، حيث قال: ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ﴾ ولم يقل: لكن تنبيهًا على الوصف الذي ترتب لهن به الأجر العظيم، وهو الإحسان،
стр. 10210
كأنه قال: أعد لكن, لأن من أراد الله ورسوله والدار الآخرة كان محسنًا. ﴿أَجْرًا﴾؛ أي: ثوابًا ﴿عَظِيمًا﴾؛ أي: كبيرًا في ذاته، حسنًا في صفاته، باقيًا في أوقاته.
والمعني (١): أي وإن كنتن تردن رضا الله ورضا رسوله، وثواب الدار الآخرة .. فأطعنهما، فإن الله أعد للمحسنات منكن في أعمالهن القولية والفعلية ثوابًا عظيمًا، تستحقر الدنيا وزينتها دونه كفاء إحسانهن.
والخلاصة: أنتن بين أحد أمرين: أن تقمن مع الرسول وترضين بما قسم لكن، وتطعن الله، وأن يمتعكن ويفارقكن إن لم ترضين بذلك.
٣٠ - وبعد أن خيرهن واخترن الله ورسوله، أتبع ذلك بعظتهن وتهديدهن إذا هن فعلن ما يسوء النبي ﷺ ، وأوعدهن بمضاعفة العذاب فقال: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ﴾ الكريم، توجيه (٢) الخطاب إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن هاهنا وفيما بعده بالإضافة إليه ﷺ ؛ لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام ﴿مَنْ يَأْتِ﴾ ويفعل ﴿مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ﴾؛ أي: بسيئةٍ بليغةٍ في القبح، وهي الكبيرة، وقد عصمهن الله عن ذلك وبرأهن وطهرهن.
وقرأ زيد بن علي والجحدري وعمرو بن فائد الأسواري ويعقوب (٣): ﴿تأت﴾ بتاء التأنيث، حملًا، على معنى ﴿من﴾، والجمهور: بالياء، حملًا على لفظ ﴿من﴾ ﴿مُبَيِّنَةٍ﴾ قرىء بكسر الياء، وقرىء بفتحها كما مر في سورة النساء؛ أي: ظاهرة القبح، من بين بمعنى تبين، قيل: هذا كقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ لا أن منهن من أتت بفاحشة؛ أي: معصية ظاهرة.
قال أبو حيان: ولا يتوهم أنها الزنا لعصمة رسول الله ﷺ من ذلك، لأنه وصفها بالتبيين والزنا مما يتستر به، وينبغي أن تحمل الفاحشة على عقوق الزوج وفساد عشرته. انتهى.
стр. 10211
قال ابن عباس: يعني النشوز وسوء الخلق، وقال بعضهم: لعل (١) وجه قول ابن عباس أن الزلة منهن، كسوء الخلق مما يعد فاحشة بالنسبة إليهن؛ لشرفهن وعلو مقامهن، خصوصًا إذا حصل بها أذية النبي ﷺ ، ولذا قال: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾؛ أي: يعذبن ضعفي عذاب غيرهن؛ أي: مثليه، إذا أتين بمثل تلك الفاحشة، وذلك لشرفهن وعلو درجتهن وارتفاع منزلتهن، ولما كان مكانهن مهبط الوحي من الأوامر والنواهي .. لزمهن بسبب ذلك، وكونهن تحت الرسول أكثر مما يلزم غيرهن، فضوعف لهن الأجر والعذاب، وقد ثبت في هذه الشريعة في غير موضع، أن تضاعف الشرف وارتفاع الدرجات، يوجب لصاحبه إذا عصى تضاعف العقوبات.
﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾؛ أي: تضعيف العذاب لهن ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾؛ أي: سهلًا لا يصعب عليه ولا يتعاظمه، لا يمنعه عنه كونهن نساء النبي ﷺ ، بل يدعوه إليه لمراعاة حقه، وليس أمر الله كأمر الخلق، حيث يتعذر عليهم تعذيب الأعزة بسبب كثرة شفعائهم.
ومعنى الآية (٢): يا أزواج النبي، من يعص منكم الرسول ﷺ ، ويطلب ما يشق عليه ويضيق به ذرعًا، ويغتم لأجله .. يضاعف لها العذاب يوم القيامة ضعفين؛ أي: تعذب ضعفي عذاب غيرها, لأن قبح المعصية أشد، ومن ثم كان ذم العقلاء للعالم العاصي أشد منه للجاهل العاصي، وكان ذلك سهلًا يسيرًا على الله الذي لا يحابي أحدًا، لأجل أحد، إذ كونهن نساء رسوله ليس بمغنٍ عنهن شيئًا بل هو سبب لمضاعفة العذاب.
