← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 10536–10575 · переход к 10541.

стр. 10536

بقاء للباطل، ولا قرار له إذا ظهر نور الحق: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه، لما أبطل شبههم، ورد عليهم بما لم يبقَ بعده مستزاد لمستزيد .. هددهم بشديد العقاب إن هم أصروا على عنادهم واستكبارهم، ثم ذكر أنهم حين معاينة العذاب يقولون: آمنا بالرسول، وأنى لهم ذلك، وقد فات الأوان، وقد كان ذلك في مكنتهم في دار الدنيا لو أرادوا، أما الآن فإن ذلك لا يجديهم فتيلًا ولا قطميرًا من جراء ما كانوا فيه من شك مريب في الحياة الأولى، وتلك سنة الله في أشباههم من قبل. التفسير وأوجه القراءة ٤٣ - ﴿وَإِذَا تُتْلَى﴾؛ أي: وإذا قرئت بلسان رسولنا محمد ﷺ . ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على مشركي مكة. ﴿آيَاتُنَا﴾ القرآنية الناطقة بحقيقة التوحيد وبطلان الشرك حالة كونها، ﴿بَيِّنَاتٍ﴾؛ أي: واضحات الدلالات، ظاهرات المعاني ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال كفار مكة مشيرين إلى النبي ﷺ : ﴿مَا هَذَا﴾ التالي لها ﴿إِلَّا رَجُلٌ﴾ حقير لا يعبأ بكلامه، تنكيره للتهكم والتلهي، وإلا فرسول الله ﷺ كان علمًا مشهورًا بينهم. ﴿يُرِيدُ﴾ ويقصد ﴿أَنْ يَصُدَّكُمْ﴾ ويمنعكم ويصرفكم ﴿عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾ وأسلافكم من الأصنام منذ أزمنة متطاولة، فيستتبعكم بما يستبدعه من غير أن يكون هناك دين إلهي، وإضافة (١) الآباء إلى المخاطبين لا إلى أنفسهم لتحريك عرق العصبية منهم مبالغةً في تقريرهم على الشرك، وتنفيرهم عن التوحيد. والمعنى (٢): وإذا تتلى على المشركين آيات الكتاب الكريم دالة على التوحيد وبطلان الشرك .. قالوا: إن هذا الرجل يريد أن يلفتكم عن الدين الحق دين الآباء والأجداد، ليجعلكم من أتباعه دون أن يكون له حجة على ما يدَّعي، وبرهان يدل على صحة ما يسلك من سبيل، ثم زادوا إنكارهم توكيدًا، وأيأسوا الرسول من الطمع في إيمانهم ﴿وَقَالُوا﴾ ثانيًا: ﴿مَا هَذَا﴾ القرآن الذي يدعي محمد أنه وحي من

стр. 10537

عند ربه ﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾؛ أي: كذب محض، وكلام مصروف عن وجهه لعدم مطابقة ما فيه من التوحيد والبعث الواقع ﴿مُفْتَرًى﴾؛ أي: مختلف من عند نفسه وقد نسبه إلى ربه ترويجًا للدعوة، واجتلابًا لقلوب الكافة، والافتراء: الكذب محمدًا، قالوه عنادًا ومكابرةً، وإلا فقد قال كبيرهم عتبة بن ربيعة: واللهِ ما هو شعر ولا كهانة ولا سحر. ثم شددوا في الإنكار، فجعلوه سحرًا بيِّنًا لا شك فيه عندهم، كما حكي عنهم بقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ثالثًا: ﴿لِلْحَقِّ﴾؛ أي: للقرآن؛ أي: في شأنه على أن العطف لاختلاف العنوان، بأن يراد بالأول وهو قولهم: ﴿إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى﴾ معناه، وبالثاني وهو قولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ نظمه المعجز، وقيل: إن طائفة منهم قالوا: إنه إفك، وطائفة قالوا: إنه سحر، وقيل: المراد بالحق هنا: التوحيد، وأمور الإِسلام، وقيل: المراد بالذين كفروا المذكور أولًا: جميع الكفار؛ لأن إنكار القرآن والمعجزة كان متفقًا عليه بين أهل الكتاب والمشركين، وبالثاني المشركون؛ لأنهم أنكروا التوحيد على القول بأن المراد بالحق: التوحيد؛ أي: وقال الذين كفروا للحق والقرآن ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾؛ أي: حينما جاءهم من الله تعالى، ومعنى التوقع في ﴿لَمَّا﴾: أنهم كذبوا به وجحدوه على البديهة ساعة أتاهم، وأول ما سمعوه قبل التدبر والتأمل. ﴿إن﴾ بمعنى ما النافية؛ أي ما ﴿هَذَا﴾ القرآن ﴿إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾؛ أي: خيال ظاهر سحريته لا شبهة فيه. والمعنى على القول: بأن المراد بالحق التوحيد والشرائع؛ أي (١): وقال المشركون لما جاء به النبي ﷺ من عند ربه مشتملًا على الهدى والشرائع التي وجهتهم في حياتهم الاجتماعية ونظم المعيشة وجهة جديدة، تكون بها سعادتهم في معاشهم ومعادهم، وغيَّرت الطريق التي ورثوها عن الآباء والأجداد: ما هذا إلا سحر مبين لا خفاء فيه عندنا، وقد أعمى أبصارنا، وأضلَّ أحلامنا، فلم نستطيع أن ندفعه بكل سبيل، ولا يزال يلج القلوب ويقتحمها، ويداخل النفوس ويستحوذ عليها، ونحن في حيرة لا نجد طريقًا للتغلب عليه بالوسائل التي نعرفها، وهي بين أيدينا.

стр. 10538

والخلاصة: أنهم نفوا أن يكون وحيًا من عند ربه، وجعلوه إما كلامًا مفترى جاء به لترويج دعوته، وإما سحرًا فعله ليخلب به العقل، ويصد الناس عن الدين الحق الذي ورثوه من الآباء والأجداد. ٤٤ - فرد الله سبحانه عليهم منكرًا دعواهم أن دينهم هو الدين الحق، بقوله: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ﴾؛ أي: مشركي العرب. ﴿مِنْ كُتُبٍ﴾؛ أي: كتبًا، فإن ﴿مِنْ﴾ الاستغراقية داخلة على المفعول للتأكيد؛ أي: وما أعطينا كفار مكة كتبًا دالةً على صحة الإشراك ﴿يَدْرُسُونَهَا﴾؛ أي: يقرؤونها، كما في قوله تعالى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥)﴾، وقوله: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١)﴾، وفي إيراد الكتب بصيغة الجمع تنبيه على أنه لا بد لمثل تلك من نظائر الأدلة. والدرس: قراءة الكتاب مع التدبر فيه، كما سيأتي في مبحث اللغة، وقرأ الجمهور: ﴿يدرسونها﴾ مضارع درس الثلاثي من باب نصر، وقرأ أبو حيوة: بفتح الدال وشدها وكسر الراء مضارع ادرس افتعل من الدرس، ومعناه: يتدارسونها، وعن أبي حيوة أيضًا: يدرسونها من التدريس، وهو تكرير الدرس، ذكره أبو حيان. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ﴾؛ أي: إلى مشركي مكة ﴿قَبْلَكَ﴾ يا محمد ﴿مِنْ نَذِيرٍ﴾؛ أي: رسول يدعوهم إلى الإشراك، وينذرهم بالعقاب إن لم يشركوا. وإذا انتفت الكتب الدالة على الإشراك (١)، والرسول الجائي به، فمن أين لهم هذه الشبهة، وهذا في غاية تجهيلهم وتسفيه رأيهم، اهـ "بيضاوي". فالمنفي إنما هو وصف الكتب المذكورة، ووصف النذير المذكور لا أصل الكتب، ولا أصل إرسال الرسول. وهناك تفسير آخر ذكره الشهاب حاصله (٢): أن المنفي أصل الكتب، وأصل إرسال الرسل، وذلك لأن العرب كانوا في فترة؛ إذ لم يبعث لهم نبي بعد إسماعيل، وقد انقضت رسالته بموته. وحاصل المعنى على هذا: أنه لا عذر لهم في الشرك، ولا في عدم تصديقك، بخلاف أهل الكتاب، فإن لهم نوع عذر؛ لأن لهم دينًا وكتابًا، فيشق

стр. 10539

عليهم تركهما، ويحتجون على عدم المتابعة بأن نبيهم حذرهم ترك دينهم، وإن كان هذا احتجاجًا باطلًا اهـ. شيخنا. ومعنى الآية: أي إن الدين الصحيح إنما يأتي بوحي من عند الله، وبكتاب يتزل على الرسول، ليبلِّغه للناس، ويبين لهم فيه ما جاء به من الشرائع والآداب والفضائل التي تكون بها سعادتهم في دنياهم وآخرتهم، وهم أمة أمية لم يأتهم كتاب قبل القرآن، ولم يبعث إليهم رسول قبل محمد، فمن أين أتاهم أن الدين الحق هو الذي يرشد إلى صحة الإشراك بالله، وينفي توحيد الخالق، حتى يكون لهم معذرة فيما يدعون، وحجة على صحة ما يعتقدون، ولا يخفى ما في هذا من التهكم بهم، والتجهيل لهم. ٤٥ - وبعد أن بشر وأنذر وأبان بالحجة والبرهان ما كان فيه المقنع لهم - لو كانوا يعقلون - سلك بهم سبيل التهديد والوعيد، وضرب لهم المثل بالأمم التي كانت قبلهم وسلكت سبيلهم، ولم تجدها الآيات والنذر، فحل بها بأس الله، وأتاها العذاب من حيث لا تحتسب، فقال: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: من قبل كفار مكة من كفار الأمم الماضية، والقرون المتقدمة، كما كذبك قومك من قريش. ﴿وَمَا بَلَغُوا﴾؛ أي: وما بلغ كفار مكة، وما وصلوا ﴿مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾؛ أي: عشر ما أعطينا أولئك المتقدمين من قوة الأجسام، وكثرة الأموال والأولاد، وطول الأعمال، فأهلكهم الله تعالى كعاد وثمود، فالمعشار: بمعنى العشر، كالمرباع بمعنى: الربع، وقيل: الضمير في ﴿بَلَغُوا﴾ لكفار الأمم الماضية، والمعنى عليه: وما بلغ أولئك المتقدمون عشر ما آتينا هؤلاء المكذبين لك من البينات والهدى، والأول أولى، وقيل: إن المعنى: ما بلغ من قبلهم معشار ما آتينا هؤلاء من البينات والهدى والعلم والحجة والبرهان؛ أي: وما بلغ الذين من قبلهم من الأمم معشار ما أعطينا قوم محمد ﷺ من البيان والبرهان، فإن محمدًا أفضل من جميع الرسل وأفصح، وبرهانه أوفى، وبيانه أشفى، وكتابه أكمل من سائر الكتب وأوضح، ثم إن المتقدمين لما كذَّبوا الكتب والرسل .. أنكر عليهم، وكيف لا أنكر على هؤلاء الأمة، وقد كذبوا بأفصح الرسل وأوضح السبل. اهـ "المراح". ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي﴾ معطوف على ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ على طريق التفسير والتفصيل، كقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا﴾ إلخ، وما بينهما حال، أو اعتراض، اهـ "أبو

стр. 10540

السعود". وعبارة "البيضاوي": ولا تكرير؛ لأن الأول للتكثير، والثاني: للتكذيب. انتهت. وعبارة "الشوكاني": والأولى أن يكون من عطف الخاص على العام؛ لأن التكذيب الأول لما حذف منه المتعلق للتكذيب .. أفاد العموم، فمعناه: كذبوا الكتب المنزلة، والرسل المرسلة، والمعجزات الواضحة، وتكذيب الرسل أخص منه، وإن كان مستلزمًا له، فقد روعيت الدلالة اللفظية، لا الدلالة الالتزامية. وقوله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ معطوف على محذوف، قدَّره البيضاوى بقوله: فحين كذبوا رسلي .. جاءهم إنكاري بالتدمير والاستئصال، فكيف كان نكيري لهم؛ أي: إنكاري عليهم؛ أي: هو واقع موقعه، فهو في غاية العدل، خالٍ عن الجور والظلم، فأي شيء خطر هؤلاء، بجنب أولئك، فليحذروا من مثل ذلك بتصديق محمد ﷺ ، والنكير: اسم مصدر بمعنى الإنكار؛ أي: إنكار المنكر وإزالته بالعقوبة في الدنيا، جعل تدميرهم إنكارًا تنزيلًا للفعل منزلة القول، كما في قول الشاعر: وَنَشْتُمُ بِالأفْعَالِ لَا بِالتَّكَلُّمِ اهـ "شهاب". قال أبو حيان (١): ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ تعظيم للأمر، وليست استفهامًا مجردًا، وفيه تهديد لقريش؛ أي: إنهم معرضون لنكير مثله، والنكير: مصدر كالإنكار، وهو من المصادر التي جاءت على وزن فعيل، والفعل على وزن أفعل، كالنذير والعذير من أنذر وأعذر، وحذفت الياء من نكير تخفيفًا؛ لأن الكسرة أجزأت عنها. ومعنى الآية (٢): أي ولقد كان فيمن قبلهم من الأمم البائدة، والقرون الخالية قوم نوح وعاد وثمود، وقد بلغوا من القوة والبأس ما لم يبلغوا معشاره، فكذبوا رسلي حين أرسلوا إليهم، فحل بهم النكال والوبال، ودمروا تدميرًا، ولم تغن عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئًا، وإنهم ليشاهدون آثارهم في حلهم وترحالهم، في غدوهم ورواحهم، كما قال في آية أخرى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧)

стр. 10541

وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾ فليحذروا أن يصيبهم مثل ما أصاب أولئك. والخلاصة: أن فيما حل بمن قبلهم من المثلات نكالًا لهم على تكذيبهم رسلهم لعبرة لهم لو كانوا يعقلون، ٤٦ - ثم أطال لهم الحبل، ومد لهم الباع، وأنصفهم في الخصومة فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين، ﴿إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾؛ أي: ما أذكركم وما أنصح لكم إلا بخصلة واحدة هي ﴿أَنْ تَقُومُوا﴾ من مجلس رسول الله ﷺ ، وتتفرقوا من مجمعكم عنده، فالقيام على حقيقته بمعنى القيام على الرجلين ضد الجلوس، ويجوز أن يكون بمعنى القيام بالأمر، والاهتمام بطلب الحق، والمعنى: إنما أعظكم بخصلة واحدة إن فعلتموها أصبتم الحق، وتخلصتم إليه، وهي أن تقوموا. ﴿لِلَّهِ﴾؛ أي: لوجه الله تعالى، وطلب رضاه خالصًا، لا لحمية ولا عصبية ولا للمراء والرياء والتقليد، بل لطلب ظهور الحق حال كونكم متفرقين ﴿مَثْنَى﴾؛ أي: اثنين اثنين ﴿و﴾ متفرقين ﴿فُرَادَى﴾؛ أي: فردًا فردًا واحدًا واحدًا ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ معطوف على ﴿تَقُومُوا﴾؛ أي: ثم تتدبروا وتتأملوا في أمر محمد ﷺ ، وما جاء به، فتعلموا ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ﴾ محمد ﷺ ﴿مِنْ جِنَّةٍ﴾؛ أي: من جنون يحمله على دعوى النبوة العامة، كما ظننتم، وفائدة التقييد (١) بالاثنين والفرادى: أن الاثنين إذا التجأ إلى الله تعالى، وبحثا طلبًا للحق مع الإنصاف .. هُدِيا إليه، وكذا الواحد إذ تفكر في نفسه مجردًا عن الهوى بخلاف كثرة الجمع، فإنه يقل فيها الإنصاف غالبًا، ويكثر الخلاف، ويثور غبار الغضب، ولا يسمع إلا نصرة المذهب. وفي تقديم ﴿مَثْنَى﴾ إيذان بأنه أوفق وأقرب من الاطمئنان، فإن الاثنين إذا قعدا بطريق المشاورة في شأن الرسول ﷺ وصحة نبوته، من غير هوى وعصبية، وعرض كل منهما محصول فكره على الآخر .. أدى النظر الصحيح إلى التصديق، ويحصل العلم على العلم. قال الشاعر: إِذَا اجْتَمَعُوا جَاؤُوا بِكُلِّ غَرِيْبَةٍ ... فَيَزْدَادُ بَعْضُ الْقَومِ مِنْ بِعْضِهِم عِلْمَا وأما الفرد (٢): فيفكر في نفسه أيضًا بعدل ونصفة، هل رأينا في هذا الرجل

стр. 10542

جنونًا قط، أو جربنا عليه كذبًا قط، وقد علمتم أن محمدًا ﷺ ما به من جنة، بل قد علمتم أنه من أرجح قريش عقلًا، وأوزنهم حلًا، وأحدهم ذهنًا، وأرصنهم رأيًا، وأصدقهم قولًا، وأزكاهم نفسًا، وأجمعهم لما يحمد عليه الرجال ويمدحون به، وإذا علمتم ذلك كفاكم أن تطالبوه بآية، وإذا جاء بها تبين أنه نبي نذير مبين، صادق فيما جاء به، وقيل: تم الكلام عند قوله: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾؛ أي: في السموات والأرض، فتعلموا أن خالقهما واحد لا شريك له، ثم ابتدأ فقال: ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾، اهـ من "الخازن". والمعنى (١): أي قل لهم يا محمد: إني أرشدكم أيها القوم، وأنصح لكم أن لا تبادروا بالتكذيب عنادًا واستكبارًا، بل اتئدوا وتفكروا مليًّا فيما دعوتكم إليه، وجدّوا واجتهدوا في طلب الحق خالصًا؛ إما واحدًا فواحدًا، وإما اثنين فاثنين، لعلكم تصلون إلى الحق، وتهتدون إلى قصد السبيل، وتكونون قد أنصفتم الحقيقة، وأمطتم الحجب التي غشّت أبصاركم، ورانت على قلوبكم، فلم تجعل للحق منفذًا. وإنما طلب إليهم التفكر، وهم متفرقون اثنين اثنين، أو واحدًا فواحدًا؛ لأنّ في الازدحام تهويش الخاطر، والمنع من إطالة التفكير، وتخليط الكلام، وقلة الإنصاف، وفيما يشاهد كل يوم من الاضطراب، وتبلبل الأفكار في الجماعات الكثيرة حين الجدل والخصومة، ما يؤيد صدق هذا، ثم أبان لهم أن نتيجة الفكر ستؤدي بهم إلى أن يعترفوا بما يرشد إليه النظر الصحيح، فقال: ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ إذ ما جاء به من ذلك الأمر العظيم الذي فيه سعادة البشر في دنياهم وآخرتهم لا يتصدّى لادعائه إلا أحد رجلين؛ إما مجنون لا يبالي بافتضاحه حين مطالبته بالبرهان وظهور عجزه، وإما نبيّ مؤيد من عند الله بالمجعزات الدالة على صدقه، وإنكم قد علمتم أن محمدًا أرجح الناس عقلًا، وأصدق الناس قولًا، وأزكاهم نفسًا، وأجمعهم للكمال النفسي والعقلي، فوجب عليكم أن تصدّقوه في دعوته، وقد قرنها بالمعجزات الدالة على ذلك، وفي التعبير بصاحبكم إيماء إلى أنه معروف لهم، مشهور لديهم، فهو قد نشأ بين ظهرانيهم، وعلموا ما له من صفات الفضل

стр. 10543

والنبل وكرم الخلال، مما لم يتهيَّأ لأحد من أترابه ولداته. وإذا استبان بالدليل أنَّه ليس بالمجنون في كل ما يقول ويدّعي .. اتضح أنه صادق، كما قال سبحانه: ﴿إِن﴾؛ أي: ما ﴿هُوَ﴾؛ أي: صاحبكم ﴿إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ﴾؛ أي: مخوّف لكم بلسان ينطق بالحق، ﴿بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾؛ أي: قدام عذاب الآخرة، إن عصيتموه؛ لأنه مبعوث في نسم الساعة؛ أي: أوّلها وقربها، وذلك لأنّ النسم النفس، ومن قرب منك يصل إليك نفسه، وقيل: المعنى: أي (١): ما محمد إلا رسول مخوف لكم بعذاب حاضر يمسكم عن قريب قبل عذاب شديد في الآخرة إن لم تؤمنوا به؛ أي: ما هذا الوصول بالكاذب، بل هو نذير لكم بعقاب الله حين تقدمون عليه لكفركم به وعصيانكم أمره، وإنما جعل إنذاره بين يدي عذاب شديد؛ لأنّ محمدًا ﷺ مبعوث قرب الساعة، كما جاء في الحديث: "بعثت أنا والساعة جميعًا إن كادت لتسبقني". وروى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: صعد النبي ﷺ الصفا ذات يوم، فقال: "يا صباحاه"، فاجتمعت إليه قريش فقالوا: ما لك؟ فقال: "أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو يصبّحكم أو يمسيكم، أما كنتم تصدّقوني" قالوا: بلى، قال ﷺ : "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد"، فقال أبو لهب: تبًّا لك، ألهذا جمعتنا، فأنزل الله : ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١)﴾. ٤٧ - ولما نفى عن رسوله الجنون، وأثبت له النبوّة .. أمر الله سبحانه رسوله أن يخبرهم أنه لم يكن له غرض في الدنيا, ولا رغبة فيها، حتى تنقطع عندهم الشكوك، ويرتفع الريب، فقال: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿مَا﴾؛ أي: أيُّ شيء ﴿سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ﴾؛ أي: من جُعْلٍ على تبليغ الرسالة ﴿فَهُوَ لَكُمْ﴾ والمراد: نفي السؤال بالكلية؛ أي: لا أسالكم على إنذاركم أجرًا، كقول من قال لمن لم يعطه شيئًا: إن أعطيتني شيئًا .. فخذه، وقال بعضهم؛ لما نزل قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ .. قال ﵇ لمشركي مكة: "لا تؤذوني في قرابتي"، فكفوا عن ذلك، فلما سبّ آلهتهم .. قالوا لم ينصفنا يسألنا أن لا نؤذيه في قرابته، وهو يؤذينا بذكر آلهتنا بسوء، فنزل: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾

стр. 10544

إن شئتم آذوهم، وإن شئتم امتنعوا، قال ابن عباس ﵄: الأجر: المودّة في القربى، وقال قتادة: فهو لكم؛ أي: ثمرته وثوابه؛ لأني سألتكم صلة الرحم. ﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾ قرأ ابن كثير (١) وحمزة والكسائي بإسكان الياء؛ أي: ما أجر تبليغي وثوابه ﴿إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ لا على غيره، لأني أطلب ثواب الله تعالى لا عرض الدنيا، ﴿وَهُوَ﴾ سبحانه ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾؛ أي: مطلع يعلم صدقي وخلوص نيتي، وفيه إشارة إلى أنه من شرط دعوة الخلق إلى الله أن تكون خالصة لوجه الله، لا يشوبها طمع في الدنيا دون الآخرة، قال الإِمام الزروقي: الشهيد: هو الحاضر الذي لا يغيب عنه معلوم ولا مرئيّ ولا مسموع. ومعنى الآية: أي قل لهم يا محمد: إني لا أريد منكم أجرًا ولا عطاءً على أداء رسالة ربي إليك، ونصحي لكم، وأمري بعبادته، إنما أطلب ثواب ذلك من الله تعالى، وهو العلم بجميع الأشياء، فيعلم صدقي وخلوص نيتي، وإذا علم أن الذي حمله على ركوب الصعاب واقتحام الأخطار ليس أمرًا دنيويًا .. ثبت أن الذي حفزه عليها هو أمر الله تعالى له، وقد صدع به: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ وبهذا ثبت أنه نبيّ، ٤٨ - ولما استبان أنه ليس بالمجنون، ولا هو بطالب الدنيا .. عُلِم أن الذي جاء به هبط إليه من السماء، وقذف به الوحي إليه، وأمره أن يبلغه إليهم، كما أشار إلى ذلك بقوله: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لمن أنكر التوحيد والرسالة: ﴿إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ﴾ ويرمي ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بالوحي على من يشاء من عباده؛ أي: يلقي الوحي وينزله على من يجتبيه من عباده، فالاجتباء ليس لعلة، والاصطفاء ليس لحيلة، والمعنى: أنه يبين الحجة ويظهرها للناس على ألسن رسله، أو المعنى: يرمي بالحق الباطل فيدمغه ويزيله. ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ قرأ الجمهور (٢): ﴿عَلَّامُ﴾ بالرفع، والظاهر: أنه خبر ثانٍ لـ ﴿أَنِ﴾، وقيل: خبر لمبتدأ محذوف، وقيل: بل من الضمير المستكن في ﴿يَقْذِفُ﴾، وقرأ عيسى بن عمرو ابن أبي إسحاق وزيد بن علي وابن أبي عبلة وأبو حيوة وحرب عن طلحة: بالنصب نعتًا لاسم ﴿إِن﴾، أو بدلًا منه، أو على المدح، قال الفراء: والرفع في مثل هذا أكثر، كقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)﴾

