اثني عشر مخرجًا على عدة أنهارهم، يفتحونها إذا احتاجوا إلى الماء، وإذا استغنوا عنه سدوها، فإذا جاءهم المطر اجتمع عليهم ماء أودية اليمن، فاحتبس السيل من وراء السد، فأمرت بالباب الأعلى، ففتح فجرى ماؤه إلى البركة، فكانوا يسقون من الباب الأعلى، ثم من الثاني، ثم من الثالث الأسفل، فلا ينفد الماء حتى يثوب الماء من السنة المقبلة، فكانت تقسمه بينهم على ذلك، فبقوا بعدها مدة، فلما طغوا وكفروا سلط الله عليهم جرذًا يسمى الخلد، فنقَّب السد من أسفله، فغرق الماء جنانهم، وأخرب أرضهم.
وقال وهب: رأوا فيما يزعمون ويجدون في علمهم أن الذي يخرب سدهم فأرة، فلم يتركوا فرجة بين حجرين إلا ربطوا عندها هرة، فلما جاء زمان ما أراد الله تعالى بهم من التغريق .. أقبلت فيما يذكرون فأرة حمراء كبيرة إلى هرة من تلك الهرار، فساورتها حتى استأخرت الهرة عنها، فدخلت في الفرجة التي كانت عندها، فتغلغلت في السد، وحفرت حتى أوهنت المسيل، وهم لا يعلمون ذلك، فلما جاء السيل وجد خللًا، فدخل منه حتى اقتلع السد، وفاض الماء حتى علا أموالهم فغرقها، ودفن بيوتهم الرمل، فغرقوا ومزقوا كل ممزق حتى صاروا مثلًا عند العرب، يقولون: ذهبوا أيدي سبأ، وتفرقوا أيادي سبأ.
وقال السهيلي في كتاب "التعريف والأعلام": كان الذي بني السدَّ سبأ بن يشجب، بناه بالرخام، وساق إليه سبعين واديًا، ومات قبل أن يستتمه، فأتم بعده. انتهى. وقال في "فتح الرحمن": فأرسلنا عليهم السيل الذي لا يطاق، فخرب السد، وملأ ما بين الجبلين، وحمل الجنات وكثيرًا من الناس ممن لم يمكنه الفرار؛ أي: إلى الجبل، وأغرق أموالهم، فتفرقوا في البلاد، فصاروا مثلًا. انتهى. وقيل: الأوس والخزرج منهم.
﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ﴾؛ أي: عوضناهم ﴿بِجَنَّتَيْهِمْ﴾؛ أي: عن (١) جنتيهم المذكورتين، وآتيناهم بدلهما. والتبديل: جعل الشيء مكان آخر، والباء تدخل على المتروك على ما هي القاعدة المشهورة. ﴿جَنَّتَيْنِ﴾ ثاني مفعولي ﴿بَدَّلْنَا﴾؛ أي: أعطينا بدل
стр. 10467
الجنتين المذكورتين لهم جنتين أخريين.
﴿ذَوَاتَيْ﴾: صفة لـ ﴿جَنَّتَيْنِ﴾؛ أي: صاحبتي ﴿أُكُلٍ﴾ وثمر ﴿خَمْطٍ﴾؛ أي: مرّ، ويقال في الرفع: ذواتا بالألف، وهي تثنية: ذات, مؤنث: ذي, بمعنى: الصاحب، والأكل - بضم الكاف وسكونه - اسم لما يؤكل والخمط: كل نبت أخذ طعمًا من مرارة حتى لا يمكن أكله.
والمعنى: أهلكنا جنتيهم اللتين كانتا مشتملتين على تلك الفواكه الطيبة, والأنواع الحسنة، وأعطيناهم بدلهما جنتين صاحبتين ثمر مرٍّ.
وقرأ الجمهور بتنوين (١): ﴿أُكُلٍ﴾ وعدم إضافته إلى ﴿خَمْطٍ﴾. وقرأ أبو عمرو: ﴿أُكُلٍ﴾ ﴿خَمْطٍ﴾ بالإضافة؛ أي: ثمر خمط على أن يكون الخمط كل شجر مر الثمر، أو كل شجر له شوك، أو هو الأراك على ما قاله البخاري. والأكل: ثمره. وقراءة الجمهور أولى من قراءة أبي عمرو, والخمط على قراءتهم نعت لـ ﴿أُكُلٍ﴾، أو بدل منه؛ لأن الأكل هو الخمط بعينه. وقال الأخفش: الإضافة أحسن في كلام العرب، مثل: ثوب خز، ودار آجر.
﴿و﴾ جنتين ذواتي ﴿أَثْلٍ﴾ لا على ﴿خَمْطٍ﴾؛ فإن الأصل هو الطرفاء, أو شجر يشبهه أعظم منه طولًا، ولا ثمر له، الواحدة: أثلة, والجمع أثلاث, وقوله: ﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ معطوف أيضًا على أكل؛ أي: وذواتي شيء قليل من سدر. وقرىء: ﴿أثلًا﴾ و ﴿شيئًا﴾ بالنصب، حكاه الفضل بن إبراهيم عطفًا على ﴿جَنَّتَيْنِ﴾. ذكره أبو حيان.
قال البيضاوي (٢): وصف السدر بالقلة لما أن جناه وهو النبق مما يطيب أكله، ولذلك يغرس في البساتين. انتهى. فالسد: شجر النبق على ما في "القاموس". وقال أبو السعود: والصحيح أن السدر صنفان: صنف يؤكل من ثمره, وينتفع بورقه لغسل اليد، وصنف له ثمرة عفصة لا تؤكل أصلًا, وهو البري الذي يقال له: الضال. والمراد هاهنا هو الثاني، فكان شجرهم من خير الشجر, فصيره الله من شر الشجر بسبب أعمالهم القبيحة. انتهى.
стр. 10468
والحاصل: أن الله سبحانه أهلك أشجارهم المثمرة، وأنبتت بدلها غير المثمرة.
ومعنى الآية (١): أي فأعرضوا عن طاعة ربهم، وصدوا عن اتباع ما دعتهم إليه الرسل، فأرسل الله عليهم سيلا كثيرًا ملأ الوادي، وكسر السد، وخرَّبه، وذهب بالجنان والبساتين وأهلك الحرث والنسل، ولم يبق منهم إلا شراذم قليلة تفرقت في البلاد، وبدلوا بتلك الجنان والبساتين التي سبق وصفها بساتين ليس فيها إلا بعض أشجار لا يؤبه بها، كالخمط والأثل وقليل من النبق.
١٧ - ثم بيَّن سبب ذلك العقاب بقوله: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ﴾ فالإشارة (٢) بـ ﴿ذَلِكَ﴾ إلى مصدر ﴿جَزَيْنَاهُمْ﴾ فمحله النصب على أنه مصدر مؤكد له؛ أي: ذلك الجزاء الفظيع جزيناهم لا جزاء آخر، أو الإشارة إلى ما ذكر من التبديل، فمحله النصب على أنه مفعول ثان له؛ أي: ذلك التبديل جزيناهم لا غيره ﴿بِمَا كَفَرُوا﴾؛ أي: بسبب كفرانهم النعمة؛ حيث نزعناها منهم، ووضعنا مكانه ضدها، أو بسبب كفرهم بالرسل.
وفي هذه الآية: دليل على بعث الأنبياء بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، فإنه روي أن الواقعة المذكورة كانت في الفترة التي بينهما، وما قيل من أنه لم يكن بينهما نبيٌّ يعني به: نبي ذو كتاب، كذا في "بحر العلوم"، فلا يشكل قوله ﵊: "ليس بيني وبينه نبي"؛ أي: رسول مبعوث بشريعة مستقلة، بل كل من بعث كان مقررًا لشريعة عيسى ﵇.
والاستفهام في قوله: ﴿وَهَلْ نُجَازِي﴾ إنكاري بمعنى النفي؛ أي: وما نجازي هذا الجزاء الفظيع بسلب النعمة، ونزول النقمة ﴿إِلَّا الْكَفُورَ﴾؛ أي: إلا المبالغ في الكفران، أو في الكفر، وكفر النعمة وكفرانها: سترها بترك أداء شكرها. والكفران في جحود النعمة أكثر استعمالًا والكفر في الدين أكثر، والكفور فيهما جميعًا، وقال مجاهد: إن المؤمن يكفر عنه سيئاته، والكافر يجازي بكل عمل عمله.
стр. 10469
وقرأ الجمهور (١): ﴿يجازى﴾ بضم الياء وفتح الزاي ﴿الكفور﴾ رفعًا. وقرأ حمزة والكسائي: ﴿نُجَازِي﴾ بالنون وكسر الزاي, ﴿الْكَفُورَ﴾ بالنصب. وقرأ مسلم بن جندب: ﴿يجزى﴾ مبنيًا للمفعول، ﴿الْكَفُورَ﴾ رافعًا، وأكثر ما يستعمل الجزاء في الخير، والمجازاة في الشر، لكن في تقييدهما قد يقع كل واحد منهما موقع الآخر.
وفي الآية (٢): إشارة إلى أن المؤمن الشاكر يربط بشكره النعم الصورية، والمعنوية من الإيقان والتقوى والصدق والإخلاص والتوكل والأخلاق الحميدة وغير الشاكرين يزيل بكفرانه هذه النعم، فيجد بدلها الفقر والكفر والنفاق والشك والأوصاف الذميمة. ألا ترى إلى حال بلعم، فإنه لم يشكر يومًا على نعمة الإيمان والتوفيق، فوقع فيما وقع، والعياذ بالله تعالى, فلما غرس أهل الكفر في بستان القلب والروح الأشجار الخبيثة .. لم يجدوا إلا الثمار الخبيثة, فما عوملوا إلا بما استوجبوه، وما حصدوا إلا بما زرعوا، وما وقعوا إلا في الحفرة التي حفروا, كما قيل: يداك أوكتا، وفوك نفخ.
وهذا مثل مشهور يضرب لمن يتحسر ويتضجر مما يرد عليه منه, يقال: أوكأ على سقائه: إذا سنده بالوكاء، والوكاء: للقربة, وهو الخيط الذي يشد به فوها, وفي الحديث: "فمن وجد خيرًا فليحمد الله - أي: الذي هو ينبوع الرحمة والخير - ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه".
فصل في سد مأرب - سد العرم
وصف هذا السد مؤرخو العرب في عصور مختلفة (٣) , وأصدق من أجاد وصفه الهمداني في كتابه: "وصف جزيرة العرب" قال: في الجنوب الغربي من مأرب سلسلة جبال هي شعاب من جبل السراة الشهير, تمتد مئات الأميال نحو الشرق الشمالي، وبين هذه الجبال أودية تصب في واد كبير يعبِّر عنه العرب بالميزاب الشرقي، وهو أعظم أودية الشرق, وشعاب هذه المواضع وأوديتها إذا أمطرت السماء تجمعت فيها السيول، وانحدرت حتى تنتهي أخيرًا إلى وادي آذنة,
стр. 10470
وهو يعلو سطح البحر نحو (١١٠٠) متر، وتسير فيه المياه نحو الشرق الشمالي حتى تنتهي إلى مكان قبل مأرب بثلاث ساعات، وهو مضيق بين جبلين، يقال لكل منهما: بلن، أحدهما: بلن الأيمن، وثانيهما: بلن الأيسر، والمسافة بينهما ست مئة ذراع، يجري السيل الأكبر بينهما من الغرب الجنوبي إلى الشرق الشمالي في وادي آذنة.
وقد اختار السبئيُّون المضيق بين جبلي بلن، وبنوا في عرضه سورًا عظيمًا عرف بسد مأرب، أو بسد العرم؛ لأنه لا أنهار عندهم، وإنما يستقي أهلها من السيول التي تتجمع من المطر، وقد كان يذهب أكثرها في الرمال، فإذا انقضى فصل المطر .. ظمئوا وجفت أغراسهم، وربما فاض المطر فسطا على المدن والقرى، فنالهم منه أذى كثير. وبين المضيق ومدينة مأرب متسع من الأرض، تبلغ مساحة ما يحيط به من الأرض من سفوح وجبال نحو (٣٠٠٠) ميل مربع، كانت صحراء جرداء قاحلة، فأصبحت بعد تدبير المياه بالسد غياضًا وبساتين على سفحي الجبلين، وهي المعبَّر عنها بالجنتين، الجنة اليمنى، والجنة اليسرى. اهـ بتصرف.
قال الأصفهاني: إن السد تهدم قبل الإِسلام بنحو أربع مئة سنة، وقال ياقوت: إنه هدم في نحو القرن السادس للميلاد، وقال ابن خلدون: إنه تهدم في القرن الخامس للميلاد.
١٨ - وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا﴾ معطوف على قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾، وهو (١) بيان لما أوتوا من النعم البادية في مسايرهم ومتاجرهم، بعد حكاية ما أوتوا من النعم الحاضرة في مساكنهم ومحاضرهم، وما فعلوا بها من الكفران، وما فعل بهم من الجزاء تكملة لقصتهم، وإنما لم يذكر الكل معًا لما في التثنية والتكرير من زيادة تنبيه وتذكير.
والمعنى (٢): وجعلنا مع ما آتيناهم في مساكنهم من فنون النعم ﴿بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: بين بلادهم اليمنية ﴿وَبَيْنَ الْقُرَى﴾ الشامية ﴿الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ بالمياه والأشجار والثمار والخصب والسعة في العيش للأعلى والأدنى. والمراد بها هنا: فلسطين وأريحا
стр. 10471
وأردن ونحوها، والبركة: ثبوت الخير الإلهى, في الشيء، والمبارَك: ما فيه ذلك الخير.
﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾؛ أي: قرى متواصلة يرى بعضها من بعض لتقاربها، فهي ظاهرة لأعيق أهلها، أو راكبة متن الطريق، ظاهرة للسابلة، غير بعيدة عن مسالكهم حتى تخفى عليهم، أو مرتفعة على الآكام، وهي أصح القري.
وكان متجرهم من أرضهم التي هي مأرب إلى الشام، وكانوا يبيتون بقرية، ويقيلون بأخرى حتى يرجعوا، وكانوا لا يحتاجون إلى زادٍ يحملونه من أرضهم إلى الشام، وقال الحسن: إن هذه القرى هي بين اليمن والشام، قيل: إنها كانت أربعة آلاف وسبع مئة قرية، وقيل: هي بين المدينة والشام، وقال المبرد: القرى الظاهرة: هي المعروفة، وإنما قيل لها: ظاهرة؛ لظهورها إذا خرجت من هذه ظهرت لك الأخرى، فكانت قرى ظاهرة؛ أي: معروفة، يقال: هذا أمر ظاهر؛ أي: معروف.
﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾؛ أي: وجعلنا مسافة السير بينها مقدارًا معينًا واحدًا؛ أي: جعلنا القرى في نسبة بعضها إلى بعض على مقدار معين يليق بحال أبناء السبيل، وذلك نصف يوم. وقال الفراء: أي: جعلنا بين كل قريتين نصف يوم حتى يكون المقيل في قرية، والمبيت في أخرى إلى أن يصل إلى الشام. قيل: كان الغادي من قرية يقيل في الأخرى، والرائح منها يبيت في أخرى إلى أن يبلغ الشام، لا يحتاج إلى حمل ماء وزاد، ولا مبيت في أرض خالية، ولا يخاف من عدو ولا سبع، وكل ذلك كان تكميلًا لما أوتوا من أنواع النعماء، وتوفيرًا لها في الحضر والسفر، وإنما يبالغ الإنسان في السير لعدم الزاد والماء، ولخوف الطريق، فإذا وجد الزاد والأمن .. لم يحمل نفسه المشقة، بل ينزل أينما أراد.
والحاصل: أن الله سبحانه عدد عليهم النعم, ثم ذكر ما نزل بهم من النقم، ثم عاد لتعديد بقية ما أنعم به عليهم مما هو خارج عن بلدهم من اتصال القرى بينهم وبين ما يريدون السفر إليه، ثم ذكر بعد ذلك تبديله بالمفاوز والبراري، كما سيأتي.
وقوله: ﴿سِيرُوا فِيهَا﴾؛ أي: في تلك القرى الظاهرة على تقدير القول بلسان المقال أو الحال، فإنهم لما مكنوا من السير وسويت لهم أسبابه .. فكأنهم أمروا
стр. 10472
بذلك، وأذن لهم فيه؛ أي: وقلنا لهم: سيروا في تلك القرى لمصالحكم ﴿لَيَالِيَ وَأَيَّامًا﴾؛ أي: متى شئتم من الليالي والأيام، أو مكنا لهم من السير فيها متى شاؤوا من الأيام والليالي؛ أي: سيروا فيها أي وقت شئتم حال كونكم ﴿آمِنِينَ﴾ من كل ما تكرهونه من الأعداء واللصوص والسباع بسبب كثرة الخلق، ومن الجوع والعطش بسبب عمارة المواضع، لا يختلف الأمن فيها باختلاف الأوقات، أو سيروا فيها آمنين، وإن تطاولت مدة سفركم، وامتدت ليالي وأيامًا كثيرة، أو سيروا فيها ليالي أعماركم وأيامها لا تلقون فيها إلا الأمن لكن لا على الحقيقة، بل على تنزيل تمكينهم من السير المذكور، وتسوية مباديه وأسبابه على الوجه المذكور منزلة أمرهم بذلك.
وخلاصة ما ذكر (١): أنهم كانوا في نعمة وغبطة وعيش هنيء رغد في بلاد مرضية، وأماكن آمنة، وقرى متواصلة مع كثرة أشجارها وزروعها وثمارها، فالمسافر لا يحتاج إلى حمل زاد ولا ماء، بل حيث نزل وجد ماءً وثمرًا، فهو يقيل في قرية ويبيت في أخرى بمقدار ما يحتاجون إليه في مسيرهم.
١٩ - ثم ذكر أنهم بطروا وملوا تلك النعم، وآثروا الذي هو أدنى على الذي هو خير، كما طلب بنو إسرائيل الثوم والبصل مكان السلوى والعسل، وقالوا: لو كان جني جناننا أبعد .. لكان أجدر أن نشتهيه، وسألوا أن يجعل الله بينهم وبين الشام مفاوز وقفازًا؛ ليركبوا فيها الرواحيل، ويتزودوا الأزواد، ويتطاولوا فيها على الفقراء، كما حكى سبحانه عنهم بقوله: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ﴾ بيننا؛ أي: بين بلدنا ويمننا، و ﴿بَيْنَ﴾ مقصد ﴿أَسْفَارِنَا﴾ وهو الشام؛ أي: اجعل بيننا وبين الشام مفاوز وفلوات لنركب فيها الرواحل، ونتزود الأزواد، فلما تمنوا ذلك عجل لهم الإجابة بتخريب تلك القرى المتوسطة، وجعلها بلقعًا لا يسمع فيها داع ولا مجيب ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ حيث عرضوها للسخط والعذاب بالشرك، وترك الشكر، وعدم الاعتداد بالنعمة، وتكذيب الأنبياء.
وقرأ الجمهور من السبعة (٢): ﴿رَبَّنَا﴾ بالنصب على النداء. وقرؤوا أيضًا
стр. 10473
﴿بَاعِدْ﴾ بصيغة الطلب. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن محيصن وهشام عن ابن عامر: ﴿بعّد﴾ بتشديد العين على صيغة الطلب. وقرأ ابن السميفع: ﴿بعُد﴾ بضم العين فعلًا ماضيًا، فيكون معنى هذه القراءة: الشكوى من بعد الأسفار. وقرأ أبو صالح ومحمد بن الحنفية وأبو العالية ونصر بن عاصم ويعقوب: ﴿ربنا﴾ بالرفع على الابتداء والخبر. ﴿باعد﴾ بفتح العين على أنه فعل ماض, والمعنى: لقد باعد ربنا بين أسفارنا، ورويت هذه القراءة عن ابن عباس، واختارها أبو حاتم, قال: لأنهم ما طلبوا التبعيد، إنما طلبوا أقرب من ذلك القرب الذي كان بينهم وبين الشام القرى المتواصلة بطرًا وأشرًا وكفرًا للنعمة. وقرأ يحيى بن يعمر وعيسى بن عمر: ﴿ربُّنا﴾ بالرفع ﴿بعَّد﴾ بفتح العين مشددة، فيكون معنى هذه القراءة: الشكوى بأن ربهم بعَّد بين أسفارهم مع كونها قريبة متصلة بالقرى والشجر والماء, فيكون هذا من جملة بطرهم. وقرأ أخو الحسن البصري كقراءة ابن السميقع السابقة آنفًا، مع رفع ﴿بينُ﴾ على أنه الفاعل، كما قيل في قوله: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾. وروى الفراء والزجاج قراءة مثل هذه القراءة، لكن مع نصب ﴿بين﴾ على أنه ظرف، والتقدير: بعد سيرنا بين أسفارنا، وقرىء: ﴿بُعِّد﴾، وقرأ ابن يعمر: ﴿بين سفرنا﴾ بالإفراد، والجمهور بالجمع.
قال النحاس (١): وهذه القراءات إذا اختلف معانيها لم يجز أن يقال إحداها أجود من الأخرى، كما لا يقال ذلك في أخبار الآحاد إذا اختلفت معانيها, ولكن أخبر عنهم أنهم دعو ربهم أن يبعد بين أسفارهم, فلما فعل ذلك بهم شكوا وتضرروا, ولهذا قال سبحانه: ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ حيث كفروا بالله، وبطروا نعمته، وتعرضوا لنقمته ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾؛ أي: عظةً واعتبارًا للناس، يتحدثون بهم ويتمثلون بهم.
أي: جعلنا أهل سبأ أخبارًا وعظةً وعبرةً لم بعدهم، بحيث يتحدث الناس بهم متعجبين من أحوالهم، ومعتبرين بعاقبتهم ومآلهم ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ﴾؛ أي: فرقناهم في كل جهة من البلاد ﴿كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾؛ أي: غاية (٢) التفريق وكامله، على أن الممزق مصدر، أو: كل مطرح ومكان تفريق، على أنه اسم مكان, وفي التعبير بالتمزيق
стр. 10474
الخاص بتفريق المتصل وخرقه من تهويل الأمر والدلالة على شدة التأثير والإيلام ما لا يخفى.
أي: مزقناهم تمزيقًا لا غاية وراءه، بحيث تضرب به الأمثال في كل فرقة ليس بعدها وقال، فيقال: تفرَّقوا أيدي سبأ؛ أي: تفرقوا تفرق أهل هذا المكان من كل جانب، وكانوا قبائل ولدهم سبأ، فتفرقوا في البلاد. قال الشعبي: فلحقت الأنصار بيثرب، وغسان بالشام. والأزد بِعُمَان، وخزاعة بتهامة، وقال الزمخشري (١): غسان بالشام، وأنمار بيثرب، وجذام بتهامة، والأزد بِعُمَان. وفي "التحرير": وقع منهم قضاعة بمكة، وأسد بالبحرين، وخزاعة بتهامة.
وفي الحديث: أن سبأ أبو عشرة قبائل، فلما جاء السيل على مأرب، وهو اسم بلدهم .. تيامن منهم ست قبائل - أي: تبددت في بلاد اليمن -: كندة والأزد والسفر ومذحج وأنمار التي منها بجلية وخثعم، وطائفة قيل لها حجير، بقي عليها اسم الأب الأول، وتشاءمت أربعة: لخم وجذام وغسان وخزاعة، ومن هذه المتشائمة أولاد قيلة، وهم الأوس والخزرج، ومنها عاملة، وغير ذلك.
والمعنى (٢): أي فجعلناهم أحاديث للناس يسمرون بها، ويعتبرون بأمرهم، وكيف مكر الله بهم، وفرَّق شملهم بعد الاجتماع والألفة والعيش الهنيء، وصاروا مضرب الأمثال، فيقال للقوم يتفرقون: تفرقوا أيدي سبأ، فنزل آل جفنة بن عمرو الشام، ونزل الأوس والخزرج يثرب، ونزل أسد السراة السراة، ونزلت أزد عمان عمانًا، ثم أرسل الله على السَّدِّ السيل فهدَّمه.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المذكور من قصتهم، وما فعل الله بهم ﴿لَآيَاتٍ﴾ عظيمة، ودلالات واضحة، وعلامات كثيرة، وعبرًا بليغة، وحججًا قاطعة على الوحدانية والقدرة. قال بعضهم: جمع الآيات؛ لأنهم صاروا فرقًا كثيرةً، كل منهم آية مستقلة ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ عن المعاصي ودواعي الهوى والشهوات، وعلى البلايا والمشاق والطاعات ﴿شَكُورٍ﴾ على النعم الإلهية في كل الأوقات والحالات، أو لكل مؤمن كامل؛ لأنَّ الإيمان نصف صبر ونصف شكر؛ أو لكل من هو كثير الصبر والشكر،
стр. 10475
وخص الصبار الشكور؛ لأنهما المنتفعان بالمواعظ والآيات.
والمعنى: أن في (١) ذلك الذي حل بهؤلاء من النقمة والعذاب بعد النعمة والعافية عقوبة لهم على ما اجترحوه من الآثام لعبرة لكل عبد صبَّار على المصايب، شكور على النعم.
روى سعد بن أبي وقاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "عجبت من قضاء الله تعالى للمؤمن، إن أصابه خير حمد ربه وشكر، وإن أصابته مصيبة حمد ربه وصبر، يؤجر المؤمن في كل شيء، حتى اللقمة يرفعها إلى في امرأته". وكان مطرِّف بن الشخير يقول: نعم العبد الصبَّار الشكور الذي إذا أَعطي شكر، وإذا ابتلي صبر.
قال بعض أهل المعرفة: إن طلب الدنيا شهواتها هو طلب البعد عن الله تعالى وعن جنابه، والميل إلى الدنيا والرغبة في شهواتها من خسة النفس، وركاكة العقل، وهو ظلم على النفس، فمن قطعته الدنيا عن جناب الله .. جعله الله عبرة لأهل الطلب، وأوقعه في وادي الهلاك، فلا بد من الصبر عن الدنيا وشهواتها، والشكر على نعمة العصمة وتوفيق العبودية, الله وإياكم من الراغبين إليه، والمعتمدين عليه، وعصمنا من الرجوع عن طريقه، والضلال بعد إرشاده وتوفيقه، إنه الرحمن الذي بيده القلوب وتقليبها من حال إلى حال، وتصريفها كيف يشاء في الأيام والليالي.
٢٠ - واللام في قوله (٢): ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ﴾ موطئة للقسم، وضمير ﴿عَلَيْهِمْ﴾ عائد إلى أهل سبأ لتقدم ذكرهم، والظاهر أنه راجع إلى الناس جميعًا، كما يشهد به ما بعده ﴿إِبْلِيسُ﴾ اللعين من: الإبلاس، وهو اليأس من رحمة الله ﴿ظَنَّهُ﴾؛ أي: ما ظنه بأهل سبأ من إغوائهم؛ أي: وعزتي وجلالي لقد وجد إبليس اللعين ظنه بأهل سبأ حين رأى أنهماكهم في الشهوات صادقًا ﴿فَاتَّبَعُوهُ﴾؛ أي: اتبع أهل سبأ الشيطان في الشرك والمعصية ﴿إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: إلا جماعة هم المؤمنون لم يتبعوه في أصل الدين، فـ ﴿مِن﴾ بيانية، وتقليلهم بالإضافة إلى الكفار، أو تبيعيضية؛
стр. 10476
أي: إلا فريقًا من فرق المؤمنين لم يتبعوه، وهم المخلصون. أو المعنى (١): وجد ظنه ببني آدم صادقًا فاتبعوه إلا فريقًا من المؤمنين، وذلك أنه حين شاهد آدم ﵇ قد أصغى إلى وسوسته قال: إن ذريته أضعف منه عزمًا، ولذا قال: لأضلنهم. وفي "التأويلات النجمية": يشير إلى أن إبليس لم يكن متيقنًا أن يقدر على الإغواء والإضلال، بل كان ظانًا بنفسه أنه يقدر على إغواء من لم يطع الله ورسوله، فلما زين لهم الكفر والمعاصي، وكانوا مستعدين لقبولها حكمة لله في ذلك، وقبلوا منه بعض ما أمرهم به على وفق هواهم، وتابعوه بذلك .. صدق عليهم ظنه؛ أي: وجدهم كما ظن فيهم. اهـ.
ومعنى الآية (٢): أي ولقد ظن إبليس بهؤلاء الذي بدَّلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط - عقوبة منا لهم - ظنًا غير يقين أنهم يتبعونه ويطيعونه في معصية الله، وحين أغواهم وأطاعوه وعصوا ربهم .. تحقق صدق ظنه فيهم، إلا فريقًا من المؤمنين ثبتوا على طاعة الله ومعصية إبليس.
وقرأ ابن عباس وقتادة وطلحة والأعمش وزيد بن علي والكوفيون (٣): ﴿صَدَّقَ﴾ بتشديد الدال، وانتصب ﴿ظَنَّهُ﴾ على أنه مفعول بـ ﴿صَدَّقَ﴾، والمعنى: وجد ظنه صادقًا؛ أي: ظن شيئًا، فوقع ما ظن. وقرأ باقي السبعة بالتخفيف، فانتصب ﴿ظَنَّهُ﴾ على المصدر، أي: يظن ظنًا، أو على إسقاط الحرف؛ أي: في ظنه، أو على المفعول به، نحو قولهم: أخطأت ظني، وأصبت ظني، وظنه هذا كان حين قال: لأضلنَّهم ولأغوينهم، وهذا مما قاله ظنًا منه، فصدق هذا الظن. وقرأ زيد بن علي والزهري وجعفر بن محمد وأبو الجهجاه الأعرابي من فصحاء العرب وبلال بن أبي برزة بنصب ﴿إبليس﴾ ورفع ظنه أسند الفعل إلى ظنه؛ لأنه ظن ظنًا، فصار ظنه في الناس صادقًا، كأنه صدقه ظنه ولم يكذبه.
وقرأ عبد الوارث عن أبي عمرو: ﴿إبليس ظنه﴾ برفعهما فـ ﴿ظَنَّهُ﴾ بدل من ﴿إبليس﴾ بدل اشتمال.
стр. 10477
٢١ - ثم ذكر أنه ابتلاهم ليظهر حال المؤمنين من حال الشاكين في الآخرة، فقال: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ﴾؛ أي: لإبليس ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على بني آدم ﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾؛ أي: تسلط واستيلاء بالوسوسة والاستغواء، وإلا فهو ما سلَّ عليهم سيفًا، ولا ضربهم بعصى، والاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ متصل مفرغ من أعم العلل؛ أي: وما كان تلسيطنا إياه عليهم لعلة من العلل إلا لأجل أن نعلم ونميَّز ﴿مَنْ يُؤْمِنُ﴾ ويصدِّق ﴿بـ﴾ مجيء ﴿الْآخِرَةِ﴾ مع ما فيها من الأهوال ﴿مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾؛ أي: ممن هو في شك في مجيئها، وقيل: الاستثناء فيه منقطع، والمعنى عليه: لا سلطان له عليهم، ولكن ابتليناهم بوسوسته، والمعنى على الأول: أي: ما كان له عليهم تسلط بحال من الأحوال، ولا لعلة من العلل إلا ليتميز من يؤمن بالآخرة، ومن لا يؤمن بها؛ لأنه سبحانه قد علم ذلك علمًا أزليًا. وقال الفراء: المعنى: إلا لنعلم ذلك عندكم، وقيل: إلا لتعلموا أنتم، وقيل: ليعلم أولياءنا والملائكة، والأولى: حمل العلم هنا على التمييز والإظهار، كما ذكرنا. وقرأ الزهري: ﴿إلا ليعلم﴾ بضم الياء وفتح اللام مبنيًا للمفعول.
ومعنى الآية (١): أي وما كان لإبليس على هؤلاء القوم من حجة يضلهم بها، ولكنا أردنا ابتلاءهم واختبارهم به ليظهر حال من يؤمن بالآخرة، ويصدِّق بالثواب والعقاب، ممن هو منها في شك، فلا يوقن بمعاد، ولا يصدق بثواب، ولا عقاب. قال الحسن البصري: والله ما ضربهم بعصى، ولا أكرههم على شيء، وما كان إلا غرورًا وأماني دعاهم إليها فأجابوه.
وخلاصة ذلك: لا سلطان لإبليس على قلوب الناس، ولكني أسلطه عليهم كما أسلِّط الذباب على العيون القذرة، والأوبئة على البلاد التي لم يراع أهلها شروط النظافة في مساكنهم وملابسهم ومآكلهم، ولا أفعل ذلك إلا لحكمة، فإذا حلَّ الوباء بأرض مات من لا قدرة له على مقاومة جراثيم الأمراض، وبقي من هو قادر على المقاومة، ولديه قوة المناعة، وهكذا وسوسة الشيطان يفرق الله بها بين الثابت العقيدة والمتزلزلها، ومن انقاد لها .. فلا يلومن إلا نفسه، وهو المذنب وحده، وهكذا جميع حوادث الدنيا من مصائب وآلام، يثبت لها ذوو العزيمة
стр. 10478
الصادقة، ولا يضطرب حين حلولها إلا الضعيف الذي ليس له جلد ولا صبر.
وعبارة "روح البيان" هنا: والمعنى (١): وما كان تسلُّطه عليهم إلا ليتعلق علمنا بمن يؤمن بالآخرة متميزًا ممن هو في شك منها تعلقًا حاليًا يترتب عليه الجزاء، فعلم الله قديم، وتعلقه حادث؛ إذ هو موقوف على وجود المكلف في عالم الشهادة، فلا يظن ظان بالله ظن السوء أن الله ﷻ لم يكن عالمًا بأهل الكفر وأهل الإيمان, وإنما سلّط عليهم إبليس ليعلم به المؤمن من الكافر، فإن الله بكمال قدرته وحكمته خلق أهل الكفر مستعدًّا للكفر، وخلق أهل الإيمان مستعدًّا للإيمان، كما قال ﵇: "خلق الجنة وخلق لها أهلًا، وخلق النار وخلق لها أهلًا"، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾، فالله تعالى كان عالمًا بحال الفريقين قبل خلقهم، وهو الذي خلقهم على ما هم به وإنما سلط الله الشيطان على بني آدم لاستخراج جواهرهم من معادن الإنسانية، كما تسلط النار على المعادن لتخليص جوهرها، فإن كان الجوهر ذهبًا فيخرج منه الذهب، وإن كان الجوهر نحاسًا فيخرج منه النحاس، فلا تقدر أن تخرج من معدن النحاس الذهب والفضة، وهو ناري يستخرج جواهرهم من معادنهم بنفخة الوساوس، فلا يقدر أن يخرج من كل معدن إلا ما هو جوهره، وقال بعضهم: العلم هنا مجاز عن التمييز، المعنى: إلا لنميّز المؤمن بالآخرة من الشاكّ فيها، فعلَّل التسلَّط بالعلم، والمراد: ما يلزمه انتهى.
﴿وَرَبُّكَ﴾ يا محمد، ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من المخلوقات، ﴿حَفِيظٌ﴾؛ أي: محافظ، والمعنى: أي (٢): وربك أيها الرسول حفيظ على أعمال هؤلاء الكفار وغيرهم، لا يعزب عن علمه شيء، وهو يجازيهم جميعًا يوم القيامة بما كسبوا في الدنيا من خير أو شر، فمن أخبت لله وأناب إليه .. لاقى من الثواب ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ومن دسّ نفسه الأمَّارة بالسوء، وانهمك في شهواته .. لاقى من سوء الجزاء كفاء أعماله ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦)﴾.
стр. 10479
وقال بعضهم: الحفيظ (١): هو الذي يحفظ كل شيء على ما هو به، والحفيظ من العباد: من يحفظ ما أمر بحفظه من الجوارح والشرائع والأمانات والودائع، ويحفظ دينه عن سطوة الغضب وخلابة الشهوة وخداع النفس وغرور الشيطان، فإنه على شفا جرف هار، وقد اكتفنته هذه الملكات المفضية إلى البوار، قال بعضهم: أسباب الحفظ: الجدّ والمواظبة، وترك المعاصي, واستعمال السواك، وتقليل النوم، وصلاة الليل، وقراءة القرآن نظرًا وغير ذلك.
٢٢ - ﴿قُلِ﴾ يا محمد للمشركين إظهارًا لبطلان ما هم عليه، وتبكيتًا لهم ﴿ادْعُوا﴾؛ أي: نادوا ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾؛ أي: زعمتموهم آلهة ومفعولا ﴿زعم﴾ محذوفان لدلالة السياق عليهما، فحذف الأول وهو الضمير الراجع الموصول تخفيفًا؛ لطول الموصول بصلته، والثاني - وهو آلهة - لقيام صفته, أعني: قوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ مقامه، والمعنى: ادعوا الذين عبدتموهم من دون لله فيما يهمكم من جلب نفع ودفع ضر لعلَّهم يستجيبون لكم إن صحّ دعواكم.
أي: قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين من قومك موبخًا لهم، ومبينًا لهم سوء ما يصنعون: ادعوا هؤلاء الأصنام في مهام أموركم ليدفعوا الضرّ عنكم، أو يجلبوا النفع لكم لعلهم يستجيبون لكم، إن كان ذلك مكنتهم، وبيدهم مقاليد أموركم، ثم أبان خطأهم، وعظيم جرمهم فقال: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾؛ أي: هؤلاء الآلهة لا يملكون وزن نملة صغيرة، أو وزن هباء كائنة ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ من خير وشر، ونفع وضرّ، فكيف يكونون آلهة يرجى منهم نفع، أو يخشى منهم ضرّ؛ أي: لا يقدرون فيهما أمرًا ما من الأمور, فنفى عنهم ملك مثقال ذرّة، وإذا انتفى ملك الأحقر .. فملك الأعظم أولى, وذكر (٢) السموات والأرض لقصد التعميم عرفًا، يعني: أن أهل العرف يعبّرون بهما عن جميع الموجودات، كما يعبّرون بالمهاجرين والأنصار عن جميع الجماعة, أو لأن آلهتهم بعضها سماويّة كالملائكة والكواكب، وبعضها أرضية كالأصنام, أو لأن الأسباب القريبة للخير والشرّ سماوية وأرضية، ونحو الآية قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾.
стр. 10480
﴿وَمَا لَهُمْ﴾؛ أي: لآلهتهم، ﴿فِيهِمَا﴾؛ أي: في السموات والأرض ﴿مِنْ شِرْكٍ﴾؛ أي: شركة مع الله لا خلقًا ولا ملكًا ولا تصرفًا، ﴿وَمَا لَهُ﴾؛ أي: وما لله ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: من آلهتهم ﴿مِنْ ظَهِيرٍ﴾؛ أي: معين يعينه في تدبير أمورهما.
والمعنى (١): أي ليس لآلهتهم في السموات والأرض مشاركة مع الله، لا بالخلق، ولا بالملك، ولا بالتصرف، وما لله سبحانه من تلك الآلهة معين يعينه على شيء من أمر السموات والأرض، ومن فيهما.
٢٣ - ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾؛ أي: ولا تنفعهم شفاعتهم عنده تعالى، كما يزعمون، إذ لا شفاعة، ﴿عِنْدَهُ﴾ تعالى ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾؛ أي: إلا لشافع أذن له أن يشفع، وهو لا يأذن لأحد من الشفعاء من الملائكة وغيرهم أن يشفع لهؤلاء الكافرين، كما قال تعالى: ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾، والشفاعة لمثل هؤلاء لا تكون أبدًا، والشفاعة: طلب الخير من الغير للغير، كما سيأتي في مبحث اللغة مبسوطًا.
والاستثناء في قوله (٢): ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ استثناء مفرغ من أعمّ الأحوال؛ أي: لا تنفع الشفاعة في حال من الأحوال إلَّا كائنة لمن أذن له أن يشفع من الملائكة والنبيين وغيرهم من أهل العلم والعمل، ومعلوم أن هؤلاء لا يشفعون إلَّا لمن يستحق الشفاعة، لا للكافرين، ويجوز أن يكون المعنى: لا تنفع الشفاعة من الشفعاء المتأهلين لها في حال من الأحوال إلا كائنة لمن أذن له؛ أي: لأجله، وفي شأنه من المستحقين للشفاعة من أهل الإيمان, وأما من عداهم من غير المستحقين لها كهؤلاء الكفرة .. فلا تنفعهم شفاعة شافع أصلًا، وإن فرض وقوعها وصدورها عن الشفعاء؛ إذ لم يأذن لهم في شفاعتهم، بل في شفاعة غيرهم من المؤمنين، فعلى هذا يثبت حرمانهم من شفاعة هؤلاء الشفعاء من الملائكة وغيرهم بمنطوق النصّ، ومن شفاعة الأصنام بمفهومه؛ إذ حين حرموها من جهة القادرين على شفاعة بعض المحتاجين إليها، فلأن يحرموها من جهة العجزة عنها أولى.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿أَذِنَ﴾ بفتح الهمزة؛ أي: أذن الله سبحانه له؛ لأن اسمه مذكور قبل هذا، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي: بضمها على البناء للمفعول،
стр. 10481
والآذن: هو الله سبحانه.
و ﴿حَتَّى﴾ في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ﴾ غاية (١) لمحذوف يدل عليه قوله: ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ فإنه يشعر بالاستئذان المستدعي الترقّب والانتظار للجواب، كأنه سئل: كيف يؤذن لهم؟ فقيل: يتربّصون في موقف الاستئذان والاستدعاء، ويتوقّفون على وَجَلٍ، وفزعٍ زمانًا طويلًا، حتى إذا أزيل الفزع، وكشف الخوف عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم بكلمة يتكلم بها رب العزة في إطلاق الإذن لهم، وظهرت لهم تباشير الإجابة، والمعنى: حتى إذا أزيل الفزع عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم من المؤمنين، وأما الكفرة: فهم عن موقف الاستشفاع بمعزل، وعن التفزيع عن قلوبهم بألف منزل.
﴿قَالُوا﴾؛ أي: المشفوع لهم للشافعين؛ إذ هم المحتاجون إلى الإذن، والمهتمّون بأمره، ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾؛ أي: في شأن الإذن، ﴿قَالُوا﴾؛ أي: الشفعاء؛ لأنهم المباشرون للاستئذان بالذات، المتوسّطون بينهم وبينه تعالى بالشفاعة. ﴿الْحَقَّ﴾؛ أي: قال ربّنا القول الحق، وهو الإذن في الشفاعة للمستحقين لها.
قرأ الجمهور (٢): ﴿فزّع﴾ مبنيًا للمفعول مشدّدًا من الفزع؛ أي: أطير الفزع عن قلوبهم، وفعَّل يأتي لمعانٍ منها: الإزالة، وهذا منه نحو: قَرّدْتُ البعير؛ أي: أزلت القراد عنه، وقرأ ابن عامر وابن مسعود وابن عباس وطلحة وأبو المتوكل الناجي وابن السميفع: ﴿فَزّع﴾ مبنيًا لفاعل مشدّدًا من الفزع أيضًا، والضمير الفاعل في فزع إن كان الضمير في ﴿عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ للملائكة، فهو الله، وإن كان للكفار .. فالضمير لمغويهم، وكلا هاتين بتشديد الزاي من التفزيع، وهو إزالة الفزع، وقرأ الحسن: ﴿فُزع﴾ من الفزع بتخفيف الزاي مبنيًا للمفعول، و ﴿عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ في موضع رفع به، كقولك: انطلق بزيد، وأبو المتوكل أيضًا وقتادة ومجاهد: ﴿فَزّع﴾ مشددًا مبنيًا للفاعل من التفزيع، وقرأ الحسن أيضًا كذلك، إلا أنه خفف الزاي، وقرأ عبد الله بن عمر والحسن أيضًا وأبو أيوب السختياني وقتادة أيضًا وأبو مجلز: ﴿فُزِّغ﴾ مشدّد الراء المهملة مبنيًا للمفعول؛ أي: كشف عن قلوبهم الخوف، والفاعل هو الله، وقرأ ابن مسعود وعيسى: ﴿افرنقع عن قلوبهم﴾ بمعنى: انكشف
стр. 10482
عنها، من الافرنقاع وهو التفرق، وقال الزمخشري: والكلمة مركبة من حروف المفارقة مع زيادة العين، كما ركِّب قمطر من حروف القمط مع زياد الراء انتهى. فإن عني الزمخشري أن العين من حروف الزيادة، وكذلك الراء، وهو ظاهر كلامه .. فليس بصحيح؛ لأن العين والراء ليستا من حروف الزيادة، وإن عني أنَّ الكلمة فيها حروف، وما ذكروا زائدًا إلى ذلك العين والراء، كمادة فرقع وقمطر، فهو صحيح، ولولا إبهام ما قاله الزمخشري في هذه الكلمة لم أذكر هذه القراءة لمخالفتها سواد المصحف. ذكره أبو حيان.
ومعنى الآية (١): أي يقف الناس منتظرين الإذن بالشفاعة، وَجِلِين، حتى إذا أذن للشافعين، وأزيل الفزع عن قلوب المنتظرين .. قال بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم في الإذن بالشفاعة؟ قالوا: قال ربنا القول الحق، وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى.
والخلاصة: أن الشفاعة لا تنفع في حال إلا لشافع أذن له فيها من النبيين، والملائكة ونحوهم من المستأهلين لمقام الشفاعة، ويكون المشفوع له يستحق الشفاعة.
وقيل المعنى (٢): لا تنفع الشفاعة إلا من الملائكة الذين هم فزعون اليوم، مطيعون لله دون الجمادات والشياطين، وقال الحسن وابن زيد ومجاهد: معنى الآية: حتى إذا كشف الفزع عن قلوب المشركين في الآخرة .. قالت لهم الملائكة: ماذا قال ربكم في الدنيا؟ قالوا: الحق، فأقرّوا حين لا ينفعهم الإقرار.
ثمّ ذكر اعتراف الشفعاء بعظمة خالق الكون، وقصور كل ما سواه فقال: ﴿وَهُوَ﴾ جل شأنه: ﴿الْعَلِيُّ﴾ فوق خلقه بالقهر والاقتدار، فله أن يحكم في عباده بما يشاء، ويفعل ما يريد، لا معقّب لحكمه. ﴿الْكَبِيرُ﴾؛ أي: المتصف بالكبرياء في ذاته وصفاته، فهو الذي يُحتقر كل شيء في جنب كبريائه؛ أي: وهو سبحانه المنفرد بالعلوّ والكبرياء، لا يشاركه في ذلك أحد من خلقه، وليس لأحد منهم أن يتكلم إلا من بعد إذنه، وفي هذا تواضع منهم بعد أن رفع سبحانه أقدارهم بالإذن لهم في
стр. 10483
الشفاعة، فهو من (١) تمام كلام الشفعاء، قالوه اعترافًا بغاية عظمة جناب العزة، وقصور شأن كل من سواه، وفيه أيضًا ثناء على الله، كما لا يخفى.
٢٤ - ثمّ أمر الله سبحانه رسوله ﷺ أن يبكِّت المشركين ويوبخهم فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لمشركي قومك ﴿قُلْ﴾ استفهام توبيخ وتبكيت؛ أي: قل لهم من ﴿يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ﴾ بإنزال المطر ﴿و﴾ من ﴿الْأَرْضِ﴾ بإخراج النبات؛ أي: قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين بربهم الأوثان والأصنام من يرزقكم من السموات بإنزال الغيث عليكم حياة لحروثكم، وصلاحًا لمعايشكم, وتسخير الشمس والقمر والنجوم لمنافعكم، ومن الأرض بإخراج أقواتكم، وأقوات أنعامكم؟ فإنْ هم قالوا: لا ندري .. فأجبهم: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ يرزقكم؛ إذ لا جواب سواه عندهم أيضًا إلا أنهم ربما أبوا أن يتكلموا به عنادًا مع علمهم بصحته، ولأنهم لو تفوهوا به لقيل لهم: فما لكم لا تعبدون من يرزقكم، وتؤثرون عليه من لا يقدر على الرزق؟!
والمعنى (٢): أي فإن أجابوك، وقالوا: الله .. فذلك ظاهر، وإن لم يقولوا ذلك .. فقل: الله يرزق؛ إذ لا جواب سواه، وهذا إشارة إلى أن جر النفع ليس إلا به تعالى، ومنه تعالى، فإذن إن كنتم من الخواص فاعبدوه لعُلُوِّه وكبريائه، سواء دفع عنكم ضررًا أو لم يدفع، وسواء نفعكم بخير أو لم ينفع، فإن لم تكونوا كذلك .. فاعبدوه لدفع الضر، وجر النفع.
واعلم (٣): أنَّ الرزق قسمان: ظاهر، وهو الأقوات والأطعمة المتعلق بالأبدان، وباطن، وهو المعارف المتعلقة بالأرواح، وهذا أشرف القسمين، فإن ثمرته حياة الأبد، وثمرة الرزق الظاهر قوة إلى مدة قريبة الأبد، والله تعالى هو المتولي لخلق الرزقين، والمتفضل بالإيصال إلى كلا الفريقين، ولكنه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر.
ثم أمره سبحانه أن يخبرهم بأنهم على ضلاله، لكن على وجه الإنصاف في الحجة بعدما سبق تقرير من هو على الهدى، ومن هو على الضلالة، فقال:
стр. 10484
﴿وَإِنَّا﴾؛ أي: أنا ومن اتبعني، ﴿أَوْ إِيَّاكُمْ﴾ عطف على اسم إن، ﴿لَعَلَى هُدًى﴾ من الله تعالى، ﴿أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾؛ أي: بيِّن واضح، معناه (١): ما نحن وأنتم علي أمر واحد، بل أحد الفريقين مهتدٍ، والآخر ضال، وهذا ليس على طريق الشك، بل على جهة الإلزام والإنصاف في الحجاج، كما يقول القائل: أحدنا كاذب، وهو يعلم أنه صادق، وصاحبه كاذب، فالنبي ﷺ ومن اتبعه على الهدى، ومن خالفه في ضلال، فكذبهم من غير أن يصرِّح بالتكذيب، ومنه بيت حسان يخاطب أبا سفيان بن حرب، وكان قد هجا رسول الله ﷺ قبل أن يسلم:
أَتَهْجُوْهُ وَلَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ ... فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ
وقيل: إن ﴿أَوْ﴾ بمعنى: الواو، على طريق النشر واللف المرتب.
ومعنى الآية: إنا لعلى هدى، وإنكم لفي ضلال مبين، واختلاف الحرفين (٢)؛ لأن الهادي كمن صعد منارًا ينظر منه الأشياء، ويتطلع عليها، أو يركب جوادًا يركضه حيث يشاء، والضال كأنه منغمس في ظلام مرتبك فيه لا يرى شيئًا، ولا يدري أين يتوجه، أو متردٍّ في بئر عميق، لا يستطيع الخروج منها.
والمعنى (٣): أي أن أحد الفريقين من الذين يوحِّدون الله الخالق الرازق ويخصّونه بالعبادة، والذين يعبدون الجمادات التي لا تقدر على خلق ولا رزق ولا نفع ولا ضر، لعلى أحد الأمرين: من الهدى والضلالة، ومعلوم لكل عاقل أنَّ من عبد الذي يخلق ويرزق، وينفع ويضرّ، هو الذي على الهدى، ومن عبد الذي لا يقدر على خلق ولا رزق، ولا نفع ولا ضرّ، هو الذي على الضلالة، فقد تضمن هذا الكلام بيان فريق الهدى، وهم المسلمون، وفريق الضلالة، وهم المشركون، على وجه أبلغ من التصريح، وهو الإيماء، وأوصل بالمجادل إلى الغرض مع قلة شغب الخصم، وفَلِّ شَوْكَتهِ بالهويني.
٢٥ - ثم زاد في إنصافهم في المخاصمة، فأسند الإجرام إلى أنفسهم، والعمل للمخاطبين، فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين: أنتم ﴿لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا
стр. 10485
أَجْرَمْنَا﴾؛ أي: عما فعلنا واكتسبنا من الذنوب، وارتكبنا من الصغائر والزلات التي لا يخلو منها مؤمن، ﴿و﴾ نحن ﴿لَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ من الكفر والكبائر، بل كل مطالب بعمله، وكل زراع يحصد زرعه لا زرع غيره.
وهذا أبلغ في الإنصاف (١)، وأبعد من الجدل والاعتساف؛ حيث أسند فيه الإجرام، وإن أريد به الزلة وترك الأولى إلى أنفسهم مع كون أعمال المسلمين من البر الخالص، والطاعة المحضة، ومطلق العمل إلى المخاطبين، مع أن أعمالهم أكبر الكبائر والمعاصي المحضة، والمقصود: المهادنة والمتاركة، وقد نسخت هذه الآية وأمثالها بآية السيف، ونحو الآية قوله: ﴿فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
فإن قلتَ: لِمَ ترك كنتم هنا في قوله: ﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، وقد ذكره في غير هذا الموضع؟
قلتُ: تركه هنا؛ لأن قوله: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ وقع في مقابلة ﴿أَجْرَمْنَا﴾ في قوله: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا﴾، وضمير ﴿أَجْرَمْنَا﴾ للنبي ﷺ والمراد غيره، وغيره صدر منه ذنب، فعبَّر عنه بالماضي، والمخاطب في ﴿تَعْمَلُونَ﴾ الكفار, وكفرهم واقع في الحال، وفي المستقبل ظاهرًا، فعبّر عنه بالمضارع، فلا يناسبه: كنتم، مع أن الخطاب في ذلك واقع في الدنيا، والخطاب في غيره نحو ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ واقع في الآخرة، فناسبه التعبير بكنتم. اهـ "فتح الرحمن".
٢٦ - ثم حذرهم وأنذرهم عاقبة أمرهم؛ إذ أمر رسوله أن يقول لهم بقوله: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء الكفرة ﴿يَجْمَعُ بَيْنَنَا﴾ بينكم ﴿رَبُّنَا﴾ يوم القيامة عند الحشر والحساب، ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ﴾؛ أي: يحكم ربنا، ﴿بَيْنَنَا﴾ وبينكم ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بالحكم العدل, ويفصل بيننا وبينكم بعد ظهور حال كلٍّ منا ومنكم، بأن يدخل المحقين الجنة، والمبطلين النار. ﴿وَهُوَ﴾ سبحانه ﴿الْفَتَّاحُ﴾؛ أي: الحاكم بالحق، القاضي بالصواب، الفيصل في القضايا المنغلقة. ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما ينبغي أن يقضي به، وبمن يقضي له وعليه، ولا يخفى عليه شيء من ذلك, كما لا يخفى عليه ما عدا ذلك،
стр. 10486
وهذه الآية منسوخة أيضًا بآية السيف (١).
ومعنى الآية: أي قل لهم (٢): إن ربنا يوم القيامة يجمع بيننا حين الحشر والحساب، ثم يقضي بيننا بالعدل بعد ظهور حال كل منا ومنكم، وهو الحاكم العادل العالم بحقائق الأمور، وهناك يجزى كل عامل بما عمل، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، وستعلمون يومئذ لمن العزة والنصرة والسعادة الأبدية، كما قال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾.
وقال الزروقي (٣): الفتاح: المتفضل بإظهار الخير والسعة على أثر ضيق، وانغلاق باب للأرواح والأشباح في الأمور الدنيوية والأخروية، وقال بعض المشايخ: الفتاح: من الفتح، وهو الإفراج عن الضيق، كالذي يفرّج تضايق الخصمين في الحق بحكمه، والذي يذهب ضيق النفس بخيره، وضيق الجهل بتعليمه، وضيق الفقر ببذله.
وقال الغزالي - رحمه الله تعالى -: الفتّاح: هو الذي بعنايته ينفتح كل منغلق وبهدايته ينكشف كل مشكل، فتارة يفتح الممالك لأنبيائه، ويخرجها من أيدي أعدائه، ويقول: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر﴾، وتارة يرفع الحجاب عن قلوب أوليائه، ويفتح لهم الأبواب إلى ملكوت سمائه، وجمال كبريائه، ويقول: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾، ومن بيده مفاتيح الغيب ومفاتيح الرزق .. فبالأحرى أن يكون فتاحًا، وخاصية هذا الاسم تيسير الأمور، وتنوير القلوب، والتمكين من أسباب الفتح، فمن قرأه في إثر صلاة الفجر إحدى وسبعين مرة، ويده على صدره .. طهر قلبه، وتنور سره، وتيسير أمره، وفيه تيسير الرزق وغيره.
والعليم: مبالغة العالم، وهو من قام به العلم، ومن عرف أنه تعالى هو العالم
стр. 10487
بكل شيء، راقبه في كل شيء، واكتفى بعلمه في كل شيء، فكان واثقًا به عند كل شيء، ومتوجهًا له بكل شيء. قال ابن عطاء الله: متى آلمك عدم إقبال الناس عليك، أو توجههم بالذم إليك .. فأرجع إلى علم الله فيك، فمصيبتك بعدم قناعتك بعلمه أشد من مصيبتك بوجود الأذى منهم. وخاصية هذا الاسم تحصيل العلم والمعرفة، فمن لازمه عرف الله حق معرفته على الوجه الذي يليق به تعالى.
٢٧ - ثم استفسر عن شبهتهم بعد إلزامهم الحجة تبكيتًا لهم فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين: ﴿أَرُونِيَ﴾؛ أي: اعلموني، أو أبصروني الآلهة ﴿الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ﴾ وهم ﴿بِهِ﴾ سبحانه ﴿شُرَكَاءَ﴾ له تعالى، وهذه الرؤية (١) هي القلبية، فيكون ﴿شُرَكَاءَ﴾ هو المفعول الثالث؛ لأن الفعل تعدى بالهمزة إلى ثلاثة مفاعيل، الأول: الياء في ﴿أَرُونِيَ﴾، والثاني: الموصول والثالث: ﴿شُرَكَاءَ﴾، وعائد الموصول محذوف؛ أي: ألحقتموهم، ويجوز أن تكون هي البصرية، وتعدى الفعل بالهمزة إلى اثنين، الأول: الياء، والثاني: الموصول، ويكون ﴿شُرَكَاءَ﴾ منتصبًا على الحال.
والمقصود بأمرهم (٢): إراءة الأصنام، مع كونها بمرأى منه ﷺ : إظهار خطأهم العظيم، وإطلاعهم على بطلان رأيهم؛ أي: أرونيها لأنظر بأي صفة ألحقتموها بالله الذي ليس كمثله شيء، مع استحقاق العبادة، هل يخلقون، وهل يرزقون؟ وفيه مزيد تبكيت لهم بعد إلزام الحجة عليهم, ثم رد عليهم ما يدعونه من الشركاء، وأبطل ذلك فقال: ﴿كَلَّا﴾ ردع لهم المشاركة بعد إبطال المقايسة؛ أي: ارتدعوا عن دعوى المشاركة، بل ﴿هُوَ﴾ سبحانه وحده، أو الشأن، كما في ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾. ﴿اللهِ﴾؛ أي: المنفرد بالإلهية. ﴿الْعَزِيزُ﴾؛ أي: الموصوف بالعزة والغلبة القاهرة. ﴿الْحَكِيمُ﴾؛ أي: الموصوف بالحكمة الباهرة، فأين شركاؤكم التي هي أخس الأشياء وأذلها من هذه الرتبة العالية.
ومعنى الآية (٣): أي ليس الأمر كما وصفتم فلا نظير له تعالى، ولا ندَّ، بل هو الله الواحد الأحد، ذو العزة التي بها قهر شيء، وهو الحكيم في أفعاله
стр. 10488
وأقواله، وفيما شرع لهم من الدين الحق الذي يسعد من اعتنقه في حياتيه الأولى والآخرة.
قال بعضهم (١): والتقرب باسم العزيز في التمسك بمعناه، وذلك يرفع الهمة عن الخلائق، فإن العز فيه، ومن ذكره أربعين يومًا في كل يوم أربعين مرة .. أعانه الله تعالى وأعزه، ولم يحوجه إلى أحد من خلقه، قال السهروردي: من قرأه سبعة أيام متواليات، كل يوم ألفًا .. أهلك خصمه، وإن ذكره في وجه العسكر سبعين مرة، ويشير إليهم بيده، فإنهم ينهزمون، والتقرب باسم الحكيم أن تراعى حكمته في الأمور كلها، فتجري عليها مقدمًا ما جاء شرعًا، ثم عادة سلمت من معارض شرعي، وخاصية هذا الاسم دفع الدواهي، وفتح باب الحكمة، فمن أكثر ذكره صرف عنه ما يخشاه من الدواهي، وفتح له باب من الحكمة، والحكمة في حقنا إصابة الحق في القول والعمل، وفي حق الله تعالى: معرفة الأشياء وإيجادها على غاية الإحكام، قال بعضهم: الحكمة تقال بالاشتراك على معنيين: الأول: كون الحكيم بحيث يعلم الأشياء على ما هي عليه في نفس الأمر، والثاني: كونه بحيث تصدر منه الأفعال المحكمة الجامعة.
٢٨ - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾؛ أي: وما بعثناك يا محمد إلى قومك خاصة، بل ما أرسلناك ﴿إِلَّا﴾ بعثة، وإرسالة ﴿كَافَّةً﴾؛ أي: عامة شاملة ﴿لِلنَّاسِ﴾ محيطة (٢) بأحمرهم وأسودهم، وعربهم وعجمهم، من الكف بمعنى المنع؛ لأنها إذا عمتهم وشملتهم .. فقد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم، فانتصاب ﴿كَافَّةً﴾ على أنها صفة لمصدر محذوف، والتاء للتأنيث، والجار متعلق بها، ويجوز أن تكون حالًا من الكاف، والتاء للمبالغة كتاء علامة؛ أي: ما أرسلناك في حال من الأحوال إلا حال كونك جامعًا لهم في الإبلاغ؛ لأن الكف يلزم الجمع، قال الراغب: وما أرسلناك إلا كافًا لهم عن المعاصي، والتاء فيه للمبالغة، انتهى. ولا يجوز أن يكون حالًا من ﴿النَّاسِ﴾، لامتناع تقدم الحال على صاحبها المجرور عند الجمهور، كامتناع تقدم المجرور على الجار، وذهب أبو علي وابن كيسان وابن برهان وابن ملكون إلى جوازه، ومنه قول الشاعر:
стр. 10489
إِذَا الْمَرْءُ أَعْيَتْهُ السِّيَادَةُ نَاشِئًا ... فَمَطْلَبُهَا كَهْلًا عَلَيْهِ عَسِيْرُ
وقول الآخر:
تَسَلَّيْتُ طُرًّا عَنْكُمُ بَعْدَ بَيْنِكُمْ ... بِذِكْرَاكُمُ حَتَّى كَأنَّكُمُ عِنْدِيْ
وقول الآخر:
غَافِلًا تَعْرِضُ الْمَنِيةُ لِلْمَرْءِ ... فَيُدْعَى وَلاَتَ حَيْنَ إِبَاءِ
وممن رجح كونها حالًا من المجرور بعدها: ابن عطية، وقال: قدمت للاهتمام والتقوى.
وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبيُّ يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة" متفق عليه.
وفي الحديث (١): بيان الفضائل التي خص الله بها نبينا محمدًا ﷺ دون سائر الأنبياء، وأنَّ هذه الخمسة لم تكن لأحد ممن كان قبله من الأنبياء، وفيه اختصاصه بالرسالة العامة لكافة الخلق الإنس والجن، وكان النبي قبله يبعث إلى قومه، أو إلى بلده خاصة، فعمت رسالة نبينا محمد ﷺ جميع الخلق، وهذه درجة خص بها دون سائر الأنبياء عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام.
وانتصاب ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ على الحال من الكاف في ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾؛ أي: وما أرسلناك إلا حالة كونك مبشرًا لمن آمن بالجنة، وحالة كونك منذرًا ومخوفًا لمن كفر بالنار.
ومعنى الآية (٢): أي وما أرسلناك إلى قومك خاصة، بل أرسلناك إلى الخلق جميعًا، عربهم وعبهم أسودهم وأحمرهم، إنسهم وجنهم، مبشرًا من أطاعني بالثواب العظيم، ومنذرًا من عصاني بالعذاب الأليم، ونحو الآية قوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا
стр. 10490
النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾، وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾؛ أي: الكفار ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ ما عند الله وما لهم من النفع في إرسال الرسل، فيحملهم جهلهم على الإصرار على ما هم عليه من الغيِّ والضلال، ونحو الآية قوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾، وقوله: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
وكرر ذكر الناس (١) تخصيصًا للجهل بنعمتي البشارة والنذارة، ونعمة الرسالة بهم، وأنهم هم الذين لا يعلمون فضل الله بذلك عليهم ولا يشكرونه، وذلك لأن العقل لا يستقل بإدراك جميع الأمور الدنيوية والدينية والأخروية، والتمييز بين المضار والمنافع، فاحتاج الناس إلى التبشير والإنذار، وبيان المشكلات من جهة أهل الوحي.
تتمة: وفي بعض الروايات من الحديث. السابق آنفًا: "فضلت علي الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم"، وهي ما يكون ألفاظه قليلة، ومعانيه كثيرة، "ونصرت بالرعب" يعني: نصرني الله بإلقاء الخوف في قلوب أعدائي، "من مسيرة شهر بيني وبينهم"، وجعل الغاية شهرًا؛ لأنه لم يكن بين بلده وبين أحد من أعدائه المحاربين له أكثر من شهر، "وأحلت لي الغنائم" يعني: أن من قبله من الأمم كانوا إذا غنموا الحيوانات .. تكون ملكًا للغانمين دون الأنبياء، فخص نبينا ﷺ بأخذ الخمس والصفي، وإذا غنموا غيرها من الأمتعة والأطعمة والأموال جمعوه، فتجيء نار بيضاء من السماء، فتحرقه حيث لا غلول، وخص هذه الأمة المرحومة بالقسمة بينهم، كأكل لحم القربان، فإن الله أحله لهم زيادة في أرزاقهم، ولم يحله لمن قبلهم من الأمم، "وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا" يعني: أباح الله لأمتي الصلاة حيث كانوا تخفيفًا لهم، وأباح التيمم بالتراب عند فقد الماء، ولم يبح الصلاة للأمم الماضية إلا في كنائسهم، ولم يجز التطهر لهم إلا بالماء، "وأرسلت إلى الخلق كافة"؛ أي: في زمنه وغيره ممن تقدم أو تأخر، بخلاف رسالة نوح ﵇، فإنها وإن كانت عامة لجميع أهل الأرض، لكنها خصت بزمانه، قال في
стр. 10491
"إنسان العيون": والخلق يشمل الإنس والجن، والملك والحيوانات والنبات والحجر.
٢٩ - ﴿وَيَقُولُونَ﴾؛ أي: المشركون من فرط جهلهم، وغاية غيهم، وشدة تعنتهم وعنادهم مخاطبين لرسول الله ﷺ ، والمؤمنين به بطريق الاستهزاء: ﴿مَتَى﴾ يكون ﴿هَذَا الْوَعْدُ﴾ المبشر به والمنذر عنه، يعنون: الجنة والنار. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في دعوى الوقوع والوجود .. فأخبرونا عن وقت وقوعه، ونحو الآية: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾،
٣٠ - ثم أمر سبحانه رسوله ﷺ أن يجيبهم عن سؤالهم فقال: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ﴾ مبتدأ وخبر؛ أي: وعد يوم، وهو يوم البحث مصدر ميمي، وجملة: ﴿لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ﴾؛ أي: عن ذلك الميعاد المضروب لكم عند مفاجأته صفة لـ ﴿الميعاد﴾ إن طلبتم التأخير، ﴿سَاعَةً﴾؛ أي: مقدار أقل قليل من الزمان.
﴿وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ عليه ساعة إن طلبتم الاستعجال، وفي هذا الجواب من المبالغة في التهديد ما لا يخفى؛ حيث جعل الاستئخار في الاستحالة كالاستقدام الممتنع عقلًا؛ أي لا يمكنكم التأخر عنه بالاستمهال، ولا التقدم إليه بالاستعجال.
فإن قلت (١): كيف انطبق هذا جوابًا لسؤالهم، مع أنهم سألوا عن تعيين وقت الوعد؛ لأن: متى، سؤال عن الوقت المعين، ولا تعرض في الجواب لتعيين الوقت؟
قلت: وجه انطباق هذا الجواب على سؤالهم: أن سؤالهم، وإن كان على صورة استعلام الوقت إلا أن مرادهم الإنكار والتعنت، والجواب المطابق لمثل هذا السؤال أن يجاب بطريق التهديد على تعنتهم وإنكارهم، وأنهم مرصدون ليوم يفاجئهم، فلا يستطيعون تأخر عنه ولا تقدمًا عليه اهـ "زاده" بزيادة.
ومعنى الآية: أي قل لهم أيها الرسول (٢): إن لكم ميعاد يوم هو آتيكم لا محالة، لا تستأخرون عنه ساعة إذا جاء، فتنظروا للتوبة والإنابة، ولا تستقدمون قبله للعذاب؛ لأن الله جعل لكم أجلًا لا تعدونه.
стр. 10492
والخلاصة: دعوا السؤال عن وقت مجيء الساعة، فإنه كائن لا محالة، وسلوا عن أحوال أنفسكم حين تكونون مبهوتين متحيرين من هول ما تشاهدون، فهذا أليق بكم، قيل (١): هو يوم البعث، وهو السابق إلى الذهن، وقيل: وقت حضور الموت، وقيل: أراد يوم بدر؛ لأنه كان يوم عذابهم في الدنيا. أقوال، وعلى كل تقدير فهذه الإضافة للبيان، ويجوز في ﴿مِيعَادُ﴾ أن يكون مصدرًا مرادًا به الوعد، وأن يكون اسم زمان، قال أبو عبيدة: الوعد والوعيد والميعاد بمعنى.
وقرأ الجمهور: ﴿مِيعَادُ﴾ يوم بالإضافة، وقرأ ابن أبي عبلة واليزيدي: ﴿ميعاد يومًا﴾ بتنوينهما، قال الزمخشري: وأما نصب ﴿يومًا﴾ فعلى التعظيم بإضمار فعل تقديره: لكم ميعاد، أعني يومًا، وأريد يومًا صفته كيت وكيت، ويجوز أن يكون انتصابه على الظرف على حذف مضاف؛ أي: إنجاز وعد يوم من صفته كيت وكيت، وقرأ عيسى: ﴿ميعاد﴾ منونًا، و ﴿يوم﴾: بالنصب من غير تنوين مضافًا إلى الجملة، واحتمل تخريجه على الظرف على حذف مضاف؛ أي: إنجاز وعد يوم كذا، واحتمل تخريج الزمخشري على التعظيم.
الإعراب
﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥)﴾.
﴿لَقَدْ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿قد﴾: حرف تحقيق، ﴿كاَنَ﴾: فعل ناقص، ﴿لِسَبَإٍ﴾: خبرها مقدم، ﴿فِي مَسْكَنِهِمْ﴾: حال من ﴿سَبَأ﴾؛ أي: حال كونهم في مسكنهم ﴿آيَةٌ﴾: اسمها مؤخر، وجملة ﴿كاَنَ﴾ جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة، ﴿جَنَّتَانِ﴾: بدل من ﴿آيَةٌ﴾ بدل كل، أو خبر لمبتدأ محذوف، ﴿عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾: صفة لـ ﴿جَنَّتَانِ﴾، ﴿كُلُوا﴾: فعل أمر وفاعل، ﴿مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿كُلُوا﴾، والجملة في محل الرفع مقول لقول محذوف تقديره: وقيل لهم بلسان الحال، أو بلسان المقال: كلوا من رزق ربكم، ﴿وَاشْكُرُوا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿كُلُوا﴾،
стр. 10493
﴿لَهُ﴾: متعلق بـ ﴿اشكروا﴾. ﴿بَلْدَةٌ﴾: خبر لمبتدأ محذوف تقديره: بلدتكم بلدة طيبة، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿كُلُوا﴾، ﴿طَيِّبَةٌ﴾: صفة لـ ﴿بَلْدَةٌ﴾، ﴿وَرَبٌّ﴾: خبر لمبتدأ محذوف، ﴿غَفُورٌ﴾: صفة لـ ﴿رب﴾، والتقدير: وربكم رب غفور، والجملة معطوفة على ما قبلها.
﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧)﴾.
﴿فَأَعْرَضُوا﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت ما قيل لهم، وأردت بيان ما فعلوا بعد ذلك .. فأقول لك: أعرضوا، ﴿أعرضوا﴾: فعل ماض وفاعل، ومتعلقه محذوف تقديره: عن شكر ربهم، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ﴿فَأَرْسَلْنَا﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفريع، ﴿أرسلنا﴾: فعل وفاعل، ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق به، ﴿سَيْلَ الْعَرِمِ﴾: مفعول به، والجملة معطوفة مفرعة على جملة ﴿أعرضوا﴾، ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به أول معطوف على ﴿أرسلنا﴾، ﴿بِجَنَّتَيْهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿بدلنا﴾، ﴿جَنَّتَيْنِ﴾: مفعول ثان لـ ﴿بدلنا﴾، ﴿ذَوَاتَيْ﴾: صفة لـ ﴿جَنَّتَيْنِ﴾ منصوب بالياء؛ لأنه جمع ذات مؤنث، ﴿ذَو﴾: بمعنى صاحب، ﴿أُكُلٍ﴾: مضاف إليه، ﴿خَمْطٍ﴾: صفة ﴿أُكُلٍ﴾، ﴿وَأَثْلٍ﴾: معطوف على ﴿أُكُلٍ﴾، ﴿وَشَيْءٍ﴾: معطوف عليه أيضًا، ﴿مِنْ سِدْرٍ﴾: صفة أولى لـ ﴿شَيْءٍ﴾، ﴿قَلِيلٍ﴾: صفة ثانية له، ﴿ذَلِكَ﴾: في محل النصب مفعول ثانٍ لـ ﴿جَزَيْنَاهُمْ﴾ مقدم عليه؛ لأنه ينصب مفعولين؛ أي: جزيناهم ذلك التبديل، ﴿جَزَيْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، والجملة مستأنفة، ﴿بِمَا﴾ ﴿الباء﴾: سببية متعلقة بـ ﴿جَزَيْنَاهُمْ﴾، ﴿ما﴾: مصدرية، ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل، صلة لـ ﴿ما﴾ المصدرية؛ أي: بسبب كفرهم، ﴿وَهَلْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿هَلْ﴾: حرف استفهام للاستفهام الإنكاري بمعنى: النفي، ﴿نُجَازِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿الْكَفُورَ﴾: مفعول به، والجملة مستأنفة.
﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (١٨)﴾.
стр. 10494
﴿وَجَعَلْنَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿جعلنا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿بدلناهم﴾ عطف قصة على قصة، ﴿بَيْنَهُمْ﴾: ظرف مضاف منصوب على الظرفية، متعلق بـ ﴿جعلنا﴾ على كونه مفعولًا ثانيًا له، ﴿وَبَيْنَ الْقُرَى﴾: ظرف ومضاف إليه، معطوف على الظرف الأول، ﴿الَّتِي﴾ في محل الجر صفة لـ ﴿الْقُرَى﴾، ﴿بَارَكْنَا﴾: فعل وفاعل، ﴿فِيهَا﴾: متعلق به، والجملة صلة الموصول، ﴿قُرًى﴾: مفعول أول لـ ﴿جعلنا﴾، ﴿ظَاهِرَةً﴾: صفة لـ ﴿قُرًى﴾، ﴿وَقَدَّرْنَا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿جعلنا﴾، ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿الْأَرْضَ﴾، أو متعلق بـ ﴿السَّيْرَ﴾، و ﴿السَّيْرَ﴾: مفعول به لـ ﴿قَدَّرْنَا﴾، ﴿سِيرُوا﴾: فعل أمر وفاعل، ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿سِيرُوا﴾، ﴿لَيَالِيَ وَأَيَّامًا﴾: منصوبان على الظرفية، متعلقان بـ ﴿سِيرُوا﴾؛ ﴿آمِنِينَ﴾: حال من فاعل ﴿سِيرُوا﴾، وجملة ﴿سِيرُوا﴾ في محل النصب مقول لقول محذوف تقديره: وقلنا لهم سيروا، والقول المحذوف معطوف على ﴿قدرنا﴾.
﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩)﴾.
﴿فَقَالُوا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿قالوا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على محذوف جواب لما المحذوفة، والتقدير: ولما بطروا النعمة، وطغوا، وسئموا الراحة، ولم يصبروا على العافية .. تمنوا طول الأسفار، والكد في المعيشة، فقالوا: ربنا باعد بين أسفارنا، كما يشير إليه كلام القرطبي. ﴿رَبَّنَا﴾: منادى مضاف حذف منه حرف النداء، وجملة النداء مقول ﴿قالوا﴾، ﴿بَاعِدْ﴾: فعل دعاء، وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾ على كونها جواب النداء، ﴿بَيْنَ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿بَاعِدْ﴾، ﴿أَسْفَارِنَا﴾: مضاف إليه، ﴿وَظَلَمُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿قالوا﴾، ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾: مفعول به: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، معطوف على ﴿ظَلَمُوا﴾، ﴿أَحَادِيثَ﴾: مفعول ثان، ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على ﴿جَعَلْنَاهُمْ﴾، ﴿مُمَزَّقٍ﴾: منصوب على المفعولية المطلقة لنيابته عن المصدر ﴿إنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد، ﴿فِي ذَلِكَ﴾: خبر مقدم لها، ﴿لَآيَاتٍ﴾: اسمها مؤخر، واللام حرف ابتداء، ﴿لِكُلِّ صَبَّار﴾: صفة لـ ﴿آيَات﴾، ﴿شَكُورٍ﴾: صفة ﴿صَبَّارٍ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة.
﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠) وَمَا كَانَ لَهُ
стр. 10495
عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٢١)﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿اللام﴾: موطئة للقسم ﴿قد﴾: حرف تحقيق، ﴿صَدَّقَ﴾: فعل ماض، ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق به، ﴿إِبْلِيسُ﴾: فاعل، ﴿ظَنَّهُ﴾: مفعول به، والجملة جواب القسم، وجملة القسم مستأنفة، ﴿فَاتَّبَعُوهُ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿اتَّبَعُوه﴾: فعل ماضٍ، وفاعل ومفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿صَدَّقَ﴾، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء، ﴿فَرِيقًا﴾: منصوب على الاستثناء ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: صفة لـ ﴿فَرِيقًا﴾، ﴿وَمَا﴾: الواو: حالية أو عاطفة، ﴿مَا﴾: نافية، ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، ﴿لَهُ﴾: خبر كان مقدم، ﴿عَلَيْهِمْ﴾: حال من ﴿سُلْطَانٍ﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها، ﴿مِنْ﴾: زائدة، ﴿سُلْطَانٍ﴾: اسمها مؤخر، والجملة في محل النصب حال من إبليس، أو معطوفة على جملة القسم، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء متصل مفرغ من أعم العلل، تقديره: وما كان تسليطنا إياه عليهم لعلة من العلل إلا لأجل أن نعلم ونميز من يؤمن بآياتنا، ﴿لِنَعْلَمَ﴾ ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل، ﴿نَعْلَمَ﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، وفاعله ضمير يعود على الله، ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿نعلم﴾، ﴿يُؤْمِنُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر، ﴿بِالْآخِرَةِ﴾: متعلق به، وجملة ﴿يُؤْمِنُ﴾ صلة الموصول، وجملة ﴿نعلم﴾ مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام، الجار والمجرور متعلق بمعلول محذوف تقديره: وما كان تسليطنا إياه عليهم إلا لعلمنا وتمييزنا من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك، ﴿مِمَّنْ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿نعلم﴾؛ لأنه متضمن معنى: نميز، ﴿هُوَ﴾: مبتدأ، ﴿مِنْهَا﴾: حال من ﴿شَكٍّ﴾؛ لأنه في الأصل صفة لـ ﴿شَكٍّ﴾. ﴿فِي شَكٍّ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صلة الموصول، ﴿وَرَبُّكَ﴾: مبتدأ ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾: متعلق بـ ﴿حَفِيظٌ﴾، ﴿حَفِيظٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢)﴾.
﴿قُلِ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد، مبني بسكون مقدر منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة التخلص من التقاء الساكنين، والجملة مستأنفة،
стр. 10496
﴿ادْعُوا﴾: فعل أمر وفاعل، ﴿الَّذِينَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب مقول القول، وجملة ﴿زَعَمْتُمْ﴾: صلة الموصول، ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور، صفة للمفعول الثاني المحذوف، والمفعول الأول محذوف أيضًا تقديره: زعمتموهم آلهة كائنة من دون الله تعالى، فحذف الأول لطول الموصول بصلته، وحذف الثاني لقيام صفته، أعني دون الله مقامه، فإذن مفعولا زعم محذوفان جميعًا بسببين مختلفين. ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾: فعل وفاعل، ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة مسوقة لبيان حال آلهتهم، أو حال من الموصول في قوله: ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾. ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: متعلق بـ ﴿يَمْلِكُونَ﴾، أو صفة لـ ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾، ﴿وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾، ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿مَا﴾: نافية، ﴿لَهُم﴾: خبر مقدم، ﴿فِيهِمَا﴾: حال من شرك؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها، ﴿مِنْ﴾: زائدة، ﴿شِرْكٍ﴾: مبتدأ مؤخر، واسم ﴿مَا﴾ على رأي من يجيز تقدم خبرها على اسمها، والجملة معطوفة على جملة ﴿يَمْلِكُونَ﴾، ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿ما﴾: نافية، ﴿لَهُ﴾: خبر مقدم، ﴿مِنْهُمْ﴾: حال من ﴿ظَهِيرٍ﴾، ﴿مِنْ﴾ زائدة، ﴿ظَهِيرٍ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة معطوفة على جملة ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾ أيضًا.
﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)﴾.
﴿وَلَا تَنْفَعُ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿لا تنفع الشفاعة﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿عِنْدَهُ﴾: متعلق بـ ﴿تَنْفَعُ﴾ أو حال من الشفاعة، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان المصير الذي لا تنفع فيه شفاعة الشافعين، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿لِمَنْ﴾: متعلق بـ ﴿الشَّفَاعَةُ﴾، أو بـ ﴿تَنْفَعُ﴾، ﴿أَذِنَ﴾: فعل، وفاعل مستتر يعود على الله، ﴿لَهُ﴾: متعلق بـ ﴿أَذِنَ﴾، والجملة صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية لمحذوف يفهم من السياق، كأنه قيل: وكانوا يتربصون ويقفون خائفين وجلين تتقاوسهم المخاوف، وتتقاذفهم الشكوك، أيؤذن لهم أم لا؟ ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ﴾، ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿فُزِّعَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ﴿عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾: جار ومجرور، في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿فُزِّعَ﴾، والجملة في محل الجر بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي، ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿إِذَا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة
стр. 10497
﴿إِذَا﴾ الشرطية مع جوابها في محل الجر بـ ﴿حَتَّى﴾ الجارة، والتقدير: يقفون خائفين منتظرين الإذن إلى قولهم: ماذا قال ربكم وقت إزالة الفزع عنهم، و ﴿حَتَّى﴾: متعلق بيقفون المحذوف، ﴿مَاذَا﴾: ﴿ما﴾: اسم استفهام مبتدأ، ﴿ذا﴾: اسم موصول خبره، ﴿قَالَ رَبُّكُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ذا﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: ما الذي قاله ربكم، والجملة الاسمية محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾، ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿الْحَقَّ﴾: مقول لـ ﴿قَالَ﴾ المحذوف بتضمينه معنى ذكر، تقديره: قال ربنا القول الحق، وهو الإذن في الشفاعة، وجملة ﴿قال﴾ المحذوف في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾، ولك أن تعرب القول المحذوف مفعولًا مطلقًا لقال المحذوف، أو مفعولًا به؛ لأنه بمعنى: ذكر، و ﴿الْحَقَّ﴾: صفة له، ﴿وَهُوَ﴾: مبتدأ، ﴿الْعَلِيُّ﴾: خبر أول، ﴿الْكَبِيرُ﴾: خبر ثانٍ، والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦)﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة مستأنفة، ﴿مَن﴾: اسم استفهام مبتدأ، وجملة ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾ ﴿مِنَ السَّمَاوَاتِ﴾ متعلق بـ ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾، ﴿وَالْأَرْضِ﴾ معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر، والجملة مستأنفة، ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ خبره محذوف تقديره: الله يرزقنا وإياكم، أو خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو الله، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾، ﴿وَإِنَّا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إنا﴾: ناصب واسمه، ﴿أَوْ إِيَّاكُمْ﴾: معطوف على اسم ﴿إن﴾، ﴿لَعَلَى﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿على هدى﴾: جار ومجرور، خبر ﴿إن﴾؛ أي: لكائنون على هدى، وجملة ﴿إن﴾ معطوفة على جملة ﴿الله يرزقنا﴾ على كونها مقولًا لـ ﴿قُلِ﴾، ﴿أَوْ فِي ضَلَالٍ﴾: معطوف على ﴿على هدى﴾، ﴿مُبِينٍ﴾: صفة ﴿ضَلَالٍ﴾، ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة مستأنفة، ﴿لَا﴾: نافية، ﴿تُسْأَلُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾، ﴿عَمَّا﴾: متعلق بـ ﴿تُسْأَلُونَ﴾، و ﴿ما﴾ موصولة أو مصدرية، ﴿أَجْرَمْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة
стр. 10498
لـ ﴿ما﴾ الموصولة، أو المصدرية، ﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لا﴾: نافية، ﴿نُسْأَلُ﴾: فعل مضارع مغيَّر الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على المتكلمين، والجملة معطوفة على جملة ﴿لَا تُسْأَلُونَ﴾، ﴿عَمَّا﴾: متعلق بـ ﴿نُسْأَلُ﴾، وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ المصدرية، أو الموصولة، ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة مستأنفة، ﴿يَجْمَعُ﴾: فعل مضارع، ﴿بَيْنَنَا﴾: متعلق بـ ﴿يَجْمَعُ﴾، ﴿رَبُّنَا﴾: فاعل ﴿يَجْمَعُ﴾، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾، ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب، ﴿يَفْتَحُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله، معطوف على ﴿يَجْمَعُ﴾، ﴿بَيْنَنَا﴾: متعلق بـ ﴿يَفْتَحُ﴾، ﴿بِالْحَقِّ﴾: متعلق بـ ﴿يَفْتَحُ﴾ أيضًا، ﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ﴾: مبتدأ وخبر أول، ﴿الْعَلِيمُ﴾: خبر ثانٍ، والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر، والجملة مستأنفة، ﴿أَرُونِيَ﴾: فعل أمر والواو فاعل، والنون: للوقاية، والياء: مفعول به أول؛ لأنّ الرؤية علمية متعدية قبل النقل إلى اثنين، فلما جيء بهمزة النقل تعدت إلى ثلاثة مفاعيل. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿أَرُونِيَ﴾، والجملة ﴿أَلْحَقْتُمْ﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: ألحقتموهم، ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿أَلْحَقْتُم﴾، ﴿شُرَكَاءَ﴾: مفعول ثالث لـ ﴿أَرُونِيَ﴾، وجملة ﴿أَرُونِيَ﴾ في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾، ويجوز أن تكون الرؤية بصرية متعدية قبل النقل إلى واحد، فلما جيء بهمزة النقل .. تعدت لاثنين، أولهما: ياء المتكلم، والثاني: الموصول، ﴿شُرَكَاءَ﴾: حال من العائد المحذوف؛ أي: بصّروني الملحقين به حال كونهم شركاء له. ﴿كَلَّا﴾ حرف ردع وزجر مبني على السكون، ﴿بَلْ﴾: حرف إضراب وابتداء، ﴿هُوَ﴾: ضمير الشأن مبتدأ أول ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ ثانٍ، ﴿الْعَزِيزُ﴾: خبر أول له، ﴿الْحَكِيمُ﴾: خبر ثان له، وجملة المبتدأ الثاني مع خبره خبر للمبتدأ الأول، وجملة المبتدأ الأول مستأنفة، ولك أن تجعل ﴿هُوَ﴾ ضميرًا عائدًا على الله، وتعربه مبتدأ خبره ﴿اللَّهُ﴾، و ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: صفتان للجلالة.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾.
стр. 10499
﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿ما﴾: نافية ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة مستأنفة، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿كَافَّةً﴾: حال من الكاف في ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾، أو من الناس على رأي من يجيز تقدم الحال على الجار والمجرور، أو صفة لمصدر محذوف؛ أي: إرسالة كافة عامة للناس، ﴿لِلنَّاسِ﴾ متعلقان بـ ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾ ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾: حالان من الكاف في ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾، ﴿وَلَكِنَّ﴾: حرف نصب واستدراك، ﴿أَكْثَرَ النَّاسِ﴾: اسمها ومضاف إليه، وجملة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ خبرها، والجملة معطوفة على جملة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾ عطف اسمية على فعلية.
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٩) قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠)﴾.
﴿وَيَقُولُونَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿يقولون﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿مَتَى﴾: اسم استفهام في محل النصب على الظرفية الزمانية، مبني على السكون، والظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم، ﴿هَذَا﴾: مبتدأ مؤخر ﴿الْوَعْدُ﴾: بدل من اسم الإشارة، والجملة الاسمية في محل النصب مقول لـ ﴿يقولون﴾، ﴿إِن﴾: حرف شرط، ﴿كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: فعل ناقص واسمه وخبره في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، وجواب الشرط محذوف دلّ عليه ما قبله، تقديره: إنْ كنتم صادقين فيما وعدتمونا .. فأخبرونا متى هو، وجملة ﴿إِن﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿يقولون﴾، ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة مستأنفة، ﴿لَكُمْ﴾: خبر مقدم، ﴿مِيعَادُ يَوْمٍ﴾: مبتدأ مؤخر، وهو مصدر مضاف إلى الظرف، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾، ﴿لَا﴾: نافية، ﴿تَسْتَأْخِرُونَ﴾: فعل وفاعل، ﴿عَنْهُ﴾: متعلق بـ ﴿تَسْتَأْخِرُونَ﴾، ﴿سَاعَةً﴾: طرف زمان متعلق به أيضًا، والجملة الفعلية في محل الجر صفة لـ ﴿يَوْمٍ﴾، وجملة ﴿وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾: معطوفة على جملة ﴿لَا تَسْتَأْخِرُونَ﴾.
التصريف ومفردات اللغة
﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾ هو: سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، والمراد به هنا: القبيلة.
﴿فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ والمسكن: موضع السكنى، وهو: مأرب، كمنزل من بلاد
стр. 10500
اليمن، بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام.
﴿آيَةٌ﴾؛ أي: علامة دالة على وجود الله ووحدانيته، وقدرته على إيجاد الغرائب والعجائب. ﴿جَنَّتَانِ﴾؛ أي: بستانان.
﴿عَنْ يَمِينٍ﴾ واليمين في الأصل: الجارحة، وهي أشرف الجوارح لقوتها، وبها تعرف من الشمال وتمتاز عنها. ﴿وَشِمَالٍ﴾: ضد اليمين. ﴿فَأَعْرَضُوا﴾؛ أي: انصرفوا عن شكر هذه النعم، يقال: أعرض: إذا أظهر عرضه؛ أي: ناحيته.
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ﴾ الإرسال: مقابل الإمساك، والتخلية، وترك المنع.
﴿سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ السيل: أصله مصدر، كالسيلان بمعنى: فاض الوادي ماء، وجعل اسمًا للماء الذي يأتيك ولم يصبك مطره، والعرم: من العرامة، وهي الشدة والصعوبة، يقال: عَرَم، كنصر وضرب وكرم وعلم عرامةً وعرامًا بالضم، فهو عارم وعرم: إذا اشتد، وعرم الرجل إذا شرس خلقه؛ أي: ساء وصعب، وأضاف السيل إلى العرم؛ أي: الصعب، وهو من إضافة الموصوف إلى صفته، بمعنى: سيل المطر العرم، أو الأمر العرم، وقيل: العرم بفتح أوله وكسر ثانية، جمع: عرمة، كذلك مثل كلم وكلمة، وهي الحجارة المركومة، كخزّان أسوان في وادي النيل لحجز المياه جنوبيّ النيل، وقيل: اسم للجرذ؛ أي: الخلد: نوع من الفئران، وقيل: المطر الشديد، وقيل: اسم للوادي، وقيل: غير ذلك من الأقوال المتلاطمة، ولن تجد كلمة اختلف فيها المفسرون كهذه الكلمة، واختار الجلال منها أن يكون العرم جمع عرمة، وهو ما يمسك الماء من بناء وغيره إلى وقت حاجته، وهذا ما نعبّر عنه اليوم بالسدود، وهو أولى ما تفسَّر به الآية، وقد يحدث تصدّع السدود وانهيارها بأسباب مختلفة.
﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ﴾ والتبديل: جعل الشيء مكان آخر، والباء تدخل على المتروك، كما هو القاعدة المشهورة.
﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ﴾ مثنى: ذوات أو ذات، ولفظ ذوات مفرد؛ لأن أصله: ذوية، فالواو عين الكلمة والياء لامها؛ لأنه مؤنث ذو وذو أصله: ذوي، فلما تحركت الياء وانفتح ما قبلها .. قلبت الفًا، فصار: ذوا، ثم حذفت الواو تخفيفًا، فعندما يراد تثنيته يجوز أن ينظر إلى لفظه الآن، فيقال: ذاتان، ويجوز أن ينظر إلى أصله،
стр. 10501
فيقال: ذواتان. هذا، وذات: مؤنث ذو، ومثناها: ذواتان، والجمع: ذوات، ويعرب المؤنث والمثنى والجمع إعراب نظيره من الأسماء المفردة والمثناة والمجموعة.
﴿أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ بضمتين وبضم، فسكون: الثمر أو ما يؤكل، والخمط: المر والحامض، يقال: خمر خمطة؛ أي: حامضة، ولبن خمط؛ أي: متغيِّر، وفي "المختار": الخمط: ضرب من الأراك له حمل يؤكل، وعن أبي عبيدة: كل شجر ذي شوك، وقال الزجاج: كل نبت أخذ طعمًا من مرارة حتى لا يمكن أكله. اهـ.
﴿وَأَثْلٍ﴾ الأثلة: السمرة، وقيل: شجر من العضاة طويلة مستقيمة الخشبة تعمل منها القصاع والأقداح، فوقعت مجازًا في قولهم: نحت أثلته إذا تنقصته، وفلان لا تنحت أثلته، ولفلان أثلة مال؛ أي: أصل مال، ثم قالوا: أثلت مالًا وتأثلته، وشرف مؤثل وأثيل، وقيل: الأثل: الطرفاء، وهو المعروف في مصر بالأتل، وفي اللغة الأرمية: غاترا، قال الفراء: يشبه الطرفاء إلا أنه أعظم منه طولًا، ومنه اتخذ منبر رسول الله ﷺ ، وورقه كورق الطرفاء، والواحدة: أثلة، والجمع: أثلال، كما مر وفي الأرمية: بربرس.
﴿مِنْ سِدْرٍ﴾ السدر: شجر النبق يطيب أكله، ولذا يغرس في البساتين، وقيل: إن السدر صنفان، صنف يؤكل ثمره، وينتفع بورقه في غسل الأيدي، وصنف له ثمرة غضة لا تؤكل أصلًا، وهو الضال في الأرمية: قرقر غبروا.
﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُور﴾ قال في "القاموس": ﴿هَلْ﴾: كلمة استفهام، وقد يكون بمعنى الجحد وكفر النعمة، وكفرانها: سترها بترك أداء شكرها.
﴿وَبَيْنَ الْقُرَى﴾: جمع قرية، والقرية: اسم للموضع الذي يجتمع فيه الناس، بلدة كانت أو غيرها. ﴿بَارَكْنَا فِيهَا﴾ والبركة: ثبوت الخير الإلهي في الشيء، والمبارك: ما فيه ذلك الخير.
﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾ أصل ظهر الشيء: أن يحصل على ظهر الأرض فلا يخفى، وبطن الشيء: أن يحصل في بطنان الأرض فيخفى، ثم صار مستعملًا في كل ما برز للبصر والبصيرة. ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾ والسير: المضي في الأرض.
﴿آمِنِينَ﴾ أصل الأمن: طمأنينة النفس، وزوال الخوف.
стр. 10502
﴿بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ المباعدة والبعاد: مصدران لباعد، والأسفار: جمع سفر، والسفر: خلاف الحضر، وهو في الأصل كشف الغطاء، وسفر الرجل فهو سافر وسافر: خص بالمفاعلة اعتبارًا بأن الإنسان قد سفر عن المكان، والمكان سفر عنه، ومن لفظ السفر اشتقت السفرة لطعام السفر، ولما يوضع فيه من الجلد المستدير. وقال بعضهم: وسمي السفر سفرًا؛ لأنه يسفر؛ أي: يكشف عن أخلاق الرجال، ويستخرج دعاوي النفوس ودفائنها.
﴿أَحَادِيثَ﴾ جمع: أحدوثة، وهي ما يتحدث به على سبيل التلهي والاستغراب، وتقديره في العربية: ذوي أحاديث، قال ابن الكمال: الأحاديث مبني على واحده المستعمل، وهو الحديث، كأنهم جمعوا حديثًا على أحدثة، ثم جمعوا الجمِع على الأحاديث، وفي "القاموس": الأحاديث: جمع حديث بمعنى الخبر.
﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾؛ أي: فرقناهم كل تفريق؛ أي: فرقناهم تفريقًا لا يتوقع بعده عود اتصال.
﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ الصبار: كثير الصبر عن الشهوات ودواعي الهوى وعلى مشاقّ الطاعات، والشكور: كثير الشكران على النعم، وهما من صيغ المبالغة.
﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ﴾ وإبليس: مشتق من الإبلاس، وهو الحزن المعترض من شدة اليأس، كما في "المفردات": أبلس: يئس وتحير، ومنه: إبليس، أو هو أعجمي. انتهى.
﴿ظَنَّهُ﴾ والظن: هو الاعتقاد الراجح مع احتمال النقيض، ومظنة الشيء - بكسر الظاء -: موضع يظن فيه وجوده.
﴿إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الفريق: الجماعة المنفردة عن الناس.
﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾؛ أي: وجد ظنه فيهم صادقًا؛ لانهماكهم في الشهوات، واستفراغ الجهد في اللذات.
﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾ السلطان: القهر والغلبة، ومنه: السلطان لمن له ذلك.
﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ العلم: إدراك الشيء بحقيقته، والعالم في وصف الله تعالى هو الذي لا يخفى عليه شيء.
стр. 10503
﴿مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾: والشك: اعتدال النقيضين عند الإنسان وتساويهما.
﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾؛ أي: محافظ عليه، فإن فعيلًا ومفاعلًا صيغتان متآخيتان في إفادة المبالغة، وقيل: معناه: أي: وكيل قائم على شؤون خلقه.
﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ قال في "القاموس": الزعم - مثلثة -: القول الحق، والباطل، والكذب، وأكثر ما يقال فيما يشك فيه، وفي "المفردات": الزعم: حكاية قول يكون مظنة الكذب، ولهذا جاء في القرآن في كل موضع ذمَّ القائلين به.
﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾ وهي طلب العفو أو الفضل للغير من الغير، يعني: أن الشافع شفيع للمشفوع له في طلب نجاته، أو زيادة ثوابه، ولذا لا تطلق الشفاعة على دعاء الرجل لنفسه، وأما دعاء الأمة للنبي ﷺ ، وسؤالهم له مقام الوسيلة، فلا يطلق عليه الشفاعة؛ إما لاشتراط العلو في الشفيع، وإما لاشتراط العجز في المشفوع له، وكلاهما منتفٍ هاهنا.
﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ والتفزيع: إزالة الفزع، وهو انقباض ونفار يعتري الإنسان من الشيء المخيف، وهو من جنس الجزع، ولذا لا يقال: فزعت من الله، كما يقال: خفت منه، وفي "الأساس": وفزَّع عن قلبه: كشف الفزع عنه، فالتضعيف هنا للسلب، كما يقال: قزدت البعير: أزلت قراده.
﴿عَمَّا أَجْرَمْنَا﴾ الإجرام: فعل الجرم، والجرم - بالضم -: الذنب، وأصله: القطع، واستعير لكل اكتساب مكروه، كما في "المفردات".
﴿أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ﴾؛ أي: أعلموني بالدليل وجه الشركة. ﴿كَلَّا﴾: كلمة للزجر عن كلام، أو فعل صدر من المخاطب.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الطباق بين لفظ ﴿يَمِينٍ﴾ و ﴿وَشِمَالٍ﴾، وبين ﴿بَشِير﴾ و ﴿نَذِيرٍ﴾، وبين ﴿تَسْتَقْدِمُونَ﴾ و ﴿تَسْتَأْخِرُونَ﴾.
ومنها: المشاكلة في قوله: ﴿جَنَّتَيْنِ﴾ وهو ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في
стр. 10504
مقابلته، فقد سمي البدل جنتين للمشاكلة، وإلا فالخمط والأثل والضال ليس بجنة.
ومنها: التهكم بهم في قوله: ﴿جَنَّتَيْنِ﴾.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا﴾ فإن كلمة ﴿سِيرُوا﴾ مشتقة من السير.
ومنها: التنكير في قوله: ﴿لَيَالِيَ وَأَيَّامًا﴾ إلماعًا إلى قصر أسفارهم، فقد كانت قصيرة؛ لأنهم يرتعون في بحبوحة من العيش، ورغد منه، لا يحتاجون إلى مواصلة الكد، وتجشم عناء الأسفار للحصول على ما يرفه عيشهم.
ومنها: التذييل في قوله: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ فإنه تذييل لقوله: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾، وهو هنا أن تكون الجملة الثانية متوقفة على الأولى في إفادة المراد؛ أي: وهل يجازى ذلك الجزاء المخصوص، ومضمون الجملة الأولى أن آل سبأ جزاهم الله تعالى بكفرهم، ومضمون الثانية أن ذلك العقاب المخصوص لا يقع إلا للكفور، وفرق بين قولنا: جزيته بسبب كذا، وبين قولنا: ولا يجزى ذلك الجزاء إلا من كان بذلك السبب، ولتغايرهما يصح أن يجعل الثاني علة للأول، ولكن اختلاف مفهومهما لا ينافي تأكيد أحدهما بالآخر للزوم معنى.
ومنها: مقابلة الإيمان بالشك في قوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ إيذانًا بأن أدنى مرتبة الكفر يوقع في الورطة.
ومنها: جعل الشك ظرفًا له، وتقديم صلته عليه، والعدول إلى كلمة ﴿مِنْ﴾ مع أنه يتعدى بفي؛ للمبالغة والاشعار بشدته، وأنه لا يرجى زواله.
ومنها: المبالغة في قوله: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾؛ لأن فعيلًا من صيغ المبالغة.
ومنها: فن الفرائد في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾، وهو أن يأتي المتكلم في كلامه بلفظة تتنزل منزلة الفريدة من حب العقد، وهي الجوهرة التي لا نظير لها، بحيث لو سقطت من الكلام لم يسد غيرها مسدَّها، وفي لفظة: ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ من غرابة الفصاحة ما لا مزيد عليه.
ومنها: التعجيز بدعاء الجماد الذي لا يسمع ولا يحس في قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا
стр. 10505
الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
ومنها: التوبيخ والتبكيت في قوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
ومنها: حذف الخبر لدلالة السياق عليه في قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾؛ أي: قل الله الخالق الرازق للعباد، ودلَّ على المحذوف سياق الآية.
ومنها: المبالغة بذكر صيغ المبالغة في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾، وفي قوله: ﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾؛ لأن فعالًا وفعولًا وفعيلًا من أوزان المبالغة.
ومنها: الاستدراج في قوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، وهو فن يعتبر من البلاغة محورها الذي تدور عليه؛ لأنه يستدرج الخصم ويضطره إلى الإذعان والتسليم، والعزوف عن المكابرة واللجاج، فإنه لما ألزمهم الحجة خاطبهم بالكلام المنصف الذي يقول من سمعه المخاطب به: قد أنصفك صاحبك، كقول الرجل لصاحبه: أنا وأنت أحدنا لكاذب، وأبرزه في صورة الإبهام لأجل الإنصاف في الكلام.
ومنها: المخالفة بين حرفي الجر في قوله: ﴿لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ فإنه إنما خولف بينهما في الدخول على الحق والباطل؛ لأن صاحب الحق كأنه مستعلٍ على فرس جواد يركض به حيث شاء، وصاحب الباطل كأنه منغمس في ظلام منخفض فيه، لا يدري أين يتوجه، وهذا معنى دقيق قلّما يراعى مثله في الكلام، وكثيرًا ما سمعنا إذا كان الرجل يلوم أخاه أو يعاتب صديقه على أمر من الأمور، فيقول له: أنت على ضلالك القديم، كما أعهدك، فيأتي بعلى في موضع: في، وإن كان هذا جائزًا، إلا أن استعمال في هنا أولى لما أشرنا إليه، والاستعارة التصريحية واضحة.
ومنها: الأمر في قوله: ﴿أَرُونِيَ﴾ أمرهم بإراءته الأصنام مع كونها بمرأى منه إظهارًا لخطئهم، وإطلاعهم على بطلان رأيهم.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿عَمَّا أَجْرَمْنَا﴾ لأن الإجرام في الأصل: القطع ثم استعير لكل اكتساب مكروه.
ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا