﴿مَنْ﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما، ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ على كونه فعل شرط لها، واسمها ضمير يعود على ﴿مَن﴾. ﴿يُرِيدُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر، ﴿الْعِزَّةَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب خبر ﴿كاَنَ﴾، ﴿فَلِلَّهِ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿مَن﴾ الشرطية وجوبًا ﴿لله﴾: خبر مقدم ﴿الْعِزَّةُ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿جَمِيعًا﴾: حال من ﴿الْعِزَّةُ﴾، والجملة في محل الجزم جواب ﴿مَن﴾ الشرطية، وجملة ﴿مَن﴾ الشرطية مستأنفة؛ وقال بعضهم: الجملة تعليل للجواب المحذوف، والتقدير من كان يريد العزة فليطلبها عند الله بطاعته؛ لأن العزة جميعًا لله تعالى، ﴿إِلَيْهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَصْعَدُ﴾، ﴿يَصْعَدُ الْكَلِمُ﴾: فعل وفاعل، ﴿الطَّيِّبُ﴾: صفة لـ ﴿الْكَلِمُ﴾، والجملة الفعلية في مجل النصب حال من الجلالة، ﴿وَالْعَمَلُ﴾: مبتدأ ﴿الصَّالِحُ﴾: صفته، وجملة ﴿يَرْفَعُهُ﴾: خبر ﴿العمل﴾، والجملة الاسمية في محل النصب حال من ﴿الْكَلِمُ﴾، وفاعل ﴿يَرْفَعُهُ﴾ ضمير مستتر يعود على ﴿العمل﴾، وضمير المفعول يعود على ﴿الْكَلِمُ﴾؛ أي: العمل الصالح يرفع الكلم، وقيل: الفاعل ضمير الله، فتعود هاء المفعول على العمل، والجملة الاسمية حينئذ مستأنفة. ﴿وَالَّذِينَ﴾: الواو: استئنافية، ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ أول، ﴿يَمْكُرُونَ﴾: فعل وفاعل، صلة الموصول، ﴿السَّيِّئَاتِ﴾: صفة لمفعول مطلق محذوف؛ أي: المكرات السيئات، أو مفعول به على تضمين ﴿يَمْكُرُونَ﴾ بمعنى: يكتسبون، ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم، ﴿عَذَابٌ﴾: مبتدأ ثانٍ مؤخر ﴿شَدِيدٌ﴾ صفته، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر للأول، وجمملة الأول مستأنفة، ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ﴾: مبتدأ أول ومضاف إليه، ﴿هُوَ﴾: مبتدأ ثانٍ، ولا يجوز كونه ضمير فصل لعدم توفر شروطه الستة بكون ما بعده جملة فعلية، وجملة ﴿يَبُورُ﴾: خبر للمبتدأ الثاني، وجملة الثاني خبر للأول، معطوفة على جملة قوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾.
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١١)﴾.
﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿خَلَقَكُمْ﴾: خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، ﴿مِنْ تُرَابٍ﴾: متعلق بـ ﴿خلق﴾، ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾: معطوف على قوله: ﴿مِنْ تُرَابٍ﴾، ﴿ثُمَّ
стр. 10607
جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على الله ومفعولان، والجملة معطوفة على جملة ﴿خَلَقَكُمْ﴾، ﴿وَمَا﴾: الواو: عاطفة، ﴿ما﴾: نافية، ﴿تَحْمِلُ﴾: فعل مضارع، ﴿مِنْ﴾: زائدة، ﴿أُنْثَى﴾: فاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَاللَّهُ﴾: عطف فعلية على اسمية، ﴿وَلَا تَضَعُ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على ﴿أُنْثَى﴾: معطوف على ﴿تَحْمِلُ﴾، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿بِعِلْمِهِ﴾: حال من فاعل ﴿تَضَعُ﴾؛ أي: إلا حالة كونها متلبسة بعلمه تعالى. ﴿وَمَا﴾: الواو: عاطفة، ﴿ما﴾: نافية، ﴿يُعَمَّرُ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة ﴿مِن﴾: زائدة، ﴿مُعَمَّرٍ﴾: نائب فاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى﴾، ﴿وَلَا يُنْقَصُ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ﴿مِنْ عُمُرِهِ﴾: جار ومجرور صفة لنائب فاعل محذوف تقديره ولا ينقص شيء من عمره والجملة معطوفة على جملة قوله ﴿وَمَا يُعَمَّرُ﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة أستثناء مفرغ ﴿فِي كِتَابٍ﴾: جار ومجرور حال من نائب فاعل ﴿يُعَمَّرُ﴾ و ﴿يُنْقَصُ﴾؛ أي: ولكنه على تقدير مضاف؛ أي: إلا حال كون زيادة عمره ونقصانه كائنين في كتاب. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب، ﴿ذَلِكَ﴾: اسمها ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَسِيرٌ﴾، و ﴿يَسِيرٌ﴾: خبرها، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)﴾.
﴿وَمَا﴾: الواو: استئنافية، ﴿ما﴾: نافية، ﴿يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿هَذَا عَذْبٌ﴾: مبتدأ، وخبر، ﴿فُرَاتٌ﴾: خبر ثانٍ، أو صفة لـ ﴿عَذْبٌ﴾، ﴿سَائِغٌ﴾: خبر ثالث، ﴿شَرَابُهُ﴾: فاعل سائغ؛ لأنه صفة مشبهة؛ أي: تسهل انحداره، ويجوز أن يكون ﴿سَائِغٌ﴾: خبرًا مقدمًا، ﴿شَرَابُهُ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة صفة ثانية لـ ﴿عَذْبٌ﴾، وجملة قوله: ﴿هَذَا عَذْبٌ﴾ في محل النصب حال من البحران، ﴿وَهَذَا﴾: مبتدأ ﴿مِلْحٌ﴾: خبر ﴿أُجَاجٌ﴾: صفة له، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿هَذَا عَذْبٌ﴾. ﴿وَمِنْ﴾: الواو: إما عاطفة، والجملة بمثابة التتمة والتكميل للتمثيل، أو استئنافية، فتكون الجملة مستأنفة استطرادية. ﴿مِنْ كُلٍّ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَأْكُلُونَ﴾، وهنا صفة محذوفة لـ ﴿كُلِّ﴾؛ أي ومن كل منهما، ﴿تَأْكُلُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة إما معطوفة
стр. 10608
على جملة قوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ﴾، أو مستأنفة، ﴿لَحْمًا﴾: مفعول به، ﴿طَرِيًّا﴾: صفة له ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿تَأْكُلُونَ﴾، ﴿حِلْيَةً﴾: مفعول به، ﴿تَلْبَسُونَهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة صفة لـ ﴿حِلْيَةً﴾، ﴿وَتَرَى﴾: الواو: عاطفة ﴿ترى﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على أيِّ مخاطب، ﴿الْفُلْكَ﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿تَأْكُلُونَ﴾. ﴿فِيهِ﴾: متعلق بـ ﴿مَوَاخِرَ﴾، أو بـ ﴿ترى﴾، ﴿مَوَاخِرَ﴾ حال من ﴿الْفُلْكَ﴾؛ لأن الرؤية هنا بصرية ﴿لِتَبْتَغُوا﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل، ﴿تبتغوا﴾: فعل مضارع وفاعل منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: لابتغائكم ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿مَوَاخِرَ﴾، ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾: متعلق بـ ﴿تبتغوا﴾، ﴿وَلَعَلَّكُمْ﴾: لعل حرف نصب وتعليل، والكاف: اسمها، وجملة ﴿تَشْكُرُونَ﴾ خبرها، وجملة ﴿لعل﴾ معطوفة على جملة ﴿لِتَبْتَغُوا﴾ عطف على علة أو مستأنفة.
﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾.
﴿يُولِجُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله، ﴿اللَّيْلَ﴾: مفعول به، ﴿فِي النَّهَارِ﴾ متعلق بـ ﴿يُولِجُ﴾، والجملة مستأنفة، أو في محل النصب حال من فاعل ﴿خَلَقَكُمْ﴾، وجملة ﴿وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على الله، معطوف على ﴿يُولِجُ﴾، ﴿وَالْقَمَرَ﴾: معطوف على ﴿الشَّمْسَ﴾، ﴿كُلٌّ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَجْرِي﴾: خبره، ﴿لِأَجَلٍ﴾: متعلق بـ ﴿يَجْرِي﴾. ﴿مُسَمًّى﴾: نعت لـ ﴿أَجَلٍ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب حال من الشمس والقمر.
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾.
﴿ذَلِكُمُ﴾: مبتدأ، ﴿اللَّهُ﴾: خبر أول ﴿رَبُّكُمْ﴾: خبر ثان ﴿لَهُ﴾: خبر مقدم ﴿الْمُلْكُ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل الرفع خبر ثالث
стр. 10609
لـ ﴿ذَلِكُمُ﴾، وجملة ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ مستأنفة، ﴿وَالَّذِينَ﴾: الواو: استئنافية، أو حالية ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ، ﴿تَدْعُونَ﴾: فعل وفاعل، صلة الموصول، ﴿مِنْ دُونِهِ﴾: حال من فاعل ﴿تَدْعُونَ﴾، ﴿مَّا﴾: نافية، ﴿يَمْلِكُونَ﴾: فعل وفاعل خبر ﴿الَّذِينَ﴾. ﴿مِن﴾: حرف جر زائد، ﴿قِطْمِيرٍ﴾: مفعول به، والجملة الاسمية مستأنفة، أو حال من الضمير المستكن في قوله: ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾، ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم، ﴿تَدْعُوهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، ﴿لَا﴾: نافية، ﴿يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه جوابًا لها، وجملة ﴿إِن﴾ الشرطية مستأنفة، ﴿وَلَوْ سَمِعُوا﴾: الواو: عاطفة، ﴿لَوْ﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿سَمِعُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لو﴾ لا محل لها من الإعراب، ﴿مَا اسْتَجَابُوا﴾: فعل وفاعل، و ﴿ما﴾: نافية، والجملة جواب ﴿لو﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لو﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿إِن﴾ الشرطية ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: الواو: عاطفة ﴿يوم القيامة﴾: ظرف متعلق بـ ﴿يَكْفُرُونَ﴾، ﴿يَكْفُرُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿إِن﴾ الشرطية، ﴿بِشِرْكِكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿يَكْفُرُونَ﴾، وهو من إضافة المصدر إلى فاعله، ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ﴾ الواو: استئنافية، ﴿لا﴾: نافية، ﴿يُنَبِّئُكَ﴾: فعل مضارع ومفعول به ﴿مِثْلُ خَبِيرٍ﴾: فاعل، والجملة مستأنفة، والأحسن أن يكون الخطاب عامًا؛ أي: أيها السامع كائنًا من كنت، كما مرَّ.
التصريف ومفردات اللغة
﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ﴾: أصل الفطر بفتح الفاء: الشق مطلقًا، وقيل: الشق طولًا يقال: فطر الشيء إذا أوجده على غير مثال سابق، وبابه نصر، كما في "المختار": كأنه شقَّ العدم بإخراجهما منه، وأما الفطر بكسر الفاء فترك الصوم.
﴿رُسُلًا﴾ والرسل: جمع رسول بمعنى المرسل؛ أي: مصيرهم وسائط بينه وبين أنبيائه.
﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ أولو بمعنى: أصحاب، اسم جمع لذو، كما أن أولاء اسم جمع لذا، وإنما كتبت الواو بعد الألف في حالتي الجر والنصب لئلا يلتبس بإلى الجارة، وإنما كتبوه في الرفع حملًا عليهما، والأجنحة: جمع جناح، وهو للطائر
стр. 10610
بمنزلة اليد للإنسان.
﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ﴾ والفتح في الأصل: إزالة الإغلاق، وفي العرف: الظفر، ولما كان سببًا للإرسال والإطلاق استعير له بقرينة لا مرسل له مكان الفاتح.
﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾؛ أي: فكيف تصرفون عن التوحيد إلى الشرك من الأفك بالفتح، وهو: الصرف، يقال: ما أفكك عن كذا؛ أي: ما صرفك عنه، وقيل: هو من الإفك - بالكسر -، وهو الكذب، وفي "المختار": والأفك - بالفتح - مصدر أفكه؛ أي: قلبه وصرفه عن الشيء، وبابه ضرب، ومنه قوله تعالى: ﴿أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾. ﴿تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ من المرجع بمعنى الرد؛ أي: ترد إليه عواقبها.
﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ الغَرور - بفتح الغين المعجمة - فعول من أوزان المبالغة، كالشكور والصبور، وفي "المفردات": الغرور كل ما يغر الإنسان من مال وجاه وشهوة وشيطان، سمي به هنا الشيطان؛ لأنه لا نهاية لغروره.
﴿لَكُمْ عَدُوٌّ﴾؛ أي: عظيم؛ لأن عداوته عامة قديمة، والعموم يفهم من قوله: ﴿لَكُمْ﴾ حيث لم يخص ببعض دون بعض، والقدم يفهم من اسمية الجملة الدالة على الاستمرار اهـ. "كرخي".
﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ﴾ والذهاب المضي، وذهاب النفس كناية عن الموت، كما سيأتي في البلاغة.
﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ والإرسال في القرآن على معنيين:
الأول: بمعنى البعثة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾.
والثاني: بمعنى الإطلاق والتسخير، كما في قوله تعالى: ﴿أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ وفي "المفردات": الإرسال يقال في الإنسان وفي الأشياء المحبوبة والمكروهة، وقد يكون ذلك للتسخير كإرسال الريح والمطر، وقد يكون ببعث من له اختيار نحو إرسال الرسل، وقد يكون ذلك بالتخلية وترك المنع نحو: ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ والإرسال يقابل الإمساك.
و ﴿الرِّيَاحَ﴾: جمع ريح بمعنى الهواء المتحرك، أصله روح، ولذا يجمع على أرواح, وأما أرياح قياسًا على رياح فخطأ.
стр. 10611
﴿فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾؛ أي: تهيجه وتنشره بين السماء والأرض لإنزال المطر، فإنه مزيد ثار الغبار إذا هاج وانتشر ساطعًا كما مر.
والسحاب: جسم يملؤه الله تعالى ماء كما شاء، وقيل: بخار يرتفع من البحار والأرض فيصيب الجبال فيستمسك ويناله البرد، فيصير ماء وينزل، وأصل السحب الجر كسحب الذيل والإنسان على الوجه، ومنه السحاب لجره الماء.
﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ﴾ والبلد: المكان المحدود المتأثر باجتماع قطانه وإقامتهم فيه، ولاعتبار الأثر، قيل: بجلده بلد؛ أي: أثر، والبلد الميت هو الذي لا نبت فيه قد اغبر من القحط.
قال الراغب: الموت يقال بإزاء القوة النامية الموجودة في النبات.
وفي "المصباح": البلد يذكر ويؤنث، والبلدة البلد، وتطلق البلد والبلدة على كل موضع من الأرض عامرًا كان أو خلاءً، وفي التنزيل: ﴿إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾؛ أي: إلى أرض ليس بها نبات ولا مرعى، فيخرج ذلك بالمطر فترعاه أنعامهم، فأطلق الموت على عدم النبات والمرعى، وأطلق الحياة على وجودهما، وميت وميت بمعنى واحد، قاله محمد بن يزيد وأنشد:
لَيْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْترَاحَ بِمَيْتٍ ... إِنَّمَا الْمَيْتُ مَيِّتُ الأَحْيَاءِ
إِنَّمَا الْمَيْتُ مَنْ يَعِيْشُ كَئِيْبًا ... كَاسِفًا بَالُهُ قَلَيْلَ الرَّجَاءِ
ويرى بعضهم: أن الميت بالتخفيف هو الذي مات، والميت بالتشديد والمائت هو الذي لم يمت بعد، وأنشد:
وَمَنْ يَكُ ذَا رُوحٍ فذَلِكَ مَيِّتُ ... وَمَا المَيْتُ إِلَّا مَنْ إِلىَ القَبْرِ يُحْمَلُ
والمراد أنه لا نبات فيه.
﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ والنشور إحياء الأموات يقال: نشر الله الميت وأنشره؛ أي: أحياه.
﴿يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾ أي: الشرف والمنعة، قال الراغب: العز حالة مانعة للإنسان من أنه يغلب من قولهم أرض عزاز؛ أي: صلبة.
﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ والصعود: الذهاب في المكان العالي، استعير لما
стр. 10612
يصل من العبد إلى الله، كما استعير النزول لما يصل من الله إلى العبد، والكلم بكسر اللام: اسم جنس؛ لأنه يدل على الماهية من حيث هي هي، وليس بجمع خلافًا لصاحب "القاموس"، ولغيره من النحاة؛ لأنه يجوز تذكير ضميره، والجمع يغلب عليه التأنيث ولا اسم جمع؛ لأن له واحدًا من لفظه، والغالب على اسم الجمع خلاف ذلك، وواحده كلمة، والكلمة فيها ثلاث لغات كلمة بفتح الكاف وكسر اللام، وكلمة بكسر الكاف وسكون اللام، وكلمة بفتح الكاف وسكون اللام، وفي "الروح": والكلم بكسر اللام: اسم جنس كنمر ونمرة، كما ذهب إليه الجمهور، ولذا وصف بالمذكر، لا جمع كلمة، كما ذهب إليه البعض.
وأصل الطيب: الذي به يطلب العزة، والكلم الطيب: هو التوحيد أو الذكر أو قراءة القرآن، وصعوده إلى الله قبوله، والعمل الصالح هو ما كان بإخلاص.
﴿يَرْفَعُهُ﴾؛ أي: يقبله، والرفع يقال تارة في الأجسام الموضوعة إذا أعليتها عن مقرها، وتارة في البناء إذا طولته، وتارة في الذكر إذا نوهته، وتارة في المنزلة إذا شرفتها، كما في "المفردات". ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ﴾؛ أي: يعملون على وجه المكر والخديعة. ﴿السَّيِّئَاتِ﴾؛ أي: المنكرات السيئات كأن يراؤوا المؤمنين في أعمالهم يوهمونهم أنهم في طاعة الله.
وأصل المكر: صرف الغير عما يقصده بحيلة، وفي "القاموس": المكر: الخديعة والمكرات بفتحات جمع منكرة بسكون الكاف، وهي المرة من المكر الذي هو الحيلة والخديعة. اهـ. شيخنا. وقيل: المراد بالمكر هنا الرياء في الأعمال اهـ "قرطبي" ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾؛ أي: يهلك ويفسد ويبطل ولا يتم لهم، يقال: بار يبور بورًا وبوارًا: هلك، وبارت السوق أو السلعة: كسدت وبار العمل: بطل، وبارت الأرض: لم تزرع وبوّر الأرض تركها أو صيرها بائرة، وأباره: أهلكه.
﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ والنطفة: هي الماء الصافي الخارج من بين الصلب والترائب قل أو كثر. ﴿مِنْ أُنْثَى﴾ والأنثى خلاف الذكر، ويقالان في الأصل اعتبارًا بالفرجين، كما في "المفردات".
﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ والمعمر: من أطيل عمره، والعمر: اسم لمدة عمارة البدن بالحياة ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ﴾ أصل البحر: كل مكان واسع جامع للماء
стр. 10613
الكثير، ويقال للمتوسع في العلم: بحر.
وفي "القاموس": البحر: الماء الكثير عذبًا أو ملحًا، وقال بعضهم: البحر في الأصل يقال للملح دون العذب، فقوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ ...﴾ الخ. إنما سمي العذب بحرًا لكونه مع الملح، كما يقال للشمس والقمر: قمران.
﴿هَذَا عَذْبٌ﴾؛ أي: حلو لذيذ طعمه، ﴿فُرَاتٌ﴾؛ أي: كاسر للعطش، مزيل له، وقيل: فرات فعال يقال للواحد والجمع، وفي "القاموس": وفرت الماء، ككرم فروتة إذا عذب، ﴿سَائِغٌ شَرَابُهُ﴾؛ أي: سهل انحداره لخلوه مما تعافه النفس، يقال: ساغ الشراب: سهل مدخله، والشراب ما يشرب، والمراد هنا: الماء.
﴿وَهَذَا مِلْحٌ﴾؛ أي: ذو ملوحة وحرارة.
﴿أُجَاجٌ﴾؛ أي: شديد الملوحة والحرارة، وفي "القاموس": وأج الماء أجوجًا بالضم يأجج كيسمع ويضرب وينصر إذا اشتدت ملوحته، وتقول: هجير أجاج للشمس فيه مجاج، وهو لعاب الشمس، وماء أجاج يحرق بملوحته. ﴿مَوَاخِرَ﴾؛ أي: شواق للماء حين جريانها، يقال: سفينة ماخرة: إذا جرت تشق الماء مع صوت، والجمع: المواخر، كما في "المفردات".
﴿مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ القطمير: القشرة البيضاء الرقيقة التي تكون بين التمرة والنواة، وقيل: هي النكتة في ظهرها، واعلم أن في النواة أربعة أشياء يضرب بها المثل في القلة الفتيل، وهو ما في شق النواة، والقطمير وهو اللفافة المذكورة، والنقير وهو ما في ظهرها، والشفروق وهو ما بين القمع والنواة، وقال الجوهري: ويقال: هو النكتة البيضاء التي في ظهر النواة تنبت منها النخلة، وكلها مذكور في القرآن إلا الأخير، كما ذكرناه في أوائل الكتاب.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ
стр. 10614
رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ شبه فيه إرسال النعم بفتح الخزائن للإعطاء، واستعير الفتح للإرسال لكونه - أي: الفتح - سببًا للإرسال، واشتق منه: يفتح بمعنى: يرسل على طريقة الاستعارة التصريحيهَ التبعية، وكذلك في قوله: ﴿وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ شبه حبس النعم بالإمساك لكونه سببه، فاستعير الإمساك للمنع.
ومنها: التعبير عن الإرسال بالفتح إيذانًا بانها أنفس الخزائن وأعزها منالًا، كأنما هي أبواب مؤصدة لا يفتح مغالقها إلا الله سبحانه من صنوف النعم وضروب الآلاء، كالرزق والمطر والصحة والأمن في الأوطان، وغير ذلك مما لا يحصى عدده.
ومنها: تنكير ﴿مِنْ رَحْمَةٍ﴾ إفادة للإشاعة والإيهام لتندرج في مطاويها ضروب النعم، كما تقدم؛ أي: أي شيء يفتح الله من خزائن رحمته أي رحمة كانت من نعمة وصحة وعلم وحكمة.
ومنها: الطباق بين ﴿يَفْتَحِ﴾ و ﴿يمُسِك﴾، وكذلك بين ﴿يُضِلُّ﴾ ﴿وَيَهْدِي﴾، وبين ﴿تَحْمِلُ﴾ و ﴿تَضَعُ﴾.
ومنها: الجناس المماثل بين ﴿يُكَذِّبُوكَ﴾ و ﴿كُذِّبَتْ﴾.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾.
ومنها: المقابلة بين جزاء الأبرار والفجار في قوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ لأنها من المحسنات البديعية اللفظية.
ومنها: حذف الخبر لدلالة السياق عليه في قوله: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ حذف منه الخبر؛ أي: كمن لم يزين له سوء عمله، ودل على هذا المحذوف قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ ...﴾ الخ.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾؛ لأن ذهاب النفس كناية عن موتها؛ لأن النفس إذا ذهبت هلك الإنسان.
ومنها: المجاز العقلي في قوله: ﴿فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ لما فيه من الإسناد إلى السبب، والمثير حقيقة هو الله تعالى.
стр. 10615
ومنها: الإتيان بصيغة المضارع في قوله: ﴿فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ بين ماضيين. ﴿أَرْسَلَ﴾ ﴿فَسُقْنَاهُ﴾ لحكاية الحال الماضية استحضارًا لتلك الصورة البديعة الدالة على كمال القدرة والحكمة، ولأن المراد بيان إحداثها لتلك الخاصية، ولذلك أسند إليها.
ومنها: الالتفات من الغيبة في قوله: ﴿أَرْسَلَ﴾ إلى التكلم في قوله: ﴿فَسُقْنَاهُ﴾، وقوله: ﴿فَأَحْيَيْنَا﴾ دلالة على زيادة اختصاصه به تعالى، وأن الكل منه والوسائط أسباب.
ومنها: تنكير بلد في قوله تعالى: ﴿إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ إشارة إلى أن المقصود بعض البلاد الميتة؟ وهي بلاد الذين تبعدوا عن مظان الماء.
ومنها: التشبيه المرسل في قوله: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ لوجود الأداة؛ أي: كمثل إحياء الموات نشور الأموات في صحة المقدورية، أو كيفية الإحياء.
ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ﴾؛ لأن الصعود الذهاب في المكان العالي، استعير لما يصل من العبد إلى الله، كما مر.
ومنها: المجاز الإسنادي في قوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾، ففيه مجاز في المسند، ومجاز في الإسناد، فالصعود مجاز عن العلم؛ لأن الصعود صفة من صفات الأجرام، والكلم معلوم، فأسند الفعل للمفعول به.
ومنها: وضع اسم الإشارة موضع ضميرهم للإيذان بكمال تميزهم بما هم فيه من الشر والفساد عن سائر المفسدين والتخصيص واشتهارهم بذلك.
ومنها: الإتيان بضمير ﴿هُوَ﴾ في قوله: ﴿هُوَ يَبُورُ﴾ إفادة للحصر والتخصيص كما مرت الإشارة إليه في مبحث التفسير.
ومنها: المجاز الأول في قوله: ﴿مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ لأن تسميته معمرًا باعتبار مصيره، فهو من باب تسمية الشيء بما يؤول إليه.
ومنها: الاستخدام في قوله: ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ وهو ذكر الشيء بمعنى، وعود الضمير إليه بمعنى آخر، وهو من المحسنات البديعية؛ لأن المعنى لا ينقص من عمر أحد، لكن لا على معنى لا ينقص من عمره بعد كونه زائدًا، بل على معنى لا يجعل من الابتداء ناقصًا.
стр. 10616
ومنها: المقابلة بين قوله: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾، ﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾.
ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ ...﴾ إلخ. وهو تركيب استعمل في غير ما وضع له علاقة المشابهة، وليس فيه ذكر للمشبه ولا لأداة التشبيه، فقد مثَّل الله سبحانه للمؤمن والكافر بالبحرين، ثم فضل البحر الأجاج على الكافر بأنه قد شارك البحر العذب في منافع من السمك واللؤلؤ، وجري الفلك بما ينفع الناس، والكافر خالٍ من النفع، ويقال: إن المؤمن والكافر - وإن اشتركا في بعض الصفات كالشجاعة والسخاوة - لا يتساويان في الخاصية العظمى لبقاء أحدهما على فطرته الأصلية.
ومنها: الاستطراد بقوله: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا ...﴾ إلى آخر الآية، فإن المقصود من الآية تشبيه المؤمن والكافر بالبحرين، فذكر منافع البحرين يسمى استطرادًا، وهو ذكر الشيء في غير موضعه لمناسبة بينه وبين ذلك الموضع.
ومنها: الإتيان بحرف الترجي في قوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ للإيذان بكونه مرضيًا عنده تعالى.
ومنها: التجوز في قوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ لأن الأصل في الإشارة أن تكون إلى محسوس، ويستحيل إحساسه تعالى بالحواس.
ومنها: الإشارة إليه بإشارة البعيد في قوله ﴿ذَلِكُمُ﴾ مع كونه سبحانه أقرب من حبل الوريد للإيذان بغاية العظمة له تعالى؛ أي: تنزيلًا للبعد الرتبي منزلة البعد الحسي.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
وأن ما يدعون من دونه من الأصنام والأوثان لا يملك شيئًا، ولا يجلب نفعًا، ولا يدفع ضرًا .. أعقب لهذا بما هو فذلكة لما تقدم، وكالنتيجة له بأنه لا افتقار إلا إليه تعالى، ولا اتكال إليه إلا عليه، وهو الذي تجب عبادته وحده؛ لأن النفع والضر بيده، لا شريك له، ثم بيَّن أنه يوم القيامة لا تجزي نفس عن نفس شيئًا، ولا تستطيع دفع ضر عنها, ولو كانت ذات قرابة منها، ثم أرشد إلى أن البشارة والإنذار إنما تجدي نفعًا من يخشى الله ويخاف عقابه، وأن من يتزكى فنفع ذلك عائد إليه، وإلى الله عاقبة الأمور كلها، ومردها إليه.
قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما بين طريق الهدى وطريق الضلالة، وذكر أن المستعد للإيمان قد اهتدى بهدى النذير، والجاحد المعاند قسا قلبه، ولم يستفد من هديه .. ضرب مثلًا به تنجلي حالهما، ثم ذكر أن الهداية بيد الله يمنحها من يشاء، وأن هؤلاء المشركيين كالموتى لا يسمعون نصيحة، ولا يهتدون بعظة، وأن الله سبحانه لم يترك أمة سدى، بل أرسل الرسل، فمنهم من أجاب دعوة الداعي ونجا، ومنهم من استكبر وعصى وكانت عاقبته الوبال والنكال في الدنيا، والنار في العقبى.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ....﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر دلائل وحدانيته، وعظيم قدرته التي أعرض عنها المشركون عنادًا واستكبارًا .. أردف ذلك ذكر ما يرونه من المشاهدات الكونية المختلفة الأشكال والألوان، لعل ذلك يعيد إليهم أحلامهم، وينبه عقولهم إلى الاعتبار بما يرون ويشاهدون.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه لما بيَّن أن العلماء هم الذين يخشون الله ويخافون عقابه .. أردف ذلك بذكر حال العالمين بكتاب الله تعالى، العاملين بما فرض فيه من أحكام كإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة في السر والعلن، وأبان أن هؤلاء يرجون ثوابًا من ربهم كفاء أعمالهم، بل أضعاف ذلك فضلًا عن ربهم ورحمة، ويطمعون في غفران زلاتهم؛ لأنه الغفور الشكور لهم على ما أحسنوا من عمل.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه
стр. 10619
الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر (١) أن الذين يتلون كتاب الله يوفيهم أجرهم، أكد هذا وقرره بأن هذا الكتاب حق وصدق، وهو مصدق لما بين يديه من الكتب، فتاليه مستحق لهذا الأجر والثواب، ثم قسم هؤلاء الذين أورثوا الكتاب أقسامًا ثلاثة، ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات، ثم ذكر جزاء هؤلاء السابقين، وأنهم يدخلون جنات تجري من تحتها الأنهار، وأنهم يحلون فيها أساور الذهب واللؤلؤ ويلبسون الحرير، ويقولون حينئذ: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، إن ربنا لغفور شكور، ويقولون: إنه أحلنا دارًا لا نصب فيها ولا تعب.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (٢): ما أخرجه عبد الغني بن سعيد الثقفي في تفسيره عن ابن عباس ﵃ أن حصين بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف القرشي نزل فيه ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ...﴾ الآية.
قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه البيهقي في البعث وابن أبي حاتم من طريق نفيع بن الحارث عن عبد الله بن أبي أوفى قال: قال رجل للنبي ﷺ : يا رسول الله، إن النوم مما يقر الله به أعيننا في الدنيا، فهل في الجنة من نوم، قال: "إن النوم شريك الموت، وليس في الجنة موت"، قال: فما راحتهم؟ فأعظم ذلك رسول الله ﷺ ، وقال: "ليس فيها لغوب، كل أمرهم راحة" فنزلت: ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾.
التفسير وأوجه القراءة
١٥ - ثم ذكر سبحانه افتقار خلقه إليه ومزيد حاجتهم إلى فضله، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ الخطاب فيه عام لا خصوص أهل مكة، كما هو الغالب في الآيات المكية، أو خاص بهم؛ لأن الموضوع فيهم، ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾؛ أي: المحتاجون ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ سبحانه الاحتياج (٣) الكثير الشديد في أنفسكم، وفيما يعرض لكم من أمر مهم، أو
стр. 10620
خطب ملم، فإن كل حادثٍ مفتقر إلى خالقه ليبديه وينشأه أولًا، ويديمه ويبقيه ثانيًا، ثم الإنسان محتاج إلى الرزق، ونحوه من المنافع في الدنيا مع دفع المكاره والعوارض، وإلى المغفرة ونحوها في العقبى، فهو محتاج في ذاته وصفاته وأفعاله إلى كرم الله تعالى وفضله. وإنما (١) خاطب الناس بذلك، وإن كان كل ما سوى الله فقيرًا إليه؛ لأن الناس هم الذي يدّعون الغنى ونسبوه لأنفسهم، قال بعضهم (٢): إن الله سبحانه ما شرف شيئًا من المخلوقات بتشريف خطاب أنتم الفقراء إلى الله حتى الملائكة المقربين، سوى الإنسان، وذلك أن افتقار المخلوقات إلى أفعال الله تعالى من حيث الخلق ونحوه، وافتقار الإنسان إلى ذات الله وصفاته، فجميع المخلوقات وإن كانت محتاجة إلى الله تعالى لكن الاحتياج الحقيقي إلى ذات الله وصفاته مختص بالإنسان من بينها، كمثل سلطان له رعية، وهو صاحب جمال، فيكون افتقار جميع رعاياه إلى خزائنه وممالكه، ويكون افتقار عشاقه إلى عين ذاته وصفاته، فيكون غنى كل مفتقر بما يفتقر إليه، فغنى الرعية يكون بالمال والملك، وغنى العاشق يكون بمعشوقه. انتهى.
قال ذو النون (٣): الخلق محتاجون إليه تعالى في كل نفس وخطرة ولحظة، وكيف لا ووجودهم وبقاؤهم به. والفقراء (٤): جمع فقير: والفقير: من صيغ المبالغة كالمفتقر بمعنى ذي الاحتياج الكثير والشديد، والفقر: وجود الحاجة الضرورية، وفقد ما يحتاج إليه وتعريف الفقراء للمبالغة في فقرهم، فإنهم لكثرة افتقارهم وشدة احتياجهم هم الفقراء فحسب، وإن افتقار سائر المخلوقات بالنسبة إلى فقرهم كالعدم.
والمعنى (٥): يا أيها الناس أنتم أشد الخلق افتقارًا إلى الله تعالى، واحتياجًا إليه في أنفسكم وعيالكم وأموالكم، وفيما يعرض لكم من سائر الأمور، فلا غنى لكم عنه طرفة عين، ولا أقل من ذلك، ومن هنا قول الصديق ﵁: من عرف نفسه عرف ربه. أي: من عرف نفسه بالفقر والذل والعجز والمسكنة عرف ربه
стр. 10621
بالغنى والعز والقدرة والكمال؛ أي: أنتم مفتقرون إليه تعالى في كل حالة، في حالة الفقر والغنى والضعف والقوة والذل والعز، فالعبد مفتقر لربه في أي حالة كان بها ذلك العبد. ﴿وَاللَّهُ﴾ سبحانه ﴿هُوَ﴾ وحده ﴿الْغَنِيُّ﴾ عن الأشياء كلها المستغني على الإطلاق، فكل أحد يحتاج إليه تعالى؛ لأن أحدًا لا يقدر أن يصلح أمره إلا بالأعوان؛ لأن الأمير ما لم يكن له خدم وأعوان لا يقدر على الإمارة، وكذا التاجر يحتاج إلى المكارين، والله الغني عن الأعوان وغيرها. ﴿الْحَمِيدُ﴾؛ أي: المحمود بكل لسان، المنعم على جميع الموجودات حتى استحق عليهم الحمد على نعمته العامة وفضله الشامل، فالله هو الغني المغني الحميد.
وفي "النسفي": ولم يسمهم (١) بالفقراء للتحقير، بل للتعريض على الاستغناء، ولهذا وصف نفسه بالغني الذي هو مطعم الأغنياء، وذكر الحميد بعده ليدل به على أنه الغني النافع بغناء خلقه، والجواد المنعم عليهم؛ إذ ليس كل غني نافعًا بغناه إلا إذا كان الغني جوادًا منعمًا، وإذا جاد وأنعم حمده المنعم عليهم.
قال سهل: لما خلق الله الخلق حكم لنفسه بالغنى، ولهم بالفقر، فمن ادعى الغى حجب عن الله، ومن أظهر فقره أوصله فقره إليه، فينبغي للعبد أن يكون مفتقرًا بالسر إليه، ومنقطعًا عن الغير إليه حتى تكون عبوديته محضة، فالعبودية هي الذل والخضوع، وعلامته: أن لا يسأل من أحد. وقال الواسطي: من استغنى بالله لا يفتقر، ومن تعزز بالله لا يذل. وقال الحسيني: على مقدار افتقار العبد إلى الله يكون غنيًا بالله، وكلما ازداد افتقارًا ازداد غنى، وقال يحيى: الفقر خير للعبد من الغنى؛ لأن المذلة في الفقر، والكبر في الغنى، والرجوع إلى الله بالتواضع والذلة خير من الرجوع إليه بتكثير الأعمال، وقيل: صفة الأولياء ثلاثة: الثقة بالله في كل شيء، والفقر إليه في كل شيء، والرجوع إليه في كل شيء، وقال الشبلي: الفقر يجر البلاء، وبلاؤه كله عز. انتهى من "النسفي".
ومعنى الآية (٢): أنتم أيها العباد أولو الحاجة والفقر إلى خالقكم ورازقكم، فإياه فاعبدوا، وإلى رضاه فسارعوا، وهو الغني عن عبادتكم وعن غيرها، وهو المحمود على نعمه، فكل نعمة بكم وبسواكم فهي منه، فله الحمد والشكر على
стр. 10622
كل حال.
والخلاصة: أنتم في حاجة إليه، وهو ذو الغنى وحده لا شريك له، والمحمود في جميع ما يقول ويفعل، ويشرِّع لكم ولغيركم من الأحكام،
١٦ - ثم أرشد إلى غناه وقدرته الكاملة بقوله: ﴿إِنْ يَشَأْ﴾ الله ؛ إذهابكم عن وجه الأرض، ﴿يُذْهِبْكُمْ﴾ عنها ويعدمكم كما قدر على إيجادكم وبقائكم ﴿وَيَأْتِ﴾؛ وينشىء ﴿بِخَلْقٍ﴾؛ أي: بمخلوق ﴿جَدِيدٍ﴾ مكانكم وبدلكم ليسوا على صفتكم، بل مستمرون على الطاعة، فيكون الخلق من جنسهم، وهو الآدمي، أو يأت بعالم آخر غير ما تعرفونه، فيكون من غير جنسهم.
وعلى كلا التقديرين فيه إظهار الغضب للناس الناسين، وتخويف لهم على سرفهم ومعاصيهم.
١٧ - ﴿وَمَا ذَلِكَ﴾ المذكور من الإذهاب بهم، والإتيان بآخرين ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ سبحانه متعلق بقوله: ﴿بِعَزِيزٍ﴾؛ أي: بمتعذر ولا صعب ولا مستعسر، بل هو هين عليه يسير؛ لشمول قدرته على كل مقدور، ولذلك يقدر على الشيء وضده، فإذا قال لشيء: كن .. كان من غير توقف ولا امتناع، وقد أهلك القرون الماضية، واستخلف الآخرين إلى أن جاء نوبة قريش، فناداهم بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ وبيَّن أنهم محتاجون إليه احتياجًا كليًا، وهو غني عنهم وعن عبادتهم، ومع ذلك دعاهم إلى ما فيه سعادتهم وفوزهم، وهو الإيمان والطاعة، وهم مع احتياجهم لا يجيبونه، فاستحقوا الهلاك، ولم يبقَ إلا المشيئة (١).
ثم إنه تعالى شاء هلاكهم لإصرارهم، فهلك بعضهم في بدر، وبعضهم في غيره من المعارك، وخلق مكانهم من يطيعونه تعالى فيما أمرهم به ونهاهم عنه، ويستحقون بذلك فضله ورحمته، واستمر الإفناء والإيجاد إلى يومنا هذا، لكن لا على الاستعجال، بل على الإمهال، فإنه تعالى صبور لا يؤاخذ العصاة على العجلة، ويؤخر العقوبة ليرجع التائب ويقلع العصر. ففي الآية وعظ وزجر لجميع الأجناس من الملوك ومن دونهم، فمن أهمل أمر الجهاد .. لم يجد المهرب من
стр. 10623
بطش رب العباد، ومن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. جعل نفسه عرضة للهلاك والخطر، وعلى هذا فقس. فينبغي للعاقل المكلف أن يعبد الله تعالى ويخافه، ولا يجترىء على ما يخالفه رضاه، ولا يكون أسوأ من الجمادات مع أن الإنسان أشرف المخلوقات.
وعبارة "النسفي" هنا: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ كلكم إلى العدم، فإن غناه بذاته لا بكم في القدم، ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وهو بدون حمدكم حميد، ﴿وَمَا ذَلِكَ﴾ الإنشاء والإفناء ﴿عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾؛ أي: بممتنع، وعن ابن عباس ﵄: ويخلق بعدكم من يعبده ولا يشرك به شيئًا. انتهى.
ومعنى الآية (١): إن يشأ ربكم أن يهلككم أهلككم؛ لأنه هو الذي أنشأكم من غير حاجة به إليكم، ويأتِ بخلق سواكم يطيعونه ويأتمرون بأمره، وينتهون عما نهاهم عنه، وما ذلك بصعب على الله الخالق لجميع عباده، بل هو يسير هين عليه، وليس بخافٍ ما في هذا من تهديد ووعيد وزجر وتأنيب،
١٨ - ثم أخبر عن أحوال يوم القيامة وأهوالها وشدائدها بقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ﴾؛ أي: ولا تحمل ﴿وَازِرَةٌ﴾؛ أي: نفس آثمة، وكذا غيرها يوم القيامة ﴿وِزْرَ أُخْرَى﴾؛ أي: إثم نفس أخرى بحيث تتعرى منه المحمول عنها، بل إنما تحمل كل منهما وزرها الذي اكتسبته، بخلاف الحال في الدنيا، فإن الجبابرة يأخذون الولي بالولي، والجار بالجار.
ولا تعارض هذه الآية قوله تعالى (٢): ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ لأنهم إنما حملوا أثقال ضلالهم مع أثقال إضلالهم، وكلاهما أوزارهم ليس فيها شيء من أوزار غيرهم، ألا ترى كيف كذبهم في قولهم: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ بقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾، ومثل هذا حديث: "من سن سنة سيئة .. فعليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة". فإن الذي سن السنة السيئة إنما حمل وزر سنة السيئة، لا وزر من عمل بها، وقد تقدم الكلام على هذه الآية مستوفًى في محلها، ومنه يعلم وجه تحميل ذنوب المظلومين يوم القيامة على الظالمين، فإن المحمول في الحقيقة جزاء الظلم، وإن كان يحصل في الظاهر تخفيف حمل المظلوم، ولا يجري إلا في الذنب المتعدي، وفي الآية إشارة إلى أن
стр. 10624
لله تعالى في خلق كل واحدِ من الخلق سرًا مخصوصًا به، وله مع كل واحد شأن آخر، فكل مطالب بما حمل، كما أن كل بذر ينبت بنبات قد أودع فيه، ولا يطالب بنبات بذر آخر؛ لأنه لا يحمل إلا ما حمل عليه، كما في "التأويلات النجمية".
وإنما قال (١): ﴿وَازِرَةٌ﴾، ولم يقل: ولا تزر نفس وزر أخرى؛ لأن المعنى أن النفوس الوازرات لا ترى منهنّ واحدة إلا حاملة وزرها لا وزر غيرها. ﴿وَإِنْ تَدْعُ﴾ مضارع أسند إلى الغائبة؛ أي: ولو دعت نفس ﴿مُثْقَلَةٌ﴾؛ أي: نفس أثقلتها الأوزار، وهي تقع على المذكر والمؤنث، والمفعول محذوف؛ أي: أحدًا، فالثقل: الإثم، سمي به لأنه يثقل صاحبه يوم القيامة، ويثبطه عن الثواب في الدنيا، ﴿إِلَى حِمْلِهَا﴾ الذي عليها من الذنوب ليحمل بعضها قيل: في الأثقال في الظاهر، كالشيء المحمول على الظهر حمل بالكسر، وفي الأثقال المحمول في الباطن كالولد في البطن حمل بالفتح، كما في "المفردات".
﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ﴾؛ أي: من حملها ﴿شَيْءٌ﴾ قليل ولا كثير؛ أي: لم تجب لحمل شيء منه. ﴿وَلَوْ﴾ للوصل (٢)؛ أي: للغاية ﴿كَانَ﴾؛ أي: المدعو المفهوم من الدعوة، وترك ذكره ليشمل كل مدعو ﴿ذَا قُرْبَى﴾؛ أي: ذا قرابة من الداعي كالأب والأم والولد والأخ ونحو ذلك؛ إذ لكل واحد منهم يومئذ شأن يغنيه، وحمل يعجزه، وقيل: التقدير: ولو كان الداعي ذا قربى، والمعنيان حسنان. اهـ "جمل".
ففي هذا دليل على أنه تعالى لا يؤاخذ بالذنب إلا جانيه، وأن الاستغاثة بالأقربين غير نافعة لغير المتقين، وعن ابن عباس ﵄: يلقى الأب والأم ابنه فيقول: يا بني، احمل عني بعض ذنوبي، فيقول: لا أستطيع، حسبي ما عليَّ، وكذا يتعلق الرجل بزوجته فيقول لها: إني كنت لك زوجًا في الدنيا، فيثني عليها خيرًا، فيقول: قد احتجت إلى مثقال ذرةٍ من حسناتك، لعلي أنجو بها مما ترين، فتقول: ما أيسر ما طلبت، ولكن لا أطيق، إني أخاف مثل ما تخوفت.
فإن قلت (٣): ما الفرق بين معنى قوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، ومعنى:
стр. 10625
﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾؟
قلتُ: إن الأول دال على عدل الله في حكمه، وأن لا يؤاخذ نفسًا بغير ذنبها، والثاني: في بيان أنه لا غياث يومئذ حتى إن نفسًا قد أثقلتها الأوزار لو دعت إلى أن يخفف بعض وقرها لم تجب. ولم تغث، وإن كان المدعو بعض قرابتها.
قال في "الإشارة": هذه الآية نفي للتحمل اختيارًا، والأولى نفي له إجبارًا، وفيه من (١) الإشارة أن الطاعة نور، والعصيان ظلمة، فإذا اتصف جوهر الإنسان بصفة النور، أو بصفة الظلمة .. لا تنقل تلك الصفة من جوهره إلى جوهر إنسان آخر أيًا كان، ألا ترى أن كل أحد عند الصراط يمشي في نوره لا يتجاوز منه إلى غيره شيء، وكذا من غيره إليه.
ومعنى الآية (٢): وان تدع نفس مثقلة بالذنوب نفسًا أخرى إلى حمل شيء من ذنوبها معها لم تحمل تلك المدعوة من تلك الذنوب شيئًا، ولو كانت قريبةً لها في النسب، فكيف بغيرها مما لا قرابة بينها وبين الداعية لها، وقرأ الجمهور (٣): ﴿لَا يُحْمَلْ﴾ بالياء مبنيًا للمفعول، وأبو السمال عن طلحة وإبراهيم بن زاذان عن الكسائي بفتح التاء من فوق وكسر الميم، وتقتضي هذه القراءة نصب شيء، كما اقتضت قراءة الجمهور رفعه، وفاعل ﴿تحمل﴾ ضمير عائد على مفعول ﴿تَدْعُ﴾ المحذوف؛ أي: وإن تدع مثقلة نفسًا أخرى إلى حملها .. لم تحمل منه شيئًا، وقرىء: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ على أن ﴿كَانَ﴾ تامة؛ أي: ولو حضر، آنذاك ذو قربى، ودعته لم يحمل منه شيئًا مثل قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾، ونحو الآية قوله: ﴿لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾، وقوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾، ثم سلى رسوله ﷺ عدم قبولهم دعوته وإصرارهم على عنادهم، فقال: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾ يا محمد بهذه الإنذارات، والإنذار: الإبلاغ مع التخويف ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ﴾؛ أي: يخافون
стр. 10626
﴿رَبَّهُمْ﴾ حال كونهم ﴿بِالْغَيْبِ﴾؛ أي: غائبين عن عذابه وأحكام الآخرة، أو غائبين عن الناس في خلواتهم، فهو حال من الفاعل، أو حال كون ذلك العذاب غائبًا عنهم، فهو حال من المفعول.
قال الزجاج: تأويله: إنَّ إنذارك إنما ينفع الذين يخشون ربهم، فكأنك تنذرهم دون غيرهم ممن لا ينفعهم الإنذار، كقوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥)﴾، وقوله ﴿مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾، ومعنى ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾: أنهم احتفلوا بأمرها, ولم يشتغلوا عنها بشيء مما يلهيهم؛ أي: راعوها، كما ينبغي، وجعلوها منارًا منصوبًا، وعلمًا مرفوعًا، قال في "كشف الأسرار": وغاير بين اللفظين؛ لأن أوقات الخشية دائمة، وأوقات الصلاة معينة منقضية، والمعنى: إنما ينفع إنذارك وتحذيرك هؤلاء من قومك دون من عداهم من أهل التمرد والفساد، وإن كنت نذيرًا للخلق كلهم، وخص الخشية والصلاة بالذكر؛ لأنهما أصلا الأعمال الحسنة الظاهرة والباطنة؛ أما الصلاة .. فإنها عماد الدين، وأما الخشية فإنها شعار اليقين، وإنما يخشى المرء بقدر علمه بالله تعالى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ فقلب لم يكن عالمًا خاشيًا يكون ميتًا، لا يؤثِّر فيه الإنذار، كما قال تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾، ومع هذا جعل تأثير الإنذار مشروطًا بشرط آخر، وهو إقامة الصلاة، وأمارة خشية قلبه بالغيب محافظة الصلاة في الشهادة، وفي الحديث: "إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة".
﴿وَمَنْ تَزَكَّى﴾ وتطهر من أوضار (١) الأوزار والمعاصي بالتأثر من هذه الإنذارات، وأصلح حاله بفعل الطاعات ﴿فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى﴾ ويتطهر ﴿لـ﴾ غرض نفسه لاقتصار نفعه عليها، كما أن من تدنس بها لا يتدنس إلا عليها، وقيل: المعنى: ومن يعطي الزكاة .. فإنما ثوابه لنفسه.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿وَمَنْ تَزَكَّى﴾ فعلًا ماضيًا ﴿فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى﴾ فعلًا مضارعًا من تزكى، وقرأ العباس عن أبي عمرو: ﴿ومن يزكى فإنما يزكى﴾ بالياء من تحت وشد الزاي فيهما، هما مضارعان أصلهما: ومن يتزكى، أدغمت التاء في الزاي، كما أدغمت في الذال في قوله: ﴿يذكرون﴾، وقرأ ابن مسعود وطلحة: ﴿ومن ازكى﴾
стр. 10627
بإدغام التاء في الزاي، واجتلاب همزة الوصل في الابتداء، وطلحة أيضًا، فإنما يزكى بإدغام التاء في الزاي. ﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾ ، ﴿الْمَصِيرُ﴾؛ أي: الرجوع للمجازاة، لا إلى غيره استقلالًا ولا اشتراكًا، فيجازيهم على تزكيهم أحسن الجزاء.
ومعنى الآية: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ ...﴾ الخ؛ أي (١): إنما يجدي النصح والإنذار لدى من يخشون الله سبحانه، ويخافون شديد عقابه يوم القيامة من غير معاينة منهم لذلك، بل لإيمانهم بما أتيت به، وتصديقهم لك فيما أنبات به عن ربك، فهؤلاء هم الذين ينفعهم إنذارك ويتعظون بمواعظك، لا من طبع الله على قلوبهم، فهم لا يفقهون إلى أنهم يؤدون الصلاة المفروضة عليهم، ويقيمونها على ما رسمه الدين، فهي التي تطهر قلوبهم، وتقربهم من ربهم حين مناجاتهم له، كما جاء في الحديث: أعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
والخلاصة: أنه إنما ينفع إنذارك وتخويفك من يخشى بأس الله وشديد عقابه، دون من عداهم من أهل التمرد والعناد، ثم حثَّ على الأعمال الصالحة، وأبان أن فائدتها عائدة إليهم، فقال: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى﴾ الخ؛ أي: ومن يتطهر من أدناس الشرك وأوضار الذنوب والمعاصي .. فنفع ذلك عائد إليه، كما أن من يتدسى بالذنوب والآثام .. فضرر ذلك راجع إليه، وإلى الله سبحانه مصير كلِّ عامل، وهو مجازيه بما قدم من خير أو شر على ما جنى وأثل لنفسه.
والحاصل (٢): أن الله سبحانه ذكر أولًا أنه لا يحمل أحد ذنب أحد، ثم ذكر ثانيًا أن المذنب إن دعا غيره، ولو كان من قرابته إلى حمل شيء من ذنوبه لا يحمل، ثم ذكر ثالثًا أن ثواب الطاعة مختص بفاعلها ليس لغيره منه شيء،
١٩ - ثم ضرب مثلًا للمؤمن والكافر، فقال: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى﴾؛ أي: المسلوب حاسة البصر ﴿وَالْبَصِيرُ﴾؛ أي: الذي له ملكة البصر، فشبه الكافر بالأعمى، والمؤمن بالبصير. فإن المؤمن (٣) من أبصر طريق الفوز والنجاة وسلكه، بخلاف الكافر، فكما لا يستوي الأعمى والبصير من حيث الحس الظاهري؛ إذ لا بصر للأعمى ..
стр. 10628
كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن من حيث الإدراك الباطني، ولا بصيرة للكافر، بل الكافر أسوأ حالًا من الأعمى المدرك للحق؛ إذ لا اعتبار بحاسة البصر لاشتراكها بين جميع الحيوانات.
٢٠ - ﴿وَلَا﴾ لتأكيد نفي الاستواء، ﴿الظُّلُمَاتُ﴾ جمع ظلمة، وهي عدم النور، ﴿وَلَا﴾ للتأكيد أيضًا ﴿النُّورُ﴾، وهو الضوء المنتشر المعين للأبصار، وهذا تمثيل للباطل والحق، فالكافر في ظلمة الكفر والشرك والجهل والعصيان والبطلان لا يبصر اليمين من الشمال، فلا يرجى له الخلاص من المهالك بحال، والمؤمن في نور التوحيد والإخلاص والعلم والطاعة والحقانية بيده الشموع والأنوار أينما سار؛ أي: ولا تستوي الظلمات والنور. وجمع الظلمات مع إفراد النور لتعدد فنون الباطل، واتحاد الحق، يعني أن الحق واحد، وهو التوحيد.
فالموحد لا يعبد إلا الله تعالى، وأما الباطل فطرقه كثيرة، وهي وجوه الإشراك، فمن عابد للكواكب، ومن عابد للنار، ومن عابد للأصنام، ومن عابد للشمس، ومن عابد للملائكة، إلى غير ذلك، فالظلمات كلها لا تجد فيها ما يساوي ذلك النور الواحد.
٢١ - ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١)﴾؛ أي: شدة حر الشمس، قال الأخفش (١): و ﴿لا﴾ في قوله: ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ زائدةٌ، والتقدير: وما يستوي الظلمات والنور، ولا الظل والحرور، والحرور: شدة حر الشمس، قال الأخفش: والحرور لا يكون إلا مع شمس النهار، والسموم يكون بالليل، وقيل: عكسه، وقال رؤبة بن العجاج: الحرور يكون بالليل خاصة، والسموم يكون بالنهار خاصة، وقال الفراء: السموم لا يكون إلا بالنهار، والحرور يكون فيهما. قال النحاس: وهذا أصح، وقال قطرب: الحرور: الحر، والظل: البرد، والمعنى: أنه لا يستوي الظل الذي لا حر فيه ولا أذى، والحر الذي يؤدي، قيل: أراد الثواب والعقاب، وسمي الحر حرورًا مبالغة في شدة الحر؛ لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، وقال الكلبي: أراد بالظل الجنة، وبالحرور النار، وقال عطاء: يعني: ظل الليل وشمس النهار، وقيل: يعني الراحة والشدة.
وإنما قدم الأعمى على البصير (٢)، والظلمات على النور، والظل على الحرور
стр. 10629
ليتطابق فواصل الآي، والمعنى: كما لا يستوي الظل والحرارة من حيث إن في الظل استراحة للنفس، وفي الحرارة مشقة وألمًا، كذلك لا يستوي ما للمؤمن من الجنة التي فيها ظل وراحة، وما للكافر من النار التي فيها حرارة شديدة، وأفرد (١) الأعمى والبصير؛ لأنه قابل الجنس بالجنس؛ إذ قد يوجد في أفراد العميان ما يساوي به بعض أفراد البصراء، كأعمى عنده من الذكاء ما يساوي به البصير البليد، فالتفاوت بين الجنسين مقطوع به لا بين الأفراد.
٢٢ - ثم ذكر سبحانه تمثيلًا آخر للمؤمن والكافر، فقال: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ﴾ بنور الإيمان, ﴿وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ بأمراض الشرك والجهل، وهذا التمثيل أبلغ من الأول، ولذلك كرر الفعل معه، وأوثرت صيغة الجمع في الطرفين تحقيقًا للتباين بين أفراد الفريقين، فالتفاوت بينهما أكثر؛ إذ ما من ميت يساوي في الإدراك حيًا، فذكر أن الأموات لا يساوون الأحياء، سواء قابلت الجنس بالجنس، أم قابلت الفرد بالفرد.
والحي (٢): ما به القوة الحساسة، والميت: ما زال عنه ذلك، وجه التمثيل أن المؤمن منتفع بحياته؛ إذ ظاهره ذكر، وباطنه فكر دون الكافر؛ إذ ظاهره عاطل وباطنه باطل، وقال بعض العلماء: هو تمثيل للعلماء والجهال، وتشبيه الجهلة بالأموات شائع، ومنه قوله:
لَا تُعْجِبَنَّ الْجَهُولَ حُلَّتُهُ ... فَإِنَّهُ الْمَيْتُ ثَوْبُهُ كَفَنُ
لأن الحياة المعتبرة هي حياة الأرواح والقلوب، وذلك بالحكم والمعارف، ولا عبرة بحياة الأجساد بدونها لاشتراك البهائم، قال قتادة: هذه الأمور كلها أمثال؛ أي: كما لا تستوي هذه الأشياء .. كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن، ولا في المواضع كلها لتأكيد معنى النفي، والفرق (٣) بين الواوات فيها أن بعضها ضمت شفعًا إلى شفع، وبعضها وترًا إلى وتر.
والمعنى (٤): أي وما يستوي الأعمى عن دين الله الذي ابتعث به نبيه ﷺ ، والبصير الذي قد أبصر فيه رشده فاتبع محمدًا ﷺ ، وصدقه، وقبل عن الله ما ابتعثه
стр. 10630
به، وما تستوي ظلمات الكفر ونور الإيمان، ولا الثواب والعقاب، ثم ضرب مثلًا آخر لهما بقوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ ...﴾ إلخ؛ أي: وما يستوى أحياء القلوب بالإيمان بالله ورسوله ومعرفة كتابه وتنزيله، وأموات القلوب بغلبة الكفر عليها حتى صارت لا تعقل عن الله أمره ونهيه، ولا تفرِّق بين الهدى والضلال، وكل هذه أمثال ضربها الله سبحانه للمؤمن والإيمان, والكافر والكفر.
ونحو الآية قوله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾، وقوله: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٤)﴾.
والخلاصة: أن المؤمن بصير سميع نيِّر القلب، يمشي على صراط مستقيم في الدنيا والآخرة حتى يتقربه الحال في الجنات ذات الظلال والعيون، والكافر أعمى وأصم يمشي في ظلمات لا خروج له منها، فهو يتيه في غيه، وضلاله في الدنيا والآخرة حتى يفضي به ذلك إلى حرور وسموم وحميم، وظل من يحموم، لا بارد ولا كريم.
ثم بيَّن أن الهداية والتوفيق بيده سبحانه وحده، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ : ﴿يُسْمِعُ﴾ كلامه إسماع فهم واتّعاظ، وذلك بإحياء القلب. ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ أن يسمعه من أوليائه الذين خلقهم لجنته، ووفَّقهم لطاعته، فينتفع بإنذارك، ﴿وَمَا أَنْتَ﴾ يا محمد، ﴿بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾؛ أي (١): بمفهم من هو مثل الميت الذي في القبور، شبَّه الله سبحانه الكفار بالموتى في عدم التأثر بدعوته ﷺ ؛ أي: فكما لا يسمع أصحاب القبور ولا يجيبون .. كذلك الكفار لا يسمعون ولا يقبلون الحق.
وقرأ الجمهور (٢): بتنوين ﴿مسمع﴾ وقطعه عن الإضافة، وقرأ الحسن والأشهب وعيسى الثقفي وعمرو بن ميمون: بإضافته، والمعنى: إن الله يهدي من يشاء إلى سماع الحجة وقبولها بخلق الاستعداد فيه للهداية، ثم ضرب مثلًا لهؤلاء المشركين، وجعلهم كالأموات لا يسمعون فقال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ﴾ الخ؛ أي: فكما لا تقدر أن تسمع من في القبور كتاب الله فتهديهم به إلى سبيل الرشاد .. لا
стр. 10631
تقدر أن تنفع بمواعظ الله وحججه من كان ميت القلب، لا يستطيع فهم كتابه ومعرفة مغازي الدين وأسراره.
والخلاصة: كما لا ينتفع الأموات بعد أن صاروا إلى قبورهم، وهم كفار بالهداية والدعوة إليها، كذلك هؤلاء المشركون لا حيلة لك فيهم، ولا تستطيع هدايتهم،
٢٣ - ثم بين عمل الرسول ووظيفته فقال: ﴿إِنْ أَنْتَ﴾؛ أي: ما أنت يا محمد ﴿إِلَّا نَذِيرٌ﴾؛ أي: رسول منذر بالنار والعقاب ومخوف، وأما الإسماع البتة فليس من وظائفك ولا حيلة لك إليه في المطبوع على قلوبهم الذين هم بمنزلة الموتى. والمعنى: أي: ما أنت إلا رسول منذر عقاب الله لهؤلاء المشركين الذين طبع على قلوبهم، ولم تكلَّف هدايتهم وقبولهم ما جئتهم به، فإن ذلك بيده تعالى لا بيدك ولا بيد غيرك، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن هم لم يستجيبوا لك.
تنبيه: قوله (١): ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾، وقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، وقوله: ﴿لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ وغير ذلك لتمييز مقام الألوهية عن مقام النبوة كيلا يشتبها على الأمة فيضلوا عن سبيل الله، كما ضل بعض الأمم السالفة، فقال بعضهم: عزير ابن الله، وقال بعضهم: المسيح ابن الله، وذلك من كمال رحمته لهذه الأمة وحسن توفيقه.
قال بعضهم: فإن قلت: إنه قد ثبت أنه ﷺ أمر يوم بدر بطرح أجساد الكفار في القليب، ثم ناداهم بأسمائهم، وقال: "هل وجدتم ما وعد الله ورسوله حقًا، فإني وجدت ما وعدني الله حقًا؟ ". فقال عمر ﵁: يا رسول الله، كيف تكلم أجسادًا لا أرواح فيها؟ فقال النبي ﷺ : "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا شيئًا" فهذا الخبر يقتضي أن النبي ﷺ أسمع من في القليب، وهم موتى، فيعارض هذه الآية، فما وجه الجمع بينهما؟
قلتُ: يحمل الخبر على أن الله تعالى أحيى أهل القليب حينئذ حتى سمعوا كلام رسول الله ﷺ توبيخًا لهم، وتصغيرًا ونقمة وحسرة، وإلا فالميت من حيث هو ميت ليس من شأنه السماع، فقد أسمع الرسول ﷺ سماع الله تعالى، وإلا فليس
стр. 10632
من شأن أحد الإسماع، كما أنه ليس من شأن الميت السماع، وظهر من هذا الجواب أنه لا معارضة بين الآية والحديث، وقوله ﵊: "ما أنتم بأسمع ... " إلخ، يدل على أن الأرواح أسمع من الأجساد مع الأرواح لزوال حجاب الحس وانخراقه، والله أعلم.
٢٤ - ثم بيَّن سبحانه أنه ليس نذيرًا من تلقاء نفسه، بل بإذن ربه وإرادته، وأنه ما جاء إلا بالحق، فقال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ يا محمد ﴿بِالْحَقِّ﴾ إما حال من الفاعل؛ أي: حال كوننا محقين، أو من المفعول؛ أي: حال كونك محقًا، أو صفة لمصدر محذوف؛ أي: إرسالًا متلبسًا بالحق، وهذا أولى لشموله الأولين في المعنى؛ أي: وأرسلناك بالدين الحق الذي هو الإِسلام، أو بالقرآن حال كونك، ﴿بَشِيرًا﴾؛ أي: مبشرًا للمؤمنين بالجنة ﴿وَنَذِيرًا﴾؛ أي: منذرًا للكافرين بالنار.
والمعنى: أي إنا أرسلناك أيها الرسول بالإيمان بي وحدي، وبالشرائع التي فرضتها على عبادي مبشرًا بالجنة من صدقك، وقبل منك ما جئت به من عندي ومنذرًا بعقاب من كذبك ورد عليك ما أوحيت به إليك، ثم بيَّن فضله سبحانه على عباده ورحمته بهم، وأنه لم يتركهم دون أن يبين لهم طريق الهدى والضلال، فقال: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ﴾؛ أي: ما من أمة من الأمم السالفة وأهل عصر من الأعصار الماضية ﴿إِلَّا خَلَا﴾ ومضى ومر ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في تلك الأمة ﴿نَذِيرٌ﴾ من نبي أو عالم ينذرهم من عذاب الله تعالى، والاكتفاء بالإنذار؛ لأنه هو المقصود الأهم من البعثة.
قال في "الكواشي": وأما فترة عيسى فلم يزل فيها من هو على دينه، وداع إلى الإيمان. وفي "كشف الأسرار": والآية تدل على أن كل وقت لا يخلو من حجة خبرية، وأن أول الناس آدم، وكان مبعوثًا إلى أولاده، ثم لم يخل بعده زمان من صادق مبلغ عن الله، أو آمر يقوم مقامه في البلاغ والأداء حين الفترة، وقد قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦)﴾ لا يؤمر ولا ينهى.
فإن قيل (١): كيف يجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ
стр. 10633
آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦)﴾؟
قلت: معنى الآية: ما من أمةٍ من الأمم الماضية إلا وقد أرسلت إليهم رسولًا ينذرهم على كفرهم، ويبشرهم على إيمانهم؛ أي: سوى أمتك التي بعثناك إليهم، يدل على ذلك قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾، وقوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾.
وقيل: يجمع بينهما بأن المراد من هذه الآية المذكورة هنا: ما من أمة هلكوا بعذاب الاستئصال إلا بعد أن أقيم عليهم الحجة بإرسال الرسول بالإعذار والإنذار. انتهى ما في "كشف الأسرار". هذا الثاني هو أنسب بالتوفيق بين الآيتين، يدل عليه ما بعده من قوله: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ الخ، وإلا فلا يخفى أن أهل الفترة، ما جاءهم نذير على ما نطق به قوله تعالى: ﴿مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾، ويدل عليه أيضًا أن كل أمة أنذرت من الأمم، ولم تقبل .. استؤصلت، فكل أمة مكذبة معذبة بنوع من العذاب، وتمام التوفيق بين الآيتين في سورة يس إن شاء الله تعالى.
والمعنى: وما من أمة خلت من بني آدم إلا وقد بعث الله إليهم النذر، وأزاح عنهم العلل، كما قال: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾، وقال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾.
٢٥ - ثم سلى رسوله ﷺ على ما يلاقيه من قومه من الإصرار علي العناد والتكذيب، وأبان له أنه ليس ببدع من بين الرسل، فقال: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾؛ أي: وإن يكذبوك أيها الرسول مشركو قومك، فلا تبتئس بما يفعلون، ﴿فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من الأمم الماضية رسلهم، والحال أنه قد ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾؛ أي: بالمعجزات الباهرة والأدلة القاطعة، ﴿وَبِالزُّبُرِ﴾؛ أي: وبالكتب التي فيها مواعظ، كزبور داود، وصحف إبراهيم وموسى وشيث وإدريس. ﴿وَبِالْكِتَابِ﴾ والمراد به: الجنس الصادق بالمتعدد ﴿الْمُنِيرِ﴾ صفة للكتاب؛ أي: وبالكتب المنيرة؛ أي: التي توضح وتبين الأحكام والشرائع كالتوراة والإنجيل، والمراد بالبينات: المعجزات الظاهرة الدالة على صدق دعواهم وصحة نبوتهم، وبالزبر: الكتب التي فيها المواعظ والأمثال والحكم، وبالكتاب المنير: الكتب المظهرة
стр. 10634
للحق، الموضحة لما يحتاج إليه من الأحكام والشرائع والدلائل والوعد والوعيد؛ أي (١): جاءتهم على إرادة التفصيل دون الجمع؛ أي: بعض هذه المذكورات جاءت بعض المكذبين، وبعضها بعضهم، لا أن الجميع جاءت كلًّا منهم، وعبارة "النسفي" هنا: ولما كانت (٢) هذه الأشياء في جنسهم أسند المجيء بها إليهم إسنادًا مطلقًا، وإن كان بعضها في جميعهم وهي البينات، وبعضها في بعضهم، وهي الزبر والكتاب، وفيه مسلاة لرسول الله ﷺ ، قال أبو حيان: وإعادة حرف الجر هنا في العطف في الأخيرين هو على سبيل التأكيد، ذكره في سورة آل عمران،
٢٦ - وبعد أن سلاه ﷺ هدد من خالفوه وعصوه بمثل ما فعل بمن قبلهم من الماضين فقال: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ﴾ بأنواع العذاب، ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: ثبتوا على الكفر وداوموا عليه، وضع الموصول موضع ضميرهم لذمهم بما في حيز الصلة، والإشعار بعلية الأخذ، ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾؛ أي: إنكاري بالعقوبة، وتغييري عليهم؛ أي: هو واقع موقعه، وقرأ ورش عن نافع وشيبة بإثبات الياء في ﴿نَكِيرِ﴾ وصلًا لا وقفًا.
وقال ابن الشيخ: الاستفهام فيه للتقرير المضمن للتعجب، فإنه ﷺ شدة الله عليهم، فحسن الاستفهام على هذا الوجه في مقابلة التسلية، يحذِّر كفار هذه الأمة بمثل عذاب الأمم المكذبة المتقدمة، والعاقل من وعظ بغيره.
والمعنى (٣): أي وبعد أن أتاهم الرسل بما أتوهم فكذبوهم فيما جاؤوهم به .. أخذتهم بالعقاب والنكال، فانظر كيف كان شديد عقابي بهم، وإنكاري عليهم، فإن تمادى قومك وأصروا على إنكارهم واستمروا في عمايتهم .. حل بهم مثل ما حلَّ بأولئك، فتلك سنة الله لا تبديل لها ولا تغيير، ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢)﴾ ولا يخفى ما في هذا من شدة التهديد والوعيد.
ووجه التسلي (٤): أنه ﷺ كان يحزن عليهم، وقد نهى الله عن الحزن بقوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ وذلك لأنهم كانوا غير مستعدين لما دعوا إليه من الإيمان والطاعة، فتوقع ذلك منهم كتوقع الجوهرية من الحجر القاسي مع أن الحزن للحق
стр. 10635
لا يضيع.
قال بعضهم: لا يخفى أن أجر كل نبي في التبليغ يكون على قدر ما ناله من المشقة الحاصلة له من المخالفين، وعلى قدر ما يقاسيه منهم، وكل من رد رسالة نبي ولم يؤمن بها أصلًا، فإن لذلك النبي أجر المصيبة، وللمصاب أجر على الله سبحانه بعدد من رد رسالته من أمته بلغوا ما بلغوا، وقس على هذا حال الولي الوارث الداعي إلى الله على بصيرة.
٢٧ - ثم ذكر سبحانه نوعًا من أنواع قدرته الباهرة، وخلقًا من مخلوقاته البديعة فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ والاستفهام فيه تقريري (١)، والرؤية قلبية، والخطاب فيه لرسول الله ﷺ ؛ أي: ألم تعلم يا محمد، يعني: قد علمت، أو لكل من يصلح له؛ أي: ألم تعلم يا محمد ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ ﴿أَنْزَلَ﴾ بقدرته وحكمته ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾؛ أي: من الجهة العلوية سماءً أو سحابًا ﴿مَاءً﴾؛ أي: مطرًا ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾؛ أي: بذلك الماء، والالتفات من الغيبة إلى التكلم لإظهار كمال الاعتناء بفعل الإخراج لما فيه من الصنع البديع المنبىء عن كمال القدرة والحكمة، ولأن الرجوع إلى نون العظمة أهيب في العبارة. ﴿ثَمَرَاتٍ﴾ جمع ثمرة، وهي اسم لكل ما يطعم من أحمال الشجر، ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ وصف سببي للثمرات، والمراد بالألوان: الأجناس والأصناف والهيئات؛ أي: مختلفًا أجناسها من الرمان والتفاح والتين والعنب وغيرها، أو أصنافها على أن كلًّا منها ذو أصناف مختلفة كالعنب، فإن أصنافه تزيد على خمسين وكالتمر فإن أصنافه تزيد على مئة وكالذرة فإن أصنافها تزيد على مئة، أو هيئاتها من الصفرة والحمرة والخضرة والبياض والسواد وغيرها.
وقرأ الجمهور: ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ على حد اختلف ألوانها، وقرأ زيد بن علي: ﴿مختلفة ألوانها﴾ على حد اختلفت ألوانها، وجمع التكسير يجوز فيه أن تلحق التاء فيه، وأن لا تلحق، يقول سبحانه: منبِّهًا إلى كمال قدرته: ألم تشاهد (٢) أيها الرائي أنا خلقنا الأشياء المختلفة من الشيء الواحد، فأنزلنا من السماء ماءً، وأخرجنا به ثمرات مختلفًا ألوانها وطعومها وروائحها، كما هو مشاهد من ألوان الثمار من أصفر إلى أحمر إلى أخضر إلى نحو ذلك.
стр. 10636
ونحو الآية قوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾.
﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ﴾ مبتدأ وخبر، ولكنه على حذف مضاف، والجدد: جمع جدة بالضم بمعنى الطريقة التي يخالف لونها ما يليها، سواء كانت في الجبل أو في غيره، والخطة في ظهر الحمار تخالف لونه، ولما لم يصح الحكم على نفس الجدد بأنها من الجبال .. احتيج إلى تقدير المضاف؛ أي: أن من الجبال ما هو ذو جدد؛ أي: صاحب خطط وطرائق متلونة يخالف لونها لون الجبل، فيؤول المعنى إلى أن من الجبال ما هو مختلف ألوانه؛ لأن بيض صفة جدد، وحمر عطف على بيض، فتلا ﵇ القرائن الثلاث، فإن ما قبلها ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾، وما بعدها ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾؛ أي: منهم بعض مختلف ألوانه، فلا بد في القرينة المتوسطة بينهما من ارتكاب الحذف، فيقال: ومن الجبال ما هو مختلف ألوانه ليؤول المعنى إلى ما ذكر فيحصل تناسب القرائن.
وقرأ الجمهور: ﴿جُدَدٌ﴾ بضم الجيم وفتح الدال، وقرأ الزهري: بضمهما، جمع: جديدة، وروي عنه أنه قرأ بفتحهما، وردها أبو حاتم، وصححها غيره. ﴿بِيضٌ﴾ جمع: أبيض صفة جدد، ﴿وَحُمْرٌ﴾ جمع: أحمر، معطوف على بيض، ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾؛ أي: ألوان تلك الجدد البيض والحمر بالشدة والضعف، فقوله: بيض وحمر، وإن كان صفة لجدد، إلا أن قوله: ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾ صفة لكل واحدة من الجدد البيض والحور، بمعنى أن بياض كل واحدة من الجدد البيض، وكذا حمرة الجدد الحمر يتفاوتان بالشدة والضعف، فرب أبيض أشد بياضًا من أبيض آخر، وكذلك رب أحمر أشد حمرةً من أحمر آخر، فنفس البياض مختلف، وكذا نفس العمرة، فلذلك جمع لفظ ألوان مضافًا إلى ضمير كل واحد من البيض والحمر، فيكون كل واحد منهما من قبيل الكلي المشكك، ويحتمل أن يكون قوله: ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾ صفة ثالثة لجدد، فيكون ضمير ألوانها للجدد، فيكون تأكيدًا لقوله: ﴿بِيضٌ وَحُمْرٌ﴾، ويكون اختلاف ألوان الجدد بأن يكون بعضها أبيض، وبعضها أحمر، فتكون الجدد كلها على لونين بياض وحمرة إلا أنه عبر عن اللونين بألوان لكثرة كل واحد منهما باعتبار محاله، كذا في "حواشي ابن الشيخ". قال
стр. 10637
بعضهم: من شاهد جبال ديار العرب في طريق الحج وغيرها .. وجد هذه الأقسام كلها، فإنها وجدوها مختلفة متلونة انتهى. وقوله: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ معطوف على ﴿بِيضٌ﴾، فيكون من تفاصيل الجدد، والصفات القائمة بها كالبيض والحمر، كأنه قيل: ومن الجبال ذو جدد بيض وحمر وسود غرابيب؛ أي: شديدة السواد كالغراب، وإنما وسط الاختلاف؛ لأنه علم من الوصف بالغرابيب أنه ليس في الأسود اختلاف اللون بالشدة والضعف، ويجوز أن يكون غرابيب عطفًا على جدد، فلا يكون داخلًا في تفاصيل الجدد، بل يكون قسيمها، كأنه قيل: ومن الجبال مخطط ذو جدد، ومنها ما هو على لون واحد وهو السواد.
فالغرض من الآية: إما بيان اختلاف ألوان طرائق الجبال، كاختلاف ألوان الثمرات، فترى الطرائق الجبلية من البعيد منها بيض ومنها حمر ومنها سود، وإما بيان اختلاف ألوان الجبال نفسها، وكل منها أثر دال على القدرة الكاملة، كذا في "حواشي ابن الشيخ".
والغرابيب: جمع غربيب، كعفاريت وعفريت، يقال: أسود غربيب؛ أي: شديد السواد الذي يشبه لون الغراب، وكذا يقال: أسود حالك، كما يقال: أصفر فاقع، وأبيض يقق محركةً، وأحمر قانٍ لخالص الصفرة وشديد البياض والحمرة. وفي الحديث: "إن الله يبغض الشيخ الغربيب". يعني: الذي يخضب بالسواد، كما في تفسير "القرطبي" أو الذي يشيب كما في "المقاصد الحسنة"، والسود: جمع أسود، وفي "أبي السعود": قوله: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ﴾، وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ إيراد هاتين الجملتين اسميتين مع مشاركتهما للفعلية قبلهما في الاستشهاد بمضمون كل على تباين الناس في الأحوال لما أنَّ اختلاف الجبال والناس والدواب والأنعام فيما ذكر من الألوان أمر مستمر، فعبر عنه بما يدل على الاستمرار، وأما إخراج الثمرات المختلفة فأمر حادث، فعبر عنه بما يدل على الحدوث، ولما كان فيه نوع خفاء علق الرؤية به بطريق الاسفهام التقريري بخلاف أحوال الجبال والناس وغيرهما، فإنها مشاهدة غنية عن التأمّل، فلذلك جردت عن التعليق بالرؤية، فتدبر. انتهى منه.
فإن قلت (١): إذا كان الغربيب تأكيدًا للأسود، كالفاقع مثلًا للأصفر .. ينبغي
стр. 10638
أن يقال: وسود غرابيب بتقديم السود؛ إذ من حق التأكيد أن يتبع المؤكد، ولا يتقدم عليه.
قلت: الغرابيب: تأكيد لمضمر يفسِّره ما بعده، والتقدير: سود غرابيب سود، فالتأكيد إذًا متأخر عن المؤكد، وفي الإضمار، ثم الإظهار مزيد تأكيد لما فيه من التكرار، وهذا أصوب من كون السود بدلًا من الغرابيب، كما ذهب إليه الأكثر حتى صاحب "القاموس"، كما قال: وأما غرابيب سود .. فبدل؛ لأن تأكيد الألوان لا يتقدم، وقيل هو على التقديم والتأخير؛ أي: سود غرابيب.
٢٨ - ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾؛ أي: ومن بني آدم ﴿وَالدَّوَابِّ﴾ جمع دابة، وهي ما يدب على الأرض من الحيوان، ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾: جمع نعم محركة، وقد يسكن عينه: الإبل والبقر والضأن والمعز دون غيرها من الدواب، وقوله: ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ صفة لموصوف محذوف؛ أي: ومن هذه المذكورات صنف أو نوع أو بعض مختلف ألوانه، كاختلاف ألوان الثمرات والجبال بأن يكون أبيض وأحمر وأسود وأخضر وأصفر، ولم يقل هنا ألوانها؛ لأن الضمير يعود إلى البعض الدال عليه من التبعيضية في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾، وإنما ذكر سبحانه اختلاف الألوان في هذه الأشياء؛ لأن هذا الاختلاف من أعظم الأدلة على قدرة الله تعالى وبديع صنعه.
وقرأ الجمهور (١): ﴿وَالدَّوَابِّ﴾ مشدد الباء، والزهري بتخفيفها؛ كراهية التضعيف؛ إذ فيه التقاء الساكنين، كما همز بعضهم ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فرارًا من التقاء الساكنين، فحذف هنا آخر المضعفين، وحرّك أول الساكنين، وقرأ ابن السميقع: ﴿ألوانها﴾. وقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ تمّ الكلام عليه، وهو وصف لمصدر محذوف مؤكّد تشبيهي، تقديره: مختلف ألوانه اختلافًا كائنًا كذلك؛ أي: كاختلاف الثمار والجبال.
ولما قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾. وعدَّد آيات الله وأعلام قدرته وآثار صنعته، وما خلق من الفطر المختلفة الأجناس، وما يستدل به عليه، وعلى صفاته .. أتبع ذلك بقوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ﴾ سبحانه ويخافه ﴿مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ به الذين علموه بصفاته، فعظموه (٢)؛ إذ شرط الخشية معرفة المخشي، والعلم بصفاته
стр. 10639
وأفعاله، فمن كان أعلم به كان أخشى منه، ولذلك قال النبي ﷺ : "إني أخشاكم لله وأتقاكم له"، وفي آخر: "أعلمكم بالله أشدكم له خشية"، ومن كان علمه به أقل كان آمن، ولهذا أتبعه ذكر أفعاله الدالة على كمال قدرته، وهو كلام مستأنف.
وفي "الإرشاد": هو تتمة لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ بتعيين من يخشاه من الناس بعد بيان اختلاف طبقاتهم وتباين مراتبهم على معنى (١): إنما يخشاه سبحانه بالغيب العالمون به، وبما يليق به من صفاته الجليلة، وأفعاله الجميلة، وعلى كل تقدير فهو سبحانه قد عين في هذه الآية أهل خشية، وهم العلماء به وبعظيم قدرته، قال مجاهد: إنما العالم من خشي الله ، وقال مسروق: كفى بخشية الله علمًا، وكفي بالاغترار جهلًا، فمن كان أعلم بالله كان أخشاهم له قال الربيع بن أنس: من لم يخش الله .. فليس بعالم. وقال الشعبي: العالم من خاف الله وتقديم (٢) المخشي وهو المفعول للاختصاص وحصر الفاعلية؛ أي: لا يخشى الله من بين عباده إلا العلماء، ولو أخر لانعكس الأمر، وصار المعنى: لا يخشون إلا الله، وبينهما تغاير، ففي الأول بيان أن الخاشين هم العلماء دون غيرهم، وفي الثاني بيان أن المخشي منه هو الله دون غيره.
وقرأ الجمهور: بنصب الجلالة ورفع العلماء، وقرأ أبو حنيفة وعمر بن عبد العزيز وابن سيرين: برفع الجلالة ونصب العلماء على أن الخشية استعارة للتعظيم، فإن المعظَّم يكون مهيبًا، فالمعنى عليه: إنما يعظم الله سبحانه من بين جميع عباده العلماء، كما يعظِّم المهيب المخشي من الرجال بين الناس، وهذه القراءة - وإن كانت شاذة - لكنها مفيدة جدًّا، وجعل عبد الله بن عمر الخشية بمعنى الاختيار؛ أي: إنما يختار الله من بين عباده العلماء، وعلى كل من القراءتين في هذه الآية للعلماء منقبة عظيمة وخصلة حميدة.
والمعنى (٣): أي إنما يخاف الله فيتقي عقابه بطاعته العالمون بعظيم قدرته على ما يشاء من الأشياء، وأنه يفعل ما يريد؛ لأن من علم ذلك أيقن بعقابه على
стр. 10640
معصيته، فخافه ورهبه خشية أن يعاقبه، وقد أثر عن ابن عباس أنه قال: العالم بالرحمن من عباده من لم يشرك به شيئًا، وأحلّ حلاله وحرَّم حرامه وحفظ وصيته، وأيقن أنه ملاقيه ومحاسبه بعمله. وقال الحسن البصري: العالم من خشي الرحمن بالغيب ورغِب فيما رغَّب الله فيه، وزهد فيما سخط الله فيه، ثم تلا الآية.
وعن عائشة ﵂: صنع رسول الله ﷺ شيئًا، فرخص فيه، فتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فخطب فحمد الله، ثم قال: "ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه، فوالله إني لأعلمهم بالله، وأشدهم له خشية" أخرجه البخاري ومسلم. ثم بيَّن سبب خشيتهم منه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿عَزِيزٌ﴾ في انتقامه ممن كفر به ﴿غَفُورٌ﴾ لذنوب من آمن به وأطاعه، فهو قادر على عقوبة العصاة وقهرهم، وإثابة أهل الطاعة والعفو عنهم، ومن حق المعاقب والمثيب أن يخشى.
قيل (١): الخشية: تألم القلب بسبب توقع مكروه في المستقبل يكون تارةً بكثرة الجناية من العبد، وتارة بمعرفة جلال الله وهيبته، وخشية الأنبياء من هذا القبيل، فعلى المؤمن أن يجتهد في تحصيل العلم بالله حتى يكون أخشى الناس، فبقدر مراتب العلم تكون مراتب الخوف والخشية وروي عن النبي ﷺ : أنه سئل: يا رسول الله، أينا أعلم؟ قال: "أخشاكم لله ، إنما يخشى الله من عباده العلماء"، قال: يا رسول الله، فأيُّ الأصحاب أفضل؟ قال: "من إذا ذكرت الله .. أعانك، وإذا نسيت .. ذكّرك"، قالوا: فأيّ الأصحاب شر؟ قال: "الذي إذا ذكرت لم يعنك، وإذا نسيت لم يذكرك"، قالوا: فأيُّ الناس شرٌّ؟ قال: "اللهم اغفر للعلماء، العالم إذا فسد فسد الناس". كذا في "تفسير أبي الليث". نسأل الله سبحانه أن يجعلنا عاملين محقّقين، وفي الخوف والخشية صادقين ومحقّين.
٢٩ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ ؛ أي: يداومون على تلاوة القرآن، ويعملون بما فيه؛ إذ لا تنفع التلاوة بدون العمل، والتلاوة (٢): القراءة متتابعة، والقراءة أعم كالدراسة والأوراد الموظّفة، والقراءة منها, لكن التهجّي وتعليم الصبيان لا يعد قراءة، ولذا قالوا: لا يكره التهجّي للجنب والحائض
стр. 10641
والنفساء بالقرآن؛ لأنه لا يعد قارئًا، وكذا لا يكره لهم التعليم للصبيان وغيرهم حرفًا حرفًا، وكلمةً كلمةً مع القطع بين كل كلمتين، وقيل: معنى ﴿يَتْلُونَ﴾ يتّبعون كتاب الله، من قولهم: تلاه إذا اتبعه؛ لأن التلاوة بلا عمل لا نفع فيها، وقد ورد: "رب قارىء للقرآن والقرآن يلعنه".
﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ المفروضة؛ أي: أدّوها بآدابها وشرائطها وأركانها في أوقاتها، وغاير بين الجملتين بالاستقبال والمضي؛ لأن أوقات التلاوة أعم بخلاف أوقات الصلاة، وكذا أوقات الزكاة المدلول عليها بقوله: ﴿وَأَنْفَقُوا﴾ في وجوه البر ﴿مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ وأعطيناهم ﴿سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ وهي ضد السر؛ أي: إنفاق سر وعلانية، أو ذوي سرّ وعلانية بمعنى مسرّين ومعلنين؛ أي: أنفقوا كيفما أمكن لهم من غير قصد إليهما، فيه حثّ على الإنفاق كيفما تهيّأ، فإن تهيأ سرًا فهو أفضل، وإلا فعلانية، ولا يمنعه ظنه أن يكون رياء، فإن ترك الخير مخافة أن يقال فيه إنه مراءٍ هو عين الرياء، ويمكن أن يراد بالسر صدقة النفل، بالعلانية صدقة الفرض، وفيه أيضًا حث على الإنفاق في جميع الأوقات.
وجملة ﴿يَرْجُونَ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾؛ أي: يقصدون ويطلبون، ﴿تِجَارَةً﴾؛ أي: مثوبة ﴿لَنْ تَبُورَ﴾ صفة لتجارة؛ أي: لن تبطل ولن تخسر ولن تهلك؛ أي: يأملون من ربهم، ويطلبون منه بأعمالهم المذكورة مثوبة مدّخرة لا تبطل ولا تحبط .. قال في "الإرشاد": وأتى بقوله: ﴿لَنْ تَبُورَ﴾ للدلالة على أنها ليست كسائر التجارات الدائرة بين الربح والخسران؛ لأنه اشتراء باقٍ بفانٍ، والإخبار برجائهم من أكرم الأكرمين عدة قطعية بحصول رجائهم،
٣٠ - وقوله: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿يَرْجُونَ﴾ (١)، أو بـ ﴿لَنْ تَبُورَ﴾ على معنى أنه ينتفي عنها الكساد، وتنفق عند الله ليوفيهم بحسب أعمالهم وخلوص نياتهم ﴿أُجُورَهُمْ﴾؛ أي: أجور أعمالهم من التلاوة والإقامة والإنفاق، فلا وقف على لن تبور أي لن تكسد لأجل أن يعطيهم أجور أعمالهم الصالحة وافية كاملة، أو متعلق بمحذوف دل عليه السياق؛ أي: فعلوا ذلك ليوفيهم أجور أعمالهم، ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ أي: من جوده وكرمه وخزائن رحمته ما يشاء مما لم يخطر ببالهم عند العمل، ولم يستحقوا له، بل هو كرم محض، ومن
стр. 10642
فضله يوم القيامة نصبهم في مقام الشفاعة ليشفعوا فيمن وجبت لهم النار من الأقرباء وغيرهم.
وجملة قوله: ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ﴾ تعليل (١) لما قبله من التوفية والزيادة؛ أي: غفور لفرطاتهم وفي "بحر العلوم": ستَّار لكل ما صدر منهم مما من شأنه أن يستر، محاء له عن قلوبهم، وعن ديوان الحفظة. ﴿شَكُورٌ﴾ لطاعاتهم؛ أي: مجازيهمِ عليها وومثيب لهم، وقيل (٢): إن هذه الجملة هي خبر إن في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ مع تقدير رابط؛ أي: غفور لهم، وتكون جملة ﴿يَرْجُونَ﴾ في محل نصب على الحال من فاعل ﴿أَنْفَقُوا﴾، والأول أولى.
وفي "التأويلات النجمية": غفور يغفر تقصيرهم في العبودية، شكور يشكر يسعيهم مع التقصير بفضل الربوبية.
وحاصل معنى الآية: أن الذين يتبعون كتاب الله تعالى، ويعملون بما فرض فيه من فرائض، فيؤدون الصلاة المفروضة لمواقيتها على ما رسمه الدين بإخلاص وخشية من ربهم، ويتصدقون مما أعطاهم من الأموال سرًا وعلانية بلا بسط ولا إسراف، هؤلاء قد عاملوا ربهم راجين ربح تجارتهم بنيلهم عظيم ثوابه كفاء ما قدّموا من عمل مع الإخبات والإنابة إليه، ويبتغون فضلًا منه ورحمة فوق ذلك، وغفرانًا لما فرط من زلّاتهم، وما اجترحوا من سيئاتهم، فالله هو الغفور لما فرط من المطيعين من الزلات، الشكور لطاعاتهم، فمجازيهم عليها الجزاء الأوفى، ونحو الآية قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
قال أبو الليث: الشكر على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: الشكر ممن دونه يكون بالطاعة وترك مخالفته.
والوجه الثاني: الشكر ممن هو شكله يكون بالجزاء والمكافأة.
والوجه الثالث: الشكر ممن فوقه يكون رضي منه باليسير، كما قال بعضهم الشكور: هو المجازي بالخير الكثير على العمل اليسير، والمعطي بالعمل في أيام
стр. 10643
معدودة نعمًا في الآخرة غير مجذوذة، ومن عرف أنه الشكور شكر نعمته، وآثر طاعته، وطلب رحمته، وشهد منته. قال الغزالي: وأحسن وجوه الشكر لنعم الله أن لا يستعملها في معاصيه، بل في طاعته.
٣١ - ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ يا محمد ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾ وهو القرآن، فـ ﴿مِنَ﴾ للتبيين، أو هو اللوح المحفوظ، فـ ﴿مِنَ﴾ للتبعيض، وجملة قوله: ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾؛ أي: الصدق لا كذب فيه، ولا شكّ خبر الموصول حال كونه ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾؛ أي: موافقًا لما قبله من الكتب السماوية المنزّلة على الأنبياء في العقائد وأصول الأحكام، وهو حال مؤكدة؛ أي: أحقه مصدقًا؛ لأنَّ حقيّته لا تنفكّ عن هذا التصديق ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه ﴿بِعِبَادِهِ﴾ متعلق بقوله: ﴿لَخَبِيرٌ﴾؛ أي: محيط ببواطن أمورهم ﴿بَصِيرٌ﴾؛ أي: عالم بظواهرها، وقدّم الجار والمجرور لرعاية الفاصلة التي على حرف الراء، فلو كان في أحوالك ما ينافي النبوّة .. لم يوح إليك مثل هذا الحق المعجز الذي هو عيار على سائر الكتب، يعرف صدقها منه، وتقديم الخبير للتنبيه على أن العمدة في ذلك العلم والإحاطة هي الأمور الروحانية.
المعنى (١): أي إن القرآن الذي أنزلناه إليك يا محمد هو الحق من ربك، وعليك وعلى أمتك أن نعمل به، وتتّبع ما فيه دون غيره من الكتب التي أوحيت إلى غيرك، وهو مصدق لما مضى بين يديه مما أنزل إلى الرسل من قبله، فصار إمامًا لها، إن الله سبحانه خبير بأحوال عباده بصير بما يصلح لهم، فيشرّع لهم من الأحكام ما يناسب أحوال الناس في كل زمان ومكان، ويرسل من الرسل من هو حقيق بتبليغ ذلك للناس ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾.
٣٢ - ﴿ثُمَّ﴾ للترتيب والتأخير؛ أي: بعدما أوحينا إليك، أو بعد كتب الأولين، كما دلّ ما قبله على كل منهما، وسئل سفيان الثوري على ماذا عطف بقوله: ﴿ثُمَّ﴾؟ قال: على إرادة الأزل، والأمر المقضي؛ أي: بعدما أردنا في الأزل. ﴿أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾؛ أي: ملكنا بعظمتنا ملكًا تامًا، وأعطينا هذا القرآن عطاءً لا رجوع فيه. ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ المفعول الأول لـ ﴿أَوْرَثْنَا﴾ الموصول، والمفعول الثاني ﴿الْكِتَابَ﴾، وإنما قدّم المفعول الثاني لقصد التشريف والتعظيم للكتاب.
стр. 10644
والمعنى (١): ثم أورثنا الذين اصطفيناهم واختارناهم من عبادنا هذا الكتاب الذي هو القرآن؛ أي: قضينا وقدّرنا في سابق علمنا بأن نورّث العلماء من أمتك يا محمد هذا الكتاب الذي أنزلناه عليك، ومعنى اصطفائهم: اختيارهم واستخلاصهم، ولا شكّ أنّ علماء هذه الأمة من الصحابة، فمن بعدهم قد شرفهم الله تعالى على سائر العباد، وجعلهم أمة وسطًا ليكونوا شهداء على الناس، وأكرمهم بكونهم أمة خير الأنبياء، سيّد ولد آدم، قال مقاتل: يعني قرآن محمد جعلناه ينتهي إلى الذين اصطفينا من عبادنا، وقيل: إن المعنى: أورثناه من الأمم السالفة؛ أي: أخرناه عنهم، وأعطيناه الذين اصطفينا، والأول أولى.
وهذه الأمة اصطفاهم الله تعالى على سائر الأمم، كما اصطفى رسولهم على جميع الرسل، وكتابهم على كل الكتب، وهذا الإيراث للمجموع لا يقتضي الاختصاص بمن يحفظ جميع القرآن، بل يشمل من يحفظ منه جزءًا، ولو أنه الفاتحة، فإن الصحابة رضوان لله عليهم أجمعين لم يكن واحد منهم يحفظ جميع القرآن، ونحن على القطع بأنهم مصطفون.
ولما كانت الوراثة بالسبب والنسب، وكان السبب جنسًا واحدًا، كالزوجية، وهما صاحبا الفرض، وكان النسب من جنسين: الأصول كالآباء والأمهات، والفروع كل ما يتولّد من الأصول كالأولاد والأخوة والأخوات وأولادهم والأعمام وأولادهم، وهم صاحب فرض وعصبية، فصار مجموع الورثة ثلاثة أصناف: صنف صاحب الفرض بالسبب، وصنف صاحب الفرض بالنسب، وصنف صاحب الباقي وهم العصبة، كذلك الورثة هاهنا ثلاثة أقسام، كما قال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ﴾؛ أي: فمن الذين اصطفينا من عبادنا ﴿ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ بما عمل من الصغائر؛ لأن عمل الصغائر لا ينافي الاصطفاء، ولا يمنع صاحبه من دخول الجنة مع الذين يدخلون الجنة، يحلون فيها من أساور من ذهب إلى آخر ما سيأتي، ووجه كونه ظالمًا لنفسه أنه نقصها من الثواب بما فعل من الصغائر المغفورة له، فإنه لو عمل مكان تلك الصغائر طاعات .. لكان لنفسه فيها من الثواب حظًا عظيمًا، وهذا القول هو الراجح، وقد روي هذا القول عن عمر وعثمان وابن مسعود وأبي الدرداء وعائشة،
стр. 10645
وقيل: الظالم لنفسه هو صاحب الكبائر، وقيل: هو المقصّر في العمل بالكتاب.
واعلم (١): أن الظلم ثلاثة أقسام: ظلم بين الإنسان وبين الله، وأعظمه الكفر والشرك والنفاق، وظلم بينه وبين الناس، وظلم بينه وبين نفسه، وهو المراد بما في هذه الآية كما في "المفردات". وتقديم الظالم في الذكر لا يدل على تقديمه في الدرجة لقوله تعالى: ﴿فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾، كما في "الأسئلة المقحمة"، وقال بعضهم: قدم الظالم لكثرة الفاسقين، ولأن الظلم بمعنى الجهل، والركوب إلى الهوى مقتضى الجبلة، والاقتصاد والسبق عارضان، وقال أبو الليث: الحكمة في تقديم الظالم وتأخير السابق كي لا يعجب السابق بنفسه، ولا ييأس الظالم من رحمة الله.
وقال القشيري: في الإرث يبدأ بصاحب الفرض، وإن قلّ نصيبه، فكذا هاهنا بدأ بالظالم، ونصيبه أقل من نصيب الآخرين، ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾؛ أي: متوسط في العمل بالكتاب في أغلب الأوقات، ولا يخلو من خلط شيء أو متوسط في أمر الدين، بحيث لا يميل إلى جانب الإفراط، ولا إلى جانب التفريط، وهذا من أهل الجنة ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ﴾؛ أي: متقدم إلى ثواب الله وجنته ورحمته ﴿بِالْخَيْرَاتِ﴾؛ أي: بالأعمال الصالحة، بضم التعليم والإرشاد إلى العلم والعمل ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ أي: بإرادته وتوفيقه، جعله في "كشف الأسرار" متعلقًا بالأصناف الثلاثة على معنى ظلم الظالم، وقصد المقتصد، وسبق السابق بعلم الله تعالى، والظاهر تعلقه بالسابق، كما ذهب إليه أجلاء المفسرين على معنى بتيسيره وتوفيقه وتمكينه من فعل الخير، لا باستقلاله، وفيه تنبيه على عزة منال هذه الرتبة وصعوبة مأخذها قال القشيري: كأنه قال: يا ظالم ارفع رأسك، فإنك وإن ظلمت فما ظلمت إلا نفسك، ويا سابق اخفض فإنك وإن سبقت فما سبقت إلا بتوفيقي.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿سَابِقٌ﴾ على صيغة اسم الفاعل، وقرأ أبو عمران الحوفي وعمر بن أبي شجاع ويعقوب في رواية والقراءة عن أبي عمرو: ﴿سبَّاق﴾ على صيغة المبالغة، وقيل: المراد بالطوائف الثلاث: التالي للقرآن تلاوة مجرّدة، والقارىء له العامل به، والقارىء العامل بما فيه والمعلم له، وقال الحسن: