فيقال: ذواتان. هذا، وذات: مؤنث ذو، ومثناها: ذواتان، والجمع: ذوات، ويعرب المؤنث والمثنى والجمع إعراب نظيره من الأسماء المفردة والمثناة والمجموعة.
﴿أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ بضمتين وبضم، فسكون: الثمر أو ما يؤكل، والخمط: المر والحامض، يقال: خمر خمطة؛ أي: حامضة، ولبن خمط؛ أي: متغيِّر، وفي "المختار": الخمط: ضرب من الأراك له حمل يؤكل، وعن أبي عبيدة: كل شجر ذي شوك، وقال الزجاج: كل نبت أخذ طعمًا من مرارة حتى لا يمكن أكله. اهـ.
﴿وَأَثْلٍ﴾ الأثلة: السمرة، وقيل: شجر من العضاة طويلة مستقيمة الخشبة تعمل منها القصاع والأقداح، فوقعت مجازًا في قولهم: نحت أثلته إذا تنقصته، وفلان لا تنحت أثلته، ولفلان أثلة مال؛ أي: أصل مال، ثم قالوا: أثلت مالًا وتأثلته، وشرف مؤثل وأثيل، وقيل: الأثل: الطرفاء، وهو المعروف في مصر بالأتل، وفي اللغة الأرمية: غاترا، قال الفراء: يشبه الطرفاء إلا أنه أعظم منه طولًا، ومنه اتخذ منبر رسول الله ﷺ ، وورقه كورق الطرفاء، والواحدة: أثلة، والجمع: أثلال، كما مر وفي الأرمية: بربرس.
﴿مِنْ سِدْرٍ﴾ السدر: شجر النبق يطيب أكله، ولذا يغرس في البساتين، وقيل: إن السدر صنفان، صنف يؤكل ثمره، وينتفع بورقه في غسل الأيدي، وصنف له ثمرة غضة لا تؤكل أصلًا، وهو الضال في الأرمية: قرقر غبروا.
﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُور﴾ قال في "القاموس": ﴿هَلْ﴾: كلمة استفهام، وقد يكون بمعنى الجحد وكفر النعمة، وكفرانها: سترها بترك أداء شكرها.
﴿وَبَيْنَ الْقُرَى﴾: جمع قرية، والقرية: اسم للموضع الذي يجتمع فيه الناس، بلدة كانت أو غيرها. ﴿بَارَكْنَا فِيهَا﴾ والبركة: ثبوت الخير الإلهي في الشيء، والمبارك: ما فيه ذلك الخير.
﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾ أصل ظهر الشيء: أن يحصل على ظهر الأرض فلا يخفى، وبطن الشيء: أن يحصل في بطنان الأرض فيخفى، ثم صار مستعملًا في كل ما برز للبصر والبصيرة. ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾ والسير: المضي في الأرض.
﴿آمِنِينَ﴾ أصل الأمن: طمأنينة النفس، وزوال الخوف.
стр. 10502
﴿بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ المباعدة والبعاد: مصدران لباعد، والأسفار: جمع سفر، والسفر: خلاف الحضر، وهو في الأصل كشف الغطاء، وسفر الرجل فهو سافر وسافر: خص بالمفاعلة اعتبارًا بأن الإنسان قد سفر عن المكان، والمكان سفر عنه، ومن لفظ السفر اشتقت السفرة لطعام السفر، ولما يوضع فيه من الجلد المستدير. وقال بعضهم: وسمي السفر سفرًا؛ لأنه يسفر؛ أي: يكشف عن أخلاق الرجال، ويستخرج دعاوي النفوس ودفائنها.
﴿أَحَادِيثَ﴾ جمع: أحدوثة، وهي ما يتحدث به على سبيل التلهي والاستغراب، وتقديره في العربية: ذوي أحاديث، قال ابن الكمال: الأحاديث مبني على واحده المستعمل، وهو الحديث، كأنهم جمعوا حديثًا على أحدثة، ثم جمعوا الجمِع على الأحاديث، وفي "القاموس": الأحاديث: جمع حديث بمعنى الخبر.
﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾؛ أي: فرقناهم كل تفريق؛ أي: فرقناهم تفريقًا لا يتوقع بعده عود اتصال.
﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ الصبار: كثير الصبر عن الشهوات ودواعي الهوى وعلى مشاقّ الطاعات، والشكور: كثير الشكران على النعم، وهما من صيغ المبالغة.
﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ﴾ وإبليس: مشتق من الإبلاس، وهو الحزن المعترض من شدة اليأس، كما في "المفردات": أبلس: يئس وتحير، ومنه: إبليس، أو هو أعجمي. انتهى.
﴿ظَنَّهُ﴾ والظن: هو الاعتقاد الراجح مع احتمال النقيض، ومظنة الشيء - بكسر الظاء -: موضع يظن فيه وجوده.
﴿إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الفريق: الجماعة المنفردة عن الناس.
﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾؛ أي: وجد ظنه فيهم صادقًا؛ لانهماكهم في الشهوات، واستفراغ الجهد في اللذات.
﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾ السلطان: القهر والغلبة، ومنه: السلطان لمن له ذلك.
﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ العلم: إدراك الشيء بحقيقته، والعالم في وصف الله تعالى هو الذي لا يخفى عليه شيء.
стр. 10503
﴿مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾: والشك: اعتدال النقيضين عند الإنسان وتساويهما.
﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾؛ أي: محافظ عليه، فإن فعيلًا ومفاعلًا صيغتان متآخيتان في إفادة المبالغة، وقيل: معناه: أي: وكيل قائم على شؤون خلقه.
﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ قال في "القاموس": الزعم - مثلثة -: القول الحق، والباطل، والكذب، وأكثر ما يقال فيما يشك فيه، وفي "المفردات": الزعم: حكاية قول يكون مظنة الكذب، ولهذا جاء في القرآن في كل موضع ذمَّ القائلين به.
﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾ وهي طلب العفو أو الفضل للغير من الغير، يعني: أن الشافع شفيع للمشفوع له في طلب نجاته، أو زيادة ثوابه، ولذا لا تطلق الشفاعة على دعاء الرجل لنفسه، وأما دعاء الأمة للنبي ﷺ ، وسؤالهم له مقام الوسيلة، فلا يطلق عليه الشفاعة؛ إما لاشتراط العلو في الشفيع، وإما لاشتراط العجز في المشفوع له، وكلاهما منتفٍ هاهنا.
﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ والتفزيع: إزالة الفزع، وهو انقباض ونفار يعتري الإنسان من الشيء المخيف، وهو من جنس الجزع، ولذا لا يقال: فزعت من الله، كما يقال: خفت منه، وفي "الأساس": وفزَّع عن قلبه: كشف الفزع عنه، فالتضعيف هنا للسلب، كما يقال: قزدت البعير: أزلت قراده.
﴿عَمَّا أَجْرَمْنَا﴾ الإجرام: فعل الجرم، والجرم - بالضم -: الذنب، وأصله: القطع، واستعير لكل اكتساب مكروه، كما في "المفردات".
﴿أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ﴾؛ أي: أعلموني بالدليل وجه الشركة. ﴿كَلَّا﴾: كلمة للزجر عن كلام، أو فعل صدر من المخاطب.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الطباق بين لفظ ﴿يَمِينٍ﴾ و ﴿وَشِمَالٍ﴾، وبين ﴿بَشِير﴾ و ﴿نَذِيرٍ﴾، وبين ﴿تَسْتَقْدِمُونَ﴾ و ﴿تَسْتَأْخِرُونَ﴾.
ومنها: المشاكلة في قوله: ﴿جَنَّتَيْنِ﴾ وهو ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في
стр. 10504
مقابلته، فقد سمي البدل جنتين للمشاكلة، وإلا فالخمط والأثل والضال ليس بجنة.
ومنها: التهكم بهم في قوله: ﴿جَنَّتَيْنِ﴾.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا﴾ فإن كلمة ﴿سِيرُوا﴾ مشتقة من السير.
ومنها: التنكير في قوله: ﴿لَيَالِيَ وَأَيَّامًا﴾ إلماعًا إلى قصر أسفارهم، فقد كانت قصيرة؛ لأنهم يرتعون في بحبوحة من العيش، ورغد منه، لا يحتاجون إلى مواصلة الكد، وتجشم عناء الأسفار للحصول على ما يرفه عيشهم.
ومنها: التذييل في قوله: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ فإنه تذييل لقوله: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾، وهو هنا أن تكون الجملة الثانية متوقفة على الأولى في إفادة المراد؛ أي: وهل يجازى ذلك الجزاء المخصوص، ومضمون الجملة الأولى أن آل سبأ جزاهم الله تعالى بكفرهم، ومضمون الثانية أن ذلك العقاب المخصوص لا يقع إلا للكفور، وفرق بين قولنا: جزيته بسبب كذا، وبين قولنا: ولا يجزى ذلك الجزاء إلا من كان بذلك السبب، ولتغايرهما يصح أن يجعل الثاني علة للأول، ولكن اختلاف مفهومهما لا ينافي تأكيد أحدهما بالآخر للزوم معنى.
ومنها: مقابلة الإيمان بالشك في قوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ إيذانًا بأن أدنى مرتبة الكفر يوقع في الورطة.
ومنها: جعل الشك ظرفًا له، وتقديم صلته عليه، والعدول إلى كلمة ﴿مِنْ﴾ مع أنه يتعدى بفي؛ للمبالغة والاشعار بشدته، وأنه لا يرجى زواله.
ومنها: المبالغة في قوله: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾؛ لأن فعيلًا من صيغ المبالغة.
ومنها: فن الفرائد في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾، وهو أن يأتي المتكلم في كلامه بلفظة تتنزل منزلة الفريدة من حب العقد، وهي الجوهرة التي لا نظير لها، بحيث لو سقطت من الكلام لم يسد غيرها مسدَّها، وفي لفظة: ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ من غرابة الفصاحة ما لا مزيد عليه.
ومنها: التعجيز بدعاء الجماد الذي لا يسمع ولا يحس في قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا
стр. 10505
الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
ومنها: التوبيخ والتبكيت في قوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
ومنها: حذف الخبر لدلالة السياق عليه في قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾؛ أي: قل الله الخالق الرازق للعباد، ودلَّ على المحذوف سياق الآية.
ومنها: المبالغة بذكر صيغ المبالغة في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾، وفي قوله: ﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾؛ لأن فعالًا وفعولًا وفعيلًا من أوزان المبالغة.
ومنها: الاستدراج في قوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، وهو فن يعتبر من البلاغة محورها الذي تدور عليه؛ لأنه يستدرج الخصم ويضطره إلى الإذعان والتسليم، والعزوف عن المكابرة واللجاج، فإنه لما ألزمهم الحجة خاطبهم بالكلام المنصف الذي يقول من سمعه المخاطب به: قد أنصفك صاحبك، كقول الرجل لصاحبه: أنا وأنت أحدنا لكاذب، وأبرزه في صورة الإبهام لأجل الإنصاف في الكلام.
ومنها: المخالفة بين حرفي الجر في قوله: ﴿لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ فإنه إنما خولف بينهما في الدخول على الحق والباطل؛ لأن صاحب الحق كأنه مستعلٍ على فرس جواد يركض به حيث شاء، وصاحب الباطل كأنه منغمس في ظلام منخفض فيه، لا يدري أين يتوجه، وهذا معنى دقيق قلّما يراعى مثله في الكلام، وكثيرًا ما سمعنا إذا كان الرجل يلوم أخاه أو يعاتب صديقه على أمر من الأمور، فيقول له: أنت على ضلالك القديم، كما أعهدك، فيأتي بعلى في موضع: في، وإن كان هذا جائزًا، إلا أن استعمال في هنا أولى لما أشرنا إليه، والاستعارة التصريحية واضحة.
ومنها: الأمر في قوله: ﴿أَرُونِيَ﴾ أمرهم بإراءته الأصنام مع كونها بمرأى منه إظهارًا لخطئهم، وإطلاعهم على بطلان رأيهم.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿عَمَّا أَجْرَمْنَا﴾ لأن الإجرام في الأصل: القطع ثم استعير لكل اكتساب مكروه.
ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا
стр. 10506
يَعْلَمُونَ﴾ تخصيصًا للجهل بنعمتي البشارة والنذارة، ونعمة الرسالة بهم.
ومنها: الحذف والزيادة في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 10507
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣) وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٣٤) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (٣٨) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١) فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (٤٢)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله (١) سبحانه لما ذكر الأصول الثلاثة، وهو: التوحيد والرسالة والحشر، وكانوا كافرين بها جميعًا .. ذكر شأن جماعة من المشركين جاهروا بإنكار القرآن، وبكل كتاب سبقه من الكتب السماوية السالفة، ويستتبع ذلك أنهم لا يؤمنون بما جاء فيها من البعث والحشر والحساب والجزاء، ثم ذكر ما سيكون من الحوار بين الضالين ومضليهم من الكفار، وما يسرونه من
стр. 10508
الحسرة والندامة، حين يرون العذاب، ثم أعقبه بذكر ما سيحيق بهم من الإهانة بوضع الأغلال في الأعناق، وأن هذا جزاء لهم على ما عملوا من سيء الأعمال، وما دسوا به أنفسهم من قبيح الخلال.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر قول المشركين لرسوله: لن نؤمن بهذا القرآن، ولا بالذي بين يديه، بعد أن طال به الأمد في دعوتهم حتى لحقه من ذلك الغم الكثير، كما قال: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾ .. سلاه على ما ابتلي به من مخالفة مترفي قومه له، وعداوتهم إياه بالتأسي بمن قبله من الرسل، فهو ليس بدعًا من بينهم، فما من نبي بعث في قرية إلا كذبه مترفوها، واتبعه ضعفاؤها، كما قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾، ثم ذكر حجتهم بأنهم لا حاجة لهم إلى الإيمان به، فما هم فيه من مال وولد برهان ساطع على محبة الله إياهم، فرد عليهم بأن بسط الرزق وتقتيره، كما يكون للبر .. يكون للفاجر؛ لأن ذلك مرتبط بسنن طبيعية، وأسباب قدرها سبحانه في هذه الحياة، فمن أحسن استعمالها استفاد منها، ثم ذكر أن المتقين يمتّعون إذ ذاك بغرف الجنان، وهم في أمن ودعة، وأن الذين يصدون عن سبيل الله في نار جهنم يصلونها أبدًا، ثم وعد المنفقين في سبيل الله بالإخلاف، وأوعد الممسكين بالإتلاف.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر (١) أنَّ حال النبي ﷺ مع قومه ليس بدعًا بين الرسل، فحاله معهم كحال من تقدمه منهم مع أقوامهم، فكلهم كذبوا، وكلهم أوذوا في سبيل الله، ثم أعقب ذلك بأن ردّ عليهم بأن كثرة الأموال والأولاد لا صلة لها بمحبة الله تعالى، ولا سخطه .. أردف ذلك ما يكون من حالهم يوم القيامة من التقريع والتأنيب بسؤال الملائكة لمعبوداتهم أمامهم: هل هؤلاء كانوا يعبدونكم؟ فيجيبون: بأنهم كانوا يعبدون الشياطين بوسوستهم لهم، ثم بيَّن أنهم في ذلك اليوم لا يقع لهم نفع ممن كانوا يرجون من الأوثان والأصنام، ويقال لهم على طريق
стр. 10509
التوبيخ والتهكم: ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا ...﴾ الآيات، سبب نزولها (١): ما أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق سفيان عن عاصم عن ابن رزين قال: كان رجلان شريكان، خرح أحدهما إلى الشام، وبقي الآخر، فلما بعث النبي ﷺ .. كتب إلى صاحبه يسأله ما عمل، فكتب إليه أنه لم يتبعه أحد من قريش إلا رذالة الناس ومساكينهم، فترك تجارته، ثم أتى صاحبه، فقال: دلني عليه، وكان يقرأ بعض الكتب، فأتى النبي ﷺ ، فقال: إلام تدعو فقال: إلى كذا وكذا، فقال: أشهد أنك رسول الله، فقال: وما علمك بذلك؟ فقال: إنه لم يبعث نبي إلا اتبعه رذالة الناس ومساكينهم، فنزلت هذه الآية: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٣٤)﴾، فأرسل إليه النبي ﷺ : أن الله قد أنزل تصديق ما قلت.
التفسير وأوجه القراءة
٣١ - ثمّ ذكر سبحانه طرفًا من قبائح الكفار، ونوعًا من أنواع كفرهم، فقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: كفار قريش، ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ الذي ينزل على محمد ﴿وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾؛ أي: ولا بما نزل قبله من الكتب القديمة الدالة على البعث، كالتوراة والإنجيل.
والمعني (٢): أي وقال قوم من مشركي العرب: لن نؤمن بهذا القرآن، ولا بالكتب التي سبقته، ولا بما اشتملت عليه من أمور الغيب التي تتصل بالآخرة من بعث وحساب وجزاء.
روي: أن كفار مكة سألوا أهل الكاتب عن وصف الرسول ﷺ ، فأخبروهم أنهم يجدون صفته في كتبهم، فأغضبهم ذلك، وقالوا ما قالوا.
стр. 10510
ثم ذكر ما يكون من حوار بين ضاليهم ومضليهم حين الوقوف بين يدي الملك الديان للحساب والجزاء، فقال: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ يا محمد، أو يا من يليق بالخطاب ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ المنكرون للبعث؛ لأنهم ظلموا بأن وضعوا الإنكار موضع الإقرار ﴿مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾؛ أي (١): محبوسون في موقف المحاسبة على أطراف أناملهم، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف تقديره: لو رأيت ذلك .. لرأيت أمرًا فظيعًا شنيعًا تقصر العبارة عن تصويره، وإنما دخلت ﴿لَوْ﴾ على المضارع مع أنها للشرط في الماضي؛ لتنزيله منزلة الماضي؛ لأن المترقب في أخبار الله تعالى، كالماضي المقطوع به في تحقق وقوعه، أو لاستحضار صورة الرؤية ليشاهدها المخاطب. ﴿يَرْجِعُ﴾ ويردُّ، من رجع رجعًا بمعنى: ردَّ. ﴿بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾؛ أي: حالة كونهم يتحاورون، ويتراجعون الكلام فيما بينهم باللوم والعتاب، بعد أن كانوا في الدنيا متناصرين متحابّين.
وفي "السمين" (٢) قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾: مفعول ﴿تَرَى﴾، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوفان للعلم؛ أي: ولو ترى يا محمد حال الظالمين وقت وقوفهم عند ربهم، راجعًا بعضهم إلى بعض القول .. لرأيت حالًا فظيعةً، وأمرًا منكرًا، وجملة ﴿يَرْجِعُ﴾ حال من ضمير ﴿مَوْقُوفُونَ﴾ والقول منصوب بـ ﴿يَرْجِعُ﴾؛ لأنه يتعدى قال تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾، وجملة قوله: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ تفسير لقوله: ﴿يَرْجِعُ﴾، فلا محل له من الإعراب، أو بدل منه؛ أي: حالة كون الاتباع الذين عدوا ضعفاء وقهروا يقولون: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾؛ أي: للرؤساء الذين بالغوا في الكبر والتعظم عن عبادة الله تعالى، وقبول قوله المنزل على أنبيائه، واستتبعوا الضعفاء في الغي والضلال: ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ﴾ موجودون؛ أي: لولا إضلالكم وصدكم إيانا عن الإيمان, ﴿لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ بالله ورسوله؛ أي: أنتم منعتمونا من الإيمان واتّباع الرسول.
ومعنى الآية (٣): أي ولو ترى أيها الرسول حال أولئك الكافرين، وما هم فيه من مهانة وذلة، يحاور بعضهم بعضًا، ويتلاومون على ما كان بينهم من سوء
стр. 10511
الأعمال، والسبب فيما أوقعهم في هذا النكال والوبال .. لرأيت العجب العجاب، والمنظر المخزي الذي يستكين منه المرء خجلًا، ثم فصل ذلك الحوار، فقال: يقول الأتباع للذين استكبروا في الدنيا، واستتبعوهم في الغيّ والضلال: لولا أنتم أيها السادة صددتمونا عن الهدى .. لكنا مؤمنين بما جاء به الرسول،
٣٢ - ثم حكى سبحانه رد الرؤساء عليهم بقوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ وهو واقع في جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا قال الذين استكبروا؟ فقيل: قال الرؤساء الذين استكبروا عن الإيمان ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ منكرين لكونهم الصادين لهم عن الإيمان, مثبتين ذلك لأنفسهم؛ أي: للمستضعفين ﴿أَنَحْنُ﴾ معاشر الرؤساء ﴿صَدَدْنَاكُمْ﴾؛ أي: منعناكم وصرفناكم أيها الأتباع ﴿عَنِ الْهُدَى﴾ والإيمان ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ الهدى، قال العمادى: وإنما وقعت ﴿إِذْ﴾ مضافًا إليها، وإن كانت من الظروف اللازمة للظرفية، لأنه يتوسع في الزمان ما لا يتوسع في غيره، فأضيف إليه الزمان. اهـ. وقيل: إن ﴿إِذْ﴾ هنا بمعنى: أن المصدرية؛ أي: لم نصدكم عنه، كقولك: ما أنا قلت هذا، تريد: لم أقله، مع أنه مقول لغيري، فإن دخول همزة الاستفهام الإنكاري على الضمير يفيد نفي الفعل عن المتكلم، وثبوته لغيره، كما قال: ﴿بَلْ كُنْتُمْ﴾ أنتم ﴿مُجْرِمِينَ﴾؛ أي: راسخين في الإجرام والإشراك، فبسبب ذلك صددتم أنفسكم عن الإيمان, وآثرتم التقليد، وفي هذا تنبيه للكفار على أن طاعة بعضهم لبعض في الدنيا تصير سبب عداوة في الآخرة، وتبرىء بعضهم من بعض، قال أبو السعود: فأنكروا كونهم الصادين لهم عن الإيمان, وأثبتوا أنهم هم الصادون لأنفسهم بسبب كونهم راسخين في الإجرام. اهـ.
والمعنى: أي قال الذين استكبروا في الدنيا، وصاروا رؤساء في الكفر والضلالة للذين استضعفوا، فكانوا أتباعًا لأهل الضلال منهم: أنحن منعناكم من اتباع الحق بعد أن جاءكم من عند الله تعالى، بل أنتم منعتم أنفسكم حظها اجرامكم وإيثاركم الكفر على الإيمان.
والخلاصة: أننا لم نحل بينكم وبين الإيمان لو صممتم على الدخول فيه، بل كنتم مجرمين، فمنعكم إيثاركم الكفر على الإيمان من اتباع الهدى،
٣٣ - ثم حكي ردّ المستضعفين على قول المستكبرين بقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ عطف على الجملة الاستئنافية.
стр. 10512
فإن قلت (١): لِمَ عطف هنا، وترك العطف فيما سبق؟
قلت: لأنّ الذين استضعفوا مرَّ أولًا كلامهم، فجيء بالجواب محذوف العاطف على طريقة الاستئناف، ثم جيء بكلام آخر للمستضعفين، فعطف على كلامهم الأول، اهـ "كشاف". أي: قال الذين استضعفوا ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ ردًا لما أجابوا به عليهم، ودفعًا لما نسبوه إليهم من صدهم لأنفسهم: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ إضراب على إضرابهم، وإبطال له؛ أي: لم يكن إجرامنا الصاد لنا، بل مكركم لنا ليلًا ونهارًا هو الصاد لنا، والمكر (٢): صرف الغير عما يقصده بحيلة؛ أي: بل صدّنا مكركم بنا في الليل والنهار، وحملكم إيانا على الشرك والأوزار، فحذف المضاف إليه، وأقيم الظرف مقامه اتساعًا، يعني: في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به، أو جعل ليلهم ونهارهم ماكرين مجازًا.
والمعنى: أنَّ المستكبرين لما أنكروا أن يكونوا السبب، وأثبتوا أن ذلك باختيارهم .. كر عليهم المستضعفون بقولهم: بل مكر الليل والنهار، فأبطلوا إضرابهم بإضرابهم، كأنهم قالوا: بل من جهة مكركم لنا ليلًا ونهارًا، أو حملكم إيانا على الشرك، واتخاذ الأنداد، اهـ "عمادي".
وقرأ قتادة ويحيى بن يعمر (٣): ﴿بل مكرٌ﴾ بالتنوين، ﴿الليلَ والنهارَ﴾ بالنصب على الظرفية، والتقدير: بل مكر كائن في الليل والنهار، وقرأ سعيد بن جبير بن محمد وأبو رزين وابن يعمر أيضًا: ﴿مكرٌّ﴾ بفتح الكاف وتشديد الراء مضافًا مرفوعًا بمعنى: الكرور من كر يكر إذا جاء وذهب، ومعناه: كرور الليل والنهار واختلافهما، ومقصودهم الإحالة على طول الأمل، والاغترار بالأيام مع أمر هؤلاء الرؤساء بالكفر بالله تعالى، وقرأ ابن جبير أيضًا وطلحة وراشد هذا من التابعين ممن صحح المصاحف بأمر الحجاج: كذلك، إلا أنهم نصبوا الراء على الظرف، وناصبه فعل مضمر؛ أي: صددتمونا مكر الليل والنهار؛ أي: في مكرهما، ومعناه: دائمًا.
وقوله: ﴿إِذْ تَأْمُرُونَنَا﴾ ظرف للمكر؛ أي: بل صدَّنا مكركم الدائم في الليل
стр. 10513
والنهار وقت أمركم إيانا، ﴿أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ﴾؛ أي: بوحدانيته، ﴿وَنَجْعَلَ لَهُ﴾ سبحانه ﴿أَنْدَادًا﴾؛ أي: أشباهًا وأمثالًا، والمعنى: أي: وقال الأتباع للرؤساء في الضلال: صدَّنا مكركم بنا، وخداعكم في الليل والنهار حين كنتم تأمروننا أن نكفر بالله، ونجعل له أمثالًا وأشباهًا في العبادة.
وإجمال ذلك: ما صدَّنا إلا مكركم أيها الرؤساء بالليل والنهار، حتى أزلتمونا عن عبادة الله، فأنتم كنتم تغروننا وتنموننا وتخيروننا أننا على الهدى، وأنا على شيء، وكل ذلك باطل وكذب، ثم ذكر مآل أمرهم وسوء عاقبتهم، فقال: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾ والضمير فيه راجع إلى الفريقين؛ أي: وأضمر كل من الفريقين المستكبرين والمستضعفين الندامة والحسرة على ما فرط منهم في الدنيا من الكفر وأخفوها عن غيرهم، أو أخفاها كل منهم عن الآخر مخافة الشماتة، ﴿لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾؛ أي: حين رأوا العذاب وعاينوه؛ إذ هم بهتوا مما عاينوا، فلم يستطيعوا أن ينطقوا ببنت شفة.
والخلاصة: أنهم ندموا على ما فرّطوا من طاعة الله في الدنيا حين شاهدوا عذابه الذي أعدّه لهم، وقيل: المعنى: أضمر الفريقان الندامة على ما فعلا من الضلال والإضلال حين ما نفعتهم الندامة، وأخفاها كل منهما عن الآخر مخافة التعيير، أو المعنى: أظهروا الندامة، فإنه من الأضداد، يكون تارة بمعنى الإخفاء، وتارة بمعنى: الإظهار؛ إذ الهمزة تصلح للإثبات والسلب، كما في أشكيته، وهو المناسب لحالهم، ومنه قول أمرىء القيس:
تَجَاوَزْتُ أَحْرَاسًا وَأَهْوَالَ مَعْشَرٍ ... عَلَى حِرَاصٌ لَوْ يُسِرُّونَ مُقْتَلِيْ
وقيل: معنى أسرّوا الندامة: تبينت الندامة في أسرة وجوههم. ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ﴾: جمع غل، وهو: قيد وطوق من حديد يجمع اليد إلي العنق، كما سيأتي؛ أي: ونجعل الأغلال يوم القيامة، ﴿فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالحق لما جاءهم في الدنيا حين دخلوا النار في الآخرة من التابعين والمتبوعين، وإيراد المستقبل بلفظ الماضي من جهة تحقيق وقوعه، كما سيأتي في مبحث البلاغة إن شاء الله تعالى، والإظهار لمزيد الذم، أو للكفار على العموم، فيدخل هؤلاء فيهم دخولًا أوليًا أي: وجعلنا أغلال الحديد في أعناق هؤلاء في النار، ثم ذكر أنه لا
стр. 10514
جزاء لأمثالهم إلا هذا, فقال: ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ﴾ والاستفهام للإنكار؛ أي: ما يجزى الذين كفروا من التابعين والمتبوعين، ﴿إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: إلا جزاء ما كانوا يعملون في الدنيا من الكفر والمعاصي، أو إلا بما كانوا يعملونه، على نزع الخافض، فلما قيدوا أنفسهم في الدنيا، ومنعوها من الإيمان بتسويلات الشيطان الجني والإنسي .. جُوزوا في الآخرة بالقيد؛ أي: وما يفعل ذلك بهم إلا جزاءً لما اجترحوا من الكفر والآثام. ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ وقد قالوا في أمثالهم: إنك لا تجني من الشوك العنب.
٣٤ - ولما قص الله سبحانه حال من تقدم من الكفار .. أتبعه بما فيه التسلية لرسوله، وبيان أنَّ كفر الأمم السابقة بمن أرسل إليهم من الرسل هو كائن مستمر في الأعصر الأول، فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾ وبعثنا، ﴿فِي قَرْيَةٍ﴾ من القرى، وبلدة من البلدان. قال في "كشف الأسرار": القرية: العصر تقري أهلها وتجمعهم. ﴿مِنْ نَذِيرٍ﴾؛ أي: نبيًا ينذر أهلها ويحذرهم عقاب الله، وجملة قوله: ﴿إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾ في محل النصب على الحال؛ أي: إلا قال رؤساء تلك القرية المتكبرون المتنعمون بالدنيا؛ أي: إلا قال رؤساؤها وأغنياؤها وجبابرتها وقادة الشر فيها لرسلهم: ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ﴾ على زعمكم من التوحيد والإيمان, ﴿كَافِرُونَ﴾؛ أي: منكرون على مقابلة الجمع بالجمع، وهذه الآية جاءت لتسلية رسول الله ﷺ ؛ أي: يا محمد (١) هذه سيرة أغنياء الأمم الماضية، فلا يهمنَّك أمر أكابر قومك، فتخصيص المتنعمين بالتكذيب مع اشتراك الكل فيه؛ إما لأنهم المتبوعون، أو لأنّ الداعي الأعظم إلى التكذيب والإنكار هو التنعم المستتبع للاستكبار.
ومعنى الآية (٢): أي وما بعثنا إلى أهل قرية نذيرًا ينذرهم بأسنا أن ينزل بهم على معصيتهم إيانا، إلا قال كبراؤها وأولوا النعمة والثروة فيها: إنا لا نؤمن بما بعثتم به من التوحيد والبراءة من الآلهة والأنداد، وليس في ذلك من عجيب، فإن المنغمسين في الشهوات يحملهم التكبر والتفاخر بزينة الحياة الدنيا على النفور من الكمال الروحي، ومن تثقيف النفوس بالإيمان والحكمة، فالضدان لا يجتمعان، انغماس في الشهوة، وعلم وحكمة وثروة مادية وثروة روحية.
٣٥ - ثم ذكر تفاخرهم بما
стр. 10515
هم فيه بسطة العيش وكثرة الولد، وأن ذلك سيكون سبب نجاتهم من العذاب في الآخرة بقوله: ﴿وَقَالُوا﴾؛ أي: الكفار المترفون للفقراء المؤمنين، فخرًا بزخارف الدنيا، وبما هو فتنة لهم. ﴿نَحْنُ﴾ معاشر الأغنياء. ﴿أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾ منكم في الدنيا، ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ في الآخرة على تقدير وقوعها؛ لأن المكرم في الدنيا لا يهان في الآخرة.
أي: وقال المستكبرون في كل قرية أرسلنا فيها نذيرًا: إنا ذوو عدد عديد من الأولاد وكثرة الأموال، فنحن لا نعذب؛ لأن ذلك دليل على محبة الله لنا وعنايته بنا، مرادهم: أن الله فضلنا عليكم بالأولاد والأموال في الدنيا، وذلك يدل على أنه قد رضي ما نحن عليه من الدين، وما نحن بمعذبين في الآخرة بعد إحسانه إلينا في الدنيا، ورضاه عنا. هيهات هيهات إنهم قد ضلوا ضلالًا بعيدًا، وأخطؤوا في القياس: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾.
وخلاصة آرائهم: نحن في نعمة لا تشوبها نقمة، وذلك دليل على كرامتنا عند الله ورضاه عنا؛ إذ لو كان ما نحن فيه من الشرك وغيره مما تدعونا إلى تركه مخالفًا لما يرضيه .. لما كنا فيما نحن فيه من نعمة وبسطة في العيش، وكثرة الأولاد،
٣٦ - فرد الله عليهم مقالتهم آمرًا رسوله أن يبين لهم خطأهم بقوله: ﴿قُلْ﴾ يا محمد ردًا عليهم. ﴿إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ ويوسعه، ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أن يبسطه له، ويوسعه عليه من مؤمن وكافر. ﴿وَيَقْدِرُ﴾؛ أي: يضيق على من يشاء أن يقدره، ويضيقه عليه من مؤمن وكافر حسب اقتضاء مشيئته المبنية على الحكم البالغة، فلا ينقاس على ذلك أمر الثواب والعقاب اللذين مناطهما الطاعة وعدمها، فليس في التوسيع دلالة على الإكرام، كما أنه ليس في التضييق دلالة على الإهانة، وفي الحديث: "الدنيا عرض حاضر، يأكل منها بر وفاجر، والآخرة وعد صادق، يحكم فيها ملك قاهر".
والمعنى: قل لهم أيها الرسول: إن ربي يبسط الرزق من معاش ورياش في الدنيا لمن يشاء من خلقه، ويضيّق على من يشاء، لا لمحبة فيمن بسط له ذلك، ولا لخير فيه، ولا لزلفى استحق بها ذلك، ولا لبغض منه لمن قدر عليه، ولا لمقت منه له، ولكنه يفعل ذلك لسنن وضعها لكسب المال، في هذه الحياة، فمن سلك سبيلها وصل إلى ما يبغي، ومن أخطأها وضل .. لم ينل شيئًا من حظوظها, ولا رابطة بين الثراء ومحبة الله. ألا ترى أنه ربما وسع سبحانه على العاصي، وضيَّق على
стр. 10516
المطيع، وربما عكس الأمر، وقد يوسِّع على المطيع والعاصي تارةً، ويضيِّق عليهما أخرى، يفعل كل ذلك بحسب ما اقتضته مشيئته المبنية على الحكم البالغة التي قد نعلمها، وربما خفي علينا أمرها, ولو كان البسط دليل الإكرام والرضا .. لاختص به المطيع، ولو كان التضييق دليل الإهانة .. لاختص به العاصي، ومن ثمَّ جاء قوله ﷺ : "لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما أعطي الكافر منها شيئًا"؛ أي: فهو سبحانه قد يرزق الكافر والعاصي استدراجًا له، وقد يمتحن المؤمن المطيع بالتقتير، توفيرًا لأجره، وليس مجرد بسط الرزق لمن بسطه له يدل على أنه قد رضي عنه، ورضي عمله، ولا قبضه عمن قبضه عنه يدل على أنه لم يرضه، ولا رضي عمله، فقياس الدار الآخرة على الدار الأولى في مثل هذا من الغلط البين، أو المغالطة الواضحة.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ وهم أهل الغفلة والخذلان، ومن جملة هؤلاء الأكثر من قاس أمر الآخرة على الأولى ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ حكمة البسط والقدر، فيزعمون أنَّ مدار البسط هو الشرف والكرامة، ومدار القدر هو الذل والهوان، ولا يدرون أن الأول كثيرًا ما يكون بطريق الاستدراك، والثاني بطريق الابتلاء، ورفع الدرجات حتى تحير بعضهم واعترض على الله في البسط لأناس، والتضييق منه على آخرين، ومن ثم قال ابن الراوندي:
كَمْ عَاقِلٍ عَاقِلٍ أعْيَتْ مَذَاهِبُهُ ... وَجَاهِلٍ جَاهِلٍ تَلْقَاهُ مَرْزُوْقَا
هَذَا الَّذِيْ تَرَكَ الأَوْهَامَ حَائرَةً ... وَصَيَّرَ الْعَالِمَ النِّحْرِيْرَ زِنْدِيْقَا
٣٧ - ثم بيَّن سبحانه لعباده أن الزلفى عنده ليست بكثرة المال والولد، بل بالتقوى وصالح العمل، فقال: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ﴾ وهذا الكلام مستأنف من جهته تعالى مبالغة في تحقيق الحق؛ أي: وما قناطير أموالكم وما جموع أولادكم أيها الناس ﴿بِالَّتِي﴾؛ أي: بالخصال التي، فإن (١) الجمع المكسر عقلاؤه، وغير عقلائه، سواء في حكم التأنيث، أو بالخصلة التي، فيكون تأنيث الموصول باعتبار تأنيث الصفة المحذوفة، ويجوز في غير القرآن باللتين وباللاتي وباللواتي وبالذين بالنسبة
стр. 10517
للأولاد خاصةً.
وقرأ الجمهور (١): ﴿بِالَّتِي﴾، فإن جمع التكسير من العقلاء وغيرهم يجوز أن يعامل معاملة المفردة المؤنثة، وقرأ الحسن: ﴿باللاتي﴾ جمعًا، وهو أيضًا راجع للأموال والأولاد، وقرىء ﴿بالذي﴾. و ﴿زُلْفَى﴾ في قوله: ﴿تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ مفعول مطلق معنوي لتقربكم منصوب به؛ أي: وليست أموالكم، ولا أولادكم بالخصلة التي تقربكم عندنا تقريبًا، بل الذي يقربكم إلينا التقوى والعمل الصالح، وقرأ الضحاك: ﴿زلَفًا﴾ بفتح اللام وتنوين الفاء، جمع: زلفة، وهي القربة. وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ استثناء من مفعول ﴿تُقَرِّبُكُمْ﴾؛ أي: وما الأموال والأولاد تقرب أحدًا إلا المؤمن الصالح الذي أنفق أمواله في سبيل الله، وعلم أولاده الخير، وربَّاهم على الصلاح والطاعة. وقال أبو حيان: والظاهر أنه استثناء منقطع، وهو منصوب على الاستثناء؛ أي: لكن من آمن وعمل صالحًا، فإيمانه وعمله يقربانه، والإشارة بقوله: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ إلى ﴿مَنْ﴾، والجمع باعتبار معناها، أي: فأولئك المؤمنون العاملون ثابت ﴿لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ﴾ على أن الجار والمجرور خبر لما بعده، والجملة خبر لـ ﴿أُولَئِكَ﴾، وإضافة الجزاء إلى الضعف من إضافة المصدر إلى المفعول، أصله: فأولئك لهم أن يجازوا الضعف؛ أي: تضعيف الأعمال، ثم جزاء الضعف، ثم جزاء الضعف، ومعناه: أن يضاعف لهم الواحدة من حسناتهم عشرًا، فما فوقها إلى سبع مئة إلى ما لا يحصى، أو من إضافة الموصوف إلى صفته، والمعنى عليه: فأولئك لهم الجزاء المضاعف. ﴿بِمَا عَمِلُوا﴾؛ أي: بسبب ما عملوا من الصالحات، ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ﴾ أي في غرفات الجنة، وهي قصورها ومنازلها الرفيعة، ﴿آمِنُونَ﴾ من جميع ما يكرهون من المصائب والآفات، كالموت والهرم والمرض والعدو وغير ذلك.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿جَزَاءُ الضِّعْفِ﴾ على الإضافة، أضيف فيه المصدر إلى المفعول، وقرأ قتادة والزهري ويعقوب ونصر بن عاصم: برفعهما؛ ﴿جزاء الضعف﴾ على أن الضعف بدل من ﴿جزاء﴾، وروي عن يعقوب: أنه قرأ ﴿جزاء﴾ بالنصب منونًا، ﴿والضعف﴾ بالرفع على تقدير فأولئك لهم الضعف جزاء، أي حال
стр. 10518
كونه جزاء، وقرأ الجمهور: ﴿فِي الْغُرُفَاتِ﴾ بالجمع مضموم الراء، واختار هذه القراءة أبو عبيد لقوله: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾، وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة وخلف: ﴿في الغرفة﴾ بالإفراد لقوله: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾.
ومعنى الآية (١): أي وما أموالكم التي تفتخرون بها على الناس، ولا أولادكم الذين تتكبرون بهم بالتي تقربكم منا، لكن من آمن وعمل صالحًا، فإيمانهم وعملهم يقربانهم منى، وأولئك أضاعف لهم ثواب أعمالهم، فأجازيهم بالحسنة عشر أمثالها، أو أكثر إلى سبع مئة ضعف، وهم في غرفات الجنات آمنون من كل خوف وأذى، ومن كل شر يحذر منه. روي عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن في الجنة لغرفًا ترى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها"، فقال أعرابي: لمن هي؟ قال: "لمن طيب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام". وفي الآية إشارة إلى أنه لا تستحق الزلفى عند الله بالمال والأولاد مما زين للناس حبه، وحب غير الله يوجب البعد عن الله، فالأولى للعاقل أن يأخذ الباقي ويترك الفاني.
٣٨ - ولما ذكر سبحانه حال المؤمنين .. ذكر حال الكافرين، فقال: ﴿وَالَّذِينَ﴾ وهم كفار قريش، ﴿يَسْعَوْنَ﴾ ويبادرون، ﴿فِي آيَاتِنَا﴾ القرآنية، بالرد والطعن فيها، ويجتهدون في إبطالها حال كونهم ﴿مُعَاجِزِينَ﴾؛ أي: ظانين أنهم يعجزوننا ويفوتوننا، فلا يكون لهم مؤاخذة بمقابلة ذلك ﴿أُولَئِكَ﴾ المجتهدون في إبطال آياتنا ﴿فِي الْعَذَابِ﴾؛ أي: في عذاب جهنم ﴿مُحْضَرُونَ﴾ تحضرهم الزبانية إليها, لا يجدون عنها محيصًا؛ أي: مدخلون في العذاب، مخلدون فيه، لا يغيبون عنه، ولا ينفعهم ما اعتمدوا عليه من الشفعاء.
٣٩ - ﴿قُلْ﴾ يا محمد لأولئك المفتخرين بالأموال والأولاد: ﴿إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ ويوسعه ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ البسط له ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾؛ أي: يوسعه عليه تارة، ﴿وَيَقْدِرُ لَهُ﴾؛ أي: يضيقه عليه تارة أخرى ابتلاءً وحكمةً، فهذا في شخص واحد باعتبار وقتين، وما سبق في شخصين، فلا تكرار؛ أي: بل فيه تقرير؛ لأن التوسع والتقتير ليسا لكرامة ولا هوان، فإنه لو كان كذلك لم يتصف بهما شخص واحد. اهـ "شهاب". وقيل: "تكرار لما تقدم لقصد التأكيد للحجة والدفع لما قاله الكفرة،
стр. 10519
وقيل: ما هنا في المؤمن وما سبق في الكافر، وقيل: ذكره توطئة لما بعده، والمعنى: قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له، فلا تخشوا الفقر، وأنفقوا في سبيل الله ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ﴿مَا﴾: موصولة، بمعنى: الذي مبتدأ، خبره قوله: ﴿فَهُوَ﴾، سبحانه ﴿يُخْلِفُهُ﴾ لكم أو شرطية، بمعنى: أيُّ شيء نصب بقوله: أنفقتم، ومن شيء بيان له، وجواب الشرط فهو يخلفه، والمعنى: والذي، أو أي شيء أنفقتموه وصرفتم في طاعة الله تعالى، وطريق الخير والبر، وقيل: المعنى: وما أنفقتم على أنفسكم، أو على عيالكم، أو تصدقتم به، فالله تعالى يعطي خلفًا وعوضًا منه؛ إما في الدنيا بالمال، أو بالقناعة التي هي كنز لا يفنى، وإما في الآخرة بالثواب والنعيم، أو فيهما جميعًا، فلا تخشوا الفقر، وأنفقوا في سبيل الله تعالى، وتعرضوا لألطاف الله عاجلًا أو آجلًا. ﴿وَهُوَ﴾ ﴿خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ وأفضلهم؛ أي: خير من يعطي ويرزق؛ لأن كل من رزق غيره من سلطان يرزق جنده، أو سيد يرزق مملوكه، أو رجل يرزق عياله، فهو من رزق الله تعالى، أجراه الله على أيدي هؤلاء، وهو الرازق الحقيقي الذي لا رازق سواه، فإن رزق العباد بعضهم بعضًا إنما هو بتيسير الله وتقديره، وليسوا برازقين على الحقيقة، ومن أخرج من العباد إلى غيره شيئًا مما رزقه الله .. فهو إنما تصرف في رزق الله له، فاستحق بما خرج منه الثواب عليه المضاعف لامتثاله لأمر الله، وإنفاقه فيما أمره الله تعالى.
ومعنى الآية: أي قل لهم أيها الرسول: إن ربي يوسع الرزق على من يشاء من عباده حينًا، ويضيقه عليه حينًا آخر، فلا تخشوا الفقر، وأنفقوا في سبيله، وتقربوا إليه بأموالكم لتنالكم نفحة من رحمته، وما أنفقتم من شيء فيما أمركم به ربكم، وأباحه لكم .. فهو يخلفه عليكم، ويعوضكم بدلًا منه في الدنيا وفي الآخرة ثوابًا كل خلف دونه.
وفي الحديث: "أنفق بلالًا، ولا تخشى من ذي العرش إقلالًا" وعن مجاهد أنه خصه بالآخرة؛ إذ قال: "إذا كان لأحدٍ شيء فيلقتصد", ويتأول هذه الآية: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ فإن الرزق مقسوم، ولعل ما قسم له منه قليل، وهو ينفق نفقة الموسع عليه. ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ فترزقون من حيث لا تحتسبون، ولا رازق غيره. روى الشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من يوم
стр. 10520
يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا".
٤٠ - والظرف في قوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ منصوب باذكر مقدرًا، أو متصل بقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ﴾؛ أي: ولو تراهم أيضًا يوم نحشرهم جميعًا للحساب العابد والمعبود، والمستكبر والمستضعف؛ أي: واذكر يا محمد لقومك يوم يحشر الله؛ أي: يجمع المستكبرين والمستضعفين، وما كانوا يعبدون من دون الله حال كونهم ﴿جَمِيعًا﴾؛ أي: مجتمعين لا يشذ منهم أحد ﴿ثُمَّ يَقُولُ﴾ سبحانه ﴿لِلْمَلَائِكَةِ﴾ توبيخًا للمشركين العابدين، وإقناطًا لهم من شفاعتهم، كم زعموا، وقرأ الجمهور: ﴿نحشرهم﴾، ﴿نقول﴾ بالنون فيهما، وحفص بالياء، ذكره أبو حيان.
﴿أَهَؤُلَاءِ﴾ الكفار ﴿إِيَّاكُمْ﴾ يا ملائكتي ﴿كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ في الدنيا، وهذا استفهام تقريع وتقرير للكفار، و ﴿إِيَّاكُمْ﴾ منصوب بـ ﴿يَعْبُدُونَ﴾، وتخصيص الملائكة مع أنَّ بعض الكفار قد عبد غيرهم من الشياطين والأصنام؛ لأنهم أشرف معبودات المشركين.
٤١ - ﴿قَالُوا﴾؛ أي: الملائكة متنزهين عن ذلك، وهو استئناف بياني، ﴿سُبْحَانَكَ﴾؛ أي: تنزيهًا لك عن الشرك ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا﴾؛ أي: أنت الذي نواليه ونطيعه ونعبده ﴿مِنْ دُونِهِمْ﴾؛ أي: من دون المشركين ما اتخذناهم عابدين، ولا توليناهم، وليس لنا غيرك وليًا، أي: نحن نتولاك ولا نتولاهم، فبيَّنوا بإثبات موالاة الله، ومعاداة الكفار براءتهم من الرضا بعبادتهم لهم، ثم أضربوا عن ذلك، ونفوا أنهم عبدوهم حقيقة بقولهم: ﴿بَلْ كَانُوا﴾؛ أي: بل كان هؤلاء المشركون في الدنيا من جهلهم وغوايتهم، ﴿يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾؛ أي: الشياطين؛ حيث أطاعوهم في عبادة غير الله تعالى، وقيل: كانوا يتمثلون لهم ويتخيلون أنهم الملائكة فيعبدونهم، وعبَّر عن الشياطين بالجن؛ لاستتارهم عن الحواس، ولذا أطلقه بعضهم على الملائكة أيضًا، وجزم الكرماني: بأنهم عبدوا الجن كما عبدوا الشياطين، فإذًا الكلام على ظاهره، فلا حاجة إلى التأويل. ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾؛ أي: أكثر المشركين، قيل: الأكثر (١) هاهنا بمعنى الكل، والضمير للمشركين، كما هو الظاهر من السياق؛ أي: كل المشركين، وقال بعضهم: الضمير للإنس، والأكثر على معناه؛ أي: أكثر الإنس،
стр. 10521
وقيل: المعنى: أكثر المشركين بالجن، ﴿بِهِمْ﴾؛ أي: بالجن، وبقولهم الكذب: الملائكة بنات الله، ﴿مُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: مصدقون ومتابعون، ويغترون بما يلقون إليهم من أنهم يشفعون لهم، وعبارة أبي حيان هنا: وإذا هم قد عبدوا الجن .. فما وجه قولهم: أكثرهم بهم مؤمنون، ولم يقولوا جميعهم، وقد أخبروا أنهم كانوا يعبدون الجن؟
والجواب: أنهم لم يدَّعوا الإحاطة؛ إذ قد يكون في الكفار من لم يطلع عليهم الملائكة، أو أنهم حكموا على الأكثر بإيمانهم بالجن، لأن الإيمان من عمل القلب، فلم يذكروا الإطلاع على جميع أعمال قلوبهم؛ لأن ذلك لله تعالى. اهـ.
ومعنى الآية: أي واذكر أيها الرسول لقومك يوم يحشر ربك العابدين المستكبرين منهم، والمستضعفين مع المعبودين من الملائكة وغيرهم، ثم تسأل الملائكة: أأنتم أمرتم هؤلاء بعبادتكم، وهذا سؤال وجّه إلى الملائكة ظاهرًا، والمراد منه: تقريع المشركين، وتيئيسهم مما علقوا عليه أطماعهم من شفاعتهم لهم، فهو وارد على نهج قوله تعالى لعيسى ﵇: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾، وقد علم سبحانه أن الملائكة وعيسى براء مما وجه إليهم من السؤال الوارد على طريق التقرير، ولكن جاء ليقول ويقولوا، وشمال ويجيبوا، فيكون توبيخهم أشد، وتعييرهم أبلغ، وخجلهم أعظم. ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قالت الملائكة: تعاليت ربنا وتقدست عن أن يكون معك إله، نحن عبيدك، نتبرأ إليك من هؤلاء، وأنت الذي نواليه دونهم، فلا موالاة بيننا وبينهم.
والخلاصة: أننا برآء من عبادتهم والرضا بهم، ثم بيَّن أنهم ما عبدوهم على الحقيقة بقوله: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾؛ أي: بل هم كانوا يعبدون الشياطين؛ لأنهم هم الذين زينوا لهم عبادة الأوثان، وأضلوهم، وأكثر المشركين مؤمنون بالجن، مصدقون لهم فيما يقولون؛ إذ كانوا يعبدون غير الله بوسوستهم، ويستغيثون بهم في قضاء حاجاتهم، كما هو مشهور لدى أرباب العزائم والسحرة.
٤٢ - ولما أبطل تمسكهم بهم بعد تقريعهم وتأنيبهم .. زادهم أسى وحسرة، فقال: ﴿فَالْيَوْمَ﴾؛ أي: يوم الحشر، والفاء: ليست لترتيب ما بعدها من الحكم على جواب
стр. 10522
الملائكة، فإنه محقق، أجابوا بذلك أم لا، بل لترتيب الإخبار به عليه: اهـ "أبو السعود".
أي: فهي للترتيب الذكري، والأظهر كونها استئنافية. ﴿لَا يَمْلِكُ﴾؛ أي: لا يقدر. ﴿بَعْضُكُمْ﴾ يعني: المعبودين. ﴿لِبَعْضٍ﴾ يعني: العابدين، ﴿نَفْعًا﴾ بالشفاعة وإدخال الجنة. ﴿وَلَا ضَرًّا﴾؛ أي: ضررًا بالتعذيب، أو دفع ضرر؛ إذ الأمر فيه كله لله؛ لأن الدار دار جزاء، ولا يجازي الخلق أحدٌ غير الله. قال في "الإرشاد": تقييد هذا الحكم بذلك اليوم مع ثبوته على الإطلاق؛ لانعقاد رجائهم على تحقيق النفع يومئذ، وهذا الكلام من جملة ما يقال للملائكة عند جوابهم بالتنزه والتبري مما نسب إليهم الكفرة، يخاطبون على رؤوس الأشهاد إظهارًا لعجزهم، وقصورهم عند عبدتهم، وتنصيصًا على ما يوجب خيبة رجائهم بالكلية.
وقوله: ﴿وَنَقُولُ﴾ معطوف على قوله (١): لا يملك؛ أي: واليوم نقول، ﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنفسهم بالكفر والتكذيب، فوضعوهما موضع الإيمان والتصديق، وقيل (٢): عطف على ﴿يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ﴾، لا على ﴿يَمْلِكُ﴾ كما قيل؛ لأنه ما يقال يوم القيامة خطابًا للملائكة مترتبًا على جوابهم المحكي، وهذا حكاية لرسول الله ﷺ لما سيقال للعبدة يومئذ، إثر حكاية ما سيقال للملائكة.
﴿ذُوقُوا﴾ وباشروا وادخلوا ﴿عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ﴾ في الدنيا ﴿بِهَا﴾؛ أي: بتلك النار، متعلق بقوله: ﴿تُكَذِّبُونَ﴾، وتصرون على القول بأنها غير كائنة، فقد وردتموها، وبطل ظنكم ودعواكم.
ومعنى الآية: أي فاليوم لا يقع لكم نفع ممن كنتم ترجون نفعه من الأوثان، والأنداد الذين ادخرتم عبادتهم لشدائدكم وكروبكم؛ لأن الأمر في ذلك اليوم لله الواحد القهار، لا يملك أحد فيه منفعةً لأحد، ولا مضرةً له، ونقول للمشركين تهكمًا بهم: ذوقوا عذاب النار التي كنتم تكذبون بها في دنياكم، فها أنتم أولاء قد وردتموها، وسمعتم شهيقها وزفيرها, وليس الخُبْرُ كالخَبَرِ، ولا السماع كالمعانية، فعضوا بنان الندم أسى وحسرة على ما قدمتم في دنياكم، فجنيتم صابه وعلقمه في
стр. 10523
أخراكم.
فإن قلت (١): وقع الموصول هنا وصفًا للمضاف إليه الذي هو النار، وفي السجدة وقع وصفًا للمضاف إليه الذي هو النار، وفي السجدة وقع وصفًا للمضاف الذي هو العذاب؛ حيث قال هناك: ﴿عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾، فما الفرق بين الموضعين؟
قلتُ: الفرق بينهما: أنهم ثمة كانوا ملابسين للعذاب، كما صرح به في النظم؛ حيث قال: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾، فوصف لهم ما لابسوه، وما هنا عند رؤيتهم النار عقب الحشر، فوصف لهم ما عاينوه، وكونه هنا وصفًا للمضاف على أن تأنيثه مكتسب نكلف. اهـ "شهاب".
الإعراب
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى﴾.
﴿وَقَالَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿قَالَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول، ﴿لَنْ نُؤْمِنَ﴾: ناصب وفعل مضارع منصوب بـ ﴿لَنْ﴾، وفاعله ضمير يعود على الذين كفروا، أعني: المتكلمين ﴿بِهَذَا﴾: متعلق به، ﴿الْقُرْآنِ﴾، بدل منه، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لا﴾: زائدة زيدت لتأكيد نفي ما قبلها، ﴿بِالَّذِي﴾: معطوف على قوله: ﴿بِهَذَا﴾. ﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بمحذوف وقع صلة الموصول. ﴿وَلَوْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿لو﴾: شرطية ﴿تَرَى﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على محمد، أو على أيِّ مخاطب، ومفعول ﴿تَرَى﴾، وجواب ﴿لو﴾ الشرطية محذوفان، تقديره: ولو ترى يا محمد حال الظالمين وقت وقوفهم عند ربهم .. لرأيت أمرًا فظيعًا، وجملة ﴿لو﴾ الشرطية مستأنفة.
﴿إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾.
стр. 10524
﴿إِذِ﴾: ظرف لما مضى من الزمان ﴿الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذِ﴾ الظرفية، ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿مَوْقُوفُونَ﴾، ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ﴾: فعل وفاعل، ﴿إِلَى بَعْضٍ﴾: متعلق بـ ﴿يَرْجِعُ﴾، ﴿الْقَوْلَ﴾: مفعول ﴿يَرْجِعُ﴾؛ لأنه يتعدى كما مر، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ضمير ﴿مَوْقُوفُونَ﴾، ﴿يَقُولُ الَّذِينَ﴾؛ فعل وفاعل، والجملة مفسرة لـ ﴿يَرْجِعُ﴾، فلا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿اسْتُضْعِفُوا﴾ من الفعل ونائب فاعله صلة الموصول، ﴿لِلَّذِينَ﴾: متعلق بـ ﴿يَقُولُ﴾، ﴿اسْتَكْبَرُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، ﴿لَوْلَا﴾: حرف امتناع لوجود ﴿أَنْتُمْ﴾: مبتدأ والخبر محذوف وجوبًا، تقديره: موجودون ﴿لَكُنَّا﴾ ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لَوْلَا﴾ ﴿كنا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿مُؤْمِنِينَ﴾: خبره، وجملة ﴿كان﴾: جواب ﴿لَوْلَا﴾، لا محل لها من الإعراب؛ لأنها جواب شرط غير جازم.
﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢)﴾.
﴿قَالَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، استئنافًا بيانًا، ﴿اسْتَكْبَرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول ﴿لِلَّذِينَ﴾ متعلق بـ ﴿قَالَ﴾، ﴿اسْتُضْعِفُوا﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة صلة الموصول، ﴿أَنَحْنُ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري، ﴿نَحْنُ﴾: مبتدأ، ﴿صَدَدْنَاكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، ﴿عَنِ الْهُدَى﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿بَعْدَ﴾: منصوب على الظرفية الزمانية، والظرف متعلق بمحذوف حال من ﴿الْهُدَى﴾ ﴿بَعْدَ﴾: مضاف توسعًا في الظروف، ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، في محل الجر مضاف إليه مبني على السكون، وقيل: ﴿إِذْ﴾ هنا بمعنى: أن المصدرية، وهو مفهوم تفسير الزمخشري. ﴿جَاءَكُمْ﴾: فعل ومفعول وفاعل مستتر يعود على ﴿الْهُدَى﴾، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾ ﴿بَلْ﴾: حرف إضراب للإضراب الإبطالي، ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿مُجْرِمِينَ﴾: خبره، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾.
стр. 10525
﴿وَقَالَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ المذكور أولًا، وجملة ﴿اسْتُضْعِفُوا﴾ صلة الموصول، ﴿لِلَّذِينَ﴾: متعلق بـ ﴿قَالَ﴾، ﴿اسْتَكْبَرُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، ﴿بَلْ﴾: حرف إضراب، ﴿مَكْرُ اللَّيْلِ﴾: مبتدأ، خبره محذوف، ﴿وَالنَّهَارِ﴾: معطوف على ﴿اللَّيْلِ﴾، والتقدير: مكر الليل والنهار صدنا، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره: سبب كفرنا مكر الليل والنهار؛ أي: مكركم في الليل والنهار، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، متعلق بـ ﴿مَكْرُ اللَّيْلِ﴾، ﴿تَأْمُرُونَنَا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾، ﴿أَنْ نَكْفُرَ﴾ ناصب ومنصوب وفاعل مستتر، ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق به، وجملة ﴿أَن﴾ المصدرية مع مدخولها في تأويل مصدر مجرور بحرف جر، محذوف متعلق بـ ﴿تَأْمُرُونَنَا﴾، تقديره: إذ تأمروننا بكفرنا بالله سبحانه، ﴿وَنَجْعَلَ﴾: معطوف على ﴿نَكْفُرَ﴾، ﴿لَهُ﴾ حال من ﴿أَنْدَادًا﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها، ﴿أَنْدَادًا﴾: مفعول ﴿نجعل﴾، ويجوز أن يكون الجار والمجرور في محل المفعول الثاني و ﴿أَنْدَادًا﴾ مفعول أول.
﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَأَسَرُّوا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، أو حالية، ﴿أَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة، أو حال من ﴿الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ و ﴿الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾، ﴿لَمَّا﴾: ظرف بمعنى: حين، متعلق بـ ﴿أسروا﴾، ﴿رَأَوُا الْعَذَابَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿لَمَّا﴾، ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، ﴿فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿جعلنا﴾ على كونه مفعولًا ثانيًا له، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول، ﴿هَلْ﴾: حرف استفهام للاستفهام الإنكاري، ﴿يُجْزَوْنَ﴾: فعل مضارع ونائب فاعل، ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر واستثناء مفرغ، ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ثانٍ لـ ﴿يُجْزَوْنَ﴾، والجملة الفعلية جملة إنشائية، لا محل لها من الإعراب، ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَعْمَلُونَ﴾ خبره، وجملة ﴿كان﴾ صلة الموصول، لا محل لها من الإعراب.
стр. 10526
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٣٤) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾.
﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿ما﴾: نافية، ﴿أَرْسَلْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿فِي قَرْيَةٍ﴾: متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾، ﴿مِن﴾: زائدة، ﴿نَذِيرٍ﴾: مفعول به، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب حال من ﴿قَرْيَةٍ﴾، وسوَّغ مجيء الحال من النكرة: وقوعها في معرض النفي ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، ﴿بِمَا﴾: متعلق بـ ﴿كَافِرُونَ﴾، ﴿أُرْسِلْتُمْ﴾: فعل مغير الصيغة، ونائب فاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿أُرْسِلْتُمْ﴾، وهو العائد على ﴿ما﴾ الموصولة، ﴿كَافِرُونَ﴾: خبر ﴿إنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿وَقَالُوا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾، ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ﴾: مبتدأ وخبر، ﴿أَمْوَالًا﴾: تمييز محول عن المبتدأ، منصوب باسم التفضيل، ﴿وَأَوْلَادًا﴾: معطوف على ﴿أَمْوَالًا﴾، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿ما﴾: حجازية، ﴿نَحْنُ﴾: اسمها ﴿بِمُعَذَّبِينَ﴾: خبرها، والباء زائدة، وجملة ﴿مَا﴾ معطوفة على الجملة التي قبلها، ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة مستأنفة، ﴿إن﴾: حرف نصب، ﴿رَبِّي﴾: اسم ﴿إن﴾، ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، ﴿لِمَنْ﴾: متعلق بـ ﴿يَبْسُطُ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِن﴾ في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾، وجملة ﴿يَشَاءُ﴾ صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: لمن يشاء البسط له، وجملة ﴿وَيَقْدِرُ﴾ معطوف على جملة ﴿يَبْسُطُ﴾، ﴿وَلَكِنَّ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، أو حالية، ﴿لكن﴾: حرف نصب واستدراك، ﴿أَكْثَرَ النَّاسِ﴾: اسمها، وجملة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ خبرها، والجملة الاستدراكية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إنَّ﴾ على كونها مقولًا لـ ﴿قُلْ﴾ أو حال من فاعل ﴿يَبْسُطُ﴾، والرابط محذوف تقديره: ولكن أكثر الناس لا يعلمون حكمة بسطه وقبضه.
﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧)﴾.
стр. 10527
﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿ما﴾: حجازية، ﴿أَمْوَالُكُمْ﴾: اسمها، ﴿وَلَا أَوْلَادُكُمْ﴾: معطوف على ﴿أَمْوَالُكُمْ﴾، ﴿بِالَّتِي﴾: الباء: زائدة، ﴿التي﴾: اسم موصول في محل النصب خبر ﴿مَا﴾ الحجازية، والجملة مستأنفة ﴿تُقَرِّبُكُمْ﴾: فعل مضارع ومفعول به، وفاعل مستتر يعود على الموصول، والجملة صلة الموصول، ﴿عِنْدَنَا﴾: متعلق بمحذوف حال من ﴿زُلْفَى﴾. و ﴿زُلْفَى﴾: مفعول مطلق معنوى منصوب بـ ﴿تُقَرِّبُكُمْ﴾، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء منقطع؛ لأن الخطاب للكفار، و ﴿مَنْ آمَنَ﴾: ليس منتظمًا في سلكهم، ﴿مَنْ﴾: اسم موصول، في محل النصب على الاستثناء، ويجوز أن يعرب ﴿مَنّ﴾: مبتدأ، وما بعده الخبر؛ لأن الاستثناء منقطع، وإلا بمعنى: لكن، ﴿آمَنَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعل مستتر، والجملة صلة الموصول، ﴿وَعَمِلَ﴾: معطوف على ﴿آمَنَ﴾، ﴿صَالِحًا﴾: مفعول به، أو مفعول مطلق؛ أي: عملًا صالحًا، ﴿فَأُولَئِكَ﴾: ﴿الفاء﴾: تعليلية إن قلنا: إن ﴿مَنْ﴾ منصوب على الاستثناء، ﴿أولئك﴾: مبتدأ أول، ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم، ﴿جَزَاءُ الضِّعْفِ﴾: مبتدأ ثان مؤخر، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل الرفع خبر للأول، وجملة الأول مع خبره في محل الجر بلام التعليل المقدرة المدلول عليها بالفاء التعليلية؛ أي: وإنما استثنينا من آمن لكون جزاء الضعف لهم، وإن قلنا: إن ﴿إلا﴾ بمعنى: لكن فـ ﴿مَنْ آمَنَ﴾: مبتدأ أول، ﴿فَأُولَئِكَ﴾: مبتدأ ثانٍ، ﴿والفاء﴾: رابطة الخبر بالمبتدأ لما في المبتدأ من معنى الشرط، ﴿بِمَا﴾ متعلق بجزاء، و ﴿ما﴾: مصدرية أو موصولة، وجملة ﴿عَمِلُوا﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: بما عملوه، أو صلة لـ ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿وَهُمْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، ﴿فِي الْغُرُفَاتِ﴾: متعلق بـ ﴿آمِنُونَ﴾، و ﴿آمِنُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة معطوفة على جملة قوله: لهم جزاء الضعف.
﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (٣٨) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩)﴾.
﴿وَالَّذِينَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ أول، ﴿يَسْعَوْنَ﴾: فعل وفاعل، صلة الموصول، ﴿فِي آيَاتِنَا﴾: متعلق بـ ﴿يَسْعَوْنَ﴾، ﴿مُعَاجِزِينَ﴾: حال من فاعل ﴿يَسْعَوْنَ﴾، ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ ثانٍ، ﴿فِي الْعَذَابِ﴾ متعلق بـ ﴿مُحْضَرُونَ﴾،
стр. 10528
و ﴿مُحْضَرُونَ﴾ خبر للمبتدأ الثاني، وجملة المبتدأ الثاني وخبره في محل الرفع خبر الأول، وجملة الأول مستأنفة. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة مستأنفة، ﴿إِنَّ رَبِّي﴾: ناصب واسمه، ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾ ﴿لِمَنْ﴾: متعلق بـ ﴿يَبْسُطُ﴾، وجملة ﴿يَشَاءُ﴾ صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾: حال من العائد المحذوف، ﴿وَيَقْدِرُ لَهُ﴾: معطوف على ﴿يَبْسُطُ﴾، ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿ما﴾: اسم شرط جازم في محل النصب مفعول مقدم لـ ﴿أَنْفَقْتُمْ﴾، أو موصولة في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة قوله: ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾، كما أشرنا إليه في مبحث التفسير، ﴿أَنْفَقْتُمْ﴾: فعل وفاعل، في محل الجزم بـ ﴿ما﴾ على كونه فعل شرط لها، ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾: حال من ﴿مَا﴾ الشرطية، أو من العائد المحذوف إن كانت موصولة، ﴿فَهُوَ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿ما﴾ الشرطية إن كانت شرطية، أو رابطة الخبر بالمبتدأ إن كانت موصولة، ﴿هو﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يُخْلِفُهُ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿ما﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿ما﴾ الشرطية مستأنفة، أو الجملة في محل الرفع خبر ﴿ما﴾ الموصولة، ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾: مبتدأ وخبر ومضاف إليه، والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)﴾.
﴿وَيَوْمَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿يوم﴾: منصوب على الظرفية، متعلق بمحذوف تقديره: واذكر يوم يحشرهم، ﴿يَحْشُرُهُمْ﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعول به، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يوم﴾، والجملة المحذوفة مستأنفة، ﴿جَمِيعًا﴾: حال من مفعول ﴿يَحْشُرُهُمْ﴾، ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب، ﴿يَقُولُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر، معطوف على ﴿يحشر﴾، ﴿لِلْمَلَائِكَةِ﴾: متعلق بـ ﴿يَقُولُ﴾، ﴿أَهَؤُلَاءِ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التوبيخي، ﴿هؤلاء﴾: مبتدأ، ﴿إِيَّاكُمْ﴾: مفعول به مقدم لـ ﴿يَعْبُدُونَ﴾، ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَعْبُدُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿كان﴾ في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية جملة إنشائية، لا محل لها من الإعراب، ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة،
стр. 10529
﴿سُبْحَانَكَ﴾: منصوب على المفعولية المطلقة يفعل محذوف، وجملة ﴿سُبْحَانَكَ﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾، ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾، ﴿مِنْ دُونِهِمْ﴾: حال من ضمير المتكلمين في ﴿وَلِيُّنَا﴾؛ أي: حالة كوننا مجاوزين إياهم، ﴿بَلْ﴾: حرف إضراب، ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾، ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾: مبتدأ، ﴿بِهِمْ﴾: متعلق بما بعده، ﴿مُؤْمِنُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ أيضًا.
﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (٤٢)﴾.
﴿فَالْيَوْمَ﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية، ﴿اليوم﴾: ظرف متعلق بـ ﴿يَمْلِكُ﴾، ﴿لَا﴾: نافية، ﴿يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿لِبَعْضٍ﴾: متعلق بـ ﴿نَفْعًا﴾، و ﴿نَفْعًا﴾: مفعول به، ﴿وَلَا ضَرًّا﴾: معطوف على ﴿نَفْعًا﴾، ﴿وَنَقُولُ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿نقول﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر، معطوف على ﴿لَا يَمْلِكُ﴾، وقيل: معطوف على قوله: ﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ كما مرَّ في مبحث التفسير، ﴿لِلَّذِينَ﴾: متعلق بـ ﴿نقول﴾، ﴿ظَلَمُوا﴾: صلة الموصول، ﴿ذُوقُوا﴾: فعل وفاعل، ﴿عَذَابَ النَّارِ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب، مقول ﴿نقول﴾، ﴿الَّتِي﴾: صفة لـ ﴿النَّارِ﴾، ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿بِهَا﴾: متعلق بـ ﴿تُكَذِّبُونَ﴾، وجملة ﴿تُكَذِّبُونَ﴾: خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ صلة الموصول.
التصريف ومفردات اللغة
﴿مَوْقُوفُونَ﴾؛ أي: محبوسون في موقف الحساب، جمع: موقوف، اسم مفعول من وقف الثلاثي المتعدي، وفي "المصباح": وقفت الدابة تقف وقفًا ووقوفًا: سكنت ووقفتها أنا يتعدى، ولا يتعدى، ووقفت الرجل عن الشيء وقفًا: منعته عنه، اهـ، وبابه: وعد، كما في "المختار".
﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾؛ أي: عدوا ضعفاء، وقهروا، واستفعل هنا بمعنى: الفعل المجرد، وفي ﴿اسْتَكْبَرُوا﴾ للمبالغة في معنى الثلاثي؛ أي: بالغوا في
стр. 10530
الكبر والتعظم عن عبادة الله .
﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ المكر: صرف الغير عما يقصده بحيلة. اهـ "روح". والحيلة: ما يتوصل به إلى المقصود بطريق خفي. اهـ "قسطلاني".
﴿أَنْدَادًا﴾ جمع: ند، كأضداد جمع ضد، والند: المثل والشبه.
﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾ النداة: التحسر في أمر فائت.
﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ﴾ جمع غل، قال القهستاني: الغل: الطوق من حديد، الجامع لليد إلى العنق، المانع عن تحرك الرأس. انتهى، وهو معتاد بين الظلمة، قال الفقيه: إنه في زماننا جرت العادة بذلك، إذا خيف من الإباق، كما في "الكبرى" ولا يكره أن يجعل قيدًا في رجل عبده؛ لأنه سنة المسلمين في السفهاء، وأهل الفساد، فلا يكره في العبد؛ إذ فيه تحرز من إباقه وصيانة لماله، وحل ربطه بالحبل ونحوه. اهـ من "روح البيان".
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ﴾ قال في "كشف الأسرار": القرية: المصر تقري أهلها وتجمعهم، كما سبق. اهـ.
﴿إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾ المترف: كمكرم: المتنعم والموسع العيش والنعمة، من الترفة بالضم، وهو التوسع في النعمة يقال: أترفه: نعمه، وأترفته النعمة: أطغته ..
﴿تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾: مصدر من معنى العامل؛ إذ التقدير: تقربكم قربى، والزلفى والزلفة، والقربى والقربة بمعنى واحد. وقال الأخفش: زلفى: اسم مصدر، كأنه قال: بالتي تقربكم عندنا تقريبًا، وقرأ الضحاك: ﴿زلفا﴾ بضم الزاي وفتح اللام على أنها جمع زلفة كقربة وقرب جمع المصدر، لاختلاف أنواعه. اهـ "سمين".
﴿جَزَاءُ الضِّعْفِ﴾ مصدر مضاف إلى مفعوله؛ أي: أن يجازيهم الله الضعف، أو من إضافة الموصوف إلى صفته؛ أي: لهم الجزاء المضاعف. ﴿فِي الْغُرُفَاتِ﴾ جمع غرفة، وهي البيت فوق البناء، يعني: كل بناء يكون علوًا فوق سفل.
﴿يَسْعَوْنَ﴾ من سعى إذا جد واجتهد في الشيء.
﴿مُعَاجِزِينَ﴾ من المعاجزة، والمفاعلة ليست على بابها؛ أي: ظانين ومعتقدين
стр. 10531
عجزنا عن أخذهم.
﴿مُحْضَرُونَ﴾ اسم مفعول من الإحضار.
﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ يقال: نفق الشيء مضى ونفد؛ إما بالبيع نحو نفق البيع نفاقًا، وإما بالموت نحو نفقت الدابة نفوقًا، واما بالغناء نحو نفقت الدراهم تنفق وأنفقتها.
﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ يقال: أخلف الله له وعليه: إذا أبدل له ما ذهب عنه. ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ وأورد على هذا وعلى نظائره ابن عبد السلام في أماليه، كما نقله السيوطي في شرح السنن: أنه لا بد من مشاركة المفضل للمفضل عليه في أصل الفعل حقيقةً لا صورة.
وأجيب بأن الرازقين بمعنى الموصعلين للرزق والواهبين له بجعله حقيقة في هذا، كما صرح به الراغب؛ حيث قال: الرزق: العطاء البخاري، والرازق يقال لخالق الرزق ومعطيه، فيقال رازق لغيره تعالى، ولا يقال لغير الله تعالى رزاق، ولا حاجة إلى ما قيل من أنه من عموم المجاز، أو من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه. اهـ "شهاب".
فائدة: وفي "التأويلات النجمية": يشير إلى أنه خير المنفقين؛ لأن خيرية المنفق بقدر خيرية النفقة، فما ينفق كل منفق في النفقة .. فهو فانٍ، وما ينفق الله من نفقة ليخلفه با فهي باقية، والباقيات خير من الفانيات انتهى.
قال في "بحر العلوم": لما كان إقامة مصالح العباد من أجل الطاعات وأشرف العبادات؛ لأنها من وظيفة الأنبياء والصالحين .. دلهم الله سبحانه في الآية على طرف منها حثًا عليها، كما قال ﷺ ، حثًا لأمته عليها: "الخلق كلهم عيال الله، وأحبّهم إليه أنفعهم لعياله، قال العسكري: هذا على التوسع والمجاز، كأن الله تعالى لما كان المتضمِّن لأرزاق العباد والكافل بها .. كان الخلق كالعيال له.
وفي الحديث: "إن لله أملاكًا خلقهم كيف يشاء، وصورهم على ما يشاء تحت عرشه، ألهمهم أن ينادوا قبل طلوع الشمس وقبل غروبها في كل يوم مرتين: ألا من وسع على عياله وجيرانه .. وسع الله عليه في الدنيا والآخرة، ألا من ضيَّق .. ضيق الله عليه، ألا إن الله قد أعطاكم لنفقة درهم على عيالكم خير من سبعين قنطارًا
стр. 10532
- والقنطار كجبل أحد وزنًا - أنفقوا ولا تخشوا ولا تضيقوا ولا تقتروا وليكن أكثر نفقتكم يوم الجمعة".
وفي الحديث: "كل معروف صدقة، وكل ما أنفق الرجل على نفسه وأهله كتب له به صدقة، وما وقى به الرجل عرضه كتب له به صدقة"، ومعنى كل معروف صدقة: أن الإنفاق لا ينحصر في المال، بل يتناول كل بر من الأموال والأقوال والأفعال والعلوم والمعارف، وإنفاق العلوم والمعارف أفضل وأشرف؛ لأن نفع الأموال للأجساد، ونفع العلوم والمعارف للقلوب والأرواح، ومعنى ما وقي به عرضه: ما أعطى الشاعر وذا اللسان المتقى.
وفي الحديث: "ينادي مناد كل ليلة: لا دواء للموت، وينادي آخر: ابنوا للخراب، وينادي منادٍ: هب للمنفق خلفًا وينادي مناد: هب للممسك تلفًا".
وفي الحديث: "يؤجر ابن آدم في نفقته كلها إلا شيئًا وضعه في الماء والطين" قال القنوي، في شرح هذا الحديث؛ وهذا الحديث - وإن كان من حيث الصيغة مطلقًا - فالأحوال والقرائن تخصصه، وذلك أن بناء المساجد في الرباطات ومواضع العبادات يؤجر الباني لها عليها بلا خلاف، فالمراد بالمذكور هنا إنما هو البناء الذي لم يقصد صاحبه إلا التنزه والانفساح والاستراحة والرياء والسمعة، وإذا كان كذلك فمطمح همة الباني ومقصده لا يتجاوز هذا العالم، فلا يكون لبنائه ثمرة، ولا نتيجة في الآخرة؛ لأنه لم يقصد بما فعله أمرًا وراء هذه الدار، فأفعاله أعراض زائلة لا موجب لتعدِّيها من هنا إلى الآخرة، فلا إثمار لها، فلا أجر. انتهى.
﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا﴾: مضاف لمفعوله؛ أي: متولي أمورنا، والولي: خلاف العدو.
﴿ذُوقُوا﴾ الذوق في الأصل، وإن كان فيما يقل تناوله كالأكل، لا فيما يكثر تناوله، إلا أنه مستصلح للكثير، كما هنا.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ﴾؛ لأنه حذف فيه
стр. 10533
جواب لو الشرطية.
ومنها: الإجمال في قوله: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾، ثم التفسير في قوله: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ إلى آخره.
ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ﴾؛ أي: لم نصدّكم.
ومنها: الطباق بين ﴿اسْتُضْعِفُوا﴾، و ﴿اسْتَكْبَرُوا﴾.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾؛ لأن الإجرام حقيقة في قطع الأجسام، ثم استعير لاكتساب كل مكروه وسوء.
ومنها: التعبير عما في المستقبل بلفظ الماضي في قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ إشارةً إلى تحقق وقوعه.
ومنها: المجاز العقلي في قوله: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ لما فيه من إسناد ما للفاعل إلى ظرفه، نحو: نهاره صائم، وليله قائم، وليل ماكر.
ومنها: التعبير بالماضي عما في المستقبل في قوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾، وفي قوله: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ﴾ إشارةً إلى تحقق وقوعه؛ لأن المعنى: ونجعل الأغلال يوم القيامة في أعناق الذين كفروا.
ومنها: الإظهار في موضع الإضمار في قوله: ﴿فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ حيث لم يقل في أعناقهم؛ للتنويه بذمهم، والتنبيه على موجب أغلالهم.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ﴾؛ أي: في أهل قرية.
ومنها: مقابلة الجمع بالجمع في قوله: ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾.
ومنها: الطباق بين ﴿يَبْسُطُ وَيَقْدِرُ﴾.
ومنها: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في قوله: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ﴾ مبالغة في تحقيق الحق وتقرير ما سبق، وكان مقتضى السياق: وما أموالهم ... إلخ.
ومنها: المقابلة بين عاقبة الأبرار والفجار في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ
стр. 10534
صَالِحًا﴾، ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾.
ومنها: التكرار لغرض التأكيد على ما قيل في قوله: ﴿إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الخ.
ومنها: أسلوب التقريع والتوبيخ في قوله: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ الخطاب للملائكة تقريعًا للمشركين.
ومنها: تقديم المفعول على عامله في قوله: ﴿إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ لرعاية الفاصلة، ولأنه أبلغ في الخطاب، ولو أتى بالضمير متصلًا كان التركيب يعبدونكم، ولم تكن فاصلة.
ومنها: الإضافة للتشريف قوله: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا﴾.
ومنها: الطباق بين ﴿نَفْعًا﴾، و ﴿ضَرًّا﴾ في قوله: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾.
ومنها: التهكم في قوله: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ﴾.
ومنها: الإيجاز بالحذف لدلالة السياق عليه في قوله: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ حذف خبر الأول لدلالة الثاني عليه، أي: ما أموالكم بالتي تقربكم، ولا أولادكم بالذين يقربونكم عندنا.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 10535
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٤٣) وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٥) قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦) قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٤٧) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٤٨) قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩) قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠) وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٥١) وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٢) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر أن المشركين هم أهل النار يوم القيامة، وأنه يقال لهم يومئذ: ذوقوا عذابها الذي كنتم به تكذبون .. أعقب ذلك بذكر ما لأجله استحقوا هذا العذاب، وهو صدهم عن دعوة رسول الله ﷺ بقولهم في القرآن: إنه إفك مفترى، وأنه سحر واضح لا شك فيه، وقد كان فيما حل بالأمم قبلهم مزدجر لهم لو أرادوا، فقد بلغوا من القوة ما بلغوا، وحين أرسل إليهم الرسل كذبوهم، فأخذوا أخذ عزيز مقتدر، ثم أنذرهم سوء عاقبة ما هم فيه، وأوصاهم، بأن يشمروا عن ساعد الجد طلبًا للحق، متفرقين اثنين اثنين، وواحدًا واحدًا، ثم يتفكروا ليعلموا أن صاحبهم ليس بالمجنون، بل هو نذير لهم يخوفهم بأس الله وعذابه الشديد يوم القيامة، وقد كان لهم من حاله ما يرغبهم في دعوته، فهو لا يطلب منهم أجرًا، ولا يريد منهم جزاء، وإنما مثوبته عند ربه المطلع على كل شيء، ثم أبان لهم أن الحق قد وضح، وجاءت أعلام الشريعة. كفلق الصبح نورًا وضياءً، ولا
стр. 10536
بقاء للباطل، ولا قرار له إذا ظهر نور الحق: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه، لما أبطل شبههم، ورد عليهم بما لم يبقَ بعده مستزاد لمستزيد .. هددهم بشديد العقاب إن هم أصروا على عنادهم واستكبارهم، ثم ذكر أنهم حين معاينة العذاب يقولون: آمنا بالرسول، وأنى لهم ذلك، وقد فات الأوان، وقد كان ذلك في مكنتهم في دار الدنيا لو أرادوا، أما الآن فإن ذلك لا يجديهم فتيلًا ولا قطميرًا من جراء ما كانوا فيه من شك مريب في الحياة الأولى، وتلك سنة الله في أشباههم من قبل.
التفسير وأوجه القراءة
٤٣ - ﴿وَإِذَا تُتْلَى﴾؛ أي: وإذا قرئت بلسان رسولنا محمد ﷺ . ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على مشركي مكة. ﴿آيَاتُنَا﴾ القرآنية الناطقة بحقيقة التوحيد وبطلان الشرك حالة كونها، ﴿بَيِّنَاتٍ﴾؛ أي: واضحات الدلالات، ظاهرات المعاني ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال كفار مكة مشيرين إلى النبي ﷺ : ﴿مَا هَذَا﴾ التالي لها ﴿إِلَّا رَجُلٌ﴾ حقير لا يعبأ بكلامه، تنكيره للتهكم والتلهي، وإلا فرسول الله ﷺ كان علمًا مشهورًا بينهم. ﴿يُرِيدُ﴾ ويقصد ﴿أَنْ يَصُدَّكُمْ﴾ ويمنعكم ويصرفكم ﴿عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾ وأسلافكم من الأصنام منذ أزمنة متطاولة، فيستتبعكم بما يستبدعه من غير أن يكون هناك دين إلهي، وإضافة (١) الآباء إلى المخاطبين لا إلى أنفسهم لتحريك عرق العصبية منهم مبالغةً في تقريرهم على الشرك، وتنفيرهم عن التوحيد.
والمعنى (٢): وإذا تتلى على المشركين آيات الكتاب الكريم دالة على التوحيد وبطلان الشرك .. قالوا: إن هذا الرجل يريد أن يلفتكم عن الدين الحق دين الآباء والأجداد، ليجعلكم من أتباعه دون أن يكون له حجة على ما يدَّعي، وبرهان يدل على صحة ما يسلك من سبيل، ثم زادوا إنكارهم توكيدًا، وأيأسوا الرسول من الطمع في إيمانهم ﴿وَقَالُوا﴾ ثانيًا: ﴿مَا هَذَا﴾ القرآن الذي يدعي محمد أنه وحي من
стр. 10537
عند ربه ﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾؛ أي: كذب محض، وكلام مصروف عن وجهه لعدم مطابقة ما فيه من التوحيد والبعث الواقع ﴿مُفْتَرًى﴾؛ أي: مختلف من عند نفسه وقد نسبه إلى ربه ترويجًا للدعوة، واجتلابًا لقلوب الكافة، والافتراء: الكذب محمدًا، قالوه عنادًا ومكابرةً، وإلا فقد قال كبيرهم عتبة بن ربيعة: واللهِ ما هو شعر ولا كهانة ولا سحر.
ثم شددوا في الإنكار، فجعلوه سحرًا بيِّنًا لا شك فيه عندهم، كما حكي عنهم بقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ثالثًا: ﴿لِلْحَقِّ﴾؛ أي: للقرآن؛ أي: في شأنه على أن العطف لاختلاف العنوان، بأن يراد بالأول وهو قولهم: ﴿إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى﴾ معناه، وبالثاني وهو قولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ نظمه المعجز، وقيل: إن طائفة منهم قالوا: إنه إفك، وطائفة قالوا: إنه سحر، وقيل: المراد بالحق هنا: التوحيد، وأمور الإِسلام، وقيل: المراد بالذين كفروا المذكور أولًا: جميع الكفار؛ لأن إنكار القرآن والمعجزة كان متفقًا عليه بين أهل الكتاب والمشركين، وبالثاني المشركون؛ لأنهم أنكروا التوحيد على القول بأن المراد بالحق: التوحيد؛ أي: وقال الذين كفروا للحق والقرآن ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾؛ أي: حينما جاءهم من الله تعالى، ومعنى التوقع في ﴿لَمَّا﴾: أنهم كذبوا به وجحدوه على البديهة ساعة أتاهم، وأول ما سمعوه قبل التدبر والتأمل. ﴿إن﴾ بمعنى ما النافية؛ أي ما ﴿هَذَا﴾ القرآن ﴿إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾؛ أي: خيال ظاهر سحريته لا شبهة فيه.
والمعنى على القول: بأن المراد بالحق التوحيد والشرائع؛ أي (١): وقال المشركون لما جاء به النبي ﷺ من عند ربه مشتملًا على الهدى والشرائع التي وجهتهم في حياتهم الاجتماعية ونظم المعيشة وجهة جديدة، تكون بها سعادتهم في معاشهم ومعادهم، وغيَّرت الطريق التي ورثوها عن الآباء والأجداد: ما هذا إلا سحر مبين لا خفاء فيه عندنا، وقد أعمى أبصارنا، وأضلَّ أحلامنا، فلم نستطيع أن ندفعه بكل سبيل، ولا يزال يلج القلوب ويقتحمها، ويداخل النفوس ويستحوذ عليها، ونحن في حيرة لا نجد طريقًا للتغلب عليه بالوسائل التي نعرفها، وهي بين أيدينا.
стр. 10538
والخلاصة: أنهم نفوا أن يكون وحيًا من عند ربه، وجعلوه إما كلامًا مفترى جاء به لترويج دعوته، وإما سحرًا فعله ليخلب به العقل، ويصد الناس عن الدين الحق الذي ورثوه من الآباء والأجداد.
٤٤ - فرد الله سبحانه عليهم منكرًا دعواهم أن دينهم هو الدين الحق، بقوله: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ﴾؛ أي: مشركي العرب. ﴿مِنْ كُتُبٍ﴾؛ أي: كتبًا، فإن ﴿مِنْ﴾ الاستغراقية داخلة على المفعول للتأكيد؛ أي: وما أعطينا كفار مكة كتبًا دالةً على صحة الإشراك ﴿يَدْرُسُونَهَا﴾؛ أي: يقرؤونها، كما في قوله تعالى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥)﴾، وقوله: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١)﴾، وفي إيراد الكتب بصيغة الجمع تنبيه على أنه لا بد لمثل تلك من نظائر الأدلة. والدرس: قراءة الكتاب مع التدبر فيه، كما سيأتي في مبحث اللغة، وقرأ الجمهور: ﴿يدرسونها﴾ مضارع درس الثلاثي من باب نصر، وقرأ أبو حيوة: بفتح الدال وشدها وكسر الراء مضارع ادرس افتعل من الدرس، ومعناه: يتدارسونها، وعن أبي حيوة أيضًا: يدرسونها من التدريس، وهو تكرير الدرس، ذكره أبو حيان. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ﴾؛ أي: إلى مشركي مكة ﴿قَبْلَكَ﴾ يا محمد ﴿مِنْ نَذِيرٍ﴾؛ أي: رسول يدعوهم إلى الإشراك، وينذرهم بالعقاب إن لم يشركوا.
وإذا انتفت الكتب الدالة على الإشراك (١)، والرسول الجائي به، فمن أين لهم هذه الشبهة، وهذا في غاية تجهيلهم وتسفيه رأيهم، اهـ "بيضاوي". فالمنفي إنما هو وصف الكتب المذكورة، ووصف النذير المذكور لا أصل الكتب، ولا أصل إرسال الرسول.
وهناك تفسير آخر ذكره الشهاب حاصله (٢): أن المنفي أصل الكتب، وأصل إرسال الرسل، وذلك لأن العرب كانوا في فترة؛ إذ لم يبعث لهم نبي بعد إسماعيل، وقد انقضت رسالته بموته.
وحاصل المعنى على هذا: أنه لا عذر لهم في الشرك، ولا في عدم تصديقك، بخلاف أهل الكتاب، فإن لهم نوع عذر؛ لأن لهم دينًا وكتابًا، فيشق
стр. 10539
عليهم تركهما، ويحتجون على عدم المتابعة بأن نبيهم حذرهم ترك دينهم، وإن كان هذا احتجاجًا باطلًا اهـ. شيخنا.
ومعنى الآية: أي إن الدين الصحيح إنما يأتي بوحي من عند الله، وبكتاب يتزل على الرسول، ليبلِّغه للناس، ويبين لهم فيه ما جاء به من الشرائع والآداب والفضائل التي تكون بها سعادتهم في دنياهم وآخرتهم، وهم أمة أمية لم يأتهم كتاب قبل القرآن، ولم يبعث إليهم رسول قبل محمد، فمن أين أتاهم أن الدين الحق هو الذي يرشد إلى صحة الإشراك بالله، وينفي توحيد الخالق، حتى يكون لهم معذرة فيما يدعون، وحجة على صحة ما يعتقدون، ولا يخفى ما في هذا من التهكم بهم، والتجهيل لهم.
٤٥ - وبعد أن بشر وأنذر وأبان بالحجة والبرهان ما كان فيه المقنع لهم - لو كانوا يعقلون - سلك بهم سبيل التهديد والوعيد، وضرب لهم المثل بالأمم التي كانت قبلهم وسلكت سبيلهم، ولم تجدها الآيات والنذر، فحل بها بأس الله، وأتاها العذاب من حيث لا تحتسب، فقال: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: من قبل كفار مكة من كفار الأمم الماضية، والقرون المتقدمة، كما كذبك قومك من قريش. ﴿وَمَا بَلَغُوا﴾؛ أي: وما بلغ كفار مكة، وما وصلوا ﴿مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾؛ أي: عشر ما أعطينا أولئك المتقدمين من قوة الأجسام، وكثرة الأموال والأولاد، وطول الأعمال، فأهلكهم الله تعالى كعاد وثمود، فالمعشار: بمعنى العشر، كالمرباع بمعنى: الربع، وقيل: الضمير في ﴿بَلَغُوا﴾ لكفار الأمم الماضية، والمعنى عليه: وما بلغ أولئك المتقدمون عشر ما آتينا هؤلاء المكذبين لك من البينات والهدى، والأول أولى، وقيل: إن المعنى: ما بلغ من قبلهم معشار ما آتينا هؤلاء من البينات والهدى والعلم والحجة والبرهان؛ أي: وما بلغ الذين من قبلهم من الأمم معشار ما أعطينا قوم محمد ﷺ من البيان والبرهان، فإن محمدًا أفضل من جميع الرسل وأفصح، وبرهانه أوفى، وبيانه أشفى، وكتابه أكمل من سائر الكتب وأوضح، ثم إن المتقدمين لما كذَّبوا الكتب والرسل .. أنكر عليهم، وكيف لا أنكر على هؤلاء الأمة، وقد كذبوا بأفصح الرسل وأوضح السبل. اهـ "المراح". ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي﴾ معطوف على ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ على طريق التفسير والتفصيل، كقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا﴾ إلخ، وما بينهما حال، أو اعتراض، اهـ "أبو
стр. 10540
السعود". وعبارة "البيضاوي": ولا تكرير؛ لأن الأول للتكثير، والثاني: للتكذيب. انتهت.
وعبارة "الشوكاني": والأولى أن يكون من عطف الخاص على العام؛ لأن التكذيب الأول لما حذف منه المتعلق للتكذيب .. أفاد العموم، فمعناه: كذبوا الكتب المنزلة، والرسل المرسلة، والمعجزات الواضحة، وتكذيب الرسل أخص منه، وإن كان مستلزمًا له، فقد روعيت الدلالة اللفظية، لا الدلالة الالتزامية. وقوله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ معطوف على محذوف، قدَّره البيضاوى بقوله: فحين كذبوا رسلي .. جاءهم إنكاري بالتدمير والاستئصال، فكيف كان نكيري لهم؛ أي: إنكاري عليهم؛ أي: هو واقع موقعه، فهو في غاية العدل، خالٍ عن الجور والظلم، فأي شيء خطر هؤلاء، بجنب أولئك، فليحذروا من مثل ذلك بتصديق محمد ﷺ ، والنكير: اسم مصدر بمعنى الإنكار؛ أي: إنكار المنكر وإزالته بالعقوبة في الدنيا، جعل تدميرهم إنكارًا تنزيلًا للفعل منزلة القول، كما في قول الشاعر:
وَنَشْتُمُ بِالأفْعَالِ لَا بِالتَّكَلُّمِ
اهـ "شهاب".
قال أبو حيان (١): ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ تعظيم للأمر، وليست استفهامًا مجردًا، وفيه تهديد لقريش؛ أي: إنهم معرضون لنكير مثله، والنكير: مصدر كالإنكار، وهو من المصادر التي جاءت على وزن فعيل، والفعل على وزن أفعل، كالنذير والعذير من أنذر وأعذر، وحذفت الياء من نكير تخفيفًا؛ لأن الكسرة أجزأت عنها.
ومعنى الآية (٢): أي ولقد كان فيمن قبلهم من الأمم البائدة، والقرون الخالية قوم نوح وعاد وثمود، وقد بلغوا من القوة والبأس ما لم يبلغوا معشاره، فكذبوا رسلي حين أرسلوا إليهم، فحل بهم النكال والوبال، ودمروا تدميرًا، ولم تغن عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئًا، وإنهم ليشاهدون آثارهم في حلهم وترحالهم، في غدوهم ورواحهم، كما قال في آية أخرى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧)