ينعق به؛ أي: المنعوق به، وعلى هذا التقدير فلا حذف.
والفرق بين الدعاء والنداء (١): أن الدعاء للقريب، والنداء للبعيد، والفرق بين الكافر والضال: أن الكافر يرى الحق، ويعرض عنه، ويصرف نفسه عن دلائله؛ فهو كالبهائم يرضى بأن يقوده غيره، ويصرفه كيف يشاء. والضالّ يخطيء الطريق مع طلبه، أو جهله بمعرفته بنفسه، أو بدلالة غيره.
وحاصل المعنى: أن مثل الكافرين في تقليدهم لآبائهم ورؤسائهم، وإخلادهم إلى ما هم عليه من الضلال، وعدم تألمهم فيما يُلقى إليهم من الأدلة مثل البهائم التي ينعق عليها الراعي، ويسوقها إلى المرعى، ويدعوها إلى الماء، ويزجرها عن الحمى، فتستجيب دعوته، وتنزجر بزجره، وهي لا تعقل مما يقول شيئًا ولا تفهم له معنى، وإنما تسمع أصواتًا تقبل لسماع بعضها، وتدبر لسماع بعض آخر بالتعود، ولا تعقل سببًا للإقبال والإدبار.
فهم ﴿صُمٌّ﴾ عن سماع الحق سماع قبول وانتفاع به. ﴿بُكْمٌ﴾ عن النطق به. ﴿عُمْيٌ﴾ عن رؤيته؛ أي: يتصامون عن الحق، ويتباكمون عنه، ويتعامون عنه. ﴿فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾؛ أي: لا يفقهون أمر الله، ودعوة النبي ﷺ ، كما لا تعقل الإبل والغنم كلام الراعي، قيل: المراد به العقل الكسبي؛ لأن العقل الطبيعي كان حاصلًا فيهم، ثم بيّن أن ما حرّمه المشركون حلال. فقال:
١٧٢ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾؛ أي كلوا من حلالات ما أعطيناكم من الحرث والأنعام. قيل (٢): إن الأمر في ﴿كُلُوا﴾ يكون للوجوب كالأكل لحفظ النفس، ودفع الضرر عنها، وقد يكون للندب كالأكل مع الضيف، وقد يكون للإباحة إذا خلا من هذه العوارض.
وهذا الذي (٣) ذكره هنا تأكيدٌ للأمر السابق في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا
стр. 1122
فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ وإنما خص المؤمنين هنا؛ لكونهم أفضل أنواع الناس وقيل: المراد بالأكل الانتفاع، وقيل: المراد به الأكل المعتاد، وهو الظاهر.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله طيب ولا يقبل إلا الطيب، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ثم ذكر رجلًا يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام فأنى يستجاب له"؟ أخرجه مسلم. أَشْعَثُ: هو البعيد العهد بالدهن، أَغْبَرَ: هو البعيد العهد بالغسل والنظافة، ويستفاد من هذا الحديث أن المراد بالطيبات الحلالات.
﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ الذي رزقكموها على جميع نعمه ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾؛ أي: إن صح أنكم تخصونه بالعبادة، وتقرون أنه إلهكم لا غيره، وأنه هو مولى جميع النعم لا غيره .. فإن الشكر رأس العبادات، وقيل: معناه: إن كنتم عارفين بالله وبنعمه .. فاشكروه عليها.
وعن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه (١): "يقول الله تعالى: إنّي والإنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري".
١٧٣ - ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ لمّا (٢) أباح الله تعالى لعباده أكل ما في الأرض من الحلال الطيب، وكانت وجوه الحلال كثيرة لا تنحصر .. بيّن لهم في هذه الآية ما حرم عليهم؛ لكونه أقل، فلما بيّن ما حرم .. بيّن ما سوى ذلك على التحليل حتى يرد منع آخر: وهذا مثل قوله ﷺ لما سئل عما يلبس المُحْرِم فقال: لا يلبس القميص ولا السراويل". فعدل عن ذكر المباح إلى ذكر المحظور؛ لكثرة المباح، وقلة المحظور، وهذا من الإيجاز البليغ. كما مر آنفًا في محل المناسبة.
стр. 1123
و ﴿إِنَّمَا﴾ كلمة موضوعة؛ للدلالة على إثبات المذكور، ونفي غيره، فهي بمعنى ﴿ما﴾ النافية، و ﴿إلا﴾ المثبته؛ أي: ما حرم عليكم شيئًا من الأشياء إلا الميتة؛ أي: إلا أكل الميتة، والانتفاع بها بأي وجهٍ كان؛ وهي التي زالت حياتها بغير ذكاة شرعية، وأُلحق بها بالسُّنة: ما أُبينَ من حيٍّ. رواه أبو داود والترمذي وحسنه بلفظ: "ما قُطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة" وإنما حرم الميتة لما يتوقع من ضررها؛ لأنها إما أن تكون قد ماتت بمرض سابق، أو بعلمة عارضة، وكلاهما لا يؤمن ضرره، ولأن الطباع تستقذرها، وخص منها السمك والجراد في خبر: "أحلت لنا ميتتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال" رواه ابن ماجه والحاكم. ﴿و﴾ إلا ﴿الدم﴾ السفوح كما في سورة الأنعام؛ أي: الجاري، وكانت العرب تجعل الدم في المصارين، ثم تشويه وتأكله، فحرم الله الدم. وخص منه بالقيد المذكور الكبد والطحال، وإنما حُرم الدم؛ لأنه قذر وضارّ كالميتة ﴿و﴾ إلا ﴿لحم الخنزير﴾ وجميع أجزائه، وإنما خص اللحم بالذكر؛ لأنه المقصود بالأكل، وإنما حرم لحم الخنزير؛ لأنه ضار، ولا سيما في البلاد الحارة كما دلت على ذلك التجربة. ﴿و﴾ إلا ﴿ما أهل به لغير الله﴾؛ أي: وما حرم عليكم شيئًا من الأشياء إلا ما رفع به الصوت عند ذبحه لغير الله، من صنم أو غيره مما يعبد من دون الله؛ لأنه من أعمال الوثنيين، فـ ﴿ما﴾ (١) موصولة و ﴿به﴾: نائب فاعل لـ ﴿أهل﴾ و ﴿الباء﴾ بمعنى (في) مع حذف مضاف، والمعنى: وما صيح في ذبحه لغير الله، والمشركون يرفعون الصوت لآلهتهم عند الذبح، فجرى ذلك مجرى أمرهم وحالهم حتى قيل لكل ذابح مهل وإن لم يجهر بالتسمية، وقال الربيع بن أنس، وابن زيد: المعنى: وذكر عليه غير اسم الله، وعلى هذا فـ ﴿غير الله﴾ نائب الفاعل، واللام صلة.
وقد نص الفقهاء (٢) على أن كل ما ذكر عليه اسم غير الله، ولو مع اسم الله؛ فهو محرم، ومثل ذلك ما يفعله العامة في القرى؛ إذ يقولون عند الذبح: باسم الله، الله أكبر، يا سيد، يا بدوي، يريدون بذلك أن يتقبل منهم النذر، ويقضي حاجة صاحبه.
стр. 1124
وقال العلماء (١): لو أن مسلمًا ذبح ذبيحة، وقصد بذبحها التقرب إلى غير الله صار مرتدًا، وذبيحته ذبيحة مرتد لا يحل أكلها.
وإنما قدّم (٢) لفظة ﴿بِهِ﴾ هنا على قوله: ﴿لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ وأخره عنه في المائدة والأنعام والنحل؛ لأن ﴿الباء﴾ للتعدية كالهمزة والتشديد، فهي كالجزء من الفعل، فكان الموضع الأول أولى بها وبمدخولها، وأخَّر في بقية المواضع نظرًا للمقصود فيها من ذكر المستنكر؛ وهو الذبح لغير الله. ذكره الكرخي.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿حَرَّمَ﴾ مبنيًا للفاعل مسندًا إلى ضمير اسم الله، وما بعده منصوب، و ﴿ما﴾ في ﴿إِنَّمَا﴾ مهيئة هيأت ﴿إنّ﴾ لدخولها على الجملة الفعلية، وقرأ ابن أبي عبلة شذوذًا: برفع ﴿الميتة﴾ وما بعدها، فتكون ﴿ما﴾ موصولة اسم إن، والعائد عليها محذوف؛ تقديره: إن الذي حرمه الله الميتة، وما بعدها خبر إن، وقرأ أبو جعفر في الشاذ ﴿حُرِّم﴾ مشددًا مبنيًّا للمفعول، و ﴿ما﴾ تحتمل كونها موصولة، أو مهيئة. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي في رواية شاذة: ﴿إنما حَرُمَ﴾ بفتح الحاء وضم الراء مخففة جعله لازمًا ﴿الميتة﴾ وما بعدها مرفوع، وتحتمل ما للوجهين من التهيئة والوصل، و ﴿الميتة﴾ فاعل بـ ﴿حَرُم﴾ إن كانت ﴿ما﴾ مهيِّئة، وخبر إنّ إنْ كانت ﴿ما﴾ موصولة، وقرأ أبو جعفر في المتواتر: ﴿الميّتة﴾ - بتشديد الياء - في جميع القرآن.
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾؛ أي: أُلجىء وأُحوج إلى أكل شيء مما ذكر بأن أصابه جوع شديد، ولم يجد حلالًا يسد به الرمق، أو أكره على تناول ذلك، وقرأ (٤) أبو جعفر في المتواتر: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ بضم النون للاتباع، وبكسرها على أصل حركة التقاء الساكنين، وقرأ ابن محيص شذوذًا بإدغام الضاد في الطاء، وقرأ أبو السمال بكسر الطاء وهي قراءة شاذة أيضًا، والمراد: مَنْ صيرةُ الجوع والعدم إلى
стр. 1125
الاضطرار والاحتياج إلى الميتة حالة كونه غير مباح؛ أي: غير طالب للذة ﴿وَلَا عَادٍ﴾؛ أي: متجاوز سد الجوعة، كما نقل عن الحسن، وقتادة، والربيع، ومجاهد، وابن زيد. وقيل: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ على الوالي وخارج عن طاعته. ﴿وَلَا عَادٍ﴾؛ أي: غير متعد على المسلمين بقطع الطريق، فأكله - ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾؛ أي: فلا حرج ولا ذنب على المضطر المذكور في أكل جميع ما ذكر، لترخيص الله له في ذلك ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ تعالى ﴿غَفُورٌ﴾ لمن أكل في حال الاضطرار ﴿رَحِيمٌ﴾ له حيث أباح له في تناول قدر الحاجة.
فخرج بذلك الباغي والعادي، فمن (١) خرج يقطع الرحم، أو يقطع السبيل، أو يفسد في الأرض، أو مفارقًا للجماعة والأئمة، أو خرج في معصية الله كالناشزة والآبق، فاضطر إلى أكل الميتة ونحوها .. لم تحل له ما لم يتب؛ لأن الرخص لا تفعل مع المعصية.
