كالملك الذي أرسله الله تعالى إلى الأعمى والأبرص والأقرع.
وقرأ الجمهور: ﴿جَاعِلِ﴾ بصيغة اسم الفاعل مجرورًا. وقرأ الحسن: ﴿جَاعِلِ﴾ بالرفع والإضافة؛ أي: هو جاعل، وقرأ عبد الوارث عن أبي عمرو: ﴿جَاعِلِ﴾: بالرفع بغير تنوين. ﴿الْمَلَائِكَةِ﴾: نصبًا حذف التنوين لالتقاء الساكنين، وقرأ ابن يعمر وخليد بن نشيط: ﴿جعل﴾ فعلًا ماضيًا (الملائكة) نصبًا، وذلك بعد قراءته فاطر بألف والجر، كقراءة من قرأ: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾، وقرأ الحسن وحميد بن قيس: ﴿رسلا﴾ بإسكان العين، وهي لغة تميم. وقال الزمخشري: وقرىء: ﴿الحمد لله الذي فطر السوات والأرض وجعل الملائكة﴾ فمن قرأ: ﴿فطر﴾ و ﴿جعل﴾ .. فينبغي أن تكون هذه الجمل إخبارًا من العبد إلى ما أسداه إلينا من النعم، كما تقول: الفضل لزيد أحسن إلينا بكذا، خولنا كذا، يكون ذلك جهة بيان لفعله الجميل، كذلك يكون في قوله: ﴿فطر﴾ جعل؛ لأن في ذلك نعمًا لا تحصى، ومن قرأ: ﴿فاطر﴾ ﴿جاعل﴾ .. فالأظهر أنهما اسما فاعل بمعنى المضي، فيكون صفة للجلالة.
﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ صفة لرسلًا؛ أي: أصحاب أجنحة ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ صفات لأجنحة، فهي مخفوضة بالفتحة الملفوظة، أو المقدرة؛ لأنها غير مصروفة للعدل والصفة؛ أي: جاعل الملائكة رسلًا أصحاب أجنحة اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة؛ أي: ذوي أجنحة متعددة متفاوتة في العدد حسب تفاوت ما لهم من المراتب، ينزلون بها من السماء إلى الأرض، ويعرجون أو يسرعون بها، فإن ما بين السماء والأرض، وكذا ما بين السموات مسيرة خمس مئة سنة، وهم يقطعونها في بعض الأحيان في وقت واحد.
ففي تعداد الأجنحة (١) إشارة إلى كمالية استعداد بعض الملائكة على بعض، وتفاوت أقدارهم وقواهم عند الله تعالى. والمعنى: إن من الملائكة خلقًا لكل منهم جناحان، وخلقًا لكل منهم ثلاثة، وخلقًا آخر لكل منهم أربعة، وعبارة النسفي هنا: والمعنى (٢): إن الملائكة طائفة، أجنحتهم اثنان اثنان؛ أي: لكل واحد منهم جناحان، وطائفة أجنحتهم ثلاثة ثلاثة، ولعلَّ الثالث يكون في وسط الظهر بين
стр. 10572
الجناحين، يمدهما بقوة، وطائفة أجنحتهم أربعة أربعة. انتهى. وقال البيضاوي: ولعله لم يرد خصوصية الأعداد المذكورة ونفي ما زاد عليها؛ لما روي أنه ﷺ رأى جبرائيل ليلة المعراج وله ست مئة جناح، منها اثنان يبلغان من المشرق إلى المغرب، وفي هذا رمز إلى قوة استعداده الروحي، وقربه من الملأ الأعلى، وسرعة تنفيذه ما يؤمر به.
وذكر السهيلي: أن المراد بالأجنحة في حق الملائكة صفة ملكية، وقوة روحانية، وليست كأجنحة الطير، ولا ينافي ذلك وصف كل جناح منها أنه يسد ما بين المشرق والمغرب. هذا كلامه، كما في "إنسان العيون". وقال إسماعيل البروسوي: لا يجوز (١) العدول عن الظاهر مع إمكان الحمل على الحقيقة. وقد تظاهرت الروايات الدالة على إثبات الأجنحة للملائكة، وإن لم تكن كأجنحة الطير من حيث إن الله تعالى باين بين صور المخلوقات والملائكة، وان كانوا روحانيين، لكن لهم أجسام لطيفة، فلا يمنع أن يكون للأجسام أجنحة جسمانية، كما لا يمنع أن يكون للأرواح أجنحة روحانية نورانية، كما ثبت لجعفر الطيار ﵁.
والحاصل: أن المناسب لحال العلويين أن يكونوا طائرين، كما أن المناسب لحال السفليين أن يكونوا سائرين، ومن أمعن النظر في خلق الأرض والجو .. عرف ذلك، ويؤيد ما قلنا إن البراق، وإن كان في صورة البغل في الجملة، لكنه لما كان علويًا .. أثبت له الجناح، نعم إن الأجنحة من قبيل الإشارة إلى القوة الملكية، والإشارة لا تنافي العبارة هذا.
وقيل: لم يجمع الله سبحانه في الأرض لشيء من خلقه بين الأجنحة والقرون والخراطيم والقوائم إلا لأضعف خلقه، وهو البعوض.
وجملة قوله: ﴿يَزِيدُ﴾ ﴿فِي الْخَلْقِ﴾؛ أي: في أي خلق كان من الملائكة وغيرهم، فاللام للجنس، والخلق بمعنى: المخلوق ﴿مَا يَشَاءُ﴾؛ أي: كل ما يشاء أن يزيده بموجب مشيئته ومقتضى حكمته من الأمور التي لا يحيط بها الوصف مستأنفة مقررة لما قبلها من تفاوت أحوال الملائكة.
فليس تفاوت أحوال الملائكة في عدد الأجنحة (٢)، وكذا تفاوت أحوال
стр. 10573
غيرهم في بعض الأمور تستدعيه ذواتهم، بل ذلك من أحكام المشيئة ومقتضيات الحكم.
فالآية متناولة لزيادات الصور والمعاني، فمن الأولى حسن الصورة خصوصًا الوجه، قيل: ما بعث الله نبيًا إلا حسن الشكل، وكان نبينا ﷺ أملح الناس، ومنها ملاحة العينين واعتدال الصورة وسهولة اللسان وطلاقته وقوة البطش والشَّعر الحسن والصوت الحسن، وكان نبينا ﷺ طيب النغمة، وفي الحديث: "للهُ أشد أذنًا للرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب قينة إلى قينته" أي: من استماع مالك جارية مغنية أريد هنا المغنية، وفي الحديث: "زينوا القرآن بأصواتكم"؛ أي: أظهروا زينته بحسن أصواتكم، وإلا فجلَّ كلام الخالق أن يزينه صوت مخلوق، ورخص تحسين الصوت به والتطريب ما لم يتغير المعنى بزيادة أو نقصان في الحروف، ومنها حسن الخط، وفي الخبر عن رسول الله ﷺ : "الخط الحسن يزيد الحق وضحًا"؟ وهو بالفتح: الضوء والبياض، وفي الحديث: "عليكم بحسن الخط، فإنه من مفاتيح الرزق". وقال البروسوي: حسن الخط مما يرغب فيه الناس في جميع البلاد، فاستكمال صنعة الكتابة من الكمالات البشرية، وان كانت من الزيادات لا من المقاصد، وقد يتعيش بعض الفقراء بمنافع قلمه، ولا يحتاج إلى الغير، فتكون المنة لله على كل حال.
ومن الثانية كمال العقل، وجزالة الرأي، وجراءة القلب، وسماحة النفس، وغير ذلك من الزيادات المحمودة، كعلو الهمة؛ أي: التعلق بالمولى لا بالدنيا والعقبى. أو المعنى (١): يزيد في خلق الأجنحة ما يشاء، كما يزيد في أرجل الحيوان ما يشاء، حتى لقد تبلغ فوق العشرين أحيانًا. وهكذا يزيد في تفاوت العقول والنفوس والقوى المادية والمعنوية، كما قيل:
وَالنَّاسُ ألْفٌ مِنْهُمُ كَوَاحِدِ ... وَوَاحِدٌ كَالأَلْفِ إِنْ أَمْرٌ عَنَا
وجملة قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ ممكن ﴿قَدِيرٌ﴾؛ أي: بليغ القدرة تعليل لما قبلها من أنه يزيد في الخلق ما يشاء، فإن شمول قدرته تعالى لجميع الأشياء
стр. 10574
مما يوجب قدرته على أن يزيد كل ما يشاؤه إيجابًا بينًا، ومن الأشياء الإنقاذ من الشهوات، والإخراج من الغفلات، والإدخال في دائرة العلم والشهود الذي هو من باب الزيادات، فمن استعجز القدرة الإلهية فقد كفر. والمعنى: فيزيد كل ما هو أهل للزيادة، وما هو مستعد لها حسية كانت أو معنوية، فلا يمنع عليه فعل شيء أراد لما له من القدرة والسلطان على كل شيء.
٢ - و ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ﴾ شرطية في محل النصب بـ ﴿يَفْتَحِ﴾؛ أي: أيُّ شيء يفتح الله سبحانه ﴿لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ﴾؛ أي: من خزائن رحمته، أية رحمة كانت من نعمة وصحة وعلم وحكمة ورزق ومطر إلى غير ذلك ﴿فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾؛ أي: لتلك الرحمة؛ أي: لا أحد من المخلوقات يقدر على إمساك تلك الرحمة، وحبسها عمن فتحت له، فإنه لا مانع لما أعطاه. وفي "الإرشاد": عبر عن إرسالها بالفتح إيذانًا بأنها أنفس الخزائن، وأعزها منالًا، وتنكيرها للإشاعة والإبهام. قيل: الفتح ضربان (١):
الأول: فتح إلهي، وهو النصرة بالوصول إلى العلوم والهدايات التي هي ذريعة إلى الثواب والمقامات المحمودة، ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾، وقوله: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾.
والثاني: فتح دنيوي، وهو النصرة في الوصول إلى اللذات البدنية. وذلك قوله: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ﴾، وقوله: ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾.
﴿وَمَا يُمْسِكْ﴾؛ أي: وأيّ شيء يمسكه الله سبحانه من رحمته ويحبسه ويمنعه ﴿فَلَا مُرْسِلَ لَهُ﴾؛ أي: لا أحد من الموجودات يقدر على إرساله وإعطائه، فإنه لا معطي لما منعه، فهو سبحانه المعطي المانع، القابض الباسط، لا معطي سواه، ولا منعم غيره، واختلاف الضميرين بالتأنيث في الأول، والتذكير في الثاني لما أن مرجع الأول مفسر بالرحمة، ومرجع الثاني مطلق في كل ما يمسكه من رحمته وغضبه. ففي التفسير الأول وتقييده بالرحمة إيذان بأن رحمته سبقت غضبه؛ أي:
стр. 10575
في التعلق، وإلا فهما صفتان لله تعالى لا تسبق إحداهما على الأخرى في ذاتهما. ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ سبحانه؛ أي: فلا مرسل له من بعد إمساكه ومنعه كقوله: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾؛ أي: من بعد إضلال الله إياه.
﴿وَهُوَ﴾ سبحانه ﴿الْعَزِيزُ﴾؛ أي: الغالب على كل ما يشاء من الأمور التي من جملتها الفتح والإمساك، فلا أحد ينازعه ﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي يفعل ما يشاء حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة. وفي "الخازن": ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ فيما أمسك ﴿الْحَكِيمُ﴾؛ أي: فيما أرسل.
ومعنى الآية (١): مفاتيح الخير ومغاليقه كلها بيده ، فما يعطِ من خير .. فلا يستطيع أحد منعه ولا إمساكه، وأيُّ خير يمسكه .. فلا يبسطه ولا يفتحه لهم فاتح؛ لأن الأمور كلها بيده تعالى، ومنها البذل والعطاء، والمنع والإمساك، وهو الغالب على كل ما يشاء من الأمور التي منها الفتح والإمساك. وهو الحكيم الذي يفعل كل ما يفعل بحسب ما تقتضيه الحكمة والمصلحة. وفي الآية عظة للناس بالإقبال إلى ربهم، والتوجه إليه في قضاء حوائجهم، والتوكل عليه في جميع مآربهم، والإعراض عما سواه من جميع خلقه.
ونحو الآية قوله: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾. روى أحمد عن المغيرة بن شعبة ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا انصرف من الصلاة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد"، وهو بالفتح: الحظ، والإقبال في الدنيا؛ أي: لا ينفع الفتى المحظوظ حظه في الدنيا منك؛ أي: عندك، وإنما ينفعه العمل والطاعة.
وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركوع يقول: "سمع الله لمن حمده، اللهم ربّنا لك الحمد ملء السماء والأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، اللهم أهل الثناء والمجد أحق
стр. 10576
ما قال العبد، وكلُّنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد".
وعن معاذ ﵁ مرفوعًا: "لا تزال يد الله مبسوطة على هذه الأمة ما لم يرفق خيارهم بشرارهم، ويعظم برّهم فاجرهم، ويعن قرّاؤهم أمراءهم على معصية الله، فإذا فعلوا نزع الله يده عنهم".
وأخرج ابن المنذر عن عامر بن عبد قيس قال: أربع آيات من كتاب الله إذا قرأتهن فما أبالي ما أصبح عليه وأمسي:
١ - ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾.
٢ - ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾.
٣ - ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾.
٤ - ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾.
فعلى العاقل أن يجتهد حتى يأتي رزقه الصوري والمعنوي بلا جهد ولا مشقة ولا تعب، اللهم افتح لنا خير الباب، وارزقنا مما رزقت أولي الألباب، إنك مفتِّح الأبواب.
٣ - ثم أمر الله سبحانه عباده أن يذكروا نعمه الفائضة عليهم التي لا تعد ولا تحصى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ عامة، فاللام للجنس، أو يا أهل مكة خاصّة، فاللام للعهد ﴿اذْكُرُوا﴾ بلسانكم وجنانكم وجوارحكم. ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ سبحانه؛ أي: إنعامه ﴿عَلَيْكُمْ﴾ إن جعلت النعمة مصدرًا، أو منة الله حال كونها كائنة عليكم إن جعلت اسمًا؛ أي: راعوها واحفظوها بمعرفة حقها والاعتراف بها. وتخصيص العبادة والطاعة بمعطيها سواء كانت نعمة خارجة كالمال والجاه، أو نعمة بدنيّة كالصحة والقوة، أو نعمة نفسية كالعقل والفطنة، ومعنى أمرهم بالذكر لها: هو إرشادهم إلى الشكر لاستدامتها وطلب المزيد منها، ورسمت (١) لفظة ﴿نِعْمَتَ﴾ بالتاء المبسوطة في أحد عشر موضعًا من القرآن، ووقف عليها بالهاء ابن كثير وأبو عمرو والكسائي
стр. 10577
ويعقوب ولمّا كان ذكر النعمة مؤذيًا إلى ذكر المنعم قال بطريق الاستفهام الإنكاري: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ ؛ أي: هل خالق مغاير له تعالى موجود؛ أي: لا خالق سواه على أن ﴿خَالِقٍ﴾ مبتدأ محذوف الخبر، زيدت عليه ﴿مِنْ﴾ تأكيدًا للعموم. و ﴿غير الله﴾ نعت له باعتبار محله، كما أنه نعت له في قراءة الجر باعتبار لفظه.
وقرأ ابن وثاب وشقيق وأبو جعفر وزيد بن علي وحمزة والكسائي (١) ﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ بالخفض نعتًا على اللفظ، و ﴿مِنْ خَالِقٍ﴾ مبتدأ و ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ جوّزوا أن يكون خبرًا للمبتدأ، وأن يكون صفته، وأن يكون مستانفًا، والخبر على هذين الوجهين محذوف، تقديره: لكم. وقرأ شيبة وعيسى والحسن وباقي السبعة: ﴿غَيْرِ﴾ بالرفع، وجوزوا أن يكون نعتًا على الموضع، كما كان على الجر نعتًا على اللفظ، وهذا الوجه أظهر لتوافق القراءتين فيه، وأن يكون خبراَ للمبتدأ، وأن يكون فاعلًا باسم الفاعل الذي هو خالق؛ لأنه قد اعتمد على أداة الاستفهام، فحسن أعماله كقولك، أقائم زيد في أحد وجهيه. وقرأ الفضل بن إبراهيم النحوي: ﴿غيرَ﴾ بالنصب على الاستثناء والخبر إمّا ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ وإما محذوف، و ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ مستأنف، أو صفة أخرى لـ ﴿خَالِقٍ﴾، وفي "روح البيان": وجملة (٢) ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ كلام مستأنف لا محل له من الإعراب، ولا مساغ لكونه صفة أخرى لـ ﴿خَالِقٍ﴾؛ لأن معناه حينئذ نفي وجود خالق موصوف بوصفي المغايرة والرازقية معًا من غير تعرض لنفي وجود ما اتصف بالمغايرة فقط، ولا لكونه خبرًا للمبتدأ؛ لأن معناه نفي رازقية خالق مغاير له تعالى من غير تعرّض لنفي وجوده رأسًا مع أنّه المراد حتمًا. والمعنى: يرزقكم : ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ بالمطر ﴿و﴾ من ﴿الْأَرْضِ﴾ بالنبات.
وفائدة هذا التعريف: أنه إذا عرف أنه لا رازق سواه .. لم يعلّق قلبه بأحدٍ في طلب شيء، ولا يتذلّل للإنفاق لمخلوق، وكما لا يرى رزقه من مخلوق لا يراه من نفسه أيضًا، فيتخلّص من ظلمات تدبيره واحتياله، وتوهّم شيء من أمثاله وأشكاله، ويستريح بشهود تقديره تعالى.
وجملة ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ مستأنفة لتقرير النفي المستفاد من الاستفهام؛ أي: لا
стр. 10578
معبود بحق في الوجود إلا هو سبحانه وتعالى عمّا يقولون علوًا كبيرًا، وإذا تبيّن تفرّده تعالى بالألوهية والخالقية والرّازقيّة ﴿فَأَنَّى﴾؛ أي: فمن أي وجه، وبأي حجة ﴿تُؤْفَكُونَ﴾؛ أي: تصرفون عن التوحيد إلى الشرك، وعن عبادته إلى عبادة الأوثان، وكيف تصرفون، فالفاء لترتيب إنكار عدولهم عن الحق إلى الباطل على ما قبلها.
قال الزجاج: أي من أين يقع لكم الإفك والتكذيب بتوحيد الله والبعث، وأنتم مقرّون بأنّ الله خلقكم ورزقكم. وفي "الفتوحات"؛ ﴿فَأَنَّى﴾ هنا بمعنى: كيف؛ أي: من أيِّ وجه، ومن أي حالة، وبأي سبب تعبدون غيره، فغيره ليس فيه وصف يقتضي أن تصرفوا لعبادته، فإنه لا يقدر على خلق، ولا على رزق، ولا على غيرها. اهـ شيخنا.
ومعنى الآية: يا أيها الناس راعوا نعم الله تعالى واحفظوها بمعرفة حقها، والاعتراف بها، وخصوا خالقها بالعبادة والطاعة، فهو الذي بيده أرزاقكم وأقواتكم، فإلى أيّ وجه تصرفون عنه بعد أن استبان الحق ووضح السبيل.
والخلاصة: احفظوا نعم الله تعالى، وأدّوا حقها, ولا تشركوا به سواه من الأصنام والأوثان بعد وضوح الدليل وسطوع البرهان.
٤ - ثم سلّى الله سبحانه رسوله ﷺ فقال: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ ليتأسَّى بمن قبله من الأنبياء، ويتسلّى عن تكذيب كفار العرب؛ أي: وإن استمر المشركون على أن يكذّبوك با محمد فيما بلّغت إليهمِ فلا تحزن واصبر. ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾ أولوا شأن خطير، وذوو عدد كثير، ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾ فصبروا وظفروا. ﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾ سبحانه لا إلى غيره ﴿تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ من الرجع، وهو الرد؛ أي: تردّ إليه عواقبها، فيجازي كل صابر على صبره، وكل مكذّب على تكذيبه. وفي "التأويلات النجمية": يشير إلى تسلية الرسول ﷺ وأولياء أمته وتسهيل الصبر على الأذيّة إذا علم أن الأنبياء ﵈ استقبلهم مثل ما استقبله، وأنهم لمَّا صبروا لله كفاهم، علم أنه يكفيه بسلوك سبيلهم والاقتداء بهم. وقرأ الحسن والأعرج ويعقوب وابن عامر وأبو حيوة وابن محيصن وحميد والأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي وخلف (١): ﴿ترجع﴾
стр. 10579
بفتح الفوقية على البناء للفاعل، وقرأ الباقون بضمها على البناء للمفعول.
والمعنى: أي وإن استمر قومك يا محمد على تكذيبك فيما بلّغته إليهم من الحق المبين بعد أن أقمت لهم الحجج، وضربت الأمثال فتأسى بمن سبقك من الرسل، فقد صبروا على ما أوذوا حتى أتاهم نصرنا, ولا مبدّل لكلماتنا، وإلى الله مرجع أمرك وأمرهم، فيجازيك وإياهم على الصبر والتكذيب.
٥ - ثمّ ذكر أن البعث آت لا ريب فيه، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ عامة، أو يا كفار مكة خاصة. ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ سبحانه إياكم بالبعث والجزاء، وإخباره لكم بالحساب والعقاب والجنة والنار ﴿حَقٌّ﴾؛ أي: ثابت لا محالة لا خلف فيه.
وفي "التأويلات النجمية": يشير سبحانه إلى أنّ كل ما وعد به الله من الثواب والعقاب والدرجات في الجنة والدركات في النار والقربات في أعلى عليّين، وفي مقعد صدق عند مليك مقتدر، والبعد إلى أسفل سافلين حق، وصدق لا كذب فيه، فإذا علم ذلك استعدّ للموت قبل نزول الفوت، ولم يهتم للرزق، ولم يتهم الرب في كفاية الشغل ونشط في استكثار الطاعة ورضي بالمقسوم. ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾؛ أي: لا تمنعنكم زينة الحياة الدنيا، وزخارفها، وشهواتها عن التزوّد للآخرة؛ بأن يذهلكم التتسع بها عن طلب الآخرة، والسعي لها، وتقطعكم زينتها وشهواتها عن الرياضات والمجاهدات وترك الأوطان ومفارقة الإخوان في طريق الطلب، والمراد: نهيهم عن الاغترار بها، وإن توجّه النهي صورة إليها. وفي بعض الآثار: "يا ابن آدم، لا يغرنك طول المهلة، فإنما يعجل بالأخذ من يخاف الفوت" قال سعيد بن جبير: غرور الحياة الدنيا: أن يشتغل الإنسان بنعيمها ولذاتها عن عمل الآخرة حتى يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾.
﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ﴾؛ أي: لا يخدعنكم أيها الناس ﴿بِاللَّهِ﴾؛ أي: بسعة كرمه وعفوه. ﴿الْغَرُورُ﴾ بفتح الغين؛ أي: الشيطان المبالغ في الغرور والخداع؛ بأن يمنّيكم المغفرة مع الإصرار على المعصية، فيقول لكم: إن الله يتجاوز عنكم ويغفر لكم لفضلكم، أو لسعة رحمته لكم.
وفي "المفردات": الغرور - بالفتح - كل ما يغرّ الإنسان من مال وجاه وشهوة وشيطان، وقد فسّر بالشيطان، إذ هو أخبث الغاوين، وبالدنيا، لما قيل الدنيا تغرّ وتضرّ وتمرّ.
стр. 10580
والمعنى (١): ولا يغرنكم أيها الناس بالله الشيطان المبالغ في الغرور؛ بأن يمنيكم المغفرة مع الإصرار على المعاصي، قائلًا: اعملوا ما شئتم إنّ الله غفور يغفر الذنوب جميعًا، وانه غني عن عبادتكم وتعذيبكم، فإنّ ذلك وإن أمكن، لكن تناول الذنوب بهذا التوقّع من قبيل تناول السم اعتمادًا على دفع الطبيعة. فالله تعالى، وإن كان أكرم الأكرمين مع أهل الكرم، لكنه شديد العقاب مع أهل العذاب. وقرأ الجمهور (٢): بفتح الغين، وفسّره ابن عباس ﵁ بالشيطان. وقرأ أبو حيوة وأبو السمال ومحمد بن السميقع: بضمّ الغين، جمع: غار مثل: قاعد وقعود، أو مصدر كقوله: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾، وعليه فالكلام على حذف مضاف؛ أي: صاحب الغرور والخداع، وهو الشيطان، يقال: غرّه غرورًا كلزمه لزومًا ونهكه نهوكًا.
ومعنى الآية (٣): أي إن وعد الله بالحشر والجزاء حق لا شكّ فيه، فلا تغرنّكم الحياة الدنيا، فيذهلنكم التمتع بمتاعها, ولا يلهينكم التلهي بزخارفها عن تدارك ما ينفعكم يوم حلول الميعاد اتباعًا لوساوس الشيطان.
والخلاصة: أنّكم لا تغتروا بالحياة الدنيا، وتتركوا فعل ما أمرتم به، وتفعلوا ما نهيتم عنه.
٦ - ثمّ ذكر العلة في عدم الاغترار بالشيطان فقال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ﴾ يا بني آدم لا لغيركم ﴿عَدُوٌّ﴾ عظيم عداوة قديمة بما فعل بأبيكم ما فعل لا تكاد تزول، أو معلن عداوته لكم بوسوسته. ﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ بمخالفتكم له في عقائدكم وأفعالكم، وكونكم على حذر منه في جميع أحوالكم؛ أي: فعادوه أنتم أشدّ العداوة بطاعة ربكم، وخالفوه فيما أمركم به من معصية الله، وكذبوه فيما يغرنكم به، فلا تكفي (٤) العداوة باللسان فقط، بل يجب أن تكون بالقلب والجوارح جميعًا، ولا يقوى المرء على عداوته إلّا بملازمة الذّكر ودوام الاستعانة بالربّ، فإنّ من هجم عليه كلاب الرّاعي يشكل عليه دفعها إلّا أن ينادي الراعي، فإنه يطردها بكلمة منه. ثمّ بيّن لعباده كيفية عداوة الشيطان لهم فقال: ﴿إِنَّمَا يَدْعُو﴾ الشيطان ﴿حِزْبَهُ﴾؛ أي أشياعه وجماعته وأتباعه المطيعين له إلى معاصي الله سبحانه. ﴿لِيَكُونُوا﴾؛ أي:
стр. 10581
لأجل أن يكون حزبه ﴿مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾؛ أي: من أصحاب النار المسعرة المتقدة عليهم خالدين فيها معه؛ أي: ما غرضه من دعوة شيعته إلى اتباع الهوى، والركون إلى لذَّات الدنيا إلا إضلالهم وإلقاؤهم في العذاب الدائم من حيث لا يشعرون. وفي "التأويلات": حزبه المعرضون عن الله المشتغلون بغير الله. قال في "الإرشاد": هذا تقرير لعداوته، وتحذير من طاعته بالتنبيه على أنّ غرضه في دعوة شيعته إلى اتباع الهوى، والركون إلى ملاذ الدنيا ليس تحصيل مطالبهم ومنافعهم الدنيويّة، كما هو مقصد المتحابّين في الدنيا عند سعي بعضهم في حاجة بعض، بل هو توريطهم وإلقائهم في العذاب المخلَّد من حيث لا يحتسبون. انتهى.
٧ - ثمّ كشف الغطاء فبنى الأمر كله على الإيمان وتركه، فقال: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: ثبتوا على الكفر بما وجب الإيمان به، وأصرّوا عليه. ﴿لَهُمْ﴾ بسبب كفرهم وإجابتهم لدعوة الشيطان ﴿عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ معجّل ومؤجّل (١)، فمعجّله: تفرقة قلوبهم، وانسداد بصائرهم، وخساسة همّتهم، حتى إنهم يرضون بأن يكون معبودهم الأصنام والهوى والدنيا والشيطان، ومؤجّله: عذاب الآخرة، وهو ممّا لا يخفى شدّته وصعوبته، ومحل الموصول الرفع على الابتداء، والخبر جملة قوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾.
والمعنى: أي الذين كفروا بالله ورسوله لهم عذاب شديد في النّار من جراء كفرهم، وإجابتهم دعوة الشيطان، واتباعهم خطواته. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: ثبتوا على الإيمان واليقين. ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾؛ أي: الطاعات الخالصة لله تحصيلًا لزيادة نور الإيمان. ﴿لَهُمْ﴾ بسبب إيمانهم، وعملهم الصالح الذي من جملته عداوة الشيطان ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ عظيمة، وهي في المعجل ستر ذنوبهم، ولولا ذلك لافتضحوا، وفي المؤجّل محوها من ديوانهم، ولولا ذلك لهلكوا. ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ لا غاية له، وهو اليوم سهولة العبادة، ودوام المعرفة، وما يناله في قلبه من زوائد اليقين وخصائص الأحوال، وأنواع المواهب، وفي الآخرة: تحقيق المسؤول، ونيل ما فوق المأمول.
والمعنى: أي والذين صدقوا الله ورسوله، وعملوا بما أمرهم به، وانتهوا عمّا نهاهم عنه لهم مغفرة من الله لذنوبهم، وأجر كبير كفاء ما ملؤوا به قلوبهم من عامر
стр. 10582
الإيمان, وأخبتوا لربهم بصالح الأعمال،
٨ - والهمزة في قوله: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ للاستفهام الإنكاري داخلة على محذوف. والفاء عاطفة على ذلك المحذوف و ﴿من﴾ اسم موصول في محل الرفع على الابتداء، والخبر محذوف، والتقدير: أيتساوى الفريقان بعد تباين عاقبتهما، فيكون من زيّن وحسّن له عمله السيء؛ أي: زينه له الشيطان. ﴿فَرَآهُ حَسَنًا﴾؛ أي: فظنه جميلًا وأضلّه الله، كمن استقبحه واجتنبه واختار الإيمان والعمل الصالح، وهداه الله سبحانه؛ أي: لا يكون مثله دلَّ على الخبر المحذوف قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ﴾ الخ، فهو تقرير له، وتحقيق للحق ببيان أن الكل بمشيئة الله تعالى، والفاء فيه لتعليل النفي المستفاد من الاستفهام، أي لا يكون مثله؛ لأنّ الله سبحانه يضل ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ أن يضله لاستحسانه الضلال وصرف اختياره إليه، فيردّه إلى أسفل سافلين. ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أن يهديه لصرف اختياره إلى الهدى، فيرفعه إلى أعلى عليين، والفاء في قوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ﴾ ولا تمت ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على المزين لهم؛ أي: بسببهم، ﴿حَسَرَاتٍ﴾؛ أي: لأجل حسرتك واغتمامك بعدم إيمانهم للإفصاح، وذهاب النفس كناية عن الموت، وحسرات جمع: حسرة، وهي شدّة الحزن على ما فات، والندم عليه، كأنه انحسر عنه الجهل الذي حمله على ما ارتكبه، وجمعه للدلالة على تضاعف اغتمامه ﷺ على أحوالهم، أو على كثرة قبائح أعمالهم الموجبة للتأسف والتحسر، و ﴿عَلَيْهِمْ﴾ صلة ﴿تَذْهَبْ﴾، كما يقال: هلك عليه حبًا، ومات عليه حزنًا، ولا يجوز أن يتعلّق بحسرات؛ لأنّ المصدر لا تتقدّم عليه صلته.
والمعنى (١): إذا عرفت أن الكل بمشيئة الله تعالى، وأردت بيان ما هو الأصلح لك .. فأقول لك: لا تهلك نفسك للحسرات على غيّهم، وإصرارهم، والغموم على تكذيبهم وإنكارهم، فقد بدلت لهم النصح، وخرجت عن عهدة التبليغ، فلا مشقة لك من بعد، وإنما المشقّة عليهم في الدنيا والآخرة؛ لأنهم سقطوا عن عينك، ومن سقط عن عينك، فقد سقط عن عين الله، فلا يوجد أحد يرحمه. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه ﴿عَلِيمٌ﴾؛ أي: بليغ العلم. ﴿بِمَا يَصْنَعُونَ﴾؛ أي: بما يفعلون من القبائح، فيجازيهم عليها جزاءً قبيحًا، فإنهم وإن استحسنوا القبائح
стр. 10583
لقصور نظرهم، فالقبيح لا يكون حسنًا أبدًا.
والجملة تعليل لما قبلها مع ما تضمنه من الوعيد الشديد. واعلم أنّ الكافر يتوهم أن عمله حسن، كما قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾، ثمّ الراغب في الدنيا يجمع حلالها وحرامها, ولا يتفكّر في زوالها, ولا في ارتحاله عنها قبل كمالها، فقد زيّن له سوء عمله.
والمعنى: أي فلا تأسف على عدم إيمانهم وعدم إجابتهم دعوتك، فإنّ الله حكيم في قدره، فهو يضل من يضل من عباده، ويهدي من يشاء، لما في ذلك من الحجة البالغة، والعلم التام باستعداد النفوس؛ إما بإخباتها لربها، وإنابتها إليه، وميلها إلى صالح العمل، وإما بتدسيتها وحبها لاجتراح السيئات، وارتكاب الموبقات، ونحو الآية قوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾، ثمّ هدّد الكافرين على قبيح أعمالهم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾؛ أي: إن الله عليم بما يصنعون من القبائح، فيجازيهم عليه بما يستحقون، وفي هذا وعيد تهد منه الجبال، وتدك منه الأرض دكًا.
وقرأ الجمهور (١): ﴿فمن زين﴾ مبنيًا للمفعول ﴿سُوءُ﴾ بالرفع، وقرأ عبيد بن عمير: ﴿زين له سوء﴾ مبنيًا للفاعل، ونصب ﴿سوء﴾، وعنه أيضًا: ﴿أسوأ﴾ على وزن أفعل منصوبًا، وأسوأ عمله هو الشرك، وقرأ طلحة: ﴿أمن زين له سوء عمله﴾ بغير فاء. قال صاحب "اللوامح": للاستخبار بمعنى العامة للتقرير، ويجوز أن يكون بمعنى: حرف النداء، فحذف التمام كما حذف من المشهور الجواب انتهى، ومعنى بالجواب: خبر المبتدأ، وبالتمام: ما يؤدي لأجله؛ أي: يا من زين له سوء عمله تفكر وارجع إلى الله، فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء. وقرأ الجمهور: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ﴾ مبنيًا للفاعل من ذهب، و ﴿نَفْسُكَ﴾ فاعل. وقرأ أبو جعفر وقتادة وعيسى والأشهب وشيبة وأبو حيوة وحميد والأعمش وابن محيصن: ﴿تُذْهِبْ﴾ من أذهب مسندًا لضمير المخاطب ﴿نَفْسُكَ﴾ بالنصب، ورويت عن نافع.
٩ - ثم أخبر سبحانه عن نوع من أنواع بديع صنعه، وعظيم قدرته؛ ليتفكّروا في
стр. 10584
ذلك وليعتبروا به فقال: ﴿وَاللَّهُ﴾ وحده، مبتدأ خبره قوله: ﴿الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ قرأ الجمهور (١): ﴿الرِّيَاحَ﴾ بالجمع، وقرأ ابن كثير وابن محيصن والأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي: ﴿الرِّيَاحَ﴾ بالإفراد؛ أي: والإله الذي يستحق منكم العبادة هو الذي أوجد الرياح، وأنشأها من العدم، فهبو بها دليل ظاهر على الفاعل المختار، وذلك لأنّ الهواء قد يسكن وقد يتحرك، وعند حركته قد يتحرك إلى اليمين، وقد يتحرك إلى الشمال، وفي حركاته المختلفة قد ينشىء السحاب، وقد لا ينشىء، فهذه الاختلافات دليل على تسخير مدبّر ومؤثر مقدّر.
والمراد بالرياح هنا (٢): الجنوب والشمال والصبا، فإنها رياح الرحمة لا الدّبور، فإنها رياح العذاب، أما الجنوب فريح تخالف الشمال، مهبها من مطلع سهيل إلى مطلع الثريا، وأما الشمال بالفتح ويكسر مهبها بين مطلع الشمس وبنات النعش، أو من مطلع الشمس إلى مسقط النسر الطائر، ولا تكاد تهب ليلًا، وأمّا الصبا: فمهبها من جانب المشرق إذا استوى الليل والنهار، سميت بها لأنها تصبو إليها النفوس؛ أي: تميل، ويقال لها: القبول أيضًا بالفتح؛ لأنها تقابل الدبور، أو لأنها تقابل باب الكعبة، أو لأن النفس تقبلها. ﴿فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾؛ أي: تهيّجه وتحركه من حيث هو، وتنشره وترفعه بين السماء والأرض لإنزال المطر؛ لأنه مزيد ثار الغبار إذا هاج وانتشر ساطعًا، والسحاب جسم يملأه الله ماء كما شاء.
وصيغة المضارع مع مضيّ أرسل وسقنا؛ لحكاية الحال الماضية استحضارًا لتلك الصورة البديعة الدالة على كمال القدرة والحكمة، ولأن المراد بيان أحداثها لتلك الخاصيّة، ولذلك أسند إليها. ﴿فَسُقْنَاهُ﴾؛ أي: السحاب، وكان مقتضى الظاهر أن يقال: فساقه؛ أي: ساق الله سبحانه ذلك السحاب وأجراه ﴿إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾؛ أي: إلى مكان لا نبات فيه؛ لأنه هو الذي يحتاج إلى الماء، وقال: ﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ﴾ التفاتا من الغيبة إلى التكلم دلالة على زيادة اختصاصه به تعالى، وإنَّ الكل منه، والوسائط أسباب.
وقال أبو عبيدة: مقتضاه: فتسوقه؛ لأنه قال أولًا: فتثير سحابًا، قيل: النكتة في التعبير بالماضيين بعد المضارع الدلالة على التحقق. اهـ. وقال: ﴿إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾
стр. 10585
بالتنكير قصدًا به إلى بعض البلاد الميتة، وهي بلاد الذين تبعّدوا عن مظانّ الماء. وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص (١): ﴿مَيِّتٍ﴾ بتشديد الياء، والباقون بتخفيفها. قال المبرّد: ميْت وميّت واحد، وقال هذا قول البصريين وأنشد:
لَيْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَيْتٍ ... إِنَّمَا الْمَيْتُ مَيِّتُ الأَحْيَاءِ
﴿فَأَحْيَيْنَا﴾ الفاءات (٢) الثلاثة للسببية، فإن ما قبل كل واحدة منها سبب لمدخولها غير أن الأولى دخلت على السبب بخلاف الأخيرتين، فإنهما دخلتا على المسبَّب، ﴿بِهِ﴾؛ أي: بالمطر النازل من السحاب المدلول عليه بالسحاب، فإنّ بينهما تلازمًا في الذهن، كما في الخارج، أو بالسحاب فإنه سبب السبب. ﴿الْأَرْضَ﴾ بإنبات ما ينبت فيها. ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾؛ أي: بعد يبسها؛ أي: صيَّرناها خضراء بالنبات بعد خلوّها منه، وأسند (٣) الله تعالى الإرسال إلى الغائب والسوق، والإحياء إلى المتكلم؛ لأن في الأول تعريفًا بالفعل العجيب، وهو الإرسال والإثارة، وفي الثاني تذكيرًا بالنعمة، فإن كمال نعمة الرياح والسحب بالسوق والإحياء.
والكاف في قوله: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ في حيّز الرفع على الخبريَّة؛ أي: مثل ذلك الإحياء الذي تشاهدونه إحياء الموتى، واخراجهم من القبور يوم الحشر في صحة المقدوريّة وسهولة التأتّي من غير تفاوت بينهما أصلًا سوى الإلف في الأوَّل دون الثاني، فالآية احتجاج على الكفرة في إنكارهم البعث حيث دلّهم على مثال يعاينونه غير ما مرّةٍ.
وقال بعضهم (٤): معنى ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾: أي: في كيفية الإحياء، فكما أنَّ إحياء الأرض بالماء كذلك إحياء الموتى بالماء، كما روي أن الله تعالى يرسل من تحت العرش ماء كمنّي الرجال، فينبت به الأجساد كنبات البقل، ثم يأمر إسرافيل فيأخذ الصور فينفخ نفخة ثانية، فتخرج الأرواح من ثقب الصور كأمثال النحل، وقد ملأت ما بين السماء والأرض فيقول الله: ليرجعنّ كل روح إلى جسده، فتدخل
стр. 10586
الأرواح في الأرض إلى الأجساد ثمّ تدخل في الخياشيم فتمشي في الأجساد مشي السمّ في اللديغ، ثمّ تنشق الأرض، فيخرجون حفاة عراة، والله أعلم.
١٠ - ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ﴾ ويودّ ويطلب ﴿الْعِزَّةَ﴾ والشرف والمنعة. ﴿فـ﴾ ليطلبها من عنده تعالى بلزوم طاعته وتقواه، لا من عند غيره فإنه ﴿لِلَّهِ﴾ وحده لا لغيره ﴿الْعِزَّةَ﴾ والمنعة حال كونها ﴿جَمِيعًا﴾؛ أي: في الدنيا والآخرة؛ أي: عزة الدنيا والآخرة، لا يملك غيره شيئًا منها، فاستغنى عن ذكر الجواب بذكر دليله إيذانًا بأن اختصاص العزة به تعالى موجب لتخصيص طلبها به تعالى، ونظيره قولك: من أراد العلم فهو عند العلماء؛ أي: فليطلبه من عندهم؛ لأن الشيء لا يطلب إلا من عند صاحبه ومالكه، فقد أقمت الدليل مقام المدلول.
فإن قلت: قد أثبت العزة في آية أخرى لله ولرسوله وللمؤمنين، وهنا خصّها بالله سبحانه، فبينهما معارضة؟.
قلت: يجمع بينهما أن عز الربوبيّة والإلهيّة لله تعالى وصفًا، وهذا هو المراد هنا، وعزّ الرسول والمؤمنين له تعالى فعلًا ومنّةً وفضلًا، فإذًا العزة لله جميعًا، فعزة الرسول والمؤمنين أثر عزة الربوبية، وقال الزمخشري: لا تنافي بينهما؛ لأنّ العزة في الحقيقة لله بالذات، وللرسول بواسطة قربه من الله، وللمؤمنين بواسطة الرسول، فالمحكوم عليه أوّلًا غير المحكوم عليه ثانيًا، قيل: معنى هذا الكلام: من كان يريد أن يعلم من له العزة فلله العزة جميعًا؛ أي: العزة كلهامختصة بالله، عزة الدنيا، وعزة الآخرة، وقيل: من كان يريد العزة فليتعزّز بطاعة الله فقال: فهو دعاء، إلى طاعة من له العزة؛ أي: فليطلب العزة من عند الله تعالى بطاعته وتقواه، وذلك أن الكافرين كانوا يتعزّزون بالأصنام، كما قال: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١)﴾، وأنّ الذين آمنوا بألسنتهم من غير مواطاة قلوبهم كانوا يتعزّزون بالمشركين، كما قال: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩)﴾ فبيّن أن لا عزة إلا لله ولرسوله ولأوليائه المؤمنين. اهـ. "خازن" بتصرف. وفي "القرطبي": ويحتمل أن يريد سبحانه أن ينبِّه ذوي الأقدار والهمم من أين تنال العزة، ومن أين تستحق، فتكون الألف واللام للاستغراق، وهذا هو المفهوم من هذه الآية.
стр. 10587
وقال الشوكاني: والظاهر في معنى الآية: أي: من كان يريد العزة ويطلبها فليطلبها من الله ، فلله العزة جميعًا ليس لغيره منها شيء، فتشمل الآية كل من طلب العزة، ويكون المقصود بها التنبيه لذوي الأقدار والهمم من أين تنال العزة، ومن أيّ جهة تطلب. اهـ.
﴿إِلَيْهِ﴾ لا إلى غيره فقط من الملائكة الموكّلين بأعمال العباد ﴿يَصْعَدُ﴾ ويعرج ويعلو ﴿الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ الذي يطلب به العزة، ومعنى صعوده إليه: قبوله له، أو صعود الكتبة من الملائكة بما يكتبونه من الصحف، وخص الكلم الطيب بالذكر لبيان الثواب عليه، وهو يتناول كل كلام يتّصف بكونه طيبًا من ذكر الله، وأمر بمعروف، ونهى عن منكر، وتلاوة، وغير ذلك، فلا وجه لتخصيصه بكلمة التوحيد، أو بالتحميد والتمجيد وقيل: معنى ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ﴾: أي: إلى سمائه، ومحل قبوله، وحيث يكتب الأعمال المقبولة، كما قال: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾، وقال الخليل ﵇: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾؛ أي: ذاهب إلى الشام الذي أمرني بالذهاب إليه.
فالظاهر أنّ الكتبة يصعدون بصحيفة إلى حيث أمر الله أن توضع، أو يصعد هو؛ أي: الكلم الطيب بنفسه، فلا حاجة إلى هذه التأويلات، قال بعضهم: بعض الأعمال ينتهي إلى سدرة المنتهى، وبعضها يتعدّى إلى الجنة، وبعضها إلى العرش، وبعضها يتجاوز العرش إلى عالم المثال، وقد يتعدى من عالم المثال إلى اللوح، ثمّ إلى المقام القلمي، ثمّ إلى العماء، وذلك بحسب تفاوت مراتب العمّال في الصدق والإخلاص، وصحة التصوّر والشهود والعيان. انتهى. ولكن لا نقل في ذلك كله، وهو إلى الخرافات أقرب، والأسلم عدم تأويل الآية، كما أشرنا إليه آنفًا. ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾؛ أي: يرفع الكلم الطيب ويحقّقه ويقوّيه، ولا ينال الدرجات العالية إلا به؛ إذ الكلم الطيب لا ينفع مع العصيان، فإنّ الأعمال كالمراقي له، وقول بلا عمل كثريد بلا دسم، وسحاب بلا مطر، وقوس بلا وتر، وهذا المعنى هو الظاهر هنا كما في "الإرشاد"، وقال به الحسن وشهر بن حوشب وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة وغيرهم، ومعناه، أنه لا يقبل الكلم إلا مع العمل الصالح، وقيل: إن فاعل ﴿يَرْفَعُهُ﴾ هو الكلم الطيب، ومفعوله: العمل الصالح، ويؤيده قراءة نصب العمل, ومعناه: أنّ العمل الصالح لا يقبل إلا مع التوحيد والإيمان, وقيل: إن فاعل
стр. 10588
﴿يَرْفَعُهُ﴾ يعود إلى الله .
والمعنى: إن الله يرفع العمل الصالح إليه ويقبله، كما سيأتي عن قتادة، وقال ابن عطية هذا أرجح الأقوال .. وقيل: العمل الصالح يرفع صاحبه ويشرفه، قاله ابن عباس، وقال قتادة: المعنى: إن الله يرفع العمل الصالح لصاحبه؛ أي: يقبله، فيكون قوله: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ﴾ على هذا مبتدأ خبره جملة ﴿يَرْفَعُهُ﴾، وكذا على قول من قال يرفع صاحبه.
وقال أبو حيان: ويجوز (١) أن يكون العمل معطوفًا على الكلم الطيب؛ أي: يصعدان إلى الله، و ﴿يَرْفَعُهُ﴾ استئناف إخبار؛ أي: يرفعهما الله تعالى ويقبلهما، ووحّد الضمير لاشتراكهما في الصعود، والضمير قد يجري مجرى اسم الإشارة، فيكون لفظه مفردًا.
وصلاح العمل بالإخلاص فيه (٢)، وما كان كذلك قبله الله وأثاب عليه، وما لا إخلاص فيه فلا ثواب عليه، بل عليه العقاب، فالصلاة والزكاة وأعمال البر إذا فعلت مراءة للناس لا يتقبلها الله تعالى، كما قال سبحانه: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦)﴾ وروي عن ابن عباس أنه قال: الكلم الطيب: ذكر الله، والعمل الصالح: أداء فرائضه. وعن الحسن وقتادة: لا يقبل الله قولًا إلا بعمل، من قال وأحسن .. قبل الله منه.
والخلاصة: أنّ القول إذا لم يصحبه عمل لا يقبل، وأنشدوا:
لَا تَرْضَ مِنْ رَجُلٍ حَلاَوَةَ قَوْلِهِ ... حَتَّى يُزَيِّنَ مَا يَقُوْلُ فِعَالُ
وَإذَا وَزَنْتَ فِعَالَهُ بِمَقَالِهِ ... فَتَوَازَنَا فَإِخَالُ ذَاكَ جَمَالُ
وقال ابن المقفع: قول بلا عمل كثريد بلا دسم، وسحاب بلا مطر، وقوس بلا وتر، كما سبق. وقرأ الجمهور (٣): ﴿يَصْعَدُ﴾ من صعد الثلاثي، و ﴿الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ بالرفع على الفاعلية، وقرأ على وابن مسعود والسلميّ وإبراهيم: ﴿يَصْعَدُ﴾ من أصعد الرباعي ﴿الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ بالنصب على المفعولية، وقرأ الضحاك على البناء
стр. 10589
للمفعول، وقرأ الجمهور: ﴿الْكَلِمُ﴾، وقرأ أبو عبد الرحمن: ﴿الكلام﴾، وقرأ الجمهور: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ﴾ بالرفع على العطف، أو على الابتداء، وقرأ ابن أبي عبلة وعيسى بن عمر بالنصب على الاشتغال.
وبعد أن ذكر أن العمل الصالح يصعد إلى الله .. ذكر أن المرائين لا يتقبّل منهم عمل، ولهم عذاب شديد عند ربهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ وانتصاب (١) ﴿السَّيِّئَاتِ﴾ على أنها صفة لمصدر محذوف، فإنّ يمكر لازم لا ينصب المفعول به؛ أي: يمكرون المنكرات السيئات، أو مفعول به على التضمين؛ أي: يعملون السيئات، وهي مكرات قريش بالنبيّ ﷺ في دار الندوة، وتدارؤهم الرّأي في إحدى الثلاث التي هي الإثبات، والقتل، والإخراج، كما حكى الله سبحانه عنهم في سورة الأنفال بقوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾. ﴿لَهُمْ﴾ بسبب مكراتهم ﴿عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾؛ أي: بالغ نهاية الشدّة في الدنيا والآخرة لا يدرك غايته، ولا يبالي بما يمكرون به ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ﴾ المفسدين الذين أرادوا أن يمكروا بالنّبي ﷺ .
وضع اسم الإشارة موضع ضميرهم (٢) للإيذان بكمال تميّزهم بما هم فيه من الشرّ والفساد عن سائر المفسدين، واشتهارهم بذلك ﴿هُوَ﴾ مبتدأ ثانٍ لا ضمير منفصل لعدم شرطه، خاصةً دون مكر الله بهم، وفي "الإرشاد": لا من مكروا به. ﴿يَبُورُ﴾؛ أي: يهلك ويفسد ويبطل، فإنّ البوار فرط الكساد كما سيأتي. ولما كان فرط الكساد يؤدي إلى الفساد، كما قيل: كسد حتى فسد، عبر بالبوار عن الهلاك والفساد.
ولقد أبارهم الله تعالى إبارة بعد إبارة مكراتهم؛ حيث أخرجهم من مكة، وقتلهم، وأثبتهم في قليب بدر، فجمع عليهم مكراتهم الثلاث التي اكتفوا في حقه ﷺ بواحدة منهنَّ ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ فللمكر السيء قوم أشقياء غاية أمرهم الهلاك، وللكلم الطيّب والعمل الصالح قوم سعداء، نهاية شأنهم النجاة. قال مجاهد وشهر بن حوشب: المراد بالآية: أصحاب الرياء.
ومعنى الآية (٣): أي والذين يمكرون المكر السيء بالمسلمين بأن يعملوا كل
стр. 10590
ما يكون سببًا في ضعف الإِسلام، والحط من قدره، حتى يمحى أثره من الوجود، كما فعلت قريش في دار الندوة؛ إذ تدارست الرّأي في شأن النبي ﷺ بحبسه، أو قتله، أو إجلائه من مكة، لهم العذاب الشديد يوم القيامة، ومكر هؤلاء المفسدين يظهر زيفه عن قريب لأولي البصائر، فإنه ما أسرّ أحد سريرة إلّا أبداها الله تعالى على صفحات وجهه، وفلتات لسانه، وما أسرّ أحد سريرة إلا كساه الله تعالى رداءها إن خيرًا فخير، وان شرًّا فشر، فالمرائي لا يروج أمره، ولا يتّفق إلا على غبيّ. أمّا المؤمنون المتفرسون .. فلا يروج ذلك عليهم، بل ينكشف عن قريب، ويجازون عليه أشد الخزي والهوان.
وفي "التأويلات النجمية": يشير سبحانه بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ إلى الذين يظهرون الحسنات بالمكر، ويخفون السيئات من العقائد الفاسدة ليحسبهم الخلق من الصالحين الصادقين. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾، وشدة عذابهم في تضعيف عذابهم، فإنهم يعذّبون بالسيئات التي يخفونها، ويضاعف لهم العذاب بمكرهم في إظهار الحسنات دون حقيقتها، كما قال تعالى: ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾؛ أي: مكرهم يبوّرهم ويهلكهم. انتهى.
١١ - ثمّ ذكر سبحانه دليلًا آخر على صحة البعث والنشور بما يُرى في الأنفس، فقال: ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿خَلَقَكُمْ﴾ يا بني آدم إبتداء خلقًا إجماليًا في ضمن خلق أبيكم آدم ﵇ ﴿مِنْ تُرَابٍ﴾، وقال قتادة: يعني آدم، والتقدير على هذا: والله خلق أباكم الأول، وأصلكم الذي ترجعون إليه من تراب، فالكلام حينئذ على حذف مضاف. وقال بعضهم: من تراب تقبرون وتدفنون فيه؛ أي: خلقكم من تراب لتكونوا متواضعين كالتراب. وفي الحديث: "إن الله جعل الأرض ذلولا تمشون في مناكبها، وخلق بني آدم من التراب ليذلهم بذلك، فأبوا إلّا نخوةً واستكبارًا، ولن يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبّة من خردل من كبر".
﴿ثُمَّ﴾ خلقكم خلقًا تفصيليًا. ﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾ لتكونوا قابلين لكل كمال، كالماء الذي هو سر الحياة ومبدأ العناصر الأربعة، والنطفة هو الماء الصافي الخارج من بين الصلب والتّرائب، كما سيأتي. وقال بعضهم: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ يعني: آدم، وهو أصل البشر ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ أخرجها من ظهر آبائكم بالتناسل والتوالد.
وفي "التأويلات": يشير سبحانه بقوله: ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ إلى أنه خلقكم من
стр. 10591
أسفل المخلوقات، وهي النطفة؛ لأن التراب نزل دركة المركبية، ثم دركة النباتية , ثم دركة الحيوانية، ثم دركة الإنسانية، ثم دركة النطفة، فهي أسفل سافلي المخلوقات، وهي آخر خلق خلقه الله تعالى من أصناف المخلوقات، كما أن أعلى الشجرة آخر شيء يخلقه الله، وهو البذر الذي يصلح أن توجد منه الشجرة، فالبذر آخر صنف خلق من أصناف أجزاء الشجرة.
﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ﴾ سبحانه ﴿أَزْوَاجًا﴾؛ أي: أصنافًا، أحمر وأبيض وأسود، أو ذكرانًا وإناثًا، وعن قتادة: جعل بعضكم زوجًا لبعض، فالذكر زوج الأنثى، وفي "التأويلات" يشير إلى ازدواج الروح والقالب فالروح من أعلى مراتب القرب، والقالب من أسفل دركات البعد، فبكمال القدرة والحكمة جمع بين أقرب الأقربين، وأبعد الأبعدين، ورتب للقالب في ظاهره الحواس الخمس، وفي باطنه القوى البشرية، ورتب للروح المدركات الروحانية، ليكون بالروح والقالب مدركًا لعوالم الغيب والشهادة كلها، وعالمًا بما فيها خلافة عن حضرة الربوبية عالم الغيب والشهادة. انتهى. ﴿وَمَا﴾ نافية ﴿تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى﴾ من حوامل حملًا، و ﴿مِنْ﴾ مزيدة في الفاعل لاستغراق النفي وتأكيده، والأنثى خلاف الذكر ﴿وَلَا تَضَعُ﴾؛ أي: لا تلد أنثى من حوامل ولدًا في حال من الأحوال ﴿إِلَّا﴾ حال كونها متلبسة ﴿بِعِلْمِهِ﴾ تعالى، تابعةً لمشيئته، قال في "بحر العلوم": بعلمه في موضع الحال، والمعنى: ما يحدث شيء من حمل حامل، ولا وضع واضع إلا وهو عالم به، يعلم مكان الحمل ووضعه وأيامه وساعاته وأحواله من الخداج والتمام والذكورة والأنوثة وغير ذلك، فلا يخرج شيء عن علمه وتدبيره.
﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ ﴿ما﴾: نافية، والتعمير إطالة العمر، والمعمر من أطيل عمره، ويقال للمعمر؛ ابن الليالي، وقوله: ﴿مِنْ مُعَمَّرٍ﴾؛ أي: من أحد، و ﴿مِنْ﴾ زائدة لتأكيد النفي، كما في من أنثى.
وسمي معمرًا باعتبار مصيره (١)، يعني: هو من باب تسمية الشيء بما يؤول إليه، والمعنى: وما يمد في عمر أحد وما يطول، ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ والضمير راجع إلى المعمر، والنقصان من عمر المعمر محال، فهو من التسامح في العبارة
стр. 10592
ثقة بفهم السامع، فيراد من ضمير المعمر ما من شأنه أن يعمر على الاستخدام. والمعنى: وما يمد في عمر أحد، ولا ينقص من عمر أحد، لكن لا معنى لا ينقص من عمره بعد كونه زائدًا، بل على معنى لا يجعل من الابتداء ناقصًا. ﴿إِلَّا﴾ وهو مثبت ﴿فِي كِتَابٍ﴾ عظيم ولوح محفوظ، أو في علم الله، أو في صحيفة كل إنسان.
واعلم: أن الزيادة والنقصان في الآية بالنسبة إلى عمرين كما عرفت، وإلا فمذهب أكثر المتكلمين وعليه الجمهور أن العمر يعني: عمر شخص لا يزيد ولا ينقص، وقيل: الزيادة والنقص في عمر واحد باعتبار أسباب مختلفة أثبت في اللوح، مثل أن يكتب فيه: إن حج فلان فعمره ستون، وإلا فأربعون، فإذا حج فقد بلغ الستين، وقد عمر، وإذا لم يحج فلا يجاوز الأربعين، فقد نقص من عمره الذي هو الغاية وهو الستون، وكذا إن تصدق، أو وصل الرحم فعمره ثمانون، وإلا فخمسون، وإليه أشار النبي ﷺ بقوله: "الصدقة والصلة تعمران الديار، وتزيدان في الأعمار".
وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ (١): وما يعمر من معمر إلا كتب عمره كم هو سنة، وكم هو شهرًا، وكم هو يومًا، وكم هو ساعة، ثم يكتب في كتاب آخر نقص من عمره يوم، نقص من عمره شهر، نقص سنة، حتى يستوفي أجله. وقال ابن جبير أيضًا: فما مضى من أجله فهو النقصان، وما يستقبله فهو الذي يعمره، فالهاء على هذا للمعمر، وعن سعيد أيضًا: يكتب عمره كذا وكذا سنة، ثم يكتب أسفل ذلك: ذهب يوم، ذهب يومان، حتى يأتي إلى آخره.
وعن قتادة: المعمر: من بلغ ستين سنة، والمنقوص من عمره: من يموت قبل الستين سنة. وقيل: إن الله كتب عمر الإنسان مئة سنة إن أطاع، وتسعين إن عصى، فأيُّهما بلغ فهو كتاب، وهذا مثل قول النبي ﷺ : "من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره - أي: يؤخر في عمره - فليصل رحمه".
والضمير على هذا يرجع إلى المعمَّر. وقيل: المعنى: وما يعمر من معمر؛ أي: هرم، ولا ينقص آخر من عمر الهرم إلا في كتاب، أي: بقضاء من الله
стр. 10593
عز وجل، وروي معناه عن الضحاك، فالضمير في عمره يرجع إلى معمر آخر غير الأول على حد: عنده درهم ونصفه؛ أي: نصف درهم آخر.
وقرأ الجمهور (١): ﴿وَلَا يُنْقَصُ﴾ بضم الياء وفتح القاف مبنيًا للمفعول. وقرأ يعقوب وسلّام وعبد الوارث وهارون كلاهما عن أبي عمرو: ﴿ولا يَنقُص﴾ بفتح الياء وضم القاف مبنيًا للفاعل. وقرأ الحسن (٢) والأعرج والزهري: ﴿من عمْره﴾ بسكون الميم، وقرأ الباقون: بضمها، وهما لغتان، كالسحت والسحت، والنكر والنكر، والعمر: اسم لمدة عمارة البدن بالحياة.
﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ المذكور من الخلق وما بعده، أو إن كتابة الأعمال والآجال ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ ﴿يَسِيرٌ﴾ غير متعذر عليه، بل هو يسير لا يتعذر عليه منها شيء ولا يعسر لاستغنائه عن الأسباب، فكذلك البعث. اهـ. "قرطبي". وفي "بحر العلوم": إن ذلك إشارة إلى أن الزيادة والنقص على الله يسير، لا يمنعه منه مانع، ولا يحتاج فيه إلى أحد، ولا يعزب عنه كثير ولا قليل، ولا كبير ولا صغير.
ومعنى الآية: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ...﴾ الخ؛ أي (٣): واللهُ خلق الناس من النطفة، والنطفة من الغذاء، والغذاء ينتهي آخرًا إلى الماء والتراب، فهم من تراب صار نطفة، ثم جعلهم أصنافًا ذكرانًا وإناثًا بقدر معلوم؛ بحيث يكاد الفريقان يستويان عددًا، ولو لم يكن كذلك لفني الإنسان والحيوان؛ إذ حفظ النوع لا يتم إلا بتلك المساواة على وجه التقريب، ولا تكون المساواة إلا بتدبير وعلم، وإلى ذلك أشار بقوله: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾؛ أي: ولا تحمل الأنثى ولا تضع إلا وهو عليم بذلك لا يخفى عليه، ولو لم يكن كذلك لم يتم التوازن في العدد بين الزوجين، فيفنى الإنسان والحيوان، ونحو الآية قوله: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)﴾.
﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ ...﴾ إلخ؛ أي: لا أحد يقضى له بطول العمر
стр. 10594
إلا وهو بالغ ما قدر له، لا يزيد ذلك ولا ينقص منه، ولا أحد مقدر له قصر العمر بزائد على ما قدر له في الكتاب الذي كتب له، وذلك لحفظ الموازين في الأرض حتى ينتظم العمران، ولو لم يكن على هذا النحو لاختلط الحابل بالنابل، وساء حال الكون؛ إذ يكثر الناس، وتزدحم الأرض، ويشتد الكرب، ومن ثَمّ تفاوتت الأعمار في جميع الأمصار، وكانت بمقدار، واعتدل النظام بالمرض والموت والوباء والحرب.
﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ النظام البديع للعالم هين على الله؛ لعلمه الشامل وعدم خفاء شيء عليه.
١٢ - ثم ذكر سبحانه نوعًا آخر من بديع صنعه وعجيب قدرته فقال: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ﴾ العذب والملح، وهذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر. إنما سُمي (١) العذب بحرًا؛ لكونه مع الملح، كما يقال للشمس والقمر: قمران بالتغليب. قال في "إخوان الصفا": فإن قيل: ما البحار؟ يقال: هي مستنقعات على وجه الأرض، حاصرة للمياه المجتمعة فيها. ﴿هَذَا﴾ البحر ﴿عَذْبٌ﴾؛ أي: طيب حال. ﴿فُرَاتٌ﴾؛ أي: بليغ عذوبته وحلاوته بحيث يكسر العطش. ﴿سَائِغٌ شَرَابُهُ﴾؛ أي: سهل، انحدار مائه في الحلق لعذوبته، فإن العذب لكونه ملائمًا للطبع تجذبه القوة الجاذبة بسهولة.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿سَائِغٌ﴾ اسم فاعل من ساغ، وقرأ عيسى بن عمر: ﴿سيغ﴾ على وزن فيعل؛ كميت، وجاء كذلك عن أبي عمرو وعاصم، وقرأ عيسى أيضًا: ﴿سيغ﴾ مخففًا من المشدد كميت مخفف ميت. ﴿وَهَذَا﴾ البحر الآخر ﴿مِلْحٌ﴾؛ أي: ذو ملوحة، وهي طعم الملح؛ أي: طعمه كطعم الملح، وقرأ الجمهور: ﴿مِلْحٌ﴾، وقرأ أبو نهيك وطلحة بفتح الميم وكسر اللام، وقال أبو الفضل الرازي: وهي لغة شاذة، ويجوز أن يكون مقصورًا من: مالح، فحذف الألف تخفيفًا، وقد يقال: ماء ملح في الشذوذ، وفي المستعمل: مملوح.
﴿أُجَاجٌ﴾؛ أي: شديد ملوحته، بحيث يحرق الحلق بملوحته، وهو نقيض
стр. 10595
الفرات. قال في "خريدة العجائب": الحكمة في كون ماء البحر ملحًا أجاجًا لا يذاق ولا يساغ, لئلا ينتن من تقادم الدهور والأزمان، وعلى ممر الأحقاب والأحيان، فيهلك من نتنه العالم الأرضي، ولو كان عذبًا لكان كذلك، ألا ترى العين التي ينظر الإنسان بها إلى الأرض والسماء والعالم والألواح، وهي شحمة مغمورة في الدمع، وهو ماء مالح، والشحم لا يصان إلا بالملح، فكان الدمع مالحًا لذلك المعنى انتهى. وأما الأنهار العظيمة العذبة فلجريانها دائمًا لم يتغير طعمها ورائحتها، فإن التغير إنما يحصل من الوقوف في مكان؛ أي: وما يعتدل البحران فيستويان، أحدهما عذب سائغ شرابه يجري في الأنهار السارحة بين الناس من كبار وصغار بحسب الحاجة إليها في الأقاليم والأمصار، وثانيهما ملح ساكن تسير فيه السفن الكبار. ﴿وَمِنْ كُلٍّ﴾؛ أي: ومن كل واحد من البحرين المختلفين طعمًا ﴿تَأْكُلُونَ﴾ أيها الناس ﴿لَحْمًا﴾ ﴿طَرِيًّا﴾؛ أي: غضًا جديدًا من الطراوة، وهي الرطوبة، وهو ما يصاد منهما من حيواناتهما التي تؤكل، وصف السمك بالطراوة لتسارع الفساد إليه، فيسارع إلى أكله طريًا؛ أي: ومن كل البحار تأكلون السمك الغض الطبريي فضلًا من الله سبحانه ومنة.
﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ﴾؛ أي (١): من المالح خاصة، ولم يقل منه؛ لأنه معلوم. ﴿حِلْيَةً﴾؛ أي: زينة؛ أي: لؤلؤًا ومرجانًا، وفي "الأسئلة المقحمة": أراد بالحلية اللآلىء، واللآلىء إنما تخرج من ملح أجاج، لا من عذب فرات، فكيف أضافها إلى البحرين؟.
والجواب: قد قيل إن اللآلىء تخرج من عذب فرات، وفي الملح عيون من ماء عذب ينعقد فيه اللؤلؤ والمرجان. انتهى.
قال في "الخريدة": اللؤلؤ يتكوَّن في بحر الهند وفارس، والمرجان ينبت في البحر كالشجر، وإذا كلس المرجان عقد الزئبق، فمنه أبيض، ومنه أحمر، ومنه أسود، وهو يقوي العين كحلًا، وينشف رطوبتها. ﴿تَلْبَسُونَهَا﴾؛ أي: تلبس تلك الحلية نساؤكم، ولما كان تزينهن بها لأجل الرجال فكأنها زينتهم ولباسهم، ولذا أسند إليهم، وقيل: معنى تلبسونها (٢): تلبسون كل شيء منها بحسبه، كالخاتم في
стр. 10596
الإصبع، والسوار في الذراع، والقلادة في العنق، والخلخال في الرجل، ومما يلبس حلية السلاح الذي يحمل كالسيف والدرع ونحوهما. ﴿وَتَرَى﴾ يا من يتأتى منه الرؤية ﴿الْفُلْكَ﴾؛ أي: أي: السفن ﴿فِيهِ﴾ في كل منهما، وإفراد (١) ضمير الخطاب مع جمعه فيما سبق، وما لحق؛ لأن الخطاب لكل أحدٍ يتأتى منه الرؤية دون المنتفعين بالبحرين فقط. ﴿مَوَاخِرَ﴾؛ أي: شواق للماء بجريها مقبلة ومدبرة بريح واحدة. ﴿لِتَبْتَغُوا﴾ واللام متعلق بمواخر، أو متعلق بمحذوف؛ أي: لتطلبوا بركوبها. ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ أي: من فضل الله سبحانه ورزقه بالنقلة فيها، قال مجاهد: ابتغاء الفضل: هو التجارة في البحر إلى البلدان البعيدة في مدة قريبة. قال في "بحر العلوم": ابتغاء الفضل: التجارة، وهي أعظم أسباب سعة الرزق وزيادته، كما قال النبي ﷺ : "تسعة أعشار رزق أمتي في البيع والشراء".
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾؛ أي: ولتشكروا الله سبحانه على ما أنعم عليكم به من ذلك الفضل، وحرف الترجي للإيذان بكونه مرضيًا عنده تعالى. وفي "بحر العلوم": وكي تعرفوا نعم الله فتقوموا بحقها, ولا سيما أنه جعل المهالك سببًا لوجود المنافع وحصول المعايش.
واعلم: أنه تعالى ذكر هذه الآية دلالة على قدرته، وبيانًا لنعمته، وقال بعضم: ضرب البحر العذب والملح مثلًا للمؤمن والكافر، فكما لا يستوي البحران في الطعم، فكذا المؤمن والكافر لا يستويان، ولا الكفر والإيمان, فقوله: ﴿وَمِنْ كُلٍّ﴾ الخ إما استطراد في صفة البحرين، وما فيهما من النعم والمنافع، أو تفصيل للأجاج على الكافر من حيث إنه يشارك العذب في منافع كثيرة، كالسمك وجري الفلك ونحوهما، والكافر خلا من المنافع بالكلية على طريقة قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾.
ومعنى الآية: أي وتستخرجون (٢) الدر والمرجان من الملح الأجاج، ومن العذب الفرات، وتجري السفن في كل منهما تشقه شقًا بحيازيها حين جريها مقبلة مدبرة حاملة أقواتكم كيف شئتم، وتذهبون فيها إن أردتم.
стр. 10597
١٣ - ولما كان بين الفلك في البحر، والشمس والقمر في مدارهما مناسبة، فإن كلًّا منهما سارح في تلك العوالم الشاسعة .. أردفه بذكر الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر، فقال: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ﴾ ويدخله ﴿فِي النَّهَارِ﴾؛ أي: يدخل الله سبحانه الليل في النهار بإضافة بعض أجزاء الليل إلى النهار، فينقص الأول ويزيد الثاني، كما في فصل الربيع والصيف. ﴿وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ بإضافة بعض أجزاء النهار إلى الليل، كما في فصل الخريف والشتاء.
والمعنى (١): يدخل بعض ساعات أحدهما في الآخر حتى يصير الزائد منهما خمس عشرة ساعة، والناقص تسعًا. و ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾؛ أي: ذلل ضوء الشمس والقمر لبني آدم. وفي "بحر العلوم": معنى تسخير الشمس والقمر: تصييرهما نافعين للناس، حيث يعلمون بمسيرهما عدد السنين والحساب. انتهى. ومنه (٢) يعلم حكمة الإيلاج، فإنه بحركة النَّيِّرين تختلف الأوقات، وتظهر الفصول الأربعة التي تتعلق بها المصالح، والأمور المهمة، ثم قوله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ﴾ عطف على ﴿يُولِجُ﴾، واختلافهما صيغةً لما أن إيلاج أحد الملوين في الآخر متجدِّد حينًا فحينًا، وأما تسخير النَّيِّرين .. فلا تعدد فيه، وإنما المتعدِّد والمتجدِّد آثاره، وقد أشير إليه بقوله تعالى: ﴿كُلٌّ﴾؛ أي: كل واحد من الشمس والقمر ﴿يَجْرِي﴾؛ أي: بحسب حركته الخاصة وحركته القسرية على المدارات اليومية المتعددة حسب تعدد أيام السنة جريًا مستمرًا. ﴿لِأَجَلٍ﴾؛ أي: إلى وقت ﴿مُسَمًّى﴾؛ أي: معين قدره الله تعالى لجريانهما، وهو يوم القيامة، فحينئذ ينقطع جريهما.
وقال بعضهم: كل يجري إلى أقصى منازلهما في الغروب؛ لأنهما يغربان كل ليلة في موضع، ثم يرجعان إلى أدنى منازلهما، فجريانهما عبارة عن حركتيهما الخاصتين بهما في فلكيهما، والأجل المسمى: عبارة عن منتهى دوريتهما، ومدة الجريان للشمس سنة، وللقمر شهر، فإذا كان آخر السنة ينتهي جري الشمس، وإذا كان آخر الشهر ينتهي جري القمر، قال في "البحر": والمعنى في التحقيق يجري لإدراك أجلٍ على أن الجري مختص بإدراك أجل.
ولما ذكر (٣) أشياء كثيرة تدل على قدرته الباهرة من إرسال الرياح، والإيجاد
стр. 10598
من تراب، وما عطف عليه، وإيلاج الليل في النهار، وتسخير الشمس والقمر .. أشار إلى أن المتصف بهذه الأفعال الغريبة هو الله، فقال: ﴿ذَلِكُمُ﴾ مبتدأ إشارة إلى فاعل الأفاعيل المذكورة إشارة تجوّز، فإن الأصل في الإشارة أن تكون إلى محسوس ويستحيل إحساسه تعالى بالحواس، وأشار (١) إليه إشارة بعيد مع أنه أقرب من كل قريب للإيذان بغاية العظمة؛ أي: ذلك العظيم الشأن الذي أبدع هذه الصنائع البديعة ﴿اللَّهُ﴾ خبر؛ أي: المعبود بحق في الوجود ﴿رَبُّكُمْ﴾؛ أي: مالككم أيها المخلوقات خبر ثانٍ، ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾ خبر ثالث؛ أي: هو الجامع لهذه الأوصاف من الإلهية والربوبية والمالكية لما في السموات والأرض، فاعرفوه ووحدوه وأطيعوا أمره، ويجوز أن يكون قوله: ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾ جملةً مستقلة في مقابلة قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ﴾؛ أي: تعبدون ﴿مِنْ دُونِهِ﴾؛ أي: حال كونكم متجاوزين الله وعبادته ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾؛ أي: ما يقدرون أن ينفعوكم مقدار القطمير فضلًا عن هذه المنافع العظيمة العجيبة المذكورة سابقًا.
وقرأ الجمهور: ﴿تَدْعُوهُمْ﴾ بتاء الخطاب، وعيسى وسلام ويعقوب بياء الغيبة، ذكره في "البحر المحيط". والقطمير: هو القشرة البيضاء الرقيقة الملتفة على النواة كاللفافة لها. وقيل: هو القمع الذي في رأس التمرة، وقيل: قشر الثوم وأيًا كان هو مثل في القلة والحقارة، كالنقير الذي هو النقرة، والنكتة في ظهر النواة، ومنه ينبت النخل والفتيل الذي في شق النواة على هيئة الخيط المفتول،
١٤ - ثم بيّن سبحانه حال هؤلاء الذين يدعونهم من دون الله تعالى بأنهم لا ينفعون ولا يضرون. فقال: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ﴾؛ أي: الأصنام للإعانة وكشف الضر، ﴿لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ لأنهم جماد، والجماد ليس من شأنه السماع ﴿وَلَوْ سَمِعُوا﴾ على سبيل الفرض والتقدير. ﴿مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾؛ أي: ما أجابوا لكم؛ لأنهم لا لسان لهم، ما أجابوكم لمطلبكم لعجزهم عن النفع بالكلية، فإن من لا يملك نفع نفسه كيف يملك نفع غيره، وقيل (٢): لو جعلنا لهم سماعًا وحياةً فسمعوا دعاءكم .. لكانوا أطوع لله منكم، ولم يستجيبوا لكم إلى ما دعوتموه إليه من الكفر.
والخلاصة: كيف تعبدون من لا ينفع ولا يضر، وتدعون من بيده النفع
стр. 10599
والضر، وهو الذي ذرأكم في الأرض، وإليه تحشرون؟
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾؛ أي: يجحدون بإشراككم لهم، وبعبادتكم إياهم، ويتبرؤون منها بقولهم: ما كنتم إيانا تعبدون. وإنما (١) جيء بضمير العقلاء؛ لأن عبدتهم كانوا يصفونهم بالتمييز جهلًا وغباوةً، ولأنه أسند إليهم ما يسند إلى أولي العلم من الاستجابة والسمع، ويجوز أن يراد كل معبود من دون الله من الملائكة والجن والإنس والأصنام، فغلَّب غير الأصنام عليها، كما في "بحر العلوم"، ويجوز (٢) أن يرجع قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ وما بعده إلى من يعقل فقط ممن عبدهم الكفار، وهم الملائكة والجن والشياطين، والمعنى: أنهم يجحدون أن يكون ما فعلتموه حقًا، وينكرون أنهم أمروكم بعبادتهم، ويحتمل (٣) أن يكون قوله: ﴿يَكْفُرُونَ﴾ بما يظهر هنالك من جمودها وبطئها عند حركة كل ناطق، ومدافعة كل محتجٍّ فيجيء هذا على طريق التجوز، كقول ذي الرمة:
وَقَفْتُ عَلَى رَبْعٍ لِمَيَّةَ نَاطِقٍ ... تُخَاطِبُنِيْ آثَارُهُ وَأُخَاطِبُهْ
وَأَسْقِيْهِ حَتَّى كَادَ مِمَّا أَبُثُّهُ ... تُكَلِّمُنِيْ أَحْجَارُهُ وَمَلاَعِبُهْ
والمعنى: أي وهم يوم القيامة يتبرؤون منكم، ويقولون: ما كنتم إيانا تعبدون، بل كنتم تعبدون أهواءكم وشهواتكم وما زيَّنته لكم شياطينكم، ونحو الآية قوله: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾.
ثم أكد صدق ما حكاه عنهم من أحوالهم بقوله: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾؛ أي: لا يخبرك بالأمر مخبر مثل خبير أخبرك به، وهو الحق سبحانه فإنه الخبير بكنه الأمور دون سائر المخبرين، والمراد: تحقيق ما أخبر به من حال آلهتهم، ونفي ما يدّعون لهم من الإلهية.
والخلاصة: ولا يخبرك يا محمد عن أمر هذه الآلهة، وعن عبدتها يوم القيامة إلا ذو خبرة بأمرها وأمرهم، وهو الله الذي لا يخفى عليه شيء كان، أو سيكون في
стр. 10600
مستأنف الأزمان. وقال في "التجريد": يحتمل وجهين:
الأول: أن يكون ذلك خطابًا للرسول لما أخبر بأن الخشب والحجر يوم القيامة ينطق ويكذّب عابده، وهو أمر لا يعلم بالعقل المجرد لولا إخبار الله عنه، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾؛ أي: يكفرون بهم يوم القيامة، وهذا القول مع كون المخبر عنه أمرًا عجيبًا هو كما قال؛ لأن المخبر عنه خبير.
والثاني: أن يكون خطابًا ليس مختصًا بأحد؛ أي: هذا الذي ذكر هو كما ذكر لا ينبئك أيها السامع كائنًا من كنت مثل خيبر.
قال الزروقي: الخبير: هو العلم بدقائق الأمور لا يتوصَّل إليها غيره إلا بالاختيار والاحتيال، وقال الغزالي: هو الذي لا يعزب عنه الأخبار الباطنة، ولا يجري في الملك والملكوت شيء، ولا تتحرك ذرةً ولا تسكن ولا تضطرب نفس ولا تطمئن إلا ويكون عنده خبرها.
وحظ العبد من ذلك أن يكون خبيرًا لما يجري في بدنه وقلبه من الغش والخيانة والتطوف حول العاجلة، وإضمار الشر وإظهار الخير، والتجمل بإظهار الإخلاص والإفلاس عنه، ولا يكون خبيرًا بمثل هذه الخفايا إلا بإظهار التوحيد وإخفائه وتحقيقه، والوصول إلى الله بالإعراض عن الشرك، وما يكون متعلق العلاقة والميل، وذلك أن التعلق بما سوى الله تعالى لا يفيد شيئًا من الجلب والسلب، فإنه كله مخلوق، والمخلوق عاجز، وليست القدرة إلا لله تعالى، فوجب توحيده والعبادة له والتعلق به.
الإعراب
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة، ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ﴾: صفة للجلالة، ومضاف إليه، وهو من إضافة الوصف إلى مفعوله إضافة محضة؛ لأنه بمعنى الماضي، ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على السموات، ﴿جَاعِلِ﴾: صفة ثانية للجلالة وهو مضاف ﴿الْمَلَائِكَةِ﴾: مضاف إليه إضافة محضة أيضًا من إضافة الوصف إلى
стр. 10601
مفعوله الأول، ﴿رُسُلًا﴾: مفعول ثانٍ له على مذهب الكسائي من جواز إعمال الوصف مطلقًا، وإذا كان جاعل بمعنى خالق .. كان ﴿رُسُلًا﴾ حالًا مقدرة، ﴿أُولِي﴾: صفة رسلًا منصوب بالياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، ﴿أَجْنِحَةٍ﴾: مضاف إليه ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾: صفات لـ ﴿أَجْنِحَةٍ﴾، الأول مجرور بفتحة مقدرة للتعذر نيابة عن الكسرة؛ لأنه اسم لا ينصرف، والمانع له من الصرف الوصف والعدل التحقيقي؛ لأنه معدول عن العدد المكرر، ومثله: ثلاث ورباع، إلا أنهما مخفوضان بالفتحة الظاهرة. ﴿يَزِيدُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله، ﴿فِي الْخَلْقِ﴾: متعلق بـ ﴿يَزِيدُ﴾، ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول به لـ ﴿يَزِيدُ﴾، وجملة ﴿يَزِيدُ﴾ مستأنفة مقررة لما قبلها ﴿يَشَاءُ﴾ فعل مضارع مرفوع والفاعل يعود على الله، والجملة صلة الموصول. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾: متعلق بـ ﴿قَدِيرٌ﴾، و ﴿قَدِيرٌ﴾: خبره، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾.
﴿مَا﴾: اسم شرط جازم في محل النصب مفعول به مقدم لـ ﴿يَفْتَحِ﴾، ﴿يَفْتَحِ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، مجزوم بـ ﴿مَا﴾ على كونه فعل شرط لها ﴿لِلنَّاسِ﴾: متعلق بـ ﴿يَفْتَحِ﴾، ﴿مِنْ رَحْمَةٍ﴾: حال من ﴿مَا﴾ الشرطية، ﴿فَلَا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب، ﴿لا﴾: نافية للجنس، ﴿مُمْسِكَ﴾: اسمها ﴿لَهَا﴾ خبرها، وجملة ﴿لا﴾ في محل الجزم بـ ﴿مَا﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَا﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿وما﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿مَا﴾: اسم شرط جازم في محل النصب مفعول به مقدم. لـ ﴿يُمسِك﴾، ﴿يُمسِك﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله مجزوم بما الشرطية على كونه فعل شرط لها، ﴿فَلَا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب الشرط، ﴿لا﴾: نافية للجنس ﴿مُرْسِلَ﴾: اسمها ﴿لَهُ﴾: خبرها ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾: جار مجرور حال من ضمير ﴿لَهُ﴾؛ أي: حالة كونه كائنًا من بعده إمساكه، وجملة ﴿لا﴾ في محل الجزم بـ ﴿ما﴾ على كونها جواب شرط لها، وجملة ﴿ما﴾ معطوفة على جملة ﴿مَّا﴾ الأولى، ﴿وَهُوَ﴾: مبتدأ، ﴿الْعَزِيزُ﴾: خبر أول، ﴿الْحَكِيمُ﴾: خبر ثانٍ، والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
стр. 10602
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣)﴾.
﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿يا﴾: حرف نداء، ﴿أي﴾: منادى نكرة مقصودة، ﴿ها﴾: حرف تنبيه زائد، ﴿النَّاسُ﴾: بدل من أي، أو عطف بيان له، وجملة النداء مستأنفة ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾: فعل وفاعل ومفعول والجملة الفعلية جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿اللَّهِ﴾: لفظ جلالة مضاف إليه، ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿نِعْمَتَ﴾؛ لأنها بمعنى الإنعام، وإذا كانت بمعنى المنعم به تعلق الجار والمجرور بمحذوف على أنه حال منه، ﴿هَلْ﴾: حرف للاستفهام التوبيخي الإنكارى , ﴿مِنْ﴾: حرف جر زائد، ﴿خَالِقٍ﴾: مبتدأ، ﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾: صفة لـ ﴿خَالِقٍ﴾ على المحل أو اللفظ، وخبر المبتدأ محذوف، تقديره: هل من خالق غير الله موجود، وجملة ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ إما حال من الضمير المستكن في خبر المبتدأ، أو مستأنفة، أو هي الخبر، والجملة الاستفهامية جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب، ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: متعلق بـ ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾، ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاءِ﴾، ﴿لَا﴾: نافية للجنس، ﴿إِلَهَ﴾: اسمها، وخبر ﴿لَا﴾ محذوف تقديره: لا إله موجود، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿هُوَ﴾: ضمير للمفرد المنزه عن الذكورة والأنوثة والغيبة، في محل الرفع بدل من المستكن في خبر ﴿لَا﴾، وجملة ﴿لَا﴾ مستأنفة، مسوقة لتقرير النفي المستفاد مما قبله، ﴿فَأَنَّى﴾: ﴿الفاء﴾ استئنافية، ﴿أنى﴾: اسم استفهام بمعنى كيف في محل النصب حال من مرفوع ﴿تُؤْفَكُونَ﴾، و ﴿تُؤْفَكُونَ﴾: فعل مضارع ونائب فاعل مرفوع بثبات النون، والجملة مستأنفة.
﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤)﴾.
﴿وَإِنْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿إن﴾: حرف شرط جازم، ﴿يُكَذِّبُوكَ﴾: فعل مضارع وفاعل ومفعول به، مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها، ﴿فَقَدْ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب الشرط وجوبًا لكونه مقرونًا بقد، ﴿قد﴾: حرف تحقيق، ﴿كُذِّبَتْ﴾: فعل ماضٍ مغيَّر الصيغة في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، والتاء لتانيث نائب الفاعل. ﴿رُسُلٌ﴾: نائب فاعل لـ ﴿كذب﴾، ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾: صفة لـ ﴿رُسُلٌ﴾؛وجملة ﴿إنَّ﴾ الشرطية مستأنفة، ﴿وَإِلَى﴾: الواو:
стр. 10603
استئنافية، ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿تُرْجَعُ﴾، ﴿تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة الفعلية متسأنفة.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾.
﴿يَا أَيُّهَا﴾: ﴿يا﴾: حرف نداء، أي: منادى نكرة مقصودة، ﴿ها﴾: حرف تنبيه زائد، ﴿النَّاسُ﴾: بدل من أي، وجملة النداء مستأنفة، ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾: ناصب واسمه ﴿حَقٌّ﴾: خبره، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة على كونها جواب النداء، ﴿فَلَا﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم أن وعد الله حق , وأردتم بيان ما هو الأصلح لكم .. فأقول: لا تغرنكم الحياة الدنيا، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ﴿لا﴾: ناهية جازمة، ﴿تَغُرَّنَّكُمُ﴾: فعل مضارع في محل الجزم بلا الناهية، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والكاف: مفعول به. ﴿الْحَيَاةُ﴾: فاعل، ﴿الدُّنْيَا﴾: صفة له، والجملة الفعلية في محل النصب مقول الجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة، ﴿لا﴾ ناهية ﴿يَغُرَّنَّكُم﴾: فعل مضارع ومفعول به، في محل الجزم بلا الناهية. ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿يغرن﴾، ﴿الْغَرُورُ﴾: فاعل، وهو من صيغ المبالغة كالصبور والشكور، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة التي قبلها، ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ﴾: ناصب واسمه ﴿لَكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿عَدُوٌّ﴾ و ﴿عَدُوٌّ﴾: خبره، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة، ﴿فَاتَّخِذُوهُ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم أنه عدو لكم، وأردتم بيان ما هو اللازم لكم .. فأقول لكم: اتخذوه عدوًا ﴿اتخذوه﴾: فعل أمر وفاعل ومفعول أول ﴿عَدُوًّا﴾: مفعول ثان له، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ﴿إِنَّمَا﴾: مكفوف وكاف ﴿يَدْعُواْ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على ﴿الشَّيْطَانَ﴾، ﴿حِزْبَهُ﴾: مفعول به، والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير ما قبلها ﴿لِيَكُونُوا﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر، وتعليل، ﴿يكونوا﴾: فعل ناقص واسمه منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، ﴿مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾: جار ومجرور مضاف إليه متعلق بمحذوف خبر ﴿يكونوا﴾، وجملة ﴿يكونوا﴾ مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يَدْعُواْ﴾.
стр. 10604
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)﴾.
﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾ صلته ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم ﴿عَذَابٌ﴾: مبتدأ مؤخر ﴿شَدِيدٌ﴾: صفته، والجملة من المبتدأ الثاني، وخبره خبر للأول، وجملة الأول مستأنفة، ويجوز أن يكون الموصول بدلًا من الواو في ﴿لِيَكُونُوا﴾ أو صفة لـ ﴿حِزْبَهُ﴾، فيكون موضعه النصب، كما يجوز أن يكون محله الجر على أنه بدل من ﴿أَصْحَابِ﴾ أو أنه نعت لأصحاب، ﴿وَالَّذِينَ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿آمَنُوا﴾ صلة له، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: عطف على ﴿آمَنُوا﴾، ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم ﴿مَغْفِرَةٌ﴾: مبتدأ ثانٍ مؤخر، ﴿وَأَجْرٌ﴾: معطوف على ﴿مَغْفِرَةٌ﴾، ﴿كَبِيرٌ﴾: صفة لـ ﴿أجر﴾، وجملة المبتدأ الثاني وخبره خبر للأول، وجملة الأول معطوف على جملة الموصول الأول.
﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨)﴾.
﴿أَفَمَنْ﴾: الهمزة: للاستفهام الإنكاري داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، ﴿منِ﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ ﴿زُيِّنَ﴾: فعل ماضٍ، ﴿لَهُ﴾: متعلق بـ ﴿زُيِّنَ﴾، ﴿سُوءُ عَمَلِهِ﴾: نائب فاعل ومضاف إليه، والجملة الفعلية صلة الموصول، ﴿فَرَآهُ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿رأى﴾: فعل ماضٍ، وفاعل مستتر يعود على ﴿مَن﴾، والهاء: مفعول أول لـ ﴿رأى﴾، و ﴿حَسَنًا﴾: مفعول ثانٍ؛ أي لأنها قلبية، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿زُيِّنَ﴾، وخبر المبتدأ محذوف تقديره: كمن هداه الله تعالى، والجملة الاسمية معطوفة على جملة محذوفة، والتقدير: هل الفريقان متساويان، فمن زين له سوء عمله كمن هداه الله، والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿فَإِنَّ﴾: ﴿الفاء﴾: تعليلة؛ لتعليل النفي المستفاد من الاستفهام؛ أي: لا يكون مثله؛ لأن الله ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب ﴿اللَّهَ﴾: اسمها، وجملة ﴿يُضِلُّ﴾ خبرها، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل الجر بلام التعليل المقدرة المدلول عليها بالفاء التعليلية المتعلقة بمعلول محذوف؛ أي: لا يكون مثله لإضلال الله من يشاء، وهدايته من يشاء، والجملة المحذوفة مستأنفة، ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿يُضِلُّ﴾، وجملة ﴿يَشَاءُ﴾: صلة الموصول.
стр. 10605
﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾.
﴿وَيَهْدِي﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر، معطوف على ﴿يُضِلُّ﴾، ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿يهدي﴾، وجملة ﴿يَشَاءُ﴾ صلة الموصول، ﴿فَلَا تَذْهَبْ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وأردت بيان ما هو الأفصح لك .. فأقول لك: ﴿لا تذهب﴾: ﴿لا﴾: ناهية جازمة ﴿تَذْهَبْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، ﴿نَفْسُكَ﴾: فاعل، ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿تَذْهَبْ﴾، ﴿حَسَرَاتٍ﴾: مفعول لأجله، والمعنى: فلا تهلك نفسك للحسرات، وقال المبرد: إنها تمييز، وقال الزمخشري: يجوز أن يكون حالًا من ﴿نَفْسُكَ﴾ كأن كلها صارت حسرات لفرط التحسر، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه ﴿عَلِيمٌ﴾: خبره ﴿بِمَا﴾: متعلق بـ ﴿عَلِيمٌ﴾، وجملة ﴿يَصْنَعُونَ﴾ صلة الموصول، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩)﴾.
﴿وَاللَّهُ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة، ﴿أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعل مستتر، ومفعول به، والجملة صلة الموصول، ﴿فَتُثِيرُ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿تثير﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على ﴿الرِّيَاحَ﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَرْسَلَ﴾، والعائد مقدر؛ أي: فتثير بقدرته. ﴿سَحَابًا﴾: مفعول به ﴿فَسُقْنَاهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على ﴿تثير﴾، ﴿إِلَى بَلَدٍ﴾: متعلق بـ ﴿سقنا﴾، ﴿مَيِّتٍ﴾: صفة ﴿بَلَدٍ﴾، ﴿فَأَحْيَيْنَا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿أحيينا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿سقنا﴾، ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿أحيينا﴾، ﴿الْأَرْضَ﴾: مفعول به، ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: ظرف متعلق بمحذوف حال من ﴿الْأَرْضَ﴾. ﴿كَذَلِكَ﴾: خبر مقدم، ﴿النُّشُورُ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة.
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠)﴾.
стр. 10606
﴿مَنْ﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما، ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ على كونه فعل شرط لها، واسمها ضمير يعود على ﴿مَن﴾. ﴿يُرِيدُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر، ﴿الْعِزَّةَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب خبر ﴿كاَنَ﴾، ﴿فَلِلَّهِ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿مَن﴾ الشرطية وجوبًا ﴿لله﴾: خبر مقدم ﴿الْعِزَّةُ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿جَمِيعًا﴾: حال من ﴿الْعِزَّةُ﴾، والجملة في محل الجزم جواب ﴿مَن﴾ الشرطية، وجملة ﴿مَن﴾ الشرطية مستأنفة؛ وقال بعضهم: الجملة تعليل للجواب المحذوف، والتقدير من كان يريد العزة فليطلبها عند الله بطاعته؛ لأن العزة جميعًا لله تعالى، ﴿إِلَيْهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَصْعَدُ﴾، ﴿يَصْعَدُ الْكَلِمُ﴾: فعل وفاعل، ﴿الطَّيِّبُ﴾: صفة لـ ﴿الْكَلِمُ﴾، والجملة الفعلية في مجل النصب حال من الجلالة، ﴿وَالْعَمَلُ﴾: مبتدأ ﴿الصَّالِحُ﴾: صفته، وجملة ﴿يَرْفَعُهُ﴾: خبر ﴿العمل﴾، والجملة الاسمية في محل النصب حال من ﴿الْكَلِمُ﴾، وفاعل ﴿يَرْفَعُهُ﴾ ضمير مستتر يعود على ﴿العمل﴾، وضمير المفعول يعود على ﴿الْكَلِمُ﴾؛ أي: العمل الصالح يرفع الكلم، وقيل: الفاعل ضمير الله، فتعود هاء المفعول على العمل، والجملة الاسمية حينئذ مستأنفة. ﴿وَالَّذِينَ﴾: الواو: استئنافية، ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ أول، ﴿يَمْكُرُونَ﴾: فعل وفاعل، صلة الموصول، ﴿السَّيِّئَاتِ﴾: صفة لمفعول مطلق محذوف؛ أي: المكرات السيئات، أو مفعول به على تضمين ﴿يَمْكُرُونَ﴾ بمعنى: يكتسبون، ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم، ﴿عَذَابٌ﴾: مبتدأ ثانٍ مؤخر ﴿شَدِيدٌ﴾ صفته، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر للأول، وجمملة الأول مستأنفة، ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ﴾: مبتدأ أول ومضاف إليه، ﴿هُوَ﴾: مبتدأ ثانٍ، ولا يجوز كونه ضمير فصل لعدم توفر شروطه الستة بكون ما بعده جملة فعلية، وجملة ﴿يَبُورُ﴾: خبر للمبتدأ الثاني، وجملة الثاني خبر للأول، معطوفة على جملة قوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾.
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١١)﴾.
﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿خَلَقَكُمْ﴾: خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، ﴿مِنْ تُرَابٍ﴾: متعلق بـ ﴿خلق﴾، ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾: معطوف على قوله: ﴿مِنْ تُرَابٍ﴾، ﴿ثُمَّ
стр. 10607
جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على الله ومفعولان، والجملة معطوفة على جملة ﴿خَلَقَكُمْ﴾، ﴿وَمَا﴾: الواو: عاطفة، ﴿ما﴾: نافية، ﴿تَحْمِلُ﴾: فعل مضارع، ﴿مِنْ﴾: زائدة، ﴿أُنْثَى﴾: فاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَاللَّهُ﴾: عطف فعلية على اسمية، ﴿وَلَا تَضَعُ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على ﴿أُنْثَى﴾: معطوف على ﴿تَحْمِلُ﴾، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿بِعِلْمِهِ﴾: حال من فاعل ﴿تَضَعُ﴾؛ أي: إلا حالة كونها متلبسة بعلمه تعالى. ﴿وَمَا﴾: الواو: عاطفة، ﴿ما﴾: نافية، ﴿يُعَمَّرُ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة ﴿مِن﴾: زائدة، ﴿مُعَمَّرٍ﴾: نائب فاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى﴾، ﴿وَلَا يُنْقَصُ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ﴿مِنْ عُمُرِهِ﴾: جار ومجرور صفة لنائب فاعل محذوف تقديره ولا ينقص شيء من عمره والجملة معطوفة على جملة قوله ﴿وَمَا يُعَمَّرُ﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة أستثناء مفرغ ﴿فِي كِتَابٍ﴾: جار ومجرور حال من نائب فاعل ﴿يُعَمَّرُ﴾ و ﴿يُنْقَصُ﴾؛ أي: ولكنه على تقدير مضاف؛ أي: إلا حال كون زيادة عمره ونقصانه كائنين في كتاب. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب، ﴿ذَلِكَ﴾: اسمها ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَسِيرٌ﴾، و ﴿يَسِيرٌ﴾: خبرها، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)﴾.
﴿وَمَا﴾: الواو: استئنافية، ﴿ما﴾: نافية، ﴿يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿هَذَا عَذْبٌ﴾: مبتدأ، وخبر، ﴿فُرَاتٌ﴾: خبر ثانٍ، أو صفة لـ ﴿عَذْبٌ﴾، ﴿سَائِغٌ﴾: خبر ثالث، ﴿شَرَابُهُ﴾: فاعل سائغ؛ لأنه صفة مشبهة؛ أي: تسهل انحداره، ويجوز أن يكون ﴿سَائِغٌ﴾: خبرًا مقدمًا، ﴿شَرَابُهُ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة صفة ثانية لـ ﴿عَذْبٌ﴾، وجملة قوله: ﴿هَذَا عَذْبٌ﴾ في محل النصب حال من البحران، ﴿وَهَذَا﴾: مبتدأ ﴿مِلْحٌ﴾: خبر ﴿أُجَاجٌ﴾: صفة له، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿هَذَا عَذْبٌ﴾. ﴿وَمِنْ﴾: الواو: إما عاطفة، والجملة بمثابة التتمة والتكميل للتمثيل، أو استئنافية، فتكون الجملة مستأنفة استطرادية. ﴿مِنْ كُلٍّ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَأْكُلُونَ﴾، وهنا صفة محذوفة لـ ﴿كُلِّ﴾؛ أي ومن كل منهما، ﴿تَأْكُلُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة إما معطوفة
стр. 10608
على جملة قوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ﴾، أو مستأنفة، ﴿لَحْمًا﴾: مفعول به، ﴿طَرِيًّا﴾: صفة له ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿تَأْكُلُونَ﴾، ﴿حِلْيَةً﴾: مفعول به، ﴿تَلْبَسُونَهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة صفة لـ ﴿حِلْيَةً﴾، ﴿وَتَرَى﴾: الواو: عاطفة ﴿ترى﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على أيِّ مخاطب، ﴿الْفُلْكَ﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿تَأْكُلُونَ﴾. ﴿فِيهِ﴾: متعلق بـ ﴿مَوَاخِرَ﴾، أو بـ ﴿ترى﴾، ﴿مَوَاخِرَ﴾ حال من ﴿الْفُلْكَ﴾؛ لأن الرؤية هنا بصرية ﴿لِتَبْتَغُوا﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل، ﴿تبتغوا﴾: فعل مضارع وفاعل منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: لابتغائكم ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿مَوَاخِرَ﴾، ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾: متعلق بـ ﴿تبتغوا﴾، ﴿وَلَعَلَّكُمْ﴾: لعل حرف نصب وتعليل، والكاف: اسمها، وجملة ﴿تَشْكُرُونَ﴾ خبرها، وجملة ﴿لعل﴾ معطوفة على جملة ﴿لِتَبْتَغُوا﴾ عطف على علة أو مستأنفة.
﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾.
﴿يُولِجُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله، ﴿اللَّيْلَ﴾: مفعول به، ﴿فِي النَّهَارِ﴾ متعلق بـ ﴿يُولِجُ﴾، والجملة مستأنفة، أو في محل النصب حال من فاعل ﴿خَلَقَكُمْ﴾، وجملة ﴿وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على الله، معطوف على ﴿يُولِجُ﴾، ﴿وَالْقَمَرَ﴾: معطوف على ﴿الشَّمْسَ﴾، ﴿كُلٌّ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَجْرِي﴾: خبره، ﴿لِأَجَلٍ﴾: متعلق بـ ﴿يَجْرِي﴾. ﴿مُسَمًّى﴾: نعت لـ ﴿أَجَلٍ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب حال من الشمس والقمر.
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾.
﴿ذَلِكُمُ﴾: مبتدأ، ﴿اللَّهُ﴾: خبر أول ﴿رَبُّكُمْ﴾: خبر ثان ﴿لَهُ﴾: خبر مقدم ﴿الْمُلْكُ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل الرفع خبر ثالث
стр. 10609
لـ ﴿ذَلِكُمُ﴾، وجملة ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ مستأنفة، ﴿وَالَّذِينَ﴾: الواو: استئنافية، أو حالية ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ، ﴿تَدْعُونَ﴾: فعل وفاعل، صلة الموصول، ﴿مِنْ دُونِهِ﴾: حال من فاعل ﴿تَدْعُونَ﴾، ﴿مَّا﴾: نافية، ﴿يَمْلِكُونَ﴾: فعل وفاعل خبر ﴿الَّذِينَ﴾. ﴿مِن﴾: حرف جر زائد، ﴿قِطْمِيرٍ﴾: مفعول به، والجملة الاسمية مستأنفة، أو حال من الضمير المستكن في قوله: ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾، ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم، ﴿تَدْعُوهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، ﴿لَا﴾: نافية، ﴿يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه جوابًا لها، وجملة ﴿إِن﴾ الشرطية مستأنفة، ﴿وَلَوْ سَمِعُوا﴾: الواو: عاطفة، ﴿لَوْ﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿سَمِعُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لو﴾ لا محل لها من الإعراب، ﴿مَا اسْتَجَابُوا﴾: فعل وفاعل، و ﴿ما﴾: نافية، والجملة جواب ﴿لو﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لو﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿إِن﴾ الشرطية ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: الواو: عاطفة ﴿يوم القيامة﴾: ظرف متعلق بـ ﴿يَكْفُرُونَ﴾، ﴿يَكْفُرُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿إِن﴾ الشرطية، ﴿بِشِرْكِكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿يَكْفُرُونَ﴾، وهو من إضافة المصدر إلى فاعله، ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ﴾ الواو: استئنافية، ﴿لا﴾: نافية، ﴿يُنَبِّئُكَ﴾: فعل مضارع ومفعول به ﴿مِثْلُ خَبِيرٍ﴾: فاعل، والجملة مستأنفة، والأحسن أن يكون الخطاب عامًا؛ أي: أيها السامع كائنًا من كنت، كما مرَّ.
التصريف ومفردات اللغة
﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ﴾: أصل الفطر بفتح الفاء: الشق مطلقًا، وقيل: الشق طولًا يقال: فطر الشيء إذا أوجده على غير مثال سابق، وبابه نصر، كما في "المختار": كأنه شقَّ العدم بإخراجهما منه، وأما الفطر بكسر الفاء فترك الصوم.
﴿رُسُلًا﴾ والرسل: جمع رسول بمعنى المرسل؛ أي: مصيرهم وسائط بينه وبين أنبيائه.
﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ أولو بمعنى: أصحاب، اسم جمع لذو، كما أن أولاء اسم جمع لذا، وإنما كتبت الواو بعد الألف في حالتي الجر والنصب لئلا يلتبس بإلى الجارة، وإنما كتبوه في الرفع حملًا عليهما، والأجنحة: جمع جناح، وهو للطائر
стр. 10610
بمنزلة اليد للإنسان.
﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ﴾ والفتح في الأصل: إزالة الإغلاق، وفي العرف: الظفر، ولما كان سببًا للإرسال والإطلاق استعير له بقرينة لا مرسل له مكان الفاتح.
﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾؛ أي: فكيف تصرفون عن التوحيد إلى الشرك من الأفك بالفتح، وهو: الصرف، يقال: ما أفكك عن كذا؛ أي: ما صرفك عنه، وقيل: هو من الإفك - بالكسر -، وهو الكذب، وفي "المختار": والأفك - بالفتح - مصدر أفكه؛ أي: قلبه وصرفه عن الشيء، وبابه ضرب، ومنه قوله تعالى: ﴿أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾. ﴿تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ من المرجع بمعنى الرد؛ أي: ترد إليه عواقبها.
﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ الغَرور - بفتح الغين المعجمة - فعول من أوزان المبالغة، كالشكور والصبور، وفي "المفردات": الغرور كل ما يغر الإنسان من مال وجاه وشهوة وشيطان، سمي به هنا الشيطان؛ لأنه لا نهاية لغروره.
﴿لَكُمْ عَدُوٌّ﴾؛ أي: عظيم؛ لأن عداوته عامة قديمة، والعموم يفهم من قوله: ﴿لَكُمْ﴾ حيث لم يخص ببعض دون بعض، والقدم يفهم من اسمية الجملة الدالة على الاستمرار اهـ. "كرخي".
﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ﴾ والذهاب المضي، وذهاب النفس كناية عن الموت، كما سيأتي في البلاغة.
﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ والإرسال في القرآن على معنيين:
الأول: بمعنى البعثة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾.
والثاني: بمعنى الإطلاق والتسخير، كما في قوله تعالى: ﴿أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ وفي "المفردات": الإرسال يقال في الإنسان وفي الأشياء المحبوبة والمكروهة، وقد يكون ذلك للتسخير كإرسال الريح والمطر، وقد يكون ببعث من له اختيار نحو إرسال الرسل، وقد يكون ذلك بالتخلية وترك المنع نحو: ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ والإرسال يقابل الإمساك.
و ﴿الرِّيَاحَ﴾: جمع ريح بمعنى الهواء المتحرك، أصله روح، ولذا يجمع على أرواح, وأما أرياح قياسًا على رياح فخطأ.