← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 10431–10470 · переход к 10436.

стр. 10431

تعلم أهل الفضل الصنائع، فإن العمل بها لا ينقص بمرتبتهم، بل ذلك زيادة في فضلهم؛ إذ يحصل لهم التواضع في أنفسهم، والاستغناء عن غيرهم، وفي الحديث: "إن خير ما أكل المرء من عمل يده". ﴿وَقَدِّرْ﴾؛ أي: واقتصد وتوسَّطْ ﴿فِي السَّرْدِ﴾؛ أي: في نسج الدروع بحيث تناسب مساميرها لحلقاتها؛ أي: لا تجعل مسمار الدرع دقيقًا فيقلقل، ولا غليظًا فيفصم الحلق، أو المعنى: توسط عند نسج الدروع في حلقاتها؛ أي: لا تعملها صغيرة، فتضعف، ولا يقوى الدرع على الدفاع، ولا تعملها كبيرة، فتثقل على لابسها، أو المعنى: اجعل (١) كل حلقة مساوية لأختها، ضيقة، لا ينفذ منها السهم لغلظها, ولا تثقل حاملها، واجعل كلها بنسبة واحدة، وقدر واحد. أو المعنى: قدر وتوسط في سرد الدروع ونسجها, ولا تصرف جميع أوقاتك إلى نسج الدروع، بل اشتغل به مقدار ما تحصل به قوتك وحوائجك، وأما باقي الأوقات .. فاصرفه إلى عبادة ربك. قال الرازي: أي إنك غير مأمور به أمر إيجاب، وإنما هو اكتساب، والكسب يكون بقدر الحاجة، وباقي الأيام والليالي للعبادة، فقدر في ذلك العمل، ولا تشغل جميع أوقاتك بالكسب، بل حصِّل فيه القوت فحسب. انتهى. وهذا المعنى هو المناسب لما بعده، وهو قوله: ﴿وَاعْمَلُوا﴾ يا آل داود، خطاب له ولأهله لعموم التكليف، ويجوز أن يكون أمرًا لداود فقط؛ شرفه الله بأن خاطبه خطاب الجمع. ﴿صَالِحًا﴾؛ أي: عملًا صالحًا خالصًا من الأغراض ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ لا أضيع عمل عامل منكم، فأجازيكم عليه، وهو تعليل للأمر، أو لوجوب الامتثال به، والبصير: هو المدرك لكل موجود برؤيته، ومن عرف أنه البصير .. راقبه في الحركات والسكنات، حتى لا يراه حيث نهاه، أو يفقده حيث أمره. وخاصية هذا الاسم وجود التوفيق، فمن قرأه قبل صلاة الجمعة مئة مرة .. فتح الله بصيرته، ووفَّقه لصالح القول والعمل، وإن كان الإنسان لا يخلو عن الخطأ.

стр. 10432

وإجمال معنى الآية: وعزتي وجلالي لقد (١) أعطينا داود ﵇ منَّا نعمًا ومننًا فقلنا للجبال وللطير: رجعي معه التسبيح، وردديه إذا سبح ذلك بأن نحمله عليه إذا تأمل عجائبها، فهي له مذكرات، كما يذكر المسبِّح مسبِّحًا آخر، وجعلنا الحديد في يده لينًا، يسهل تصويره وتصريفه كما يشاء، فيعمل منه الدروع وآلات الحرب على أتم النظم، وأحكم الأوضاع، فيجعل حلقاتها على قدر الحاجة، فلا هي بالضيقة فتضعف، ولا تؤدي وظيفتها لدى الكر والفر، والشد والجذب، ولا هي بالواسعة التي ربما ينال صاحبها من خلالها الأذى. وهذا تعليم من الله تعالى له في إجادة نسج الدروع. قال قتادة: إن داود أول من عملها حلقًا، وكانت قبل ذلك صفائح، فكانت ثقالًا. واعمل يا داوود أنت وآلك بطاعة الله تعالى، فأجازيكم كفاء ما عملتم، ثم علل هذا الأمر بقوله: ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾؛ أي: إني مراقب لكم، مطلع عليكم، بصير بأعمالكم وأقوالكم، لا يخفى عليَّ شيء منها، وفي هذا ما لا يخفي من التنبيه والإغراء بإصلاح العمل، والإخلاص فيه. ١٢ - ثم ذكر سبحانه ما أنعم به على ولده سليمان من النبوة والملك والجاه العظيم فقال: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾؛ أي: وسخرنا لسليمان ﵇ الريح، وهي ريح الصبا. وقرأ الجمهور (٢): ﴿الرِّيحَ﴾ بالنصب على تقدير: وسخرنا لسليمان الريح، كما قاله الزجاج. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر عنه بالرفع على الابتداء والخبر، أي: والريح مسخرة لسليمان، وقرأ الجمهور: ﴿الرِّيحَ﴾ بالإفراد، وقرأ الحسن وأبو حيوة وخالد بن إلياس: ﴿الرياح﴾ بالجمع. ﴿غُدُوُّهَا﴾؛ أي: جريها وسيرها بالغداة؛ أي: من لدن طلوع الشمس إلى زوالها، وهو وقت انتصاف النهار ﴿شَهْرٌ﴾؛ أي: مسيرة شهر؛ أي: مسير دواب الناس في شهر. ﴿وَرَوَاحُهَا﴾؛ أي: جريها وسيرها بالعشي؛ أي: من انتصاف النهار إلى الليل ﴿شَهْرٌ﴾؛ أي: مسيرة شهر، ومسافته، يعني: كانت تسير في يوم واحد

стр. 10433

مسيرة شهرين للراكب المسرع، والجملة إما مستأنفة، أو حال من الريح. وعن الحسن: كان يغدو من دمشق مع جنوده على البساط، فيقيل باصطخر، وبينهما مسيرة شهر للراكب المسرع، واصطخر: بزنة فردوس بلدة من بلاد فارس بناها لسليمان صخر الجني المراد بقوله: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ ثم يروح من اصطخر، ويبيت بكابل، وبينهما مسيرة شهر للراكب المسرع، وكابل بضم الباء الموحدة: ناحية معروفة من بلاد الهند، وكان ﵇ يتغدى بالري، ويتعشى بالسمرقند، والري: من مشاهير ديار الديلم بين قومس والجبال، والسمرقند: أعظم مدينة بما وراء النهر؛ أي: نهر جيحون. قال مقاتل: كان ملك سليمان ما بين مصر وكابل. وقال بعضهم: جميع الأرض، وهو الموافق لما اشتهر عندهم من أنه ملك الدنيا كلها أربعة: اثنان من أهل الإِسلام، وهما: الاسكندر وسليمان، واثنان من أهل الكفر، وهما: نمرود وبختنصر. ﴿وَأَسَلْنَا﴾؛ أي: أذبنا وأجرينا ﴿لَهُ﴾؛ أي: لسليمان ﴿عَيْنَ الْقِطْرِ﴾؛ أي: عين النحاس المذاب أسأله من معدنه، كما ألان الحديد لأبيه داود، فنبع منه نبوع الماء من الينبوع، ولذلك سمي عينًا. وكان ذلك باليمن بقرب صنعاء. وقال القرطبي: والظاهر أن الله جعل النحاس لسليمان في معدنه عينًا تسيل كعيون المياه دلالة على نبوته. اهـ. واصطناع الناس في النحاس بعد لينه وإذابته - ولو كانت بالنار - من آثار الكرامة التي أعطيها سليمان، ولولاها ما لان النحاس أصلًا؛ لأنه قبل سليمان لم يكن يلين أصلًا بنار ولا بغيرها اهـ "شيخنا". وقوله: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ﴾: خبر مقدم ﴿مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: مبتدأ مؤخر؛ أي: ومن يعمل بين يدي سليمان كائن من الجن. ويجوز أن يكون ﴿مَنْ يَعْمَلُ﴾ منصوبًا بفعل مقدر، و ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾ متعلق بهذا المقدر، أو حال من ﴿مَنْ﴾ الموصولة، ويؤيد هذا الاحتمال ما في سورة ص من قوله تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧)﴾ فإنه منصوب بـ ﴿سَخَّرْنَا﴾ المصرح به. والتقدير: وسخرنا له من يعمل بين يديه وقدامه حال كونه من الجن، وقوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ متعلق بـ ﴿يَعْمَلُ﴾؛ أي: يعمل له بإذن ربه؛ أي: بأمره كما ينبيء عنه قوله: ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا﴾؛ أي: ومن يعدل من الجن ويميل عما أمرناه به من طاعة سليمان ويعصه ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ

стр. 10434

السَّعِيرِ﴾؛ أي: ندخله في الآخرة عذاب النار المسعرة. وهذا ما عليه جمهور المفسرين. وقيل: نذقه في الدنيا من عذاب النار، وقال السدي: وكل الله تعالى بالجن ملكًا بيده سوط من نار، فمن زاغ عن أمر سليمان .. ضربه بذلك السوط من حيث لا يراه ضربة أحرقته بالنار. والمعنى: أي وسخرنا له من الجن من يبني له الأبنية وغيرها بقدرة ربه وتسخيره، ومن يخرج منهم عن طاعته .. نذقه عذابًا أليمًا في الدنيا والآخرة، وإنا لنوقن بصدق ما جاء به القرآن من استخدام سليمان للجن، ولا نعلم كيف كان يستخدمهم في أعماله، ولكن نشاهد آثار استخدامه لهم من المباني الشاهقة، والقصور العظيمة، والتماثيل البديعة. ١٣ - ثم بيَّن سبحانه ما يعمله الجن لسليمان فقال: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ﴾؛ أي: يعمل الجن لسليمان ﴿مَا يَشَاءُ﴾ سليمان ويريد ﴿مِنْ مَحَارِيبَ﴾ بيان لما يشاء، جمع: محراب، وهو البناء المرتفع الذي يرقى إليه بدرج، والقصر العالي. سمي محرابًا؛ لأنه يذب عنه، ويحارب عليه تشبيهًا بمحراب المسجد؛ لأنه يحارب فيه الشيطان، كما سيأتي البحث عنه في مبحث مفردات اللغة. والمعنى: يبنون له ما يشاء من قصور حصينة، ومساكن شريفة، سميت بذلك؛ لأنها يذب عنها، ويحارب عليها. قال المفسرون: فبنتِ الشياطين لسليمان تدمر على زنة تنصر، وهي بلدة بالشام، والأبنية العجيبة باليمن، وهي صرواج ومرواج وبينون وسلحين وهيذة وهنيذة وفلتوم وغمدان، ونحوها. وكلها خراب الآن، وعملوا له بيت المقدس في غاية الحسن والبهاء. قصة بناء سليمان لبيت المقدس وروي (١): أنه أراد داود ﵇ بنيان بيت المقدس، فبناه مرارًا، فلما فرغ منه تهدم، فشكا ذلك إلى الله تعالى، فأوحى الله إليه أن بيتي هذا لا يقوم على يدي من سفك الدماء، فقال داود: يا رب، ألم يكن ذلك في سبيلك؟ قال: بلى، ولكنهم أليسوا عبادي، فقال: يا رب، اجعل بنيانه على يدي من هو منى، فأوحى

стр. 10435

الله تعالى إليه أن ابنك سليمان يبنيه، فإني أملِّكه بعدك، وأسلِّمه من سفك الدماء، وأقضي إتمامه على يده. وسبب هذا: أن الشفقة على خلق الله أحق بالرعاية من الغيرة في الله بإجراء الحدود المفضية إلى هلاكهم، ولكون إقامة هذه النشأة أولى من هدمها فرض الله في حق الكفار الجزية والصلح إبقاءً عليهم، ألا ترى من وجب عليه القصاص كيف شرع لولي الدم أخذ الفدية أو العفو، فإن أبى فحينئذ يقتل. ألا ترى سبحانه إذا كان أولياء الدم جماعة، فرضي واحد بالدية، أو عفا عن حقه، وباقي الأولياء لا يرون إلا القتل كيف يراعي من عفا، ويرجَّح على من لم يعفُ، فلا يقتل قصاصًا. ثم نرجع إلى القصة: فصلوا فيه زمانًا، وكان مولد سليمان بغزة، وملك بعد أبيه، وله اثنتا عشرة سنة، ولما كان في السنة الرابعة من ملكه في شهر أيار سنة تسع وثلاثين وخمس مئة لوفاة موسى ﵇ .. ابتدأ سليمان في عمارة بيت المقدس وإتمامه حسبما تقدم وصية أبيه إليه، وجمع حكماء الإنس والجن، وعفاريت الأرض، وعظماء الشياطين، وجعل منهم فريقًا يبنون، وفريقًا يقطعون الصخور والعمد من معادن الرخام، وفريقًا يغوصون في البحر فيخرجون منه الدر والمرجان، وكان في الدر ما هو مثل بيضة النعامة والدجاجة، وبنى مدينة بيت المقدس، وجعلها اثني عشر ربضًا، وأنزل كل ربض منها سبطًا من أسباط بني إسرائيل، وكانوا اثني عشر سبطًا، ثم بني المسجد الأقصى بالرخام الملون، وسقفه بألواح الجواهر الثمينة، ورصع سقوفه وحيطانه باللآلىء واليواقيت، وأنبت الله شجرتين عند باب الرحمة إحداهما: تنبت الذهب، والأخرى: تنبت الفضة، فكان كل يوم ينزع من كل واحدة مئتي رطل ذهبًا وفضة، وفرش المسجد بلاطة من ذهب، وبلاطة من فضة، وبألواح الفيروزج، فلم يكن يومئذ بيتٌ أبهى ولا أنور من ذلك المسجد، كان يضيء في الظلمة كالقمر ليلة البدر. وفرغ منه في السنة الحادية عشرة من ملكه، وكان ذلك بعد هبوط آدم من الجنة بأربعة آلاف سنة وأربع مئة وأربع عشرة سنة، وبين عمارة سليمان لمسجد بيت المقدس، والهجرة النبوية المحمدية على صاحبها أفضل الصلوات وأزكى التسليمات ألفُ سنة وثمان مئة سنة، وقريب من سنتين. ولما فرغ من بناء المسجد .. سأل الله تعالى ثلاثًا: حكمًا يوافق حكمه،

стр. 10436

وسأله ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، وسأله أن لا يأتي إلى هذا المسجد أحد لا يريد إلا الصلاة فيه إلا خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه. قال النبي ﷺ : "نرجو أن يكون قد أعطاه إياه"، ولما رفع سليمان يده من البناء .. جمع الناس، فأخبرهم أنه مسجد لله تعالى، وهو سبحانه أمره ببناءه، وأن كل شيء فيه لله، ومن انتقص شيئًا منه فقد خان الله. قال سعيد بن المسيب (١): لما فرغ سليمان من بناء بيت المقدس .. تغلقت أبوابه، فعالجها سليمان، فلم تنفتح حتى قال في دعائه: بصلوات أبي داود، وافتح الأبواب، فتفتحت فوزع له سليمان عشر آلاف من قراء بني إسرائيل، خمسة آلاف بالليل، وخمسة آلاف بالنهار، فلا تأتي ساعة من ليل ولا نهار إلا والله يُعبد فيها، واستمر بيت المقدس على ما بناه سليمان أربع مئة سنة وثلاثًا وخمسين سنة، حتى قصده بختنصر، فخرب المدينة وهدمها، ونقض المسجد، وأخذ جميع ما كان فيه من الذهب والفضة والجواهر، وحمله إلى دار مملكته من أرض العراق، واستمر بيت المقدس خرابًا سبعين سنة، ثم أهلك بختنصر ببعوضة دخلت دماغه، وذلك أنه من كبر الدماغ وانتفاخه .. فعل ما فعل من التخريب والقتل، فجازاه الله تعالى بتسليط أضعف الحيوان على دماغه. ﴿و﴾ يعملون له ما يشاء من ﴿تَمَاثِيلَ﴾ وصور الملائكة والأنبياء على صورة القائمين والراكعين والساجدين على ما اعتادوه، فإنها كانت تعمل حينئذ في المساجد من زجاج ونحاس ورخام ونحوها؛ ليراها الناس، ويعبدوا مثل عباداتهم. ويقال (٢): إن هذه التماثيل رجال من نحاس، وسأل ربه أن ينفخ فيه فيها الروح، ليقاتلوا في سبيل الله، ولا يعمل فيهم السلاح، وكان إسنفديار منهم، كما في تفسير "القرطبي". وروي: أنهم عملوا أسدين في أسفل كرسيه، ونسرين فوقه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان ذراعيهما، فارتقى عليهما، وإذا قعد أظلهما النسران بأجنحتهما. اهـ. "قرطبي".

стр. 10437

فلما مات سليمان .. جاء إفريدون ليصعد الكرسي، ولم يدر كيف يصعد، فلما دنا منه ضربه الأسد على ساقه فكسر ساقه، ولم يجسر أحد بعده أن يدنو من ذلك الكرسي. واعلم (١): أن حرمة التصاوير شرع جديد، وكان اتخاذ الصور قبل هذه الأمة مباحًا، كما يدل عليه قوله ﷺ : "إن أولئك كان إذا مات فيهم الرجل الصالح بنو على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور"؛ أي: ليذكروا عبادتهم، فيجتهدوا في العبادة، وإنما حرِّم على هذه الأمة؛ لأن قوم رسولنا ﷺ كانوا يعبدون التماثيل؛ أي: الأصنام، فنهي عن الاشتغال بالتصوير، وأبغض الأشياء إلى الخواص ما عصي الله به. وفي الحديث: "من صور صورة فإن الله معذبه حتى ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ فيها أبدًا"، وهذا يدل على أن تصوير ذي الروح حرام. قال بعضهم: هل هو كبيرة أو لا؟ فيه خلاف: فعند من جعل الكبيرة عبارة عما ورد الوعيد عليه من الشرع .. فهو كبيرة، وأما من جعل الكبيرة منحصرة في عدد محصور: فهذا ليس من جملته، فيكون الحديث محمولًا على المستحل، أو على استحقاق العذاب المؤبد، وأما تصوير ما لا روح له: فرخص فيه، وإن كان مكروهًا من حيث إنه اشتغال بما لا يعني. ﴿و﴾ يعملون له ما يشاء من ﴿جِفَانٍ﴾ وقصاع عظيمة كائنة ﴿كَالْجَوَابِ﴾ والحياض الكبار، جمع: جفنة، وهي القصعة الكبيرة التي تشبع عددًا كثيرًا. قيل: يجتمع على جفنة واحدة ألف رجل، فيأكلون منها، وكان لمطبخه كل يوم اثنا عشر ألف شاة، وألف بقرة، وكان له اثنا عشر ألف خبَّاز، واثنا عشر ألف طبَّاخ، يصلحون الطعان في تلك الجفان لكثرة القوم. قال في "الشرعة": ولا بركة في القصاع الصغار، ولتكن قصعة الطعام من خزف أو خشب، فإنهما أقرب إلى التواضع، ويحرم الأكل في الذهب والفضة، وكذا الشرب منهما. والجوابي: جمع جابية، وهو الحوض الكبير الذي يجبى؛ أي: يجمع فيه الماء للإبل.

стр. 10438

وقرأ ورش وأبو عمرو (١): بإثبات الياء في الوصل دون الوقف، وابن كثير: بإثباتها وقفًا ووصلًا، والباقون: بالحذف وقفًا ووصلًا، وهو (٢) الأصل اجتزاءً بالكسرة عن الياء، وإجراء الألف واللام مجرى ما عاقبها، وهو التنوين، وكما تحذف الياء مع التنوين .. تحذف مع ما عاقبه، وهو الألف واللام. ﴿وَ﴾ يعملون له ما يشاء من ﴿قُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ جمع قدر، وهو اسم لما يُطبخ فيه اللحم، والراسيات: جمع راسية، من: رسا الشيء إذا ثبت؛ أي: وقدور ثابتات على الأثافي، لا تنزل عنها لعظمها, ولا تحرك عن أماكنها، وكان يصعد إليها بالسلالم، وكانت باليمن. ثم أمرهم سبحانه بالعمل الصالح على العموم؛ أي: سليمان وأهله فقال: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾، وهو مقول لقول محذوف. و ﴿آلَ﴾: منصوب على النداء، والمراد به: سليمان؛ لأن هذا الكلام قد ورد في خلال قصته، وخطاب الجمع للتعظيم، أو أولاده، أو كل من ينفق عليه، أو كل من يتأتى منه الشكر من أمته، كما في "بحر العلوم". والمعنى: أي وقلنا له، أولهم: اعملوا يا آل داود بطاعتي كالصلاة ونحوها، واعبدوني شكرًا لما أعطيتكم من الفضل وسائر النعماء، فإنه لا بد من إظهار الشكر كظهور النعمة. وسميت الصلاة ونحوها شكرًا؛ لسدها مسده. فـ ﴿شُكْرًا﴾: منصوب على العلة، أو منصوب على المصدرية لـ ﴿اعْمَلُوا﴾؛ لأن العمل للمنعم شكر له، فيكون مصدرًا من غير لفظه، أو لفعل محذوف؛ أي: اشكروا شكرًا، أو حال؛ أي: شاكرين أو مفعول به؛ أي: اعملوا شكرًا، ومعناه: إنا سخرنا لكم الجن يعملون لكم ما شئتم، فاعملوا أنتم شكرًا على طريق المشاكلة، وسميت الطاعة شكرًا؛ لأنها من جملة أنواعه. ثم بيَّن بعد أمرهم بالشكر أن الشاكرين له من عباده قليل، فقال: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾؛ أي: العامل بطاعتي، الشاكر لنعمتي قليل، وارتفاع القليل على أنه خبر مقدم، و ﴿مِنْ عِبَادِيَ﴾: صفة له، و ﴿الشَّكُورُ﴾: مبتدأ.

стр. 10439

والمعنى: أي يعملون له ما يشاء من القصور الشامخة، والصور المختلفة من النحاس والزجاج والرخام ونحوها، والجفان الكبيرة التي تكفي لعشرات الناس، والقدور الثوابت في أماكنها التي لا تتحرك ولا تتحول لكبرها وعظمها، وقلنا لهم: اعملوا يا آل داود بطاعة الله شكرًا له على نعمه التي أنعمها عليكم في الدين والدنيا. روي: أن النبي ﷺ صعد المنبر، فتلا هذه الآية، ثم قال: "ثلاث من أوتيهن .. فقد أوتي مثل ما أوتي آل داود" فقلنا: ما هُنَّ؟ فقال: "العدل في الرضا والغضب، والقصد في الفقر والغنى، وخشية الله في السر والعلانية" أخرجه الترمذي. والشكر كما يكون بالفعل يكون بالقول، ويكون بالنية كما قال: أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّيْ ثَلاَثَةً ... يَدِيْ وَلسَانِيْ وَالضَّمِيْرَ الْمُحَجَّبَا أي: وقليل من عبادي من يطيعني شكرًا لنعمتي، فيصرف ما أنعمت به عليه فيما يرضيني، وقد قيل: الشكور: من يرى عجزه عن الشكر، ونحو الآية قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾، وعن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان يقوم من الليل حتى تفطر قدماه، فقلت له: أتصنع هذا، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: "أفلا أكون عبدًا شكورًا". أخرجه مسلم في "صحيحه". ١٤ - ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا﴾ وحكمنا ﴿عَلَيْهِ﴾؛ أي: على سليمان ﴿الْمَوْتَ﴾ وألزمناه إياه، وفصلناه به عن الدنيا ﴿مَا دَلَّهُمْ﴾؛ أي: ما دل الجن وآل داود ﴿عَلَى مَوْتِهِ﴾؛ أي: على موت سليمان ﴿إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾؛ أي: إلا هامة الأكل، وسوسة الخشب المسماة بالأرضة، وهي دويبة وسوسة تأكل الخشب، ويقال لها: السرقة، أضيفت إلى فعلها، وهو الأرض بمعنى الأكل، ولذا سميت الأرض مقابل السماء أرضًا، لأنها تأكل أجساد بني آدم، يقال: أرضت الأرضة الخشبة أرضًا إذا أكلتها، فأرضت أرضًا ما لم يسم فاعله، فهي مأروضة حالة كونها ﴿تَأْكُلُ﴾؛ أي: تلك الدابة ﴿مِنْسَأَتَهُ﴾؛ أي: منسأة سليمان؛ أي: تأكل عصاه التي كان متكئًا عليها من النسيء، وهو التأخير في الوقت؛ لأن العصا يؤخر بها الشيء عن الطريق مثلًا، ويزجر بها نحو الكلب ويطرد.

стр. 10440

قيل (١): إن ملك الموت أعلمه أنه بقي من حياته ساعة، فدعا الشياطين تجتمع حول محرابه، فلا ينظر أحد منهم إليه في صلاته إلا احترق، فمر واحد منهم، فلم يسمع صوته، ثم جمع فلم يسمع، فنظر فإذا هو قد خر ميتًا، وكان عمره ثلاثًا وخمسين سنة، ملك بعد موت أبيه وهو ابن ثلاثة عشرة سنة، فمدة ملكه أربعون سنة. ﴿فَلَمَّا خَرَّ﴾ وسقط سليمان ميتًا بعد سقوط عصاه من تحته ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾؛ أي: علمت الجن علمًا يقينيًا ينتفي عنده الشكوك والشبه بعد التباس الأمر عليهم. من تبينت الشيء: إذا علمته بعد التباسه عليك ﴿أَنْ﴾ مخففة؛ أي: أنهم ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ﴾؛ أي: ما غاب عن حواسهم كما يزعمونه ﴿مَا لَبِثُوا﴾ وأقاموا ﴿فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾؛ أي: ذي الإهانة والخزي لهم، يعني الأشغال والتكاليف الشاقة، والأعمال الصعبة التي كانوا يعملونها لسليمان ﵇. والحال: أنهم لو كان لهم علم بالغيب كما يزعمون .. لعلموا موت سليمان حين مات، ولما لبثوا بعده حولًا في تسخيره إلى أن خرَّ ميتًا، فلما وقع ما وقع علموا أنهم جاهلون، لا عالمون. ويجوز أن يؤخذ تبينت من: تبين الشيء: إذا ظهر وتجلى، فتكون أن مع ما بعدها بدل اشتمال من الجن، نحو: تبين زيد جهله؛ أي: ظهر للإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب. وقال بعضهم: كانت الشياطين تجتمع حول محرابه أينما صلى، فلم يكن شيطان ينظر إليه في صلاته إلا احترق، فمر به شيطان، فلم يسمع صوته، ثم رجع، فلم يسمع صوته، فنظر فإذا سليمان قد خر ميتًا، ففتحوا عنه، فإذا العصا قد أكلتها الأرضة، فأرادوا أن يعرفوا وقت موته، فوضعوا الأرضة على العصا، فأكلت منها في يوم وليلة مقدارًا، فحسبوا على ذلك النحو، فوجدوه قد مات منذ سنة، وكانوا يعملون بين يديه، ويحسبونه حيًا، ولو علموا أنه مات .. لما لبثوا في العذاب سنة، ثم إن الشياطين قالوا للأرضة: لو كنت تأكلين الطعام .. أتيناك بأطيب الطعام، ولو كنت تشربين من الشراب .. سقيناك أطيب الشراب، ولكن ننقل إليك الماء والطين، فهم ينقلون ذلك لها حيث كانت، قاله ابن عباس ﵄. ألم ترَ إلى

стр. 10441

الطين يكون في جوف الخشب، فهو ما يأتيها به الشياطين تشكرًا لها. قال القفال (١): قد دلت هذه الآية على أن الجن لم يسخروا إلا لسليمان، وأنهم تخلصوا بعد موته من تلك الأعمال الشاقة، وإنما تهيَّأ لهم التسخير والعمل، لأن الله تعالى زاد في أجسامهم وقواهم، وغيَّر خلقهم عن خلق الجن الذين لا يرون، ولا يقدرون على شيء من هذه الأعمال الشاقة، مثل: نقل الأجسام الثقال ونحوه؛ لأن ذلك معجزة لسليمان ﵇. قال أهل التاريخ: كان سليمان ﵇ أبيض جسيمًا وضيئًا، كثير الشعر، يلبس البياض، وكان عمره ثلاثًا وخمسين سنة، وكانت وفاته بعد فراغ بناء بيت المقدس بتسع وعشرين سنة. قال بعضهم: هذا هو الصحيح؛ أي: كون وفاته بعد الفراغ من البناء، لا قبله بسنة على ما زعم بعض أهل التفسير. وفي "التأويلات النجمية": تشير الآية إلى كمال قدرته وحكمته، وأنه هو الذي سخر الجن والإنس لمخلوق مثلهم، وهم الألوف الكثيرة، والوحوش والطيور. ثم قضى عليه الموت، وجعلهم مسخرين لجثة بلا روح، وبحكمته جعل دابة الأرض حيوانًا ضعيفًا مثَّلها دليلًا لهذه الألوف الكثيرة من الجن والإنس تدلهم بفعلها على علم ما لم يعلموا. وفيه أيضًا إشارة إلى أنه تعالى جعل فيها سببًا لإيمان أمة عظيمة، وبيان حال الجن أنهم لا يعلمون الغيب، وفيه إشارة أخرى: أن نبيين من الأنبياء اتكأ عصوين، وهما: موسى وسليمان، فلما قال موسى: هي عصاي أتوكأ عليها .. قال ربه: ألقها، فلما ألقاها .. جعلها ثعبانًا مبينًا، يعني: من اتكأ على غير فضل الله ورحمته يكون متكؤه ثعبانًا، ولما اتكأ سليمان على عصاه في قيام ملكه بها، واستمسك بها .. بعث الله أضعف دابة وأخسها لإبطال متكئه ومتمسكه؛ ليعلم أن من قام بغيره زال بزواله، وأنَّ كل متمسك بغير الله طاغوت من الطواغيت ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ انتهى كلامه. ومعنى الآية (٢): أي إنما لما قضينا على سليمان بالموت .. لم يدل الجن

стр. 10442

على موته إلا الأرضة التي وقعت في عصاه من داخلها؛ إذ بينما هو متكىء عليها، وقد وافاه القضاء المحتوم .. انكسرت، فسقط على الأرض، واستبان للجن أنهم لا يعلمون الغيب، كما كانوا يزعمون، ولو علموه لما قاموا في الأعمال الشاقة التي كانوا يعملونها ظانين أنه حيٌّ. والكتاب الكريم لم يحدِّد المدة التي قضاها سليمان وهو متوكىء على عصاه، حتى علم الجن بموته، وقد روى القصاصون أنها كانت سنة، ومثل هذا لا ينبغي الركون إليه، فليس من الجائز أنَّ خدم سليمان لا يتنبهون إلى القيام بواجباته المعيشية من مأكل ومشرب وملبس ونحوها يومًا كاملًا، دون أن يحادثوه في ذلك، ويطلبوا إليه القيام بخدمته، فالمعقول أن الأرضة بدأت العصا، وسليمان لم يتنبه لذلك، وبينما هو متوكىء عليها حانت منيته، وكانت الأرضة قد فعلت فعلها في العصا، فانكسرت، فخرَّ على الأرض، فعلمت الجن كذبها إذ كانت تدعي أنها تعلم الغيب؛ إذ لو علمته ما لبثت ترهق نفسها في شاقّ الأعمال التي كلفت بها. وقرأ الجمهور (١): ﴿دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ بسكون الراء. وقرأ أبو المتوكل (٢) وأبو الجوزاء وعاصم الجحدري: ﴿دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ بفتح الراء. وقرأ نافع وأبو عمرو وجماعة: ﴿مِنْسَأَتَهُ﴾ بألفٍ محضة، وأصله: منسأته، أبدلت الهمزة ألفًا بدلًا غير قياسي. وقال أبو عمرو: أنا لا أهمزها؛ لأني لا أعرف لها اشتقاقًا، فإن كانت مما لا تهز .. فقد احتطت، وإن كانت تهمز .. فقد يجوز لي ترك الهمزة فيما يهمز. وقرأ ابن ذكوان وجماعة منهم: بكار والوليد أن ابن عتبة وابن مسلم: ﴿منسأته﴾ بهمزة ساكنة، وهو من تسكين التحريك تخفيفًا، وليس بقياس، وضعَّف النحاة هذه القراءة؛ لأنه يلزم فيها أن يكون ما قبل تاء التأنيث ساكنًا غير ألفًا. وقيل: قياسها: التخفيف بين بين، والراوي لم يضبط، وأنشد هارون بن موسى الأخفش الدمشقي شاهدًا على سكون هذه القراءة قول الراجز: صَرِيْعُ خَمْرٍ قَامَ مِنْ وَكْأتِهْ ... كَقَوْمَةِ الشَّيْخِ إِلى مَنْسَأَتِهْ وقرأ باقي السبعة بالهمزة مفتوحة. وقرىء بفتح الميم وتخفيف الهمزة قلبًا

стр. 10443

وحذفًا، وقرىء على وزن مفعالة: منساءة. وقرأت فرقة منهم: عمر بن ثابت عن ابن جبير: مفصولة حرف جر ﴿من ساءته﴾ بجر التاء. قيل: ومعناه: من عصاه، يقال لها: ساة القوس وسيتها معًا، وهي يدها العليا والسفلى، سميت العصا ساة القوس على الاستعارة. وقرأ الجمهور: ﴿تَبَيَّنَتِ﴾ مبنيًا للفاعل. وقرأ ابن عباس فيما ذكر ابن خالويه ويعقوب بخلاف عنه ﴿تبينت﴾ مبنيًا للمفعول، وعن ابن عباس وابن مسعود وأبي وعلي بن الحسن والضحاك قراءة في هذا الموضع مخالفة لسواد المصحف، ولما روي عنهم ذكرها المفسرون، أضرب عن ذكرها صفحًا على عادتنا في ترك نقل الشاذ الذي يخالف للسواد مخالفةً كثيرةً. ذكره أبو حيان. الإعراب ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١) يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢)﴾. ﴿الْحَمْدُ﴾: مبتدأ، ﴿لِلَّه﴾: خبر، والجملة مستأنفة. ﴿الَّذِي﴾: نعت للجلالة. ﴿لَهُ﴾: خبر مقدم. ﴿مَا﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: صلة لـ ﴿مَا﴾، والجملة الاسمية صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة. ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ﴿لَهُ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لَهُ﴾: خبر مقدم. ﴿الْحَمْدُ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ حال من الضمير المستكن في الخبر، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ على كونها صلة الموصول. ﴿وَهُوَ﴾: مبتدأ ﴿الْحَكِيمُ﴾: خبر أول ﴿الْخَبِيرُ﴾: خبر ثان، والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿يَعْلَمُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة مستأنفة، أو خبر ثالث لـ ﴿هُوَ﴾ مسوقة لتفصيل بعض ما يحيط به علمه تعالى من الأمور المتعلقة بمصالح العباد الدينية والدنيوية. ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿يَعْلَمُ﴾. ﴿يَلِجُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على ﴿مَا﴾، والجملة صلة الموصول، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق بـ ﴿يَلِجُ﴾. ﴿وَمَا يَخْرُجُ﴾: معطوف على ﴿مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾. ﴿مِنْهَا﴾: متعلق بـ ﴿يَخْرُجُ﴾. ﴿وَمَا يَنْزِلُ﴾، ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾: معطوفان على ﴿مَا يَلِجُ﴾ أيضًا. ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ متعلقان بـ ﴿يَنْزِلُ﴾. ﴿وَهُوَ﴾ مبتدأ. ﴿الرَّحِيمُ﴾: خبر أول.

стр. 10444

﴿الْغَفُورُ﴾: خبر ثانٍ له، والجملة مستأنفة. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ﴾. ﴿وَقَالَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿قَالَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل، صلة الموصول. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿تَأْتِينَا﴾: فعل ومفعول. ﴿السَّاعَةُ﴾: فاعل، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿بَلَى﴾: حرف جواب لإثبات النفي؛ أي: ليس الأمر إلا إتيانها. ﴿وَرَبِّي﴾: ﴿الواو﴾: حرف جر وقسم: ﴿رَبِّي﴾: مقسم به مجرور بواو القسم أكد إيجاب النفي بما هو الغاية في التأكيد والتشديد، وهو القسم بالله ، الجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف وجوبًا. ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم. ﴿تَأْتِيَن﴾: فعل مضارع في محل الرفع لتجرده عن الناصب والجازم، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وهو تأكيد ثالث، والكاف: مفعول به، وفاعله: ضمير يعود على الساعة، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب على كونها مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾: صفة لـ ﴿رَبِّي﴾، أو بدل منه، ويجوز رفعه على كونه خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ، وخبره جملة ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾ وقد قرىء بهما كما مرَّ. ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. ﴿لَا يَعْزُبُ﴾: فعل مضارعِ. ﴿عَنْهُ﴾: متعلق به. ﴿مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾: فاعل ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: حال من ﴿مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾. ﴿وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾، أو خبره على قراءة الرفع. ﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لا﴾: نافية ﴿أَصْغَرُ﴾ - بالرفع -: معطوف على ﴿مِثْقَالُ﴾. ﴿مِنْ ذَلِكَ﴾: متعلق بـ ﴿أَصْغَرُ﴾، ﴿وَلَا أَكْبَرُ﴾: معطوف على ﴿مِثْقَالُ﴾ أيضًا. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿فِي كِتَابٍ﴾: جار ومجرور، حال من ﴿مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾، ﴿مُبِينٍ﴾ صفة وما عطف عليه تأكيدًا للنفي في ﴿لَا يَعْزُبُ﴾؛ أي: لا يعزب عنه ما ذكر إلا حالة كونه في كتاب مبين. وفي "السمين": قوله: ﴿وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ﴾، العامة على رفع أصغر وأكبر، وفيه وجهان:

стр. 10445

أحدهما: الابتداء، وخبره ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾. والثاني: العطف على ﴿مِثْقَالُ﴾، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ تأكيدًا للنفي في ﴿لَا يَعْزُبُ﴾ كأنه قال: لكنه في كتاب مبين، ويكون في محل الحال. وقرأ قتادة والأعمش، ورويم عن أبي عمرو ونافع أيضًا، بفتح الراءين، وفيه وجهان: أحدهما: أن ﴿لَا﴾ هى لا التبرئة، بُنى اسمها معها، والخبر قوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾. والثاني: النسق على ﴿ذَرَّةٍ﴾ اهـ. ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥)﴾. ﴿لِيَجْزِيَ﴾ ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل. ﴿يجزي﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لجزائه الذين، الجار والمجرور متعلق بتأتين، كأنه علة وبيان لما يقتضيه إتيانها، أو بقوله: ﴿لَا يَعْزُبُ﴾ فكأنه قال: يحصي ذلك ليجزي. ﴿الَّذِينَ﴾: مفعول به لـ ﴿يجزي﴾، وجملة ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على ﴿آمَنُوا﴾. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ أول ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم. ﴿مَغْفِرَةٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر للأول، وجملة الأول مستأنفة مسوقة لبيان مآلهم. ﴿وَرِزْقٌ﴾: معطوف على ﴿مَغْفِرَةٌ﴾، ﴿كَرِيمٌ﴾: صفة ﴿وَرِزْقٌ﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية، ﴿الذين﴾: مبتدأ أول، وجملة ﴿سَعَوْ﴾ صلة الموصول. ﴿فِي آيَاتِنَا﴾: متعلق بـ ﴿سَعَوْ﴾، ولكنه على تقدير مضاف؛ أي: في إبطال آياتنا بالطعن فيها، أو وصفها بالسحر والشعر وغير ذلك. ﴿مُعَاجِزِينَ﴾: حال من فاعل ﴿سَعَوْ﴾. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ ثان. ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم. ﴿عَذَابٌ﴾: مبتدأ ثالث مؤخر. ﴿مِنْ رِجْزٍ﴾ صفة لـ ﴿عَذَابٌ﴾. ﴿أَلِيمٌ﴾: صفة ثانية لـ ﴿عَذَابٌ﴾، والجملة من المبتدأ الثالث وخبره في محل الرفع خبر للمبتدأ الثاني، وجملة الثاني في محل الرفع خبر

стр. 10446

للأول، وجملة الأول مستأنفة. وفي "الفتوحات": قوله: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْ﴾ يجوز فيه وجهان: أظهرهما: أنه مبتدأ. و ﴿أُولَئِكَ﴾ وما بعده خبره. والثاني: أنه عطف على ﴿الَّذِينَ﴾ قبله؛ أي: ويجزي الذين سعوا، ويكون ﴿أُولَئِكَ﴾ بعده مستانفًا، و ﴿أُولَئِكَ﴾ الذي قبله، وما في حيزه معترضًا بين المتعاطفين. اهـ. "سمين". ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦)﴾. ﴿وَيَرَى﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿يرى﴾: فعل مضارع مرفوع، أو: ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿يرى﴾: فعل مضارع منصوب معطوف على ﴿يجزي﴾. ﴿الَّذِينَ﴾: فاعل، والجملة مستأنفة أو معطوفة. ﴿أُوتُوا﴾: فعل ونائب فاعل. ﴿الْعِلْمَ﴾: مفعول ثان لـ ﴿أُوتُوا﴾ لأنه بمعنى: أعطوا، وجملة ﴿أُوتُوا﴾ صلة ﴿الَّذِينَ﴾. ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول أول لـ ﴿يرى﴾؛ لأنها قلبية، وجملة ﴿أُنْزِلَ﴾ صلة ﴿الَّذِي﴾. ﴿إِلَيْكَ﴾ متعلق بـ ﴿أُنْزِلَ﴾. ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾: حال من الضمير المستتر في ﴿أُنْزِلَ﴾، أو متعلق بـ ﴿أُنْزِلَ﴾. ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل. ﴿الْحَقَّ﴾ مفعول ثان لـ ﴿يرى﴾. ﴿وَيَهْدِي﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿يهدي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿الَّذِي أُنْزِلَ﴾. ﴿إِلَى صِرَاطِ﴾ متعلق به. ﴿الْعَزِيزِ﴾: مضاف إليه. ﴿الْحَمِيدِ﴾: صفة ل ﴿الْعَزِيز﴾، وجملة ﴿يهدي﴾ في محل النصب معطوف على ﴿الْحَقَّ﴾ على كونه مفعولًا ثانيًا لـ ﴿يرى﴾ عطف فعل على اسم؛ لكونه في تأويل الاسم؛ أي: وهاديًا، ويجوز أن تكون الواو حالية، والجملة في محل النصب حال من ﴿الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾، ويجوز أن تكون الجملة مستأنفة. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧)﴾. ﴿وَقَالَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿قَالَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل، صلة الموصول؛ أي: قال بعضهم لبعض: ﴿هَلْ﴾ حرف استفهام. ﴿نَدُلُّكُمْ﴾: فعل ومفعول به، وفاعله ضمير مستتر يعود على ﴿الَّذِينَ﴾. ﴿عَلَى

стр. 10447

﴿رَجُلٍ﴾: متعلق بـ ﴿ندل﴾، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾: فعل مضارع ومفعول به، وفاعل مستتر يعود على ﴿رَجُلٍ﴾، والجملة في محل الجر صفة ﴿رَجُلٍ﴾. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿مُزِّقْتُمْ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذَا﴾ على كونها فعل شرط لها، وجواب الشرط محذوف، تقديره: إذا مزقتم تبعثون وتحشرون خلقًا جديدًا. والمعنى: أي: ينبئكم أنكم تبعثون وتحشرون وقت تمزقكم، ولا يجوز تعلق ﴿إِذَا﴾ بـ ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾؛ لأن التنبئة لم تقع ذلك الوقت، ولا بـ ﴿مُزِّقْتُمْ﴾؛ لأنه مضاف إليه، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف، ولا بـ ﴿جَدِيدٍ﴾؛ لأن إن ولام الابتداء يمنعان ذلك؛ لأن لهما الصدارة، وأيضًا فالصفة لا تعمل فيما قبل الموصوف. ﴿كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ مفعول به ومضاف إليه. ﴿إِنَّكُمْ﴾: ناصب واسمه. ﴿لَفِي خَلْقٍ﴾: خبره، واللام: حرف ابتداء ﴿جَدِيدٍ﴾: صفة ﴿خَلْقٍ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ سادة مسد مفعولي ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ الثاني والثالث، وجملة ﴿إِذَا﴾ تكون معترضة بين الفعل والمفعول. ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (٨)﴾. يحتمل أن يكون هذا من تمام قول الكافرين، أولا؛ أي: من كلام القائلين: هل ندلكم، ويحتمل أن يكون من كلام السامع المجيب للقائل: هل ندلكم؛ كأن القائل لما قال له: هل ندلكم على رجل؟ أجابه فقال: هو يفتري على الله كذبًا ... إلخ. اهـ "خطيب". ﴿أَفْتَرَى﴾: ﴿الهمزة﴾ فيه للاستفهام التقريري، واستغني بها عن همزة الوصل في التوصل إلى النطق بالساكن. ﴿أَفْتَرَى﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على رجل. ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿أَفْتَرَى﴾. ﴿كَذِبًا﴾ مفعول به، والجملة الفعلية جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب. ﴿أَمْ﴾: حرف عطف معادل لهمزة الاستفهام ﴿بِهِ﴾: خبر مقدم. ﴿جِنَّةٌ﴾: مبتدأ مؤخر؛ أي: جنون، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿أَفْتَرَى﴾. ﴿بَلِ﴾: حرف ابتداء واضراب إبطالي. ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ. ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾: فعل وفاعل، صلة الموصول. ﴿بِالْآخِرَةِ﴾: متعلق بـ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿فِي الْعَذَابِ﴾: خبر المبتدأ ﴿وَالضَّلَالِ﴾: عطف على ﴿الْعَذَابِ﴾. ﴿الْبَعِيدِ﴾: صفة لـ ﴿الضلال﴾، والجمة الاسمية مستأنفة.

стр. 10448

﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩)﴾. ﴿أَفَلَمْ﴾: ﴿الهمزة﴾ للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف يقتضيه المقام، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أعموا فلم يروا؟ أو: الهمزة مقدمة على حرف العطف، والأصل: فألم يروا، والجملة المحذوفة مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿لم﴾: حرف جزم ونفي. ﴿يَرَوْا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لم﴾ ﴿إِلَى مَا﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿يَرَوْا﴾. ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: ظرف ومضاف إليه، صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة. ﴿وَمَا﴾: معطوف على ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾. ﴿خَلْفَهُمْ﴾: صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة. ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: حال من ﴿مَا﴾ الموصولة. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاءِ﴾. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط. ﴿نَشَأْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿إِن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿نَخْسِفْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿إِن﴾ الشرطية على كونه جوابًا لها، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿بِهِمُ﴾: متعلق بـ ﴿نَخْسِفْ﴾. ﴿الْأَرْضِ﴾: مفعول به، وجملة ﴿إِن﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿أَوْ نُسْقِطْ﴾: فعل وفاعل مستتر، معطوف على ﴿نَخْسِفْ﴾. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿نُسْقِطْ﴾. ﴿كِسَفًا﴾: مفعول به. ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: صفة لـ ﴿كِسَفًا﴾. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد. ﴿فِي ذَلِكَ﴾: خبر مقدم لـ ﴿إِنَّ﴾. ﴿لَآيَةً﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء. ﴿آيَةً﴾: اسم ﴿إنَّ﴾ مؤخر. ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿آية﴾. ﴿مُنِيبٍ﴾: صفة لـ ﴿عَبْدٍ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قلبها. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠)﴾. ﴿وَلَقَدْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿لَقَدْ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿آتَيْنَا دَاوُودَ﴾ فعل وفاعل ومفعول أول. ﴿مِنَّا﴾: حال من ﴿فَضْلًا﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها. ﴿فَضْلًا﴾: مفعول ثانٍ لـ ﴿آتَيْنَا﴾، والجملة الفعلية جواب لقسم محذوف، وجله القسم المحذوف مستأنفة. ﴿يَا جِبَالُ﴾: منادى نكرة مقصودة في محل النصب مبني على الضم، وجملة النداء مقول لقول محذوف، تقديره: وقلنا يا جبال. ﴿أَوِّبِي﴾: فعل أمر مبني على حذف النون، والياء: فاعل. ﴿مَعَهُ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿أَوِّبِي﴾، والجملة الفعلية مقول لذلك القول المحذوف على

стр. 10449

كونها جواب النداء. ﴿وَالطَّيْرَ﴾: بالنصب معطوف على محل ﴿يَا جِبَالُ﴾، وقرىء بالرفع عطفًا على لفظه ﴿وَأَلَنَّا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿آتَيْنَا﴾. ﴿لَهُ﴾: متعلق بـ ﴿أَلَنَّا﴾. ﴿الْحَدِيدَ﴾: مفعول به لـ ﴿أَلَنَّا﴾. ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١)﴾. ﴿أَنِ﴾: حرف مصدر ونصب ﴿اعْمَلْ﴾: فعل أمر في محل النصب بـ ﴿أَنِ﴾ المصدرية مبني على السكون، وفاعله ضمير مستتر يعود على ﴿دَاوُودَ﴾. ﴿سَابِغَاتٍ﴾: صفة لمفعول محذوف، تقديره: دروعًا سابغات، والجملة الفعلية من ﴿أَنِ﴾ المصدرية في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، متعلق بفعل محذوف، تقديره: وأمرنا بعمل دروع سابغات، والجملة المحذوفة معطوفة على ﴿أَلَنَّا لَهُ﴾. ﴿وَقَدِّرْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر معطوف على ﴿اعْمَلْ﴾. ﴿فِي السَّرْدِ﴾: متعلق بـ ﴿قدر﴾. ﴿وَاعْمَلُوا﴾: فعل أمر وفاعل، مبني على حذف النون، والجملة مقول القول محذوف، تقديره: وقلنا له واعملوا، والقول المحذوف معطوف على أمرنا المحذوف. ﴿صَالِحًا﴾: مفعول به، أو صفة لمصدر محذوف؛ أي: عملًا صالحًا. ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه. ﴿بِمَا﴾: متعلق بـ ﴿بَصِيرٌ﴾، وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: بما تعملونه ﴿بَصِيرٌ﴾: خبر ﴿إِن﴾، وجملة ﴿إِن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾. ﴿وَلِسُلَيْمَانَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، أو استئنافية. ﴿لِسُلَيْمَانَ﴾: متعلق بمحذوف، تقديره: وسخرنا لسليمان. ﴿الرِّيحَ﴾: بالنصب مفعول به لذلك الفعل المحذوف، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ﴾، أو مستأنفة، وبالرفع: مبتدأ مؤخر، ولسليمان: خبر مقدم؛ أي: والريح مسخرة لسليمان، والجملة مستأنفة. ﴿غُدُوُّهَا﴾: مبتدأ. ﴿شَهْرٌ﴾: خبر، والجملة الاسمية في محل النصب حال من ﴿الرِّيحَ﴾، أو مستأنفة، وجملة ﴿وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ معطوفة على جملة ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ﴾. ﴿وَأَسَلْنَا﴾: فعل وفاعل، معطوف على سخرنا المقدَّر. ﴿لَهُ﴾: متعلق بـ ﴿أَسَلْنَا﴾ ﴿عَيْنَ الْقِطْرِ﴾: مفعول به. ﴿وَمِنَ الْجِنِّ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة لفعل محذوف معطوف على سخرنا

стр. 10450

المقدَّر سابقًا. ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾: متعلق بالفعل المحذوف: ﴿من﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به لـ ﴿سخرنا﴾ المقدر، والتقدير: وسخرنا له من الجن من يعمل، أو: ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾ خبر مقدر، و ﴿من﴾ الموصولة مبتدأ مؤخر. ﴿يَعْمَلُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر صلة ﴿مَن﴾ الموصولة. ﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿يَعْمَلُ﴾. ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه حال من فاعل ﴿يَعْمَلُ﴾؛ أي: حالة كونه متلبسًا بأمر ربه. ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾. ﴿وَمَنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿مَنْ﴾: اسم شرط جازم في حل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما. ﴿يَزِغْ﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر مجزوم بـ ﴿مَن﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿مِنْهُمْ﴾ حال من فاعل ﴿يَزِغْ﴾. ﴿عَنْ أَمْرِنَا﴾: متعلق بـ ﴿يَزِغْ﴾. ﴿نُذِقْهُ﴾ فعل ومفعول، مجزوم بـ ﴿مَن﴾ على كونه جواب الشرط، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿مِنْ عَذَابِ السَّعِير﴾ متعلق بـ ﴿نُذِقْهُ﴾، وجملة ﴿مِنْ﴾ الشرطية معطوفة على جملة سخرنا المقدر. ﴿يَعْمَلُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة مفصلة لما قبلها ﴿لَهُ﴾ متعلق به. ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به، وجملة ﴿يَشَاءُ﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: ما يشاؤه سليمان. ﴿مِنْ مَحَارِيبَ﴾ حال من مفعول ﴿يَشَاءُ﴾ المحذوف. ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾: معطوف على ﴿مَحَارِيبَ﴾، وهما غير منصرفين لصيغة منتهى الجموع. ﴿وَجِفَانٍ﴾: معطوف على ﴿مَحَارِيبَ﴾. ﴿كَالْجَوَابِ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿جفان﴾، وهو مجرور بكسرة مقدرة على الياء المحذوفة تبعًا لرسم المصحف العثماني منع من ظهورها الثقل؛ لأنه اسم منقوص. ﴿وَقُدُورٍ﴾ معطوف على ﴿مَحَارِيبَ﴾. ﴿رَاسِيَاتٍ﴾: صفة ﴿قدور﴾. ﴿وَاعْمَلُوا﴾: الواو: استئنافية. ﴿اعْمَلُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مقول لقول محذوف، تقديره: وقلنا له: اعملوا يا آل داود شكرًا. ﴿آلَ دَاوُودَ﴾: منادى مضاف حذفه منه حرف النداء، وجملة النداء معترضة بين الفعل ومعموله ﴿شُكْرًا﴾: مفعول لأجله؛ أي: اعملوا صالحًا لأجل شكر الله، أو منصوب على المصدرية؛ أي: عمل شكر، فكأنه قال: اشكروا شكرًا، أو على الحال؛ أي:

стр. 10451

شاكرين الله. ﴿وَقَلِيلٌ﴾: ﴿الواو﴾: حالية. ﴿قليل﴾: خبر مقدم. ﴿مِنْ عِبَادِيَ﴾: صفة لـ ﴿قليل﴾، أو حال من الضمير المستكن في ﴿قليل﴾. ﴿الشَّكُورُ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿اعْمَلُوا﴾، أو مستأنفة. ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (١٤)﴾. ﴿فَلَمَّا﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية. ﴿لَمَّا﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿قَضَيْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لَمَّا﴾. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿قَضَيْنَا﴾. ﴿الْمَوْتَ﴾: مفعول به. ﴿مَا﴾: نافية، ﴿دَلَّهُمْ﴾: فعل ماضٍ، ومفعول به. ﴿عَلَى مَوْتِهِ﴾: متعلقان به. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾: فاعل، والجملة الفعلية جواب شرط لـ ﴿لَمَّا﴾، وجملة ﴿لَمَّا﴾ مستأنفة. ﴿تَأْكُلُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على ﴿دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ﴿دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾. ﴿مِنْسَأَتَهُ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿فَلَمَّا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿لَمَّا﴾: حرف شرط. ﴿خَرَّ﴾: فعل ماضٍ، وفاعل مستتر يعود على سليمان، والجملة فعل شرط لـ ﴿لَمَّا﴾. ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿لَمَّا﴾، وجملة ﴿لَمَّا﴾ معطوفة على جملة ﴿لَمَّا﴾ الأولى. ﴿أَن﴾: مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن. ﴿لَوْ﴾: حرف شرط. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب خبر كان، وجملة كان فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿لَبِثُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿فِي الْعَذَابِ﴾: متعلق به. ﴿الْمُهِينِ﴾: صفة لـ ﴿الْعَذَابِ﴾، والجملة الفعلية جواب ﴿لَّوْ﴾ الشرطية، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية في محل الرفع خبر ﴿أَن﴾ المخففة، وجملة ﴿أَن﴾ المخففة في محل النصب مفعول ﴿تبين﴾، والتقدير: علمت الجن عدم لبثهم في العذاب المهين، لو كان عندهم علم الغيب. التصريف ومفردات اللغة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ الحمد: هو الثناء على الله بما هو أهله. ﴿الْحَكِيمُ﴾: هو الذي أحكم أمر الدارين، ودبره بحسب ما تقتضيه الحكمة. ﴿الْخَبِيرُ﴾ هو الذي يعلم

стр. 10452

بواطن الأمور وخوافيها. ﴿يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: يدخل فيها من الولوج، وهو الدخول في مضيق. ﴿وَمَا يَعْرُجُ﴾؛ أي: يصعد. ﴿وَمَا يَعْزُبُ﴾؛ أي: يبعد. وفي "المصباح": عزب الشي: من بابي: قتل وضرب: إذا غاب وخفي، ومعنى ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾: أي: لا يبعد عن علمه، والعازب: المتباعد في طلب الكلأ وعن أهله. ﴿مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ والمثقال: ما يوزن به، وهو من الثقل، وذلك اسم لكل صنج، كما في "المفردات". والذرة: النملة الصغيرة الحميراء، وما يرى في شعاع الشمس من ذرات الهواء؛ أي: وزن أصغر نملة، أو مقدار الهباء. ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾؛ أي: رزق حسن لا تعب فيه، ولا منَّ عليه. ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا﴾: وفي "المفردات" السعي: المشي السريع، وهو دون العدو، ويستعمل للجد في الأمر، خيرًا كان أو شرًا. ﴿مُعَاجِزِينَ﴾؛ أي: ظانين ومقدرين أنهم يعجزوننا؛ لأنهم حسبوا أن لا بعث ولا نشور، يقال: أعجزت فلانًا، وعاجزته: جعلته عاجزًا. ﴿مِنْ رِجْزٍ﴾ الرجز بمعنى: القذر والشرك والأوثان، كما في قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ سماها رجزًا؛ لأنها تؤدي إلى العذاب، وكذا سمي كيد الشيطان رجزًا في قوله: ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ لأنه سبب العذاب، وفي "المفردات": أصل الرجز: الاضطراب، وهو في الآية كالزلزلة، كما مرَّ، والرجز - بكسر الراء وضمها -: العذاب، أو سيئه، والإثم والذنب والقذر. ﴿كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ الممزق مصدر ميمي بمعنى: التمزيق، وقياس كل ما زاد على الثلاث أن يجيء مصدره وزمانه ومكانه على زنة اسم مفعوله، ويجوز أن يكون ظرف مكان، قاله الزمخشري؛ أي: كل مكان تمزيق من القبور وبطون الوحش والطير. اهـ "خطيب". وأصل التمزيق: التفريق، يقال: مزَّق ثيابه؛ أي: فرقها، والمعنى: تنشئون خلقًا جديدًا بعد أن تمزقت وتفرقت أجسادكم كل تمزيق وتفريق، بحيث تصير ترابًا. اهـ "بيضاوي". و ﴿جَدِيدٍ﴾ فعيل بمعنى: فاعل عند البصريين، يقال: جَدَّ الشيء فهو جاد وجديد: كقل فهو قليل، وبمعنى: مفعول عند الكوفيين، يقال: جدَّ النساج الثوب:

стр. 10453

إذا قطعه فهو جديد؛ أي: مقطوع. قال في "المفردات": يقال: جددت الثوب: إذا قطعته على وجه الإصلاح، وثوب جديد أصله المقطوع، ثم جعل لكل ما أحدث إنشاؤه، والخلق الجديد: إشارة إلى النشأة الثانية، والجديدان: الليل والنهار. ﴿أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾؛ أي: جنون. ﴿نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ يقال: خسف به الأرض غاب به فيها، فالباء للتعدية ﴿أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا﴾ الكسف، كالقطع وزنًا ومعنى، جمع: كسفة، كقطعة. قال في "المفردات": ومعني الكفة: القطعة من السحاب والقطن ونحو ذلك من الأجسام المتخلخلة، ومعنى إسقاط الكسف، من السماء: إسقاط قطع من النار، كما وقع لأصحاب الأيكة. ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ قال في "المفردات": النوب: رجوع الشيء مرة بعد أخرى، والإنابة إلى الله: الرجوع إليه بالتوبة، وإخلاص العمل له. ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ فعل أمر من التأويب على قراءة العامة بفتح الهمزة وتشديد الواو، وهو الترجيح، وقيل: التسبيح بلغة الحبشة، والتضعيف يحتمل أن يكون للتكثير، واختار بعضهم أن يكون للتعدي، قال: لأنَّهم فسروه برجعي معه التسبيح، ولا دليل فيه؛ لأنه تفسير معنى، أو أمر من الأوب على قراءة الحسن وابن عباس وقتادة وابن أبي إسحاق: ﴿أَوِّبِي﴾ بضم الهمزة وسكون الواو أمر من آب يؤوب؛ أي: ارجعي معه بالتسبيح. اهـ "سمين". ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾؛ أي: جعلنا الحديد لينًا له في نفسه، كالشمع والعجين من الإلانة، أصله: من اللين ضد الخشونة. ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾؛ أي: دروعًا واسعات طويلات. قال في "القاموس": سبغ الشيء سبوغًا: إذا طال إلى الأرض، وسبغت النعمة: إذا اتسعت، ودروع سابغة: تامة طويلة. انتهى. ومنه استعير إسباغ الضوء، أو إسباغ النعمة، كما في "المفردات". ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ والسرد في الأصل: خرز ما يخشن ويغلظ كخرز الجلد، ثم استعير لنظم الحديد ونسج الدروع، كما في "المفردات"، والمعنى: أي: اجعل النسج على قدر الحاجة. ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ﴾ قال الراغب: الشهر: مدة معروفة مشهورة بإهلال الهلال، أو

стр. 10454

باعتبار جزء من اثني عشر جزءًا من دوران الشمس من نقطة إلى تلك النقطة، والمشاهرة: المعاملة بالشهر، كما أن المسانهة والمياومة بالسنة واليوم. ﴿عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ والقطر - بكسر العين -: النحاس المذاب. ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا﴾؛ أي: ومن يعدل عن طاعة سليمان. و ﴿مَحَارِيبَ﴾: جمع محراب، وهو في اللغة: كل موضع مرتفع، وقيل للذي يصلَّى فيه محراب؛ لأنه يجب أن يرفع ويعظَّم. وفي "البيضاوي": من محاريب؛ أي أبنية مرتفعة، سميت بالمحاريب؛ لأنها يذب عنها ويحارب عليها. اهـ. وكتب عليها الشهاب قوله: أبنية مرتفعة، هذا أصل معنى المحراب، وسمي باسم صاحبه؛ لأنه يحارب غيره في حمايته، ثم نقل إلى الطاق التي يقف بحذائها الإِمام، وهي مما أحدث في المساجد. وقيل للذي يصلَّى فيه محراب؛ لأنه يجب أن يرفع ويعظم. قال في "القاموس": المحراب: الغرفة، وصدر البيت، وأكرم مواضعه، ومقام الإِمام من المسجد، والموضع ينفرد به الملك فيتباعد من الناس. انتهى. ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾ جمع تمثال، وهو الصورة المصورة، أو هو ما تصنعه وتصوره مشبهًا بخلق الله من ذوات الروح. روي أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه، ونسرين فوقه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما، وإذا قعد أظلَّه النسرأن بأجنحتهما، كما مرَّ. ﴿وَجِفَانٍ﴾ جمع: جفنة، وهي القصعة الكبير، فإن أعظم القصاع الجفنة، ثم القصعة تليها تشبع العشرة، ثم الصحفة تشبع الخمسة، ثم الميكلة تشبع الرجلين والثلاثة، ثم الصحفة تشبع الرجل، فتفسير الجفان بالصحاف كما فعله البعض منظور فيه. والجفنة خصت بوعاء الأطعمة، كما في "المفردات". ﴿كَالْجَوَابِ﴾؛ أي: كالحياض الكبار، أصله: الجوابي بالياء، كالجواري جمع جابية من الجباية؛ لاجتماع الماء فيها، وهي من الصفات الغالبة كالدابة. قال الراغب: يقال: جبيت الماء في الحوض: جمعته، والحوض الجامع له: جابية، ومنه استعير جبيت الخراج جباية. ﴿وَقُدُورٍ﴾ جمع: قدر بكسر القاف، وهو إناء يطبخ فيه اللحم ونحوه، كما في "المفردات".

стр. 10455

﴿رَاسِيَاتٍ﴾ جمع: راسية، من رسا الشيء يرسو: إذا ثبت، ولذلك سميت الجبال الرواسي. ﴿الشَّكُورُ﴾: الباذل وسعه في الشكر، قد شغل قلبه ولسانه وجوارحه به اعترافًا واعتقادًا وعملًا. ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾: القضاء الحكم, والفصل والموت: زوال القوة الحساسة. ﴿مِنْسَأَتَهُ﴾ المنساة: مفعلة اسم آلة، وهي العصا؛ لأنه ينسأ بها؛ أي: يطرد ويؤخر كالمكنسة والمكسحة والمقصعة. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: تعريف طرفي الجملة في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ لإفادة الحصر، ومعناه: لا يستحق الحمد الكامل إلا الله، أو لإفادة الاختصاص، ومعناه: جميع أفراد المدح والثناء والشكر من كل حامد مختص به سبحانه، لا شركة لأحد فيه؛ لأنه الخالق المالك، كما يدل عليه ما بعده. ومنها: تقديم الخبر على المبتدأ لإفادة الحصر في قوله: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾، وفيه أيضًا إطلاق المحمود عليه ليعم النعم الأخروية كلها. اهـ "روح". ومنها: الطباق بين ﴿يَلِجُ﴾، و ﴿يَخْرُجُ﴾، وبين: ﴿يَنْزِلُ﴾، و ﴿يَعْرُجُ﴾، وبين: ﴿أَصْغَرُ﴾، و ﴿أَكْبَرُ﴾. ومنها: إفادة المبالغة بصيغتي فعيل وفعول في قوله: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾، ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾. ومنها: المقابلة بين ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ...﴾ الآية، وبين ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ فقد جعل المغفرة والرزق الكريم جزاء المحسنين، وجعل العذاب والرجز الأليم جزاء المجرمين. ومنها: الاستفهام في قوله: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ﴾ للاستهزاء والسخرية؛ لأن غرضهم بهذا الكلام الاستهزاء بالرسول والسخرية به.

стр. 10456

ومنها: التنكير في قوله: ﴿عَلَى رَجُلٍ﴾ للإبهام والتجهيل، ولم يذكروا اسمه إمعانًا في التجهيل، كأنه إنسان مجهول. ومنها: الإسناد المجازي في قوله: ﴿وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ لما فيه من وصف الشيء بوصف فاعله؛ إذ البعد في الأصل وصف الضال؛ لأنه الذي يتباعد عن المنهاج القويم، وكلما ازداد بعدًا منه كان أضلَّ. ومنها: تقديم العذاب على ما يوجبه ويؤدي إليه، وهو الضلال للمسارعة إلى بيان ما يسوؤهم. ومنها: جعل العذاب والضلال محيطين بهم إحاطة الظرف بالمظروف؛ لأن أسباب العذاب معهم، فكأنهم في وسط. ومنها: وضع الموصول موضع ضميرهم في قوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ﴾ للتنبيه على أنَّ علة ما اجترؤوا عليه كفرهم بالآخرة، وما فيها من فنون العقاب، ولولاه لما فعلوا ذلك خوفًا من غائلته اهـ "روح". ومنها: التنكير في قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ لغرض التفخيم؛ أي: فضلًا عظيمًا. ومنها: تأكيد فخامته الذاتية بفخامته الإضافية في قوله: ﴿مِنَّا﴾ لما فيه من نسبة الفضل إلى الله سبحانه. ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ﴾؛ أي: مسيرة شهر. ومنها: نداء غير العاقل في قوله: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ تنزيلًا له منزلة العاقل. ومنها: حذف الموصوف، وإقامة صفته مقامه تفخيمًا لشأنه في قوله: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾؛ أي: دروعًا سابغات. ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿أَنِ اعْمَلْ﴾، ﴿وَاعْمَلُوا﴾، ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾؛ لأن السرد في الأصل: خرز ما يخشن ويغلظ الخرز الجلد، ثم استعير لنظم الحديد، ونسج

стр. 10457

الدروع، كما في "المفردات". ومنها: الطباق بين ﴿غُدُوُّهَا وَرَوَاحُهَا﴾. ومنها: التفصيل بعد الإجمال في قوله: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ﴾ فإنه تفصيل لقوله: ﴿مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. ومنها: التشبيه في قوله: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾، ويسمى: التشبيه المرسل المجمل؛ لذكر أداة التشبيه، وحذف وجه الشبه. ومنها: تقديم المعمول على عامله لرعاية الفواصل في قوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، وقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾. ومنها: الإتيان بصيغة فعول في قوله: ﴿مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ لإفادة المبالغة. ومنها: التهكم في قوله: ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾. ومنها: جمع المؤكدات في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ فإنه جمع التأكيد بأن، وباسمية الجملة، وباللام. ومنها: إضافة العام إلى الخاص في قوله: ﴿دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ إن قلنا: إن الأرض بفتح الراء جمع: أرضة؛ لأن الدابة أعم من الأرضة وغيرها من الدواب، كما في "الفتوحات". ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 10458

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧) وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (١٨) فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩) وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٢١) قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣) قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦) قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٩) قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠)﴾ المناسبة قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (١): أن الله لما ذكر حال الشاكرين لنعمه، المنيبين إليه بذكر داود وسليمان .. أعقب ذلك بذكر ما حل بالكافرين بأنعمه، المعرضين عن ذكره وشكره، من عظيم العقاب بذكر قصة سبأ موعظةً لقريش، وتحذيرًا لمن يكفر

стр. 10459

بالنعم، ويعرض عن المنعم. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (١): أن الله سبحانه لما حكى ما أوتوا من النعم في مساكنهم، ثم كفرانهم بها، وما جوزوا به من الخراب والدمار .. قص علينا ما أعطوه من النعم في مسايرهم ومتاجرهم، ثم جحودهم بها، ثم ما حاق بهم بسبب ذلك. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر (٢) قصص سبأ، وما كان من أمرهم من اتباع الهوى والشيطان .. أردف ذلك الإخبار بأنهم صدقوا ظن إبليس فيهم، وفي أمثالهم ممن ركنوا إلى الغواية والضلال؛ إذ تسلط عليهم, وانقادوا إلى وسوسته، وبذا امتازوا من فريق المؤمنين الذين لا سلطان للشيطان عليهم، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾. قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر ما آتاه الشاكرين من أوليائه كداود وسليمان من النعم التي لا حصر لها، وما فعله بسبأ حين بطروا النعمة، وكذبوا الرسل .. أعقب ذلك بأمر رسوله ﷺ أن يقول للمشركين من قوم تهكمًا بهم وتعجبًا من حالهم: ادعوا آلهتكم الذين زعمتموهم شركاء لله، فسلوهم أن يفعلوا بكم بعض أفعالنا بمن وصفنا أمرهم من إنعام أو انتقام، فإن لم يستطيعوا ذلك .. فاعلموا أنهم مبطلون. ثم ذكر أن شأن المعبود أن يكون نافعًا للعباد، يخشى بطشه وسطوته، وهؤلاء ليس لهم شيء من ذلك؛ إذ لا تصرف لهم في شيء في السموات والأرض، لا استقلالًا، ولا شركةً، ولا هم معينون للخالق، ولا تنفع شفاعتهم لديه، فكيف تتقربون إليهم وتعبدونهم رجاء نفعهم بعد الذي علمتم من أمرهم؟! قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه بعد أن سلب عن شركائهم ملك شيء من الأكوان، وأثبت أن ذلك له وحده .. أمر نبيه أن يجعلهم يقرون بتفرده بالخلق

стр. 10460

والرزق، وانفراده بالإلهية، وأن يخبر بأن أحد الفريقين الموحدين للرازق، والمشركين به الجماد مبطل، والآخر محق، وقد قام الدليل على التوحيد، فدل على بطلان ما أنتم عليه من الشرك، وأن يقول لهم: لا تؤاخذون بما نعمل، ولا نؤاخذ بما تعملون، وأن يقول لهم: إن ربنا هو الذي يحكم بيننا يوم القيامة، وهو الحكيم العليم بجلائل الأمور ودقائقها، وأن يقول لهم: أعلموني عما ألحقتم به من الشركاء، هل يخلقون، وهل يرزقون؟ كلا، بل الله هو الخالق الرازق الغالب على أمره، الحكيم في كل ما يفعل. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه لما أقام (١) الأدلة على التوحيد، وضرب لذلك الأمثال حتى لم يبق بعدها زيادة مستزيد .. شرع يذكر الرسالة، ويبين أنها عامة للناس جميعًا، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، فيحملهم ذلك على مخالفتك، ثم ذكر سؤال منكري البعث عن الساعة استهزاءً بها، ثم أعقب ذلك بالتهديد والوعيد لما يكون لهم فيها من شديد الأهوال. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ ...﴾ الآيات، سبب نزول هذه الآية: ما (٢) أخرجه ابن أبي حاتم عن علي بن رباح قال: حدثني فلان أن فروة بن مُسَيْك الغُطَيْفِي قدم على رسول الله ﷺ ، فقال: يا نبي الله، إن سبأ قوم كان لهم في الجاهلية عز، وإني أخشى أن يرتدوا عن الإِسلام أفقاتلهم؟ فقال: ما أمرت فيهم بشيء بعد، فأنزلت هذه الآية ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ ...﴾ الآيات. التفسير وأوجه القراءة ١٥ - ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾ بوزن جبل (٣)؛ أي: وعزتي وجلالي لقد كان لقبيلة سبأ، وهم أولاد سبأ بن يشجب - بالجيم - على ما في "القاموس" - بن يعرب بن

стр. 10461

قحطان بن عامر، - وهو هود ﵇ على ما قيل - ابن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح ﵇. وسبأ: لقب عبد شمس بن يشجب، وإنما لقب به؛ لأنه أول من سبي، كما قاله السهيلي، وهو - أي: سبأ - يجمع قبائل اليمن، ويعرب بن قحطان: أول من تكلم العربية، فهو أبو عرب اليمن، يقال لهم: العرب العاربة، ويقال لمن تكلم بلغة إسماعيل: العرب المستعربة، وهي لغة أهل الحجاز، فعربية قحطان كانت قبل إسماعيل ﵇، وهو لا ينافي كون إسماعيل أول من تكلم بالعربية؛ لأنه أول من تكلم بالعربية البينة المحضة، وهي عربية قريش التي نزل بها القرآن، وكذا لا ينافي ما قيل: إن أول من تكلم بالعربية آدم في الجنة، فلما أهبط إلى الأرض تكلم بالسريانية، وجاء: من أحسن أن يتكلم بالعربية، فلا يتكلم بالفارسية. واشتهر على ألسنة الناس أنه ﷺ قال: "أن أفصح من نطق بالضاد". قال جمع من العلماء: لا أصل له، ومعناه صحيح؛ لأن المعنى: أنا أفصح العرب؛ لكونهم هم الذين ينطقون بالضاد، ولا توجد في غير لغتهم، كما في "إنسان العيون" لعلي بن برهان الدين الحلبي. وعن (١) فروة بن مسيك المرادي قال: لما أنزل في سبأ ما أنزل .. قال رجل: يا رسول الله، وما سبأ، أأرض أم امرأة؟ قال: "ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل ولد عشرة من العرب، فتيامن منهم ستة، وتشاءم منهم أربعة، فأما الذين تشاءموا: فلخم وجذام وغسان وعاملة، وأما الذين تيامنوا: فالأزد والأشعريون وحمير وكندة ومذحج وأنمار". فقال رجل: يا رسول الله، وما أنمار؟ قال: "الذين منهم خثعم وبجيلة". أخرجه الترمذي مع زيادة، وقال: حديث حسن غريب. وقرأ الجمهور (٢): ﴿لِسَبَإٍ﴾ بالجر والتنوين على أنه اسم حي؛ أي: الحي الذين هم أولاد سبأ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿لسبأ﴾ ممنوع الصرف بتأويل القبيلة، واختار هذه القراءة أبو عبيد، ويقوِّي القراءة الأولى قوله: ﴿في مساكنهم﴾، ولو كان على تأويل القبيلة لقال: في مساكنها، فمما ورد على القراءة الأولى قول الشاعر:

стр. 10462

الْوَارِدُونَ وَتَيْمٌ فِي ذُرَى سَبَأٍ ... قَدْ عَضَّ أَعْنَاقَهَا جِلْدُ الْجَوَامِيْسِ ومما ورد على القراءة الثانية قول الشاعر: مِنْ سَبَأَ الْحَاضِرِيْنَ مَآرِبُ إِذْ ... يَبْنُونَ مِنْ دُوْنِ مَسِيْلِهِ الْعَرِمَا وقرأ قنبل وأبو حيوة والجحدري ﴿لسبأ﴾ بإسكان الهمزة، وقرىء بقلبها ألفًا. ﴿فِي مَسْكَنِهِمْ﴾؛ أي: في (١) بلدهم الذي كانوا فيه باليمن، وهو مأرب كمنزل على ما في "القاموس"، بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث ليال، وهي المرادة بسبأ بلدة بلقيس في سورة النمل. قال السهيلي: مأرب: اسم ملك كان يملكهم، كما أنَّ كسرى: اسم لكل من ملك الفرس، وخاقان: اسم لكل من ملك الصين، وقيصر: اسم لكل من ملك الروم، وفرعون: لكل من ملك مصر، وتبج لكل من ملك الشعر واليمن وحضرموت، والنجاشي: لكل من ملك الحبشة. وقيل: مأرب: اسم قصر كان لهم، ذكره المسعودي. قال في "إنسان العيون": ويعرب قحطان، قيل له: أيمن؛ لأن هودًا ﵇ قال له: أنت أيمن ولدي، وسمي اليمن يمنًا بنزوله فيه. وقرأ الجمهور: ﴿في مساكنهم﴾ على الجمع، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم. ووجه الاختيار: أنها كانت لهم منازل كثيرة، ومساكن متعددة. وقرأ حمزة وحفص بالإفراد مع فتح الكاف، وقرأ الكسائي: بالإفراد مع كسرها، وبهذه القراءة قرأ يحيى بن وثاب والأعمش، ووجه الإفراد: أنه مصدر يشمل القليل والكثير، أو اسم مكان وأريد به معنى الجمع، وهذه المساكن التي كانت لهم هي التي يقال لها الآن: مأرب. ﴿آيَةٌ﴾؛ أي: علامة ظاهرة دالة بملاحظة الأحوال السابقة واللاحقة لتلك القبيلة من الإعطاء والترفية بمقتضى اللطف، ثم من المنع والتخريب بموجب القهر؛ أي: علامة دالة على وجود الصانع المختار، وقدرته على كل ما يشاء من الأمور البديعة، ومجازاته للمحسن والمسيء، وما يعقلها إلا العالمون، وما يعتبرها إلا العاقلون.

стр. 10463

﴿جَنَّتَانِ﴾ بدل من آية، والمراد بهما: جماعتان من البساتين، لا بستانان اثنان فقط. وقرأ ابن أبي عبلة (١): ﴿جنتين﴾ بالنصب على أن ﴿آية﴾ اسم كان، و ﴿جنتين﴾ الخبر، ووجه كون الجنتين آية: نبات الخمط والأثل والسدر مكان الأشجار المثمرة. وفي "القرطبي": آية (٢) دالة عللى قدرة الله تعالى، وعلى أن لهم خالقًا خلقهم، وأن كل الخلائق لو اجتمعوا على أن يخرجوا من الخشبة ثمرة لم يمكنهم ذلك، ولم يهتدوا إلى اختلاف أجناس اللثمار وألوانها وطعومها وروائحها وأزهارها، وفي ذلك ما يدل على أنها لا تكون إلا من عالم قادر. اهـ. وقد سبق قريبًا أن قوله: ﴿جَنَّتَانِ﴾ بالرفع بدل من ﴿آيَةٌ﴾ التي هي اسم كان بدل مثنى من مفرد؛ لأن هذا المفرد يصدق علم المثنى؛ لأنهما لما تماثلتا في الدلالة، واتحدت جهتها فيهما .. صح جعلهما آيةً واحدة، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ واعتمد أبو حيان كون ﴿جَنَّتَانِ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هي جنتان؛ أي: بستانان. اهـ "كرخي". أي: جماعتان من البساتين. جماعة ﴿عَنْ يَمِينٍ﴾؛ أي: عن يمين بلدتهم ووالديهم؛ لأن بلدتهم كانت في الوادي ﴿و﴾ جماعة عن ﴿الْأَرْضِ﴾؛ أي: شمال واديهم، كل واحدة من تينك الجماعتين في تقاربها وتضامنها كأنها جنة واحدة. اهـ "أبو السعود". وفي "القرطبي": قال القشيري: ولم يرد جنتين اثنتين، بل أراد من الجهتين يمنة ويسرة في كل جهة بساتين كثيرة؛ أي: كانت بلادهم ذات بساتين وأشجار وثمار تستر الناس بظلالها. اهـ. أو المعنى (٣): بستانان، لكل رجل منهم عن يمين مسكنه وعن شماله، وفي "الشوكاني": وهاتان الجنتان كانتا عن يمين واديهم وشماله، قد أحاطتا به من جهتيه، وكانت مساكنهم في الوادي، والآية: هي الجنتان، كانت المرأة تمشي فيهما، وعلى رأسها المكتل، فيمتلىء من أنواع الفواكه التي تتساقط من غير أن تمسها بيدها. وقال عبد الرحمن بن زيد: إن الآية التي كانت لأهل سبأ في مساكنهم: أنهم لم يروا فيها بعوضة ولا ذبابًا ولا برغوثًا ولا قملةً ولا عقربًا ولا حيةً، ولا غير ذلك من الهوام، وإذا جاءهم الركب في ثيابهم القمل .. ماتت عند

стр. 10464

رؤيتهم لبيوتهم. وقوله: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ مقول لقول محذوف؛ أي: قيل لهم على لسان نبينهم، أو على لسان الملائكة، أو بلسان الحال، ولم يكن ثَمَّ أمر، ولكن المراد: تمكينهم من تلك النعم. ويقال: كان سبأ ثلاث عشرة قرية، فبعث الله إليهم ثلاثة عشر نبيا، فقال لهم الأنبياء: كلوا من رزق ربكم؛ أي: مما رزقكم الله سبحانه من أنواع ثمار الجنتين ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ سبحانه على ما رزقكم منها باللسان والجنان والأركان، واعملوا بطاعته، واجتنبوا معاصيه. وجملة قوله: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُور﴾ مستأنفة مسوقة لبيان ما يوجب الشكر المأمور به؛ أي: بلدتكم (١) هذه بلدة طيبة؛ لكثرة أشجارها وثمارها، وقيل: معنى كونها طيبة: أنها لم تكن سبخة، بل لينة؛ حيث أخرجت الثمار الطيبة. وقيل: إنها طيبة الهواء والماء، كما قال الكاشفي. وفي "فتح الرحمن": وطيبتها: أنها لم يكن بها بعوض ولا ذباب ولا برغوث ولا عقرب ولا حية، ولا غيرها من المؤذيات، وكان يمر بها الغريب وفي ثيابه القمل، فتموت كلها لطيب هوائها، ومن ثمة لم يكن بها آفات وأمراض أيضًا. وعن ابن عباس ﵄: كانت أطيب البلاد هواء وأخصبها. ﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾؛ أي: وربكم الذي رزقكم ما فيها من الطيبات، وطلب منكم الشكر رب غفور لفرطات من يشكره وذنوبهم. قال مقاتل: المعنى: وربكم إن شكرتم فيما رزقكم رب غفور للذنوب، وقيل: إنما جمع لهم بين طيب البلدة والمغفرة للإشارة إلى أن الرزق قد يكون فيه حرام. وقرأ رويس بنصب الأربعة (٢). قال أحمد بن يحيى: التقدير: اسكنوا بلدة طيبة، واعبدوا ربًا. غفورًا، وقال الزمخشري: منصوب على المدح. ومعنى الآية: أي وعزتي وجلالي، لقد كان أهل هذا الحي من ملوك اليمن في نعمة عظيمة، وسعة في الرزق، وكانت لهم حدائق غناء، وبساتين فيحاء عن يمين الوادي وشماله، وقد أرسل الله سبحانه إليهم الرسل تأمرهم أن يأكلوا من رزق

стр. 10465

ربهم، ويشكروه بتوحيده وعبادته كفاء ما أنعم عليهم بهذه المنن، وأحسن إليهم بتلك النعم، فكانوا كذلك إلى حين، ١٦ - ثم أعرضوا عما أمروا به, فعوقبوا بإرسال السيل عليهم، كما ذكره بقوله: ﴿فَأَعْرَضُوا ...﴾ إلخ؛ أي: ولما ذكر الله سبحانه ما كان من جانبه من الإحسان إليهم .. ذكر ما كان من جانبهم في مقابلته فقال: فأعرضوا؛ أي: عما جاء به إليهم أنبياؤهم، وكانوا ثلاثة عشر نبيًا بعدد قراهم, فدعوهم إلى الله تعالى، وذكروهم نعمه، فكذبوهم وقالوا: ما نعرف لله نعمة علينا, فقولوا لربكم فليحبس عنا هذه النعمة إن استطاع. والمعنى: أعرض أولاد سبأ عن الوفاء، وأقبلوا على الجفاء، وكفروا النعمة، وتعرَّضوا للنقمة، وضيعوا الشكر، فبدلوا وبُدِّل لهم الحال. ثم بيَّن كيفية الانتقام منهم فقال: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: فتحنا عليهم، وسلطنا عليهم ﴿سَيْلَ الْعَرِمِ﴾؛ أي: سيل السدّ؛ أي: ماء السيول التي اجتمعت في سدهم الذي سدوه بين الجبلين ليجتمع فيه جميع سيول اليمن, والسيل: الماء الذي يأتيك، ولم يصبك مطره، والعرم: السد الذي يحبس الماء ليعلوا على الأرض المرتفعة، قاله السدي. والمعنى: أرسلنا عليهم سيل السد. وقال عطاء: العرم: اسم الوادي. وقال الزجاج: العرم: اسم الجرذ الذي نقب السد عليهم، وهو الذي يقال له: الخلد, فنسب إليه السيل لكونه سبب جريانه؛ لأن الله تعالى أرسل جرذانًا برية كان لها أنياب من حديد, لا يقرب منها هرة إلا قتلتها، فنقبت عليهم ذلك السدَّ، فغرقت جنانهم ومساكنهم، ويقال لذلك الجرذ: الخلد بالضم، لإقامته عند جحره، وهو الفأر الأعمى الذي لا يدرك إلا بالسمع. وقرأ عروة بن الورد: ﴿العرم﴾ بإسكان الراء مخفف العرم, كقولهم في الكَبِد: الكَبْد، ذكره في "البحر". قال ابن عباس ووهب وغيرهما (١): كان لهم سد بنته بلقيس، وذلك أنهم كانوا يقتتلون على ماء واديهم، فأمرت بواديهم, فسد بالصخر والقار بين الجبلين, وجعلت لهم ثلاث أبواب بعضها فوق بعض، وبنت دونه بركه ضخمة, وجعلت فيها

стр. 10466

اثني عشر مخرجًا على عدة أنهارهم، يفتحونها إذا احتاجوا إلى الماء، وإذا استغنوا عنه سدوها، فإذا جاءهم المطر اجتمع عليهم ماء أودية اليمن، فاحتبس السيل من وراء السد، فأمرت بالباب الأعلى، ففتح فجرى ماؤه إلى البركة، فكانوا يسقون من الباب الأعلى، ثم من الثاني، ثم من الثالث الأسفل، فلا ينفد الماء حتى يثوب الماء من السنة المقبلة، فكانت تقسمه بينهم على ذلك، فبقوا بعدها مدة، فلما طغوا وكفروا سلط الله عليهم جرذًا يسمى الخلد، فنقَّب السد من أسفله، فغرق الماء جنانهم، وأخرب أرضهم. وقال وهب: رأوا فيما يزعمون ويجدون في علمهم أن الذي يخرب سدهم فأرة، فلم يتركوا فرجة بين حجرين إلا ربطوا عندها هرة، فلما جاء زمان ما أراد الله تعالى بهم من التغريق .. أقبلت فيما يذكرون فأرة حمراء كبيرة إلى هرة من تلك الهرار، فساورتها حتى استأخرت الهرة عنها، فدخلت في الفرجة التي كانت عندها، فتغلغلت في السد، وحفرت حتى أوهنت المسيل، وهم لا يعلمون ذلك، فلما جاء السيل وجد خللًا، فدخل منه حتى اقتلع السد، وفاض الماء حتى علا أموالهم فغرقها، ودفن بيوتهم الرمل، فغرقوا ومزقوا كل ممزق حتى صاروا مثلًا عند العرب، يقولون: ذهبوا أيدي سبأ، وتفرقوا أيادي سبأ. وقال السهيلي في كتاب "التعريف والأعلام": كان الذي بني السدَّ سبأ بن يشجب، بناه بالرخام، وساق إليه سبعين واديًا، ومات قبل أن يستتمه، فأتم بعده. انتهى. وقال في "فتح الرحمن": فأرسلنا عليهم السيل الذي لا يطاق، فخرب السد، وملأ ما بين الجبلين، وحمل الجنات وكثيرًا من الناس ممن لم يمكنه الفرار؛ أي: إلى الجبل، وأغرق أموالهم، فتفرقوا في البلاد، فصاروا مثلًا. انتهى. وقيل: الأوس والخزرج منهم. ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ﴾؛ أي: عوضناهم ﴿بِجَنَّتَيْهِمْ﴾؛ أي: عن (١) جنتيهم المذكورتين، وآتيناهم بدلهما. والتبديل: جعل الشيء مكان آخر، والباء تدخل على المتروك على ما هي القاعدة المشهورة. ﴿جَنَّتَيْنِ﴾ ثاني مفعولي ﴿بَدَّلْنَا﴾؛ أي: أعطينا بدل

стр. 10467

الجنتين المذكورتين لهم جنتين أخريين. ﴿ذَوَاتَيْ﴾: صفة لـ ﴿جَنَّتَيْنِ﴾؛ أي: صاحبتي ﴿أُكُلٍ﴾ وثمر ﴿خَمْطٍ﴾؛ أي: مرّ، ويقال في الرفع: ذواتا بالألف، وهي تثنية: ذات, مؤنث: ذي, بمعنى: الصاحب، والأكل - بضم الكاف وسكونه - اسم لما يؤكل والخمط: كل نبت أخذ طعمًا من مرارة حتى لا يمكن أكله. والمعنى: أهلكنا جنتيهم اللتين كانتا مشتملتين على تلك الفواكه الطيبة, والأنواع الحسنة، وأعطيناهم بدلهما جنتين صاحبتين ثمر مرٍّ. وقرأ الجمهور بتنوين (١): ﴿أُكُلٍ﴾ وعدم إضافته إلى ﴿خَمْطٍ﴾. وقرأ أبو عمرو: ﴿أُكُلٍ﴾ ﴿خَمْطٍ﴾ بالإضافة؛ أي: ثمر خمط على أن يكون الخمط كل شجر مر الثمر، أو كل شجر له شوك، أو هو الأراك على ما قاله البخاري. والأكل: ثمره. وقراءة الجمهور أولى من قراءة أبي عمرو, والخمط على قراءتهم نعت لـ ﴿أُكُلٍ﴾، أو بدل منه؛ لأن الأكل هو الخمط بعينه. وقال الأخفش: الإضافة أحسن في كلام العرب، مثل: ثوب خز، ودار آجر. ﴿و﴾ جنتين ذواتي ﴿أَثْلٍ﴾ لا على ﴿خَمْطٍ﴾؛ فإن الأصل هو الطرفاء, أو شجر يشبهه أعظم منه طولًا، ولا ثمر له، الواحدة: أثلة, والجمع أثلاث, وقوله: ﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ معطوف أيضًا على أكل؛ أي: وذواتي شيء قليل من سدر. وقرىء: ﴿أثلًا﴾ و ﴿شيئًا﴾ بالنصب، حكاه الفضل بن إبراهيم عطفًا على ﴿جَنَّتَيْنِ﴾. ذكره أبو حيان. قال البيضاوي (٢): وصف السدر بالقلة لما أن جناه وهو النبق مما يطيب أكله، ولذلك يغرس في البساتين. انتهى. فالسد: شجر النبق على ما في "القاموس". وقال أبو السعود: والصحيح أن السدر صنفان: صنف يؤكل من ثمره, وينتفع بورقه لغسل اليد، وصنف له ثمرة عفصة لا تؤكل أصلًا, وهو البري الذي يقال له: الضال. والمراد هاهنا هو الثاني، فكان شجرهم من خير الشجر, فصيره الله من شر الشجر بسبب أعمالهم القبيحة. انتهى.

стр. 10468

والحاصل: أن الله سبحانه أهلك أشجارهم المثمرة، وأنبتت بدلها غير المثمرة. ومعنى الآية (١): أي فأعرضوا عن طاعة ربهم، وصدوا عن اتباع ما دعتهم إليه الرسل، فأرسل الله عليهم سيلا كثيرًا ملأ الوادي، وكسر السد، وخرَّبه، وذهب بالجنان والبساتين وأهلك الحرث والنسل، ولم يبق منهم إلا شراذم قليلة تفرقت في البلاد، وبدلوا بتلك الجنان والبساتين التي سبق وصفها بساتين ليس فيها إلا بعض أشجار لا يؤبه بها، كالخمط والأثل وقليل من النبق. ١٧ - ثم بيَّن سبب ذلك العقاب بقوله: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ﴾ فالإشارة (٢) بـ ﴿ذَلِكَ﴾ إلى مصدر ﴿جَزَيْنَاهُمْ﴾ فمحله النصب على أنه مصدر مؤكد له؛ أي: ذلك الجزاء الفظيع جزيناهم لا جزاء آخر، أو الإشارة إلى ما ذكر من التبديل، فمحله النصب على أنه مفعول ثان له؛ أي: ذلك التبديل جزيناهم لا غيره ﴿بِمَا كَفَرُوا﴾؛ أي: بسبب كفرانهم النعمة؛ حيث نزعناها منهم، ووضعنا مكانه ضدها، أو بسبب كفرهم بالرسل. وفي هذه الآية: دليل على بعث الأنبياء بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، فإنه روي أن الواقعة المذكورة كانت في الفترة التي بينهما، وما قيل من أنه لم يكن بينهما نبيٌّ يعني به: نبي ذو كتاب، كذا في "بحر العلوم"، فلا يشكل قوله ﵊: "ليس بيني وبينه نبي"؛ أي: رسول مبعوث بشريعة مستقلة، بل كل من بعث كان مقررًا لشريعة عيسى ﵇. والاستفهام في قوله: ﴿وَهَلْ نُجَازِي﴾ إنكاري بمعنى النفي؛ أي: وما نجازي هذا الجزاء الفظيع بسلب النعمة، ونزول النقمة ﴿إِلَّا الْكَفُورَ﴾؛ أي: إلا المبالغ في الكفران، أو في الكفر، وكفر النعمة وكفرانها: سترها بترك أداء شكرها. والكفران في جحود النعمة أكثر استعمالًا والكفر في الدين أكثر، والكفور فيهما جميعًا، وقال مجاهد: إن المؤمن يكفر عنه سيئاته، والكافر يجازي بكل عمل عمله.

стр. 10469

وقرأ الجمهور (١): ﴿يجازى﴾ بضم الياء وفتح الزاي ﴿الكفور﴾ رفعًا. وقرأ حمزة والكسائي: ﴿نُجَازِي﴾ بالنون وكسر الزاي, ﴿الْكَفُورَ﴾ بالنصب. وقرأ مسلم بن جندب: ﴿يجزى﴾ مبنيًا للمفعول، ﴿الْكَفُورَ﴾ رافعًا، وأكثر ما يستعمل الجزاء في الخير، والمجازاة في الشر، لكن في تقييدهما قد يقع كل واحد منهما موقع الآخر. وفي الآية (٢): إشارة إلى أن المؤمن الشاكر يربط بشكره النعم الصورية، والمعنوية من الإيقان والتقوى والصدق والإخلاص والتوكل والأخلاق الحميدة وغير الشاكرين يزيل بكفرانه هذه النعم، فيجد بدلها الفقر والكفر والنفاق والشك والأوصاف الذميمة. ألا ترى إلى حال بلعم، فإنه لم يشكر يومًا على نعمة الإيمان والتوفيق، فوقع فيما وقع، والعياذ بالله تعالى, فلما غرس أهل الكفر في بستان القلب والروح الأشجار الخبيثة .. لم يجدوا إلا الثمار الخبيثة, فما عوملوا إلا بما استوجبوه، وما حصدوا إلا بما زرعوا، وما وقعوا إلا في الحفرة التي حفروا, كما قيل: يداك أوكتا، وفوك نفخ. وهذا مثل مشهور يضرب لمن يتحسر ويتضجر مما يرد عليه منه, يقال: أوكأ على سقائه: إذا سنده بالوكاء، والوكاء: للقربة, وهو الخيط الذي يشد به فوها, وفي الحديث: "فمن وجد خيرًا فليحمد الله - أي: الذي هو ينبوع الرحمة والخير - ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه". فصل في سد مأرب - سد العرم وصف هذا السد مؤرخو العرب في عصور مختلفة (٣) , وأصدق من أجاد وصفه الهمداني في كتابه: "وصف جزيرة العرب" قال: في الجنوب الغربي من مأرب سلسلة جبال هي شعاب من جبل السراة الشهير, تمتد مئات الأميال نحو الشرق الشمالي، وبين هذه الجبال أودية تصب في واد كبير يعبِّر عنه العرب بالميزاب الشرقي، وهو أعظم أودية الشرق, وشعاب هذه المواضع وأوديتها إذا أمطرت السماء تجمعت فيها السيول، وانحدرت حتى تنتهي أخيرًا إلى وادي آذنة,

стр. 10470

وهو يعلو سطح البحر نحو (١١٠٠) متر، وتسير فيه المياه نحو الشرق الشمالي حتى تنتهي إلى مكان قبل مأرب بثلاث ساعات، وهو مضيق بين جبلين، يقال لكل منهما: بلن، أحدهما: بلن الأيمن، وثانيهما: بلن الأيسر، والمسافة بينهما ست مئة ذراع، يجري السيل الأكبر بينهما من الغرب الجنوبي إلى الشرق الشمالي في وادي آذنة. وقد اختار السبئيُّون المضيق بين جبلي بلن، وبنوا في عرضه سورًا عظيمًا عرف بسد مأرب، أو بسد العرم؛ لأنه لا أنهار عندهم، وإنما يستقي أهلها من السيول التي تتجمع من المطر، وقد كان يذهب أكثرها في الرمال، فإذا انقضى فصل المطر .. ظمئوا وجفت أغراسهم، وربما فاض المطر فسطا على المدن والقرى، فنالهم منه أذى كثير. وبين المضيق ومدينة مأرب متسع من الأرض، تبلغ مساحة ما يحيط به من الأرض من سفوح وجبال نحو (٣٠٠٠) ميل مربع، كانت صحراء جرداء قاحلة، فأصبحت بعد تدبير المياه بالسد غياضًا وبساتين على سفحي الجبلين، وهي المعبَّر عنها بالجنتين، الجنة اليمنى، والجنة اليسرى. اهـ بتصرف. قال الأصفهاني: إن السد تهدم قبل الإِسلام بنحو أربع مئة سنة، وقال ياقوت: إنه هدم في نحو القرن السادس للميلاد، وقال ابن خلدون: إنه تهدم في القرن الخامس للميلاد. ١٨ - وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا﴾ معطوف على قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾، وهو (١) بيان لما أوتوا من النعم البادية في مسايرهم ومتاجرهم، بعد حكاية ما أوتوا من النعم الحاضرة في مساكنهم ومحاضرهم، وما فعلوا بها من الكفران، وما فعل بهم من الجزاء تكملة لقصتهم، وإنما لم يذكر الكل معًا لما في التثنية والتكرير من زيادة تنبيه وتذكير. والمعنى (٢): وجعلنا مع ما آتيناهم في مساكنهم من فنون النعم ﴿بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: بين بلادهم اليمنية ﴿وَبَيْنَ الْقُرَى﴾ الشامية ﴿الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ بالمياه والأشجار والثمار والخصب والسعة في العيش للأعلى والأدنى. والمراد بها هنا: فلسطين وأريحا
следующие страницы →