روي: أن رجلًا قال لزين العابدين ﵁: إنكم أهل بيت مغفور لكم، فغضب، وقال: نحن أحرى أن يجرى فينا ما أجرى الله سبحانه في أزواج النبي ﷺ ، من أن نكون كما قلت، إنا نرى لمحسننا ضعفين من الأجر، ولمسيئنا ضعفين من العذاب، وقرأ هذه الآية التي بعدها.
стр. 10212
وقرأ نافع وحمزة وعاصم والكسائي (١): ﴿يُضَاعَفْ﴾ بألف وفتح العين، والحسن وعيسى وأبو عمرو: بالتشديد وفتح العين، والجحدري وابن كثير وأبو عامر: بالنون وشد العين مكسورةً، وزيد بن علي وابن محيصن وخارجة عن أبي عمرو: بالألف والنون والكسر، وفرقة: بياء الغيبة والألف والكسر، ومن فتح العين، رفع العذاب، ومن كسرها نصبه، ومعنى ضعفين؛ أي: عذابين، فيضاف إلى عذاب سائر الناس عذاب آخر.
قال في "الأسئلة المقحمة": ما وجه تضعيف العذاب لزوجات النبي ﷺ ؟ الجواب: لما كان فنون نعم الله عليهن أكثر، وعيون فوائده لديهن أظهر، من الاكتحال بميمون غرة النبي ﷺ ، وترداد الوحي إلى حجراتهن، بإنزال الملائكة، فلا جرم كانت عقوبتهن عند مخالفة الأمر من أعظم الأمور وأفخمها، ولذا قيل: إن عقوبة من عصى الله تعالى عن العلم، أكثر من عقوبة من يعصيه عن الجهل، وعلى هذا أبدًا. وحد الحر أعظم من حدّ العبد، وحدّ المحصن أعظم من حدّ غير المحصن؛ لهذه الحقيقة. انتهى. وعوتب (٢) الأنبياء بما لا يعاتب به الأمم.
والحاصل: أن الذنب يعظم بعظم جانبه، وزيادة قبحه متابعة لزيادة شرف المذنب والنعمة، فلما كانت الأزواج المطهرة أمهات المؤمنين؛ وأشراف نساء العالمين .. كان الذنب منهن أقبح، على تقدير صدوره، وعقوبة الأقبح أشد وأضعف.
وفي "التأويلات النجمية": يشير إلى أن الثواب والعقاب بقدر نفاسة النفس وخستها، يزيد وينقص, وأن زيادة العقوبة على الجرم من أمارات الفضيلة، كحدّ الحر والعبد، وتقليل ذلك من أمارات النقص. انتهى.
стр. 10213
تتمة في حكم الخيار المذكور في الآية
اختلف (١) العلماء في هذا الخيار: هل كان ذلك تفويض الطلاق إليهن حتى يقع الاختيار أم لا؟ فذهب الحسن وقتادة وأكثر أهل العلم: إلى أنه لم يكن تفويض الطلاق، وإنما خيرهن على أنهن إذا اخترن الدنيا .. فارقهن، لقوله تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ بدليل أنه لم يكن جوابهن على الفور، وأنه قال لعائشة: لا تعجلي حتى تستشيري أبويك، وفي تفويض الطلاق يكون الجواب على الفور.
وذهب قوم إلى أنه كان تفويض الطلاق، ولو اخترن أنفسهن .. كان طلاقًا.
التفريع على حكم الآية: اختلف أهل العلم في حكم التخيير، فقال عمر وابن مسعود وابن عباس: وإذا خير الرجل امرأته فاختارت زوجها .. لا يقع شيء، وإن اختارت نفسها .. يقع طلقةً واحدةً، وهو قول عمر بن عبد العزيز وابن أبي ليلى وسفيان والشافعي وأصحاب الرأي، إلا أن عند أصحاب الرأي يقع طلقةً بائنةً، إذا اختارت نفسها، وعند الآخرين رجعيةً، وقال زيد بن ثابت: إذا اختارت الزوج .. يقع طلقةً واحدةً، وإذا اختارت نفسها .. فثلاث، وهو قول الحسن، وبه قال مالك: وروى عن علي ﵁: أنها إذا اختارت زوجها .. طلقةً واحدةً، وإذا اختارت نفسها .. فطلقةً بائنة، وأكثر العلماء على أنها إذا اختارت زوجها .. لا يقع شيء.
وعن مسروق قال: ما أبالي خيرت امرأتي واحدةً أو مئةً أو ألفًا بعد أن تختارني، ولقد سألت عائشة ﵂ فقالت: خيرنا رسول الله ﷺ فما كان طلاقًا، وفي روايةٍ: فاخترناه، فلم يعد ذلك شيئًا. متفق عليه.
فصل
وجملة (٢) أزواجه، اللاتي كن تحته وقت هذا التخيير تسع: وهن اللاتي
стр. 10214
مات عنهن، وفي "المواهب": واختلف في عدة أزواجه ﷺ وترتيبهن، وعدة من مات منهن قبله ومن مات عنهن، ومن دخل بها ومن لم يدخل بها، ومن خطبها, ولم ينكحها، ومن عرضت نفسها عليه، والمتفق على دخوله بهن إحدى عشرة امرأةً، ست من قريش: خديجة بنت خويلد وعائشة بنت أبي بكر وحفصة بنت عمر بن الخطاب وأم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب وأم سلمة بنت أبي أمية وسودة بنت زمعة.
وأربع عربيات: زينب بنت جحش وميمونة بنت الحارث الهلالية وزينب بنت خزيمة الهلالية "أم المساكين" وجويرية بنت الحارث الخزاعية المصطلقية.
وواحدة غير عربية من بني إسرائيل، وهي صفية بنت حيي من بني النضير.
ومات ﷺ عن تسع دخل بهن باتفاق.
وقد ذكر أنه ﷺ تزوج نسوةً غير من ذكرنَ، وجملتهن ثنتا عشرة امرأة: الأولى: الواهبة نفسها له ﷺ وهي أم شريك القرشية، الثانية: خولة بنت الهذيل بن هبيرة، الثالثة: عمرة بنت يزيد، الرابعة: أسماء بنت النعمان، الخامسة: مليكة بنت كعب، السادسة: فاطمة بنت الضحاك، السابعة: عالية بنت ظبيان، الثامنة: قتيلة بنت قيس، التاسعة: سبأ بنت أسماء، العاشرة: شراق بنت خليفة أخت دحية الكلبي، الحادية عشرة: ليلى بنت الخطيم، الثانية عشرة: امرأة من غفار، فهؤلاء. الاثنتا عشرة، جملة من ذكر من أزواجه ﷺ ، وفارقهن في حياته، بعضهن قبل الدخول، وبعضهن بعده على خلاف فيه.
فجملة من عقد عليهن ثلاث وعشرون امرأةً، دخل ببعضهن دون بعضٍ، مات عنده منهن بعد الدخول خديجة وزينب بنت خزيمة، ومات منهن قبل الدخول اثنتان: أخت دحية وبنت الهذيل باتفاق، واختلف في مليكة وسبأ: هل ماتتا أو طلقهما، مع الاتفاق على أنه لم يدخل بهما، وفارق بعد الدخول باتفاق بنت الضحاك وبنت ظبيان، وقبله باتفاق عمرة وأسماء والغفارية، واختلف في أم شريك: هل دخل بها؟ مع الاتفاق على الفرقة، والمستقيلة التي جهل حالها، فالمفارقات باتفاقٍ سبع، وثنتان على خلفٍ، والميتات في حياته باتفاق أربع،
стр. 10215
ومات ﷺ عن عشرة، واحدة لم يدخل بها، وهي قتيلة بنت قيس، وخطب ﷺ ثماني نسوة لم يعقد عليهن بإتفاق، وأما سراريه التي دخل عليهن بالملك فأربعة: مارية القبطية وريحانة بنت شمعون من بني قريظة، وقيل: من بني النضير، وأخرى وهبتها له زينب بنت جحش، واسمها نفيسة، والرابعة: أصابها في بعض النبي ولم يعرف اسمها. اهـ. من "المواهب" من المقصد الثاني، وقد بسط الكلام عليهن هناك جدًا فأرجع إليه إن شئت.
الإعراب
﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (١٨)﴾.
﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به. ﴿مِنْكُمْ﴾: حال من المعوقين. ﴿وَالْقَائِلِينَ﴾: معطوف على ﴿الْمُعَوِّقِينَ﴾. ﴿لِإِخْوَانِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿القائلين﴾، والجملة الفعلية: مستأنفة مسوقة لتصوير حال المنافقين، ﴿هَلُمَّ﴾: اسم فعل أمر بمعنى أقبلوا عند الحجازيين، مبني على الفتح، وفاعله: ضمير مستتر فيه وجوبًا، تقديره: أنتم، ويلزم عندهم صيغةً واحدةً في المفرد والمذكر وغيرهما، وجاء هنا على لغتهم، وعند بني تميم فعل أمر، وتلحقه علامات التثنية والجمع والتأنيث، ويستعمل لازمًا كما هنا، ومتعديًا كما في الأنعام، ﴿إِلَيْنَا﴾: جار ومجرور متعلق به، وجملة اسم الفعل: في محل النصب مقول ﴿القائلين﴾. ﴿وَلَا يَأْتُونَ﴾: الواو: حالية. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَأْتُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿الْبَأْسَ﴾؛ أي: القتال مفعول به. والجملة الفعلية: في محل النصب حال من الضمير المستكن في ﴿القائلين﴾. ﴿إلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿قَلِيلًا﴾: منصوب على المفعولية المطلقة؛ أي: إلا إتيانًا قليلًا، أو على الظرفية الزمانية؛ أي: إلا إتيانًا قليلًا، أو زمانًا قليلًا.
﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾.
стр. 10216
﴿أَشِحَّةً﴾: حال من فاعل ﴿يَأْتُونَ﴾. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق به. ﴿فَإِذَا جَاءَ﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية. ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿جَاءَ الْخَوْفُ﴾: فعل وفاعل، والجملة: في محل الجر مضاف إليه لـ (إذا) على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿رَأَيْتَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به, لأن رأى هنا بصرية، يتعدى إلى مفعول واحد، والجملة الفعلية: جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ مستأنفة، وجملة ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾: حال من مفعول ﴿رَأَيْتَهُمْ﴾. ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة: في محل النصب حال من فاعل ﴿يَنْظُرُونَ﴾، وهو ﴿الواو﴾. ﴿كَالَّذِي﴾: جار ومجرور نعت لمصدر محذوف، ولكنه على تقدير مضاف؛ أي: تدور أعينهم دورانًا كدوران عين الذي يغشى عليه من الموت. ﴿يُغْشَى﴾: فعل مضارع مغير الصيغة. ﴿عَلَيْهِ﴾: جار ومجرور في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿يُغْشَى﴾. ﴿مِنَ الْمَوْتِ﴾ متعلق بـ ﴿يُغْشَى﴾. ﴿فَإِذَا ذَهَبَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾: فعل وفاعل. والجملة: في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها. ﴿سَلَقُوكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به. والجملة: جواب إذا لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾: معطوفة على جملة قوله: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾. ﴿بِأَلْسِنَةٍ﴾: متعلق بـ ﴿سَلَقُوكُمْ﴾. ﴿حِدَادٍ﴾: صفة لـ ﴿ألسنة﴾: ﴿أَشِحَّةً﴾ حال من فاعل ﴿سَلَقُوكُمْ﴾، أو منصوب على الذم؛ أي: أذم أشحةً ﴿عَلَى الْخَيْرِ﴾، جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَشِحَّةً﴾.
﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾.
﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ. ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وجزم. ﴿يُؤْمِنُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾. والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: مستأنفة. ﴿فَأَحْبَطَ﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفريع. ﴿أحبط الله أعمالهم﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ بمعنى: ما آمنوا. ﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿يَسِيرًا﴾. ﴿يَسِيرًا﴾ خبر ﴿كان﴾. وجملة ﴿كان﴾: مستأنفة أو حال من فاعل ﴿أحبط﴾.
стр. 10217
﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا (٢٠)﴾.
﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول. ﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾: جازم وفعل وفاعل، والجملة: في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿حسب﴾، والجملة الفعلية: مستأنفة. ﴿وَإِنْ يَأْتِ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿يَأْتِ الْأَحْزَابُ﴾: فعل وفاعل مجزوم، بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، وعلامة جزمه: حذف حرف العلة. ﴿يَوَدُّوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه جوابًا لها، والجملة الشرطية: معطوفة على جملة ﴿يَحْسَبُونَ﴾. ﴿لَوْ﴾: حرف مصدر ومدخولها محذوف، تقديره: لو ثبت أنهم بادون. ﴿أَنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه ﴿بَادُونَ﴾: خبره ﴿فِي الْأَعْرَابِ﴾: متعلق به، وجملة ﴿أن﴾: في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية لفعل محذوف، تقديره: لو ثبت كونهم في البادية، وجملة الفعل المحذوف: صلة ﴿لو﴾ المصدرية، وجملة ﴿لو﴾ مع صلتها: في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ ﴿يَوَدُّوا﴾، تقديره: يودوا كونهم في البادية مع الأعراب. ﴿يَسْأَلُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾: متعلق به. وجملة ﴿يَسْأَلُونَ﴾: حال من الضمير المستكن في ﴿بَادُونَ﴾: وقول المعربين هنا حال من الواو في ﴿بادون﴾ غلط فاحش لأنّ الواو في ﴿بادون﴾ حرف جيء به علامة على الرفع، فلا يصلح أن يكون صاحب حال؛ لأنه لا يكون إلا اسمًا. ﴿وَلَوْ كَانُوا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية أو حالية. ﴿لو﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿فِيكُمْ﴾: خبره. والجملة: فعل شرط لـ ﴿لو﴾. ﴿مَّا﴾: نافية. ﴿قَاتَلُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿قَلِيلًا﴾: صفة لمصدر محذوف؛ أي: إلا قتالًا قليلًا أو لزمن محذوف؛ أي: إلا زمنًا قليلًا، والجملة الفعلية: جواب ﴿لو﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لو﴾ الشرطية: مستأنفة، أو حال من فاعل ﴿يَسْأَلُونَ﴾.
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾.
стр. 10218
﴿لَقَدْ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿كاَنَ﴾: فعل ماض ناقص. ﴿لَكُمْ﴾: خبره مقدم. ﴿فِي رَسُولِ اللَّهِ﴾: حال من ﴿أُسْوَةٌ﴾ لأنه صفة نكرة قدمت عليها. ﴿أُسْوَةٌ﴾: اسمه مؤخر. ﴿حَسَنَةٌ﴾ صفة لـ ﴿أُسْوَةٌ﴾. وجملة ﴿كَانَ﴾: جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم: مستأنفة. ﴿لِمَنْ﴾: جار ومجرور بدل من الجار والمجرور في قوله: لكم بدل بعض من كل. ﴿كَانَ﴾: فعل ناقص واسمها ضمير يعود على من. ﴿يَرْجُو اللَّهَ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به. ﴿وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾: معطوف على الجلالة، والجملة الفعلية: في محل النصب خبر ﴿كَانَ﴾. وجملة ﴿كَانَ﴾: صلة ﴿من﴾ الموصولة. ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به معطوف على جملة ﴿كَانَ﴾. ﴿كَثِيرًا﴾: منصوب على المصدرية؛ لأنه صفة لمصدر محذوف؛ أي: ذكرًا كثيرًا، أو على الظرفية؛ أي: زمانًا كثيرًا.
﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)﴾.
﴿وَلَمَّا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿لما﴾: اسم شرط غير جازم في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بجوابه. ﴿رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به, لأن رأى هنا بصرية يتعدى إلى مفعول واحد، والجملة الفعلية: فعل شرط لـ ﴿لما﴾ في محل جر بالإضافة. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل جواب ﴿لما﴾ الشرطية، وجملة ﴿لما﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿هَذَا مَا﴾: مبتدأ وخبر، والجملة: مقول لـ ﴿قَالُوا﴾. ﴿وَعَدَنَا اللَّهُ﴾: فعل ومفعول أول وفاعل. ﴿وَرَسُولُهُ﴾: معطوف على الجلالة، والجملة الفعلية: صلة ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد: محذوف، تقديره: ما وعدناه الله، وهو المفعول الثاني لوعد. ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، ﴿وَرَسُولُهُ﴾: معطوف على الجلالة، والجملة الفعلية: معطوفة على الجملة الاسمية على كونها مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿وَمَا زَادَهُمْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ما﴾: نافية. ﴿زَادَهُمْ﴾: فعل ومفعول به أول، وفاعله: ضمير يعود على رؤية الأحزاب، وذكر الضمير؛ لأن تأنيثها غير حقيقي، أو ضمير يعود على الوعد. والجملة معطوفة
стр. 10219
على جملة ﴿قَالُوا﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿إِيمَانًا﴾: مفعول ثان لـ ﴿زاد﴾. ﴿وَتَسْلِيمًا﴾: معطوف عليه.
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣)﴾.
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: خبر مقدم. ﴿رِجَالٌ﴾: مبتدأ مؤخر. والجملة: مستأنفة مسوقة لبيان حال الصالحين من الصحابة. ﴿صَدَقُوا﴾: فعل وفاعل صفة ﴿رِجَالٌ﴾. ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿صَدَقُوا﴾. ﴿عَاهَدُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة. ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿عَاهَدُوا﴾، وهو العائد على ﴿ما﴾ الموصولة. ﴿فَمِنْهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت من المؤمنين رجال، وأردت بيان مراتبهم .. فأقول لك: منهم. ﴿منهم﴾: خبر مقدم. ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة: مستأنفة. ﴿قَضَى﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿نَحْبَهُ﴾: مفعول به. والجملة: صلة ﴿من﴾ الموصولة. ﴿وَمِنْهُمْ﴾: خبر مقدم. ﴿مَّن﴾: اسم موصول مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية: في محل النصب معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿يَنْتَظِرُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على ﴿من﴾. والجملة صلة الموصول. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: حالية. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿بَدَّلُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿تَبْدِيلًا﴾: مفعول مطلق مؤكد لعامله، والجملة الفعلية: في محل النصب حال من فاعل ﴿يَنْتَظِرُ﴾.
﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٤)﴾.
﴿لِيَجْزِيَ﴾ ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل. ﴿يجزي الله الصادقين﴾: فعل وفاعل ومفعول به منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، والجملة الفعلية، مع أن المضمرة: في تأويل مصدر مجرور بلام كي، والجار والمجرور: متعلق بمعلول محذوف، تقديره: وقع جميع ما وقع لجزاء الله سبحانه الصادقين: ﴿بِصِدْقِهِمْ﴾:
стр. 10220
متعلق بـ ﴿يجزي﴾، والجملة المحذوفة: مستأنفة مسوقة لبيان ما دعا إلى وقوع ما حكى من الأقوال والأحوال. ﴿وَيُعَذِّبَ﴾: فعل مضارع معطوف على ﴿يجزي﴾ منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾. ﴿الْمُنَافِقِينَ﴾: مفعول به. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿شَاءَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، ومفعول ﴿شَاءَ﴾: محذوف؛ أي: إن شاء تعذيبهم، وجواب ﴿إن﴾ الشرطية: محذوف أيضًا، والتقدير: إن شاء تعذيبهم يعذبهم، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية: معترضة لا محل لها من الإعراب. ﴿أَوْ يَتُوبَ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر معطوف على ﴿يعذب﴾. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿يَتُوبَ﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص واسمه ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾. ﴿غَفُورًا﴾: خبر أول له. ﴿رَحِيمًا﴾: خبر ثان. وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥)﴾.
﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة: مستأنفة. ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾: جار ومجرور حال من الموصول؛ أي: ملتبسين بغيظهم. ﴿لَمْ يَنَالُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾. ﴿خَيْرًا﴾: مفعول به، والجملة: في محل النصب حال ثانية من الموصول. ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾: فعل وفاعل ومفعولان، والجملة: معطوفة على جملة قوله: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ﴾، ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا﴾: فعل ناقص واسمه وخبره، ﴿عَزِيزًا﴾: خبر ثان له. والجملة: معطوفة على جملة قوله: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ﴾.
﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦)﴾.
﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به معطوف على ﴿وَرَدَّ اللَّهُ﴾. ﴿ظَاهَرُوهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به صلة الموصول. ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه حال من فاعل ظاهروهم. ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾: متعلق
стр. 10221
بـ ﴿أنزل﴾، وهو اسم منقوص مجرور بكسرة مقدرة، ويحتمل كون جملة ﴿أنزل﴾: مستأنفة مسوقة لبيان قصة غزوة بني قريظة. ﴿وَقَذَفَ﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على الله معطوف على ﴿أنزل﴾. ﴿فِي قُلُوبِهِمُ﴾: متعلق بقذف. ﴿الرُّعْبَ﴾: مفعول به لـ ﴿قذف﴾. ﴿فَرِيقًا﴾: مفعول مقدم لـ ﴿تَقْتُلُونَ﴾. ﴿تَقْتُلُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة مبينة ومقررة لقذف الله الرعب في قلوبهم. ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿تَقْتُلُونَ﴾.
﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢٧)﴾.
﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعولان معطوف على ﴿أنزل﴾. ﴿وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا﴾: معطوفات على ﴿أَرْضَهُمْ﴾. ﴿لَمْ تَطَئُوهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة: في محل المصب صفة لـ ﴿أرضا﴾. ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾: فحل ناقص واسمه. ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾: متعلق بـ ﴿قَدِيرًا﴾. ﴿قَدِيرًا﴾: خبر ﴿كان﴾. وجملة ﴿كان﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨)﴾.
﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿يا﴾: حرف نداء. ﴿أي﴾: منادى نكرة مقصودة. و ﴿الهاء﴾: حرف تنبيه زائد. ﴿النَّبِيُّ﴾: صفة لـ ﴿أي﴾ أو بدل منه، وجملة النداء: مستأنفة مسوقة لتقرير موقف الإِسلام من أزواج النبي ﷺ ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على ﴿النَّبِيُّ﴾. ﴿لِأَزْوَاجِكَ﴾: متعلق به. والجملة: جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿كُنْتُنَّ﴾: فعل ناقص واسمه في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية، على كونها فعل شرط لها. ﴿تُرِدْنَ﴾: فعل مضارع في محل الرفع مبني على السكون، لاتصاله بنون النسوة، ونون النسوة: في محل الرفع فاعل. ﴿الْحَيَاةَ﴾: مفعول به. ﴿الدُّنْيَا﴾: صفة لـ ﴿الْحَيَاةَ﴾. ﴿وَزِينَتَهَا﴾: معطوف على الحياة، والجملة الفعلية: في محل النصب خبر ﴿كان﴾؛ أي: مريدات الحياة الدنيا. ﴿فَتَعَالَيْنَ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب
стр. 10222
﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا لكون الجواب جملة طلبية. ﴿تعالين﴾: فعل أمر مبني على السكون ونون النسوة فاعل، والجملة الفعلية: في محل الجزم بـ ﴿إنْ﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها. وجملة ﴿إنْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على النبي مجزوم بالطلب السابق و ﴿الكاف﴾: ضمير الإناث في محل النصب مفعول به والنون علامة جمع الإناث، الجملة جوابية لا محل لها من الإعراب ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به معطوف على ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾، ﴿سَرَاحًا﴾: مفعول مطلق. ﴿جَمِيلًا﴾: صفة له.
﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩) يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)﴾.
﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إن﴾: حرف شرط ﴿كنتنّ﴾: فعل ناقص واسمه في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية. ﴿تُرِدْنَ اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، ﴿وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ﴾: معطوفان على لفظ الجلالة. ﴿الْآخِرَةَ﴾: صفة لـ ﴿الدار﴾. وجملة ﴿تُرِدْنَ﴾: في محل النصب خبر ﴿كان﴾. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية. ﴿إن الله﴾: ناصب واسمه. ﴿أَعَدَّ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿اللَّهَ﴾. ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ﴾: متعلق بـ ﴿أَعَدَّ﴾. ﴿مِنْكُنَّ﴾: حال من المحسنات ﴿أَجْرًا﴾: مفعول ﴿أَعَدَّ﴾، ﴿عَظِيمًا﴾: صفة ﴿أَجْرًا﴾. وجملة ﴿أَعَدَّ﴾: في محل الرفع خبر ﴿إن﴾. وجملة ﴿إن﴾ في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها. وجملة ﴿إن﴾ الشرطية: في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إن﴾ الأولى على كونها مقولًا لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء، في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿مَنْ﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر: جملة الشرط أو الجواب أو هما. ﴿يَأْتِ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على ﴿مَن﴾: مجزوم بحذف حرف العلة، على كونه فعل شرط لـ ﴿مَنْ﴾. ﴿مِنْكُنَّ﴾: حال من فاعل ﴿يَأْتِ﴾. ﴿بِفَاحِشَةٍ﴾: متعلق
стр. 10223
بـ ﴿يَأْتِ﴾: ﴿مُبَيِّنَةٍ﴾ صفة لـ ﴿فاحشة﴾. ﴿يُضَاعَفْ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة مجزوم بـ ﴿مَن﴾ الشرطية على كونه جوابًا ﴿لَهَا﴾: متعلق بـ ﴿يُضَاعَفْ﴾. ﴿الْعَذَابُ﴾: نائب فاعل ﴿ضِعْفَيْنِ﴾: مصدر مبين لعدد عامله، منصوب على المفعولية المطلقة، وجملة ﴿من﴾ الشرطية: في محل النصب مقول ﴿قُل﴾ على كونها جواب النداء. ﴿وَكَانَ﴾: ﴿الواو﴾: حالية أو استئنافية. ﴿كان ذلك﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَسِيرًا﴾: خبر ﴿كان﴾. وجملة ﴿كان﴾: في محل النصب حال من العذاب أو مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها، والله أعلم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ﴾؛ أي: المثبطين، الذين يخذلون المسلمين من التعويق، وهو: التثبيط، يقال: عاقه وهوقه: إذا صرفه عن الوجه الذي يريده، والعائق: الصارف عما يراد منه خير، ومنه عوائق الدهر، وتقول: فلان صحبه التعويق فهجره التوفيق.
﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾؛ أي: أقبلوا إلينا، وهو اسم فعل أمر عند الحجازيين، ويلزم صيغة واحدة في خطاب الواحد وغيره، والمذكر وغيره، وعند بني تميم: فعل أمر وتلحقه علامات التثنية والجمع والتأنيث، فيقولون: هلم يا رجل، وهلموا يا رجال، وهلما يا رجلان، هلمّي يا هندُ وهلمّا يا هندان وهلمُمْن يا هندات.
﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ﴾: والبأس في الأصل: الشدة، والمراد به هنا: الحرب والقتال.
﴿أَشِحَّةً﴾: جمع شحيح، وهو البخيل والحريص، وهو جمع لا ينقاس، إذ قياس فعيل الوصف الذي عينه ولامه من وادٍ واحد، أن يجمع على أفعلاء، نحو خليل وأخلاء، وظنين وأظناء، وضنين وأضناء، وقد سمع أشحاء، وهو القياس. قال الراغب: الشح بخل مع حرصٍ، وذلك فيما كان عادةً، يقال: رجل شحيح، وقوم أشحة.
﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾؛ أي: تدير أعينهم أحداقهم من شدة الخوف.
стр. 10224
﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾: يقال: غشى على فلان: إذا نابه ما غشي فهمه؛ أي: ستره.
﴿سَلَقُوكُمْ﴾؛ أي: آذوكم بالكلام، يقال: سلقه بالكلام: إذا آذاه، كما في "القاموس". وأصل السلق: بسط العضو للضرب، وهو من باب ضرب. اهـ. "شيخنا". وفي "المختار": سلقه بالكلام آذاه، وهو شدة القول باللسان، وقال تعالى: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ وسلق البصل والبيض أكلاه بالنار إغلاءً خفيفًا، وباب الكل ضرب. اهـ. وفي "المصباح": أنه من باب قتل أيضًا. اهـ. قال القتيبي: المعنى: آذوكم بالكلام الشديد، وعبارة الشهاب: أصل السلق: بسط العضو ومدة للقهر، سوا كان يدًا أو لسانًا، كما قال الراغب، فتفسيره بالضرب مجاز.
والحاصل عليه: توصيف الألسنة بالحداد، ويجوز أن يشبه اللسان بالسيف على طريق الاستعارة المكنية، والضرب: تخييل. اهـ. وفي "السمين": يقال: سلقه، اجترأ عليه في خطابه، وخاطبه مخاطبةً بليغة، وأصله البسط، ومنه سلق امرأته؛ أي: بسطها وجامعها، والسليقة: الطبيعية. اهـ. وسلقه بالرمح: طعنه؛ وسلقه بالسوط: ضربه إلى أن نزع جلده، وسلق اللحم عن العظم: قشره، وعلى كل حال فالعامة تستعمل هذه الكلمة استعمالًا عامًا لا غبار عليه.
﴿بِأَلْسِنَةٍ﴾: جمع لسان، كأسلحة جمع سلاح، وهي الجارحة المعروفة.
﴿حِدَادٍ﴾: جمع حديد، يقال: لسان حديد، نحو لسان صارم وماض، وذلك إذا كان يؤثر تأثير الحديد؛ أي: ذربةٍ سلطة تفعل فعل الحديد.
﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾؛ أي: بخلاء حريصين على مال الغنيمة.
﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ﴾: الأحزاب: جمع حزب، وهم الذين تحزبوا لحرب رسول الله ﷺ .
﴿يَوَدُّوا﴾؛ أي: يتمنوا، والود: محبة الشيء وتمني كونه وحصوله.
﴿بَادُونَ﴾: جمع بادٍ، وهو ساكن البادية، يقال: بدا يبد وبداوةً: إذا خرج
стр. 10225
إلى البادية، وهي خلاف الحاضرة، يقال: لقد بدوت يا فلان؛ أي: نزلت البادية وصرت بدويًا، ومالك والبداوة، وتبدى الحضري: إذا سكن البادية، ويقال: أين الناس؟ فتقول: لقد بدوا؛ أي: خرجوا إلى البادية، وكانت لهم غنيمات يبدون إليها.
﴿فِي الْأَعْرَابِ﴾: قال في "القاموس وشرحه": العرب: بالضم والتحريك، خلاف العجم مؤنث، وهم سكان الأمصار، أو عام، والأعراب منهم: سكان البادية، لا واحد له، ويجمع على أعاريب، وعرب وعاربة وعرب عرباء، وعرب وعربة صرحاء، وعرب متعربة، وعرب مستعربة، دخلاء، والمعنى هنا: خارجون إلى البدو، مقيمون بين أهله.
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ﴾: قال الراغب: الأسوة بضم الهمزة والإسوة بكسرها: كالقدوة، والقدوة: الحالة التي يكون الإنسان عليها في اتباع غيره، حسنًا كان أو غيره، ضارًا أو غيره، ويقال: تأسيت به؛ أي: اقتديت. اهـ. والأسوة: بمعنى الاقتداء، وهي اسم وضع موضع المصدر، وهو الائتساء كالقدوة من الاقتداء، وائتسى فلان بفلان؛ أي: اقتدى به. اهـ. "سمين".
وفي "المصباح": الإسوة بكسر الهمزة وضمها: القدوة، وتأسيت به وائتسيت: اقتديت. اهـ.
﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾؛ أي: مات، والنحب: النذر، ووقع قولهم: قضى نحبه عبارة عن الموت, لأن كل حي لا بد له من أن يموت، فكأنه نذر لازم في رقبته، فإذا مات .. فقد قضى نحبه؛ أي: نذره، والنذر: بفتح النون، وقد وهم صاحب "المنجِد" فضبطه بكسرها، وهذا غريب. وفي "المصباح": نحب نحبًا من باب ضرب بكى، والاسم: النحيب، ونحب نحبًا من باب قتل نذر، وقضى نحبه مات أو قتل في سبيل الله، وفي التنزيل: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾. انتهى. وفي "القرطبي": والنحب: النذر والعهد والموت والحاجة والمدة. ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾: والغيظ أشد الغضب، وهو الحرارة التي يجدها الإنسان من ثوران دم قلبه.
﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾؛ أي: من حصونهم، جمع صيصية بالكسر، وهي كل ما