← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 10221–10260 · переход к 10226.

стр. 10221

بـ ﴿أنزل﴾، وهو اسم منقوص مجرور بكسرة مقدرة، ويحتمل كون جملة ﴿أنزل﴾: مستأنفة مسوقة لبيان قصة غزوة بني قريظة. ﴿وَقَذَفَ﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على الله معطوف على ﴿أنزل﴾. ﴿فِي قُلُوبِهِمُ﴾: متعلق بقذف. ﴿الرُّعْبَ﴾: مفعول به لـ ﴿قذف﴾. ﴿فَرِيقًا﴾: مفعول مقدم لـ ﴿تَقْتُلُونَ﴾. ﴿تَقْتُلُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة مبينة ومقررة لقذف الله الرعب في قلوبهم. ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿تَقْتُلُونَ﴾. ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢٧)﴾. ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعولان معطوف على ﴿أنزل﴾. ﴿وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا﴾: معطوفات على ﴿أَرْضَهُمْ﴾. ﴿لَمْ تَطَئُوهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة: في محل المصب صفة لـ ﴿أرضا﴾. ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾: فحل ناقص واسمه. ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾: متعلق بـ ﴿قَدِيرًا﴾. ﴿قَدِيرًا﴾: خبر ﴿كان﴾. وجملة ﴿كان﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨)﴾. ﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿يا﴾: حرف نداء. ﴿أي﴾: منادى نكرة مقصودة. و ﴿الهاء﴾: حرف تنبيه زائد. ﴿النَّبِيُّ﴾: صفة لـ ﴿أي﴾ أو بدل منه، وجملة النداء: مستأنفة مسوقة لتقرير موقف الإِسلام من أزواج النبي ﷺ ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على ﴿النَّبِيُّ﴾. ﴿لِأَزْوَاجِكَ﴾: متعلق به. والجملة: جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿كُنْتُنَّ﴾: فعل ناقص واسمه في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية، على كونها فعل شرط لها. ﴿تُرِدْنَ﴾: فعل مضارع في محل الرفع مبني على السكون، لاتصاله بنون النسوة، ونون النسوة: في محل الرفع فاعل. ﴿الْحَيَاةَ﴾: مفعول به. ﴿الدُّنْيَا﴾: صفة لـ ﴿الْحَيَاةَ﴾. ﴿وَزِينَتَهَا﴾: معطوف على الحياة، والجملة الفعلية: في محل النصب خبر ﴿كان﴾؛ أي: مريدات الحياة الدنيا. ﴿فَتَعَالَيْنَ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب

стр. 10222

﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا لكون الجواب جملة طلبية. ﴿تعالين﴾: فعل أمر مبني على السكون ونون النسوة فاعل، والجملة الفعلية: في محل الجزم بـ ﴿إنْ﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها. وجملة ﴿إنْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على النبي مجزوم بالطلب السابق و ﴿الكاف﴾: ضمير الإناث في محل النصب مفعول به والنون علامة جمع الإناث، الجملة جوابية لا محل لها من الإعراب ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به معطوف على ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾، ﴿سَرَاحًا﴾: مفعول مطلق. ﴿جَمِيلًا﴾: صفة له. ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩) يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)﴾. ﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إن﴾: حرف شرط ﴿كنتنّ﴾: فعل ناقص واسمه في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية. ﴿تُرِدْنَ اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، ﴿وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ﴾: معطوفان على لفظ الجلالة. ﴿الْآخِرَةَ﴾: صفة لـ ﴿الدار﴾. وجملة ﴿تُرِدْنَ﴾: في محل النصب خبر ﴿كان﴾. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية. ﴿إن الله﴾: ناصب واسمه. ﴿أَعَدَّ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿اللَّهَ﴾. ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ﴾: متعلق بـ ﴿أَعَدَّ﴾. ﴿مِنْكُنَّ﴾: حال من المحسنات ﴿أَجْرًا﴾: مفعول ﴿أَعَدَّ﴾، ﴿عَظِيمًا﴾: صفة ﴿أَجْرًا﴾. وجملة ﴿أَعَدَّ﴾: في محل الرفع خبر ﴿إن﴾. وجملة ﴿إن﴾ في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها. وجملة ﴿إن﴾ الشرطية: في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إن﴾ الأولى على كونها مقولًا لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء، في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿مَنْ﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر: جملة الشرط أو الجواب أو هما. ﴿يَأْتِ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على ﴿مَن﴾: مجزوم بحذف حرف العلة، على كونه فعل شرط لـ ﴿مَنْ﴾. ﴿مِنْكُنَّ﴾: حال من فاعل ﴿يَأْتِ﴾. ﴿بِفَاحِشَةٍ﴾: متعلق

стр. 10223

بـ ﴿يَأْتِ﴾: ﴿مُبَيِّنَةٍ﴾ صفة لـ ﴿فاحشة﴾. ﴿يُضَاعَفْ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة مجزوم بـ ﴿مَن﴾ الشرطية على كونه جوابًا ﴿لَهَا﴾: متعلق بـ ﴿يُضَاعَفْ﴾. ﴿الْعَذَابُ﴾: نائب فاعل ﴿ضِعْفَيْنِ﴾: مصدر مبين لعدد عامله، منصوب على المفعولية المطلقة، وجملة ﴿من﴾ الشرطية: في محل النصب مقول ﴿قُل﴾ على كونها جواب النداء. ﴿وَكَانَ﴾: ﴿الواو﴾: حالية أو استئنافية. ﴿كان ذلك﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَسِيرًا﴾: خبر ﴿كان﴾. وجملة ﴿كان﴾: في محل النصب حال من العذاب أو مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها، والله أعلم. التصريف ومفردات اللغة ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ﴾؛ أي: المثبطين، الذين يخذلون المسلمين من التعويق، وهو: التثبيط، يقال: عاقه وهوقه: إذا صرفه عن الوجه الذي يريده، والعائق: الصارف عما يراد منه خير، ومنه عوائق الدهر، وتقول: فلان صحبه التعويق فهجره التوفيق. ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾؛ أي: أقبلوا إلينا، وهو اسم فعل أمر عند الحجازيين، ويلزم صيغة واحدة في خطاب الواحد وغيره، والمذكر وغيره، وعند بني تميم: فعل أمر وتلحقه علامات التثنية والجمع والتأنيث، فيقولون: هلم يا رجل، وهلموا يا رجال، وهلما يا رجلان، هلمّي يا هندُ وهلمّا يا هندان وهلمُمْن يا هندات. ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ﴾: والبأس في الأصل: الشدة، والمراد به هنا: الحرب والقتال. ﴿أَشِحَّةً﴾: جمع شحيح، وهو البخيل والحريص، وهو جمع لا ينقاس، إذ قياس فعيل الوصف الذي عينه ولامه من وادٍ واحد، أن يجمع على أفعلاء، نحو خليل وأخلاء، وظنين وأظناء، وضنين وأضناء، وقد سمع أشحاء، وهو القياس. قال الراغب: الشح بخل مع حرصٍ، وذلك فيما كان عادةً، يقال: رجل شحيح، وقوم أشحة. ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾؛ أي: تدير أعينهم أحداقهم من شدة الخوف.

стр. 10224

﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾: يقال: غشى على فلان: إذا نابه ما غشي فهمه؛ أي: ستره. ﴿سَلَقُوكُمْ﴾؛ أي: آذوكم بالكلام، يقال: سلقه بالكلام: إذا آذاه، كما في "القاموس". وأصل السلق: بسط العضو للضرب، وهو من باب ضرب. اهـ. "شيخنا". وفي "المختار": سلقه بالكلام آذاه، وهو شدة القول باللسان، وقال تعالى: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ وسلق البصل والبيض أكلاه بالنار إغلاءً خفيفًا، وباب الكل ضرب. اهـ. وفي "المصباح": أنه من باب قتل أيضًا. اهـ. قال القتيبي: المعنى: آذوكم بالكلام الشديد، وعبارة الشهاب: أصل السلق: بسط العضو ومدة للقهر، سوا كان يدًا أو لسانًا، كما قال الراغب، فتفسيره بالضرب مجاز. والحاصل عليه: توصيف الألسنة بالحداد، ويجوز أن يشبه اللسان بالسيف على طريق الاستعارة المكنية، والضرب: تخييل. اهـ. وفي "السمين": يقال: سلقه، اجترأ عليه في خطابه، وخاطبه مخاطبةً بليغة، وأصله البسط، ومنه سلق امرأته؛ أي: بسطها وجامعها، والسليقة: الطبيعية. اهـ. وسلقه بالرمح: طعنه؛ وسلقه بالسوط: ضربه إلى أن نزع جلده، وسلق اللحم عن العظم: قشره، وعلى كل حال فالعامة تستعمل هذه الكلمة استعمالًا عامًا لا غبار عليه. ﴿بِأَلْسِنَةٍ﴾: جمع لسان، كأسلحة جمع سلاح، وهي الجارحة المعروفة. ﴿حِدَادٍ﴾: جمع حديد، يقال: لسان حديد، نحو لسان صارم وماض، وذلك إذا كان يؤثر تأثير الحديد؛ أي: ذربةٍ سلطة تفعل فعل الحديد. ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾؛ أي: بخلاء حريصين على مال الغنيمة. ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ﴾: الأحزاب: جمع حزب، وهم الذين تحزبوا لحرب رسول الله ﷺ . ﴿يَوَدُّوا﴾؛ أي: يتمنوا، والود: محبة الشيء وتمني كونه وحصوله. ﴿بَادُونَ﴾: جمع بادٍ، وهو ساكن البادية، يقال: بدا يبد وبداوةً: إذا خرج