стр. 10545

وقرىء: ﴿الْغُيُوبِ﴾ بالحركات الثلاث في الغين، إما بالضم، فجمع: غيب، والغيب: هو الأمر الذي غاب عن خلقه، وأما الكسر: فكذلك استثقلوا ضمتين والواو، فكسروا الغين لتناسب الكسر مع الياء، والضمة التي على الياء مع الواو، وأما بالفتح: ففعول للمبالغة، كالصبور والشكور، وهو الأمر الذي غاب وخفي جدًّا. أي: عالم (١) بكل ما غاب عن خلقه في السموات والأرض، قولًا كان أو فعلًا أو غيرهما، وفي "التأويلات": إنما ذكر الغيوب بلفظ الجمع؛ لأنه عالم بغيب كل أحد، وهو ما في ضمير كل أحد، وأنه تعالى عالم بما يكون في ضمير أولاد كل أحد إلى يوم القيامة، وإنما قال علّام بلفظ المبالغة ليتناول علم معلومات الغيوب في الحالات المختلفة كما هي بلا تغيّر في العلم عند تغير المعلومات من حال إلى حال، بحيث لا يشغله شأن حال عن حال. والمعنى: أي قل يا محمد لمن أنكر التوحيد ورسالة الأنبياء والبعث: إنّ ربّي يلقي الوحي وينزله على قلب من يجتبيه من عباده، وهو العلم بمن يصطفيهم، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾، وقال: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾، وقد يكون المعنى كما روي عن ابن عباس: إنّ ربي يقذف الباطل بالحق؛ أي: يورده عليه، حتى يبطله ويزيل آثاره، ويشيع الحق في الآفاق، ولا يخفى ما في هذا من عدة بإظهار الإِسلام ونشره بين الناس، وتبلُّج نوره في الكون، ونحوه: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ ٤٩ - ثمّ أكد ما سلف بأمر رسوله ﷺ أن يخبر قومه بأنّ الإِسلام سيعلو على سائر الأديان، وأن غيره سيضمحل ويزول، فقال: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿جَاءَ الْحَقُّ﴾؛ أي: الإِسلام والتوحيد، وزال الشرك وذهب ﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ﴾ الجديد من الإبداء، بمعنى الابتداء والاستئناف؛ أي: وما يظهر الباطل الجديد الذي لم يسبق ﴿وَمَا يُعِيدُ﴾ الباطل القديم الذي سبق بعد ذهابه من الإعادة بمعنى العود؛ أي: وما يعود الباطل القديم الذي اتصف به المشركون أولًا؛ أي: ذهب الباطل ذهابًا لم يبقَ منه إقبال ولا إدبار، ولا إبداء ولا إعادة.

стр. 10546

والمعنى (١): زال الشرك وذهب، بحيث لم يبقَ أثره أصلًا، مأخوذ من هلاك الحي، فإنه إذا هلك لم يبقَ له إبداء ولا إعادة، فجعل مثلًا في الهلاك بالكلية، وقيل: الباطل هو إبليس، والمعنى: لا يخلق إبليس أحدًا ابتداءً، ولا يبعثه، إذا مات إعادةً، وقيل: الباطل هو الأصنام؛ أي: لا تخلق أحدًا ابتداءً، ولا تعيد بعثًا للأموات. روى ابن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ دخل مكة، وحول الكعبة ثلاث مئة وستون صنمًا، فجعل يطعهنا بعود في يده، ويقول: " ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾، ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩)﴾ ". والمعنى: أي قل (٢): جاء الإِسلام، ورفعت رايته، وعلا ذكره، وذهب الباطل، فلم تبقَ منه بقيّة تبدىء شيئًا أو تعيده، وأصله في هلاك الحيّ، فإنه إذا هلك لم يبق له إبداءٌ؛ أي: فعل أمر ابتداء ولا إعادة؛ أي: فعله ثانيًا، وأنشدوا لعبيد بن الأبرص. أَقْفَرَ مِنْ أَهْلِهِ عُبَيْدُ ... فَالْيَوْمَ لَا يُبْدِيء وَلَا يُعِيْدُ ٥٠ - ولما سدَّ عليهم مسالك القول .. لم يبقَ إلا أن يقولوا عنادًا: إنه قد عرض له ما أضلّه عن محجة الصواب، فأمر رسوله أن يقول لهم: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد: ﴿إِنْ ضَلَلْتُ﴾ عن الطريق الحق - كما تزعمون وتقولون، لقد ضللتَ حين تركت دين آبائك - ﴿فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي﴾؛ أي: فإن وبال ضلالي وعقابه عليها؛ لأنه سببها؛ إذ هي الحاملة عليه بالذات، والأمارة بالسوء، وبهذا الاعتبار قوبل الشرطية بقوله: ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ﴾ إلى الطريق الحق ﴿فَبِمَا يُوحِي﴾؛ أي: فبسبب ما يوحي إليَّ ربي من الحكمة والبيان، فإن الاهتداء بتوفيقه وهدايته. وفيه (٣): إشارة إلى أنّ منشأ الضلالة نفس الإنسان، فإذ أوكلت النفس إلى

стр. 10547

طبعها لا يتولد منها إلا الضلالة، وإن الهداية من مواهب الحق سبحانه، ليست النفس منشأها, ولذلك قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧)﴾. ﴿إِنَّهُ﴾ تعالى ﴿سَمِيعٌ﴾ قول كل مهتدٍ وضالٍّ، وإن بالغ في إخفائه ﴿قَرِيبٌ﴾ منّي ومنكم. يعلم الهدى والضلالة، وقال بعضهم: سميع بمنطق كل ناطق، قريب لك شيء، وإن كان بعيدًا، وقرأ الجمهور: ﴿ضَلَلْتُ﴾ بفتح اللام، وقرأ الحسن ويحيى بن وثاب: بكسر اللام، وهي لغة أهل العالية، والمعنى: أي: قل أيها الرسول لقومك: إن ضللت عن الهدى، وسلكت غير طريق الحق، فإنما ضرر ذلك على نفسي، وإن استقمت على الحق.، فبوحي الله إليَّ، وتوفيقه للاستقامة على محجّة الحق، وطريق الهدى، إنه سميع لما أقول وتقولون، ويجازي كلًّا بما يستحق، قريب مجيب دعوة الداعي إذا دعاه. روى الشيخان عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : "إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا قريبًا مجيبًا". والخلاصة: أنّ الخير كله من الله، وفيما أنزله عليَّ من الوحي والحق المبين، ٥١ - ثم ذكر سبحانه حالًا من أحوال الكفار، فقال: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ يا محمد، أو يا من يفهم الخطاب، ويليق به ﴿إِذْ فَزِعُوا﴾؛ أي: حين يفزع الكفار ويخافون مما نزل بهم، قيل (١): المراد: فزعهم عند نزول الموت بهم، وقال الحسن: هو فزعهم في القبور من الصيحة، وقال قتادة: هو فزعهم إذا خرجوا من قبورهم، وقال السدي: هو فزعهم يوم بدر حين ضربت أعناقهم بسيوف الملائكة، فلم يستطيعوا فرارًا، ولا رجوعًا إلى التوبة، وقال ابن مغفّل: هو فزعهم إذا عاينوا عقاب الله يوم القيامة، وقال سعيد بن جبير: هو فزعهم من الخسف الذي يخسف بهم في البيداء، فيبقى رجل منهم، فيخير الناس بما لقي أصحابه فيفزعون. وعن ابن عباس ﵄: إنّ ثمانين ألفًا - وهم السفيانيّ وقومه - يخرجون في آخر الزمان، فيقصدون بالكعبة ليخرّبوها، فإذا دخلوا البيداء، وهي أرض ملساء بين الحرمين - كما في "القاموس" - خسف بهم، فلا ينجو منهم إلَّا

стр. 10548

السري الذي يخبر عنهم، وهو جهينة، فلذلك قيل: عند جهينة الخبر اليقين، وعبَّر بالماضي (١) في قوله: ﴿إِذْ فَزِعُوا﴾؛ لأن المستقبل بالنسبة إلى الله تعالى كالماضي في تحقّقه، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف تقديره: ولو ترى يا محمد حالهم وقت فزعهم من الموت، أو من عذاب الله، أو من الخسف بهم في البيداء .. لرأيت أمرًا هائلًا. ﴿فَلَا فَوْتَ﴾ لهم من عذاب الله، ولا نجاة بهرب، أو بتحصن، ويدركهم ما فزعوا منه ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ من ظهر الأرض إلى بطنها، أو من الموقف إلى النار، أو من صحراء بدر إلى قليبها؛ أي: بئرها القديمة، أو من تحت أقدامهم إذا خسف بهم، وحيث كانوا، فهم قريب من الله، والجملة معطوفة على فزعوا؛ أي: ولو ترى يا محمد إذ يفزع الكفار، فلا يفوتني أحد منهم، ويؤخذون من مكان قريب .. لرأيت أمرًا فظيعًا، وقرأ الجمهور (٢): ﴿فَلَا فَوْتَ﴾ مبنيًا على الفتح، و ﴿أُخِذُوا﴾ فعلًا ماضيًا، والظاهر: عطفه على ﴿فَزِعُوا﴾، وقيل: على ﴿فَلَا فَوْتَ﴾؛ لأن معناه: فلا يفوتوا وأخذوا، وقرأ عبد الرحمن مولى بني هاشم عن أبيه وطلحة: ﴿فَلَا فَوْتَ﴾، و ﴿أخذ﴾ مصدرين منوّنين، وقرأ أبي: ﴿فَلَا فَوْتَ﴾ مبنيًا، و ﴿أخذ﴾ مصدرًا منوّنًا، ومن رفع ﴿أخذ﴾ .. فخبر مبتدأ؛ أي: وحالهما أخذ، أو مبتدأ؛ أي: وهناك أخذ، ذكره أبو حيان؛ أي: ولو رأيت أيها الرسول هؤلاء المكذبين حين يفزعون مما رأوا من العذاب الشديد .. لرأيت من الأمر ما يعجز القول عن وصفه، فهم لا يمكنون من الهرب، ولا يفوتون ذلك العذاب، ولا يجدون ملجأ ولا مأوى يبتعدون فيه، ويؤخذون حين الفزع من مكان قريب؛ أي: من الموقف إلى النار، ولم يمكَّنوا أن يُمْعِنوا في الهرب. وفي "الفتوحات": وقوله: ﴿وَأُخِذُوا﴾، وقوله: ﴿وَقَالُوا﴾، وقوله: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ﴾ الثلاثة معطوفة على ﴿فَزِعُوا﴾، والأربعة بمعنى الاستقبال، وعبّر فيها بالماضي لتحقق الوقوع. اهـ "شيخنا". ٥٢ - ﴿وَقَالُوا﴾؛ أي: ويقول الكفار عند معاينة العذاب في

