← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

١٦٢ - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾؛ أي: مستمرين في اللعنة، أو في النار، وفي إضارها قبل الذكر تفخيم لشأنها، وتهويل منها، أو أضمرها لدلالة اللعنة عليها ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ طرفة عين ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾؛ أي: لا يمهلون ولا يؤجلون من العذاب، فإذا استمهلوا لا يمهلون، وإذا استغاثوا لا يغاثون، وقيل: لا ينظرون ليعتذروا، وقيل: لا يُنظر إليهم نظر رحمة، وفي "الفتوحات الإلهية" قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ إشارة إلى كم العذاب، وأنه كثير لا ينقطع، وقوله ﴿لَا يُخَفَّفُ ...﴾ إلخ إشارة إلى كيفه وشدته. الإعراب ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾. ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب. ﴿الصَّفَا﴾: اسمها. ﴿وَالْمَرْوَةَ﴾: معطوف عليه. ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف خبر إن؛ تقديره: كائنان من شعائر الله، وجملة إنّ مستأنفة. ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. ﴿فَمَن﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر؛ تقديره: إذا عرفتم أن الصفا والمروة من شعائر الله، وأردتم بيان حكم السعي بينهما .. فأقول لكم: ﴿مَن حج البيت﴾: ﴿مَن﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب، أو هما على الخلاف المذكور في محله. ﴿حَجَّ﴾: فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ على كونه فعل الشرط لها، وفاعله ضمير يعود على (مَن). ﴿الْبَيْتَ﴾: مفعول به. ﴿أَوِ﴾: حرف عطف وتفصيل ﴿اعْتَمَرَ﴾؛ فعل ماضٍ في محل الجزم معطوف على ﴿حَجَّ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾. ﴿فَلَا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿مَن﴾ الشرطية وجوبًا؛ لكون الجواب جملة اسمية ﴿لا﴾: نافية تعمل عمل إن. ﴿جُنَاحَ﴾: في محل النصب اسمها. ﴿عَلَيْهِ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لا، وجملة ﴿لا﴾ من اسمها وخبرها في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها،

стр. 1087

وجملة (مَن) الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿يَطَّوَّفَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أن﴾، وفاعله ضمير يعود على (مَن). ﴿بِهِمَا﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية صلة ﴿أَن﴾ المصدرية، ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف؛ تقديره: فلا جناح عليه في طوافه بهما، والجار المحذوف متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الجار والمجرور قبله. ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾. ﴿وَمَنْ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿مَن﴾ اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط. ﴿تَطَوَّعَ﴾: فعل ماضٍ في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ على كونه فعل الشرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾، ﴿خَيْرًا﴾: منصوب؛ إما على (١) إسقاط حرف الجر؛ أي: تطوع بخيرٍ، فلما حذف الحرف انتصب على حد قوله: تَمُرُّوْنَ الدِّيَارَ فَلَمْ تُعَوِّجُوا أو على أن يكون نعت مصدر محذوف؛ أي: تطوعًا خيرًا، أو على أن يكون حالًا من ذلك المصدر المقدر معرفةً، وهذا مذهب سيبويه. اهـ "سمين". ﴿فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾. ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿مَن﴾ الشرطية وجوبًا، ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿اللهَ﴾: اسمها. ﴿شَاكِرٌ﴾: خبر أول لها. ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر ثان. وجملة ﴿إنَّ﴾ في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿مَنْ﴾ الأولى. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ في الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)﴾.

стр. 1088

﴿إِنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل النصب اسمها: ﴿يَكْتُمُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿مَا﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول به. ﴿أَنْزَلْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير المفعول المحذوف؛ تقديره: ما أنزلناه. ﴿مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾: جار ومجرور حال من ضمير المفعول المحذوف من ﴿أَنْزَلْنَا﴾ أو حال من ﴿مَا﴾ ويصح أن يتعلق بـ ﴿أَنْزَلْنَا﴾ كما ذكره أبو البقاء. ﴿وَالْهُدَى﴾: معطوف على البينات. ﴿مِنْ بَعْدِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَكْتُمُونَ﴾ ﴿بَعْدِ﴾: مضاف. ﴿مَا﴾ مصدرية. ﴿بَيَّنَّاهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والضمير عائد على ﴿مَا أَنْزَلْنَا﴾، والجملة الفعلية صلة ﴿مَا﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه؛ تقديره: من بعد تبيننا إياه ﴿لِلنَّاسِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿بَيَّنَّاهُ﴾. ﴿في الْكِتَابِ﴾: جار ومجرور متعلق أيضًا بـ ﴿بَيَّنَّاهُ﴾، فإن تعلق جارين بفعل واحد عند اختلاف المعنى أو اللفظ مما لا خلاف في جوازه. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ. ﴿يَلْعَنُهُمُ اللهُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾، وجملة إن من اسمها وخبرها جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب، ويصح أن يكون ﴿أُولَئِكَ﴾ بدلًا من اسم إن، وجملة ﴿يَلْعَنُهُمُ اللهُ﴾: خبرها. ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿يلعنهم اللاعنون﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿يَلْعَنُهُمُ اللهُ﴾ على كونها خبر إن. ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل النصب مستثنى من المفعول في قوله: ﴿يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾. ﴿تَابُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿وَأَصْلَحُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على ﴿تَابُوا﴾ على كونها صلة الموصول، وكذا جملة قوله: ﴿وَبَيَّنُوا﴾:

стр. 1089

معطوفة على ﴿تَابُوا﴾. ﴿فَأُولَئِكَ﴾: ﴿الفاء﴾: تعليلية؛ لوقوعها بعد الاستثناء. ﴿أولئك﴾: مبتدأ. ﴿أَتُوبُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل الجر بلام التعليل المقدرة المدلول عليها بالفاء التعليلية المتعلقة بمعلول محذوف؛ تقديره: وإنما استثنيتهم لتوبتي عليهم. ﴿وَأَنَا﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿أَنَا﴾: مبتدأ ﴿التَّوَّابُ﴾: خبر أول. ﴿الرَّحِيمُ﴾ خبر ثان، والجملة الإسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿أتوب﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١)﴾. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل النصب اسمها. ﴿كَفَرُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿وَمَاتُوا﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿مَاتُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله ﴿كَفَرُوا﴾ على كونها صلة الموصول. ﴿وَهُمْ﴾ ﴿الواو﴾ حالية، ﴿هم﴾ مبتدأ. ﴿كُفَّارٌ﴾: خبره، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿ماتوا﴾. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ أول. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿لَعْنَةُ اللهِ﴾: مبتدأ ثان ومضاف إليه، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل الرفع خبر للمبتدأ الأول، والجملة من المبتدأ الأول وخبره في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ من اسمها وخبرها: مستأنفة استئنافًا نحويًّا. ﴿وَالْمَلَائِكَةِ﴾: معطوف على لفظ الجلالة، وكذا قوله ﴿وَالنَّاسِ﴾: معطوف على لفظ الجلالة. ﴿أَجْمَعِينَ﴾: توكيد للملائكة والناس. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ ﴿١٦٢﴾﴾. ﴿خَالِدِينَ﴾: حال من الضمير في ﴿عَلَيْهِمْ﴾. ﴿فِيهَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يُخَفَّفُ﴾: فعل مضارع مغيَّر الصيغة. ﴿عَنْهُمُ﴾: متعلق به. ﴿الْعَذَابُ﴾: نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل النصب حال من الضمير المستتر في ﴿خَالِدِينَ﴾ أو مستأنفة. ﴿وَلَا هُمْ﴾: الواو عاطفة، ﴿لَا﴾

стр. 1090

نافية ﴿هم﴾ مبتدأ ﴿يُنْظَرُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة في محل الرفع خبر المبتدأ؛ تقديره: ولا هم منظرون، والجملة الإسمية في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿ولا يخفف﴾ على كونها حالًا من الضمير المستتر في ﴿خَالِدِينَ﴾ أو على كونها مستأنفة. التصريف ومفردات اللغة ﴿الصَّفَا﴾: جمع صفاة، وهي الصخرة الصلبة الملساء، وعبارة "السمين": وألف الصفا منقلبة عن واو؛ بدليل قلبها في التثنية واوًا، فإنهم قالوا في تثنيته: صفوان، والاشتقاق يدل عليه أيضًا؛ لأنه من الصفو، وهو الخلوص، والصفا الحجر الأملس، وقيل: الذي لا يخالطه غيره من طين أو تراب، ويفرق بين واحده وجمعه بتاء التأنيث نحو: صفا كثيرة وصفاة واحدة، وقد يجمع الصفا على فعول وأفعال، فإنهم قالوا: صُفِي بكسر الصاد وضمها كعِصي وأصفاء، والأصل صفوو وأصفاو، فقلبت الواوان في صفوو يائين، والواو في أصفاو همزةً ككساء وبابه. ﴿وَالْمَرْوَةَ﴾: الحجارة الصغار، فقيل: اللينة، وقيل: الصلبة، وقيل: البيض، وقيل: السود. انتهت. وجمعها: مرو ومروات، وهذا بالنظر إلى أصلهما وإلا فهما عَلَمان للجبلين المعروفين في مكة. ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ والشعائر: جمع شعيرة؛ وهي العلامة؛ أي: من أعلام مناسكه، والمراد بها مواضع العبادة التي أشعرها الله تعالى أعلامًا للناس من الموقف والمسعى والمنحر. ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ﴾ يقال: حج يحج حجًّا - من باب رَدَّ - فهو حاجّ، والحج لغةً: القصد، وشرعًا: قصد مكة لنسك مخصوص. ﴿أَوِ اعْتَمَرَ﴾: من باب افتعل، والمصدر الاعتمار، وهو الزيارة، والعمرة مأخوذة منه؛ وهي زيارة مكة لنسك معلوم.

стр. 1091

﴿فَلَا جُنَاحَ﴾: والجناح: الميل إلى الإثم، ثم أطلق على الإثم نفسه، يقال: جنح إلى كذا جنوحًا - من بأبي قَعَدَ وفَتَحَ - إذا مال إليه، ومنه جُنْحُ الليل؛ أي: ميله. ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ﴾: تطوع - من باب تفعَّل - من الطوع؛ وهو الانقياد، ولكن المراد هنا: التبرع بأي طاعة كانت، أو بالحج والعمرة بعد قضاء الواجب عليه. البلاغة ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾: في هذا التركيب مجازٌ بالحذف؛ إما من الأول تقديره: إن السعي بين الصفا والمروة من أحكام شرع الله التي شرعها لعباده، أو من الآخر تقديره: إن الصفا والمروة من أعلام عبادة الله وحدودها. ﴿فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾: وشكرُ اللهِ العبدَ بأحد معنيين: إما بالثواب، وإما بالثناء عليه. قال أبو السعود: عبر عن ذلك بالشكر مبالغةً في الإحسان على العباد، فأطلق الشكر، وأراد به الجزاء بطريق المجاز. وعلمه (١) هنا؛ هو علمه بقدر الجزاء الذي للعبد على فعل الطاعة، أو بنيته وإخلاصه في العمل، وقد وقعت الصفتان الموقَع الحسن؛ لأن التطوع بالخير يتضمن الفعل والقصد، فناسب ذكر الشكر باعتبار الفعل، وذكر العلم باعتبار القصد، وأخرت صفة العلم وإن كانت متقدمة على الشكر، كما أن النية مقدمة على الفعل؛ لتواخي رؤوس الآي. ذكره أبو حيان. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا﴾: فيه خروج من ظاهر إلى ضمير متكلم. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ﴾ وتبيينه (٢) لهم تلخيصه وإيضاحه، بحيث يتلقاه كل واحد منهم من غير أن يكون له فيه شبهة، وهذا عنوان مغاير؛ لكونه بينًا في

стр. 1092

نفسه، وهدى مؤكد؛ لقبح الكتم أو تفهيمه لهم بواسطة موسى ﵇. ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ وأبرز (١) الخبر في صورة جملتين: توكيدًا وتعظيمًا، وأتى بالفعل المضارع المقتضي التجدد؛ لتجدد مقتضيه، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾، ولذلك أتى بصلة ﴿الَّذِينَ﴾ فعلًا مضارعًا ليدل أيضًا على التجدد؛ لأن بقاءهم في الكتمان هو تجدد كتمانٍ، وجاء بالجملة المسند فيها الفعل إلى الله؛ لأنه هو المجازي على ما اجترحوه من الذنب، وجاءت الجملة الثانية؛ لأن لعنة اللاعنين مترتبة على لعنة الله للكاتمين، وأبرز اسم الجلالة بلفظ الله على سبيل الالتفات؛ إذ لو جرى على نسق الكلام السابق .. لكان أولئك نلعنهم، لكن في إظهار هذا الاسم الشريف من الفخامة، وإلقاء الروعة والمهابة في القلب ما لا يكون في الضمير، وفي قوله: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ من المحسنات البديعية التجنيس المغاير؛ وهو أن يكون إحدى الكلمتين اسمًا والأخرى فعلًا. وقوله (٢): ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾: اعتراض تذييلي محقق لمضمون ما قبله، والالتفات إلى التكلم؛ للتفنن في النظم الكريم، مع ما فيه من التلويح والرمز إلى ما مر من اختلاف المبدأ في فعليه تعالى: السابق وهو اللعن، واللاحق وهو الرحمة. ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾: من الإنظار لا من النظر، فإيثار الجملة الإسمية لإفادة دوام النفي واستمراره. ذكره الكرخي. والله أعلم * * *

стр. 1093

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها: أنه لما كان كفر معظم الكفار المستحقين اللعنة والخلود في النار؛ لاتخاذهم آلهة مع الله ... أخبر تعالى أن الإله واحد لا يتعدد، ولا يتجزأ، ولا مثيل له في صفاته، وحصر الإلهية فيه. قوله تعالى: ﴿إِنَّ في خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ...﴾ الآية، مناسبة (١) هذه الآية لما قبلها: أنه تعالى لمّا ذكر أنه واحد، وأنه منفرد بالإلهية .. لم يكتف بالإخبار حتى أورد دلائل الاعتبار، واستدل على وحدانيته واختصاصه بالإلهية بهذا الخلق الغريب، والبناء العجيب استدلالًا بالأثر على المؤثر، وبالصنعة على الصانع، وعرفهم طريق النظر، وفيم ينظرون، فبدأ أولًا بذكر العالم العلوي فقال: ﴿إِنَّ في خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾، ثم بالعالم السفلي، ثم بتعاقب الليل والنهار، ثم بالسفن التي تمخر أمواج البحار، ثم بالأمطار التي فيها حياة الزروع والنفوس، ثم بما بثّ في الأرض من أنواع الحيوانات العجيبة، ثم بالرياح والسحب التي سخرها الله تعالى

стр. 1094

لفائدة الإنسان، وختم ذلك بالأمر بالتفكير في بدائع صنع الله، وإعمال العقل في عجيب خلقه؛ ليستدل العاقل بالأثر على وجود المؤثر، وبالصنعة على عظمة الخالق المدبر الحكيم، ثم ذكر تعالى بعد ذكر هذه الآيات البينات الواضحات أنّ من الناس متخذي أندادًا، وأنهم يحبونهم مثل محبة الله، ثم ذكر أن من المؤمنين من هو أشد حبًّا لله من هؤلاء لأصنامهم، ثم خاطب من خاطب بقوله: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ...﴾ حين عاينوا نتيجة اتخاذهم الأنداد لرأيت أمرًا عظيمًا. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ...﴾ سبب (١) نزول هذه الآية: أن كفار قريش قالوا: يا محمَّد صف، لنا ربك، وانسبه؟ فأنزل الله هذه الآية وسورة الإخلاص. قوله تعالى: ﴿إِنَّ في خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ...﴾ سبب نزولها: ما روي عن (٢) عطاء قال: نزل على النبي ﷺ بالمدينة: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ...﴾ الآية. فقال كفار قريش بمكة: كيف يسع الناس إله واحد؛ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ في خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. التفسير وأوجه القراءة ١٦٣ - ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ روي: أنه كان للمشركين ثلاث مدّة صنم يعبدونها من دون الله، فبين الله أنه إلههم، وأنه واحد، فقال: ﴿وَإِلَهُكُمْ﴾؛ أي: معبودكم الذي يستحق العبادة منكم أيها العباد ﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾؛ أي: إله منفرد في ألوهيته وربوبيته، ليس له شريك فيهما، ومنفرد في ذاته وصفاته وأفعاله ليس له نظير فيها (٣)، وظاهر الخطاب أنه لجميع المخلوقات المُتصوّر منهم العبادة؛ فهو إعلام لهم بوحدانية الله تعالى، ويحتمل أن يكون خطابًا للمشركين الذين قالوا لرسول الله ﷺ :

стр. 1095

صف لنا ربك؟ أو خطابًا لمن يعبد مع الله غيره من صنم ووثن ونار. وقال في "المنتخب": لمّا قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ..﴾ أمكن أن يخطر ببال أحد أن يقول: هب أن إلهنا واحد، فلعل إله غيرنا مغاير لإلهنا، فلا جرم أن يزيل ذلك الوهم ببيان التوحيد المطلق، فقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ فقوله: ﴿لَا إِلَهَ﴾: يقتضي النفي العام الشامل، فإذا قال بعده: ﴿إلا الله﴾ أفاد التوحيد التام المطلق المحقق. انتهى. ﴿لَا إِلَهَ﴾؛ أي: لا معبود بحق في الوجود ﴿إِلَّا هُوَ﴾؛ أي: إلا الله الواحد الفرد الصمد، وهذه (١) الجملة توكيدٌ لمعنى الوحدانية، ونفي الإلهية عن غيره، وهي جملة جاءت لنفي كل فرد فرد من الإلهية، ثم حصر ذلك المعنى فيه ﵎، فدلت الجملة الأولى على نسبة الوحدانية إليه تعالى، ودلت الثانية على حصر الإلهية فيه. والمعنى (٢): إلهكم الحقيق بالعبادة إله واحد، فلا تشركوا به أحدًا، والشرك به ضربان. الأول: شرك في الألوهية والعبادة: بأنْ يعتقد المرء أن في الخلق من يشارك الله، أو يعينه في أفعاله، أو يحمله على بعضها، ويصده عن بعض، فيتوجه إليه في الدعاء عندما يتوجه إلى الله ويدعوه معه، أو يدعوه من دون الله؛ ليكشف عنه ضرًّا، أو يجلب له نفعًا. الثاني: شرك به في الربوبية: بأنْ يسند الخلق والتدبير إلى غيره معه، أو أخذ أحكام الدين من عبادة وتحليل وتحريم من غير كتبه ووحيه الذي بلغه عنه الرسل استنادًا إلى أن من يؤخذ عنهم الدين هم أعلم بمراد الله؛ وهذا هو المراد بقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾. فواجب على علماء الدين أن يبينوا للناس ما نزله الله ولا يكتموه، لا أن يزيدوا فيه، أو ينقصوا منه كما فعل مَنْ قبلَهم من أهل الكتب المنزلة حين زادوا

стр. 1096

على الوحي أحكامًا كثيرةً من تلقاء أنفسهم، وخالفوا ما نزل بتأويلاتٍ وتعسفات بعيدةٍ عن روح الدين وسره. وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ خبران آخران للمبتدأ؛ أي: وإلهكم هو الرحمن؛ أي: كثير الرحمة والإنعام لعباده بحلائل النعم، الرحيم؛ أي: كثير الرحمة والإحسان لعباده بدقائق النعم. فالله تعالى (١) هو الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، فحسب المرء أن يرجوها، ولا يعتمد على رحمة سواه ممن يظن أنهم مقربون إليه؛ إذ كل ما يعتمد عليه من دونه، فليس أهلًا للاعتماد عليه، بل الاعتماد عليه من قبيل الشرك. والإله الذي بيده أزمة المنافع، والقادر على دفع المضار؛ واحدٌ لا سلطان لأحد على إرادته، ولا مبدل لكلماته، ولا أوسع من رحمته. وإنما ذكر الوحدة والرحمة دون غيرهما من صفاته؛ لأن الوحدة تذكر أولئك الكافرين الكاتمين للحق بأنهم لا يجدون ملجأ غيرَ الله يقيهم عقوبته ولعنته، والرحمة بعدها ترغبهم في التوبة، وتحول بينهم وبين اليأس من فضله بعد أن اتخذوا الوسطاء والشفعاء عنده. وعن أسماء بنت يزيد ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ وفاتحة آل عمران ﴿الم (١) اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾ أخرجه أبو داود والترمذي، وقال حديث صحيح. ١٦٤ - ثم ذكر الله بعض ظواهر الكون الدالة على وحدانيته ورحمته؛ لتكون برهانًا على ما ذكر في الآية قبلها فقال: ﴿إِنَّ في خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ...﴾ إلى آخر الآية، فذكر من عجائب مخلوقاته ودلائل قدرته ووحدانيته

стр. 1097

تسعة أنواع، إن جعلنا قوله: ﴿وَبَثَّ فِيهَا﴾ معطوفًا على ما أنزل، وهو الظاهر كما قاله في "الكشاف" وإن عطفناه على قوله: ﴿فَأَحْيَا﴾ فتكون الدلائل ثمانية؛ لأنهما أمران متسببان عن إنزال المطر: الأول والثاني منها ذكره بقوله: ﴿إِنَّ في خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: إن في إيجادهما على غير مثال سبق مع عظمهما وكثرة أجزائهما، وقيل: الخَلْقُ هنا بمعنى المخلوق؛ إذ الآيات التي تشاهد إنما هي في المخلوق الذي هو السموات والأرض، وحينئذ فإضافته بيانية، وإنما جمع السموات؛ لأنها أجناس مختلفة كل سماء من جنس غير جنس الأخرى، وأفرد الأرض؛ لأنها جنس واحد وهو التراب. والآيات في السماء هي: سمكها، وارتفاعها بغير عمد ولا علَّاقة، وما يُرى فيها من الشمس والقمر والنجوم، وفي ذلك كله ما يدل على أنه صادر من إله واحد لا شريك له في الخلق والتقدير، والحكمة والتدبير. وَفِي كُلِّ شَيءٍ لَهُ آيَةٌ ... تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْوَاحِدُ والآيات في الأرض: مدها، وبسطها على الماء، وما يرى فيها من الجبال والبحار والمعادن والجواهر والأنهار والأشجار والثمار ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾. وذكر الثالث منها بقوله: ﴿و﴾ في ﴿اختلاف الليل والنهار﴾؛ أي: في تعاقبهما بمجيء أحدهما، وذهاب الآخر، واختلافهما في الطول والقصر، والزيادة والنقصان، والنور والظلمة، وإنما قُدِّم الليل على النهار؛ لأن الظلمة أقدم، والآيات في الليل والنهار تعاقبهما بالمجيء والذهاب واختلافهما فيما ذكر، واختلاف انتظام أحوال العباد في معاشهم بالراحة في الليل، والسعي والكسب في النهار. وذكر الرابع منها بقوله: ﴿و﴾ في الفلك والسفن ﴿الَّتِي تَجْرِي﴾ وتسير ﴿في الْبَحْرِ﴾ والماء العميق.

стр. 1098

والآياتُ في السفن: جريانها على وجه الماء؛ وهي موقرة بالأثقال والرجال فلا ترسب (١)، وجريانها بالريح مقبلة ومدبرة، وتسخير البحر لحمل السفن، مع قوة سلطان الماء وهيجان الجر، فلا يُنجي منه إلا الله تعالى. فدلالتها (٢) على الوحدانية يحتاج إلى معرفة طبيعة الماء، وقانون الثقل في الأجسام، وطبيعة الهواء والريح والبخار والكهرباء التي هي العمدة في سير السفن الكبرى في هذا العصر، وكل ذلك يجري على سنن مطردة تدل على أنها صادرة عن قوة بديعة النظام؛ هي قدرة الإله الواحد العليم كما قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ في الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾. النوع الخامس منها: ركوب السفن، والحمل عليها في التجارة. وذكره بقوله: ﴿بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾؛ أي: ينفعهم في أسفارهم وتجارتهم؛ فهي تحمل أصناف المتاجر من إقليم إلى إقليم، ومن قطر إلى قطر آخر، فتجعل العالم كله مشتركًا في المطاعم والمشارب والملابس وأصناف الأدوية وغيرها، والآيات في ذلك أن الله تعالى لو لم يقوِّ قلوب من يركب هذه السفن .. لما تم الغرض في تجاراتهم ومنافعهم، وأيضًا فإن الله تعالى خص كل قطر من أقطار العالم بشيء معين فصار ذلك سببًا يدعوهم إلى اقتحام الأخطار في الأسفار من ركوب السفن، وخوض البحر، وغير ذلك. والنوع السادس منها: نزول المطر من السماء، وذكره بقوله: ﴿و﴾ في ﴿مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾؛ أي: من السحاب ﴿مِنْ مَاءٍ﴾؛ أي: من المطر الذي به حياة البلاد والعباد، فـ ﴿من﴾ الأولى للابتداء، والثانية للبيان. قيل: أراد بالسماء السحاب، سُمي سماء لأن كل ما علاك فأظلك فهو سماء؛ لأنه خلق الله الماء في السحاب، ومنه ينزل إلى الأرض، وقيل: أراد السماء بعينها؛ لأنه خلق الله الماء في السماء، ومنه ينزل إلى السحاب، ثم منه إلى الأرض، ثم عطف على

стр. 1099

أنزل قوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ﴾؛ أي: بذلك الماء ﴿الْأَرْضَ﴾ وأنبتها، وأظهر نضارتها، وحسنها ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ ويبسها وجدبها سماه: موتًا مجازًا؛ لأنها إذا لم تنبت شيئًا، ولم يصبها المطر .. فهي كالميتة، والمعنى: أحيا بهذا الماء الزروع والأشجار بعد أن كانت يابسة مجدبة ليس فيها حبوب ولا ثمار. والآيات في ذلك: أنّ الله جعل الماء سببًا لحياة جميع الموجودات من حيوان ونبات، وأنه ينزله عند الحاجة إليه بمقدار المنفعة، وعند الاستسقاء، وينزله بمكان دون مكان. والسابع منها: انتشار كل دابةٍ في الأرض، وذكره بقوله: ﴿و﴾ في ﴿بث﴾ وفرق ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في الأرض ﴿مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾؛ أي: من كل حيوان. قال ابن عباس ﵄: يريد كل ما دبّ على وجه الأرض من جميع الخلق من الناس وغيرهم، فقوله: ﴿بث﴾ إما معطوف على ﴿أنزل﴾ فتقدر ﴿ما﴾ الموصولة قبلها، فتكون الآيات حينئذ تسعة أنواع، أو معطوف على ﴿أحيا﴾، فتكون الآيات ثمانية كما أشرنا إليه فيما مر، والآيات في ذلك: أن جنس الإنسان مثلًا يرجع إلى أصل واحد وهو آدم، مع ما فيهم من الاختلاف في الصور، والأشكال، والألوان والألسنة، والطبائع، والأخلاق، والأوصاف إلى غير ذلك، ثم يقاس على بني آدم سائر الحيوان. والثامن منها: الريح وذكره بقوله: ﴿يَعْقِلُونَ﴾؛ أي: وفي تقليب الرياح وتحويلها، وتوجيهها مرة جنوبًا ومرة من شمالًا، وباردةً وحارةً، ولينةً وعاصفةً. والآيات فيها: أنها جسم لطيف لا يمسك ولا يرى؛ وهي مع ذلك في غاية القوة بحيث تقلع الشجر والصخر، وتخرب البنيان، وهي مع ذلك حياة الوجود، فلو أمسكها طرفة عين .. لمات كل ذي روح، وأنتن ما على وجه الأرض. والنوع التاسع منها: السحاب وذكره بقوله: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ﴾؛ أي: وفي الغيم المذلل لقدرة الله تعالى يسير ﴿بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ بواسطة الرياح حيث شاء الله تعالى، وهو يحمل الماء الغزير، ثم يصبه على الأرض قطرات قطرات.

стр. 1100

قال كعب الأحبار (١): السحاب غربال المطر، ولولا السحاب .. لأفسد المطر ما يقع عليه من الأرض، وتسخيره بعثه من مكان إلى مكان، وقيل: تسخيره ثبوته بين السماء والأرض بلا علاقة تمسكه، والآيات في ذلك: أن السحاب مع ما فيه من المياه العظيمة التي تسيل منها الأدوية الكبيرة يبقى معلقًا بين السماء والأرض بلا علاقة تمسكه، ولا دعامة تسنده. ﴿لَآيَاتٍ﴾؛ أي: إن في جميع ما ذكر من خلق السموات والأرض إلى هنا لدلائل وبراهين عظيمة دالة على وحدانية الرب الحكيم، ودالة على القدرة القاهرة، والحكمة الباهرة، والرحمة الواسعة. قيل: وإنما جمع آيات؛ لأن في كل واحد مما ذكر من هذه الأنواع آيات كثيرة تدل على أن لها خالقًا مدبرًا مختارًا ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾؛ أي: يتفكرون فيها وينظرون إليها بعيون عقولهم، فيعرفون بأن هذه الأمور من صنع إله قادرٍ حكيم، وفيه تعريضٌ بجهلِ المشركين الذين اقترحوا على النبي ﷺ آية تصدقه، وفي الحديث (٢): "ويل لمن قرأ هذه الآية فمج بها"؛ أي: لم يتفكر فيها. ١٦٥ - ثم أخبر الله عن سوء عاقبة المشركين الذين عبدوا غير الله تعالى فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾؛ أي: ومن الكفار أهل الكتاب، وعبدة الأوثان ﴿مَنْ يَتَّخِذُ﴾؛ أي: يعبد ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾؛ أي: من غير الله ﴿أَنْدَادًا﴾؛ أي: أصنامًا وأحبارًا أندادًا؛ أي: أمثالًا وأشباه يشبه بعضها بعضًا في العجز، وعدم النفع والضر، والأحسن (٣) حمل ﴿النَّاسِ﴾ على الطائفتين: من أهل الكتاب وعبدة الأوثان، فالأنداد باعتبار أهل الكتاب هم رؤساؤهم وأحبارهم اتبعوا ما رتبوه وشرعوه لهم من أمر ونهي، وإن خالف أمر الله ونهيه، قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ والأنداد باعتبار عبدة الأوثان هي الأصنام اتخذوها آلهةً، وعبدوها من دون الله.

стр. 1101

وقال المراغي: الأنداد قسمان: قسم: يتخذ شارعًا، يؤخذ رأيه في التحليل والتحريم من غير أن يكون بلاغًا من الله ورسوله، وقسمٌ: يعتمد عليه في دفع المضار، وجلب المنافع من طريق السلطة الغيبية، لا من طريق الأسباب. ﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾؛ أي: يود العابدون المعبودين، ويعظمونهم، ويخضعون لهم ﴿كَحُبِّ اللهِ﴾؛ أي: يحبونم حبًّا كائنًا كحب الله؛ أي: كحبهم الله تعالى؛ أي: يسوون (١) بينه تعالى وبين الأصنام في الطاعة والتعظيم، ويتقربون إليهم كما يتقربون إليه تعالى إذ هم لا يرجون من الله شيئًا إلا وقد جعلوا لأندادهم ضربًا من التوسط الغيبي فيه، فهم مشركون بهذا الحب الذي لا يصدر من مؤمنٍ موحدٍ، وللمشركين أندادٌ متعددون وأرباب متفرقون، فإذا حزبه أمر، أو نزل به ضرٌّ .. لجأ إلى بشرٍ، أو حجر، فهو دائمًا مبلبل البال، لا يستقر من القلق على حال. وقيل المعنى (٢): يحبون الأصنام كما يحب المؤمنون ربهم ، ومن قال بالقول الأول .. فقد أثبت للكفار محبةَ اللهِ تعالى، لكن جعلوا الأصنام شركاء له في الحب، ومن قال بالثاني .. لم يثبت للكفار محبةَ الله تعالى. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾؛ أي: أكثر وأثبت وأدوم على محبتهم لله تعالى من الكفار لأصنامهم؛ لأنهم لا يختارون مع الله غيره والمشركون قد اتخذوا صنمًا، ثم رأوا آخر أحسن منه، طرحوا الأول واختاروا الثاني. وقيل: إن الكفار يعدلون عن أصنامهم في الشدائد، ويقبلون إلى الله تعالى كما أخبر عنهم. ﴿فَإِذَا رَكِبُوا في الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ والمؤمنون لا يعدلون عن الله تعالى في السرّاء ولا في الضّراء، ولا في الشدة ولا في الرخاء. وقيل: إن المؤمنين يوحدون ربهم، والكفار يعبدون أصنامًا كثيرة؛ فتنقص المحبة لصنم واحد، قال أبو حيان: والمفضل عليه محذوف؛ وهم المتخذون الأنداد، وهذه الجملة كالاستدراك (٣)؛ لما يفيده التشبيه من التساوي؛ أي: لكن

стр. 1102

إن حب المؤمنين لله أشد من حب الكفار للأنداد؛ لأن المؤمنين يخصون الله سبحانه بالعبادة والدعاء، والكفار لا يخصون بذلك بل يشركون الله معهم، ويعترفون بأنهم إنما يعبدون أصنامهم؛ ليقربوهم إلى الله تعالى. ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قرأ الجمهور: بالياء التحتانية، و ﴿إذ﴾ في قوله: ﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ بمعنى إذا الدالة على المستقبل، وقرأ الجمهور أيضًا قوله: ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ بفتح همزة ﴿أن﴾ في الموضعين، و ﴿يَرَى﴾ بصرية، وجواب ﴿لو﴾ محذوف، وجملة ﴿أن﴾ معمولة لجواب ﴿لو﴾ المحذوف؛ والمعنى: ولو رأى وشاهد الذين ظلموا أنفسهم بالشرك، واتخاذ الأنداد في الدنيا وقت رؤيتهم العذاب يوم القيامة .. لعلموا أن القوة لله جميعًا، وأن الله شديد العذاب، وأن الأنداد عاجزة لا تنفع ولا تضر. وعلى قراءة بعض القراء، غير السبع - أي في الشواذة - بكسر الهمزة من ﴿أن﴾؛ والمعنى حينئذ: ولو يرى الذين ظلموا بعبادة الأصنام عجزها حال مشاهدتهم عذاب الله .. لقالوا: إن القوة لله جميعًا. وقرأ نافع وابن عامر في المتواتر: ﴿ترى﴾ بالتاء الفوقية مع فتح الهمزة في ﴿أن﴾ على الخطاب للرسول ﷺ ، أو لكل من يصلح للخطاب؛ والمعنى: ولو ترى يا محمَّد الذين ظلموا حالهم إذ يرون العذاب .. لعلمت أن القوة لله جميعًا، ولو كسرت الهمزة .. كان المعنى: ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب .. لقلت: إن القوة لله جميعًا، وقرأ ابن عامر: ﴿إذ يُرون﴾ بضم الياء. وقال أبو حيان (١): قال عطاء: المعنى: ولو يرى الذين ظلموا يوم القيامة إذ يرون العذاب حين تخرج إليهم جهنم من مسيرة خمس مئة عام، تلتقطهم كما يلتقط الحمام الحبة .. لعلموا أن القوة لله والقدرة لله جميعًا. وقيل المعنى: لو يعلمون في الدنيا ما يعلمونه إذ يرون العذاب .. لأقروا

стр. 1103

بأن القوة لله جميعًا؛ أي: لتبرؤا من الأنداد، و ﴿يرى﴾ الثانية: من رؤية العين. انتهى. ١٦٦ - ﴿إِذْ﴾ في قوله: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ بدل من قوله: ﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾؛ أي: ولو يرى الذين ظلموا حالهم إذ يتبرأ ويتخلص الرؤساء الذين اتبعوا، وأضلوا أتباعهم لعلموا أن القوة لله جميعًا، وأن الله شديد العذاب. ﴿مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾؛ أي: من السفلة والأتباع الذين اتبعوهم في الضلال، كما قال تعالى: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾، ﴿و﴾ قد ﴿رأوا العذاب﴾؛ أي: والحال أن الرؤساء والسفلة كلهم قد رأوا العذاب ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾؛ أي: وقد انقطعت عنهم الأسباب والمواصلات التي كانت بينهم في الدنيا من الأرحام والمودة على الكفر، وأنكر المتبوعون إضلال الأتباع، وانقلبت مودتهم عداوة. وقرأ الجمهور: ﴿اتُّبِعُوا﴾ الأول مبنيًّا للمفعول والثاني مبنيًّا للفاعل، وقرأ مجاهد في الشواذ: بالعكس، ومعنى تبرأ المتبوعين: قولهم إنا لم نضل هؤلاء، بل كفروا بإرادتهم، وعقاب كفرهم عليهم لا علينا، ومعنى تبرأ التابعين: هو انفصالهم عن متبوعيهم، والندم على عبادتهم وطاعتهم. ١٦٧ - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾؛ أي: الأتْباع ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾؛ أي: ليت لنا رجعة إلى الدنيا ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ﴾؛ أي: نتخلص من المتبوعين في الدنيا إذا رجعنا إليها، فنتبع سبيل الحق، ونأخذ بالتوحيد الخالص، ونهتدي بكتاب الله وسنة رسوله، ثم نعود إلى موضع الحساب، فنتبرأ من هؤلاء الضالين ﴿كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾؛ أي: كما تبرأ المتبوعون منا في هذا اليوم العصيب، ونسعد بعملنا حيث هم أشقياء بأعمالهم ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: كما أراهم شدة عذابه ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ السيئة من الشرك وغيره حالة كونها ﴿حَسَرَاتٍ﴾؛ أي: ندامات شديدة ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على تفريطهم فيها؛ لأنهم أيقنوا بالهلاك والعذاب الشديد عليها، والحسرة (١) الغم على ما فاته، وشدة الندم عليه، كأنه انحسر عنه الجهل الذي حمله على ما

стр. 1104

ارتكبه. والمعنى: أن الله تعالى يريهم السيئات التي عملوها وارتكبوها في الدنيا، فيتحسرون لِمَ عملوها، وقيل: يريهم ما تركوا من الحسنات، فيندمون على تضييعها، وقيل: يرفع لهم منازلهم في الجنة، فيقال لهم: تلك مساكنكم لو أطعتم الله، ثم تقسم بين المؤمنين، فذلك حين يتحسرون ويندمون على ما فاتهم، ولا ينفعهم الندم ﴿وَمَا هُمْ﴾؛ أي: وما القادة والسفلة ﴿بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ بعد دخولها، بل هم فيها دائمون. أصله (١): وما يخرجون، فعدل به إلى هذه العبارة؛ للمبالغة في الخلود والإقناط عن الخلاص، والرجوع إلى الدنيا. الإعراب ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾. ﴿وَإِلَهُكُمْ﴾: الواو استئنافية ﴿إلهكم﴾: مبتدأ ومضاف إليه. ﴿إِلَهٌ﴾: خبر. ﴿وَاحِدٌ﴾: صفة له، والجملة مستأنفة. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿إِلَهَ﴾: في محل النصب اسمها، وخبر (لا) محذوف جوازًا، تقديره: موجود، وجملة ﴿لَا﴾ من اسمها وخبرها في محل الرفع خبر ثان لـ ﴿إلهكم﴾، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿هُوَ﴾: ضمير منفصل في محل الرفع بدل من الضمير المستكن في خبر لا. وعبارة "السمين" هنا: ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: أن يكون بدلًا من ﴿هُوَ﴾ بدل ظاهر من مضمر، إلا أن هذا يؤدي إلى البدل بالمشتقات وهو قليل، ويمكن الجواب عنه: بأن هاتين الصفتين جريا مجرى الجوامد، ولا سيما عند من يجعل الرحمن عَلَمًا. الثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو الرحمن، وحسّن حذفه توالي اللفظ بـ ﴿هُوَ﴾ مرتين. الثالث: أن يكون خبرًا ثالثًا لقوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ﴾ أخبر عنه بقوله: ﴿إِلَهٌ

стр. 1105

وَاحِدٌ﴾، وبقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ وبقوله: ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ وذلك عند من يرى تعدد الخبر. الرابع: أن يكون صفة لـ ﴿هُوَ﴾ وذلك عند الكسائي؛ فإنه يجيز وصف ضمير الغائب بصفة المدح، فاشترط في وصف الضمير هذين الشرطين: أن يكون غائبًا، وأن تكون الصفة صفة مدح. انتهت. والأرجح أن يكون ﴿الرَّحْمَنُ﴾: خبرًا ثالثًا لقوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ﴾، و ﴿الرَّحِيمُ﴾ خبرًا رابعًا. ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد. ﴿فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف خبر مقدم لـ ﴿إنَّ﴾ ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على السموات. ﴿وَاخْتِلَافِ﴾: معطوف على ﴿خَلْقِ﴾، وهو مضاف. ﴿اللَّيْلِ﴾: مضاف إليه. ﴿وَالنَّهَارِ﴾: معطوف على ﴿اللَّيْلِ﴾. ﴿وَالْفُلْكِ﴾: معطوف على ﴿خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾. ﴿الَّتِي﴾: صفة للفلك. ﴿تَجْرِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الفلك، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿فِي الْبَحْرِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَجْرِي﴾. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَجْرِي﴾ أيضًا، أو حال من الضمير المستتر في ﴿تَجْرِي﴾؛ تقديره: حالة كونها مصحوبة بالأعيان التي تنفع الناس. ﴿يَنْفَعُ﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على ﴿ما﴾ ﴿النَّاسَ﴾: مفعول به، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها. ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿ما﴾ موصولة، أو موصوفة في محل البحر معطوفة على ﴿خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾ ﴿أَنْزَلَ﴾: فعل ماضٍ. ﴿اللَّهُ﴾: فاعل. ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أنزل﴾، وجملة ﴿أَنْزَلَ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة

стр. 1106

لها، والعائد أو الرابط محذوف؛ تقديره: وما أنزله الله. ﴿مِنْ مَاءٍ﴾: جار ومجرور حال من ضمير المفعول المحذوف. ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. ﴿فَأَحْيَا﴾ ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتعقيب، ﴿أحيا﴾: فعل ماض. ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿فَأَحْيَا﴾. ﴿الْأَرْضَ﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَنْزَلَ﴾ على كونها صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها. ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. ﴿وَبَثَّ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿بث﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿فِيهَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿بث﴾، والجملة من الفعل والفاعل معطوفة على جملة ﴿أَنْزَلَ﴾ على كونها صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير محذوف؛ تقديره: وما بث به، وفي "السمين" ما حاصله: أن بعضهم أجاز حذف العائد المجرور بالحرف وإن لم يجر الموصول بمثله كما هنا، وذكر شواهد على ذلك. انتهى. ﴿مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه حال من العائد المحذوف. ﴿وَتَصْرِيفِ﴾: معطوف على ﴿خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾، وهو مضاف. ﴿الرِّيَاحِ﴾: مضاف إليه. ﴿وَالسَّحَابِ﴾: معطوف على ﴿خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾. ﴿الْمُسَخَّرِ﴾: صفة للسحاب. ﴿بَيْنَ السَّمَاءِ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿المسخر﴾. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاءِ﴾ ﴿لَآيَاتٍ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿آيات﴾: اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر منصوب بالكسرة، وجملة ﴿إِنَّ﴾ من اسمها وخبرها مستأنفة استئنافًا نحويًّا. ﴿لِقَوْمٍ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة ﴿لَآيَاتٍ﴾. ﴿يَعْقِلُونَ﴾: جملة فعلية في محل الجر صفة لـ ﴿قَوْمٍ﴾، والرابط ضمير الفاعل. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾.

стр. 1107

﴿وَمِنَ﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية، ﴿من الناس﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مِنَ﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة. ﴿يَتَّخِذُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾، والجملة صلة الموصول، وأفرد الضمير في ﴿يَتَّخِذُ﴾ حملًا على لفظ ﴿مِن﴾. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يتخذ﴾، و ﴿دُونِ﴾ هنا: بمعنى (غير)، وأصلها أن يكون ظرف مكان، وهي نادرة التصرف. ﴿أَنْدَادًا﴾: مفعول به لـ ﴿يَتَّخِذُ﴾، وهو يتعدى لمفعول واحد. ﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، وأتى هنا بواو الجمع نظرًا لمعنى ﴿مِنْ﴾، والجملة في محل النصب صفة لـ ﴿أَنْدَادًا﴾. ﴿كَحُبِّ اللَّهِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف؛ صفة لمصدر محذوف؛ تقديره: حبًّا كائنًا كحب الله. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿أَشَدُّ﴾: خبر المبتدأ، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾. ﴿حُبًّا﴾: تمييز محول عن المبتدأ منصوب بـ ﴿أشد﴾. ﴿لِلَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿حبا﴾ و ﴿من﴾ الداخلة على المفضل عليه محذوفة؛ تقديره: أشد حبًّا لله من حب هؤلاء لأندادهم. ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾. ﴿وَلَوْ﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿لو﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿يَرَى الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لو﴾. ﴿ظَلَمُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل، و ﴿يَرَى﴾ هنا بصرية تتعدى لواحد. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، ولكنها مضمنة معنى ﴿إذا﴾ الدالة على المستقبل. ﴿يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذ﴾، والظرف متعلق بـ ﴿يَرَى﴾، ومفعول ﴿يَرَى﴾ محذوف؛ تقديره: ولو رأى الذين ظلموا في الدنيا حالَهم وقت رؤيتهم العذاب في الآخرة، وجواب

стр. 1108

﴿لو﴾ محذوف؛ تقديره: لعلموا أن القوة لله جميعًا، وجملة ﴿لو﴾ مستأنفة. ﴿أَنَّ﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿الْقُوَّةَ﴾: اسمها. ﴿لِلَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ﴿أن﴾، وجملة ﴿أن﴾ من اسمها وخبرها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية للجواب المحذوف؛ تقديره: لعلموا كون القوة لله وحده، ﴿جَمِيعًا﴾: حال من الضمير المستكن في خبر ﴿أن﴾؛ أعني الجار والمجرور. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾: ﴿أن﴾: حرف نصب ومصدر، ولفظ الجلالة: اسمها. ﴿شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾: خبرها ومضاف إليه، وجملة ﴿أن﴾ معطوفة على جملة ﴿أن﴾ الأولى على كونها مفعولًا للجواب المحذوف. ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، ولكنها بمعنى ﴿إذا﴾. ﴿تَبَرَّأَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه، و ﴿إِذْ﴾ بدل من ﴿إِذْ﴾ في قوله: ﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾، ﴿اتُّبِعُوا﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير نائب. ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَبَرَّأَ﴾. ﴿اتَّبَعُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾. ﴿وَرَأَوُا﴾: ﴿الواو﴾ حالية، ﴿رأوا العذاب﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل النصب حال من الموصولين؛ تقديره: حالة كون المتبوعين والأتباع رائين العذاب. ﴿وَتَقَطَّعَتْ﴾: الواو: عاطفة، ﴿تقطع﴾: فعل ماضٍ. ﴿بِهِمُ﴾: متعلق به، والباء بمعنى (عن). ﴿الْأَسْبَابُ﴾: فاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿رَأَوُا﴾. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾. ﴿وَقَالَ﴾: الواو: استئنافية، ﴿قال الذين﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿اتَّبَعُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿لَوْ﴾ مقول محكي لـ ﴿قال﴾ وإن شئت قلت ﴿لَوْ﴾: حرف تمن. ﴿أَنَّ﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿لَنَا﴾: جار

стр. 1109

ومجرور خبر مقدم لـ ﴿أن﴾. ﴿كَرَّةً﴾: اسمها مؤخر، وجملة ﴿أَنَّ﴾ من اسمها وخبرها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لفعلٍ محذوف دل عليه حرف التمني؛ تقديره: وقال الذين اتبعوا: نتمنى كون كرة لنا. ﴿فَنَتَبَرَّأَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة سببية، ﴿نتبرأ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أن﴾ مضمرة وجوبًا بعد الفاء السببية الواقعة في جواب التمني، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا؛ تقديره: نحن ﴿منهم﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿نتبرأ﴾، والجملة من الفعل والفاعل صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الجملة التي قبلها من غير سَابِقٍ لإصلاح المعنى؛ تقديره: نتمنى كون كرة لنا، فنتبرأ منهم. ﴿كَمَا﴾: ﴿الكاف﴾: حرف جر، ﴿ما﴾: مصدرية. ﴿تَبَرَّءُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنَّا﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالكاف؛ تقديره: كتبرؤهم منا، والجار والمجرور صفة لمصدر محذوف؛ تقديره: فنتبرأ منهم تبرؤًا كائنًا كتبرئهم منا. ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾. ﴿كَذَلِكَ﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف؛ تقديره: يريهم الله أعمالهم إراءةً كائنة كإراءتهم العذاب الشديد. ﴿يُرِيهِمُ﴾: فعل ومفعول أول، وهو من (رأى) البصرية تعدى بالهمزة إلى مفعولين. ﴿اللَّهُ﴾: فاعل. ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾: مفعول ثان ومضاف إليه، والجملة مستأنفة. ﴿حَسَرَاتٍ﴾: حال من أعمالهم. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿حَسَرَاتٍ﴾ ﴿وَمَا هُم﴾: الواو: عاطفة. ﴿ما﴾ حجازية، أو تميمية. ﴿هُم﴾ اسمها، أو مبتدأ. ﴿بِخَارِجِينَ﴾: ﴿الباء﴾: زائدة، ﴿خارجين﴾: خبر ما، أو خبر المبتدأ. ﴿مِنَ النَّارِ﴾: متعلق بـ ﴿خارجين﴾، وجملة ﴿ما﴾ من اسمها وخبرها، أو جملة المبتدأ والخبر معطوفة على جملة ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ على كونها مستأنفة. التصريف ومفردات اللغة ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ والليل: اسم جنس يفرق بينه وبين واحده بالتاء، فيقال: ليل وليلة كتمر وتمرة، والصحيح: أنه مفرد ولا يحفظ له جمع، ولذلك

стр. 1110

خطأ الناس مَنْ زعم أن الليالي جمع ليل، بل الليالي جمع ليلة، وقدم الليل على النهار؛ لأنه سابقه. قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ وهذا أصح القولين، وقيل: النور سابق الظلمة، ونبني على هذا الخلاف فائدة وهي: أن الليلة هل هي متابعة لليوم قبلها، أو لليوم بعدها؟ فعلى القول الصحيح: تكون الليلة لليوم بعدها، فيكون اليوم تابعًا لها، وعلى القول الثاني: تكون لليوم قبلها، فتكون الليلة متابعة له، فيوم عرفة على القول الأول: مستثنى من الأصل، فإنه تابع لليلة بعده، وعلى الثاني: جاء على الأصل: ذكره "السمين". ﴿وَالْفُلْكِ﴾ ولفظ الفلك يكون مفردًا كقوله تعالى: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ فهو حينئذٍ مذكر، ويكون جمعًا؛ أي: جمع تكسير كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ فإن قيل: إن جمع التكسير لا بد فيه من تغيرٍ ما، وهنا لا تغير .. فالجواب أن تغيره مقدر، فالضمة في حالة كونه جمعًا كالضمة في حُمر وبُدن، وفي حالة كونه مفردًا كالضمة في قُفل، وهو هنا جمع بدليل قوله: التي تجري في البحر. ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ تصريف: مصدر صرّف المضاعف، ويجوز أن يكون مضافًا للفاعل، والمفعول محذوف؛ أي: وتصريف الرياح السحاب، فإنها تسوق السحاب، وأن يكون مضافًا للمفعول، والفاعل محذوف؛ أي: وتصريف الله الرياح، والرياح: جمع ريح جمع تكسير، وياء الريح والرياح منقلبة من واو، والأصل روح ورواح؛ لأنه من راح يروح، وإنما قلبت في ريح؛ لسكونها وانكسار ما قبلها، وفي رياح؛ لأنها عين في جمع بعد كسرة، وبعدها ألف، وهي ساكنة في المفرد، وهو إبدال مطرد، ولذلك لمّا زال موجب قلبها .. رجعت إلى أصلها، فقالوا: أرواح. ﴿مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ يتخذ: يفتعل من الأخذ، وهي متعدية إلى واحد، وهو أندادًا، والأنداد: جمع ند كأرطال جمع رطْل، والنِّد بكسر النون: الشبيه والمثل.

стр. 1111

﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا﴾ وأتى بأشد متوصلًا به إلى أفعل التفضيل من مادة الحب؛ لأن حب مبني للمفعول، والمبني للمفعول لا يُتعجب منه، ولا يبنى منه أفعل التفضيل؛ فلذلك أتى بما يجوز ذلك منه، وأما قولهم: ما أحبه إلي .. فشاذٌّ. ذكره الكرخي. قال الراغب: الحب أصله من المحبة، يقال: أحببته، أصبت حبة قلبه، وأصبته بحبة القلب، وهي في اللفظ فعل، وفي الحقيقة انفعال، وإذا استعمل في الله .. فالمعنى: أصاب حبه قلب عبده، فجعلها مصونةً عن الشيطان والهوى وسائر أعداء الله انتهى. وقال عبد الجبار: حب العبد لله تعظيمه والتمسك بطاعته، وحب الله. العبد إرادة الثناء عليه وإثابته. انتهى. ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ وجميع: في الأصل فعيل من الجميع، وكأنه اسم جمع، فلذلك يتبع تارة بالمفرد، قال تعالى: ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾، وتارة بالجمع، قال تعالى: ﴿جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ وينتصب حالًا، ويؤكد به بمعنى (كل)، ويدل على الشمول كدلالة (كل) عليه. ﴿الْأَسْبَابُ﴾: جمع سبب، وأصله الحبل، والمراد به: ما يكون بين الناس من الروابط كالنسب والصداقة. ﴿كَرَّةً﴾ الكرة: الرجعة والعودة، وفعلها كر يكر كرًّا، وفي المختار الكر: الرجوع، وبابه: رَدّ. ﴿حَسَرَاتٍ﴾: جمع حسرة، وهي أشد الندم على شيء فائت، وفي المصباح: حسرت على شيء حسرًا من باب تعب، والحسرة اسم منه، وهي التلهف والتأسف، وحسَّرته بالتشديد أوقعته في الحسرة. انتهى. البلاغة ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ورد الخبر خاليًا من التأكيد تنزيلًا للمنكر منزلة غير المنكر، وذلك لأن بين أيديهم من البراهين الساطعة والحجج القاطعة ما لو

стр. 1112

تأملوه .. لوجدوا فيه غاية الإقناع. ﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ﴿إِلَهٌ﴾ خبر المبتدأ؛ ﴿وَاحِدٌ﴾: صفته، وهو - أعني لفظ ﴿وَاحِدٌ﴾ - الخبر في الحقيقة؛ لأنه محط الفائدة، ألا ترى أنه لو اقتصر على ما قبله لم يفسد، وهو ذا يشبه الحال الموطئة، نحو: مررت يزيد رجلًا صالحًا، فرجلًا حال، وليست مقصودة، إنما المقصود وصفها. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ هذه الجملة تقرير للوحدانية؛ لأن الاستثناء هنا إثبات من نفي، فهو بمنزلة البدل، والبدل هو المقصود بالنسبة، وإزاحة لأن يتوهم أن في الوجود إلهًا، ولكن لا يستحق منهم العبادة، ذكره الكرخي. ﴿لَآيَاتٍ﴾ التنكير في آيات للتفخيم، أي: آيات عظيمة دالة على قدرة قاهرة، وحكمة باهرة. ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾ ﴿إِنَّ﴾: حرف توكيد ونصب، والجار والمجرورات به خبرها مقدم، واسمها قوله: ﴿لَآيَاتٍ﴾ بزيادة لام الابتداء فيه، والتقدير: إن آيات لكائنة في خلق السموات ... الخ فيفيد هذا التركيب أن في كل واحد من هذه المجرورات آيات متعددة، وهو كذلك كما بيناه فيما مر. ﴿كَحُبِّ اللَّهِ﴾: فيه تشبيه مرسل مجمل حيث ذكرت الأداة، وحذف وجه الشبه. ﴿أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ التصريح بالأشدِّية أبلغ أن يقال: أحب لله، كقوله: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ مع صحة أن يقال: أو أقسى. ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ فيه وضع الظاهر موضع المضمر، والظاهر أن يقال: ﴿ولو يرون﴾ لإحضار الصورة في ذهن السامع، وتسجيل لسبب في العذاب الشديد، وهو الظلم الفادح. ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا ...﴾ إلخ في هذه الجمل من أنواع البديع نوع يسمى الترصيع؛ وهو أن يكون الكلام مسجوعًا، كقوله تعالى: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ وهو في القرآن كثير، وهو في هذه الآية في موضعين: أحدهما: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ وهو محسن الحذف

стр. 1113

لضمير الموصول في قوله: ﴿اتبعوا﴾ إذ لو جاء اتبعوهم .. لَفاتَ هذا النوع من البديع. والموضع الثاني: ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ وفي استعمال السبب في المواصلة مجازٌ، فإن السبب في الأصل الحبل الذي يُرتقى به للشجرة، ثم أطلق على ما يتوصل به إلى شيء عينًا كان أو معنى. ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ الجملة اسمية وإيرادها بهذه الصيغة؛ لإفادة دوام الخلود. والله أعلم * * *

стр. 1114

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦)﴾. المناسبة قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا ...﴾ مناسبة (١) هذه الآية لما قبلها: أنه لمّا بين التوحيد، ودلائله، وما للمؤمنين المتقين والكفرة العاصين .. أردف ذلك بذكر إنعامه على الكافر والمؤمن؛ ليدل على أن الكفر لا يؤثر في قطع الإنعام؛ لأنه عام إحسانه لجميع الأنام دون تمييز بين مؤمن وكافر، وبر وفاجر، ثم دعا المؤمنين إلى شكر المنعم جل وعلا، والأكل من الطيبات التي أباحها الله تعالى، واجتناب ما حرمه الله من أنواع الخبائث. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ ...﴾ مناسبته (٢) لما قبله: أنّه

стр. 1115

تعالى لمّا أخبر أنه عدو .. أخذ بذكر ثمرة العداوة وما نشأ عنها؛ وهو أمره - عليه لعائن الله - لمن اتبعه بالسوء والفحشاء. قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ...﴾ مناسبة (١) هذه الآية لما قبلها: أنه لمّا ذكر أن هؤلاء الكفار إذا أُمروا باتباع ما أنزل الله .. أعرضوا عن ذلك، ورجعوا إلى ما ألفوه من اتباع الباطل الذي نشؤوا عليه، ووجدوا عليه أباءهم، ولم يتدبروا ما يقال لهم، وصموا عن سماع الحق، وخرسوا عن النطق به، وعموا عن أبصار النور الساطع النبوي .. ذكر هذا التشبيه العجيب في هذه الآية منبهًا على حالة الكافر في تقليده أباه، ومحقرًا نفسه إذ صار هو في رتبة البهيمة، أو في رتبة داعيها على الخلاف المذكور في هذا التشبيه. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ...﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه تعالى لمّا أباح لعباده أكل ما في الأرض من الحلال الطيب، وكانت وجوه الحلال كثيرة .. بين لهم ما حرّم عليهم لكونه أقل، فلما بين ما حرم بقي ما سوى ذلك على التحليل حتى يرد منع آخر، وهذا مثل قوله ﷺ لما سئل عمّا يلبس المُحْرِم؟ فقال: "لا يلبس القميص ولا السراويل" فعدل عن ذكر المباح إلى ذكر المحظور: لكثرة المباح، وقلة المحظور، وهذا من الإيجاز البليغ. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ ...﴾ مناسبته (٢) لما قبله: أنه تعالى لمّا أمر بأكل الحلال في الآية السابقة .. فصل هنا أنواع الحرام، وأسند التحريم إلى الميتة وما نسق بعدها وفي المقام حذف، والظاهر أن المحذوف هو الأكل؛ لأن التحريم لا يتعلق بالعين، ولأن السابق المباح هو الأكل في قوله: ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ فالممنوع هنا هو الأكل، وكذا غيره من سائر الانتفاعات على الراجح.

стр. 1116

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ هذه (١) الآية مناسبتها لما قبلها: أنه تعالى ذكر في الآية قبلها إباحة الطيبات، ثم فصل أشياء من المحرمات، فناسب أن يذكر جزاء من كتم شيئًا من دين الله، وما أنزله على أنبيائه، فكان ذلك تحذيرًا أن يقع المؤمنون فيما وقع فيه أهل الكتاب مِن كتمِ ما أنزل الله عليهم، واشترائهم به ثمنًا قليلًا. أسباب النزول قوله (٢) تعالى ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ..﴾ الآية، أخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيد، أو عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: (دعا رسول الله ﷺ اليهود إلى الإِسلام، ورغبهم فيه، وحذرهم عذاب الله ونقمته، فقال رافع بن حريطة ومالك بن عون: بل نتبع - يا محمد - ما وجدنا عليه آباءنا، فهم كانوا أعلم وخيرًا منا، فأنزل الله في ذلك: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ...﴾ الآية). قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ...﴾ الآية، أخرج (٣) ابن جرير عن عكرمة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ والتي في آل عمران: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ نزلتا جميعًا في اليهود، وأخرج الثعلبي من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس ﵄ قال: نزلت هذه الآية في رؤساء اليهود وعلمائهم، كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والفضل، وكانوا يرجون أن يكون النبي المبعوث منهم، فلما بعث محمد ﷺ من غيرهم .. خافوا ذهاب مأكلتهم وزوال رياستهم، فعمدوا إلى صفة محمد ﷺ ، فغيروها، ثم أخرجوها إليهم، وقالوا: هذا نعت النبي الذي يخرج في آخر الزمان لا يشبه نعت هذا النبي، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ ...﴾ الآية.

стр. 1117

التفسير وأوجه القراءة ١٦٨ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ قال ابن عباس (١): نزلت هذه الآية في قومٍ من ثقيف، وبني عامر بن صعصعة، وخزاعة، وبني مدلج، حرموا على أنفسهم ما حرموا من الحرث والبحائر والسوائب والوصائل والحام، ولكن الاعتبار بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: كلوا بعض ما في الأرض من أصناف المأكولات التي من جملتها ما حرمتموه افتراءً على الله من الحرث والأنعام، فـ ﴿كُلُوا﴾ أمرُ إباحةٍ وتسويغ؛ لأنه تعالى هو الموجد للأشياء، فهو المتصرف على ما يريد؛ أي: كلوا أكلًا ﴿حَلَالًا طَيِّبًا﴾، أو حال كونه حلالًا؛ أي: مباحًا طيبًا يستطيبه الشرع، أو الطبيعة السليمة، فالحلال (٢): هو المباح الذي أحله الشرع، وانحلت عنه عقدة الحظر، وأصله من الحل الذي هو نقيض العقد. والطيب ما يُستلذ، والمسلم لا يستطيب إلا الحلال، ويعاف الحرام، وقيل: الطيب هو الطاهر؛ لأن النجس تكرهه النفس وتعافه، وقال الحسن: الحلال الطيب هو ما لا يسئل عنه يوم القيامة، وقال ابن عباس ﵄: الحلال الذي لا تبعة فيه في الدنيا، ولا وَبَال عليه في الآخرة. وقد بين الله (٣) ما حرّم من المأكل في الآية الكريمة: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ الآية. فما عدا هذا مباح بشرط أن يكون طيبًا، وهو ما لا يتعلق به حق الغير؛ وبيانه أن المحرم قسمان: الأول: محرم لذاته لا يحل إلا للمضطر. والثاني: محرم لعارض، وهو ما يؤخذ بغير وجه صحيح كما يأخذه الرؤساء من المرؤوسين بلا مقابل، أو يأخذه المرؤوسون بجاه الرؤساء، وكأخذ الربا والرشوة والغصب والسرقة والغش، فكل هذا خبيث غير طيب.

стр. 1118

﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾؛ أي: لا تسلكوا ولا تقتدوا طرق وساوس الشيطان في تحريم الحرث والأنعام، أو لا تقتدوا به في اتباع الهوى، فتحرموا الحلال وتحللوا الحرام، أو لا تتبعوا سيرته في الإغواء ووسوسته في الأمر بالسوء والفحشاء، والمعنى: احذروا أن تتعدوا ما أحل لكم إلى ما يدعوكم إليه الشيطان ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾؛ أي: بيَّن العداوة وظاهرها عند ذوي البصيرة؛ إذ هو منشأ الخواطر الرديئة، والمحرض على ارتكاب الجرائم والآثام. قال تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾. فهذا نهي عن اتباع وحي الباطل والشر؛ لأنه من إغواء الشيطان، فإذا عرض للإنسان داعي البذل لمعاونة البائس الفقير، فهم نفسه بالعمل، ثم جاش في صدره خاطر الاقتصاد والتوفير .. فليعلم أن هذا من وحي الشيطان، ولا ينخدع لما يسِّوله له من إرجاء هذا العطاء، ووضعه في موضع أنفع أو بذله لفقير أحوج. وقرأ ابن عامر (١)، والكسائي، وقنبل، وحفص، وعباس عن أبي عمرو، والبرجمي عن أبي بكر: ﴿خُطُوَاتِ﴾ بضم الخاء والطاء وبالواو، وقرأ باقي السبعة بضم الخاء، وسكون الطاء، وبالواو، وقرأ أبو السمال شذوذًا: ﴿خُطَوات﴾ بضم الخاء وفتح الطاء وبالواو، ونقل ابن عطية، والسجاوندي أن أبا السمال قرأ شذوذًا: ﴿خَطَوات﴾ - بفتح الخاء والطاء وبالواو - جمع خطوة، وهي المرة من الخطو، وقرأ علي، وقتادة، والأعمش، وسلام شذوذًا ﴿خُطُؤات﴾ بضم الخاء والطاء والهزة. ١٦٩ - وقد أظهر الله عداوته بآية السجود لآدم، وبيَّن هنا كيفية عداوته، وفنون شره وإفساده، فقال: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ﴾ الشيطان ﴿بِالسُّوءِ﴾؛ أي: القبيح من الذنوب التي لا حد فيها، ﴿وَالْفَحْشَاءِ﴾؛ أي: المعاصي التي فيها حد، وقيل: العطف فيه لاختلاف الوصفين؛ فإنه سوء لاغتمام العاقل به، وفحشاء باستقباحه إياه، وقيل:

стр. 1119

السوء يعم القبائح، والفحشاء ما يجاوز الحد في القبح من الكبائر ﴿و﴾ يأمركم ﴿أن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾؛ أي: بأن تفتروا على الله ما لا تعلمون أن الله تعالى حرمه، أو حلله كقولكم هذا حلال، وهذا حرام بغير علم ويقين. والمعنى (١): ويأمركم أن تقولوا على الله في دينه ما لا تعلمون علم اليقين أنه شرّعه لكم من عقائد، وشعائر دينية، أو تحليل ما الأصل فيه التحريم، أو تحريم ما الأصل فيه الإباحة، ففي كل ذلك اعتداء على حق الربوبية بالتشريع، وهذا أقبح ما يأمر به الشيطان، فإنه الأصل في إفساد العقائد وتحريف الشرائع. ألا ومن هذا زعم الرؤساء أن لله وسطاء بينه وبين خلقه لا يفعل شيئًا إلا بوساطتهم، فحولوا قلوب عباده عنه وعن سنته في خلقه، وهو يقول: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. فالذين يتركون الأسباب الطبيعية التي قضت سنة الله بربط المسببات بها اعتمادًا على أشخاص من الموتى أو الأحياء يظنون أنَّ لهم نصيبًا من السلطة الغيبية، والتصرف في الأكوان بدون اتخاذ الأسباب قد ضلوا ضلالًا بعيدًا، واتبعوا أمر الشيطان، ومثلهم من اتخذ رأي الرؤساء حجةً في الدين من غير أن يكون بيانًا، أو تبليغًا لما جاء عن الله، فهؤلاء قد أعرضوا عن سنن الله، وأهملوا نعمة العقل، واتخذوا من دون الله الأنداد: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾. ١٧٠ - ثم بين الله كمال ضلالهم، وعدد جناياتهم فقال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾؛ أي: لمن اتبع خطوات الشيطان من المشركين ﴿اتَّبِعُوا﴾ وتمسكوا ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ على رسوله من الوحي، ولا تتبعوا من دونه أولياء .. جنحوا إلى التقليد و ﴿قَالُوا﴾ لا نتبع ما أنزل الله ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا﴾؛ أي: وجدنا ﴿عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ وكبرائنا، وأسلافنا من عبادة الأصنام، وتحريم الطيبات، ونحو ذلك من العقائد

стр. 1120

الزائفة، والمذاهب الفاسدة ﴿أ﴾ يتبعون ما ألفوا عليه آباءهم في كل حال، وفي كل شيء ﴿ولو كان أباؤهم﴾؛ أي: وإن كان أباؤهم الذين يتبعونهم ﴿لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾؛ أي: لا يعلمون شيئًا من أمر الدين وعقائده وعباداته، ولفظ ﴿شَيْئًا﴾ عام ومعناه خاص، وذلك أنهم كانوا يعقلون أمر الدنيا، ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ إلى الحق والصواب؛ أي: أيتبعونهم ولو تجردوا من دليل عقلي أو نقلي في عقائدهم وعباداتهم، فالهمزة فيه للإنكار والتوبيخ، وتعجيب غيرهم من حالهم؛ أي: لا ينبغي ولا يليق أن يتبعوهم، وهم جهلة لا يعقلون شيئًا، ولا يهتدون. وقال البيضاوي: وجواب (١) ﴿لو﴾ محذوف؛ أي: لو كان أباؤهم جهلة لا يتفكرون في أمر الدين ولا يهتدون .. لاتبعوهم، وقال أبو السعود: أن ﴿لو﴾ في مثل هذا المقام لا تحتاج إلى جواب؛ لأن القصد منها تعميم الأحوال، وهو دليل على المنع من التقليد في أمر الدين لمن قدر على النظر والاجتهاد، وأما إذا اتبع المرء غيره في الدين ممن علم أنه على الحق كالأنبياء والمجتهدين في الأحكام، فهذا ليس بتقليد، بل اتباعٌ لما أنزل الله، كما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. ١٧١ - ﴿وَمَثَلُ﴾؛ أي: وصفة ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وداعيهم إلى الهدى؛ وهو محمد ﷺ ﴿كَمَثَلِ﴾ كصفة الراعي وبهيمته من الإبل والبقر والغنم مثلًا. ﴿الَّذِي يَنْعِقُ﴾ ويصيح ﴿بِمَا لَا يَسْمَعُ﴾؛ أي: كالبهيمة التي لا تفهم معنى ما يقول: ﴿إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾؛ أي: إلا مجرد سماع صوته بلا فهم معناه، شبه راعي الكفار براعي الغنم في مخاطبته من لا يفهم عنه، وشبه الكفار بالغنم في كونهم لا ينتفعون بما دُعوا إليه إلا مجرد سماع صوت، ففيه الحذف من الأول ما أثبت نظيره في الثاني؛ وهو الذي ينعق، ومن الثاني ما أثبت نظيره في الأول؛ وهو المنعوق به، وقيل التقدير: ومثل الذين كفروا في عدم فهمهم عن الله ورسوله كمثل المنعوق به من البهائم التي لا تفهم من الأمر والنهي غير الصوت، فيراد بـ ﴿الَّذِي يَنْعِقُ﴾ الذي

стр. 1121

ينعق به؛ أي: المنعوق به، وعلى هذا التقدير فلا حذف. والفرق بين الدعاء والنداء (١): أن الدعاء للقريب، والنداء للبعيد، والفرق بين الكافر والضال: أن الكافر يرى الحق، ويعرض عنه، ويصرف نفسه عن دلائله؛ فهو كالبهائم يرضى بأن يقوده غيره، ويصرفه كيف يشاء. والضالّ يخطيء الطريق مع طلبه، أو جهله بمعرفته بنفسه، أو بدلالة غيره. وحاصل المعنى: أن مثل الكافرين في تقليدهم لآبائهم ورؤسائهم، وإخلادهم إلى ما هم عليه من الضلال، وعدم تألمهم فيما يُلقى إليهم من الأدلة مثل البهائم التي ينعق عليها الراعي، ويسوقها إلى المرعى، ويدعوها إلى الماء، ويزجرها عن الحمى، فتستجيب دعوته، وتنزجر بزجره، وهي لا تعقل مما يقول شيئًا ولا تفهم له معنى، وإنما تسمع أصواتًا تقبل لسماع بعضها، وتدبر لسماع بعض آخر بالتعود، ولا تعقل سببًا للإقبال والإدبار. فهم ﴿صُمٌّ﴾ عن سماع الحق سماع قبول وانتفاع به. ﴿بُكْمٌ﴾ عن النطق به. ﴿عُمْيٌ﴾ عن رؤيته؛ أي: يتصامون عن الحق، ويتباكمون عنه، ويتعامون عنه. ﴿فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾؛ أي: لا يفقهون أمر الله، ودعوة النبي ﷺ ، كما لا تعقل الإبل والغنم كلام الراعي، قيل: المراد به العقل الكسبي؛ لأن العقل الطبيعي كان حاصلًا فيهم، ثم بيّن أن ما حرّمه المشركون حلال. فقال: ١٧٢ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾؛ أي كلوا من حلالات ما أعطيناكم من الحرث والأنعام. قيل (٢): إن الأمر في ﴿كُلُوا﴾ يكون للوجوب كالأكل لحفظ النفس، ودفع الضرر عنها، وقد يكون للندب كالأكل مع الضيف، وقد يكون للإباحة إذا خلا من هذه العوارض. وهذا الذي (٣) ذكره هنا تأكيدٌ للأمر السابق في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا

стр. 1122

فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ وإنما خص المؤمنين هنا؛ لكونهم أفضل أنواع الناس وقيل: المراد بالأكل الانتفاع، وقيل: المراد به الأكل المعتاد، وهو الظاهر. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله طيب ولا يقبل إلا الطيب، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ثم ذكر رجلًا يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام فأنى يستجاب له"؟ أخرجه مسلم. أَشْعَثُ: هو البعيد العهد بالدهن، أَغْبَرَ: هو البعيد العهد بالغسل والنظافة، ويستفاد من هذا الحديث أن المراد بالطيبات الحلالات. ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ الذي رزقكموها على جميع نعمه ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾؛ أي: إن صح أنكم تخصونه بالعبادة، وتقرون أنه إلهكم لا غيره، وأنه هو مولى جميع النعم لا غيره .. فإن الشكر رأس العبادات، وقيل: معناه: إن كنتم عارفين بالله وبنعمه .. فاشكروه عليها. وعن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه (١): "يقول الله تعالى: إنّي والإنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري". ١٧٣ - ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ لمّا (٢) أباح الله تعالى لعباده أكل ما في الأرض من الحلال الطيب، وكانت وجوه الحلال كثيرة لا تنحصر .. بيّن لهم في هذه الآية ما حرم عليهم؛ لكونه أقل، فلما بيّن ما حرم .. بيّن ما سوى ذلك على التحليل حتى يرد منع آخر: وهذا مثل قوله ﷺ لما سئل عما يلبس المُحْرِم فقال: لا يلبس القميص ولا السراويل". فعدل عن ذكر المباح إلى ذكر المحظور؛ لكثرة المباح، وقلة المحظور، وهذا من الإيجاز البليغ. كما مر آنفًا في محل المناسبة.

стр. 1123

و ﴿إِنَّمَا﴾ كلمة موضوعة؛ للدلالة على إثبات المذكور، ونفي غيره، فهي بمعنى ﴿ما﴾ النافية، و ﴿إلا﴾ المثبته؛ أي: ما حرم عليكم شيئًا من الأشياء إلا الميتة؛ أي: إلا أكل الميتة، والانتفاع بها بأي وجهٍ كان؛ وهي التي زالت حياتها بغير ذكاة شرعية، وأُلحق بها بالسُّنة: ما أُبينَ من حيٍّ. رواه أبو داود والترمذي وحسنه بلفظ: "ما قُطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة" وإنما حرم الميتة لما يتوقع من ضررها؛ لأنها إما أن تكون قد ماتت بمرض سابق، أو بعلمة عارضة، وكلاهما لا يؤمن ضرره، ولأن الطباع تستقذرها، وخص منها السمك والجراد في خبر: "أحلت لنا ميتتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال" رواه ابن ماجه والحاكم. ﴿و﴾ إلا ﴿الدم﴾ السفوح كما في سورة الأنعام؛ أي: الجاري، وكانت العرب تجعل الدم في المصارين، ثم تشويه وتأكله، فحرم الله الدم. وخص منه بالقيد المذكور الكبد والطحال، وإنما حُرم الدم؛ لأنه قذر وضارّ كالميتة ﴿و﴾ إلا ﴿لحم الخنزير﴾ وجميع أجزائه، وإنما خص اللحم بالذكر؛ لأنه المقصود بالأكل، وإنما حرم لحم الخنزير؛ لأنه ضار، ولا سيما في البلاد الحارة كما دلت على ذلك التجربة. ﴿و﴾ إلا ﴿ما أهل به لغير الله﴾؛ أي: وما حرم عليكم شيئًا من الأشياء إلا ما رفع به الصوت عند ذبحه لغير الله، من صنم أو غيره مما يعبد من دون الله؛ لأنه من أعمال الوثنيين، فـ ﴿ما﴾ (١) موصولة و ﴿به﴾: نائب فاعل لـ ﴿أهل﴾ و ﴿الباء﴾ بمعنى (في) مع حذف مضاف، والمعنى: وما صيح في ذبحه لغير الله، والمشركون يرفعون الصوت لآلهتهم عند الذبح، فجرى ذلك مجرى أمرهم وحالهم حتى قيل لكل ذابح مهل وإن لم يجهر بالتسمية، وقال الربيع بن أنس، وابن زيد: المعنى: وذكر عليه غير اسم الله، وعلى هذا فـ ﴿غير الله﴾ نائب الفاعل، واللام صلة. وقد نص الفقهاء (٢) على أن كل ما ذكر عليه اسم غير الله، ولو مع اسم الله؛ فهو محرم، ومثل ذلك ما يفعله العامة في القرى؛ إذ يقولون عند الذبح: باسم الله، الله أكبر، يا سيد، يا بدوي، يريدون بذلك أن يتقبل منهم النذر، ويقضي حاجة صاحبه.

стр. 1124

وقال العلماء (١): لو أن مسلمًا ذبح ذبيحة، وقصد بذبحها التقرب إلى غير الله صار مرتدًا، وذبيحته ذبيحة مرتد لا يحل أكلها. وإنما قدّم (٢) لفظة ﴿بِهِ﴾ هنا على قوله: ﴿لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ وأخره عنه في المائدة والأنعام والنحل؛ لأن ﴿الباء﴾ للتعدية كالهمزة والتشديد، فهي كالجزء من الفعل، فكان الموضع الأول أولى بها وبمدخولها، وأخَّر في بقية المواضع نظرًا للمقصود فيها من ذكر المستنكر؛ وهو الذبح لغير الله. ذكره الكرخي. وقرأ الجمهور (٣): ﴿حَرَّمَ﴾ مبنيًا للفاعل مسندًا إلى ضمير اسم الله، وما بعده منصوب، و ﴿ما﴾ في ﴿إِنَّمَا﴾ مهيئة هيأت ﴿إنّ﴾ لدخولها على الجملة الفعلية، وقرأ ابن أبي عبلة شذوذًا: برفع ﴿الميتة﴾ وما بعدها، فتكون ﴿ما﴾ موصولة اسم إن، والعائد عليها محذوف؛ تقديره: إن الذي حرمه الله الميتة، وما بعدها خبر إن، وقرأ أبو جعفر في الشاذ ﴿حُرِّم﴾ مشددًا مبنيًّا للمفعول، و ﴿ما﴾ تحتمل كونها موصولة، أو مهيئة. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي في رواية شاذة: ﴿إنما حَرُمَ﴾ بفتح الحاء وضم الراء مخففة جعله لازمًا ﴿الميتة﴾ وما بعدها مرفوع، وتحتمل ما للوجهين من التهيئة والوصل، و ﴿الميتة﴾ فاعل بـ ﴿حَرُم﴾ إن كانت ﴿ما﴾ مهيِّئة، وخبر إنّ إنْ كانت ﴿ما﴾ موصولة، وقرأ أبو جعفر في المتواتر: ﴿الميّتة﴾ - بتشديد الياء - في جميع القرآن. ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾؛ أي: أُلجىء وأُحوج إلى أكل شيء مما ذكر بأن أصابه جوع شديد، ولم يجد حلالًا يسد به الرمق، أو أكره على تناول ذلك، وقرأ (٤) أبو جعفر في المتواتر: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ بضم النون للاتباع، وبكسرها على أصل حركة التقاء الساكنين، وقرأ ابن محيص شذوذًا بإدغام الضاد في الطاء، وقرأ أبو السمال بكسر الطاء وهي قراءة شاذة أيضًا، والمراد: مَنْ صيرةُ الجوع والعدم إلى

стр. 1125

الاضطرار والاحتياج إلى الميتة حالة كونه غير مباح؛ أي: غير طالب للذة ﴿وَلَا عَادٍ﴾؛ أي: متجاوز سد الجوعة، كما نقل عن الحسن، وقتادة، والربيع، ومجاهد، وابن زيد. وقيل: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ على الوالي وخارج عن طاعته. ﴿وَلَا عَادٍ﴾؛ أي: غير متعد على المسلمين بقطع الطريق، فأكله - ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾؛ أي: فلا حرج ولا ذنب على المضطر المذكور في أكل جميع ما ذكر، لترخيص الله له في ذلك ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ تعالى ﴿غَفُورٌ﴾ لمن أكل في حال الاضطرار ﴿رَحِيمٌ﴾ له حيث أباح له في تناول قدر الحاجة. فخرج بذلك الباغي والعادي، فمن (١) خرج يقطع الرحم، أو يقطع السبيل، أو يفسد في الأرض، أو مفارقًا للجماعة والأئمة، أو خرج في معصية الله كالناشزة والآبق، فاضطر إلى أكل الميتة ونحوها .. لم تحل له ما لم يتب؛ لأن الرخص لا تفعل مع المعصية. أما الباغي والعادي (٢) المقيمان المضطران إلى أكل ما ذكر: فيحل لهما أكله؛ وذلك لأن الترخيص لا يمتنع في حق المقيم العاصي إلا إذا كان مراقَ الدم، وقادرًا على توبة نفسه كالمرتد، وتارك الصلاة بشرطه، أما غيره: فتحل له سائر الرخص التي من جملتها أكل الميتة، هكذا يقتضي كلام الرملي في باب الأطعمة. قلتُ: والظاهر من إطلاق الآية أن الباغي والعادي لا يحل لهما أكل الميتة ونحوها عند الاضطرار مطلقًا؛ أي: سواء كانا مقيمين أو مسافرين. وعبارة المراغي هنا (٣): ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾؛ أي: فمن ألجىء إلى أكل شيء حيث حرم الله عليه بأن لم يجد غيره، وخاف على نفسه الهلاك إن لم يأكل منه، ولم يكن راغبًا فيه لذاته، ولم يتجاوز قدر الحاجة .. فلا
следующие страницы →