стр. 10225

إلى البادية، وهي خلاف الحاضرة، يقال: لقد بدوت يا فلان؛ أي: نزلت البادية وصرت بدويًا، ومالك والبداوة، وتبدى الحضري: إذا سكن البادية، ويقال: أين الناس؟ فتقول: لقد بدوا؛ أي: خرجوا إلى البادية، وكانت لهم غنيمات يبدون إليها. ﴿فِي الْأَعْرَابِ﴾: قال في "القاموس وشرحه": العرب: بالضم والتحريك، خلاف العجم مؤنث، وهم سكان الأمصار، أو عام، والأعراب منهم: سكان البادية، لا واحد له، ويجمع على أعاريب، وعرب وعاربة وعرب عرباء، وعرب وعربة صرحاء، وعرب متعربة، وعرب مستعربة، دخلاء، والمعنى هنا: خارجون إلى البدو، مقيمون بين أهله. ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ﴾: قال الراغب: الأسوة بضم الهمزة والإسوة بكسرها: كالقدوة، والقدوة: الحالة التي يكون الإنسان عليها في اتباع غيره، حسنًا كان أو غيره، ضارًا أو غيره، ويقال: تأسيت به؛ أي: اقتديت. اهـ. والأسوة: بمعنى الاقتداء، وهي اسم وضع موضع المصدر، وهو الائتساء كالقدوة من الاقتداء، وائتسى فلان بفلان؛ أي: اقتدى به. اهـ. "سمين". وفي "المصباح": الإسوة بكسر الهمزة وضمها: القدوة، وتأسيت به وائتسيت: اقتديت. اهـ. ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾؛ أي: مات، والنحب: النذر، ووقع قولهم: قضى نحبه عبارة عن الموت, لأن كل حي لا بد له من أن يموت، فكأنه نذر لازم في رقبته، فإذا مات .. فقد قضى نحبه؛ أي: نذره، والنذر: بفتح النون، وقد وهم صاحب "المنجِد" فضبطه بكسرها، وهذا غريب. وفي "المصباح": نحب نحبًا من باب ضرب بكى، والاسم: النحيب، ونحب نحبًا من باب قتل نذر، وقضى نحبه مات أو قتل في سبيل الله، وفي التنزيل: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾. انتهى. وفي "القرطبي": والنحب: النذر والعهد والموت والحاجة والمدة. ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾: والغيظ أشد الغضب، وهو الحرارة التي يجدها الإنسان من ثوران دم قلبه. ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾؛ أي: من حصونهم، جمع صيصية بالكسر، وهي كل ما

стр. 10226

يتحصن به ويمتنع، قال الشاعر: فَأصْبَحَتِ النِّيْرَانُ صَرْعَى وَأَصْبَحَتْ ... نِسَاءُ تَمِيْمٍ يَبْتِدِرْنِ الصَّيَاصِيَا وفي "القاموس": والصيصية: شوكة الحائك يسوي بها السدى واللحمة، وشوكة الديك التي في رجله، وقرن البقر والظباء، والحصن وكل ما امتنع به. انتهى. ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ والأسر: الشد بالقيد، وسمي الأسير بذلك، ثم قيل لكل مأخوذٍ مقيدٍ، وإن لم يكن مشدودًا بذلك. ﴿لَمْ تَطَئُوهَا﴾: من وطىء يطأ وطئًا: إذا مشى على الأرض. ﴿فَتَعَالَيْنَ﴾: فعل أمر مبني على سكون الياء ونون النسوة فاعل، كما مر، وأصل الأمر أن يكون الآمر أعلى مكانًا من المأمور، فيدعوه أن يرفع نفسه إليه، ثم كثر استعماله حتى صار معناه أقبل، وقال صاحب "الروح" أصل تعالى أن يقوله من في المكان المرتفع لمن في المكان المنخفض، ثم كثر حتى استوت في استعماله الأمكنة كلها, ولم يرد حقيقة الإقبال والمجيء، بل أراد أجبن علي ما أعرض عليكن، وأقبلن بإرادتكن واخيتاركن لإحدى الخصلتين، كما مر. ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾: السرح: شجرة له ثمرة، وأصله: سرحت الإبل: إذا أرسلتها لرعي السرح، ثم جعل لكل إرسال في الشرعي، والتسريح في الطلاق: مستعار من تسريح الإبل؛ كالطلاق في كونه مستعارًا من طلاق الإبل. ﴿بِفَاحِشَةٍ﴾: قال الراغب: الفاحشة ما عظم قبحه من الأفعال والأقوال. انتهى. ﴿ضِعْفَيْنِ﴾: مثنى ضعف بكسر الضاد، يقال: ضعف الشيء: مثله في المقدار أو مثله وزيادة غير محصورة، فقولهم: لك ضعفه، يعني لك مثلاه أو ثلاثة أمثاله أو أكثر، وفي "المصباح": ضعف الشيء: مثله، وضعفاه: مثلاه، وأضعافه: أمثاله. وقال الخليل: التضعيف: أن يزاد على أصل الشيء فيجعل مثليه وأكثر، وكذلك الأضعاف والمضاعفة، وقال الأزهري: الضعف في كلام

стр. 10227

العرب المثل، هذا هو الأصل، ثم استعمل الضعف في المثل وما زاد، ليس للزيادة حد، يقال: هذا ضعف هذا؛ أي: مثله، وهذان ضعفان؛ أي: مثلاه. قال: وجاز في كلام العرب أن يقال: هذا ضعفه؛ أي: مثلاه وثلاثة أمثاله, لأن الضعف زيادة غير محصورة، فلو قال في الوصية: أعطوه ضعف نصيب ولدي .. أعطي مثليه، ولو قال: ضعفيه، أعطي ثلاثة أمثاله، حتى لو حصل للابن مئة؟. . أعطي مئتين في الضعف، وثلاث مئة في الضعفين، وعلى هذا جرى عرف الناس واصطلاحهم، والوصية تحمل على العرف، لا على دقائق اللغة هذا, وللضعف بفتح الضاد والضعف بكسرها والضعف بضمها معان، نظمها بعضهم بقوله: وَفِيّ الرَّأْيِ وَالْعَقْلِ يَكُوْنُ الضَّعْفُ ... وَالْوَهْنُ فِيْ الْجِسّمِ فَذَاكَ الضَّعِيْفُ زِيَادَةُ الْمِثْلِ كَذَا وَالضِّعْفُ ... جَمْعُ ضَعِيْفٍ زَهْوَ شَاكِيْ الضُّرِّ البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: التأكيد المستفاد من قد في قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ فإنها لتأكيد العلم بالتعويق، ومرجع العلم إلى توكيد الوعيد. ومنها: التندير في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ وحده: أن يأتي المتكلم بنادرة حلوة، أو نكتة مستظرفة، وهو يقع في الجد والهزل، وهو لا يدخل في نطاق التهكم، ولا في نطاق الهزل الذي يراد به الجد، ويجوز أن يدخل في نطاق باب المبالغة، وذلك واضح في مبالغته تعالى في وصف المنافقين بالخوف والجبن، حيث أخبر عنهم أنهم تدور أعينهم حالة الملاحظة، كحالة من يغشى عليه من الموت. ومنها: الاستعارة المكنية في قوله: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾: شبه اللسان بالسيف المصلت، وحذف ذكر المشبه به، ورمز له بشيء من لوازمه وهو السلق، بمعنى الضرب، على طريقة الاستعارة المكنية، ولفظ حداد: ترشيح.

стр. 10228

ومنها: التشبيه في قوله: ﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ وفيه أيضًا مجاز بالحذف؛ لأنه على حذف مضاف، تقديره: تدور أعينهم كعين الذي يغشى عليه من الموت. ومنها: الإطناب بتكرار الاسم الظاهر في قوله: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ كرر الاسم الشريف؛ للتكريم والتعظيم، ولأنه لو أعادهما مضمرين .. لجمع بين اسم الله تعالى واسم رسوله في لفظة واحدةً، فكان يقول: وصدقا، وقد كره النبي ﷺ ذلك ورد على من قاله حيث قال: "من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال له: بئس خطيب القوم أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله قصدًا إلى تعظيم الله، وقيل: إنه إنما رد عليه؛ لأنه وقف على يعصهما، وعلى الأول استشكل بعضهم بقوله ﵊: "حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، فقد جمع بينهما في ضمير واحد، وأجيب: بأن النبي ﷺ ، أعرف بقدر الله تعالى منا، فليس لنا أن نقول كما يقول. اهـ. "سمين". ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾؛ لأن النحب حقيقة في النذر، فاستعير للموت؛ لأنه نهاية كل حي، فكأنه نذر لازم في رقبة الإنسان، ولكن في هذا تقبيح للاستعارة، وإذهاب لرونقها, ولكن الأنسب بمقام المدح أن يكون النحب مستعارًا لالتزام الموت، شهيدًا، إما بتنزيل أسبابه التي هي أفعال اختيارية للناذر منزلة التزام نفسه، وإما بتنزيل نفسه منزلة أسبابه؛ وإيراده الالتزام عليه. اهـ. "جمل". ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ وفيه التعريض بأرباب النفاق، وأصحاب مرض القلب، فإنهم ينقضون العهود، ويبدلون العقود. ومنها: الاعتراض في قوله: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ بجملة ﴿إِنْ شَاءَ﴾ للتنبيه على أن أمر العذاب أو الرحمة، موكول لمشيئته تعالى. ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ شبهت هذه المذكورات في بقائها على المسلمين بالميراث الباقي على

стр. 10229

الوارثين، فعبر فيها بالميراث. ومنها: المقابلة بين قوله: ﴿وإن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها﴾ وبين قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ﴾. ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾؛ لأن التسريح حقيقة في تسريح الإبل للرعي، فاستعير التسريح بمعنى إرسال الإبل للرعي لإطلاق الزوجة عن عقد النكاح، فاشتق منه سرح بمعنى طلق، على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية. ومنها: الكناية في قوله: ﴿فَتَعَالَيْنَ﴾؛ لأنه كناية عن الاختيار والإرادة، والعلاقة، هي أن المخير يدنو إلى من يخيره. اهـ. "خطيب". ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع (١). والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب * * *

стр. 10230

شعرٌ إِذَا رَأَيْتَ لَحِيْنَا ... كُنْ سَاتِرًا وَحَلِيْمَا يَا مَنْ يَعِيْبَ قَوْلِيْ ... لِمْ لاَ تَمُرُّ كَرِيْمَا آخرُ إِنَّمَا الدُّنْيَا كَبَيْتٍ ... نَسْجُهُ مِنْ عَنْكَبُوْتِ آخرُ أَلَا إِنَّمَا الدُّنْيَا كَظِلِّ سَحَابَةٍ ... أَظَلَّتْكَ يَوْمًا عَنْكَ اضْمَحَلَّتِ فَلاَ تَكُ فَرْحَانًا بِهَا حِيْنَ أقْبَلَتْ ... وَلَا تَكُ جَزْعَانًا بِهَا حِيْنَ وَلَّتِ

стр. 10231

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن تأليف الشيخ العلامة محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الهرري الشافعي المدرس بدار الحديث الخيرية في مكة المكرمة إشراف ومراجعة الدكتور هاشم محمد علي بن حسين مهدي خبير الدراسات برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة «المجلد الثالث والعشرون»

стр. 10232

حقوق الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى ١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م دار طوق النجاة بيروت - لبنان

стр. 10233

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن [٢٣]

стр. 10234

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 10235

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي أجرى السحاب، وهزم الأحزاب، ونصر الأحباب بريح وجنود لم يروها، وعلَّم الإنسان ما لم يعلموها، وأنزل القرآن تنويرًا للصدور، وتزيينًا للنحور، وجعله معجزة باقية على ممر الدهور، والصلاة والسلام على من أوتي جوامع الكلم، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ذوي النجدة والكرم، وعلى من تبعهم إلى يوم الجزاء من العرب والعجم. أما بعد: فإني لما تفرغت من تفسير الجزء الحادي والعشرين من القرآن الكريم .. تصديت لتفسير الجزء الثاني والعشرين منه، مستمدًا من فيض من إذا أراد شيئًا هيَّأ له أسبابه، وفتح بيد التسهيل، والتيسير بابه، فهو المرجو في كل دعاء، والمأمول في كل رجاء، فقلت وقولي هذا: قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١) يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤) إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥) وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦) وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي

стр. 10236

أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧) مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩) مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر (١) زيادة عقابهن إذا أتين بفاحشة مبينة .. أتبعه بذكر ثوابهن إذا هن عملن صالح الأعمال، مع ما هيأه لهن من الرزق الكريم في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا يوفقن إلى إنفاق ما يرزقن على وجه يكون لهن فيه عظيم الأجر والثواب، ولا يخشين من أجله العقاب، وفي الآخرة يرزقن ما لا يحد ولا يوصف من غير نكد ولا كدرٍ. وقوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر ما اختصَّ به أمهات المؤمنين من مضاعفة العذاب والثواب .. أردف ذلك بيان أن لهن مكانة على بقية النساء، ثم نهاهن عن رخامة الصوت، ولين الكلام إذا هن استقبلن أحدًا، حتى لا يطمع فيهن من في قلبه نفاق، ثم أمرهن بالقرار في بيوتهن، ونهاهن عن إظهار محاسنهن، كما يفعل ذلك أهل الجاهلية الأولى، ثم أمرهن بأهم أركان الدين، وهو إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الله ورسوله فيما يأمر وينهى؛ لأنه تعالى أذهب الآثام عن أهل البيت، وطهرهن تطهيرًا، ثم أمرهن بتعليم غيرهن القرآن، وما يسمعنه من النبي ﷺ . قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما أمر نساء نبيه ﷺ بأشياء، ونهاهن عن أخرى .. ذكر هنا ما أعد

стр. 10237

للمسلمين والمسلمات من الأجر والكرامة عنده في الدار الآخرة. قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله - سبحانه - لما أمر نبيه ﷺ أن يخيِّر زوجاته بين البقاء معه والتسريح سراحًا جميلًا، وفهم من هذا أن الرسول ﷺ لا يريد ضررًا لغيره، فمن كان ميله إلى شيء مكنه منه، وترك حظ نفسه لحظ غيره .. ذكر هنا أن زمام الاختيار ليس بيد الإنسان في كل شيء كما أعطي ذلك للزوجات، بل هناك أمور لا اختيار لمؤمن ولا مؤمنة فيها، وهي ما حكم الله فيه، فما أمر به فهو المتبع، وما أراد النبي ﷺ فهو الحق، ومن خالفهما .. فقد ضل ضلالًا مبينًا. وعبارة أبي حيان هنا: ومناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه تعالى لما ذكر تلك الأوصاف السابقة من الإِسلام فما بعده .. عقب ذلك بما صدر من بعض المسلمين؛ إذ أشار الرسول بأمر وقع منهم الإباء له، فأنكر عليهم؛ إذ طاعته ﷺ من طاعة الله تعالى، وأمره من أمره انتهى. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر (١) ما ينبغي أن يكون عليه النبي ﷺ مع ربه من تقواه، وإخلاصه له في السر والعلن، وما ينبغي أن يكون عليه مع أهله وأقاربه من راحتهم، وإيثارهم على نفسه فيما يطلبون، كما يومىء إلى ذلك قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ ...﴾ إلخ .. أرشد عباده إلى تعظيمه تعالى، وإجلاله بذكره، والتسبيح له بكرة وأصيلًا، فهو الذي يرحمهم، وملائكته يستغفرون لهم كي يخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان, وكان بعباده المؤمنين رحيمًا. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ ...﴾ الآية، سبب نزولها (٢): ما أخرجه الترمذي - وحسنه من طريق عكرمة - عن أم عمارة الأنصارية: أنها أتت النبي ﷺ ، فقالت: ما أرى كل شيء إلا للرجال، وما أرى النساء يذكرن بشيء، فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ ...﴾ إلخ.

стр. 10238

وأخرج أحمد عن عبد الرحمن بن شيبة، قال: سمعت أم سلمة زوج النبي ﷺ تقول: قلت للنبي ﷺ : ما لنا لا نذكر في القرآن، كما يذكر الرجال؟ قالت: فلم يرعني منه ذات يوم إلا نداؤه على المنبر، وأنا أسرح رأسي، فلففت شعري، ثم خرجت إلى حجرة من حجرهن، فجعلت سمعي عند الجريد، فإذا هو يقول على المنبر: "يا أيها الناس، إن الله يقول في كتابه: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ ". وأخرج الطبراني بسند لا بأس به عن ابن عباس، قال: قالت النساء: يا رسول الله، ما باله يذكر المؤمنين، ولا يذكر المؤمنات؟، فنزلت: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ ...﴾ إلخ. قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرج الطبراني بسند صحيح عن قتادة قال: خطب النبي ﷺ زينب، وهو يريدها لزيد بن حارثة، فظنت أنه يريدها لنفسه، فلما علمت أنه يريدها لزيد .. أبت، فأنزل الله قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ ...﴾ الآية، فرضيت وسلمت. وأخرج ابن جرير من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: خطب رسول الله ﷺ زينب بنت جحش لزيد بن حارثة، فاستنكفت، وقالت: أنا خير منه حسبًا، فأنزل الله قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ...﴾ الآية كلها. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه البخاري عن أنس أن هذه الآية: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ نزلت في زينب بنت جحش، وزيد بن حارثة. وأخرج الحاكم عن أنس قال: جاء زيد بن حارثة يشكو إلى رسول الله ﷺ من زينب بنت جحش، فقال النبي ﷺ : "أمسك عليك أهلك" فنزلت: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾. وأخرج مسلم وأحمد والنسائي قال: لما انقضت عدة زينب .. قال رسول الله ﷺ لزيد: "اذهب فاذكرها عليّ"، فانطلق، فأخبرها فقالت: "ما أنا بصانعة شيئًا حتى أؤامر ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول الله ﷺ ، فدخل عليها بغير إذن، ولقد رأيتنا حين دخلت على رسول الله ﷺ -

стр. 10239

أطعمنا عليها الخبز واللحم، فخرج الناس، وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام، فخرج رسول الله ﷺ واتبعته، فجعل يتبع حجر نسائه، ثم أخبرته أن القوم قد خرجوا، فانطلق حتى دخل، فذهبت أدخل، فألقى الستر بيني وبينه، ونزل الحجاب، ووعظ القوم بما وعظوا به: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ ...﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ ...﴾ الآية، سبب نزولها (١): ما أخرجه الترمذي عن عائشة قالت: لما تزوج النبي ﷺ زينب .. قالوا: تزوج حليلة ابنه، فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ ...﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه عبد بن حميد عن مجاهد قال: لما نزلت ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ .. قال أبو بكر: يا رسول الله، ما أنزل الله عليك خيرًا إلا أشركنا فيه، فنزلت: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ ...﴾ الآية. التفسير وأوجه القراءة ٣١ - ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ﴾ ويخضع ﴿مِنْكُنَّ﴾ يانساء النبي ﷺ ﴿لِلَّهِ﴾ سبحانه بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ﴿و﴾ يقنت لـ ﴿رَسُولِهِ﴾ ﷺ ؛ بترك النشوز وسوء الخلق، وطلب ما ليس عنده من متاع الدنيا ﴿وَتَعْمَلْ﴾ عملًا ﴿صَالِحًا﴾؛ أي: مخلصًا لله سبحانه ﴿نُؤْتِهَا﴾؛ أي: نعطها ﴿أَجْرَهَا﴾ وثوابها ﴿مَرَّتَيْنِ﴾؛ أي: ضعفين، فتجزى حسنتهن بعشرين حسنة. ومعنى إيتائهن الأجر مرتين: أنه يكون لهن من الأجر على الطاعة مثلا ما يستحقه غيرهن من النساء إذا فعلت تلك الطاعة، وفي هذا (٢) دليل قوي على أن معنى ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ أنه يكون العذاب مرتين، لا ثلاثًا؛ لأن المراد إظهار شرفهن ومزيتهن في الطاعة والمعصية، تكون حسنتهن كحسنتين، وسيئتهن كسيئتين، ولو كانت سيئتهن كثلاث سيئات .. لم يناسب ذلك كون حسنتهن كحسنتين، فإن الله سبحانه أعدل من أن يضاعف العقوبة عليهن مضاعفة تزيد على

стр. 10240

مضاعفة أجرهن. فائدة: فإن قلت: لِمَ خص الله سبحانه نساء النبي ﷺ بتضعيف العقوبة على الذنب، والمثوبة على الطاعة؟ قلت: أما الأول: فلأنهن يشاهدن من الزواجر الرادعة عن الذنوب ما لا يشاهده غيرهن، ولأن في معصيتهن أذى لرسول الله ﷺ ، وذنب من آذى رسول الله أعظم من ذنب غيره، وأما الثاني: فلأنهن أشرف من سائر النساء؛ لقربهن من رسول الله ﷺ ، فكانت الطاعة منهن أشرف، كما أن المعصية منهن أقبح. اهـ "فتح الرحمن". وقيل: معنى ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾؛ أي: مرة (١) على الطاعة والتقوى لله سبحانه، وأخرى على طلبهن رضاء رسول الله ﷺ بالقناعة وحسن المعاشرة. وقرأ الجمهور (٢): ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ﴾ بالياء التحتية حملًا على لفظ ﴿مَن﴾ ﴿وَتَعْمَلْ﴾ بالتاء الفوقية حملًا على المعنى، و ﴿نُؤْتِهَا﴾ بنون العظمة. وقرأ الجحدري والأسواري ويعقوب في رواية: ﴿ومن تقنت﴾ بتاء التأنيث حملًا على المعنى، وبها قرأ ابن عامر في رواية رواها أبو حاتم عن أبي جعفر وشيبة ونافع. وقرأ السلمي وابن وثاب وحمزة والكسائي بالتحتية في ثلاثتها ﴿يقنت﴾، ﴿يعمل﴾، ﴿يؤتها﴾. ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾؛ أي: هيأنا. ﴿لَهَا﴾؛ أي: لمن يقنت منكن لله ورسوله في الجنة زيادة على أجرها المضاعف. ﴿رِزْقًا كَرِيمًا﴾؛ أي: رزقًا حسنًا مرضيًا، وفيه (٣) إشارة إلى أنَّ الرزق الكريم في الحقيقة هو نعيم الجنة، فمن أراده يترك التنعم في الدنيا، وقال النبي ﵊ لمعاذ: "إياك والتنعم، فإن عباد الله ليسوا بمتنعمين" يعني: أن عباد الله الخلص لا يرضون نعيم الدنيا بدل نعيم الآخرة، فإن نعيم الدنيا فانٍ. والمعنى: أي ومن تطع منكن الله ورسوله، وتعمل صالح الأعمال .. نضاعف لها الأجر والمثوبة لكرامتها علينا بوجودها في بيت النبوة، ومنزل الوحي، ونور

стр. 10241

الحكمة، وعين الهداية، وهيأنا لها زيادةً على هذا الكرامة في الدنيا والآخرة. أما في الدنيا: فلأنها تكون مرموقة بعين الغبطة لدى نساء العالمين، منظورًا إليها نظرة المهابة والإجلال، وأما في الآخرة: فلها رفيع الدرجات، وعظيم المنازل عنده تعالى في جنات النعيم. ٣٢ - ثم أظهر سبحانه فضيلتهن على سائر النساء تصريحًا، فقال: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ﴾ ﷺ ؛ أي: يا أزواج النبي ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾؛ أي: لستن كجماعة واحدة من جماعات النساء في الفضل والشرف، بسبب صحبة النبي ﷺ ، فإن المضاف إلى الشريف شريف. قال الزجاج: لم يقل كواحدة من النساء؛ لأن أحدًا نفي عام للمذكر والمؤنث، والواحد والجماعة، وقد يقال على ما ليس بآدمي، كما يقال: ليس فيها أحد، لا شاة ولا بعير. ثم قيد هذا الشرف العظيم بقيد فقال: ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ مخالفة حكم الله سبحانه، ورضى رسوله، فهو قيد خيريتهن، وبيان أن فضيلتهن إنما تكون بالتقوى، لا باتصالهن بالنبي ﷺ . والمعنى (١): أنه يوجد فيكن من التمييز ما لا يوجد في غيركن، وهو كونكن أمهات المؤمنين، وزوجات خير المرسلين، ونزول القرآن فيكن. فكما أنه ﷺ ليس كأحد من الرجال، كما قال ﵇: "لست كأحدكم"، كذلك زوجاته اللاتي تشرفن به. قال ابن عباس: يريد ليس قدركن عندي مثل قدر غيركن من النساء الصالحات، بل أنتن أكرم عليَّ، وثوابكن أعظم لديَّ. انتهى. وقد وقعت منهن - ولله الحمد - التقوى البينة، والإيمان الخالص، والمشي على طريقة الرسول ﷺ في حياته، وبعد مماته. وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه؛ أي: إن اتقيتن .. فلستن كأحد من النساء. وقيل: إن جوابه: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ﴾، والأول أولى؛ لدلالة الجواب المحذوف على نفي المساواة التي يفيدها التشبيه، وعلى هذا: فجملة ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ﴾ مستأنفة؛ أي: فلا تخضعن ولا تلنَّ ﴿بِالْقَوْلِ﴾ عند مخاطبة الناس؛ أي: لا

стр. 10242

تجبن بقولكن قولًا خاضعًا لينًا، كما تفعله المريبات والمُطمعات من النساء المومسات، فإنه يتسبب عن ذلك مفسدة عظيمة. والخضوع (١): التطامن والتواضع والسكون واللين في الكلام، والمرأة مندوبة إلى الغلظة والخشونة في المقالة إذا خاطبت الأجانب؛ لقطع الأطماع، فإذا أتى الرجل باب إنسان وهو غائب، فلا يجوز للمرأة أن تلين بالقول معه، وترقق الكلام له، فإنه يهيج الشهوة، ويورث الطمع، كما قال: ﴿فَيَطْمَعَ﴾ بالنصب، لوقوعه في جواب النهي؛ أي: فيطمع فيكن، ويقصد الزنا بكن ﴿الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾؛ أي: نفاق، أو محبة فجور، أو شهوة. وقرأ الجمهور (٢): ﴿فَيَطْمَعَ﴾ بفتح الميم ونصب العين جوابًا للنهي. وقرأ أبان بن عثمان وابن هرمز بالجزم عطفًا على محل فعل النهي، فكسرت العين للالتقاء الساكنين، نهين عن الخضوع بالقول، ونهي مريض القلب عن الطمع. كأنه قيل: لا تخضع فلا تطمع. وقراءة النصب أبلغ؛ لأنها تقتضي الخضوع بسبب الطمع، وقال أبو عمرو الداني: قرأ الأعرج وعيسى ﴿فَيطمِعَ﴾ بفتح الياء وكسر الميم، ونقلها ابن خالويه عن أبي السمال قال: وقد روي عن ابن محيصن وذكر أنَّ الأعرج - وهو ابن هرمز - قرأ: ﴿فَيَطْمَعَ﴾ بضم الياء وفتح العين وكسر الميم؛ أي: فيطمع هو؛ أي: الخضوع بالقول، و ﴿الَّذِي﴾: مفعول، أو ﴿الَّذِي﴾ فاعل والمفعول محذوف؛ أي: فيطمع نفسه. ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ عند الناس بعيدًا من التهمة والريبة والإطماع بجد وخشونة، لا بتكسر وتغنج، كما يفعله المخنث على سنن الشرع، لا ينكر منه سامعه شيئًا، ولا يطمع فيهن أهل الفسق والفجور بسببه، فالزنا من أسباب الهلاك المعنوي، كالموت من أسباب الهلاك الحسي، وسببه الملاينة في الكلام والمطاوعة. والمعنى: أي يا نساء النبي، إذا استُقصيت النساء جماعة .. لم يوجد منهن جماعة واحدة تساويكن في الفضل والكرامة.

стр. 10243

والخلاصة: أنه لا يشبهكن أحد من النساء، ولا يلحقكن في الفضيلة والمنزلة أحد إذا اتقيتن؛ أي: إذا استقبلتن أحدًا من الرجال، فلا ترققن الكلام، فيطمع في الخيانة من في قلبه فساد وريبة من فسق ونفاق، وقلن قولًا بعيدًا عن الريبة، غير مطمع لأحد. وتفسير الاتقاء بهذا المعنى - أعني الاستقبال - أبلغ في مدحهن؛ إذ لم يعلق فضلهن على التقوى، ولا علَّق نهيهن عن الخضوع بها؛ إذ هن متقيات لله في أنفسهن، والتعليق يقتضي بظاهره أنهن لسن متحليات بالتقوى، أمر (١) تعالى أن يكون الكلام خيرًا، لا على وجه يظهر في القلب علاقة ما، كما كان الحال عليه في نساء العرب من مكالمة الرجال برخيم الصوت ولينه، مثل كلام المومسات. نهاهن عن ذلك، واتقى بمعنى: استقبل، معروف في اللغة، قال النابغة: سَقَطَ النَّصِيْفُ وَلَمْ تُرِدْ إِسْقَاطَهُ ... فَتَنَاوَلَتْهُ واتَّقَتْنا بِالْيَدِ أي: استقبلتنا باليد. وقال في "الكشاف": إن المعنى: إن أردتن التقوى، أو إن كنتن متقيات. اهـ. وإجمال هذا (٢): خاطبن الأجانب بكلام لا ترخيم فيه للصوت، ولا تخاطبنهم كما تخاطبن الأزواج، ٣٣ - ولما أمرهن بالقول المعروف .. أتبعه بذكر الفعل، فقال: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ أي (٣): والزمنَ يا نساء النبي بيوتكن، واثبتنَ في مساكنكن، فلا تخرجن لغير حاجة. وقيل: هو أمر من الوقار؛ أي: كنَّ أهل وقار وسكون، والخطاب وإن كان لنساء النبي ﷺ ، فقد دخل فيه غيرهن. روي أن سودة بنت زمعة ﵂ من الأزواج المطهرة: ما خطت باب حجرتها لصلاة ولا لحج ولا لعمرة، حتى أخرجت جنازتها من بيتها في زمن عمر بن الخطاب ﵁، وقيل لها: لم لا تحجين ولا تعتمرين؟ فقالت: قيل لنا: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾، وفي الحديث: "خير مساجد النساء قعر بيوتهن". وأخرج الترمذي والبزار عن ابن مسعود: أنَّ النبي ﷺ قال: "إن المرأة عورة، فإذا خرجت من بيتها استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون من رحمة ربها، وهي في

стр. 10244

قعر بيتها". وقرأ الجمهور (١): ﴿وقِرن﴾ بكسر القاف من وقر يقر وقارًا إذا سكن، والأمر منه: قر بكسر القاف، وللنساء قرن مثل عدن وزن من وعد يعد، وأصله: أوقرن. وقرأ نافع وعاصم وأبو جعفر: بفتح القاف، أمر من قر يقر بفتح القاف في المضارع من باب: علم، أصله: اقررن. وقرأ ابن أبي عبلة: ﴿واقرِرن﴾ بألف الوصل وكسر الراء الأولى، وسيأتي البحث عن تصريف كل قراءة في مبحثه إن شاء الله تعالى. ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ﴾؛ أي: ولا تبدين زينتكن ومحاسنكن للرجال ﴿تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾؛ أي: تبرجًا مثل تبرج نساء أهل الجاهلية الأولى؛ أي: إظهارًا مثل إظهار نساء أهل الجاهلية الأولى زينتها ومحاسنها للرجال، أو المعنى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ﴾؛ أي: ولا تتبخترن في (٢) مشيكن تبرجًا وتبخترًا مثل تبرج وتبختر نساء أهل الجاهلية الأولى في مشيتها. والتبرج (٣): أن تبدي المرأة من زينتها ومحاسنها ما يجب عليها ستره، مما تستدعي به شهوة الرجل. قال المبرد: هو مأخوذ من البرج بمعنى: السعة، يقال: في أسنانه برج: إذا كانت متفرقة، وقيل: التبرج: هو التبختر في المشي، وهذا ضعيف جدًا، وقد اختلف (٤) في المراد بالجاهلية الأولى، فقيل: ما بين آدم ونوح، وقيل: ما بين نوح وإدريس، وقيل: ما بين نوح وإبراهيم، وقيل: ما بين موسى وعيسى، والجاهلية الأخرى: ما بين عيسى ومحمد - صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين - وقيل: الجاهلية الأولى: جاهلية الكفر قبل الإِسلام، والجاهلية الأخرى: جاهلية الفسوق والفجور في الإِسلام، وقال المبرد: الجاهلية الأولى، كما تقول: الجاهلية الجهلاء. قال: وكان نساء الجاهلية تظهر ما يقبح إظهاره، حتى كانت المرأة تجلس مع زوجها وخليلها، فينفرد خليلها بما فوق الإزار إلى أعلى، وينفرد زوجها بما دون الإزار إلى أسفل، وربما سأل أحدهما صاحبه البدل.

стр. 10245

قال ابن عطية: والذي يظهر لي أنه أشار إلى الجاهلية التي لحقنها، فأمرن بالنقلة عن سيرتهن فيها، وهي ما كان قبل الشرع من سيرة الكفرة؛ لأنهم كانوا لا غيرة عندهم، وليس المعنى: أن ثم جاهلية أخرى، كذا قال، وهو قول حسن. ويمكن أن يراد بالجاهلية الأخرى: ما يقع في الإِسلام من التشبه بأهل الجاهلية بقول أو فعل، فيكون المعنى: ولا تبرجن أيها المسلمات بعد إسلامكن تبرجًا مثل تبرج أهل الجاهلية التي كنتن عليها، وكان عليها من كان قبلكن؛ أي: لا تحدثن بأفعالكن وأقوالكن جاهلية تشابه الجاهلية التي كانت من قبل. والحاصل: أن الله سبحانه أمرهن (١) بملازمة بيوتهن، ونهاهن عن التبرج. وأعلم تعالى أنه فعل الجاهلية الأولى، وكانت عائشة ﵂ إذا قرأت هذه الآية بكت، حتى تبل خمارها، تتذكر خروجها أيام الجمل تطلب بدم عثمان. وقيل لسودة: لِمَ لا تحجين وتعتمرين، كما يفعل إخوانك؟ فقالت: قد حججت واعتمرت، وأمرني الله تعالى أن أقر في بيتي، فما خرجت من باب حجرتها، حتى أخرجت جنازتها، كما مرَّ. وبعد أن نهاهن عن الشر .. أمرهن بالخير فقال: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ﴾ التي هي أصل الطاعات البدنية ﴿وَآتِينَ الزَّكَاةَ﴾ التي هي أشرف العبادات المالية؛ أي: إن كان لكن مال، كما في تفسير أبي الليث. ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في سائر الأوامر والنواهي، فهو تعميم بعد تخصيص، وقال بعضهم: أطعن الله في الفرائض، ورسوله في السنن. والمعنى (٢): أي وأدين الصلاة على الوجه القيم المعتبر شرعًا، وأعطين زكاة أموالكن، كما أمركن الله. وخَصَّ هاتين العبادتين بالذكر لما لهما من كبير الآثار في طهارة النفس، وطهارة المال، وأطعن الله ورسوله فيما تأتين، وما تذرين، واجعلن نصب أعينكن اتباع الأوامر، وترك النواهي. ثم ذكر السبب في هذه الأوامر والنواهي على وجه عام، فقال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ﴾ بتلك الأوامر والنواهي ﴿لِيُذْهِبَ﴾ ويزيل ﴿عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾؛

стр. 10246

أي: الذنب المدنس للأعراض ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾؛ أي: يا أهل بيت الرسول الكريم، والمراد بهم: من حواه بيت النبوة رجالًا ونساءً، وهذا تعليل مستأنف لأمرهن ونهيهن، ولذلك عمم الحكم بتعميم الخطاب لغيرهن بقوله: ﴿عَنْكُمُ﴾، وصرح بالمقصود حيث قال: ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾؛ أي: إنما أوصاكن الله - سبحانه - بما أوصاكن من التقوى، وأن لا تخضعن بالقول، ومن قول المعروف، والسكون في البيوت، وعدم التبرج، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الله ورسوله؛ ليذهب عنكم الرجس أهل البيت. والمراد بالرجس: الإثم والذنب المدنسان للأعراض، الحاصلان بسبب ترك ما أمر الله به، وفعل ما نهى عنه، فيدخل في ذلك كل ما ليس فيه لله رضًا، وانتصاب ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ على المدح، أو على حذف حرف النداء. ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ﴾ من الأرجاس والأدران ﴿تَطْهِيرًا﴾ كاملًا، وفي استعارة الرجس للمعصية، والترشيح لها بالتطهير، تنفيرٌ عنها بليغ، وزجر لفاعلها شديد. والمعنى: أي إنما يريد الله بذلك ليذهب عنكم السوء والفحشاء يا أهل بيت الرسول، ويطهركم من دنس الفسق والفجور الذي يعلق بأرباب الذنوب والمعاصي. وقد اختلف أهل العلم في أهل البيت المذكورين في الآية (١)، فقال ابن عباس وعكرمة وعطاء والكلبي ومقاتل وسعيد بن جبير: إن أهل البيت المذكورين في الآية هن: زوجات النبي ﷺ خاصةً، قالوا: والمراد بالبيت: بيت النبي ﷺ ، ومساكن زوجاته لقوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾، وأيضًا السياق في الزوجات من قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾، وسيأتي بيان أسماء زوجاته ﷺ ، وبيان ترتيبها في الزواج في الفصل الآتي. وقال أبو سعيد الخدري ومجاهد وقتادة، وروي عن الكلبي: أن أهل البيت المذكورين في الآية هم: علي وفاطمة والحسن والحسين خاصة، ومن حججهم: الخطاب في الآية بما يصلح للذكور لا للإناث، وهو قوله: ﴿عنكم وليطهركم﴾،

стр. 10247

ولو كان للنساء خاصة لقال: عنكن ويطهركن، وأجاب الأولون عن هذا: بأن التذكير باعتبار لفظ الأهل، كما قال سبحانه: ﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾، وكما يقول الرجل لصاحبه: كيف أهلك؟ يريد: زوجته أو زوجاته، فيقول: هم بخير. وقد توسطت طائفة ثالثة بين الطائفتين، فجعلت هذه الآية شاملة للزوجات، ولعلي وفاطمة والحسن والحسين، أما الزوجات .. فلكونهن المرادات في سياق هذه الآيات كما قدمنا, ولكونهن الساكنات في بيوته ﷺ ، النازلات في منازله، وأما دخول علي وفاطمة والحسن والحسين .. فلكونهم قرابته وأهل بيته في النسب، ويؤيد ذلك ما روي عن ابن عباس قال: شهدنا رسول الله تسعة أشهر يأتي كل يوم باب علي بن أبي طالب عند وقت كل صلاة، فيقول: "السلام عليكم ورحمة الله، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم، الصلاة يرحمكم الله"، كلَّ يوم خمس مرات، وغير ذلك من الأحاديث المصرحة بأنهم سبب النزول. وأهل البيت على هذا القول هم كل من كان ملازمًا له ﷺ من الرجال والنساء والأزواج والإماء والأقارب، وكلما كان المرء منهم أقرب، وبالنبي ﷺ أخص وألزم .. كان بالإرادة أحق وأجدر، وقد رجح هذا القول جماعة من المحققين، منهم: القرطبي وابن كثير وغيرهما. وقيل: المراد بالبيت: بيت النسب، فيشمل جميع بني هاشم. ٣٤ - ثم بين ما أنعم به عليهن من أنَّ بيوتهن مهابط الوحي بقوله: ﴿وَاذْكُرْنَ﴾ للناس بطريق العظة والتذكير ﴿مَا يُتْلَى﴾ ويقرأ ﴿فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ ومنازلكن ﴿مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ سبحانه القرآنية الدالة على العقائد الصحيحية ﴿وَ﴾ الدالة على ﴿الْحِكْمَةِ﴾؛ أي: على الحكم والأحكام الشرعية؛ أي: من الكتاب الجامع بين كونه آيات الله البينة الدالة على صدق النبوة بنظمه المعجز، وبين كونه حكمة منطوية على فنون العلم والشرائع، وحمل قتادة الآيات على آيات القرآن، والحكمة على الحديث الذي هو محض حكمة، وقال مقاتل: المراد بالآيات والحكمة: أمره ونهيه في القرآن؛ أي (١): واذكرن نعمة الله عليكن إذ جعلكن في بيوت تتلى فيها آيات الله،

стр. 10248

وما ينزل على الرسول من أحكام الدين، ولم ينزل به قرآن، فاحمدن الله على ذلك، واشكرنه على جزيل فضله عليكن، أو اذكرنها وتفكرن فيها لتتعظن بمواعظ الله، أو اذكرنها للناس ليتعظوا بها، ويهتدوا بهداها، أو اذكرنها بالتلاوة لها لتحفظنها, ولا تتركن الاستكثار من التلاوة. ولا يخفى ما في هذا من الحث على الانتهاء والائتمار فيما كلفنه، كما لا يخفى ما في تسمية ما نزل عليه من الشرائع بالحكمة، إذ فيه الحكمة في صلاح المجتمع في معاشه ومعاده، فمن استمسك به رشد، ومن تركه ضل عن طريق الهدى، وسلك سبيل الردى، والتعرض (١) للتلاوة في البيوت دون النزول فيها مع أنه الأنسب؛ لكونها مهبط الوحي؛ لعمومها جميع الآيات، ووقوعها في كل البيوت، وتكررها الموجب لتمكنهن من الذكر والتذكير بخلاف النزول، وعدم تعيين التالي ليعم تلاوة جبريل، وتلاوة النبي، وتلاوتهن، وتلاوة غيرهن تعلمًا وتعليمًا. قال في "الوسيط": وهذا حث لهن على حفظ القرآن، والأخبار، ومذاكرتهن بها للأحاطة بحدود الشريعة. والخطاب وإن اختص بهن .. فغيرهن داخل فيه؛ لأن مبنى الشريعة على هذين: القرآن والسنة، وبهما يوقف على حدود الله ومفترضاته. انتهى. ومن سنة القارىء (٢) أن يقرأ القرآن كل يوم وليلة، كيلا ينساه، ولا يخرج عن صدره، فإن النسيان، وهو أن لا يمكنه القراءة من المصحف من الكبائر. ومن السنة أن يجعل المؤمن لبيته حظًا من القرآن، فيقرأ فيه منه ما تيسر له من حزبه، ففي الحديث: "إن في بيوتات المسلمين لمصابيح إلى العرش يعرفها مقربو ملائكة السموات السبع والأرضين السبع، يقولون: هذا النور من بيوتات المؤمنين التي يتلى فيها القرآن". ومن السنة أن يستمع القرآن أحيانًا من الغير، وكان النبي ﷺ يستمع قراءة أبي، وابن مسعود ﵄. وكان عمر ﵁ يستمع قراءة أبي موسى الأشعري ﵁، وكان حسن الصوت، واستماع القرآن في الصلاة فرض، وفي خارجها مستحب عند الجمهور، فعليك بالتذكير والتحفظ والاستماع.

стр. 10249

وقرأ زيد بن علي: ﴿ما تتلى﴾ بتاء التأنيث، والجمهور: بالياء. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿كَانَ لَطِيفًا﴾؛ أي: ذا لطف بكن؛ إذ جعلكن في البيوت التي تتلى فيها آياته وشرائعه ﴿خَبِيرًا﴾ بكن؛ إذ اختاركن لرسوله أزواجًا أو لطيفًا بأوليائه، خبيرًا بجميع خلقه، وجميع ما يصدر منهم من خير وشر، وطاعة ومعصية، فهو يجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، أو بليغ اللطف والبر بخلقه كلهم؛ خبيرًا؛ أي: بليغ العلم بالأشياء كلها، فيعلم ويدبر ما يصلح في الدين، ولذلك أمر ونهى، أو: يعلم من يصلح لنبوته، ومن يستأهل أن يكون من أهل بيته. روي: أن رجلًا تكلم في زين العابدين ﵁، وافترى عليه، فقال زين العابدين: إن كنت كما قلت: فاستغفر الله، وإن لم أكن نستغفر الله لك، فقام إليه الرجل، وقبل رأسه، وقال: جعلت فداءك، لست كما قلت، فاستغفر لي، قال: غفر الله لك، فقال الرجل: الله أعلم حيث يجعل رسالته. ٣٥ - ولما نزل في نساء النبي ﷺ ما نزل .. قال نساء المسلمين: فما نزل فينا شيء، ولو كان فينا خير لذكرنا، فنزلت: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ ...﴾ الخ. فذكر لهن عشر مراتب مع الرجال، فمدحهن بها معهم: الأولى: الإِسلام، وهو الانقياد لأمر الله تعالى، فذكرها بقوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾؛ أي: إن الداخلين في السلم بعد الحرب، المنقادين لحكم الله تعالى من الذكور والإناث. وفي "التأويلات النجمية": المسلم: هو المستسلم للأحكام الأزلية بالطوع والرغبة، مسلمًا نفسه إلى المجاهدة والمكابدة ومخالفة الهوى، وقد سلم المسلمون من لسانه ويده. وبدأ سبحانه بذكر الإِسلام الذي هو مجرد الدخول في الدين، والانقياد له مع العمل، كما ثبت في الحديث الصحيح: أن النبي ﷺ ، لما سأله جبريل عن الإِسلام قال: "هو أن تشهد أن لا إله إلا الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتصوم رمضان". ثم عطف على المسلمين ﴿وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ تشريفًا لهن بالذكر صريحًا، وهكذا فيما بعد، وإن كن داخلات في لفظ المسلمين والمؤمنين وغيرهما، والتذكير إنما هو لتغليب الذكور على الإناث، كما في جميع ما ورد في الكتاب العزيز من ذلك.

стр. 10250

والثانية: الإيمان, وهو تصحيح الاعتقاد، وموافقة الباطن الظاهر، فذكرها بقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾؛ أي: المصدقين بما يجب أن يصدق به من الفريقين، وهم من يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسوله والقدر خيره وشره، كما ثبت ذلك في الصحيح عن رسول الله ﷺ . وفي "التأويلات النجمية" المؤمن (١): من أمنه الناس، وقد أحيا الله قلبه أولًا بالعقل، ثم بالعلم، ثم بالفهم عن الله تعالى، ثم بنور الله تعالى، ثم بالتوحيد، ثم بالمعرفة، ثم أحياه بالله. قال في "بحر العلوم": ومراد أصحابنا باتحاد الإِسلام والإيمان: أن الإِسلام هو الخضوع والانقياد بمعنى: قبول ما جاء به النبي ﷺ من عند الله تعالى، والإذعان له، وذلك حقيقة التصديق. ولذلك لم يصح في الشرع أن يحكم على أحد أنه مسلم وليس بمؤمن، أو مؤمن وليس بمسلم، فلا يمتاز أحدهما عن الآخر، ولم يريدوا الاتحاد بحسب المفهوم؛ لأن الإيمان هو تصديق الله فيما أخبر من أوامره ونواهيه ومواعيده، والإِسلام: هو الخضوع والانقياد لألوهيته، وهذا لا يحصل إلا بقبول الأمر والنهي، والوعد والوعيد، والإذعان لذلك، فمن لم يقبل شيئًا من هذه الأربعة .. فقد كفر وليس بمسلم. انتهى. وعبارة "فتح الرحمن": قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ فإن قلت (٢): لِمَ عطف أحدهما على الآخر، مع أنهما متحدان شرعًا؟ قلت: ليسا بمتحدين مطلقًا، بل هما متحدان ما صدقًا لا مفهومًا أخذًا من الفرق بين الإِسلام والإيمان الشرعيين؛ إذ الإِسلام الشرعي: هو التلفظ بالشهادتين بشرط تصديق القلب بما جاء به النبي ﷺ ، والإيمان الشرعي: عكس ذلك، ويكفي في العطف المقتضي للاختلاف اختلافهما مفهومًا، وإن اتحدا ما صدقًا. انتهت. والثالثة: القنوت، وهو الطاعة، وذكرها بقوله: ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾؛ أي: المداومين على الطاعات، القائمين بها من الفريقين، والقانت: العبد المطيع، وكذا القانتة، وقيل: المداوم على الطاعة والعبادة.

стр. 10251

وفي "التأويلات النجمية" (١): القنوت: استغراق الوجود في الطاعة والعبودية. والرابعة: الصدق في الأقوال والأفعال، وذكرها بقوله: ﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ في القول والعمل والنية، والصادق والصادقة: هما من يتكلم بالصدق، ويتجنب الكذب، وبقي بما عوهد عليه. وفي "التأويلات النجمية": في عقودهم، ورعاية حدودهم، والصدق: نور أهدي لقلوب الصديقين بحسب قربم من ربهم. والخامسة: الصبر على ما أمر الله به، وفيما ساء وسر، وذكرها بقوله: ﴿وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ﴾ على الطاعات، وعن المعاصي، والصابر والصابرة: هما من يصبر عن الشهوات، وعلى مشاق التكليف. وفي "التأويلات": على الخصال الحميدة، وعن الصفات الذميمة، وعند جريان القضاء، ونزول البلاء. والسادسة: الخشوع في الصلاة، وهو أن لا يلتفت، وقيل: هو التواضع، وذكرها بقوله: ﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾؛ أي: المتواضعين لله بقلوبهم وجوارحهم. والخاشع والخاشعة: هما المتواضعان لله، الخائفان منه، الخاضعان في عباداتهم لله تعالى. وفي "التأويلات": الخشوع: إطراق السريرة عند توارد الحقيقة. انتهى. قال بعضهم: الخشوع: انقياد الباطن للحق، والخضوع: انقياد الظاهر له، وفي "القاموس": الخشوع: الخضوع، أو هو في البدن، والخشوع: في الصوت. والسابعة: الصدقة مما رزق الله، وذكرها بقوله: ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾ بما وجب في مالهم، والمعطين للصدقات فرضًا أو نفلًا والمتصدِّق والمتصدِّقة: هما من تصدق من ماله بما أوجبه الله عليه، وقيل: ذلك أعم من صدقة الفرض والنفل، يقال: تصدق على الفقراء: إذا أعطاهم الصدقة، وهي العطية التي بها تبتغى المثوبة من الله تعالى. وفي "التأويلات": والمتصدقين والمتصدقات بأموالهم وأعراضهم، حتى لا يكون لهم مع أحد خصومة فيما ينال منهم. والثامنة: المحافظة على الصوم، وذكرها بقوله: ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾ الصوم المفروض، أو مطلق الصوم فرضًا أو نفلًا. وفي "المفردات": الصوم في الأصل: الإمساك عن الفعل مطعمًا كان أو كلامًا أو مشيًا، وفي الشرع: إمساك المكلف بالنية من الخيط الأبيض إلى الخيط الأسود عن تناول الأطيبين، والاستمناء، والاستقاءة.

стр. 10252

والتاسعة: العفة، وذكرها بقوله: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ فروجهن عن الحرام بالتعفف والتنزه، والاقتصار على الحلال، وحذف مفعول الثاني لدلالة المذكور عليه. والعاشرة: كثرة الذكر، وذكرها بقول: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ﴾ ذكرًا ﴿كَثِيرًا﴾ بقلوبهم وألسنتهم ﴿وَالذَّاكِرَاتِ﴾ الله كثيرًا، فحذف المفعول، كما في الحافظات؛ لعلمه من المذكور. والذاكر والذاكرة: هما من يذكر الله سبحانه على أحواله، وفي ذكر الكثرة دليل على مشروعية الاستكثار من ذكر الله سبحانه بالقلب واللسان، والمراد بكثرة الذكر: أن لا ينساه على كل حال، لا الذكر بكثرة اللغات. وفي "التأويلات": بجميع أجزاء (١) وجودهم الجسمانية والروحانية، بل بجميع ذرَّات المكونات، بل بالله وبجميع صفاته. وقال ابن عباس ﵄: يريد أدبار الصلوات، وغدوًا وعشيًا، وفي المضاجع، وكلما استيقظ من نومه، وكلما غدا وراح من منزله ذكر الله. انتهى. والاشتغال بالعلم النافع وتلاوة القرآن والدعاء من الذكر. وفي الحديث: "من استيقظ من منامه، وأيقظ امرأته، فصليا جميعًا ركعتين .. كتبا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات". وعن مجاهد: لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرًا حتى يذكر الله قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "سبق المفردون"، قالوا: يا رسول الله، وما المفردون؟ قال: "الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات". وقال عطاء بن أبي رباح (٢): من فوض أمره إلى الله .. فهو داخل في قوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾، ومن أقر بأن الله ربه، ومحمدًا رسوله، ولم يخالف قلبه لسانه، فهو داخل في قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، ومن أطاع الله في الفرض، والرسول في السنة .. فهو داخل في قوله: ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾، ومن صان قوله عن الكذب .. فهو داخل في قوله: ﴿وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ﴾، ومن صلى، فلم يعرف من عن يمينه وعن شماله .. فهو داخل في قوله: ﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾، ومن تصدق في كل أسبوع بدرهم .. فهو داخل في قوله: ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾، ومن صام في كل شهر أيام البيض - وهي: الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر - .. فهو

стр. 10253

داخل في قوله: ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾، ومن حفظ فرجه عما لا يحل .. فهو داخل في قوله: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾، ومن صلى الصلوات الخمس بحقوقها .. فهو داخل في قوله: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾. وخبر ﴿إِنَّ﴾ في الجميع هو قوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ﴾؛ أي: هيأ الله سبحانه في الآخرة ﴿لَهُمْ﴾ لهؤلاء المذكورين بسبب ما عملوا من الطاعات العشر المذكورة، وجمعوا بينها. والعطف (١) بالواو بين الذكور والإناث، كالمسلمين والمسلمات، كالعطف بين الضدين؛ لاختلاف الجنسين، وأما عطف الزوجين على الزوجين، كعطف المؤمنين والمؤمنات على المسلمين والمسلمات، فمن عطف الصفة على الصفة بحرف الجمع؛ أي: عطفهما لتغاير الوصفين. ﴿مَغْفِرَةً﴾ لما اقترفوا من الصغائر؛ لأنهن مكفرات بما عملوا من الأعمال الصالحة. وفي "التأويلات": هي نور من أنوار جماله، جعل مغفر الرأس روحهم، يعصمهم مما يقطعهم عن الله. ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾؛ أي: ثوابًا جزيلًا على طاعاتهم التي فعلوها من: الإِسلام والإيمان والقنوت والصدق والصبر والخشوع والتصدق والصوم والعفاف والذكر، وهو الجنة. وقيل: سهولة العبادة، ودوام المعرفة اليوم، وتحقيق المسؤول، ونيل ما فوق المأمول غدًا. ووصف الأجر بالعظم (٢): للدلالة على أنه بالغ غاية المبالغ، ولا شيء أعظم من أجرٍ هو الجنة ونعيمها الدائم الذي لا ينقطع ولا ينفد. اللهم اغفر ذنوبنا، وأعظم أجورنا. والحاصل: أن الله سبحانه ذكر الأوصاف (٣) التي يستحق بها عباده أن يمحو عنهم زلاتهم، ويثيبهم بالنعيم المقيم عنده، وهي عشرة: ١ - إسلام الظاهر بالانقياد لأحكام الدين في القول والعمل. ٢ - إسلام الباطن بالتصديق التام، والإذعان لما فرض الدين من الأحكام، وهذا هو الإيمان.

стр. 10254

٣ - القنوت: وهو دوام العمل في هدوء وطمأنينة، كما قال: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾، وقال: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ فالإسلام والانقياد: مرتبة تعقبها مرتبة الإذعان والتصديق, وينشأ عن مجموعها القنوت والخشوع. ٤ - الصدق في الأقوال والأعمال، وهو علامة الإيمان, كما أن الكذب أمارة النفاق، فمن صدق نجا، وفي الحديث: "عليكم بالصدق، فإنه يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار". ٥ - الصبر على المكاره، وتحمل المشاق في أداء العبادات، وترك الشهوات. ٦ - الخشوع والتواضع لله تعالى بالقلب والجوارح ابتغاء ثوابه، وخوفًا من عقابه، كما جاء في الحديث: "اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". ٧ - التصدق بالمال، والاحسان إلى المحاويج الذين لا كسب لهم ولا كاسب، وقد ثبت في الصحيح: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: ورجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" وفي حديث آخر: "والصدقة تطفىء الخطيئة، كما يطفىء الماء النار". ٨ - الصوم، فإنه نعم العون على كسر الشهوة، كما روى ابن ماجه من قوله: "والصوم زكاة البدن"؛ أي: إنه يزكيه ويطهره من الأخلاط الرديئة طبعًا وشرعًا. ٩ - حفظ الفروج عن المحارم والآثام، كما جاء في الآية الأخرى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣١)﴾. ١٠ - ذكر الله كثيرًا بالألسنة والقلوب، كما سبقت أحاديثه: فهؤلاء الذين جمعوا هذه الأوصاف يمحو عنهم ذنوبهم، ويؤتيهم الأجر العظيم في جنات النعيم.

стр. 10255

قصة زينب بنت جحش ﵂ ٣٦ - زواجها لزيد بن حارثة مولى رسول الله، وطلاقها منه، وزواجها لرسول الله ﷺ لإبطال عادة جاهلية، وهي إعطاء المتبنَّى حكم الابن في حرمة زواج امرأته بعد طلاقها. روي: أن رسول الله ﷺ خطب زينب بنت جحش بن رباب الأسدي بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب لمولاه زيد بن حارثة، وكانت زينب بيضاء جميلة، وزيد أسود أفطس، فأبت وقالت: أنا بنت عمتك يا رسول الله، وأرفع قريش، فلا أرضاه لنفسي، وكذلك أباه أخوها عبد الله بن جحش، فنزل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية؛ أي: ما صحَّ واستقام لرجل ولا امرأة من المؤمنين، فدخل فيه عبد الله وأخته، ولفظ: ما كان، وما ينبغي، ونحوهما معناها: المنع والحظر من الشيء، والإخبار بأنه لا يحل أن يكون شرعًا، وقد يكون لما يمتنع عقلًا، كقوله: ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾. ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ وحكما ﴿أَمْرًا﴾ من أمور الدين والدنيا، مثل نكاح زينب؛ أي: إذا قضى رسول الله، وحكم حكمًا من الأحكام. وذكر (١) الله لتعظيم أمره، والإشعار بأن قضاءه ﷺ قضاء الله تعالى، كما أنَّ طاعته طاعة الله تعالى. ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾؛ أي: الاختيار ﴿مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ما شاءوا. والخيرة - بالكسر -: اسم مصدر من اختار بمعنى: الاختيار، والمعنى: أنه لا يحل لكل مؤمن ومؤمنة إذا قضى الله ورسوله قضاء أن يمتنعوا من قضائه، ويختاروا من أمرهم ما شاءوا، بل يجب (٢) عليهم أن يجعلوا اختيارهم تبعًا لاختياره ﷺ ، ورأيهم تلوًا لرأيه، فقالا: رضينا يا رسول الله، فأنكحها إياه، وساق عنه إليها مهرها، وإنما جمع الضمير في قوله: ﴿لَهُمُ﴾، و ﴿مِنْ أَمْرِهِمْ﴾؛ لأن ﴿مؤمن﴾ و ﴿مُؤْمِنَةٍ﴾ وقعا في سياق النفي، فهما يعمان كل مؤمن ومؤمنة. وقال بعضهم (٣): الضمير الثاني للرسول؛ أي: من أمره، والجمع للتعظيم.

стр. 10256

والخلاصة: أنه لا ينبغي لمؤمن ولا مؤمنة أن يختارا أمرًا قضى الرسول بغيره، وقال أبو حيان: الخيرة: مصدر من تخير على غير قياس، كالطيرة من تطير. وقرىء بسكون الياء، ذكره عيسى بن سليمان، وقرأ الحرميان (١) - نافع وابن كثير - والعربيان - أبو عمرو وابن عامر - وأبو جعفر وشيبة والأعرج وعيسى: ﴿أن تكون﴾ بتاء التأنيث؛ لكونه مسندًا إلى الخيرة، وهي مؤنثة لفظًا، وقرأ الكوفيون والحسن والأعمش والسلمي: ﴿أَنْ يَكُونَ﴾ بالياء التحتية، واختار هذه القراءة أبو عبيد؛ لأنه قد فرق بين الفعل وفاعله المؤنث بقوله: ﴿لَهُمُ﴾، مع كون التأنيث غير حقيقي. وعبارة "الشوكاني": والخيرة: مصدر بمعنى الاختيار، وقرأ ابن السميقع: ﴿الخيرة﴾ بسكون الياء، والباقون بفتحها. انتهت. ثم توعد سبحانه من لم يذعن لقضاء الله وقدره، فقال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في أمر من الأمور، ويعمل برأيه. وفي "كشف الأسرار": ومن يعص الله، فخالف الكتاب ورسوله، فخالف السنة ﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾ وأخطأ طريق الحق، وعدل عن الصراط المستقيم ﴿ضَلَالًا مُبِينًا﴾؛ أي: بيّن الانحراف عن سنن الصواب؛ أي: ضلالًا ظاهرًا واضحًا لا يخفى. والمعنى (٢): أي ومن يعصِ الله ورسوله ويخالفهما فيما أمرا ونهيا .. فقد جار ومال عن قصد السبيل، وسلك غير طريق الهدى والرضاد، ونحو الآية قوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وفي "التأويلات النجمية": يشير إلى أن العبد ينبغي أن لا يكون له اختيار بغير ما اختاره الله، بل تكون خيرته فيما اختاره الله له، ولا يعترض على أحكامه الأزلية عند ظهورها له، بل له الاحتراز عن شر ما قضى الله قبل وقوعه، فإذا وقع الأمر .. فلا يخلو إما أن يكون موافقًا للشرع، أو يكون مخالفًا للشرع، فإن يكن موافقًا للشرع .. فلا يخلو؛ إما أن يكون موافقًا لطبعه، أو مخالفًا لطبعه، فإن يكن موافقًا لطبعه .. فهو نعمة من الله يجب عليه شكرها، ان يكن مخالفًا لطبعه .. فيستقبله

стр. 10257

بالصبر والتسليم والرضا، وإن يكن مخالفًا للشرع .. يجب عليه التوبة والاستغفار، والإنابة إلى الله تعالى من غير اعتراض على الله فيما قدر وقضى وحكم به، فإنه حكيم يفعل ما يشاء بحكمته، ويحكم ما يريد بعزته. انتهى. ٣٧ - ثم ذكر الله سبحانه نبيه بما وقع منه؛ ليزيده تثبيتًا على الحق، وليدفع عنه ما حال في صدور ضعاف العقول، ومرضى القلوب فقال: ﴿وَإِذْ تَقُولُ﴾. روي (١) أنه لما نزلت الآية المتقدمة .. قالت زينب وأخوها عبد الله: رضينا يا رسول الله؛ أي: بنكاح زيد، فأنكحها ﵊ إياه، وساق إليها مهرها عشرة دنانير وستين درهمًا، وخمارًا، وملحفة، ودرعًا، وإزارًا، وخمسين مدًا من طعام، وثلاثين صاعًا من تمر، وبقيت بالنكاح معه مدةً، فجاء النبي ﵊ يومًا إلى بيت زيد لحاجة، فأبصر زينب، فأعجبه حسنها، فوقع في قلبه محبتها بلا اختيار منه، والعبد غير ملوم على مثله ما لم يقصد المأثم، ونظرة المفاجأة التي هي النظرة الأولى مباحة، فقال ﵊ عند ذلك: "سبحان الله، يا مقلب القلوب ثبت قلبي" وانصرف، وذلك أن نفسه كانت تمتنع عنها قبل ذلك لا يريدها, ولو أرادها لخطبها، وسمعت زينب التسبيحة، فذكرتها لزيد بعد مجيئه، وكان غائبًا ففطن، فأتى رسول الله تلك الساعة، فقال: يا رسول الله، إني أريد أن أفارق صاحبتي، فقال: "ما لك، أرأيت منها شيئًا؟ " قال: لا والله، ما رأيت منها إلا خيرًا، ولكنها تتعظم علي لشرفها، وتؤذيني بلسانها، فمنعه ﵊، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ﴾؛ أي: واذكر يا محمد قصة وقت قولك: ﴿لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ بالتوفيق للإسلام الذي هو أجل النعم، وللخدمة والصحبة، وهو زيد بن حارثة ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ يا محمد بحسن التربية والإعتاق والتبني له، وكان من سبي الجاهلية، اشتراه رسول الله ﷺ في الجاهلية، وأعتقه وتبناه، وهو أول من أسلم من الموالي، وكان ﷺ يحبه، ويحب ابنه أسامة، شهد بدرًا والخندق والحديبية، واستخلفه النبي ﷺ على المدينة حين خرج إلى بني المصطلق، وخرج أميرًا في سبع سرايا، وقتل يوم مؤتة - بضم الميم وبالهمزة ساكنة -: موضع معروف عند الكرك.

стр. 10258

ومقول القول قوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ﴾؛ أي: أمسك على نكاحك ﴿زَوْجَكَ﴾ زينب، واتركها فيه ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ سبحانه في أمرها, ولا تطلقها ضرارًا، أو تعللًا بتكبرها, ولا تعجل بطلاقها. ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾؛ أي: والحال أنك تضمر في قلبك وتستر الأمر الذي الله مظهره للناس، وهو نكاحها إن طلقها زيد. وقيل: حبها، وهو علم بأن زيدًا سيطلقها وسينكحها، يعني: أنك تعلم بما أعلمتك أنها ستكون زوجتك، وأنت تخفي في نفسك هذا المعنى، والله يريد أن ينجز لك وعده، ويبدي أنها زوجتك بقوله: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾، وكان من علامات أنها زوجته إلقاء محبتها في قلبه، وذلك بتحبيب الله تعالى، لا بمحبته بطبعه، وذلك ممدوح جدًا، ومنه قوله ﵊: "حبب إلى من دنياكم ثلاث: الطيب والنساء وقرة عيني في الصلاة"، وأنه لم يقل أحببت، ودواعي الأنبياء من قبيل الإذن الإلهي؛ إذ ليس للشيطان عليهم سبيل. قال في "الأسئلة المقحمة": قد أوحي إليه أن زيدًا يطلقها، وأنت تزوج بها، فأخفى عن زيد سر ما أوحي إليه؛ لأن السر يتعلق بالمشيئة والإرادة، ولا يجب على الرسل الإخبار عن المشيئة والإرادة، وإنما يجب عليهم الإخبار والإعلام عن الأوامر والنواهي، لا عن المشيئة، كما أنه كان يقول لأبي لهب: آمن بالله، وقد علم أن الله أراد أن لا يؤمن أبو لهب، كما قال تعالى: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣)﴾؛ لأن ذلك الذي يتعلق بعذاب أبي لهب إنما هو من المشيئة والإرادة، فلا يجب على النبي إظهاره، ولا الإخبار عنه. ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾؛ أي: تستحييهم، أو (١) تخاف لومهم وتعييرهم لك به، بأن يقولوا: أمر مولاه بطلاق امرأته، ثم تزوجها. وفي "التأويلات النجمية": أي: تخشى عليهم أن يقعوا في الفتنة بأن يخطر ببالهم نوع إنكار، أو اعتراض عليه، أو شك في نبوته، بأن النبي ﷺ من تنزه عن مثل هذا الميل، وتتبع الهوى، فيخرجهم عن الإيمان إلى الكفر، فكانت تلك الخشية إشفاقًا منه عليهم، ورحمة بهم أنهم لا يطيقون سماع هذه الحالة، ولا يقدرون على تحملها. ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ﴾؛ أي: والحال أن الله سبحانه أحق وأجدر وأولى ﴿أَنْ تَخْشَاهُ﴾ في كل حال، وتخاف منه،

стр. 10259

وتستحييه. وفي"كشف الأسرار": إنما عوتب ﷺ على إخفاء ما أعلمه الله تعالى أنها ستكون زوجة له. قالت عائشة ﵂: لو كتم النبي ﷺ شيئًا من الوحي .. لكتم هذه الآية: ﴿إِذْ تَقُولُ﴾ الخ، وما نزل على رسول الله آية هي أشد عليه من هذه الآية. وفي "التأويلات": يشير إلى أن رعاية جانب الحق أحق من رعاية جانب الخلق؛ لأن لله تعالى في إبداء هذا الأمر، وإجراء هذا القضاء حكمًا كثيرة، فالواجب على النبي ﷺ إذا عرض له أمر أن، في أحدهما رعاية جانب الحق، وفي الآخر رعاية جانب الخلق، أن يختار رعاية جانب الحق على الخلق، فإن للحق تعالى في إجراء حكم من أحكامه، وإصفاء أمر من أوامره حكمًا كثيرة، كما قال تعالى في إجراء تزويج النبي ﷺ بزينب قوله: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال القرطبي: وقد اختلف في تأويل هذه الآية، فذهب قتادة وابن زيد وجماعة من المفسرين منهم ابن جرير الطبري وغيره إلى أن النبي ﷺ وقع منه استحسان لزينب بنت جحش، وهي في عصمة زيد بن حارثة، وكان حريصًا على أن يطلقها زيد، فيتزوجها هو، ثم إن زيدًا لما أخبره بأنه يريد فراقها، ويشكو منها غلظة قول، وعصيان أمر، وأذًى باللسان، وتعظمًا بالشرف قال له: "اتق الله فيما تقول عنها، وأمسك عليك زوجك"، وهو يخفي الحرص على طلاق زيد إياها، وهذا الذي كان يخفي في نفسه، ولكنه لزم ما يجب من الأمر بالمعروف. انتهى. وحاصل معنى الآية: أي واذكر أيها الرسول حين قولك لمولاك الذي أنعم الله عليه فوفقه للإسلام، وأنعمته عليه بحسن تربيته وعتقه وتقريبه منك: أمسك عليك زوجك زينب، واتق الله في أمرها, ولا تطلِّقها ضرارًا، وتعللًا بتكبرها، وشموخًا بأنفها، فإن الطلاق يثنيها، وربما لا يجد بعدها خيرًا منها، وأنت تعلم أن الطلاق لا بد منه، بما ألهمك الله أن تمتثل أمره بنفسك؛ لتكون أسوةً لمن معك، ولمن يأتي بعدك، وإنما غلبك في ذلك الحيرة، وخشية أن يقولوا: تزوج محمد مطلقة متبناه، فأنت تخفي في نفسك ما الله مبديه من الحكم الذي ألهمك، وتخاف من اعتراض الناس، والله الذي أمرك بهذا كله أحق وحده بأن تخشاه، فكان عليك أن

стр. 10260

تمضي في الأمر قدمًا؛ تعجيلًا لتنفيذ كلمته، وتقرير شرعه. ثم زاد الأمر بيانًا بقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾؛ أي: تخفي في نفسك ذلك الأمر مخافة من الناس، فلما قضى زيد من زوجته زينب وطرًا، ولم يبق له فيها حاجة، والمراد: قضى وبلغ وأتم وطره منها بنكاحها، والدخول بها بحيث لم يبق له فيها حاجة، وتقاصرت همته عنها، وطلقها وانقضت عدتها. وفي "التأويلات" (١): أما وطر زيد منها في الصورة: استيفاء حظه منها بالنكاح، ووطره منها في المعنى: شهرته بين الخلق إلى قيام الساعة، بأن الله تعالى ذكره باسمه في القرآن، دون جميع الصحابة، وبأنه آثر النبي ﷺ على نفسه بإيثار زينب له. وفي "الأسئلة المقحمة": كيف طلق زيد زوجته بعد أن أمر الله ورسوله بإمساكه إياها؟ والجواب: ما هذا الأمر للوجوب واللزوم، وإنما هو للاستحسان. ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ يا محمد؛ أي: جعلناها زوجة لك، هلال ذي القعدة سنة أربع من الهجرة على الصحيح، وهي بنت خمس وثلاثين سنة، والمراد: الأمر بتزويجها، أو جعلها زوجته بلا واسطة عقد، ولا تقدير صداق، ولا شيء مما يعتبر في النكاح في حق أمته؛ أي: زوجناكها, ولم نحوجك إلى وليٍّ يعقد لك عليها تشريفًا لك ولها. ويؤيده ما روى أنس ﵁: أنها كانت تفخر على سائر أزواج النبي ﷺ ، وتقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سموات، وهو من خصائصه ﷺ . وروي أنها لما اعتدت .. قال رسول الله لزيد: "ما أجد أحدًا أوثق في نفسي منك، اخطب عليَّ زينب"، قال زيد: فانطلقت، فإذا هي تخمر عجينها، فقلت: يا زينب، أبشري، فإن رسول الله يخطبك، ففرحت وقالت: ما أنا بصانعة شيئًا حتى أؤامر ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾، فزوجها رسول الله ﷺ
следующие страницы →