стр. 10549

الآخرة: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾؛ أي: بمحمد ﷺ ؛ لأنه مرّ ذكره في قوله: ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ فلا يلزم الإضمار قبل الذكر، وقيل: الضمير عائد على الله، وقيل: على العذاب، وقيل: على القرآن، والأول أولى. ﴿وَأَنَّى لَهُمُ﴾؛ أي: وكيف يمكن لهم ﴿التَّنَاوُشُ﴾؛ أي: التناول السهل؛ أي: وكيف يمكن لهم أن يتناولوا الإيمان تناولًا سهلًا. ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ فإنّ الإيمان إنما هو في حيّز التكليف، وهي الدنيا، وقد بعد عنهم بارتحالهم إلى الآخرة، وهو تمثيل لحالهم في طلب الخلاص بالإيمان بعدما فات عنهم وبعد بحال من يريد أن يتناول الشيء من غلوة - وهي غاية رمية حجر - كتناوله من مقدار ذراع في الاستحالة، ﴿وَأَنَّى﴾ هنا للاستفهام الاستبعادي. والتناوش: التناول السهل، وقال ابن عباس: التناوش: الرجوع إلى الدنيا، وقرأ الجمهور: ﴿التَّنَاوُشُ﴾ بالواو، وقرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو وأبو بكر: بالهمزة، ويجوز أن يكونا مادّتين إحداهما النون والواو والشين، والأخرى النون والهمزة والشين، وسيأتي البحث عنه في المفردات. ٥٣ - وجملة قوله: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ﴾؛ أي: بمحمد، أو بالعذاب الشديد الذي أنذرهم إياه، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل ذلك اليوم في وقت التكليف في محل نصب على الحال من فاعل ﴿قَالُوا﴾؛ أي: وقالوا آمنا به، والحال أنهم قد كفروا بما آمنوا به الآن من قبل هذا الوقت، وذلك حال كونهم في الدنيا. يعني: تابوا وقد أغلقت الأبواب، وندموا وقد تقطعت الأسباب، فليس إلا الخسران والندم والعذاب والألم. فَخَلِّ سَبِيْلَ الْعَيْنِ بَعْدَكَ لِلْبُكَا ... فَلَيْسَ لأَيَّامِ الصَّفَاءِ رُجُوْعُ أي: لا يقدر الإنسان على شيء إذا مات وصار إلى تحت الأرض، كما كان يقدر إذا كان فوق الأرض وهو حيّ، والمعنى: أي: وقالوا حين إذ أخذوا: آمنّا بالله وملائكته وكتبه ورسله، وكيف يمكن لهم ذلك ويقبل منهم، وقد صاروا بعيدين عن قبول الإيمان؛ إذ هذه الدار ليست أهلًا لقبول التكاليف من الإيمان بالله والعمل الصالح، والحال أنهم قد كفروا به من قبل ذلك اليوم في الدنيا، وجملة قوله: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾ إمّا معطوف على ﴿وَقَدْ كَفَرُوا﴾ على حكاية الحال الماضية؛ أي: والحال أنهم قد كانوا يتكلّمون بالغي، أو بالشيء الغائب، يقولون: لا بعث

стр. 10550

ولا حساب ولا جنة ولا نار. ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ من الصدق، أو عن الحق والصواب، أو أنهم قد كانوا يرجمون بالظن الكاذب، ويتكلمون بما لم يظهر لهم في حق الرسول من الطاعن، أو العذاب من قطع القول بنفيه، كما قالوا: وما نحن بمعذبين ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾؛ أي: من جهة بعيدة عن حاله ﷺ ؛ حيث ينسبونه إلى الشعر والسحر والكهانة والكذب، ولعله تمثيل لحالهم في ذلك بحال من يرمي شيئًا لا يراه من مكان بعيد، لا مجال للظن في لحوقه، فالباء في ﴿بِالْغَيْبِ﴾ بمعنى: في؛ أي: في محل غائب عن نظرهم، أو للملابسة. اهـ "شهاب". وإما معطوف على ﴿قَالُوا﴾؛ أي: ويقولون: آمنا به، ويقذفون بالغيب الخ، بناء على أنه تمثيل لحالهم بحال القاذف في تحصيل ما ضيّعوه من الإيمان في الدنيا. وقيل: هو مستأنف؛ أي: يتلفظون بكلمة الإيمان حين لا ينفع نفسًا إيمانها، فمثّلت حالهم في طلبهم تحصيل ما عطّلوه من الإيمان في الدنيا بقولهم: آمنّا في الآخرة، وذلك مطلب مستبعد بحال من يقذف شيئًا من مكان بعيد، لا مجال للنظر في لحوقه حيث يريد أن يقع فيه، لكونه غائبًا عنه بعيدًا. وقرأ الجمهور (١): ﴿وَيَقْذِفُونَ﴾ مبنيًا للفاعل على حكاية حال ماضية، وقرأ مجاهد وأبو حيوة ومحبوب عن أبي عمرو: ﴿وَيَقْذِفُونَ﴾ مبنيًا للمفعول، قال مجاهد: ويرجمهم بما يكرون من السماء، وقال الزمخشري: أي: يأتيهم به؛ أي: بالغيب شياطينهم، ويلقِّنونهم إياه، صوقيل: يرمون في النار، وقال أبو الفضل الرازي: يرمون بالغيب من حيث لا يعلمون، ومعناه: يجازون بسوء أعمالهم، ولا علم لهم بما أتاهم. ٥٤ - ﴿وَحِيلَ﴾؛ أي: حجز ﴿بَيْنَهُمْ﴾؛ أي أوقعت الحيلولة والمنع بين هؤلاء الكفار ﴿وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ ويحبّون من نفع الإيمان يومئذ، والنجاة به من النار، والفوز بالجنة، وقيل: حيل بينهم وبين ما يشتهون في الدنيا من أموالهم وأهليهم، أو حيل بينهم وما يشتهون من الرجوع إلى الدنيا، كما حكي عنهم بقوله: ﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾. ﴿كَمَا فُعِلَ﴾ ذلك المنع والحيلولة ﴿بِأَشْيَاعِهِمْ﴾؛ أي: بمن

стр. 10551

اتصف بصفاتهم؛ أي: بأمثالهم ونظرائهم وأشباههم ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبلهم من كفار الأمم الماضية. وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ﴾ وتهمة مما وجب الإيمان واليقين به، كالتوحيد والبعث ونزول العذاب على تقدير الإصرار، تعليل لما قبله. ﴿مُرِيبٍ﴾ صفة لشك؛ أي: موقع لهم ذلك الشك في الريبة والتهمة من أمر الرسل والبعث والجنة والنار، (١) من: أرابه إذا أوقعه في الريبة، أو ذي ريبة من أراب الرجل إذا صار ذا ريبة، ودخل فيها، وكلاهما مجاز في الإسناد، إلا أن بينهما فرقًا وهو أن المريب من الأول منقول ممن يصلح أن يكون مريبًا من الأشخاص والأعيان إلى المعنى، وهو الشك، أي: يكون صفة من أوقع في الريب حقيقة، وقد جعل في الآية صفة نفس الشك الذي هو معنى من المعاني، والمريب من الثاني منقول من صاحب الشك إلى الشك؛ أي: إنهم كانوا في شكّ ذي شكّ، كما تقول: شعر شاعر، وعجب عجيب، وإنما الشاعر في الحقيقة صاحب الشعر، وإنما أسند الشاعرية إلى الشعر للمبالغة، وإذا كان حال الكفرة الشك في الدنيا .. فلا ينفعهم اليقين في الآخرة؛ لأنه حاصل بعد معاينة العذاب، والخروج من موطن التكليف، وقد ذمّوا في هذه الآيات بالشكّ والكفر والرجم بالغيب. والمعنى (٢): أي وحجز بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا ليعملوا صالحًا، كما قال: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ ثم بين أن هذه سنة الله في أمثالهم ممن كذبوا الرسل من قبلهم، فقال: ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: فعلنا بهم كما فعلنا بالأمم الماضية التي كذّبت رسلها، فتمنوا حين رأوا بأس الله أن لو آمنوا, ولكن لم يقبل منهم، ثم علّل عدم قبول إيمانهم حينئذ بقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾؛ أي: لأنهم كانوا في الدار الأولى شاكين فيما أخبرت به الرسل من البعث والجزاء، وقد تغلغل الشكّ في قلوبهم حين صاروا لا يطمئنّون إلى شيء مما جاءوا به، وفي (٣)

стр. 10552

هذا ردٌّ على من زعم أن الله لا يعذب على الشك، والله أعلم. الإعراب ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى﴾. ﴿وَإِذَا﴾: الواو: استئنافية ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، مضمّن معنى الشرط، ﴿تُتْلَى﴾: فعل مضارع مغيّر الصيغة، ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿تُتْلَى﴾، ﴿آيَاتُنَا﴾: نائب فاعل لـ ﴿تُتْلَى﴾، ﴿بَيِّنَاتٍ﴾: حال من ﴿آيَاتُنَا﴾، والجملة الفعلية في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها، والتالي هو النبي ﵊ ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿إذا﴾، لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ الشرطية مستأنفة لا محل لها من الأعراب ﴿مَا﴾ نافية، ﴿هَذَا﴾: مبتدأ، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿رَجُلٌ﴾: خبر المبتدأ والجملة في محل نصب مقول قالوا، وجملة ﴿يُرِيدُ﴾: صفة للرجل، ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر، ﴿يَصُدَّكُمْ﴾: فعل مضارع ومفعول به، وفاعله ضمير يعود إلى ﴿رَجُلٌ﴾، و ﴿أَنْ﴾ المصدرية مع ما في حيّزها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ ﴿يُرِيدُ﴾؛ أي: يريد صدّكم، ﴿عَمَّا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَصُدَّكُمْ﴾. ﴿كَانَ﴾: زائدة، أو شأنية، أو ناقصة، ويضمر لها ضمير يعود على الآباء، والمسألة حينئذ من باب التنازع، وأعمل الثاني لقربه، ولو أعمل الأول لقال: يعبدونه، ﴿يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب خبر ﴿كَانَ﴾ على القول الأخير، وجملة ﴿كَانَ﴾ صلة الموصول، ﴿وَقَالُوا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿قَالُوا﴾ الأول، ﴿مَا﴾: نافية. ﴿هَذَا﴾: مبتدأ. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر، ﴿إِفْكٌ﴾: خبر، ﴿مُفْتَرًى﴾: صفة ﴿إِفْكٌ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٤٣) وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤)﴾. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، معطوف على ما قبله، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول، ﴿لِلْحَقِّ﴾: متعلق بـ ﴿قَالَ﴾، ﴿لَمَّا﴾: ظرف بمعنى: حين، متعلق بـ ﴿قَالَ﴾،

стр. 10553

﴿جَاءَهُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿الحقَّ﴾، والجملة الفعلية في محل الجرّ مضاف إليه لـ ﴿لَمَّا﴾، ﴿إِنْ﴾: نافية مهملة، ﴿هَذَا﴾: مبتدأ، ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر، ﴿سِحْرٌ﴾: خبر، ﴿مُبِينٌ﴾: صفة ﴿سِحْرٌ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَمَا﴾: الواو: عاطفة، أو حالية، ﴿مَا﴾: نافية، ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، ﴿مِنْ﴾: زائدة، ﴿كُتُبٍ﴾: مفعول ثانٍ لـ ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾، وجملة ﴿يَدْرُسُونَهَا﴾: صفة لـ ﴿كُتُبٍ﴾، وجملة ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾ إما معطوفة على جملة ﴿قَالَ﴾، أو في محل النصب حال من فاعل ﴿قَالَ﴾، ﴿وَمَا﴾: الواو: عاطفة، ﴿مَا﴾: نافية، ﴿أَرْسَلْنَا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾، ﴿إِلَيْهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾. ﴿قَبْلَكَ﴾: حال من ﴿نَذِيرٍ﴾، أو متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾. ﴿مِنْ نَذِيرٍ﴾ مفعول ﴿أَرْسَلْنَا﴾، و ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٥)﴾. ﴿وَكَذَّبَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، أو استئنافية، ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، معطوف على قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أو مستأنفة، ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: جار ومجرور، صلة الموصول، ﴿وَمَا﴾: الواو: حالية، ﴿ما﴾ نافية. ﴿بَلَغُوا﴾: فعل وفاعل، ﴿مِعْشَارَ﴾: مفعول به، ﴿﴿مَا﴾: اسم موصول في محل الجر مضاف إليه، وجملة ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾ صلة الموصول، والعائد، محذوف تقديره: ما آتيناهموه، وجملة ﴿بَلَغُوا﴾ في محل النصب حال من فاعل ﴿كَذَّبَ﴾، ولكنها حالة سببيّة، ﴿فَكَذَّبُوا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة تفسيرية ﴿كذبوا رسلي﴾: فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ عطف تفسير، ﴿فَكَيْفَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف تقديره: فحين كذبوا رسلي جاءهم إنكاري بالتدمير، فكيف كان نكير، والجملة المحذوفة مستأنفة، ﴿كيف﴾: اسم استفهام للاستفهام التعجّبي في محل النصب خبر كان مقدم عليها وجوبًا، ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، ﴿نَكِيرِ﴾: اسمها مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بالكسرة، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، ﴿نَكِيرِ﴾: مضاف، وياء المتكلم المحذوفة في محل الجر مضاف إليه، وجملة ﴿كَانَ﴾ معطوفة على تلك الجملة المحذوفة.

стр. 10554

﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦)﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة مستأنفة، ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر، ﴿أَعِظُكُمْ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به، ﴿بِوَاحِدَةٍ﴾: متعلق به، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾، ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر ﴿تَقُومُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أَنْ﴾ ﴿لِلَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿تَقُومُوا﴾، والجملة الفعلية مع ﴿أَنْ﴾ المصدرية في تأويل مصدر مجرور على كونه عطف بيان من ﴿وَاحِدَة﴾، أو بدل منها، أو مرفوع على كونه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هي قيامكم لله مثنى وفرادي، ﴿مَثْنَى﴾: حال من فاعل ﴿تَقُومُوا﴾، ﴿وَفُرَادَى﴾: معطوف عليه؛ أي: حالة كونكم اثنين اثنين، وفردًا فردًا، ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب، ﴿تَتَفَكَّرُوا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿تَقُومُوا﴾، ﴿مَا﴾: نافية، ﴿بِصَاحِبِكُمْ﴾: خبر مقدم، ﴿مِنْ﴾: زائدة، ﴿جِنَّةٍ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل النصب مفعول ﴿تَتَفَكَّرُوا﴾ معلقة عنها بـ ﴿مَا﴾ النافية، ولكنها على إسقاط في، كما في "الشهاب"، ﴿إن﴾: نافية، ﴿هُوَ﴾: مبتدأ، ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر، ﴿نَّذِيرٍ﴾: خبر المبتدأ، ﴿لَكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿نَّذِيرٍ﴾، ﴿بَيْنَ﴾: منصوب على الظرفية الاعتبارية، وهو مضاف ﴿يَدَيْ﴾ مضاف إليه مجرور بالياء، وهو مضاف ﴿عَذَابٍ﴾: مضاف إليه ﴿شَدِيدٍ﴾: صفة عذاب، والظرف متعلق بمحذوف حال من ﴿نَّذِيرٍ﴾. ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٤٧)﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر، والجملة مستأنفة، ﴿مَا﴾: اسم شرط في محل النصب مفعول ثانٍ لـ ﴿سَأَلْتُكُمْ﴾ مقدَّم عليه، ﴿سَأَلْتُكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، في محل الجزم بـ ﴿مَا﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها، ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾: حال من ﴿مَا﴾ الشرطية ﴿فَهُوَ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب، ﴿هو﴾: مبتدأ، ﴿لَكُمْ﴾: خبره، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿مَا﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَا﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾، ﴿إِنْ﴾: نافية، ﴿أَجْرِيَ﴾: مبتدأ، ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: خبر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾،

стр. 10555

﴿وَهُوَ﴾: مبتدأ، ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾: متعلق بـ ﴿شَهِيدٌ﴾، و ﴿شَهِيدٌ﴾ خبر، والجملة معطوفة على ما قبلها على كونها مقولًا لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٤٨) قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩)﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر، والجملة مستأنفة، ﴿إِنَّ رَبِّي﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿يَقْذِفُ﴾ خبره، ﴿بِالْحَقِّ﴾: متعلق بـ ﴿يَقْذِفُ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾، ﴿عَلَّامُ﴾: خبر ثان لـ ﴿إِنَّ﴾، أو خبر مبتدأ محذوف، ﴿الْغُيُوبِ﴾: مضاف إليه. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر، والجملة مستأنفة، ﴿جَاءَ الْحَقُّ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾، ﴿وَمَا﴾: الواو: عاطفة، ﴿مَا﴾: نافية، ﴿يُبْدِئُ الْبَاطِلُ﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿جَاءَ الْحَقُّ﴾، ﴿وَمَا يُعِيدُ﴾: معطوف على ﴿يُبْدِئُ﴾. ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠)﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر، والجلمة مستأنفة، ﴿إِنْ﴾: حرف شرط، ﴿ضَلَلْتُ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، ﴿فَإِنَّمَا﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب، ﴿إِنَّمَا﴾: حرف مكفوف وكاف، ﴿أَضِلُّ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على محمد، ﴿عَلَى نَفْسِي﴾: متعلق بـ ﴿أَضِلُّ﴾، والجملة في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾، وهي في قوة بنفسي، فيصح مقابلتها مع ما بعدها، ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ﴾: الواو: عاطفة، ﴿إِنْ﴾: حرف شرط، ﴿اهْتَدَيْتُ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، ﴿فَبِمَا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب، ﴿الباء﴾: حرف جر وسبب، ﴿ما﴾: مصدرية، أو موصولة في محل الجر بالباء، ﴿يُوحِي﴾: فعل مضارع، ﴿إِلَيَّ﴾: متعلق بـ ﴿يُوحِي﴾، ﴿رَبِّي﴾: فاعل ﴿يُوحِي﴾، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ المصدرية، أو الموصولة، والتقدير على الأول: فبسبب إيحاء ربّي إليّ، وعلى الثاني: فبسبب الذي يوحيه إليّ ربي، الجار والمجرور خير لمبتدأ محذوف معلوم مما قبله، تقديره: فاهتدائي كائن بسبب إيحاء ربّي إليّ , أو

стр. 10556

بسبب الذي يوحيه إلى ربي، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إِن﴾ الشرطية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إن﴾ الأولى ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه ﴿سَمِيعٌ﴾: خبره الأول، ﴿قَرِيبٌ﴾: خبره الثاني، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٥١) وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٢)﴾. ﴿وَلَوْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿لَوْ﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿تَرَى﴾: فعل مضارع مرفوع، وفاعله ضمير مستتر يعود على محمد، أو على أيِّ مخاطب، و ﴿تَرَى﴾: بصرية مفعولها محذوف ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى متعلق بـ ﴿تَرَى﴾ ﴿فَزِعُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾، وجواب ﴿لو﴾ محذوف تقديره: ولو ترى حالهم وقت فزعهم .. لرأيت أمرًا عظيمًا مذهلًا، وجملة ﴿لو﴾ الشرطية مستأنفة مسوقة لتقرير حال الكفار عند فزعهم، ﴿فَلَا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، أو استئنافية، ﴿لا﴾: نافية للجنس، ﴿فَوْتَ﴾: في محل النصب، وخبرها محذوف، تقدير: فلا فوت كائن لهم، والجملة في محل الجرّ معطوفة على جملة ﴿فَزِعُوا﴾، أو مستأنفة، ﴿وَأُخِذُوا﴾ فعل ونائب فاعل، معطوف على ﴿فَزِعُوا﴾، ﴿مِنْ مَكَانٍ﴾: متعلق بـ ﴿أخذوا﴾، ﴿قَرِيبٍ﴾: صفة ﴿مكان﴾، ﴿وَقَالُوا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿فَزِعُوا﴾، ﴿آمَنَّا﴾: فعل وفاعل، ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿آمَنَّا﴾، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾، ﴿وَأَنَّى﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿أَنَّى﴾: اسم استفهام للاستفهام الاستبعاديّ، بمعنى: من أين، أو: كيف، في محل الرفع خبر مقدم، ﴿لَهُمُ﴾: جار ومجرور حال من ﴿التَّنَاوُشُ﴾، ﴿التَّنَاوُشُ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿مِنْ مَكَانٍ﴾: متعلق بـ ﴿التَّنَاوُشُ﴾، ﴿بَعِيدٍ﴾: صفة ﴿مَكَانٍ﴾، والجملة الاسمية جملة إنشائية مستأنفة، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤)﴾. ﴿وَقَدْ﴾: ﴿الواو﴾: حالية، ﴿قد﴾: حرف تحقيق، ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل، ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿كَفَرُوا﴾، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: جار ومجرور، حال من فاعل ﴿كَفَرُوا﴾، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾ في محل النصب حال من فاعل ﴿قَالُوا﴾، ﴿وَيَقْذِفُونَ﴾: فعل

стр. 10557

وفاعل، معطوف على ﴿قد كفروا﴾ بناءً على أنها حكاية حال ماضية؛ أي: وقد كانوا يقذفون بالغيب، ﴿بِالْغَيْبِ﴾: متعلق بـ ﴿يقذفون﴾، ﴿مِنْ مَكَانٍ﴾ متعلق به أيضًا، ﴿بَعِيدٍ﴾: صفة مكان، ﴿وَحِيلَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿حيل﴾: فعل ماضٍ مغيّر الصيغة على وزن قيل وبيع، ﴿بَيْنَهُمْ﴾: ﴿بين﴾: في محل النصب على الظرفية، مبني على الفتح لإضافته إلى المبني، وهو مضاف، والهاء مضاف إليه، والظرف في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿حيل﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَقَالُوا﴾، ﴿وَبَيْنَ مَا﴾: ظرف ومضاف إليه، معطوف على الظرف الأول، ﴿يَشْتَهُونَ﴾: فعل وفاعل، صلة الموصول، والعائد محذوف؛ أي: وبين ما يشتهونه ﴿كَمَا﴾: ﴿الكاف﴾: حرف جر وتشبيه، ﴿ما﴾: مصدرية، ﴿فُعِلَ﴾: فعل ماضٍ مغيَّر الصيغة، ﴿بِأَشْيَاعِهِمْ﴾: جار ومجرور في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿فُعِلَ﴾، وجملة ﴿فُعِلَ﴾ صلة ﴿ما﴾ المصدرية، الجار والمجرور صفة لمصدر محذوف معمول لفعل محذوف، تقديره: فعلنا بهم فعلًا مثل فعلنا بأشياعهم، ويحتمل كون ﴿ما﴾ موصولة بمعنى: الذي ﴿فُعِلَ﴾: فعل ماضٍ مغيَّر الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿ما﴾، والتقدير: فعلنا بهم فعلًا مثل الفعل الذي فعل بأشياعهم، والجملة المحذوفة مستأنفة: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: جار ومجرور، حال من ﴿أشياعهم﴾، ﴿إِنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه، ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿فِي شَكٍّ﴾: خبره، ﴿مُرِيبٍ﴾: صفة ﴿شَكٍّ﴾، وجملة ﴿كان﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. التصريف ومفردات اللغة ﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾ الإفك: أشد الكذب، والكذب: ما خالف الواقع. ﴿مُفْتَرًى﴾: المنسوب إلى الله تعالى، فهو تأسيس، لا تأكيد. ﴿إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ والسحر: من سحر يسحر، إذا خدع أحدًا، وجعله مدهوشًا متحيرًا، وهذا إنما يكون بأن يفعل الساحر شيئًا يعجز عن فعله ادراكه المسحور عليه، كما في "شرح الأمالي". وفي "الفتوحات المكية": السحر: مأخوذ من السحر، وهو ما بين الفجر الأول والفجر الثاني، واختلاطه وحقيقته اختلاط الضوء والظلمة، فما هو بليل لما خالطه من ضوء الصبح، ولا هو بنهار بعدم طلوع الشمس للأبصار، فكذلك ما فعله

стр. 10558

السحرة، ما هو باطل محقق، فيكون عدمًا، فإن العين أدركت أمرًا ما لا تشك فيه، ولا هو حق محض، فيكون له وجود في عينه، فإنه ليس هو في نفسه كما تشهده العين، ويظنه الرائي. انتهى. قال الشيخ الشعراني في "الكبريت الأحمر": هو كلام نفيس، ما سمعنا مثله قط. ﴿مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا﴾ والدرس: قراءة الكتاب بإمعان النظر فيه طلبًا لدرك معناه، والتدريس: تكرير الدرس، قال الراغب في "المفردات": درس الشيء، معناه: بقي أثره، وبقاء الأثر يقتضي انمحاءه في نفسه، ولذلك فسر الدروس بالانمحاء، وكذا درس الكتاب، ودرست العلم: تناولت أثره بالحفظ، ولما كان تناول ذلك بمداومة القراءة .. عبر عن إدامة القراءة بالدرس. ﴿مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾ قال في "القاموس": والعشير: جزء من عشرة، كالمعشار والعشر، وتابعه من نقل عنه كالمنجد وغيره، وقال في "الكشاف": والمعشار: كالمرباع، وهما: العشر والربع، وعبارة "البحر": المعشار: مفعال من العشر، ولم يبقَ على هذا الوزن من ألفاظ العدد غيره، وغير المرباع، ومعناهما: العشر والربع، وقال قوم: المعشار: عشر العشر، وقال الماوردي: المعشار هنا: هو عشر العشير، والعشير: هو عشر العشر، فيكون جزءًا من ألف، قال: وهو الأظهر؛ لأن المراد به المبالغة في التقليل، قال الشوكاني: مراعاة المبالغة في التقليل لا يسوغ لأجلها الخروج عن المعنى العربي، وقال الجوهري: معشار الشيء: عشره، كما قاله صاحب "القاموس"، وهذا هو المعنى المعروف المعتبر هنا. ﴿نَكِيرِ﴾ والنكير: مصدر كالإنكار، وهو من المصادر التي جاءت على وزن فعيل، والفعل على وزن أفعال كالنذير والعذير من أنذر وأعذر، ذكره في "البحر". ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ﴾ الوعظ: زجر يقترن به تخويف، وقال الخليل: هو التذكير بالخير فيما يرق له القلب، والعظة والموعظة الاسم. اهـ. ﴿وَفُرَادَى﴾ قال الراغب: الفرد: الذي لا يختلط به غيره، فهم أعم من الوتر، وأخص من الواحد، وجمعه: فرادى انتهى. وفي "المختار": الفرد: الوتر، وجمعه: أفراد، وفرادى بالضم على غير القياس، كأنه جمع فردان. ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ التفكر: طلب المعنى بالقلب. ﴿مِنْ جِنَّةٍ﴾؛ أي: جنون.

стр. 10559

﴿مِنْ أَجْرٍ﴾؛ أي: جعل ﴿يَقْذِفُ﴾ القذف: الرمي البعيد بنحو الحجارة والسهم، ويستعار لمعنى الإلقاء. ﴿يُبْدِئُ﴾ يقال: أبدأ الشيء: فعله ابتداءً، وأعاده فعله ثانيًا. ﴿فَلَا فَوْتَ﴾: بعد الشيء عن الإنسان، بحيث يتعذر إدراكه. ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا﴾ والفزع: انقباض ونفار من الأمر المهول المخيف. ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾ التناوش بالواو: التناول السهل لشيء قريب، من النوش، يقال: تناوش وتناول إذا مد يده إلى شيء يصل إليه، ومن همزه فإنه أبدل من الواو همزة لانضمامه، نحو: أقتت في وقتت، وفي "المصباح": ناشه نوشًا من باب قال: تناوله، والتناوش: التناول، يهمز ولا يهمز، وتناوشوا بالرماح: تطاعنوا بها. اهـ قال ابن السكيت: يقال للرجل إذا تناول رجلًا ليأخذ برأسه ولحيته: ناشه ينوشه نوشًا، ومنه: المناوشة في القتال، وذلك إذا تدانى الفريقان، وأنشدوا لغيلان بن حريث في وصف الإبل. فَهْيَ تَنُوْشُ الْحَوْضَ نَوْشًا مِنْ عُلاَ ... نَوْشًا بِهِ تَقْطَعُ أَجْوَازَ الْفَلاَ يريد أنها عالية الأجسام طويلة الأعناق. ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾؛ أي: يرجمون بالظنون التي لا علم لهم بها، والعرب تقول لكل من تكلم بما لا يستيقنه: هو يقذف بالغيب. ﴿بِأَشْيَاعِهِمْ﴾؛ أي: بأشباههم ونظرائهم، جمع شيع، وشيع جمع شيعة فالأشياع جمع الجمع، كما في "القرطبي" وشيعة الرجل: أتباعه وأنصاره، وكل قوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض فهم شيع. ﴿فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾؛ أي: موقع في الريبة والظنة، يقال: أراب الرجل؛ أي: صار ذا ريبة، فهو مريب، ومن قال: هو من الريب الذي هو الشك والتهمة، قال: يقال شك مريب، كما يقال: عجيب عجيب، وشعر شاعر في التأكيد. اهـ "قرطبي". البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: التنكير في قوله: ﴿مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ﴾ للتهكم والتلهي. ومنها: إضافة الآباء إلى ضمير المخاطبين، لا إلى أنفسهم في قوله: ﴿عَمَّا كَانَ

стр. 10560

يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾ لتحريك عرق العصبية منهم مبالغة في تقريرهم على الشرك، وتنفيرهم عن التوحيد. ومنها: الإظهار في موضع الإضمار في قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إظهارًا للغضب عليهم، ودلالة على أن هذا القول لا يجترىء عليه إلا المتمادون في الكفر، المنهمكون في الغي والباطل، وكان التركيب أن يقال: وقالوا؛ لتقدم المرجع، وفيه تكرار الفعل، وهو قولهم دلالة على الإنكار عليهم. ومنها: زيادة ﴿مِنْ﴾ الاستغراقية في قوله: ﴿مِنْ كُتُبٍ﴾ لتأكيد النفي. ومنها: إيراد ﴿كُتُبٍ﴾ بصيغة الجمع تنبيهًا على أنه لا بد لمثل تلك الشبهة من نظائر الأدلة. ومنها: الطباق بين ﴿مَثْنَى﴾ ﴿وَفُرَادَى﴾ فهو طباق بديع أُتي به احترازًا من القيام جماعة؛ لأن في الاجتماع تشويشًا للخواطر. ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ استعار لفظ اليدين لما يكون من الأهوال والشدائد أمام الإنسان. ومنها: الكناية في قوله: ﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ فإنه كناية عن زهوق الباطل ومحو أثره؛ لأنه إذا هلك لم يكن له إبداء ولا إعادة. ومنها: التعبير بالماضي عن المستقبل في قوله: ﴿إِذْ فَزِعُوا﴾؛ لأن المستقبل بالنسبة إلى الله تعالى كالماضي في تحققه. ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ شبه طلبهم ما لا يكون، وهو أن ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت، كما ينفع المؤمنين إيمانهم في الدنيا بحال من يريد أن يتناول الشيء من غلوة، كما يتناوله الآخر من مقياس ذراع تناولًا سهلًا لا تعب فيه في الاستحالة. ومنها: الاستعارة التمثيلية أيضًا في قوله: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ تقريرها: أنه شبه حالهم في ذلك؛ أي: في قولهم آمنا به؛ حيث لا ينفعهم الإيمان, بحال من رمى شيئًا من مكان بعيد، وهو لا يراه، فإنه لا يتوهم إصابته، ولا لحوقه لخفائه عنه، وغاية بعده.

стр. 10561

ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية حيث استعار القذف بمعنى رمي الحجارة والحصى؛ لإلقائهم القول الكاذب، وظنهم الفاسد. ومنها: حكاية الحال الماضية في قوله: ﴿يَقْذِفُونَ﴾ حيث عبر عن الماضي بلفظ المضارع. ومنها: الإسناد المجازي في قوله: ﴿مُرِيبٍ﴾ لما فيه من الإسناد إلى الشيء ما لصاحبه؛ لأن الريب صفة للشاك، فأسند إلى الشك إسنادًا مجازيًا لقصد المبالغة. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 10562

جملة ما اشتملت عليه هذه السورة الكريمة من حكم وأحكام اشتملت هذه السورة على الأمور التالية: ١ - حمد الله ، والثناء عليه بما هو أهله. ٢ - مقال المشركين في إنكار البعث، والرد عليهم بأنه آتٍ لا شك فيه. ٣ - الاستهزاء بالرسول، وحكمهم عليه بأنه إما مفتري، وإما مجنون. ٤ - النعم التي آتاها سبحانه داود وسليمان ﵉. ٥ - ما كان لسبأ من النعم، ثم زوالها لكفرانهم بها، واتباعهم وسوسة الشيطان. ٦ - النعي على المشركين لعبادتهم الأوثان والأصنام مع بيان أنها لا تفيدهم يوم القيامة شيئًا. ٧ - الحجاج والجدل بين الأتباع والمتبوعين من الكافرين يوم القيامة، وإلقاء كل منهما التبعة على الآخر. ٨ - بيان أن المترفين في كل أمة هم أعداء الرسل لاعتزازهم بأموالهم وأولادهم، واعتقادهم أنهم ما آتاهم ربهم ذلك إلا لرضاه عنهم، ثم رده سبحانه عليهم. ٩ - سؤال الملائكة أمام المشركين بأنهم هل طلبوا منهم عبادتهم ليكون في ردهم ما يكفي في تبكيتهم. ١٠ - مقال المشركين عند سماع القرآن، وادعاؤهم أنه ليس بوحي من عند الله تعالى، بل الداعي مفتر ليصد الناس عن دين الإباء والأجداد. ١١ - عظتهم بما حل بمن قبلهم من الأمم. ١٢ - أمرهم بالتأمل والتدبر في الأدلة التي أمامهم لعلهم يرعوون عن غيهم. ١٣ - إثبات أن الرسول نذير مبين لا مفتر ولا مجنون. ١٤ - كون الرسول لا يطلب أجرًا على دعوته، بل أجره على الله .

стр. 10563

١٥ - طلب المشركين يوم القيامة أن يرجعوا إلى الدنيا ليؤمنوا بالرسول ويعملوا صالح الأعمال، ثم الرد عليهم بأن ذلك قد فات أوانه، وأن لا سبيل إلى تحقيقه (١). والله أعلم * * *

стр. 10564

سورة فاطر سورة فاطر، وتسمى سورة الملائكة أيضًا، مكية، نزلت بعد سورة الفرقان، قال القرطبي: في قول الجميع. وأخرج البخاري وابن الضريس وابن مردويه، والبيهقي في "الدلائل" عن ابن عباس قال: أنزلت سورة فاطر بمكة. وعدد آياتها: خمس وأربعون آية، وعدد كلماتها: تسع مئة وسبع وتسعون كلمة، وعدد حروفها: ثلاثة آلاف ومئة وثلاثون حرفًا. الناسخ والمنسوخ فيها: وقال أبو عبد الله محمد بن حزم: سورة الملائكة جميعها محكم إلا قوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣)﴾ الآية (٢٣) نسخ معناها, لا لفظها بآية السيف. انتهى. المناسبة: ومناسبة هذه السورة للسورة التي قبلها (١): أنه لما ذكر في آخر سابقتها هلاك المشركين، وإنزالهم منازل العذاب .. لزم المؤمنين حمده تعالى وشكره، كما جاء في قوله: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾. وعبارة أبي حيان هنا (٢): مناسبة هذه السورة للسورة التي قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر في آخر السورة التي قبلها هلاك المشركين أعداء المؤمنين، وإنزالهم منازل العذاب .. تعين على المؤمنين حمده تعالى وشكره لنعمائه، ووصفه بعظيم آلائه، كما في قوله: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾، وقال أيضًا عند قوله: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾، فأول هذه السورة تتصل بآخر السابقة؛ لأن قوله: ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ بيان لانقطاع رجاء من كان في شك مريب، ولما ذكر حالهم ذكر حال المؤمنين وبشّرهم بإرسال الملائكة إليهم مبشرين، وأنه يفتح لهم أبواب الرحمة. انتهى.

стр. 10565

فضلها: ومن فضائلها: ما روي عن النبي ﷺ : "من قرأ سورة الملائكة دعته ثمانية أبواب الجنة أن ادخل من أي باب شئت". التسمية: سميت بسورة فاطر أو بسورة الملائكة لذكرهما فيها. والله أعلم * * *

стр. 10566

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢) يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦) الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨) وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩) مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١١) وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما وصف نفسه بالقدرة الكاملة والإرادة النافذة .. أيد ذلك بما

стр. 10567

يشاهده كل أحد في نفسه من الضيق حينًا، والسعة حينًا آخر، مع العجز عن دفع البؤس إن وجد، وجلب النعمة لو أراد. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه لما بين أنه وحده هو المنعم بما يشاهده كل أحد في نفسه .. أمر بذكر نعمه بالاعتراف بها والشكر لها. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلا: أن الله سبحانه لما ذكر الأصل الأول وهو التوحيد .. ثنى بذكر الأصل الثاني وهو الرسالة، وسلى رسوله على تكذيب قومه له بأنه ليس ببدع بين الرسل، فقد كذب كثير منهم قبله، فعليه أن يتأسى بهم ويصبر على أذاهم، ثم ذكر الأصل الثالث، وهو البعث والنشور مع بيان أنه حق لا شك فيه، وأنه لا ينبغي أن يقبلوا فيه وساوس الشيطان، فإنه عدو لبني آدم، ولا يرشدهم إلا إلى الذنوب والآثام التي توصلهم إلى عذاب النار وبئس القرار. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما بين أن الشيطان يضل أتباعه ويدعوهم إلى النار .. ذكر هنا أن حزب الشيطان لهم العذاب الشديد، وأن حزب الله لهم المغفرة والأجر الكبير، ثم بين أن الضلال والهداية بيد الله بحسب ما يعلم من الاستعداد وصفاء النفوس وقبول الهداية، أو تدسيتها وارتكابها الأجرام والمعاصي، فلا تحزن على ما ترى من ضلال قومك واتباعهم لوساوس الشيطان، والله عليم بحالهم، وسيجازيهم بما يستحقون. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها (١): أن الله سبحانه لما ذكر أن الكافرين لهم عذاب شديد يوم القيامة، وأن الذين يعملون الصالحات لهم أجر كبير عند ربهم في ذلك اليوم .. أردف ذلك ببيان أن هذا اليوم لا ريب فيه، وضرب المثل الذي يدل على تحققه لا محالة، ثم ذكر أن من يريد العزة .. فليطع الله ورسوله، ولا يتعزز بعبادة

стр. 10568

الأصنام والأوثان، كما أخبر الله عنهم: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١)﴾، وأن العمل الطيب يرفع إلى الله ويحفظ لديه، ويجازي عليه، ثم أعقب ذلك بأن من يمكر بالمؤمنين ويريد خداعهم .. فالله يفسد عليه تدبيره ويجازيه بما عمل شر الجزاء، وبعد أن ذكر دليل البعث بما يشاهد في الآفاق من دلائل القدرة .. ذكر دليلًا عليه بما يرى في الأنفس من اختلاف أطوارها، فقد كانت ترابًا، ثم نطفة، ثم وضعت في الأرحام إلى أن صارت بشرًا سويًا، ومنها ما يمد في عمرها، ومنها ما يخترم قبل ذلك، كما تدل عليه المشاهدة، وكل ذلك يسير على الله سبحانه. قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر الأدلة على إثبات البعث، وضرب المثل لذلك بإحياء الأرض الميتة بعد إنزال الغيث عليها .. أردف هذا بذكر البراهين المختلفة على وحدانيته وعظيم قدرته بخلقه الأشياء المتحدة في الجنس المختلفة في المنافع، فهذا ماء عذب زلال يجري في الأقاليم والأمصار والبراري والقفار، يسقي منه الإنسان والحيوان، وينبت النبات الذي فيه غذاء لهما، وهذا ماء ملح أجاجٍ تسير فيه السفن الكبار، ويستخرج منه اللؤلؤ والمرجان، ومن كل منهما تأكل لحمًا طريًا فيه لذة للآكلين، وهذان ليل ونهار ضياء وظلام، يدخل أحدهما في الآخر، فأخذ هذا من طول ذاك، ويزيد هذا في قصر ذاك، فيعتدلان، ثم يتقارضان صيفًا وشتاءً، وسخر الشمس والقمر والنجوم الثوابت والسيارات بمقدار معين، وعلى نهج ثابت لا يتغير، وكل ذلك بتقدير العزيز العلم. أما ما تدعون من دونه من الأصنام والأوثان .. فلا يملكون شروى نقير، ولا يسمعون لكم دعاءً، ولا يستجيبون لدعوة، ويوم القيامة يتبرؤون منكم إذا دعوتموهم واستشفعتم بهم، ولا ينبئك بهذا إلا الخبير، وهو ربك العلم بما كان وما سيكون. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه (١) ابن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس ﵁ قال: أنزلت هذه الآية

стр. 10569

﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ حيث قال النبي ﷺ : "اللهم أعز دينك بأحد العمرين: عمر بن الخطاب، أو بأبي جهل عمرو بن هشام" فهدى الله سبحانه عمر ﵁، وأضل أبا جهل لعنه الله تعالى، ففيهما أنزلت. التفسير وأوجه القراءة ١ - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾؛ أي: كل المحامد مختصة بالله تعالى لا تتجاوز منه إلى غيره، وهو إن كان في الحقيقة حمدًا لله لذاته بذاته، لكنه تعليم للعباد كيف يحمدونه، وبهذا الاعتبار تكون الجملة مقولًا لقول محذوف تقديره: قولوا يا عبادي عند ثنائي: الحمد لله، والشكر له على نعمه. وهذه السورة (١) ختام السور المفتتحة بالحمد التي فصلت فيها النعم الأربع التي هي أمهات النعم المجموعة في الفاتحة، وهي الإيجاد الأول، ثم الإبقاء الأول، ثم الإيجاد الثاني المشار إليه بسورة سبأ، ثم الإبقاء الثاني الذي هو أنهاها وأحكمها، وهو الختام المشار إليه بهذه السورة المفتتحة الابتداء. اهـ "خطيب". واعلم (٢): أن الحمد يتعلق بالنعمة والمحنة؛ إذ تحت كل محنة منحة، فمن النعمة العطاس، وذلك لأنه سبب لانفتاح المسام؛ أي: ثقب الجسد، واندفاع الأبخرة المحتبسة عن الدماغ الذي فيه قوة التذكر والتفكر، فهو بحران الرأس، كما أن العرق بحران بدن المريض، ولذا أوجب الشارع الحمد للعاطس. قال ابن عباس ﵄: من سبق العطاس بالحمد لله وفي وجع الرأس والأضراس، ومن المحنة التجشي. وفي الحديث: "من عطس أو تجشأ فقال: الحمد لله على كل حال .. دفع الله بها عنه سبعين داءً أهونها الجذام". والتجشي: تنفس المعدة، وذلك لأن التجشي إنما يتولد من امتلاء المعدة من الطعام، فهو من المصائب في الدين خصوصًا إذا وقع حال الصلاة، ويدل عليه أنه ﵊ كان يقول عند كل مصيبة "الحمد لله على كل حال". ثم رتب الحمد على نعمة الإيجاد أولًا؛ إذ لا غاية وراءها؛ إذ كل كمال مبنيٌّ عليها فقال: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: مبدعهما ومخترعهما وخالقهما ابتداءً

стр. 10570

من غير مثال سبق من الفطر بفتح الفاء بمعنى: الشق، أو الشق طولًا، كما ذهب إليه الراغب، كأنه شق العدم بإخراجهما منه. وقيل: المعنى: شاقهما لنزول الأرواح من السماء، وخروج الأجساد من الأرض، كما في "البحر". وأما الفطر بكسرها: فهو ترك الصوم. وعن ابن عباس ﵄ قال: ما كنت أدري ما فاطر السموات حتى اختصم إلى أعرابيان في بئر فقال: أحدهما أنا فطرتها؛ أي: ابتدأت حفرها. والمقصود من هذا: أن من قدر على ابتداء هذا الخلق العظيم .. فهو قادر على الإعادة. وقرأ الجمهور (١): ﴿فَاطِرِ﴾ على صيغة اسم الفاعل، وقرأ الزهري والضحاك: ﴿فطر﴾ على صيغة الفعل الماضي فعلى القراءة الأولى نعت للاسم الجليل؛ لأن إضافته محضة لكونه بمعنى الماضي، فتفيد التعريف، ومن جعلها غير محضة جعله بدلًا منه، وهو قليل في المشتق، ومثله: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ إضافته محضة أيضًا على أنه نعت آخر للاسم الجليل، ورسلًا منصوب بفعل مقدر؛ لأن اسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي لا يعمل عند البصريين، وجوز الكسائي عمله، أو منصوب بـ ﴿جَاعِلِ﴾؛ لأن اسم الفاعل بمعنى الماضي، وإن كان لا يعمل عند البصريين إلا معرفًا باللام إلا أنه بالإضافة أشبه المعرف باللام فعمل عمله، وأما على أن إضافته غير محضة فهو منصوب بـ ﴿جَاعِلِ﴾ بلا خلاف. والمعنى: أي مصير الملائكة وسائط بينه تعالى وبين أنبيائه والصالحين من عباده، يبلِّغون إليهم رسالاته بالوحي والإلهام، والرؤيا الصادقة. أو بينه تعالى وبين خلقه؛ حيث يوصلون إليهم آثار قدرته وصنعه. وقال بعضهم: الإلقاء إما صحيح أو فاسد، فالصحيح إلهي رباني متعلق بالعلوم والمعارف أو ملكي روحاني، وهو الباعث على الطاعة وعلى كل ما فيه صلاح، وشحمى إلهامًا. والفاسد نفساني، وهو ما فيه حظ النفس، ويسمى هاجسًا أو شيطاني، وهو ما يدعو إلى معصية، ويسمى وسواسًا. والمراد بالملائكة: بعضهم لا كلهم، جبرائيل، وإسرافيل، وميكائيل، وعزرائيل، والحفظة المتعاقبون، والملائكة المسددون حكام العدل، وغيرهم

стр. 10571

كالملك الذي أرسله الله تعالى إلى الأعمى والأبرص والأقرع. وقرأ الجمهور: ﴿جَاعِلِ﴾ بصيغة اسم الفاعل مجرورًا. وقرأ الحسن: ﴿جَاعِلِ﴾ بالرفع والإضافة؛ أي: هو جاعل، وقرأ عبد الوارث عن أبي عمرو: ﴿جَاعِلِ﴾: بالرفع بغير تنوين. ﴿الْمَلَائِكَةِ﴾: نصبًا حذف التنوين لالتقاء الساكنين، وقرأ ابن يعمر وخليد بن نشيط: ﴿جعل﴾ فعلًا ماضيًا (الملائكة) نصبًا، وذلك بعد قراءته فاطر بألف والجر، كقراءة من قرأ: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾، وقرأ الحسن وحميد بن قيس: ﴿رسلا﴾ بإسكان العين، وهي لغة تميم. وقال الزمخشري: وقرىء: ﴿الحمد لله الذي فطر السوات والأرض وجعل الملائكة﴾ فمن قرأ: ﴿فطر﴾ و ﴿جعل﴾ .. فينبغي أن تكون هذه الجمل إخبارًا من العبد إلى ما أسداه إلينا من النعم، كما تقول: الفضل لزيد أحسن إلينا بكذا، خولنا كذا، يكون ذلك جهة بيان لفعله الجميل، كذلك يكون في قوله: ﴿فطر﴾ جعل؛ لأن في ذلك نعمًا لا تحصى، ومن قرأ: ﴿فاطر﴾ ﴿جاعل﴾ .. فالأظهر أنهما اسما فاعل بمعنى المضي، فيكون صفة للجلالة. ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ صفة لرسلًا؛ أي: أصحاب أجنحة ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ صفات لأجنحة، فهي مخفوضة بالفتحة الملفوظة، أو المقدرة؛ لأنها غير مصروفة للعدل والصفة؛ أي: جاعل الملائكة رسلًا أصحاب أجنحة اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة؛ أي: ذوي أجنحة متعددة متفاوتة في العدد حسب تفاوت ما لهم من المراتب، ينزلون بها من السماء إلى الأرض، ويعرجون أو يسرعون بها، فإن ما بين السماء والأرض، وكذا ما بين السموات مسيرة خمس مئة سنة، وهم يقطعونها في بعض الأحيان في وقت واحد. ففي تعداد الأجنحة (١) إشارة إلى كمالية استعداد بعض الملائكة على بعض، وتفاوت أقدارهم وقواهم عند الله تعالى. والمعنى: إن من الملائكة خلقًا لكل منهم جناحان، وخلقًا لكل منهم ثلاثة، وخلقًا آخر لكل منهم أربعة، وعبارة النسفي هنا: والمعنى (٢): إن الملائكة طائفة، أجنحتهم اثنان اثنان؛ أي: لكل واحد منهم جناحان، وطائفة أجنحتهم ثلاثة ثلاثة، ولعلَّ الثالث يكون في وسط الظهر بين

стр. 10572

الجناحين، يمدهما بقوة، وطائفة أجنحتهم أربعة أربعة. انتهى. وقال البيضاوي: ولعله لم يرد خصوصية الأعداد المذكورة ونفي ما زاد عليها؛ لما روي أنه ﷺ رأى جبرائيل ليلة المعراج وله ست مئة جناح، منها اثنان يبلغان من المشرق إلى المغرب، وفي هذا رمز إلى قوة استعداده الروحي، وقربه من الملأ الأعلى، وسرعة تنفيذه ما يؤمر به. وذكر السهيلي: أن المراد بالأجنحة في حق الملائكة صفة ملكية، وقوة روحانية، وليست كأجنحة الطير، ولا ينافي ذلك وصف كل جناح منها أنه يسد ما بين المشرق والمغرب. هذا كلامه، كما في "إنسان العيون". وقال إسماعيل البروسوي: لا يجوز (١) العدول عن الظاهر مع إمكان الحمل على الحقيقة. وقد تظاهرت الروايات الدالة على إثبات الأجنحة للملائكة، وإن لم تكن كأجنحة الطير من حيث إن الله تعالى باين بين صور المخلوقات والملائكة، وان كانوا روحانيين، لكن لهم أجسام لطيفة، فلا يمنع أن يكون للأجسام أجنحة جسمانية، كما لا يمنع أن يكون للأرواح أجنحة روحانية نورانية، كما ثبت لجعفر الطيار ﵁. والحاصل: أن المناسب لحال العلويين أن يكونوا طائرين، كما أن المناسب لحال السفليين أن يكونوا سائرين، ومن أمعن النظر في خلق الأرض والجو .. عرف ذلك، ويؤيد ما قلنا إن البراق، وإن كان في صورة البغل في الجملة، لكنه لما كان علويًا .. أثبت له الجناح، نعم إن الأجنحة من قبيل الإشارة إلى القوة الملكية، والإشارة لا تنافي العبارة هذا. وقيل: لم يجمع الله سبحانه في الأرض لشيء من خلقه بين الأجنحة والقرون والخراطيم والقوائم إلا لأضعف خلقه، وهو البعوض. وجملة قوله: ﴿يَزِيدُ﴾ ﴿فِي الْخَلْقِ﴾؛ أي: في أي خلق كان من الملائكة وغيرهم، فاللام للجنس، والخلق بمعنى: المخلوق ﴿مَا يَشَاءُ﴾؛ أي: كل ما يشاء أن يزيده بموجب مشيئته ومقتضى حكمته من الأمور التي لا يحيط بها الوصف مستأنفة مقررة لما قبلها من تفاوت أحوال الملائكة. فليس تفاوت أحوال الملائكة في عدد الأجنحة (٢)، وكذا تفاوت أحوال

стр. 10573

غيرهم في بعض الأمور تستدعيه ذواتهم، بل ذلك من أحكام المشيئة ومقتضيات الحكم. فالآية متناولة لزيادات الصور والمعاني، فمن الأولى حسن الصورة خصوصًا الوجه، قيل: ما بعث الله نبيًا إلا حسن الشكل، وكان نبينا ﷺ أملح الناس، ومنها ملاحة العينين واعتدال الصورة وسهولة اللسان وطلاقته وقوة البطش والشَّعر الحسن والصوت الحسن، وكان نبينا ﷺ طيب النغمة، وفي الحديث: "للهُ أشد أذنًا للرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب قينة إلى قينته" أي: من استماع مالك جارية مغنية أريد هنا المغنية، وفي الحديث: "زينوا القرآن بأصواتكم"؛ أي: أظهروا زينته بحسن أصواتكم، وإلا فجلَّ كلام الخالق أن يزينه صوت مخلوق، ورخص تحسين الصوت به والتطريب ما لم يتغير المعنى بزيادة أو نقصان في الحروف، ومنها حسن الخط، وفي الخبر عن رسول الله ﷺ : "الخط الحسن يزيد الحق وضحًا"؟ وهو بالفتح: الضوء والبياض، وفي الحديث: "عليكم بحسن الخط، فإنه من مفاتيح الرزق". وقال البروسوي: حسن الخط مما يرغب فيه الناس في جميع البلاد، فاستكمال صنعة الكتابة من الكمالات البشرية، وان كانت من الزيادات لا من المقاصد، وقد يتعيش بعض الفقراء بمنافع قلمه، ولا يحتاج إلى الغير، فتكون المنة لله على كل حال. ومن الثانية كمال العقل، وجزالة الرأي، وجراءة القلب، وسماحة النفس، وغير ذلك من الزيادات المحمودة، كعلو الهمة؛ أي: التعلق بالمولى لا بالدنيا والعقبى. أو المعنى (١): يزيد في خلق الأجنحة ما يشاء، كما يزيد في أرجل الحيوان ما يشاء، حتى لقد تبلغ فوق العشرين أحيانًا. وهكذا يزيد في تفاوت العقول والنفوس والقوى المادية والمعنوية، كما قيل: وَالنَّاسُ ألْفٌ مِنْهُمُ كَوَاحِدِ ... وَوَاحِدٌ كَالأَلْفِ إِنْ أَمْرٌ عَنَا وجملة قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ ممكن ﴿قَدِيرٌ﴾؛ أي: بليغ القدرة تعليل لما قبلها من أنه يزيد في الخلق ما يشاء، فإن شمول قدرته تعالى لجميع الأشياء

стр. 10574

مما يوجب قدرته على أن يزيد كل ما يشاؤه إيجابًا بينًا، ومن الأشياء الإنقاذ من الشهوات، والإخراج من الغفلات، والإدخال في دائرة العلم والشهود الذي هو من باب الزيادات، فمن استعجز القدرة الإلهية فقد كفر. والمعنى: فيزيد كل ما هو أهل للزيادة، وما هو مستعد لها حسية كانت أو معنوية، فلا يمنع عليه فعل شيء أراد لما له من القدرة والسلطان على كل شيء. ٢ - و ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ﴾ شرطية في محل النصب بـ ﴿يَفْتَحِ﴾؛ أي: أيُّ شيء يفتح الله سبحانه ﴿لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ﴾؛ أي: من خزائن رحمته، أية رحمة كانت من نعمة وصحة وعلم وحكمة ورزق ومطر إلى غير ذلك ﴿فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾؛ أي: لتلك الرحمة؛ أي: لا أحد من المخلوقات يقدر على إمساك تلك الرحمة، وحبسها عمن فتحت له، فإنه لا مانع لما أعطاه. وفي "الإرشاد": عبر عن إرسالها بالفتح إيذانًا بأنها أنفس الخزائن، وأعزها منالًا، وتنكيرها للإشاعة والإبهام. قيل: الفتح ضربان (١): الأول: فتح إلهي، وهو النصرة بالوصول إلى العلوم والهدايات التي هي ذريعة إلى الثواب والمقامات المحمودة، ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾، وقوله: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾. والثاني: فتح دنيوي، وهو النصرة في الوصول إلى اللذات البدنية. وذلك قوله: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ﴾، وقوله: ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾. ﴿وَمَا يُمْسِكْ﴾؛ أي: وأيّ شيء يمسكه الله سبحانه من رحمته ويحبسه ويمنعه ﴿فَلَا مُرْسِلَ لَهُ﴾؛ أي: لا أحد من الموجودات يقدر على إرساله وإعطائه، فإنه لا معطي لما منعه، فهو سبحانه المعطي المانع، القابض الباسط، لا معطي سواه، ولا منعم غيره، واختلاف الضميرين بالتأنيث في الأول، والتذكير في الثاني لما أن مرجع الأول مفسر بالرحمة، ومرجع الثاني مطلق في كل ما يمسكه من رحمته وغضبه. ففي التفسير الأول وتقييده بالرحمة إيذان بأن رحمته سبقت غضبه؛ أي:

стр. 10575

في التعلق، وإلا فهما صفتان لله تعالى لا تسبق إحداهما على الأخرى في ذاتهما. ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ سبحانه؛ أي: فلا مرسل له من بعد إمساكه ومنعه كقوله: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾؛ أي: من بعد إضلال الله إياه. ﴿وَهُوَ﴾ سبحانه ﴿الْعَزِيزُ﴾؛ أي: الغالب على كل ما يشاء من الأمور التي من جملتها الفتح والإمساك، فلا أحد ينازعه ﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي يفعل ما يشاء حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة. وفي "الخازن": ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ فيما أمسك ﴿الْحَكِيمُ﴾؛ أي: فيما أرسل. ومعنى الآية (١): مفاتيح الخير ومغاليقه كلها بيده ، فما يعطِ من خير .. فلا يستطيع أحد منعه ولا إمساكه، وأيُّ خير يمسكه .. فلا يبسطه ولا يفتحه لهم فاتح؛ لأن الأمور كلها بيده تعالى، ومنها البذل والعطاء، والمنع والإمساك، وهو الغالب على كل ما يشاء من الأمور التي منها الفتح والإمساك. وهو الحكيم الذي يفعل كل ما يفعل بحسب ما تقتضيه الحكمة والمصلحة. وفي الآية عظة للناس بالإقبال إلى ربهم، والتوجه إليه في قضاء حوائجهم، والتوكل عليه في جميع مآربهم، والإعراض عما سواه من جميع خلقه. ونحو الآية قوله: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾. روى أحمد عن المغيرة بن شعبة ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا انصرف من الصلاة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد"، وهو بالفتح: الحظ، والإقبال في الدنيا؛ أي: لا ينفع الفتى المحظوظ حظه في الدنيا منك؛ أي: عندك، وإنما ينفعه العمل والطاعة. وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركوع يقول: "سمع الله لمن حمده، اللهم ربّنا لك الحمد ملء السماء والأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، اللهم أهل الثناء والمجد أحق
следующие страницы →