أما الباغي والعادي (٢) المقيمان المضطران إلى أكل ما ذكر: فيحل لهما أكله؛ وذلك لأن الترخيص لا يمتنع في حق المقيم العاصي إلا إذا كان مراقَ الدم، وقادرًا على توبة نفسه كالمرتد، وتارك الصلاة بشرطه، أما غيره: فتحل له سائر الرخص التي من جملتها أكل الميتة، هكذا يقتضي كلام الرملي في باب الأطعمة.
قلتُ: والظاهر من إطلاق الآية أن الباغي والعادي لا يحل لهما أكل الميتة ونحوها عند الاضطرار مطلقًا؛ أي: سواء كانا مقيمين أو مسافرين.
وعبارة المراغي هنا (٣): ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾؛ أي: فمن ألجىء إلى أكل شيء حيث حرم الله عليه بأن لم يجد غيره، وخاف على نفسه الهلاك إن لم يأكل منه، ولم يكن راغبًا فيه لذاته، ولم يتجاوز قدر الحاجة .. فلا
стр. 1126
إثم عليه؛ لأن الإلقاء بنفسه إلى التهلكة بالموت جوعًا أشد ضررًا من أكل الميتة أو الدم، بل الضرر في ترك الأكل محقق، وهو في فعله مظنون، كما أن من أكل مما أهل به لغير الله مضطرًا لم يقصد إجازةَ عمل الوثنية ولا استحسانه.
وإنما ذكر قوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾؛ لئلا يتبع الناس أهواءهم في تفسير الاضطرار إذا وكل إليهم تحديده، فيزعم هذا أنه مضطر وليس بمضطر، ويذهب ذلك بشهواته إلى ما وراء الضرورة. ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ أي: إن الله يغفر لعباده خطأهم في تقدير الضرورة إذ وكل ذلك إلى اجتهادهم، رحيم بهم إذ رخص لهم في تناولها، ولم يوقعم في الحرج والعسر، وجعل الضرورة تقدر بقدرها. انتهت.
وظاهر قوله (١): ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ نفى كل فرد فرد من الإثم عنه إذا أكل، لا وجوب الأكل. وقال الطبري: ليس الأكل عند الضرورة رخصة، بل ذلك عزيمة واجبة، ولو امتنع من الأكل كان عاصيًا.
وقال مسروق: بلغني أنه من اضطر إلى الميتة، فلم يأكل حتى مات .. دخل النار، كأنه أشار إلى أنه قاتل نفسه بتركه ما أباح الله له.
١٧٤ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ لما بين فيما سلف إباحة أكل الطيبات على خلاف ما عليه أهل الملل الأخرى وأوجب عليهم شكر ربهم على نعمه التي أسداها إليهم .. ذكر في هذه الآيات أن بعض الرؤساء الذين حرموا على الناس ما لم يحرمه الله وشرعوا لهم ما لم يشرعه، قد كتموا ما شرعه الله بالتأويل أو بالترك، فاليهود والنصارى ومن حذا حذوهم كتموا أوصاف النبي ﷺ ، وأوجبوا التقشف في المآكل والمشارب ونحو ذلك مما لهم فيه منفعة، كما قال في آية أخرى: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ فقال: إن الذين يخفون ما أنزل الله على رسله من الكتاب المشتمل على الأحكام من المحللات والمحرمات، وعلى نعت محمد ﷺ ، أو يؤولونه ويحرفونه ويضعونه في غير
стр. 1127
موضعه برأيهم واجتهادهم ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ﴾؛ أي؛ ويأخذون بسبب كتمانه من سفلتهم ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾؛ أي: عوضًا حقيرًا يسيرًا من حطام الدنيا كالرشوة على الكتمان المذكور، أو الجعل؛ أي: الأجر على الفتاوى الباطلة، أو نحو ذلك مما يستفيده الرؤساء من المرؤوسين، وسمي قليلًا وإن كان كثيرًا في ذاته؛ لأن كل عوض عن الحق .. فهو قليل في جنب ما يفوت آخذه من سعادة الحق الدائمة بدوام المحافظة عليه، والمبطل وإن تمتع بثمن الباطل .. فذاك إلى أمد الحياة القصير كما قال: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾.
﴿أُولَئِكَ﴾ الكاتمون لكتاب الله المتجرون به ﴿مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ﴾ من ثمنه ﴿إِلَّا النَّارَ﴾؛ أي: إلا الحرام الذي يكون سببًا لدخولهم النار يوم القيامة، وقد يكون (١) المعنى: إنه لا تملأ بطونهم إلا النار؛ أي: لا يشبع جشعهم إلا النار التي يصيرون إليها، على نحو ما جاء في الحديث: "ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب".
وهذا الحكم عام يصدق على علماء المسلمين الذين يعرضون عن السنن، ويظهرون البدع كما يصدق على غيرهم، فسنة الله مطردة في تأييد أنصار الحق، وخذلان أهل الباطل. ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ بكلام لطف ورحمة ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ أي: إن الله تعالى يعرض عنهم ويغضب عليهم، وقد جرت عادة الملوك إذا غضبوا .. أعرضوا عن المغضوب عليهم، ولم يكلموهم، كما أنّهم حين الرضا يلاطفون من يرضون عنه، ويقابلونه بالبشاشة والبشر.
﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾؛ أي: ولا يطهرهم من دنس الذنوب بالمغفرة، والصفح عنهم إذا ماتوا وهم مصرون على كفرهم وكتمانهم ﴿وَلَهُمْ﴾؛ أي: ولهؤلاء الكاتمين ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: شديد الألم والإيجاع، يخلص ألمه إلى قلوبهم.
١٧٥ - ﴿أُولَئِكَ﴾ الكاتمون الذين جزاؤهم ما تقدم، هم ﴿الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾؛ أي: أخذوها واختاروها لأنفسهم في الدنيا ﴿بِالْهُدَى﴾؛ أي: بدل الهدى ﴿و﴾
стр. 1128
اختاروا ﴿العذاب﴾ في الآخرة الذي سببه كتمان الحق؛ للأغراض الدنيوية ﴿بِالْمَغْفِرَةِ﴾؛ أي: بدل المغفرة والجنة التي سببها إظهار ما أنزل الله تعالى، والمعنى: إنهم اختاروا الضلالة على الهدى، واختاروا العذاب على المغفرة؛ لأنهم كانوا عالمين بالحق، ولكن كتموه، وأخفوه، وكان في إظهاره الهدى والمغفرة، وفي كتمانه الضلالة والعذاب، فلما أقدموا على إخفاء الحق وكتمانه .. كانوا بائعين الهدى بالضلالة، والمغفرة بالعذاب.
﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾؛ أي: فما (١) الذي صَبَّرهم، وأيُّ شيءٍ جسرهم وأجرأهم وأدومهم على عمل أهل النار حتى تركوا الحق واتبعوا الباطل؟ فهو استفهام بمعنى التوبيخ لهم، وقيل: إنه بمعنى التعجب من حالهم في التباسهم بموجبات النار من غير مبالاة منهم، فلما أقدموا على ما يوجب النار مع علمهم بذلك .. صاروا كالراضين بالعذاب، والصابرين عليه، فتعجب من حالهم بقوله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ والمراد (٢) تعجيب المخلوقين من حال هؤلاء الذين باشروا الأسباب الموجبة لعذاب النار، فكأنهم بهذه المباشرة للأسباب صبروا على العقوبة في نار جهنم.
١٧٦ - ﴿ذَلِكَ﴾ العذاب المذكور مستحق لهم ﴿بِأَنَّ اللَّهَ﴾؛ أي: بسبب أن الله ﴿نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: أنزل كتابه - التوراة - ببيان الحق الذي منه نعت محمد ﷺ ، فكتموا وحرفوا ما فيه، وأرادوا ستر الحق وغلبته، والحق لا يغالب، فمن غالبه غُلِب.
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ﴾؛ أي: اختلفوا في تأويله ومعانيه، فحرفوها وبدلوها، وقيل: آمنوا ببعض وكفروا ببعض. ﴿لَفِي شِقَاقٍ﴾؛ أي: خلاف ومنازعة ﴿بَعِيدٍ﴾ عن الحق والصواب مستوجب لهم أشد العذاب.
стр. 1129
أو المعنى (١): أن الذين اختلفوا في الكتاب الذي نزله الله لجمع الكلمة على اتباع الحق، وإزالة الاختلاف - وهو القرآن - لفي شقاق بعيد عن سبيل الحق، فلا يهتدون إليه، إذ كل منهم يخالف الآخر بما ابتدعه من رأي ومذهب، وينأى بجانبه عن الآخر، فيكون الشقاق بينهما بعيدًا.
وهذا وعيد آخر بعد الوعيد الأول على كتمان الحق، فالمختلفون لا يسلكون سبيلًا واحدة كما يدعو إلى ذلك القرآن الكريم حيث قال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ فلا يجوز لأهل الكتاب الإلهي أن يكونوا شِيَعًا ومذاهب شتى كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ في شَيْءٍ﴾ فإذا وجد خلاف في الفهم - وهو ضروري في طباع البشر - وجب التحاكم إلى الكتاب والسنة حتى يزول كما قال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ وليس هناك عذر للمسلمين في الاختلاف في دينهم حيث جعلوه مذاهب وطرائق شتى؛ لأن الله أوجد لكل مشكل مخرجًا على أنّ ما تختلف فيه الأفهام لا يقتضى الشقاق والنزاع، بل يسهل على جماعة المسلمين من أهل العلم أن ينظروا فيما اختلفوا فيه، وما يرون أنه الراجح يعتمدون عليه إذا تعلق بمصلحة الأمة والأحكام المشتركة بينها.
الإعراب
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا في الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾.
﴿يَا أَيُّهَا﴾: ﴿يا﴾: حرف نداء، ﴿أيّ﴾: منادى نكرة مقصودة، ﴿ها﴾: حرف تنبيه زائد زيدت تعويضًا عما فات؛ أي: من الإضافة. ﴿النَّاسُ﴾: صفة لـ ﴿أيّ﴾ تابع للفظه، وجملة النداء مستأنفة. ﴿كُلُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿كُلُوا﴾، أو بمحذوف حال من ﴿حَلَالًا﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها، فأعربت حالًا. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: جار ومجرور صلة لـ ﴿مَا﴾، أو صفة لها. ﴿حَلَالًا﴾: مفعول به
стр. 1130
لـ ﴿كُلُوا﴾. ﴿طَيِّبًا﴾: صفة مؤكدة لـ ﴿حَلَالًا﴾؛ لأن معناهما واحد، وهو قول ابن مالك، أو مخصصة له؛ لأن معناه مغاير لمعنى الحلال، وهو المستلذ؛ وهو قول الشافعي وغيره، ولذلك يمنع أكل الحيوان القذر، وكل ما هو خبيث.
﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.
﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَتَّبِعُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة معطوفة على جملة ﴿كُلُوا﴾. ﴿إِنَّهُ﴾ ﴿إن﴾: حرف نصب وتوكيد، والهاء اسمها، وإنما كَسَرَ (١) همزة ﴿إن﴾؛ لأنه تعالى أراد الإعلام بحاله، وهو أبلغ من الفتح؛ لأنه لو فتح الهمزة .. لكان التقدير: لا تتبعوه؛ لأنه عدو لكم، واتباعه ممنوع وإن لم يكن عدوًّا لنا، ومثله: لبيك إن الحمد لك والنعمة لك، فكسر الهمزة أجود فيه لدلالة الكسر على استحقاقه الحمد في كل حال، والمراد بالشيطان هنا الجنس، فيشمل جميع شياطين الإنس والجن، وليس المراد به واحدًا. قاله أبو البقاء. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿عدو﴾. ﴿عَدُوٌّ﴾: خبر إن. ﴿مُبِينٌ﴾: صفة لـ ﴿عدو﴾، وجملة إن في محل الجر بـ ﴿لام﴾ التعليل المقدرة.
﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر. ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾: فعل ومفعول به، وفاعله ضمير يعود على ﴿الشَّيْطَانِ﴾، والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل النهي في قوله ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا﴾. بـ ﴿السُّوءِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾. ﴿وَالْفَحْشَاءِ﴾: معطوف على ﴿بِالسُّوءِ﴾. ﴿وَأَن﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة، و ﴿أن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿تَقُولُوا﴾: فعل وفاعل، ومنصوب بأن. ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَقُولُوا﴾، والجملة الفعلية صلة أن المصدرية، أن مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على ﴿بِالسُّوءِ﴾، تقديره: إنما يأمركم بالسوء والفحشاء، وبقولكم على الله.
стр. 1131
﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: ﴿مَا﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول به لـ ﴿تَقُولُوا﴾. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿تَعْلَمُونَ﴾: فعل وفاعل، وعلم هنا بمعنى عرف، يتعدى لمفعول واحد، وهو محذوف؛ تقديره: ما لا تعلمونه، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿مَا﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط الضمير المحذوف.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾.
﴿وَإِذَا﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية، ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان مضمنة معنى الشرط. ﴿قِيلَ﴾: فعل ماض مغيَّر الصيغة. ﴿لَهُمُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿قِيلَ﴾. ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: مقول محكي في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿قِيلَ﴾، وجملة ﴿قِيلَ﴾: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذا﴾ على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي، وإن شئت قلت ﴿اتَّبِعُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة من الفعل والفاعل في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿قِيلَ﴾. ﴿مَا﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول. ﴿أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾؛ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف؛ تقديره: أنزل الله. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية جواب الشرط لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ من فعل شرطها وجوابها مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾: مقول محكي لـ ﴿قَالُوا﴾، وإن شئت قلت: ﴿بَلْ﴾ حرف عطف وإضراب. ﴿نَتَّبِعُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الكفار، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على جملة محذوفة؛ تقديرها: قالوا لا نتبع ما أنزل الله، بل نتبع ما ألفينا عليه أباءنا. ﴿مَا﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول ﴿نَتَّبِعُ﴾. ﴿أَلْفَيْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَيْهِ﴾: جار ومجرور في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿ألفى﴾. ﴿آبَاءَنَا﴾: مفعول أول ومضاف إليه، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير عليه.
﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾.
стр. 1132
﴿أَوَلَوْ﴾: ﴿الهمزة﴾ للاستفهام الإنكاري التوبيخي، والواو عاطفة على محذوف؛ تقديره: أيتبعونهم ولو كان أباؤهم، أو حالية كما قاله الزمخشري ﴿لو﴾: غائية لا جواب لها، وقال أبو السعود: إن ﴿لو﴾ في مثل هذا التركيب لا تحتاج إلى جواب؛ لأن القصد منها تعميم الأحوال، فلا يلاحظ لها جواب قد حذف ثقة، بدلالة ما قبلها عليه. ﴿كَانَ﴾: فعل ماضٍ ناقص. ﴿آبَاؤُهُمْ﴾: اسم كان ومضاف إليه. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يَعْقِلُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿شَيْئًا﴾: مفعول به. ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿لا﴾: زائدة، زيدت لتأكيد نفي ما قبلها. ﴿يَهْتَدُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿يَعْقِلُونَ﴾، وجملة ﴿يَعْقِلُونَ﴾ مع ما عطف عليها في محل النصب خبر ﴿كَانَ﴾، وجملة ﴿كَانَ﴾ من اسمها وخبرها معطوفة على جملة محذوفة؛ على كونها مستأنفة لا محل لها من الإعراب، أو في محل النصب حال من مفعول الجملة المحذوفة؛ تقديره: أيتبعون آباءهم حالة كون آبائهم لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون.
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾.
﴿وَمَثَلُ﴾: ﴿الواو﴾ استثنائية، ﴿وَمَثَلُ﴾: مبتدأ. ﴿الَّذِينَ﴾: مضاف إليه. ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿كَمَثَلِ الَّذِي﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، ولكنه على حذف مضاف؛ إما من الأول تقديره: ومثل داعي الذين كفروا كمثل الذي ينعق، أو من الثاني تقديره: ومثل الذين كفروا كمثل مواشي الذي ينعق، كما مرت الإشارة إليه في قسم التفسير. ﴿يَنْعِقُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة صلة الموصول ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَنْعِقُ﴾ ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يَسْمَعُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿ما﴾، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿دُعَاءً﴾: مفعول به. ﴿وَنِدَاءً﴾: معطوف عليه. ﴿صُمٌّ﴾: خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هم صمّ. ﴿بُكْمٌ﴾: خبر ثان. ﴿عُمْيٌ﴾: خبر ثالث، والجملة الإسمية في محل الجر باللام
стр. 1133
المقدرة المعللة للتشبيه المذكور. ﴿فَهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة تفريعية، ﴿هم﴾ مبتدأ، وجملة ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾.
﴿يَا أَيُّهَا﴾: ﴿يَا﴾ حرف نداء، ﴿كُلُوا﴾: منادى نكرة مقصودة، ﴿ها﴾: حرف تنبيه زائد. ﴿الَّذِينَ﴾: في محل الرفع صفة لـ ﴿أي﴾ تابع للفظه، وجملة النداء مستأنفة. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿كُلُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب النداء. ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿كُلُوا﴾ وهو مضاف. ﴿مَا﴾: موصولة، أو موصوفة في محل الجر مضاف إليه. ﴿رَزَقْنَاكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول؛ لأن رَزَقْنا بمعنى: أعطيَنْا، يتعدى لمفعولين، والثاني محذوف تقديره: رزقناكموه، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط الضمير المحذوف. ﴿وَاشْكُرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿كُلُوا﴾. ﴿لِلَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿اشكروا﴾، ﴿إن﴾: حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص، واسمه في محل الجزم بـ ﴿إنْ﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿إِيَّاهُ﴾: مفعول مقدم لـ ﴿تَعْبُدُونَ﴾، وجملة ﴿تَعْبُدُونَ﴾: في محل النصب خبر كان، وجواب ﴿إن﴾ معلوم مما قبلها؛ تقديره: إن كنتم إياه تعبدون .. فاشكروا له، وجملة الشرط جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾.
﴿إِنَّمَا﴾ كافة ومكفوفة؛ لا عمل لها، وهي أداة حصر. ﴿حَرَّمَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة. ﴿عَلَيْكُمُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿حرم﴾. ﴿الْمَيْتَةَ﴾: مفعول به. ﴿وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾: معطوفان عليه. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿ما﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب معطوف على ﴿الْمَيْتَةَ﴾. ﴿أُهِلَّ﴾: فعل ماض مغيَّر الصيغة:
стр. 1134
﴿بِهِ﴾: جار ومجرور في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿أهل﴾، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير ﴿بِهِ﴾. ﴿لِغَيْرِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أهل﴾.
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
﴿فَمَنِ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر؛ تقديره: إذا عرفتم أن الله حرم عليكم الميتة وما بعدها، وأردتم بيان حكم من اضطر إليها .. فأقول لكم. ﴿من﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما. ﴿اضْطُرَّ﴾: فعل ماضٍ مغيَّر الصيغة في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونه فعل شرط لها، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿غَيْرَ﴾: منصوب على الحالية من نائب فاعل ﴿اضْطُرَّ﴾ ﴿غيرَ﴾: مضاف. ﴿بَاغٍ﴾: مضاف إليه. ﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة، ﴿لا﴾: زائدة. ﴿عَادٍ﴾: معطوف على باغٍ. ﴿فَلَا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية وجوبًا، ﴿لا﴾ نافية تعمل عمل إن. ﴿إِثْمَ﴾: في محل النصب اسمها. ﴿عَلَيْهِ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ﴿لا﴾، وجملة ﴿لا﴾ في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا لا محل لها من الإعراب.
﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿غَفُورٌ﴾: خبر أول لها. ﴿رَحِيمٌ﴾: خبر ثان لها، وجملة ﴿إن﴾ في محل الجر بلام التعليل المقدرة؛ لأن هذه الجملة سيقت لتعليل ما قبلها.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾.
﴿إِنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد. ﴿الَّذِينَ﴾: في محل الرفع اسمها.
﴿يَكْتُمُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿مَا﴾: اسم موصول، أو
стр. 1135
نكرة موصوفة في محل النصب مفعول به. ﴿أَنْزَلَ﴾: فعل ماض. ولفظ الجلالة ﴿اللَّهُ﴾: فاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير المفعول المحذوف؛ تقديره: أنزله الله. ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾: جار ومجرور حال من الضمير المحذوف في ﴿أَنْزَلَ﴾. ﴿وَيَشْتَرُونَ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿يشترون﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿يَكْتُمُونَ﴾ على كونها صلة الموصول. ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿ثَمَنًا﴾: مفعول به. ﴿قَلِيلًا﴾: صفة له. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿يَأْكُلُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَأْكُلُونَ﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿النَّارَ﴾: مفعول ﴿يَأْكُلُونَ﴾، وجملة يأكلون في محل الرفع خبر المبتدأ، وجملة المبتدأ والخبر في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة.
﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة قوله: ﴿مَا يَأْكُلُونَ﴾ على كونها خبر المبتدأ. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يُكَلِّمُهُمُ﴾. ﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة، ﴿لا﴾: زائدة لتأكيد نفي ما قبلها. ﴿يُزَكِّيهِمْ﴾: فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿يَأْكُلُونَ﴾. ﴿وَلَهُمْ﴾: الواو: عاطفة، ﴿لهم﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿عَذَابٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿أَلِيمٌ﴾: صفة له، والجملة الإسمية في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿يَأْكُلُونَ﴾ على كونها خبر المبتدأ.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥)﴾.
﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة. ﴿اشْتَرَوُا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿الضَّلَالَةَ﴾: مفعول به. ﴿بِالْهُدَى﴾: متعلق بـ ﴿اشْتَرَوُا﴾. ﴿وَالْعَذَابَ﴾: معطوف على ﴿الضَّلَالَةَ﴾. ﴿بِالْمَغْفِرَةِ﴾: متعلق بـ ﴿اشْتَرَوُا﴾ أيضًا. ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء
стр. 1136
الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم صنيعهم القبيح وعقوبتهم القبيحة، وأردتم بيان ما يقال فيهم .. فأقول لكم: ﴿ما أصبرهم على النار﴾: (ما) استفهامية، أو تعجبية في محل الرفع مبتدأ. ﴿أصبر﴾: فعل ماض، أو فعل تعجب، وفاعل ضمير يعود على ﴿ما﴾، والهاء مفعول به ﴿عَلَى النَّارِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أصبر﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾.
﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ. ﴿بِأَنَّ﴾: ﴿الباء﴾: حرف جر، ﴿أنَّ﴾ حرف نصب وتوكيد. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿نَزَّلَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾ ﴿الْكِتَابَ﴾: مفعول به. ﴿بِالْحَقِّ﴾: متعلق بـ ﴿نَزَّلَ﴾، أو حال من ﴿الْكِتَابَ﴾، وجملة ﴿نَزَّلَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿أن﴾، وجملة أن في تأويل مصدر مجرور بالباء المتعلقة بواجب الحذف؛ لوقوعه خبر المبتدأ، تقديره: ذلك العذاب مستحق لهم بسبب تنزيل الله الكتاب، واختلافهم فيه، والجملة الإسمية مستأنفة.
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾.
﴿وَإِنَّ﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية، أو عاطفة، ﴿إن﴾: حرف نصب وتوكيد. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل النصب اسم إن ﴿اخْتَلَفُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿فِي الْكِتَابِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿اخْتَلَفُوا﴾. ﴿لَفِي شِقَاقٍ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿في شقاق﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر إن. ﴿بَعِيدٍ﴾: صفة لـ ﴿شِقَاقٍ﴾، والتقدير: لكائنون في شقاق بعيد، وجملة ﴿إن﴾ من اسمها وخبرها مستأنفة استئنافًا نحويًّا، أو معطوفة على جملة قوله ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ﴾ على كونها مستأنفة.
التصريف ومفردات اللغة
﴿خُطُوَاتِ﴾: الخُطوات - بضم الخاء والطاء -: جمع خُطوة بضم الخاء، وأما على قراءة فتحهما: فجمع خَطوة بفتح الخاء، والفرق بين الخُطوة بالضم،
стр. 1137
والخَطوة بالفتح: أن المضموم اسم لما بين القدمين، كأنه اسم للمسافة، كالغرفة اسم لما يغترف، والمفتوح مصدر دال على المرة، من خطا يخطو إذا مشى، وقيل: إنهما لغتان بمعنى واحد. ذكره أبو البقاء.
﴿أَلْفَيْنَا﴾: من ألفى يلفي الرباعي، ولامه واو لا ياء؛ لأن الأصل فيما جهل من اللامات أن يكون واوًا؛ لأنه أوسع وأكثر، فالرد إليه أولى. ذكره السمين.
﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ يقال: نَعَق - بفتح العين - ينعِق - بكسرها - نعيقًا، ونُعاقًا بالضم، ونَعَقَانًا بفتحتين، والنعيق: نداء الراعي وتصويته بالغنم ليزجرها، ولا يقال: نعق إلا لراعي الغنم وحدها، وأما نعق الغراب: فبالمعجمة، وحكى بعضهم بالمهملة.
﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ جمع أصم وأبكم وأعمى، كحمر جمع أحمر.
﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ الأصل في كلوا: أأكلوا، فالهمزة الأولى همزة وصل، والثانية فاء الكلمة، إلا أنهم حذفوا الفاء، فاستغنوا عن همزة الوصل لتحرك ما بعدها، والحذف هنا شاذ ليس بقياس، ولم يأت إلا في (كل) و (خذ) و (مر)، كما قال ابن مالك في لامية الأفعال:
وَشَذَّ بِالْحَذْفِ مُرْ وَخُذْ وَكُلْ وَفَشَا ... وَأْمُرْ وَمُسْتَنْدَرٌ تَتْمِيْمُ خُذْ وَكُلاَ
﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ﴾ يقال: أهل يهل إهلالًا إذا صرخ ورفع صوته، ومنه الهلال؛ لأنه يصرخ عند رؤيته، واستهلّ الصبي إذا صرخ عند خروجه.
﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ والباغي: اسم فاعل من بغى يبغي فهو باغٍ، كقاضي فهو ناقص يائي، وهو من البغي وهو الظلم، والعادي: اسم فاعل من عدا يعدو إذا تجاوز الحد، والأصل: عادو، فقلبت ﴿الواو﴾ ياء لانكسار ما قبلها، كغاز من الغزو، فهو ناقص واوي، وهو من العدوان؛ وهو مجاوزة الحد.
﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ البطن معروف، وجمعه على فعول قياس، ويجمع أيضًا على بطنان، ويقال: بطن الأمر يبطن إذا خفي، وبطن الرجل، فهو بطين إذا كبر بطنه، والبطنة امتلاء البطن بالطعام، ويقال: البطنة تذهب الفطنة.
стр. 1138
البلاغة
﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ استعارة (١) عن الاقتداء به واتباع آثاره؛ وهي أبلغ عبارة عن التحذير من طاعته فيما يأمر به، وقبول قوله فيما يدعو إلى فعله.
﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ﴾ فيه استعارة تصريحية تبعية، وتقريرها أن يقال: شُبِّه تزيِّنه وبعثه لهم على الشر تسفيهًا لرأيهم وتحقيرًا لشأنهم، يأمر من يأمر بشيءٍ، ثم اشتق من الأمر بمعنى التزيين، يأمر بمعنى يزين على طريق الاستعارة التصريحية التبعية.
﴿بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ﴾ هو من باب عطف الخاص على العام؛ لأن السوء يتناول جميع المعاصي، والفحشاء أقبح وأفحش المعاصي.
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فيه تشبيه مرسل لذكر الأداة فيه، ومجمل لحذف وجه الشبه فيه، فقد شبه الكفار بالبهائم التي تسمع صوت المنادي من غير أن تفقه كلامه وتفهم مراده.
﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ فيه تشبيه بليغ حذف فيه أداة التشبيه ووجه الشبه؛ أي: هم كالصم في عدم سماع الحق، وكالبكم والعمي في عدم الانتفاع بالقرآن.
﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ فيه التفات من ضمير المتكلم إلى الغيبة؛ إذ لو جرى على الأسلوب الأول .. لقال: واشكرونا.
﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ فيه قصر قلب للرد على من استحل هذه الأربعة، وحرم الحلال غيرها كالسوائب، ومع ذلك هو، أي: ما حرم عليكم إلا هذه الأربعة لا غيرها من البحيرة.
وفي قوله: ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ زيادة تشنيع وتقبيح لحالهم، وتصويرهم بمن يتناول رضف جهنم، وذلك أفظع سماعًا وأشد إيجاعًا.
﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ فيه استعارة تصريحية تبعية، وتقريرها أن يقال:
стр. 1139
شبه استبدال الضلالة عن الهدى باشتراء من اشترى شيئًا بشيءٍ، ثم اشتق من الاشتراء بمعنى الاستبدال، اشتروا بمعنى: استبدلوا على طريقة الاستعارة التصريحية.
﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ فيه مجاز بالحذف؛ أي: على عمل أهل النار.
والله أعلم
* * *
стр. 1140
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩) كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١) فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ ...﴾ الآية، وجه (١) مناسبتها لما قبلها: أنه تعالى لمّا أمر في الآيات السابقة بتحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة، طال خوض أهل الكتاب في ذلك، وأنكروا على المسلمين التحول إلى الكعبة، ووقع الجدال بينهم وبين المسلمين، حتى بلغ أشده، وادعى كل من اليهود والنصارى أن الهدى مقصور على قبلته، وكانوا يرون أن الصلاة إلى غير قبلتهم لا يقبلها الله تعالى، ولا يكون صاحبها متبعًا دين الأنبياء، كما كان المسلمون يرون أن الصلاة لا يقبلها الله إلا إذا كانت إلى المسجد الحرام قبلة إبراهيم أبي الأنبياء جميعًا .. فلأجل هذا بين الله في هذه الآية أنّ تولية الوجوه قبلة مخصوصة ليس هو البر المقصود من الدين؛ لأنه إنما شرع لتذكير المصلي بأنه يناجي ربه ويدعوه وحده، ويعرض عن كل ما سواه، وليكون شعارًا لاجتماع الأمة على مقصد واحد، فيكون في ذلك تعويدهم في سائر
стр. 1141
شؤونهم وأغراضهم، وتوحيد جهودهم.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ سيأتي لك إن شاء الله تعالى بيان مناسبتها لما قبلها في محل تفسيرها.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ ...﴾ الآية، قال عبد (١) الرزاق: أنبأنا معمر، عن قتادة قال: كانت اليهود تصلي قِبل المغرب، والنصارى قِبل المشرق، فنزلت: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ ...﴾ الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي العالية مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن البر؛ فأنزل الله هذه الآية: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا﴾، فدعا الرجل، فتلاها عليه، وكان في ابتداء الإِسلام قبل نزول الفرائض، إذا شهد الرجل أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وصلى إلى أي ناحية كانت، ثم مات على ذلك يرجى له، ويطمع له في خير، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾، وكانت اليهود توجهت قِبَلَ المغرب، والنصارى قِبَلِ المشرق.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ ...﴾ الآية، أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: إن حيَّين من العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإِسلام بقليل، وكان بينهم قتل وجراحات حتى قتلوا العبد والنساء، فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا، فكان أحد الحيين يتطاول على الآخر في العُدد والأموال، فحلفوا أن لا يرضوا حتى يقتل بالعبد منا الحرُّ منهم، وبالمرأة منا الرجل منهم؛ فنزل فيهم: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾.
التفسير وأوجه القراءة
١٧٧ - ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ قرأ حمزة وحفص بنصب
стр. 1142
﴿الْبِرَّ﴾ على جعله خبر ﴿لَيْسَ﴾ مقدمًا على الاسم، و ﴿أَنْ تُوَلُّوا﴾ في موضع الرفع اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر، والمعنى: ليس توليةُ وجوهكم جهة المشرق والمغرب البر كله، وهذه القراءة أولى من وجه، وهو أنه جعل فيها اسم ليس أن تولوا، وجعل الخبر البر، وأن وصلتها أقوى في التعريف من المعرف بالألف واللام، وقرأ الجمهور برفع البر، والمعنى: ليس البرُّ والخير الكامل توليةَ وجوهكم إلى المشرق والمغرب، والوجه أن يلي المرفوع لـ ﴿لَيْسَ﴾؛ لأنها بمنزلة الفعل المتعدي، وقراءة الجمهور أولى من وجه، وهو أن توسط خبر ليس بينها وبين اسمها قليل.
وفي مصحف أُبي وعبد الله ﴿ليس البر بأن تولوا﴾ وخرج على زيادة الباء في خبر ﴿ليس﴾ وقال الأعمش في مصحف عبد الله أيضًا: ﴿لا تحسبن البر﴾ وكلاهما شاذ.
وهذا الخطاب (١) لأهل الكتاب؛ لأن النصارى تصلي قبل مشرق بيت المقدس، واليهود قبل مغربه، وادعى كل واحد من الفريقين أن البر هو التوجه إلى قبلته، فرد الله تعالى عليهم، وقال: ليس البر ما أنتم عليه فإنه منسوخ، ولكن البر ما بينه الله، واتبعه المؤمنون، وقيل: الخطاب عام لهم وللمسلمين، أي: ليس البر مقصورًا بأمر القبلة، أو ليس البر العظيم الذي يحسن أن تذهلوا بشأنه عن غيره أمرها. ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: والبر اسم جامع لكل الطاعات وأعمال الخير المقربة إلى الله الموجبة للثواب، والمؤدية إلى الجنة، فهو معنى من المعاني، فلا يصح الإخبار عنه بالذوات إلا بتجوز، إما بحذف مضاف من الأول تقديره: ولكن ذا البر وصاحبه من آمن بالله، ويؤيده قراءة من قرأ شذوذًا: ﴿ولكن البار﴾ بالألف بعد الباء الموحدة، أو من الثاني تقديره: ولكن البر الذي ينبغي أن يهتم به بر من آمن باللهِ، وهذا أوفق وأحسن، ويحتمل (٢) كون البر اسم فاعل، يقال: بررت أبر، فأنا برّ وبارّ، فبنى اسم فاعله
стр. 1143
تارة على فعل، نحو كهل وصعب، وتارة على فاعل، والأولى ادعاء حذف الألف من البر، ومثله سرّ وقرّ وربّ، أي: سار وقار وراب.
وقرأ نافع وابن عامر: ﴿ولكن﴾ بسكون النون خفيفة، ورفع ﴿البرُّ﴾، وقرأ الباقون بفتح النون مشددةً، ونصب ﴿الْبِرَّ﴾، ومضمون الآية: أن البر لا يحصل باستقبال المشرق والمغرب، بل بمجموع هذه الأمور المذكورة في هذه الآية.
ومعنى الآية: ليس البر والخير العظيم الذي يجب أن تذهلوا بشأنه عن سائر صنوف البر أمر القبلة، ولكن البر العظيم الذي يجب الاهتمام به بر من آمن بالله فالمراد بالبر هنا الإيمان بالله، والتقوى من الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه.
والحاصل: أن البر لا يحصل إلا عند مجموع أمور ثمانية.
أحدها: الإيمان بالله، وذكره بقوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾؛ أي: صَدَّق بوجوده، وقدمه وبقائه، وربوبيته وألوهيته، وسائر صفاته، وإنما قدم الإيمان بالله؛ لأنه أساس كل بر، فأهل الكتاب أخلُّوا بذلك؛ لأن اليهود تقول: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، فالإيمان (١) بالله لا يكون إلا إذا كان متمكنًا من النفس مصحوبًا بالإذعان والخضوع، واطمئنان القلب بحيث لا تبطره نعمة، ولا تؤيسه نقمة كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ والإيمان بالله يرفع النفوس عن الخضوع والاستعباد للرؤساء الذين استذلوا البشر بالسلطنة الدينية، ودعوى الوساطة عند الله ودعوى التشريع، والقول على الله بلا إذنه، فلا يرضى مؤمن أن يكون عبدًا ذليلًا لأحد من البشر، وإنما يخضع لله وشرعه.
وثانيها: الإيمان باليوم الآخر، وذكره بقوله: ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾؛ أي: ولكن البرَّ برُّ مَنْ آمن باليوم الآخر؛ أي: صدق بمجيء يوم البعث والجزاء بعلم الموت
стр. 1144
مع ما فيه من الحساب والميزان، والجنة والنار، فاليهود أخلوا بهذا الإيمان حيث قالوا: لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة، والنصارى أنكروا المعاد الجسماني.
والإيمان باليوم الآخر يعلم الإنسان أن له حياة أخرى في عالم غيبي غير هذا العالم، فلا يقصر سعيه وعمله على ما يصلح الجسد، ولا يجعل أكبر همه لذات الدنيا وشهواتها فحسب.
وثالثها: الإيمان بالملائكة، وذكره بقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةِ﴾؛ أي: ولكن البرَّ برُّ من آمن بالملائكة؛ أي: صدق بوجودهم، وأنهم عباد الله لا يعصون ما أمرهم، فاليهود أخلوا بذلك حيث أظهروا عدواة جبريل ﵇، فالإيمان بالملائكة أصل للإيمان بالوحي، والنبوة، واليوم الآخر، فمن أنكرهم أنكر كل ذلك؛ لأن ملك الوحي هو الذي يفيض العلم بإذن الله على النبي بأمور الدين، كما قال تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾. وقال أيضًا: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾.
ورابعها: الإيمان بكتب الله، وذكره بقوله: ﴿وَالْكِتَابِ﴾؛ أي: ولكن البرَّ برُّ من آمن وصدق بكتب الله المنزلة من السماء، فاليهود والنصارى قد أخلوا بذلك حيث لم يقبلوا القرآن، فالإيمان بالكتب السماوية التي جاءت بها الأنبياء يستدعي امتثال ما فيها من أوامر ونواه؛ إذ من أيقن أن هذا الشيء حسن نافع .. توجهت نفسه إلى قبوله والعمل به، ومن اعتقد أنه ضار .. ابتعد عنه ونفرت نفسه منه.
وخامسها: الإيمان بالنبيين، وذكره بقوله: ﴿وَالنَّبِيِّينَ﴾؛ أي: ولكن البرَّ برُّ من آمن بالنبيين؛ أي: صدق بنبوتهم وصحة ما جاؤوا به عن الله من الشرائع، فاليهود أخلوا بذلك حيث قتلوا الأنبياء، وطعنوا في نبوة محمد ﷺ .
والإيمان بالنبيين يستدعي الاهتداء بهديهم، والتخلق بأخلاقهم، والتأدب بآدابهم.
وقد جاء في "الصحيحين": أن جماعة من أمته ﷺ يردون الحوض يوم القيامة، فيذادون عنه؛ أي: يطردون دونه، فيقول: "أمتي"، فيقال: إنك لا تدري
стр. 1145
ما أحدثوا بعدك، فيقول: "سحقًا لمن بدل بعدي".
وإنما خص الإيمان (١) بهذه الأمور الخمسة؛ لأنه يدخل تحت كل واحد منها أشياء كثيرة مما يلزم المؤمن أن يصدق بها.
وقدم الإيمان (٢) بالله واليوم الآخر على الإيمان بالملائكة والكتب والرسل؛ لأن المكلف له مبدأ ووسط ومنتهى، ومعرفة المبدأ والمنتهى هو المقصود بالذات، وهو المراد بالإيمان بالله واليوم الآخر، وأما معرفة مصالح الوسط: فلا تتم إلا بالرسالة؛ وهي لا تتم إلا بأمور ثلاثة: الملائكة الآتين بالوحي، والموحى به، وهو الكتاب، والموحى إليه، وهو الرسول.
وقدم الإيمان على أفعال الجوارح، وهو إيتاء المال والصلاة والزكاة؛ لأن أعمال القلوب أشرف من أعمال الجوارح، ولأن أعمال الجوارح النافعة عند الله تعالى إنما تنشأ عن الإيمان، وبهذه الخمسة التي هي متعلق الإيمان حصلت حقيقة الإيمان.
فإن قلتَ: لِمَ قدم هنا ذكر اليوم الآخر وأخَّره في قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾؟
قلتُ: إنما قدمه هنا وأخره هناك؛ لأجل أن الكافر لا يحرف الآخرة ولا يعتني بها، وهي أبعد الأشياء عن الحقائق عنده، فلذلك أخره هناك، ولما ذكر هنا حال المؤمنين، والمؤمن أقرب الأشياء إليه أمر الآخرة، وكل ما يفعله ويتحراه فإنه يقصد به وجه الله تعالى، ثم أمر الآخرة قدم ذكره هنا تنبيهًا على أن البر مراعاة الله، ومراعاة الآخرة، ثم مراعاة غيرهما.
وسادسها: بذل الأموال على وفق أمر الله تعالى، واليهود أخلوا بذلك؛
стр. 1146
لأنهم يلقون الشبهات لطلب المال القليل، وذكره بقوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾؛ أي: ولكن البرَّ برُّ من أعطى المال على حبه؛ أي: لأجل حب الله ورضاه، أو أعطى مع حب المال، أو أعطى مع حب الإيتاء، يريد أن يعطيه، وهو طيب النفس بالإيتاء، فالضمير إما راجع إلى الله، أو إلى المال، أو إلى المصدر المفهوم من الفعل.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أعظم أجرًا؟ قال: "أن تصدق وأنت صحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا، وقد كان لفلان" متفق عليه؛ أي: أعطى المال في حال صحته ومحبته إياه ﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾؛ أي: أصحاب قرابة المعطي؛ المحاويج منهم، وآثرهم به على نفسه، وإنما قيدناهم بالفقراء والمحاويج منهم؛ إذ الإعطاء للأغنياء هدية لا صدقة، كما ذكره الكرخي.
وإنما قدمهم على من بعدهم؛ لأنهم أحق بالإعطاء، وعن سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذوي الرحم ثنتان صدقة وصلة" أخرجه النسائي.
وعن ميمونة زوج النبي ﷺ ﵂ أنها أعتقت وليدة - أي: جارية - ولم تستأذن النبي ﷺ ، فلما كان يومها الذي يدور عليها فيه قالت: أشعرت يا رسول الله أني أعتقت وليدتي؟ قال: "أوقد فعلت"؟ قالت: نعم. قال: "أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك" متفق عليه.
والمراد بذوي القربى كل من بينه وبين المعطي قرابة بولادة، ولو كان غير محرم. ﴿وَالْيَتَامَى﴾؛ أي: وأعطى يتامى المسلمين؛ يعني: الصغار الفقراء الذين لا والد لهم ولا كاسب؛ لأنهم في حاجة إلى معونة ذوي اليسار من المسلمين كيلا تسوء حالهم، وتفسد تربيتهم، فيكونوا ضررًا على أنفسهم وعلى الناس. ﴿وَالْمَسَاكِينَ﴾؛ أي: وأعطى المحاويج الذين أقعدهم العجز عن طلب ما يكفيهم،
стр. 1147
فيجب على المسلمين أن يساعدوهم، ويقدموا لهم المعونة؛ إذ هم أعضاء من جسم الأمة، ومن مصلحة أفرادها التعاون والتآزر؛ حفظًا لكيانها، وإبقاءً على بنيانها من التداعي إلى الهدم والزوال، وهو جمع مسكين سمي بذلك؛ لأنه دائم السكون إلى الناس؛ لأنه لا شيء له. ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾؛ أي: وأعطى المسافر المنقطع عن أهله؛ أي: المنقطع به السفر دون وطنه؛ لذهاب نفقته أو وقوف دابته سمي المسافر ابن السبيل؛ أي: الطريق، لملازمته إياها في السفر، أو لأن الطريق تبرزه، فكأنها ولدته، وفي أمر الشارع بمواساته وإعانته في سفره ترغيب منه في السياحة والضرب في الأرض. ﴿وَالسَّائِلِينَ﴾؛ أي: وأعطى الطالبين للإحسان الذين اضطروا إلى تكفف الناس لشدة عوزهم، ولو كانوا أغنياء. وعن علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "اعطوا السائل ولو جاء على فرس" أخرجه أبو داود.
وعن زيد بن أسلم ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أعطوا السائل ولو جاء على فرسٍ" أخرجه مالك في "الموطأ"، وعن أم نجيد ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله، إن المسكين ليقوم على بابي فلم أجد شيئًا أعطيه إياه. قال: "إن لم تجدي إلا ظلفًا محرقًا فادفعيه إليه في يده" أخرجه أبو داود، والترمذي وقال حديث حسن صحيح.
﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾: معطوف على المفعول الأول، وهو ﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾؛ أي: وأعطى المال ودفعه في فك الرقاب وتحريرها وعتقها، ويشمل ذلك ابتياع الأرقاء وعتقهم، ومساعدة الأسرى على الافتداء، وإعانة المكاتبين على أداء نجومهم. والمكاتَب: هو الرقيق الذي يشتري نفسه من مولاه بثمنٍ يجعله منجمًا بنجمين فأكثر.
والبذل لهذه الأصناف لا يتقيد بزمن معين، ولا بملك نصاب محدود من المال، ولا بتقدير المال المبذول بمقدار معين كالزكاة الواجبة، بل هو موكول إلى طاقة المعطي وحال المعطى، وقد أغفل الناس أداء هذه الحقوق التي حثَّ عليها الكتاب الكريم، مع ما فيها من التكافل العام بين المسلمين، ولو أدوها ..
стр. 1148
لكانوا في معايشهم من خير الأمم، ولدخل كثير من الناس في الإِسلام؛ لما يرون فيه من جميل العناية بالفقراء، وأن لهم حقوقًا في أموال الأغنياء، فتتوثق الصلة بين الطوائف المختلفة من المسلمين.
وسابعها: إقامة الصلاة وأداء الزكاة، فاليهود كانوا يمنعون الناس منهما، وذكره بقوله: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ المفروضة؛ أي: أداها في أوقاتها المحدودة لها. ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾؛ أي: وأعطى الزكاة المفروضة في مصارفها المبينة شرعًا، وقوله: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ معطوف على ﴿آمَنَ﴾ على كونها صلة لـ ﴿مَنْ﴾؛ أي: ولكن البرَّ برُّ من آمن بالله، وبر من أقام الصلاة وآتى الزكاة.
والمرادُ بإقامة الصلاة: أداؤها على أقوم وجه، ولا يستحق ذلك بأداء أفعال الصلاة وأقوالها فحسب، بل إنما يكون ذلك بوجود سرِّ الصلاة وروحها، ومن آثاره تحلي المصلي بالأخلاق الفاضلة، وتباعده من الرذائل، فلا يفعل فاحشةً ولا منكرًا.
وقلما تجيء (١) الصلاة في القرآن الكريم إلا وهي مقترنة بالزكاة، وذلك لأن الصلاة تهذب الروح، والمال قرين الروح، فبذله ركن عظيم من أعمال البر، ومن ثم أجمع الصحابة على محاربة مانعي الزكاة من العرب بعد وفاة رسول الله ﷺ ؛ لأن مانعها يهدم ركنًا من أركان الإِسلام، وينقض أساس الإيمان، وقد ذكرها الله في كتابه سبعين مرة.
وثامنها: الوفاء بالعهد، واليهود نقضوا العهد، وذكره بقوله: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ﴾ معطوف على ﴿مَنْ آمَنَ﴾ على كونه خبر ﴿لكِنِ﴾؛ أي: ولكن البرَّ المؤمنون بالله، واليوم الآخر، والموفون بعهدهم؛ أي: ولكن البرَّ برُّ المؤمنين بالله، وبر الموفين بعهدهم؛ أي: المتمِّين بعهدهم فيما بينهم وبين الله، وفيما بينهم وبين الناس. ﴿إذا عَاهَدُوا﴾ الله أو الناس، يعني: إذا وعدوا أنجزوا، وإذا نذروا أوفوا، وإذا حلفوا برّوا في أيمانهم، وإذا قالوا صدقوا في أقوالهم، وإذا ائتمنوا أدوا.
стр. 1149
وفي الوفاء بالعهود (١) والعقود حفظ كيان المجتمع من أن ينحل عقده، كما أن الغدر والإخلاف فيها هادم للنظام مفسد للعمران، فما من أمة فقدت الوفاء بالعهد - وهو ركن الأمانة، وقوام الصداق - إلا حل بها العقاب الإلهي، فانتزعت الثقة من بين أفرادها حتى بين الأهل والعيال، فيعيشون متخاذلين، وكأنهم وحوش مفترسة ينتظر كل واحد وثبة الآخر عليه إذا أمكن يده أن تصل إليه، ومن ثم يضطر أفرادها إلى الاستيثاق في عقودهم بكلِّ ما يقدرون عليه، ويحترس كل منهم من غدر الآخر، فلا يكون هناك تعاون ولا تناصر، بل تباغض وتحاسد، ولا سيما بين الأقارب، ولو شمل الناس الوفاء .. لسلموا من هذا البلاء.
وفي مصحف عبد الله (٢): ﴿والموفين﴾ نصبًا على المدح وهي قراءة شاذ شذوذًا، وقرأ الجحدري ﴿بعهودهم﴾ على الجمع، ﴿وَالصَّابِرِينَ﴾: مفعول لفعل محذوف؛ تقديره: وأمدح الصابرين. ﴿فِي الْبَأْسَاءِ﴾؛ أي: عند الشدة والفقر والفاقة. ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾؛ أي: وعند التفسير من مرض، وفقد أهل وولد ومال. ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾؛ أي: وفي وقت شدة القتال في سبيل الله، وكثرة الضرب والطعان، ومنازلة الأقران.
إنما خص هذه المواطن الثلاثة مع أن الصبر محمود في جميع الأحوال؛ لأن من صبر فيها .. كان في غيرها أصبر، وهذا من باب الترقي في الصبر من الشديد إلى أشد، فذكر أولًا الصبر على الفقر، ثم الصبر على المرض؛ وهو أشد من الفقر، ثم الصبر على القتال، وهو أشد من الفقر والمرض.
وقرأ الحسن، والأعمش، ويعقوب شذوذًا: ﴿والصابرون﴾ عطفًا على ﴿الموفون﴾، وعن البراء ﵁ قال: كنا والله إذا احمر البأس .. نتَّقي به، وإن الشجاع منّا الذي يُحاذي به؛ يعني: النبي ﷺ متفق عليه، قوله: احمر البأس؛ أي: اشتد الحرب، ونتقي به؛ أي: نجعله وقاية لنا من العدو، ﴿أُولَئِكَ﴾
стр. 1150
الموصوفون بهذه الصفات السابقة من الاتصاف بالإيمان وما بعده. ﴿الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ في دعواهم الإيمان، دون الذين قالوا: آمنا بأفواههم، ولم تؤمن قلوبهم. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ عن الكفر؛ أي: وأولئك هم الذين جعلوا بينهم وبين سخط الله وقايةً بالبعد عن المعاصي التي توجب خذلان الله في الدنيا، وعذابه في الآخرة.
وقال بعض العلماء: مَنْ عمل بهذه الآية .. فقد كل إيمانه، ونال أقصى مراتب إيقانه.
١٧٨ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ مناسبة (١) هذه الآية لما قبلها: أنه لما حلل ما حلل من قبل، وحرم ما حرم، ثم أتبع بذكر من أخذ مالًا من غير وجهه، وأنه ما يأكل في بطنه إلا النار، واقتضى ذلك انتظام جيع المحرمات من الأموال، ثم أعقب ذلك بذكر من اتصف بالبر، وأثنى عليهم بالصفات الحميدة التي انطووا عليها .. أخذ يذكر تحريم الدماء، ويستدعي بحفظها وصونها، فنبه بمشروعية القصاص على تحريمها، ونبه على جواز أخذ مالٍ بسببها، وأنه ليس من المال الذي يؤخذ من غير وجهه، وكان تقديم تبيين ما أحل الله وما حرم من المأكول على تبيين مشروعية القصاص؛ لعموم البلوى بالمأكول؛ لأن به قوام البنية، وحفظ صورة الإنسان، ثم ذكر حكم متلف تلك الصورة؛ لأن من كان يندر منه وقوع القتل .. فهو بالنسبة لمن اتصف بالأوصاف السابقة بعيد منه وقوع ذلك، وكان تقديم ذكر ما تعم به البلوى أهم، ونبه أيضًا على أنه وإن عرض مثل هذا الأمر الفظيع لمن اتصف بالبر، فليس ذلك مخرجًا له عن البر، ولا عن الإيمان، ولذلك ناداهم بوصف الإيمان فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾؛ أي: يا أيها الذين آمنوا، وصدقوا بما جاء به محمد ﷺ كتب عليكم القصاص في اللوح المحفوظ، وفرض عليكم في سابق علمي استيفاء القصاص من القاتل: ﴿الْقَتْلَى﴾؛ أي: بسبب قتل، القتلى: جمع قتيل بمعنى: مقتول بغير
стр. 1151
حق، ويكون الخطاب موجهًا إلى الإِمام، أو من ينوب منابه؛ أي: كتب عليكم أيها الأئمة استيفاء القصاص من القاتل إذا أراد ولي الدم استيفائه، أو يكون (١) الخطاب موجهًا إلى القاتل، والتقدير: يا أيها القاتلون كتب عليكم تسليم النفس عند مطالبة الولي بالقصاص، وذلك أنه يجب على القاتل إذا أراد الولي قتله أن يستسلم لأمر الله، وينقاد لقصاصه المشروع، وليس له أن يمتنع، بخلاف الزاني والسارق؛ فإن لهما الهرب من الحد، ولهما أن يستترا بستر الله، ولهما أن لا يعترفا، والقصاص: المساواة والمماثلة في القتل والدية والجراح، من قص الأثر
إذا اتبعه، فالمفعول به يتبع ما فعل به، فيفعل به مثل ذلك، والمعنى: فرض عليكم المساواة والعدل في القصاص بسبب القتل عند مطالبة الولي بالقصاص، لا كما يفعله الأقوياء مع الضعفاء من المغالاة في قتل الكثير بالقليل، ثم فسر المساواة بقوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾؛ أي: يؤخذ الحر ويقتل بقتل الحر بلا إبطاء ولا جور، فإذا قتل حرٌّ حرًّا .. قتل هو به لا غيره من سادة القبيلة، ولا عدد كثير منها، ولا يقتل الحر بالعبد. ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾؛ أي: يؤخذ العبد ويقتل بالعبد، وبالحر من باب أولى، وبينت الأحاديث: أنه يقتل أحد النوعين الذكر والأنثى بالآخر، ويعتبر أن لا يفضل القاتل القتيل بالدين، والأصلية، والحرية.
ومعنى الآية (٢): أنه إذا تكافأ الدمان من الأحرار المسلمين، أو العبيد من المسلمين، أو الأحرار من المعاهدين، أو العبيد منهم: فيُقتل كل صنف إذا قَتَل بمثله؛ الذكر بالذكر وبالأنثى، والأنثى بالأنثى وبالذكر، ولا يقتل مؤمن بكافر، ولا حر بعبد، ولا والد بولد، ويقتل الذمي بالمسلم، والعبد بالحر، والولد بالوالد، هذا مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، ويدل عليه ما روى البخاري في "صحيحه" عن جحيفة قال: سألت عليًّا ﵁: هل عندكم من النبي ﷺ شيء سوى القرآن؟ قال: لا والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، إلا أن يؤتي الله عبدًا فهمًا في القرآن، وما في هذه الصحيفة. قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفك
стр. 1152
الأسير، وأن لا يقتل مؤمن بكافر. وعن ابن عباسٍ ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تقام الحدود في المساجد، ولا يقتل الوالد بالولد" أخرجه الترمذي.
والخلاصة (١): أن القصاص على القاتل أيًّا كان، لا على أحد من قبيلته، ولا على فرد من أفراد عشيرته.
قال البيضاوي في "تفسيره": كان بين حيّين من العرب دماء في الجاهلية، وكان لأحدهما طول - أي فضل وشرف - على الآخر، فأقسموا لنقتلن الحر منكم بالعبد منا، والذكر بالأنثى، فلما جاء الإِسلام تحاكموا إلى رسول الله ﷺ ؛ فنزلت الآية، وأمرهم أن يتبارؤوا؛ أي: يتساووا.
وقد جرى العمل من لدن رسول الله ﷺ على قتل الرجل بالمرأة، وبعد أن ذكر وجوب القصاص؛ وهو أساس العدل .. ذكر هنا العفو؛ وهو مقتضى التراحم والفضل، فقال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ﴾؛ أي: فالقاتل الذي ترك له ﴿مِنْ﴾ دم ﴿أَخِيهِ﴾ المقتول ﴿شَيْءٌ﴾ من العفو، ولو يسيرًا، كأن عفى بعض أولياء الدم - ولو واحد. فيما إذا تعددوا .. سقط عنه القود ووجبت الدية إن حصل العفو عليها ﴿فـ﴾ حينئذٍ وجب على العافي الذي هو ولي الدم ﴿اتباع﴾ القاتل ومطالبته ﴿بـ﴾ الدية على الوجه ﴿المعروف﴾ شرعًا؛ وهو أن يطالبه بالمال من غير تشديد عليه ولا عنف، ولا يطالبه بأكثر من حقه، ويأخذه منه في ثلاث سنين إن كانت دية تامة، أو في سنتين إن كان ثلثي الدية أو نصفًا، وإن كان ثلثها ففي عامه، ﴿و﴾ على القاتل المطلوب بالمال ﴿أداء﴾؛ أي: تأدية المال ﴿إِلَيْهِ﴾؛ أي: إلى الولي العافي ﴿بِإِحْسَانٍ﴾؛ أي: بسهولة من غير مماطلة ولا تسويف ولا بخس، بل بطيب نفس، وطلاقة وجه، وقول جميل. ﴿ذَلِكَ﴾ الحكم الذي شرعناه لكم من جواز العفو على الدية ﴿تَخْفِيفٌ﴾؛ أي: تسهيل ورخصة ﴿مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ منه للقاتل بسلامته من القتل؛ أي: إن الله شرع لهذه الأمة المحمدية
стр. 1153
العفو من غير عوض أو بعوض، ولم يضيق عليهم كما ضيق على اليهود؛ فإنه أوجب عليهم القصاص ولا عفو، وكما ضيق على النصارى؛ فإنه أوجب عليهم العفو ولا دية، وهذه الأمة خيِّرت بين القصاص وبين العفو والدية تخفيفًا من الله؛ إذ فيه انتفاع الولي بالدية، وحصول الأجر بالعفو، واستبقاء مهجة القاتل، وبذل ما سوى النفس هيِّنٌ في استبقائها، وأضاف هذا التخفيف إلى الرب؛ لأنه المصلح لأحوال عباده الناظر لهم في تحصيل ما فيه سعادتهم الدينية والدنيوية، وعطف ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ على ﴿تَخْفِيفٌ﴾؛ لأن من استبقى مهجتك بعد استحقاق إتلافها .. فقد رحمك، وأي رحمة أعظم من استبقاء المهجة.
﴿فَمَنِ اعْتَدَى﴾ على القاتل من أولياء الدم، وظلمه باقتصاصه منه ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾؛ أي: بعد عفوه، وأخذه الدية ﴿فَلَهُ﴾؛ أي: فلذلك المعتدي ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: شديد الألم في الآخرة بالنار، أو في الدنيا بأن يقتل لا محالة، ولا يقبل منه الدية، كما روي (١) عنه ﷺ أنه قال: "لا أعافي أحدًا قتل بعد أخذه الدية".
١٧٩ - وبعد أن ذكر حكمة العفو والرغبة فيه، وذكر الوعيد على الغدر .. أرشد إلى بيان الحكمة في القصاص؛ لأن ذلك أدعى إلى ثبات الحكم في النفس، وأدعى إلى الرغبة في العمل به، فقال: ﴿وَلَكُمْ فِي﴾ مشروعية ﴿الْقِصَاصِ﴾ والقتل بقاءٌ و ﴿حَيَاةٌ﴾ هنيئة لكم وصيانة لأنفسكم من اعتداء بعضكم على بعض؛ لأن من علم أنه إذا قتل نفسًا يُقتل بها .. يرتدع عن القتل، فيحفظ حياة من أراد قتله وحياة نفسه، والاكتفاء بالدية لا يردع كل أحد عن سفك دم خصمه إن استطاع؛ إذ من الناس من يبذل المال الكثير للإيقاع بعدوه، وعبارة "الخازن": ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ هذا الحكم غير مختص بالقصاص الذي هو القتل، بل يدخل فيه جميع الجروح، والشجاج، وغير ذلك؛ لأن الجارح إذا علم أنه إذا جَرَحَ جُرِح .. لم يَجْرح، فيصير ذلك سببًا لبقاء الجارح، وربما أفضت الجراحة إلى الموت؛ فيقتص من الجارح. انتهى.
стр. 1154
﴿يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾؛ أي: يا أصحاب العقول الكاملة الذين يعرفون المصالح من المفاسد، وخص أرباب العقول بالنداء، للدلالة على أن الذي يفهم قيمة الحياة، ويحافظ عليها هم العقلاء، كما أنهم هم الذين يفقهون سر هذا الحكم وما اشتمل عليه من المصلحة والحكمة، فعليكم أن تستعملوا عقولكم في فهم دقائق الأحكام.
ولما كان القصاص حياةً لكم .. كتبناه عليكم، وشرعناه لكم ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾؛ أي: لكي تتقون الاعتداء، وتكفون عن سفك الدماء، وتنتهون عن القتل مخافةَ القصاص؛ لأن العاقل يحرص على الحياة، ويحترس من غوائل القصاص، ولا يريد إتلاف نفسه بتلاف غيره.
١٨٠ - ولما كان الكلام في الآية السابقة في القصاص في القتل؛ وهو ضَرْبٌ من ضروب الموت .. ناسب أن يذكر ما يطلب ممن يحضره الموت من الوصية، فقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: فرض عليكم يا معشر المؤمنين ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾؛ أي: إذا حضرته ونزلت به أسباب الموت، وعلله، ومقدماته، والأمراض المخوفة ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾؛ أي: مالًا كثيرًا كان، أو قليلًا ﴿الْوَصِيَّةُ﴾ مرفوع بـ ﴿كُتِبَ﴾؛ أي: كتب عليكم الإيصاء ﴿لِلْوَالِدَيْنِ﴾؛ أي: للأبوين وإن عليا ﴿و﴾ لو ﴿الأقربين﴾ غيرهما، وهو من عطف العام على الخاص.
كانت الوصية في ابتداء الإِسلام فريضة للوالدين والأقربين على من مات وله مال، وسبب ذلك أن أهل الجاهلية كانوا يوصون للأبعدين طلبًا للفخر والشرف والرياء، ويتركون الأقربين فقراء، فأوجب الله تعالى الوصية للأقربين، ثم نسخت هذه الآية بآية المواريث، وبما روي عن عمرو بن خارجة ﵁ قال: كنت آخذ بزمام ناقة النبي ﷺ وهو يخطب فسمعته يقول: "إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" أخرجه النسائي، وللترمذي نحوه.
وهي مستحبة في حق من لا يرث، ويدل على استحباب الوصية، والحث عليها ما روي عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "ما حُقَّ لامرىء مسلم له شيء يوصي فيه - وفي رواية: له شيء يريد أن يوصي به - أن
стр. 1155
يبيت ليلتين - وفي رواية: ثلاثة ليال - إلا ووصيته مكتوبة عنده". قال نافع: سمعت عبد الله بن عمر ﵄ يقول: ما مرت عليَّ ليلة منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك إلا ووصيتي مكتوبة عندي. أخرجه الجماعة.
﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: بالعدل الذي لا وكس فيه ولا شطط، فلا يزيد على الثلث، ولا يوصي للغني ويدع الفقير. وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: جاءني رسول الله ﷺ يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي، فقلت: يا رسول الله إن بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: "لا"، قلت: فالشطر يا رسول الله؟ قال: "لا"، قلت: فالثلث؟ قال: الثلث والثلث كثير - أو قال والثلث كبير - إنك أن تذر ذريتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالة يتكففون الناس" متفق عليه. والعالة: الفقراء.
وعن ابن عباس ﵄ قال في الوصية: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع فإن النبي ﷺ قال لسعد: والثلث كثير. متفق عليه.
وقال علي بن أبي طالب ﵁: لأن أوصي بالخمس أحب إلى من أن أوصي بالربع، ولأن أوصي بالربع أحب إلى من أن أوصي بالثلث، فمن أوصى بالثلث .. فلم يترك. وقيل: يوصي بالسدس أو بالخمس أو بالربع.
﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾؛ أي: حق ذلك الإيصاء حقًّا على المؤمنين الذين يتقون الشرك، ويمتثلون أوامري، وثبت ذلك عليهم ثبوت ندب لا ثبوت فرض ووجوب، أو ثبوت وجوب، لكنه منسوخ.
١٨١ - ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾؛ أي: فمن غيّر ذلك الإيصاء من الأولياء، أو الأوصياء، أو الشهود؛ إما بإنكار الوصية من أصلها، أو بالنقص فيها، أو بتبديل صفتها، أو بكتمان الشهادة، وإنما ذكر الضمير في ﴿بَدَّلَهُ﴾ مع أن الوصية مؤنث؛ لأن الوصية بمعنى الإيصاء كقوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾؛ أي: وعظ؛ أي: فمن بدل قول الميت الموصي، أو ما أوصى به ﴿بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾؛ أي: بعدما سمع ذلك
стр. 1156
الإيصاء من الموصي، وعلمه، وحققه ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ﴾؛ أي: إثم ذلك التبديل وذنبه ﴿عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾؛ أي: على من بدله وغيَّره أيًّا كان لا يعود إلا على المبدل. والموصي والموصى له بريئان منه؛ يعني برئت منه ذمة الموصي، وثبت له الأجر عند ربه. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿سميع﴾ لأقوال المبدلين والموصين ﴿عَلِيمٌ﴾ بنياتهم فيجازي كلًّا على وفق عمله، فيثيب الميت، ويعاقب المبدِّل، ولا يخفى ما في هذه الجملة من الوعيد الشديد للمبدلين، والوعد الحسن للموصين.
١٨٢ - ثم استثنى من إثم التبديل حالة ما إذا كان للإصلاح، وإزالة التنازع، فقال: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ﴾ قرأه شعبة وحمزة والكسائي ﴿مُوَصٍّ﴾ بفتح ﴿الواو﴾ وتشديد الصاد من وصَّى المضَعَّف، وقرأ الباقون: ﴿مُوصٍ﴾ من أوصى، وهما لغتان؛ أي: فمن علم من ميت موص ﴿جَنَفًا﴾؛ أي: خطأ في الوصية من غير عمد، وميلٍ عن الحق فيها جهلًا كأن يوصي لبعض ورثته، أو يوصي بماله كله خطأ، وقرأ الجمهور ﴿جَنَفًا﴾ بالجيم والنون، وقرأ علي شذوذًا ﴿حيفا﴾ بالحاء والياء ﴿أَوْ إِثْمًا﴾؛ أي: ميلًا عن الحق في الوصية عمدًا وعِلمًا ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ بعد موت الموصي معطوف على محذوف؛ تقديره: أي فتنازعت الورثة والموصى لهم في المال الموصى به، فتوسط بينهم من علم ذلك، وأصلح بينهم؛ أي: فعل ما فيه الصلاح بينهم بتبديل هذا الجنف أو الإثم برده الوصية إلى الثلث مثلًا. ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾؛ أي: فلا حرج ولا ذنب على هذا المصلح الذي أزال الجنف أو الإثم في هذا التبديل؛ لأنه تبديل باطل بحق، وإزالة مفسدة بمصلحة، فهو ليس بمبدل آثم، بل هو متوسط للإصلاح، وليس عليه إثم بخلاف الأول، وقلما يكون الإصلاح إلا بترك بعض الخصوم شيئًا مما يرونه حقًّا لهم، والظاهر (١) أن هذا المصلح هو الوصي والشاهد، ومن يتولى بعد موته ذلك من وال، أو ولي، أو من يأمر بالمعروف، فكل هؤلاء يدخل تحت قوله: ﴿فَمَنْ خَافَ﴾ إذا ظهرت لهم أمارات الجنف أو الإثم، ولا وجه لتخصيص الخائف بالوصي، ودلت (٢)
стр. 1157
الآية على جواز الصلح بين المتنازعين إذا خاف من يريد الصلح إفضاء تلك المنازعة إلى أمر محذور في الشرع ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ للميت إن أخطأ أو جار، أو للوصي إن بدل للإصلاح ﴿رَحِيمٌ﴾ للوصي حيث رخص له الرد إلى الثلث، والعدل والإصلاح؛ أي: فمن خالف وبدل لصلاح .. فإن الله يغفر له، ويثيبه على عمله.
ومعنى الآية (١): أن الميت إذا أخطأ في وصيته، أو جار فيها متعمدًا .. فلا إثم على من علم ذلك أن يغيره، ويرده إلى الصلاح بعد موته، وهذا قول ابن عباس، وقتادة، والربيع.
وقيل هذا (٢): في حال حياة الموصي، فالمعنى حينئذ: فمن حضر وصيته فرآه على خلاف الشرع، فنهاه عن ذلك، وحمله على الصلاح .. فلا إثم على هذا الموصي بما قال أولًا.
وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: إن الرجل والمرأة ليعملان بطاعة الله ستين سنة، ثم يحضرهما الموت، فيضاران في الوصية، فتجب لهما النار"، ثم قرأ أبو هريرة: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾: إلى قوله: ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: أخرجه أبو داود والترمذي، قوله: فيضاران (٣) المضارة: إيصال الضرر إلى شخص، ومعنى المضارة: الوصية أن لا تمضي، أو ينقص بعضها، أو يوصي لغير أهلها، أو يحيف في الوصية، ونحو ذلك.
الإعراب
﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾.
﴿لَيْسَ﴾: فعل ماض ناقص. ﴿الْبِرَّ﴾: بالنصب خبر ﴿لَيْسَ﴾ مقدم على
стр. 1158
اسمها. ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿تُوَلُّوا﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أَنْ﴾. ﴿وُجُوهَكُمْ﴾. مفعول به ومضاف إليه. ﴿قِبَلَ﴾: منصوب على الظرفية المكانية. ﴿الْمَشْرِقِ﴾: مضاف إليه. ﴿وَالْمَغْرِبِ﴾: معطوف عليه، والجملة الفعلية صلة ﴿أَنْ﴾ المصدرية، ﴿أَنْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مرفوع على كونه اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخرًا عن خبرها؛ تقديره: ليس تولية وجوهكم قبل المشرق والمغرب البر كله، وجملة ﴿لَيْسَ﴾ مستأنفة استئنافًا نحويًّا لا محل لها من الإعراب.
﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾.
﴿وَلَكِنَّ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿لكن﴾: حرف نصب واستدراك. ﴿الْبِرَّ﴾: اسمها. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع خبر ﴿لكن﴾، ولكنه على حذف مضاف كما سبق في محل التفسير. ﴿آمَنَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، والجملة الفعلية صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، والعائد ضمير الفاعل وجملة ﴿لكن﴾ معطوفة على جملة ﴿لَيْسَ﴾ على كونها مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. ﴿بِاللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿آمَنَ﴾. ﴿وَالْيَوْمِ﴾: معطوف على الجلالة ﴿الْآخِرِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ معطوفات على ﴿اليوم﴾.
﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾.
﴿وَآتَى الْمَالَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿آتى المال﴾: فعل ومفعول أول، أو ثان مقدم على الأول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿آمَنَ﴾ على كونها صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة. ﴿عَلَى حُبِّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿آتَى﴾، أو بمحذوف حال من فاعل ﴿آتَى﴾. ﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾: مفعول ثانٍ، أو أول، ومضاف إليه. ﴿وَالْيَتَامَى﴾، وكذا ﴿وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ﴾: معطوفات على ﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾ ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾: جار ومجرور في محل النصب معطوف على ﴿ذَوِي﴾؛ أي (١): وآتى المال في الرقاب؛ أي: دفعه
стр. 1159
في فكها من الرق، أو الأسر؛ أي: لأجله وسببه، فضمن آتى بالنسبة لهذا المعطوف معنى دفع، فيكون متعديًا لواحد، كما عرفت في محل التفسير.
﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾.
﴿وَأَقَامَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿أقام﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ ﴿الصَّلَاةَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿آمَنَ﴾ على كونها صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة. ﴿وَآتَى الْمَالَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، والجملة معطوفة أيضًا على جملة ﴿آمَنَ﴾.
﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾.
﴿وَالْمُوفُونَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿الموفون﴾: معطوف على ﴿مَنْ آمَنَ﴾ على كونه خبر ﴿لكن﴾؛ أي: ولكن البر المؤمنون بما ذكر. ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ﴾: خبر لمبتدأ محذوف؛ تقديره: وهم الموفون ﴿بِعَهْدِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿الموفون﴾. ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان مجرد عن معنى الشرط في محل النصب على الظرفية. ﴿عَاهَدُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذا﴾، والظرف متعلق بـ ﴿الموفون﴾ والتقدير: والموفون بعهدهم وقت معاهدتهم مع الله، أو مع الناس.
﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾.
﴿وَالصَّابِرِينَ﴾: الواو: استئنافية، ﴿الصابرين﴾: منصوب على المدح بفعل محذوف؛ تقديره: وأمدح الصابرين، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة. ﴿فِي الْبَأْسَاءِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿الصابرين﴾. ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾: معطوف على ﴿الْبَأْسَاءِ﴾. ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾. ظرف ومضاف إليه، والظرف معطوف على الجار والمجرور قبله على كونه متعلقًا بـ ﴿الصَّابِرِينَ﴾. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ. ﴿الَّذِينَ﴾: خبر، والجملة مستأنفة. ﴿صَدَقُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿وَأُولَئِكَ﴾: الواو: عاطفة، ﴿أولئك﴾: مبتدأ. ﴿هُمُ﴾: ضمير
стр. 1160
فصل. ﴿الْمُتَّقُونَ﴾: خبر، والجملة الإسمية معطوفة على الجملة التي قبلها.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾.
﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿يا﴾: حرف نداء، ﴿أي﴾: منادى نكرة مقصودة، ﴿ها﴾ حرف تنبيه زائدة. ﴿الَّذِينَ﴾: في محل الرفع صفة لـ ﴿أَيّ﴾، وجملة النداء مستأنفة. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل، ﴿كُتِبَ﴾: فعل ماضٍ مغيَّر الصيغة. ﴿عَلَيْكُمُ﴾: متعلق به. ﴿الْقِصَاصُ﴾: نائب فاعل، والجملة الفعلية جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿فِي الْقَتْلَى﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿كُتِبَ﴾. ﴿الْحُرُّ﴾: مبتدأ. ﴿بِالْحُرِّ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ؛ تقديره: الحر مأخوذ بالحر، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. ﴿وَالْعَبْدُ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿الْعَبْدُ﴾: مبتدأ. ﴿بِالْعَبْدِ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ؛ تقديره: العبد مأخوذ بالعبد، والجملة معطوفة على جملة قوله ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾. ﴿وَالْأُنْثَى﴾: مبتدأ. ﴿بِالْأُنْثَى﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ؛ تقديره: والأنثى مأخوذة بالأنثى، والجملة معطوفة على جملة قوله ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾.
﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾.
﴿فَمَنْ﴾: ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر؛ تقديره: إذا عرفتم أن القصاص مكتوب عليكم، وأردتم بيان حكم ما إذا عفي عنه .. فأقول لكم ﴿من عفي له﴾، ﴿من﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما على الخلاف المذكور في محله، ويصح كونها موصولة. ﴿عُفِيَ﴾: فعل ماضٍ مغيَّر الصيغة في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية. ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿عُفِيَ﴾. ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال مقدم على صاحبها، وهو ﴿شَيْءٌ﴾؛ لأنه نعت نكرة قدمت عليها، فينصب حالًا. ﴿شَيْءٌ﴾: نائب فاعل لـ ﴿عُفِيَ﴾.