← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 10956–10995 · переход к 10961.

стр. 10956

دينه، ودعا فيه حيث قال: ﴿رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ كذا قال الفراء والكلبي وغيرهما، ولا يخفى ما في هذا من الضعف والمخالفة للسياق. ٨٤ - والظرف في قوله: ﴿إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤)﴾ منصوب بفعل محذوف، تقديره: اذكر يا محمد لقومك قصةً إذ أقبل إبراهيم إلى طاعة ربه بقلب خالص من الشرك والشك. وقيل: من الغل، والغش، والحقد، والحسد يحب للناس ما يحب لنفسه، وقيل: خالص من جميع آفات القلوب، وقيل: سليم من العلائق بما في الكونين، ومعنى مجيئه به ربه: إخلاصه له، كأنه جاء به متحضنًا إياه بطريق التمثيل، وإلا فليس القلب مما ينقل من مكان إلى مكان حتى يجاء به، وفي الشوكاني: ومعنى مجيئه إلى ربه يحتمل وجهين: أحدهما: عند دعائه إلى توحيده وطاعته. والثاني: عند إلقائه في النار. وقيل: الظرف متعلق بما في الشيعة من معنى المشايعة؛ أي: تابعه إذ جاء ربه بقلب سليم، واعترضه أبو حيان بلزوم الفصل بينه وبين معموله بأجنبي، وهو قوله: ﴿لَإِبْراهِيمَ﴾ وبلزوم عمل ما قبل اللام الابتدائية فيما بعدها، وأجيب: بأنه يتوسع في الظروف ما لا يُتوسع في غيرها. ومعنى قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ ...﴾ إلخ؛ أي (١): وإنّ ممن سار على نهج نوح، وسلك طريقه في اعتقاد التوحيد والبعث، والتصلب في دين الله، ومصابرة المكذبين، إبراهيم الخليل، صلوات الله وسلامه عليه، ﴿إِذْ جاءَ رَبَّهُ ...﴾ إلخ؛ أي: إذا أخلص قلبه لربه، وجعله خاليا من كل شؤون الحياة الدنيا، فلا غش لديه، ولا حقد، ولا شيء مما يشينه من العقائد الزائفة، والصفات القبيحة. ٨٥ - ثم فصّل ما سلف، فقال: ﴿إِذْ قالَ﴾ والظرف بدل من ﴿إِذْ﴾ الأولى، أو متعلق بـ ﴿سَلِيمٍ﴾؛ أي: اذكر إذ قال، أو جاء ربه بقلب سليم حين قال: ﴿لِأَبِيهِ﴾ آزر بن باعر بن ناحور بن فالغ بن صالح بن أرفخشد بن سام بن نوح ﴿وَقَوْمِهِ﴾ وكانوا عبدة الأصنام ﴿ماذا تَعْبُدُونَ﴾ استفهام إنكار وتوبيخ؛ أي: أي شيء

стр. 10957

تعبدون؛ أي: حين قال لأبيه آزر وقومه الكفار، منكرًا عليهم عبادة الأصنام والأوثان؛ أي: شيء تعبدون، إذ لا ينبغي لعاقل، أن يركن إلى مثل هذه المعبودات، التي لا تضر ولا تنفع. ٨٦ - ثم بيّن الإنكار وفسّره بقوله: ﴿أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦)﴾ الهمزة فيه للاستفهام الإنكاري. والإفك (١): أسوأ الكذب، وهو لا يثبت ويضطرب، ومنه: ائتفكت بهم الأرض. وانتصاب ﴿إِفْكًا﴾ على أنه مفعول لأجله، و ﴿آلِهَةً﴾ مفعول به لـ ﴿تُرِيدُونَ﴾. فقدم المفعول على الفعل للعناية، ثم المفعول له على المفعول به؛ لأن الأهم مكافحتهم بأنهم على إفك آلهتهم، وباطل شركهم؛ أي: أتريدون آلهة من دون الله، تعبدونها إفكًا وكذبًا، دون أن تركنوا في ذلك إلى دليل، من نص ولا تأييد من نقل، إن هذا منكم إلا خبال وخطل في الرأي، وقيل: انتصاب ﴿إِفْكًا﴾ على أنه مفعول به لـ ﴿تُرِيدُونَ﴾، و ﴿آلِهَةً﴾ بدل منه جعلها نفس الإفك مبالغة. وهذه أولى من الوجه الأول. وقيل: انتصابه على الحال من فاعل ﴿تُرِيدُونَ﴾؛ أي: أتريدون آلهة آفكين أو ذوي إفك. ٨٧ - ﴿فَما﴾ مبتدأ، خبره ﴿ظَنُّكُمْ﴾؛ أي: فأي شيء ظنكم واعتقادكم ﴿بِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره؛ أي: أتظنون أن يغفل عنكم أو لا يؤاخذكم بما كسبت أيديكم؛ أي: لا ظن فكيف القطع. فالاستفهام للإنكار، وهو تحذير مثل: ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾. أو المعنى (٢): أتظنون أنه من جنس هذه الأجسام، حتى جعلتموها مساوية له في المعبودية، أو أنه جوّز جعل هذه الجمادات مشاركة له في المعبودية، ٨٨ - ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً﴾ واحدة ﴿فِي النُّجُومِ﴾ جمع نجم، وهو الكوكب الطالع؛ أي: في علمها وحسابها، إذ لو نظر إلى النجوم أنفسها لقال: إلى النجوم، وكان القوم يتعاطون علم النجوم، فعاملهم من حيث كانوا لئلا ينكروا عليه، واعتذر عن التخلف عن عيدهم؛ أي: عن الخروج إلى معبدهم ٨٩ - ﴿فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾؛ أي: سقيم القلب مما تفعلون أو سقيم فيما مضى أو سقيم في المستقبل سقمًا أموت به أو سقيم سقمًا خفيًا مما هو موجود في

стр. 10958

الحال، إذ كان الإنسان لا ينفك من خلل يعتريه، وإن كان لا يحس به، كما ذكره في «المفردات». ففي كلامه تعريض وتورية. وقال ابن عطاء (١): إني سقيم من مخالفتكم وعبادتكم الأصنام أو بصدد الموت. فإن من في عنقه الموت سقيم. وقد فوجىء رجل فاجتمع عليه الناس وقالوا: مات، وهو صحيح فقال أعرابي: أصحيح من الموت في عنقه؟. وأيًا ما كان فلم يقل إبراهيم إلا عن تأول. فإن العارف لا يقع في انتهاك الحرمة أبدًا. وكان ذلك من إبراهيم لذب عن دينه، وتوسل إلى إلزام قومه. أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة: أن العرب تقول للشخص إذا تفكر وأطال الفكر: نظر في النجوم. والمعنى هنا: فأطال إبراهيم الفكر فيما هو فيه ﴿فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾؛ أي (٢): أحس بخروج مزاجي عن حال الاعتدال، ولا أرى في نفسي خفة ونشاطا، وكان مقصده من قولته هذه، أن لا يخرج معهم في يوم عيدهم، حين طلبوا منه الخروج، لينفذ ما عزم عليه من كسر أصنامهم، وإعلان الحرب عليهم، في عبادتهم للأوثان والأصنام، ولم يكن لهم علم بما بيّت عليه النية، ولا دليل على أنه لم يكن صادقًا فيما يقول، إذ من يعزم على تنفيذ أمر ذي بال، يخاف منه الخطر على نفسه، أن يكون مهمومًا مغمومًا مفكرًا في عاقبة ما يعمل. ٩٠ - وكان القوم يتطيرون من المريض (٣)، فلما سمعوا من إبراهيم ذلك، هربوا منه إلى معبدهم، وتركوه في بيت الأصنام فريدا ليس معه أحد، وذلك قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ﴾؛ أي: فتول قومه، وأعرضوا وتفرقوا عن إبراهيم ﴿مُدْبِرِينَ﴾؛ أي: هاربين مخافة العدوى؛ أي: السراية، وتركوه في مكانه. فائدة: قال عز الدين بن عبد السلام: الكلام وسيلة إلى المقاصد، فكل مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعا. فالكذب فيه حرام فإن أمكن التوصل إليه بالكذب دون الصدق فالكذب فيه مباح إن كان تحصيل

стр. 10959

ذلك المقصود مباحًا وواجب إن كان ذلك المقصود واجبًا، فهذا ضابطه، انتهى. وفي «الأسئلة المقحمة»: ومن الناس من يجوّز الكذب في الحروب لأجل المكيدة والخداع، وإرضاء الزوجة، والإصلاح بين المتهاجرين، والصحيح: أنه لا يجوز الكذب أيضًا في هذه المواضع؛ لأن الكذب في نفسه قبيح، والقبيح في نفسه لا يصير حسنًا باختلاف الصور والأحوال، وإنما يجوز في هذه المواضع بتأويل وتعريض لا بطريق التصريح، مثاله نحو قول الرجل لزوجته إذا كان لا يحبها: كيف لا أحبك وأنت حلالي وزوجتي وقد صحبتك. فأما إذا قال صريحا: بأني أحبك وهو يبغضها، فيكون كذبًا محضًا، ولا رخصة فيه. وفي «فتح الرحمن» قوله: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨)﴾ لم يقل: إلى النجوم مع أن النظر إنما يتعدى بإلى، كما في قوله تعالى: ﴿وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾؛ لأن ﴿فِي﴾ بمعنى إلى كما في قوله تعالى: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ﴾، أو أن النظر هنا بمعنى الفكر، وهو يتعدى بفي، كما في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ﴾. فصار المعنى هنا: ففكر في علم النجوم. فإن قلت: لم لم يجز النظر في علم النجوم كما جاز لإبراهيم؟. قلت: إذا كان الناظر فيه كإبراهيم في أن الله أراه ملكوت السموات والأرض، جاز له النظر فيه. ٩١ - ﴿فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ﴾؛ أي: ذهب إبراهيم إلى آلهتهم وأصنامهم في خفية، وأصله: الميل بحيلة من روغة الثعلب، وهو ذهابه في خفية وحيلة ﴿فَقالَ﴾ إبراهيم للأصنام استهزاء وسخرية: ﴿أَلا تَأْكُلُونَ﴾ أيتها الأصنام من الطعام الذي يصنعونه لكم، وخاطبا كما يخاطب من يعقل، لأنهم أنزلوها بتلك المنزلة، وكانوا يضعون الطعام عند الأصنام لتحصل لهم البركة بسببها، ويأكلوه إذا رجعوا من عيدهم، وقيل: تركوه للسدنة، وقيل: إن إبراهيم هو الذي قرب إليها الطعام مستهزئًا بها، ٩٢ - والاستفهام في قوله: ﴿ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ (٩٢)﴾ للتهكم بهم؛ أي: أي مانع ثبت لكم غير ناطقين بجوابي ٩٣ - ﴿فَراغَ﴾ إبراهيم؛ أي: مال مستعليًا ﴿عَلَيْهِمْ﴾ حال كونه يضربهم ﴿ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾؛ أي: ضربًا حاصلًا باليد اليمنى. فانتصابه على أنه مصدر مؤكد، لفعل محذوف، أو مصدر لراغ؛ لأنه بمعنى ضرب أو على

стр. 10960

الحالية؛ أي: أقبل عليهم مستخفيًا حال كونه ضاربًا باليمين. فالمصدر بمعنى الفاعل؛ أي: ضربًا شديدًا قويًا. وذلك لأن اليمين أقوى الجارحتين وأشدهما، وقوة الآلة تقتضي قوة الفعل وشدته. وقيل: ضربًا بالقوة والمتانة. وعلى ذلك مدار تسمية الحلف باليمين؛ لأنه يقوّي الكلام ويؤكده. وقيل: ضربًا بسبب الحلف، وهو قوله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ﴾. ومعنى الآيات: ﴿فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ﴾ إلخ؛ أي: فذهب مستخفيًا إلى أصنامهم التي يعبدونها، وقال لها استهزاءً: ألا تأكلون من الطعام الذي يقدم إليكم، وكانوا يصنعون في أيام أعيادهم طعامًا لدى هذه الأصنام لتبارك فيه. وقال أيضًا: ﴿ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ (٩٢)﴾؛ أي: أي شيء منعكم الإجابة عن سؤالي، ومراده بذلك: التهكم بهم، واحتقار شأنهم، ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣)﴾؛ أي: فاتجه إليهم يضربهم بقوة وشدة، حتى تركهم جذاذًا إلا كبيرهم، كما تقدم في سورة الأنبياء، ٩٤ - فلما رجعوا من عيدهم إلى بيت الأصنام، وجدوها مكسورة، فسألوا عن الفاعل، فظنوا أن إبراهيم ﵇، فعله، فقيل: فائتوا به. ﴿فَأَقْبَلُوا﴾؛ أي: توجه المأمورون بإحضاره ﴿إِلَيْهِ﴾؛ أي: إلى إبراهيم، قال ابن الشيخ: قوله: ﴿إِلَيْهِ﴾ يجوز أن يتعلق بما قبله وبما بعده، وقوله: ﴿يَزِفُّونَ﴾ حال من واو ﴿أقبلوا﴾؛ أي: حال كونهم يسرعون من زفيف النعام، وهو ابتداء عدوها، فقالوا له: نحن نعبدها وأنت تكسرها. وقرأ الجمهور (١): ﴿يَزِفُّونَ﴾ بفتح الياء من زف إذا أسرع، أو من زفاف العروس، وهو التمهل في المشية، إذ كانوا في طمأنينة أن ينال أصنامهم شيء لعزتهم، وقرأ مجاهد، وعبد الله بن يزيد، والضحاك، ويحيى بن عبد الرحمن المقري، وابن أبي عبلة ﴿يزفون﴾ مضارع زف بمعنى أسرع. وقال الكسائي والفراء: لا نعرفها بمعنى زف. وقرأ حمزة، ومجاهد أيضًا، وابن وثّاب، والأعمش ﴿يزفون﴾ بضم الياء من أزف الرباعي، دخل في الزفيف؛ أي: الإسراع، فهي للتعدي، قاله الأصمعي، وقرىء ﴿يزفون﴾ مبنيًا للمفعول. وقرىء

стр. 10961

﴿يزفون﴾ كيرمون بسكون الزاي من زفاه إذا حداه، فكان بعضهم يزفو بعضًا لتسارعهم إليه. وحكى الثعلبي عن الحسن، ومجاهد، وابن السميفع: أنهم قرؤوا ﴿يرفون﴾ بالراء المهملة، وهي ركض بين المشي والعدو. ٩٥ - ﴿قَالَ﴾ إبراهيم ﵇؛ أي: بعدما أتوا به، وجرى بينهم وبينه من المحاورات، ما نطق به قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ (٦٢)﴾ إلى قوله: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾؛ أي: قال لهم حال كونه يؤنبهم ويعيّبهم: ﴿أَتَعْبُدُونَ﴾ بهمزة الاستفهام الإنكاري ﴿ما تَنْحِتُونَـ﴾ ـه من الأصنام. فما موصولة؛ أي: أتعبدون أصنامًا أنتم تنحتونها، وتبرونها، وتصلحونها. والنحت: النجر والبري، يقال: نحته ينحته بالكسر نحتًا إذا براه والنحاتة: البراية، ٩٦ - وجملة قوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ﴾ في محل النصب حال من فاعل ﴿تعبدون﴾ مؤكدة للإنكار والتوبيخ، أي: والحال أنه تعالى خلقكم، والخالق هو الحقيق بالعبادة دون المخلوق. ﴿وَما تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: وخلق ما تعملونه من الأصنام وغيرها، فإن (١) جواهر أصنامهم ومادتها بخلقه تعالى، وشكلها وإن كان بفعلهم، لكنه بإقدار الله تعالى إياهم عليه، وخلقه ما يتوقف عليه فعلهم من الدواعي والعدد والأسباب، فلم يلزم أن يكون الشيء مخلوقًا لله ومعمولًا لهم. ويجوز أن تكون ﴿ما﴾ مصدرية؛ أي: خلقكم وخلق عملكم. ولكن جعلها موصولةً أولى بالمقام وأوفق بسياق الكلام. وظهر من فحوى الآية: أن الأفعال مخلوقة لله تعالى، مكتسبة للعباد، حسبما قالته أهل السنة والجماعة، وبالاكتساب يتعلق الثواب والعقاب. والمعنى: أي قال لهم: أتعبدون من دون الله تعالى، أصنامًا أنتم تنحتونها بأيديكم، فما تحدثون فيه الصنعة بأيديكم، تجعلونه معبودًا لكم، أفلا عاقل منكم، ينهاكم عن مثل هذا، والله خلقكم، وخلق تلك الأصنام التي تعملونها بأيديكم، والخالق هو المستحق للعبادة دون المخلوق، لا جرم أن عبادتكم لها خطأ عظيم، وإثم كبير.

стр. 10962

٩٧ - ولما أورد عليهم إبراهيم هذه الحجة القوية، التي لم يستطيعوا دفعها، عدلوا عن الحجاج إلى الإيذاء واستعمال القوة، فتشاوروا فيما بينهم، واتفقوا على أن يبنوا له حائطًا من حجارة، ويملؤوه حطبًا ويضرموه، ثم يلقوه فيه. فـ ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال بعضهم لبعض: ﴿ابْنُوا لَهُ﴾؛ أي: لإبراهيم؛ أي: لأجل الانتقام منه لآلهتكم ﴿بَنَيْنا﴾ رفيعًا عريضًا. قال ابن عباس ﵄: ابنوا حائطًا من حجر، طوله في السماء ثلاثون ذراعًا، وعرضه عشرون ذراعًا، وملؤوه حطبًا، وأشعلوه نارًا، واطرحوه فيها كما قال تعالى حكاية عنهم: ﴿فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾؛ أي: فارموه في النار الشديدة الاتقاد والالتهاب. واللام فيه عوض عن المضاف إليه؛ أي: في جحيم ذلك البنيان. وقال السهيلي في «التعريف»: قائل هذه المقالة لهم فيما ذكر الطبري، اسمه الهيزن، رجل من أعراب فارس، وهم الترك، وهو الذي في الحديث: «بينا رجل يمشي في حلة، يتبختر فيها فخسف به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة». ٩٨ - ثم ألقوه فيها، ونجاه الله منها، وجعلها بردًا وسلامًا، وهو معنى قوله: ﴿فَأَرادُوا بِهِ كَيْدًا﴾؛ أي: شرًا، وهو أن يحرقوه بالنار ﵇؛ أي: لما قهرهم بالحجة، وألقمهم الحجر قصدوا أن يكيدوا به ويحتالوا لا هلاكه كما كاد أصنامهم بكسره إياهم، لئلا يظهر للعامة عجزهم. ﴿فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾؛ أي: الأذلين بإبطال كيدهم، وجعله في نحورهم، وجعله برهانًا نيرًا على علوّ شأنه ﵇، بجعل النار عليه بردا وسلاما على ما سبق تفصيل هذه القصة في سورة الأنبياء؛ أي: إن إبراهيم في وقت المحاجة، حصلت له الغلبة، وعندما ألقوه في النار، صرف الله عنه ضرر النار، فصار هو الغالب عليهم. فإن قلت (١): لم ابتلاه الله تعالى بالنار في نفسه؟. قلت: لأن كل إنسان يخاف بالطبع من ظهور صفة القهر، كما قيل لموسى

стр. 10963

عليه السلام: ﴿وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى﴾. فأراه تعالى أن النار لا تضر شيئًا إلا بإذن الله تعالى، وإن ظهرت بصورة القهر وصفته. وكذلك أظهر الجمع بين المتضادين، بجعلها بردا وسلاما. وفيه معجزة قاهرة لأعدائه، فإنهم كانوا يعبدون النار والشمس والنجوم، ويعتقدون وصف الربوبية لها، فأراهم الحق تعالى، أنها لا تضر إلا بإذن الله تعالى. وقد ورد في الخبر: أن النمرود لما شاهد النار، كانت على إبراهيم بردًا وسلامًا قال: إن ربك لعظيم نتقرب إليه بقرابين. فذبح تقربًا إليه آلافًا كثيرة، فلم ينفعه لإصراره على اعتقاده وعمله وسوء حاله. ٩٩ - وبعد أن يئس من إيمانهم، أراد مفارقتهم والهجرة من بينهم، كما أشار إلى ذلك بقوله: ﴿وَقالَ﴾ إبراهيم بعدما أنجاه الله تعالى من النار، قاله لمن فارقه من قومه، فيكون ذلك توبيخًا لهم، أو لمن هاجر معه من أهله، فيكون ذلك ترغيبًا لهم. ﴿إِنِّي ذاهِبٌ﴾؛ أي: مهاجر من أرض قومي، الذين فعلوا ما فعلوا، تعصبًا للأصنام، وكفرًا بالله، وتكذيبًا لرسله؛ أي: مهاجر من أرض حران، أو من بابل، أو قرية بين البصرة والكوفة، يقال لها: هرمز بحره ﴿إِلى رَبِّي﴾؛ أي: إلى حيث أمرني ربي بالمهاجرة إليه. وهو الشام، أو إلى حيث أتجرد فيه لعبادته تعالى؛ أي: موضع كان، فإن الذهاب إلى ذات الرب محال، إذ ليس في جهة من الأرض. وفي «بحر العلوم»: ولعله أمره الله تعالى، بأن يهجر دار الكفر، ويذهب إلى موضع، يقدر فيه على زيارة الصخرة التي هي قبلته، وعلى عمارة المسجد الحرام، أو هي القرية التي دفن فيها، كما أمر نبينا ﷺ ، بالهجرة من مكة إلى المدينة. وفي بعض التواريخ: دفن إبراهيم بأرض فلسطين، وهي بكسر الفاء وفتح اللام وسكون السين المهملة؛ البلاد التي بين الشام وأرض مصر، منها: الرملة، وغزة، وعسقلان، وغيرها. ﴿سَيَهْدِينِ﴾؛ أي: سيرشدني إلى مقصدي الذي أردت، وهو الشام أو إلى موضع يكون فيه صلاح ديني، أو سيثبتني على هداي ويزيدني هدى. وبتّ القول بذلك لسبق الوعد بذلك، أو لفرط توكله على ربه،

стр. 10964

أو للبناء على عادته تعالى معه، ولم يكن كذلك حال موسى ﵇، حيث قال: ﴿عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾، ولذلك أتى بصيغة التوقع. وهذه (١) الآية أصل في الهجرة، من ديار الكفر إلى أرض، يتمكن فيها من إقامة وظائف الدين والطاعة. وأول من فعل ذلك إبراهيم ﵇، هاجر مع لوط وصار إلى الأرض المقدسة. ١٠٠ - ولما هاجر من وطنه، ودخل الأرض المقدسة، طلب الولد، فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي﴾ ولدًا صالحًا ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾؛ أي: بعض الكاملين في الصلاح، يعينني على الدعوة والطاعة، ويؤنسني في الغربة، هكذا قال (٢) المفسرون، وعللوا ذلك، بأن الهبة قد غلب معناها في الولد، فتحمل عليه عند الإطلاق، وإذا وردت مقيدةً، حملت على ما قيدت به، كما في قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا (٥٣)﴾ وعلى فرض أنها لم تغلب في طلب الولد فقوله: ﴿فَبَشَّرْناهُ﴾ على لسان الملائكة ﴿بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾؛ أي: ذي حلم، وحلم؛ أي: بلوغ. يدل على أنه ما أراد بقوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠)﴾ إلا الولد، والغلام (٣): من جاوز العشر، وأما من دونها فصبي، كما قاله بعض أهل اللغة كما سيأتي، والحليم: من لا يعجل في الأمور، ويتحمل المشاق، ولا يضطرب عند إصابة المكروه، ولا يحركه الغضب بسهولة، ولقد جمع فيه ثلاث بشارات: بشارة أنه غلام، وأنه يبلغ أوان الحلم فإن الصبي لا يوصف بالحلم، وأنه يكون حليمًا، وأي حلم يعادل حلمه، حين عرض عليه أبوه الذبح، وهو مراهق فاستسلم. روي: أن إبراهيم ﵇، لما جعل الله النار عليه بردًا وسلامًا، وأهلك عدوه النمرود، وتزوج بسارة، وكانت أحسن النساء وجهًا، وكانت تشبه حواء في حسنها، عزم الانتقال من أرض بابل إلى الشام، فلما دخل الأرض المقدسة، دعا ربه أن يرزقه الولد، فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠)﴾؛ أي: رب هب لي أولادًا مطيعين، يعينونني على الدعوة، ويؤنسونني في الغربة، ويكونون عوضًا من قومي وعشيرتي الذين فارقتهم، ١٠١ - فاستجاب ربه دعاءه، فقال:

стр. 10965

﴿فَبَشَّرْناهُ﴾ على لسان الملائكة ﴿بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾؛ أي: بمولود ذكر يبلغ الحلم، ويكون حليما، وقد استفيد بلوغه من وصفه بالحلم؛ لأنه لازم لتلك السن، إذ قلما يوجد في الصبيان سعة الصدر، وحسن الصبر، والإغضاء عن كل أمر. وهذا (١) الغلام هو إسماعيل ﵇، فإنه أول ولد بشر به إبراهيم ﵇، وهو أكبر من إسحاق، باتفاق العلماء من أهل الكتاب والمسلمين، بل جاء النص في التوراة على أن إسماعيل، ولد لإبراهيم وسنه ست وثمانون سنة، وولد له إسحاق، وعمره تسع وتسعون سنة، وأي حلم مثل حلمه، عرض عليه أبوه، وهو مراهق أن يذبحه فقال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾، فما ظنك به بعد بلوغه؟ وما نعت الله سبحانه، نبيًا من الأنبياء بالحلم غير إبراهيم، وابنه إسماعيل ﵉. فإن قلت (٢): لم ختم هنا الآية بـ ﴿حَلِيمٍ﴾، وفي الحجر والذاريات بـ ﴿عَلِيمٍ﴾؟. قلت: ختم في ذينك بـ ﴿عَلِيمٍ﴾ إشعارًا بشرف العلم، وختم هنا بـ ﴿حَلِيمٍ﴾ لمناسبة حلم الغلام، لوعده بالصبر في جوابه، لسؤال أبيه في ذبحه، حيث قال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾. الإعراب ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٥٠) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢)﴾. ﴿فَأَقْبَلَ﴾: الفاء: عاطفة، ﴿أقبل بعضهم﴾: فعل، وفاعل، ﴿عَلى بَعْضٍ﴾: متعلق بـ ﴿أقبل﴾ والجملة معطوفة على ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ﴾. ﴿يَتَساءَلُونَ﴾: فعل، وفاعل، والجملة في محل النصب، حال من الفاعل، ومن المجرور. ﴿قالَ قائِلٌ﴾: فعل، وفاعل، ﴿مِنْهُمْ﴾ صفة لـ ﴿قائِلٌ﴾، والجملة مستأنفة. ﴿إِنِّي﴾: ناصب

стр. 10966

واسمه، ﴿كَانَ﴾: فعل ناقص، ﴿لِي﴾ خبرها مقدم، ﴿قَرِينٌ﴾: اسمها مؤخر. وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿يَقُولُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على ﴿قَرِينٌ﴾، والجملة صفة لـ ﴿قَرِينٌ﴾، ﴿أَإِنَّكَ﴾ الهمزة: للاستفهام التوبيخي، ﴿إِنَّكَ﴾ ناصب واسمه، ﴿لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ خبره، واللام حرف ابتداء، وجملة ﴿إن﴾: في محل النصب مقول ﴿يَقُولُ﴾. ﴿أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧)﴾. ﴿أَإِذا مِتْنا﴾ الهمزة: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف دل عليه ما بعده، تقديره: أندان ونجازى، ﴿إِذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، مجرد عن معنى الشرط، متعلق بالفعل المحذوف، والجملة المحذوفة في محل النصب مقول لـ ﴿يَقُولُ﴾ أو مفعول لـ ﴿الْمُصَدِّقِينَ﴾؛ أي: لمن المصدقين المداناة والمجازاة وقت موتنا ... إلخ، ﴿مِتْنا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر، مضاف إليه لـ ﴿إِذا﴾؛ أي: أندان وقت موتنا، ﴿وَكُنَّا تُرابًا﴾: فعل ناقص واسمه وخبره في محل الخفض، معطوف على متنا، ﴿وَعِظامًا﴾: معطوف على ﴿تُرابًا﴾، ﴿أَإِنَّا﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري، مؤكدة للأولى، ﴿إنا﴾ ناصب واسمه، ﴿لَمَدِينُونَ﴾: خبره، واللام حرف ابتداء، والجملة الاسمية في محل النصب، مقول لـ ﴿يَقُولُ﴾، على كونها مفسرة للمحذوفة، أو مفعول لـ ﴿الْمُصَدِّقِينَ﴾. ﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر، يعود على المؤمن القائل، والجملة مستأنفة. ﴿هَلْ﴾: حرف استفهام بمعنى الأمر، كأنه قال: اطلعوا كما مر في مبحث التفسير. ﴿أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿فَاطَّلَعَ﴾ الفاء عاطفة، ﴿اطلع﴾ فعل ماض، وفاعل مستتر، يعود على القائل المؤمن، والجملة معطوفة على جملة ﴿قالَ﴾. ﴿فَرَآهُ﴾ الفاء: عاطفة. ﴿رآه﴾: فعل ماض، ومفعول به، وفاعله ضمير يعود على القائل المذكور، والجملة معطوفة على جملة ﴿اطلع﴾، ورآى هنا بصرية. ﴿فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ جار ومجرور

стр. 10967

ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿رآى﴾، ﴿قَالَ﴾ فعل وفاعل مستتر، يعود على القائل، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًا. ﴿تَاللَّهِ﴾ التاء: حرف جر وقسم، ولفظ الجلالة مقسم به مجرور بتاء القسم، الجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف وجوبًا، تقديره: أقسم بالله، وجملة القسم في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿إِنْ﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوفًا؛ أي: إنه، ﴿كِدْتَ﴾ فعل ناقص واسمه؛ لأنه من أفعال المقاربة. ﴿لَتُرْدِينِ﴾ اللام: حرف ابتداء، فارقة بين النافية والمخففة. ﴿تردين﴾: فعل مضارع مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم، وعلامة رفعه ضمة مقدرة، منع من ظهورها الثقل؛ لأنه فعل معتل بالياء، وفاعله ضمير مستتر يعود على القرين، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بكسر نون الوقاية، ولرعاية الفاصلة في محل النصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب خبر ﴿كاد﴾، وجملة ﴿كاد﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنْ﴾، وجملة ﴿إِنْ﴾ المخففة جواب القسم، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَلَوْلا﴾: الواو عاطفة، ﴿لَوْلا﴾: حرف امتناع لوجود، ﴿نِعْمَةُ رَبِّي﴾: مبتدأ، ومضاف إليه، وخبر المبتدأ محذوف تقديره: موجودة. ﴿لَكُنْتُ﴾ اللام: رابطة لجواب ﴿لَوْلا﴾، ﴿كنت﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ خبره، وجملة ﴿كان﴾ جواب ﴿لَوْلا﴾، لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَوْلا﴾ معطوفة على جملة ﴿إِنْ﴾ المخففة على كونها جواب القسم. ﴿أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ (٦١)﴾. ﴿أَفَما نَحْنُ﴾: الهمزة للاستفهام التقريري، داخلة على محذوف، تقديره: أنحن مخلدون منعمون، والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف. ﴿ما﴾: نافية حجازية. ﴿نَحْنُ﴾ في محل الرفع اسمها. ﴿بِمَيِّتِينَ﴾ خبرها، والباء زائدة، وجملة ﴿ما﴾: الحجازية معطوفة على تلك المحذوفة، والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ، ﴿مَوْتَتَنَا﴾ منصوب على المفعولية المطلقة بميتين. ﴿الْأُولى﴾: صفة لـ ﴿مَوْتَتَنَا﴾، ﴿وَما﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ما: حجازية. ﴿نَحْنُ﴾: اسمها. ﴿بِمُعَذَّبِينَ﴾ خبرها، وجملة ﴿ما﴾ معطوفة على جملة ما الأولى.

стр. 10968

﴿إِنَّ هذا﴾ ناصب واسمه. ﴿لَهُوَ﴾ اللام: حرف ابتداء. ﴿هو﴾ ضمير فصل، ﴿الْفَوْزُ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾، ﴿الْعَظِيمُ﴾ صفة لـ ﴿الْفَوْزُ﴾. وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. ﴿لِمِثْلِ هذا﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿يعمل﴾. ﴿فَلْيَعْمَلِ﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت حال أهل الجنة، وأردت بيان ما ينبغي لكل عامل، فأقول لك، واللام: لام الأمر، مبني على السكون لسبقه بالفاء. ﴿يعمل﴾ فعل مضارع، مجزوم بلام الأمر، ﴿الْعامِلُونَ﴾: فاعل مرفوع بالواو. والجملة الفعلية في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (٦٥)﴾. ﴿أَذلِكَ﴾: الهمزة: فيه للاستفهام التقريري؛ لأن المراد من الكلام: حمل الكفار على الإقرار بمدخولها، لا كما قاله بعضهم من أنها للإنكار. ﴿ذلِكَ﴾: مبتدأ، ﴿خَيْرٌ﴾ خبره، ﴿نُزُلًا﴾ تمييز لخير، أو حال من الضمير المستكن في الخبر، ﴿أَمْ﴾: عاطفة متصلة. ﴿شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾: معطوف على ذلك. والجملة الاسمية في محل النصب مقول لقول محذوف، تقديره: قل لهم يا محمد، على سبيل التقرير: ﴿أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا ...﴾ الخ. ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه. ﴿جَعَلْناها﴾ فعل وفاعل، ومفعول أول، ﴿فِتْنَةً﴾ مفعول ثان، ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ صفة لـ ﴿فِتْنَةً﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة استئنافًا بيانيًا. ﴿إِنَّها﴾ ناصب واسمه، ﴿شَجَرَةٌ﴾ خبره، والجملة مستأنفة. ﴿تَخْرُجُ﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على شجرة. ﴿فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ متعلق بـ ﴿تَخْرُجُ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع صفة لـ ﴿شَجَرَةٌ﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة. ﴿طَلْعُها﴾ مبتدأ، ﴿كَأَنَّهُ﴾ ناصب واسمه، ﴿رُؤُسُ الشَّياطِينِ﴾ خبر كأن، ومضاف إليه، وجملة التشبيه في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل الرفع صفة ثانية لـ ﴿شَجَرَةٌ﴾. ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧)﴾.

стр. 10969

﴿فَإِنَّهُمْ﴾ الفاء عاطفة، ﴿إنهم﴾ ناصب واسمه، ﴿لَآكِلُونَ﴾ خبره مرفوع بالواو، واللام حرف ابتداء، ﴿مِنْها﴾ متعلق بـ ﴿آكلون﴾، وجملة ﴿إن﴾ معطوفة على جملة ﴿إن﴾ الأولى. ﴿فَمالِؤُنَ﴾ الفاء: عاطفة. ﴿مالؤن﴾ معطوف على ﴿آكلون﴾، ﴿مِنْها﴾ متعلق بـ ﴿مالؤن﴾، ﴿الْبُطُونَ﴾ مفعول لـ ﴿مالؤن﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ، ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب، ﴿لَهُمْ﴾ خبرها مقدم، ﴿عَلَيْها﴾: حال من ﴿شوبا﴾، ﴿لَشَوْبًا﴾ اسمها مؤخر، واللام: حرف ابتداء، ﴿مِنْ حَمِيمٍ﴾ صفة ﴿لَشَوْبًا﴾. وجملة ﴿إِنَّ﴾ معطوفة على جملة ﴿إِنَّ﴾ في قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها﴾. ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤)﴾. ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وتراخ، ﴿إِنَّ مَرْجِعَهُمْ﴾ ناصب واسمه، ﴿لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ خبره، واللام حرف ابتداء، وجملة ﴿إِنَّ﴾ معطوفة على جملة ﴿إِنَّ﴾ المذكورة قبلها. ﴿إِنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه، ﴿أَلْفَوْا﴾ فعل ماض، وفاعل، وهي من أخوات ظن تنصب مفعولين. ﴿آباءَهُمْ﴾ مفعول أول، ﴿ضالِّينَ﴾ مفعول ثان. وجملة ألفى في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل رجوعهم إلى الجحيم. ﴿فَهُمْ﴾ الفاء: عاطفة. ﴿هم﴾ مبتدأ، ﴿عَلى آثارِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿يُهْرَعُونَ﴾. ﴿يُهْرَعُونَ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، والواو: نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿ألفى﴾. ﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، واللام: موطئة للقسم. ﴿قد﴾ حرف تحقيق. ﴿ضَلَّ﴾ فعل ماض، ﴿قَبْلَهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿ضَلَّ﴾. أو حال مما بعده، ﴿أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾: فاعل، ومضاف إليه. والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة. ﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، واللام: موطئة للقسم، ﴿قد﴾ حرف تحقيق، ﴿أَرْسَلْنا﴾: فعل، وفاعل، ﴿فِيهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنا﴾. ﴿مُنْذِرِينَ﴾ مفعول به. والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم معطوفة على جملة القسم قبلها. ﴿فَانْظُرْ﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أنا أرسلنا

стр. 10970

إليهم منذرين، وأردت معرفة عاقبتهم فأقول لك: انظر كيف إلخ. ﴿انظر﴾ فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ، أو على أي مخاطب، ﴿كَيْفَ﴾ اسم استفهام للاستفهام التعجبي، في محل النصب خبر ﴿كَانَ﴾ مقدم عليها وجوبًا، ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص، ﴿عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ اسمها، ومضاف إليه، وجملة ﴿كانَ﴾ في محل النصب، مفعول ﴿انظر﴾، معلق عنها باسم الاستفهام. وجملة ﴿انظر﴾: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. إِلَّا أداة استثناء بمعنى لكن؛ لأن الاستثناء منقطع. ﴿عِبادَ اللَّهِ﴾ منصوب على الاستثناء. ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ صفة له. ﴿وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ (٧٧)﴾. ﴿وَلَقَدْ﴾ الواو: استئنافية، واللام: موطئة للقسم. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿نادانا﴾: فعل، ومفعول. ﴿نُوحٌ﴾: فاعل، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة. ﴿فَلَنِعْمَ﴾ الفاء: عاطفة، واللام: موطئة للقسم. ﴿نعم﴾ فعل ماض لإنشاء المدح. ﴿الْمُجِيبُونَ﴾ فاعل نِعْمَ، والمخصوص بالمدح محذوف، تقديره: نحن وجملة ﴿نعم﴾ جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم الثاني، معطوفة على جملة القسم الأول. ﴿وَنَجَّيْناهُ﴾: فعل، وفاعل، ومفعول به، معطوف على نادانا، ﴿وَأَهْلَهُ﴾ معطوف على ضمير المفعول أو مفعول معه، ﴿مِنَ الْكَرْبِ﴾ متعلق بـ ﴿نجينا﴾. ﴿الْعَظِيمِ﴾: صفة لـ ﴿الْكَرْبِ﴾. ﴿وَجَعَلْنا﴾: فعل، وفاعل، معطوف على ﴿نَجَّيْناهُ﴾. ﴿ذُرِّيَّتَهُ﴾ مفعول أول لـ ﴿جعلنا﴾. ﴿هُمُ﴾ ضمير فصل، لا محل لها من الإعراب، ﴿الْباقِينَ﴾ مفعول ثان لـ ﴿جعلنا﴾. ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢) وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ (٨٣)﴾. ﴿وَتَرَكْنا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿تَرَكْنا﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿نَجَّيْناهُ﴾. ﴿عَلَيْهِ﴾: جار ومجرور صفة لمفعول ﴿تَرَكْنا﴾

стр. 10971

المحذوف، تقديره: وتركنا ثناء كائنًا عليه، ﴿فِي الْآخِرِينَ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿تَرَكْنا﴾ على أنه مفعول ثان له، ﴿سَلامٌ﴾ مبتدأ، وسوّغ الابتداء بالنكرة ما فيه من معنى الدعاء. ﴿عَلى نُوحٍ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل النصب، بدل من مفعول ﴿تَرَكْنا﴾ المحذوف على أنها مفسرة له. ﴿فِي الْعالَمِينَ﴾: جار ومجرور بدل من الجار والمجرور في قوله: ﴿فِي الْآخِرِينَ﴾. وفي «السمين»: قوله: ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ﴾: مبتدأ وخبر، وفيه أوجه: أحدها: أنه مفسر لـ ﴿تَرَكْنا﴾. والثاني: أنه مفسر لمفعوله؛ أي: تركنا عليه شيئًا، وهو هذا الكلام، وقيل: ثم قول مقدر؛ أي: فقلنا: سلام. وقيل: ضمّن تركنا معنى قلنا، وقيل: سلّط تركنا على ما بعده. وقال الزمخشري: ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨)﴾ هذه الكلمة، وهي: ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ (٧٩)﴾. يعني: يسلمون عليه تسليمًا، ويدعون له. وهو من الكلام المحكي، كقولك: سورة أنزلناها. وهذا الذي قاله قول الكوفيين جعلوا الجملة في محل نصب مفعولًا بتركنا، لا أنه ضمّن معنى القول، بل هو على معناه، بخلاف الوجه الذي قبله، وهو أيضًا من أقوالهم، اهـ من «الفتوحات». ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه، ﴿كَذلِكَ﴾ صفة لمصدر محذوف؛ أي: جزاء كائنًا كذلك المذكور. ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعول به. والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل مجازاة نوح بتلك الكرامة السامية، وهي خلود ذكره وتسليم العالمين عليه أبد الدهر. ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه، ﴿مِنْ عِبادِنَا﴾ خبره، ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ صفة لـ ﴿عِبادِنَا﴾ وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وتراخ. ﴿أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾: فعل، وفاعل، ومفعول، معطوف على ﴿نَجَّيْناهُ﴾. ﴿وَأَهْلَهُ﴾ فالترتيب حقيقي؛ لأن نجاتهم حصلت قبل غرق الباقين، ولكن بينهما تراخ. ﴿وَإِنَّ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة عطف قصة ثانية على القصة الأولى، أو استئنافية ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب. ﴿مِنْ شِيعَتِهِ﴾ خبر مقدم لـ ﴿إِنَّ﴾. ﴿لَإِبْراهِيمَ﴾ اسمها مؤخر، واللام حرف ابتداء. والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ﴾ أو مستأنفة.

стр. 10972

﴿إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٨٧)﴾. ﴿إِذْ﴾: ظرف ما مضى من الزمان، متعلق بمحذوف، تقديره: اذكر يا محمد ﷺ لقومك قصة حين جاء إبراهيم. ﴿جاءَ﴾ فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على إبراهيم، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿رَبَّهُ﴾ مفعول به. ﴿بِقَلْبٍ﴾ متعلق بـ ﴿جَاءَ﴾، ﴿سَلِيمٍ﴾ صفة قلب، ﴿إِذْ﴾ بدل من ﴿إِذْ﴾ الأولى، وجملة ﴿قالَ﴾ في محل الجر مضاف إليه، ﴿لِأَبِيهِ﴾ متعلق بـ ﴿قالَ﴾، ﴿وَقَوْمِهِ﴾ معطوف على أبيه. ﴿ماذا﴾ اسم استفهام مركب في محل النصب، مفعول مقدم لـ ﴿تَعْبُدُونَ﴾ أو ﴿ما﴾ مبتدأ، ﴿ذا﴾ اسم موصول خبره، وجملة ﴿تَعْبُدُونَ﴾ صلة لذا الموصولة، والعائد محذوف؛ أي: ما الذي تعبدونه، والجملة الفعلية أو الاسمية في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿أَإِفْكًا﴾ الهمزة: للاستفهام الإنكاري التوبيخي. ﴿إِفْكًا﴾ مفعول من أجله، منصوب بـ ﴿تُرِيدُونَ﴾. ﴿آلِهَةً﴾ مفعول به لـ ﴿تُرِيدُونَ﴾. ﴿دُونَ اللَّهِ﴾ ظرف متعلق بـ ﴿تُرِيدُونَ﴾. و ﴿تُرِيدُونَ﴾: فعل، وفاعل. والجملة الفعلية مستأنفة، وقدمت معمولات الفعل عليه اهتماما بها. وقيل: ﴿إِفْكًا﴾: مفعول به لـ ﴿تُرِيدُونَ﴾، ﴿آلِهَةً﴾: بدل منه، جعلها نفس الإفك مبالغة، فأبدلها منه وفسره بها. وقيل: ﴿إِفْكًا﴾: حال من فاعل ﴿تُرِيدُونَ﴾؛ أي: أتريدون آلهة من دون الله آفكين أو ذوي إفك. ﴿فَما﴾ الفاء عاطفة، ﴿ما﴾: اسم استفهام للإنكار والتوبيخ في محل الرفع مبتدأ. أي: ليس لكم سبب ولا عذر يحملكم على الظن. ﴿ظَنُّكُمْ﴾ خبر المبتدأ، ﴿بِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ متعلق بظنكم. والجملة الاسمية معطوفة على الفعلية قبلها. ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٩١) ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾. ﴿فَنَظَرَ﴾: الفاء: استئنافية. ﴿نظر﴾ فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على إبراهيم. والجملة مستأنفة. ﴿نَظْرَةً﴾ مفعول مطلق. ﴿فِي النُّجُومِ﴾ متعلق بنظر. ﴿فَقالَ﴾ الفاء: عاطفة. ﴿قال﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر، معطوف على نظر.

стр. 10973

﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ ناصب واسمه وخبره. والجملة في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿فَتَوَلَّوْا﴾: الفاء: عاطفة، ﴿تولوا﴾: فعل، وفاعل، معطوف على قال. ﴿عَنْهُ﴾ متعلق بـ ﴿تولوا﴾، ﴿مُدْبِرِينَ﴾ حال من الواو في ﴿تولوا﴾، ﴿فَراغَ﴾ الفاء: عاطفة. ﴿راغ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على إبراهيم، معطوف على تولوا، ﴿إِلى آلِهَتِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿راغ﴾، ﴿فَقالَ﴾ الفاء: عاطفة. ﴿قال﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر، معطوف على راغ. ﴿أَلا﴾ الهمزة: للاستفهام السخري ﴿لا﴾: نافية، وجملة ﴿تَأْكُلُونَ﴾ في محل النصب مقول ﴿قال﴾، ﴿ما﴾: اسم استفهام مبتدأ، ﴿لَكُمْ﴾: خبره. والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿قال﴾: المحذوف، والتقدير، فقال: ألا تأكلون فلم ينطقوا فقال: ما لكم لا تنطقون. وجملة ﴿لا تَنْطِقُونَ﴾ في محل النصب حال من كاف المخاطبين. ﴿فَراغَ﴾ الفاء: عاطفة على محذوف تقديره: فلم يجيبوا، ﴿راغ﴾: فعل ماض، وفاعل، معطوف على ذلك المحذوف. ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿راغ﴾ ﴿ضَرْبًا﴾ مصدر واقع موقع الحال؛ أي: فراغ عليهم ضاربا أو مصدر لفعل مقدر؛ أي: يضرب ضربًا. والجملة في محل النصب على الحال. و ﴿بِالْيَمِينِ﴾ متعلق بضربًا أو بعامله المحذوف. ﴿فَأَقْبَلُوا﴾ الفاء: عاطفة. ﴿أقبلوا﴾: فعل، وفاعل، معطوف على راغ، ﴿إِلَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿أقبلوا﴾، ويجوز تعلقه بما بعده، وجملة ﴿يَزِفُّونَ﴾: حال من فاعل ﴿أقبلوا﴾. ﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر. والجملة مستأنفة. ﴿أَتَعْبُدُونَ﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري، ﴿تَعْبُدُونَ﴾: فعل، وفاعل، والجملة في محل النصب، مقول قال. ﴿ما﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول به، وجملة ﴿تَنْحِتُونَ﴾ صلته، والعائد محذوف تقديره: ما تنحتونه. ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿الواو﴾: حالية، ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿خَلَقَكُمْ﴾ خبره. والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿تَعْبُدُونَ﴾. ﴿وَما تَعْمَلُونَ﴾: ما: اسم موصول، معطوف على كاف ﴿خَلَقَكُمْ﴾، أو ﴿ما﴾: مصدرية، وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾ صلة لـ ما الموصولة؛ أي: وما تعملونه أو لـ ﴿ما﴾ المصدرية؛ أي: وعملكم. ﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨) وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾.

стр. 10974

﴿قالُوا﴾: فعل، وفاعل. والجملة مستأنفة. ﴿ابْنُوا﴾: فعل أمر، والواو فاعل، مقول لـ ﴿قالُوا﴾، ﴿لَهُ﴾ متعلق بـ ﴿ابْنُوا﴾، ﴿بُنْيانًا﴾: مفعول به. ﴿فَأَلْقُوهُ﴾: الفاء: عاطفة. ﴿ألقوه﴾: فعل أمر، والواو فاعل، والهاء مفعول به. والجملة في محل النصب، معطوفة على جملة ﴿ابْنُوا﴾. ﴿فِي الْجَحِيمِ﴾: متعلق بـ ﴿ألقوه﴾، ﴿فَأَرادُوا﴾ الفاء: عاطفة. ﴿أرادوا﴾: فعل، وفاعل، معطوف على قالوا. ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿أرادوا﴾، ﴿كَيْدًا﴾ مفعول به. ﴿فَجَعَلْناهُمُ﴾: فعل، وفاعل، ومفعول أول. ﴿الْأَسْفَلِينَ﴾: مفعول ثان. والجملة معطوفة على جملة ﴿أرادوا﴾. ﴿وَقالَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿قالَ﴾ فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على إبراهيم، والجملة معطوفة على محذوف، تقديره: فخرج من النار سالمًا، وقال: إني ذاهب. ﴿إِنِّي ذاهِبٌ﴾: ناصب واسمه وخبره. والجملة في محل النصب مقول قال، ﴿إِلى رَبِّي﴾ متعلق بـ ﴿ذاهِبٌ﴾، ﴿سَيَهْدِينِ﴾: السين حرف استقبال، ﴿يهدين﴾: فعل مضارع مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم، وعلامة رفعه ضمة مقدرة منع من ظهورها الثقل؛ لأنه فعل معتل بالياء، وفاعله ضمير يعود على الله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة للفاصلة، أو اجتزاء عنها بكسر نون الوقاية في محل النصب مفعول به، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿قالَ﴾. ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف، حذف منه حرف النداء، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿هَبْ﴾ فعل دعاء مبني على السكون، وفاعله ضمير مستتر يعود على الله، ﴿لِي﴾ متعلق بـ ﴿هَبْ﴾، ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: صفة لمفعول محذوف؛ أي: ولدًا من الصالحين، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ على كونها جواب النداء. ﴿فَبَشَّرْناهُ﴾ الفاء: عاطفة على محذوف تقديره: فاستجبنا له فبشرناه. ﴿بشَّرناه﴾ فعل، وفاعل ومفعول به، ﴿بِغُلامٍ﴾ متعلق بـ ﴿بشرناه﴾، ﴿حَلِيمٍ﴾ صفة لـ ﴿غلام﴾. والجملة الفعلية معطوفة على تلك المحذوفة. التصريف ومفردات اللغة ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ من باب تفاعل، يدل على المشاركة من الجانبين، كما هو صريح لفظ السياق. ﴿قَرِينٌ﴾؛ أي: خليل، وصاحب، وجليس. ﴿لَمَدِينُونَ﴾؛

стр. 10975

أي: لمجزيون، جمع مدين، كمبيع من الدين، بكسر الدال بمعنى الجزاء، يقال: دانه يدينه بمعنى: جزاه، نظير باعه يبيعه. ﴿مُطَّلِعُونَ﴾؛ أي: مشرفون فناظرون إلى أهل النار، من اطلع بمعنى استشرف من باب افتعل. ﴿سَواءِ الْجَحِيمِ﴾؛ أي: في وسط جهنم. وسمي وسط الشيء، سواء لاستواء المسافة منه، إلى جميع الجوانب، كما مر. ﴿كِدْتَ﴾؛ أي: قاربت. ﴿لَتُرْدِينِ﴾ لتهلكني بالإغواء. والردى: الهلاك، والإرداء: الإهلاك. أصله: لترديني بياء المتكلم، فحذفت اكتفاء بكسر نون الوقاية ولرعاية الفاصفة. ﴿مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ من الإحضار، وهو لا يستعمل إلا في الشر، كما في كشف الأسرار؛ أي: لمن المساقين إلى العذاب. ﴿نَزَلَ﴾ النزل بضمتين أو بضم النون وسكون الزاي: المنزل، وما يهيأ للضيف من الطعام، والجمع أنزال والنزل أيضًا بضمتين: الطعام ذو البركة، والقوم النازلون، وريع ما يزرع ونماؤه، والعطاء، والفضل، والزيادة. ومنه قولهم: العسل ليس من أنزال الأرض؛ أي: من ريعها، وما يحصل منها. ﴿الزَّقُّومِ﴾ وفي «المفردات»: شجرة الزقوم، عبارة عن أطعمة كريهة في النار، ومنه: استعير زقم فلان، وتزقّم إذا ابتلع شيئًا كريها. قال في «القاموس»: الزقَّم: اللقم، والتزقم: التلقم، وأزقمه فازدقمه أبلعه فابتلعه، والزقوم كتنور: الزبد بالتمر، وشجرة بجهنم، ونبات بالبادية له زهر ياسميني الشكل، وطعام أهل النار، وفي «الخازن»: والزقوم: ثمر شجرة خبيثة مرة كريهة الطعم، يكره أهل النار على تناولها، فهم يتزقمونه على أشد كراهية. وقيل: هي شجرة تكون بأرض تهامة من أخبث الشجر. ﴿طَلْعُها﴾؛ أي: حملها وثمرها، والطلع في الحقيقة اسم لثمر النخيل في أول بروزه، فإطلاقه على ثمر هذه الشجرة مجاز بالاستعارة، كما سيأتي في مبحث البلاغة. والطلع من النخل شيء يخرج منه، كأنه نعلان مطبقان، والحمل بينهما منضود، وما يبدو من ثمرته في أول ظهورها. ﴿فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ جمع مالىء اسم فاعل من ملأ المهموز. والملء: حشو الإناء لا يحتمل الزيادة عليه، يقال: ملأ الإناء ماء يملؤه فهو مالىء ومملوء، والبطون جمع بطن، وهو خلاف الظهر في كل شيء.

стр. 10976

﴿لَشَوْبًا﴾ والشوب: الخلط، وهو بفتح الشين مصدر على أصله، وقيل: يراد به: اسم المفعول، ويدل على قراءة بعضهم ﴿لشوبا﴾ بالضم. قال الزجاج: المفتوح مصدر، والمضموم اسم بمعنى: المشوب كالنقض بمعنى: المنقوض، والفعل منه شابه يشوبه، من باب قال إذا خلطه فهو الخلط. ﴿مِنْ حَمِيمٍ﴾ والحميم: الماء الحار الذي قد انتهى حره، وهو المقصود، هنا، ويطلق على الماء البارد، فهو من الأضداد. ﴿أَلْفَوْا آباءَهُمْ﴾؛ أي: وجدوا من الإلفاء، وهو الوجدان. ﴿عَلى آثارِهِمْ﴾؛ أي: آثار الآباء، جمع أثر. ﴿يُهْرَعُونَ﴾؛ أي: يسرعون إسراعًا شديدًا. والإهراع: الإسراع الشديد، كأنهم يزعجون ويحثون حثًا على الإسراع على آثارهم. وفي «المصباح»: هرع وأهرع بالبناء للمفعول فيهما؛ إذا أُعجل، اهـ. ﴿مِنَ الْكَرْبِ﴾ والكرب: الغم الشديد، والكربة كالغمة. وأصل ذلك من كرب الأرض، وهو قلبها بالحفر، فالغم يثير النفس إثارة ذلك، ويصح أن يكون الكرب من كربت الشمس إذا دنت للمغيب. ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ﴾ في «المختار»: الشيعة: أتباع الرجل وأنصاره. وفي «المصباح»: الشيعة: الأتباع والأنصار، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة، ثم صارت الشيعة اسمًا لجماعة مخصوصة، والجمع: شيع مثل: سدرة وسدر، والأشياع جمع الجمع، انتهى. مأخوذ من الشياع، وهو الحطب الصغار الذي يوقد به الكبار حتى تستوقد، اهـ «قرطبي». وفي «الأساس»: شيعته يوم رحيله، وشايعتك على كذا تابعتك عليه، وتشايعوا على الأمر، وهو شيعته وشيعه وأشياعه، وهذا الغلام شيع أخيه، إذا ولد بعده، وآتيك غدًا أو شيعه. قال الشاعر: قَالَ الخَليطُ غَدًا تَصُدُّ عَنَّا ... أَو شِيَعَه أَفَلا تُشَيِّعَنَا وأقمت عنده شهرًا أو شيع شهر، وكان معه مئة رجل، أو شيع ذلك، ونزلوا موضع كذا، أو شيعه، وشاع الحديث والسر، وأشاعه صاحبه، ورجل مشياع مذياع، وشاع في رأسه الشيب، وشاعكم الله تعالى بالسلام، وشاعكم

стр. 10977

السلام. قال الشاعر: أَلا يَا نَخلَةً فِي ذَاتِ عِرقِ ... بُرودُ الظِّلِّ شَاعَكُم السَّلامُ لمحة عن الشيعة: وقول صاحب «المصباح»: اسم لجماعة مخصوصة، أراد الشيعة، أقدم الفرق الإسلامية، وقد ظهروا بمذهبهم السياسي في آخر عصر عثمان ﵁، ونما وترعرع في عهد علي ﵁، وقوام هذا المذهب: أن الإمامة ليست من المصالح العامة، التي تفوّض إلى نظر الأمة، ويتعين القائم بها بتعيينهم، بل هي ركن الدين، وقاعدة الإسلام، ولا يجوز لنبي إغفالها وتفويضها إلى الأمة، بل يجب عليه تعيين الإمام لهم، ويجب أن يكون معصومًا عن الكبائر والصغائر، وأن علي بن أبي طالب ﵁، كان هو الخليفة المختار من النبي ﷺ ، وأنه أفضل الصحابة، ولها فرق كثيرة يرجع إليها في «كتاب الملل والنحل» للشهرستاني وكتاب «الفصل في الملل والنحل» لابن حزم. ﴿أَإِفْكًا﴾ الإفك: أسوأ الكذب. ﴿فِي النُّجُومِ﴾ جمع نجم، وهو الكوكب الطالع. وفي «القرطبي»: فنظر إلى نجم طالع فقال: إن هذا يطلع مع سقمي. وكان علم النجوم مستعملا عندهم، منظورًا فيه، فأوهمهم هو من تلك الجهة، وأراهم معتقدهم عذرًا لنفسه، وذلك أنهم أهل رعاية وفلاحة، وهاتان المعيشتان يحتاج فيهما إلى نظر في النجوم. ﴿فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾ قال في «المفردات»: السَّقَمُ والسُّقْمُ: المرض المختص بالبدن، والمرض قد يكون في البدن وفي القلب. ﴿فَراغَ﴾ قال في «القاموس»: راغ الرجل والثعلب روغًا وروغانًا، مال وحاد إلى الشيء في خفية؛ أي: فذهب خفية إلى أصنامهم. وأصل الروغ والروغان: الميل. قال شاعرهم: وَيُريكَ من طَرَفِ اللِّسَان حَلاوةً ... وَيرُوغُ عَنكَ كَمَا يَرُوغُ الثَّعلَبُ وفي «المختار»: راغ الثعلب من باب قال وروغانًا بفتحتين، والاسم منه الرواغ بالفتح. ﴿ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾؛ أي: بالقوة والشدة. ﴿يَزِفُّونَ﴾؛ أي: يسرعون، من زف النعام زفيفًا إذا أسرع. ويزفون بضم الياء، من أزف إذا دخل في الزفيف

стр. 10978

أو من أزفه إذا حمله على الزفيف؛ أي: يزف بعضهم بعضا. وفي «المفردات»: أصل الزفيف في هبوب الريح وسرعة النعامة، التي تخلط الطيران بالمشي، وزفزف النعام إذا أسرع. ﴿ما تَنْحِتُونَ﴾ والنحت: نجر الشجر والخشب ونحوهما من الأجسام. ففي «المختار»: نحته براه، وبابه ضرب وقطع أيضًا نقله الأزهري، والنحاتة: البراية. ﴿فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ من الجحمة، وهي شدة التأجج والالتهاب. ﴿فَأَرادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ والكيد: ضرب من الاحتيال كما في «المفردات». ﴿بِغُلامٍ﴾ والغلام: الطارّ الشارب، والكهل ضده، أو من حين يولد إلى أن يشيب كما في «القاموس». وقال بعض أهل اللغة: الغلام من جاوز العشر، وأما من دونها فصبي. ﴿حَلِيمٍ﴾ والحليم من لا يعجل في الأمور، كما سبق. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: التعبير بصيغة الماضي في قوله: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ للتأكيد والدلالة على تحقق الوقوع حتمًا. ومنها: جناس الاشتقاق بين ﴿فاطلع، ومطلعون﴾. ومنها: التعبير بالماضي في قوله: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ﴾ لإفادة التحقق والوقوع. ومنها: الجمع بين المؤكدات في قوله: ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠)﴾ أكده بإن وبضمير الفصل وباللام وباسمية الجملة إفادةً، لفخامة تلك النعمة وعظمها. إذ الدنيا وما فيها تحتقر دونها، كما تحتقر القطرة من البحر المحيط، والحبة من البيدر الكبير. ومنها: القصر في قوله: ﴿لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ (٦١)﴾؛ أي: لا لغيره من الحظوظ الدنيوية السريعة الانقطاع.

стр. 10979

ومنها: الأسلوب التهكمي في قوله: ﴿أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢)﴾؛ لأن في التعبير بـ ﴿خَيْرٌ﴾ تهكمًا بهم. ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿طَلْعُها﴾؛ لأن الطلع حقيقة في أول ما يخرج من ثمر النخل، فاستعير لما يخرج من شجرة الزقوم، بجامع الطلوع والبروز في كل. ومنها: التشبيه المرسل المجمل في قوله: ﴿كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ﴾. فتشبيه طلعها برؤوس الشياطين في الشناعة والقبح، تشبيه بالمخيل، كتشبيه الفائق في الحسن بالملك، في نحو قوله: ﴿إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ فيما حكى الله سبحانه، عن صواحبات يوسف ﵇. فمنها: الإتيان بصيغة الجمع في قوله: ﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ للدلالة على العظمة والكبرياء. ومنها: الجناس الناقص في قوله: ﴿مُنْذِرِينَ﴾ و ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾؛ لأن المراد بالأول: الرسل، وبالثاني: الأمم. ومنها: الكناية في قوله: ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨)﴾ كني به عن الثناء الحسن الجميل. ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ﴾؛ لأنه حذف منه المفعول به؛ أي: ثناء حسنًا. ومنها: مراعاة الفواصل في قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ (٨٣) إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤)﴾ إلخ؛ لأنه من المحسنات البديعية، وهو من خصائص القرآن. ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿إِذْ جاءَ رَبَّهُ﴾ شبه إقباله على ربه مخلصًا بقلبه، بمن قدم على الملك بتحفة ثمينة جميلة، ففاز بالرضى والقبول.

стр. 10980

منها: تقديم المعمولات على العامل في قوله: ﴿أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ لإظهار العناية والاهتمام بها. ومنها: جناس الاشتقاق بين ﴿ابْنُوا﴾ ﴿بُنْيانًا﴾، وبين ﴿فَنَظَرَ﴾ ﴿نَظْرَةً﴾. ومنها: فن الرمز والإيماء في قوله: ﴿فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾. وهو أن يريد المتكلم إخفاء أمر ما في كلامه، فيرمز في ضمنه رمزا إما تعمية للمخاطب، وتبرئة لنفسه، وتنصلا من التبعة، وإما ليهتدى بواسطته إلى طريق استخراج ما أخفاه في كلامه، وقد كان قوم إبراهيم نجّامين، فأوهمهم أنه استدل بأمارة في علم التنجيم على أنه يسقم، فقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾؛ أي: مشارف للسقم، وهو الطاعون، وكان أغلب الأسقام عليهم، وكانوا يخافون العدوى، فقال ذلك ليوجسوا خوفا، ويتفرقوا عنه، فهربوا منه إلى عيدهم، وتركوه في بيت الأصنام، ليس معه أحد ففعل بالأصنام ما فعل، وقد يوهم ظاهر الكلام، أنه ارتكب بذلك جريرة الكذب، والأنبياء معصومون عنه، والصحيح: أن الكذب حرام، إلا إذا عرّض عنه، وورّى. ولقد نوى إبراهيم أن من في عنقه الموت سقيم. ومنها: الإيجاز في قوله: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾. فقد انطوت هذه البشارة الموجزة على ثلاث: أن الولد ذكر، وأنه يبلغ أوان الحلم، وأنه يكون حليما. وأي حلم أدل على ذلك من حلمه، حين عرض عليه أبوه الذبح، فلم يضطرب، ولم يتخاذل، ولم يعترض على مشيئة أبيه، بل قال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾، ثم استسلم لذلك، ولم يكن ليدور له في خلد، أن الله سيفديه، وسيهييء له كبش الفداء. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 10981

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ (١٠٩) كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَهارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْناهُمْ فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (١١٦) وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨) وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢) وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢) وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلاَّ عَجُوزًا فِي الْغابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٣٨) وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (١٤٨)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ...﴾ مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما قال (١): ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾ .. أتبعه بما يدل على حصول ما بشر به،

стр. 10982

وبلوغه سن المراهقة بقوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾. إذ هو لا يقدر على الكد والعمل إلا بعد بلوغ هذه السن، ثم أتبعه بقص الرؤيا عليه، وإطاعته في تنفيذ ما أمر به، وصبره عليه، ولما حان موعد التنفيذ، كبّه على وجهه للذبح، فأوحى إليه ربه أنه فداه بذبح عظيم، ثم بشره بإسحاق نبيًا من الصالحين، وبارك عليه وعلى إسحاق، وأنه سيكون من ذريتهما من هو محسن فاعل للخيرات، ومنهم من هو ظالم لنفسه مجترح للسيئات. التفسير وأوجه القراءة ١٠٢ - والظرف في قوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ﴾ الغلام ﴿مَعَهُ﴾؛ أي: مع إبراهيم، متعلق بقوله: ﴿السَّعْيَ﴾. وجاز (١) التعلق به؛ لأنه ظرف فيكفيه رائحة من الفعل، لا ببلغ لاقتضائه بلوغهما معا حد السعي، ولم يكن معًا كذا في «بحر العلوم». والفاء فيه فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أنّا بشرناه بغلام حليم، وأردت بيان عاقبته فأقول لك: لما بلغ الغلام أوان أن يسعى مع إبراهيم في أشغاله وحوائجه ومصالحه، وكان له يومئذ ثلاث عشرة سنة. ﴿قالَ﴾ إبراهيم للغلام، وهذا جواب الشرط ﴿يا بُنَيَّ﴾ تصغير شفقة ﴿إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ قربانًا لله تعالى؛ أي: أرى هذه الصورة بعينها، أو ما هذه عبارته وتأويله؛ أي: قال إبراهيم لابنه لما بلغ معه ذلك المبلغ: إني رأيت في المنام هذه الرؤيا. قال مقاتل: رأى إبراهيم ذلك ثلاث ليال متتابعات. قال قتادة: رؤيا الأنبياء حق إذا رأوا شيئًا فعلوه. وقيل: إنه (٢) رآى ليلة التروية، كأن قائلا يقول له: إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا، فلما أصبح، روّى في ذلك من الصباح إلى الرواح، أمن الله تعالى هذا الحلم، أم من الشيطان، فمن ثمة سمّي يوم التروية، فلما أمسى رأى مثل ذلك، فعرف أنه من الله تعالى، فمن ثمة سمي يوم عرفة، ثم رأى في الليلة الثالثة مثل ذلك، فهم بنحره، فسمي اليوم يوم النحر. ﴿فَانْظُرْ﴾ يا بني ﴿ماذا﴾ منصوب بقوله: ﴿تَرى﴾ من الرأي فيما ألقيت

стр. 10983

إليك. سأله عما يبديه قلبه ورأيه أي شيء هو؟ هل هو الإمضاء أو التوقف؟. فقوله: ﴿تَرى﴾ من الرأي الذي يخطر بالبال، لا من رؤية العين. قال العلماء بالسير وأخبار الماضين (١): لما دعا إبراهيم ربه فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠)﴾، وبشر به قال: هو إذا لله ذبيح. فلما ولد وبلغ معه السعي قيل له: أوف بنذرك. هذا هو السبب في أمر الله تعالى إياه بالذبح، فقال للغلام: انطلق نقرب لله قربانًا، فأخذ سكينًا وحبلًا، وانطلق معه حتى ذهب به بين الجبال، فقال الغلام: يا أبت أين قربانك؟ فقال: يا بني، إني أرى في المنام أني أذبحك، فانظر ماذا ترى؟ قال: يا أبت افعل ما تؤمر ... إلخ. فإن قلت: لم شاوره في أمر قد علم أنه حتم من الله تعالى، وما الحكمة في ذلك؟. قلت: لم يشاوره ليرجع إلى رأيه، وإنما شاوره ليعلم ما عنده، فيما نزل به من بلاء الله تعالى، وليعلم صبره على أمر الله، وعزيمته على طاعته، ويثبت قدمه، ويصبّره إن جزع، ويراجع نفسه، ويوطنها، ويلقي البلاء، وهو كالمستأنس، ويكتسب المثوبة بالانقياد لأمر الله تعالى، قبل نزوله، وتكون سنة في المشاورة، فقد قيل: لو شاور آدم الملائكة في أكله من الشجرة لما فرّط منه ذلك. فإن قلت: لم كان ذلك في المنام دون اليقظة، وما الحكمة في ذلك؟. قلت: إن هذا الأمر كان في نهاية المشقة على الذابح والمذبوح، فورد في المنام كالتوطئة له، ثم تأكد حال النوم بأحوال اليقظة، فإذا تظاهرت الحالتان، كان ذلك أقوى في الدلالة. ورؤيا الأنبياء وحي وحق. وفي أسئلة الحكم: لم أمر الله تعالى إبراهيم بذبح ولده في المنام، ورؤيا الأنبياء حق، وقتل الإنسان بغير حق من أعظم الكبائر؟. قيل: أمره في المنام دون اليقظة؛ لأنه ليس شيء أبغض إلى الله من قتل المؤمن، وقيل: ليعلم أن رؤيا الأنبياء، ويقظتهم سواء في وجوب العمل به.

стр. 10984

وقرأ الجمهور: ﴿تَرَى﴾ بفتح التاء والراء. وقرأ عبد الله، والأسود بن يزيد، وابن وثّاب، وطلحة، والأعمش، ومجاهد، وحمزة، والكسائي بضم التاء وكسر الراء. وقرأ الضحاك، والأعمش أيضًا بضم التاء وفتح الراء، فالأول: من الرأي، والثاني: ماذا ترينه وما تبديه لأنظر فيه، والثالث: ما الذي يخيّل إليك ويوقع في قلبك. والمعنى (١): أي لما كبر وترعرع، وصار يذهب مع أبيه، ويسعى في أشغاله وقضاء حوائجه قال له: يا بني إني رأيت في المنام أني أذبحك، فما رأيك؟، وقد قص عليه ذلك، ليعلم ما عنده فيما نزل به، من بلاء الله، فيثبّت قدمه إن جزع، وليوطّن نفسه على الذبح، ويكتسب المثوبة بالانقياد لأمر الله تعالى. ثم بيّن أنه كان سميعًا مطيعًا منقادًا لما طلب منه بقوله: ﴿قالَ﴾ الغلام ﴿يا أَبَتِ﴾؛ أي: يا أبي ويا والدي. ولما كان خطاب الأب يا بنيّ، على سبيل الترحم والشفقة، قال هو: يا أبت على سبيل التعظيم والتوقير ﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ به من الذبح. فحذف الجار أولًا على القاعدة المطردة، ثم حذف العائد إلى الموصول بعد انقلابه منصوبًا بإيصاله إلى الفعل أو حذفا دفعةً. أو المعنى: افعل أمرك على إرادة المأمور به. والإضافة إلى المأمور. وصيغة (٢) المضارع حيث لم يقل: ما أمرت للدلالة على أن الأمر متعلق به، متوجه إليه، مستمر إلى حين الامتثال به. وفي «البيضاوي»: وإنما ذكر بلفظ المضارع. لتكرار الرؤيا، انتهى. ولعله فهم من كلامه، أنه رأى ذبحه مأمورًا به، ولذا قال: ﴿ما تُؤْمَرُ﴾؛ أي: قال الغلام لأبيه: افعل ما أمرت به. قال ابن إسحاق وغيره: لما أمر إبراهيم بذلك قال لابنه: يا بني خذ الحبل والمدية، وانطلق إلى هذا الشعب نحتطب، فلما خلا إبراهيم بابنه في الشعب، أخبره بما أمره الله به، فقال: افعل ما تؤمر. والمعنى (٣): أي قال الغلام: يا أبت سميعًا دعوت، ومن مجيب طلبت،

стр. 10985

وإلى راض ببلاء الله وقضائه توجهت، فما عليك إلا أن تفعل ما تؤمر به، وما عليّ إلا الانقياد، وامتثال الأمر. وعلى الله المثوبة، وهو حسبي، ونعم الوكيل، ولما خاطبه بقوله: يا بني، على سبيل الترحم، أجابه بقوله: يا أبت، على سبيل التوقير والتعظيم، وفوّض الأمر إليه حيث استشاره، وأن الواجب عليه إمضاء ما رآه. ثم أكد امتثاله للأمر بقوله: ﴿سَتَجِدُنِي﴾ يا أبي ﴿إِنْ شاءَ اللَّهُ﴾ صبري ﴿مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ على قضاء الله تعالى وبلائه، أو من الصابرين على الذبح. فاستعان بالله في الصبر على بلائه، حيث قال: إن شاء الله. ومن أسند المشيئة إلى الله تعالى، والتجأ إليه لم يعطب. قال الذبيح (١): ﴿مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ أدخل نفسه في عداد الصابرين، فرق عليه وموسى ﵇ تفرد بنفسه، حيث قال للخضر: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا﴾، فخرج، والتفويض أسلم من التفرد، وأوفق لتحصيل المرام، ولما كان إسماعيل في مقام التسليم، والتفويض إلى الله تعالى، وقف وصبر، ولما كان في صورة المتعلم، ومن شأن المتعلم، أن يتعرض لأستاذه فيما لم يفهمه، خرج ولم يصبر، وقال بعضهم: ظاهر موسى تعرض، وباطنه تسليم أيضًا؛ لأنه إنما اعترض على الخضر بغيرة الشرع. والمعنى: أي سأصبر على القضاء، واحتمل هذه اللأواء غير ضجر ولا برم بما قضي وقدّر، وقد صدق فيما وعد، وبر في الطاعة لتنفيذ ما طلب منه، ومن ثم قال سبحانه في شأنه، مادحًا له: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ﴾. ١٠٣ - ثم ذكر طريق تنفيذ الرؤيا، فقال: ﴿فَلَمَّا أَسْلَما﴾؛ أي: استسلما لأمر الله، وأطاعاه، وإنقادا له؛ أي: استسلم إبراهيم وابنه لأمر الله، وانقادا، وخضعا له. وعن قتادة: معنى ﴿أَسْلَما﴾؛ أي: أسلم إبراهيم ابنه وإسماعيل نفسه. وقرأ الجمهور: ﴿أَسْلَما﴾. وقرأ عبد الله، وعلي، وابن عباس، ومجاهد،

стр. 10986

والضحاك، وجعفر بن محمد، والأعمش، والثوري ﴿سلّما﴾؛ أي: فوّضا أمرهما إليه تعالى في قضائه وقدره، وروى عن ابن عباس: أنه قرأ ﴿استسلما﴾ ثلاث قراءات يقال: سلم لأمر الله، وأسلم، واستسلم بمعنى واحد. ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾؛ أي: أسقط إبراهيم الغلام، وأوقعه على جبينه على الأرض. والجبين: أحد جانبي الجبهة، فللوجه جبينان، والجبهة بينهما. قال في «القاموس»: تلّه: صرعه، وألقاه على عنقه وحده، والجبين: أحد جانبي الجبهة، فللوجه فوق الصدغ جبينان، عن يمين الجبهة وشمالها. قال الراغب: أصل التل: المكان المرتفع، والتليل: العنق، وتلّه للجبين: أسقطه على التل أو على تليله؛ أي: عنقه. وقال غيره: صرعه على شقه، فوقع جبينه على الأرض لمباشرة الأمر بصبر وجلد ليرضيا الرحمن، ويحزنا الشيطان. وكان ذلك عند الصخرة التي بأصل جبل ثبير أو في الموضع المشرف على مسجد منى، أو في المنحر الذي ينحر فيه اليوم عند الجمار، أو في مكة عند المقام، وقيل: بالشام، وروي: أن إبليس عرض لإبراهيم عند جمرة العقبة، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الأولى، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم مضى إبراهيم لأمر الله تعالى، وعزم على الذبح، ومنه شرع رمي الجمرات في الحج، فهو من واجبات الحج، يجب بتركه الفدية باتفاق الأئمة. قال في «التأويلات النجمية»: ومن دقة النظر في رعاية آداب العبودية في حفظ حق الربوبية في القصة: أن إسماعيل، أمر أباه أن يشد يديه ورجليه، لئلا يضطرب إذا مسه ألم الذبح فيعاتب، ثم لما هم بذبحه قال: افتح القيد عني، فإني أخشى أن أعاتب، فيقال لي: أمشدود اليد حبيبي يطيعني. ولقد قيل في المعنى: وَلَو بِيَدِ الحَبيبِ سُقيتُ سُمَّا ... لَكَانَ السُّمُّ مِن يَدهَ يَطِيْبُ ١٠٤ - ﴿وَنادَيْناهُ﴾؛ أي: ونودي إبراهيم من جانب الجبل ﴿أَنْ﴾ مفسرة لمفعول ﴿وَنادَيْناهُ﴾ المقدر؛ أي: ناديناه بلفظ هو قولنا ﴿أَنْ يا إِبْراهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾

стр. 10987

بالعزم على الإتيان بالمأمور به، وترتيب مقدماته. وفي «شرح الفصوص» للمولى الجامي: معناه؛ أي: حققت الصورة المرئية، وجعلتها صادقة مطابقة للصورة الحسية الخارجية بالإقدام على الذبح، والتعرض لمقدماته. وقد قيل: إنه أمر السكين، بقوته على حلقه مرارًا، فلم يقطع، ثم وضع السكين على قفاه، فانقلب السكين، فعند ذلك وقع النداء. والمعنى: أي ناداه من خلفه ملك من قبله تعالى: أن قد حصل المقصود من رؤياك بإضجاعك ولدك للذبح، فقد بان امتثالك للأمر، وصبرك على القضاء. وقال القرطبي: قال أهل السنة: إن نفس النسخ لم يقع، ولو وقع لم يتصور رفعه. فكان هذا من باب النسخ قبل الفعل؛ لأنه لو حصل الفراغ من امتثال الأمر بالذبح ما تحقق الفداء. ١٠٥ - قال: ومعنى ﴿صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾: فعلت ما أمكنك ثم امتنعت لما منعناك. هذا أصح ما قيل في هذا الباب. وقد اختلف في جواب ﴿لما﴾ ماذا هو؟ فقيل: هو محذوف (١) إيذانًا بعدم وفاء التعبير بتفاصيله، كأنه قيل: كان ما كان مما لا يحيط به نطاق البيان، من استبشارهما وشكرهما لله تعالى، على ما أنعم به عليهما من رفع البلاء، بعد حلوله، والتوفيق لما لم يوفّق أحد لمثله، وإظهار فضلهما بذلك على العالمين، مع إحراز الثواب العظيم، إلى غير ذلك، هكذا قال البصريون، وقال الكوفيون: الجواب: هو ناديناه، والواو زائدة مقحمة، واعترض عليهم النحاس: بأن الواو من حروف المعاني، ولا يجوز أن تزاد، وقال الأخفش: الجواب: وتلّه للجبين، والواو زائدة، وروي هذا أيضًا عن الكوفيين، واعتراض النحاس يرد عليه كما ورد على الأول. وقرأ زيد بن علي ﴿وناديناه﴾ قد صدقت بحذف ﴿أن﴾. وقرىء ﴿صدَقت﴾ بتخفيف الدال. وقرأ فيّاض ﴿الريا﴾ بكسر الراء والإدغام. وقوله: ﴿إِنَّا﴾ نحن ﴿كَذلِكَ﴾؛ أي: كما جزينا إبراهيم وابنه بتفريج الكرب

стр. 10988

﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: نجزي كل محسن، بامتثال الأمر، تعليل لتفريج تلك الكربة عنهما بإحسانهما، قال مقاتل: جزاه الله سبحانه، بإحسانه في طاعته، العفو عن ذبح ابنه. والمعنى (١): أي إنا كما عفونا عن ذبحه لولده، بعد استبانة إخلاصه في عمله حين أعد العدة، ولم تتغلب عليه عاطفة البنوة، فرضي بتنفيذ القضاء منقادا صاغرا، نجزي كل محسن على طاعته، ونوفيه من الجزاء ما هو له أهل، وبمثله جدير. ١٠٦ - ثم ذكر عظيم صبره على امتثال أمر ربه، مع ما فيه من كبير المشقة في مجرى العادة، فقال: ﴿إِنَّ هذا﴾ الذبح المأمور به ﴿لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ﴾؛ أي: لهو الابتلاء البيّن الظاهر، والذي يتميز فيه المخلص من غيره، أو إن هذا لهو المحنة البينة الصعوبة، التي لا محنة أصعب منها، والمعنى؛ أي: إن هذا الذي كان، لهو محنة أيما محنة، واختبار لعباده لا يعدله اختبار، ولله سبحانه أن يبتلي من شاء من عباده بما شاء من التكاليف، قد تخفى علينا أسرارها وحكمها، وهو العليم بها، وبما لأجله شرعها. وقيل المعنى: إن هذا الفداء الآتي لهو النعمة الظاهرة، حيث سلم الله ولده من الذبح، وفداه بالكبش، يقال: أبلاه الله إبلاء وبلاء إذا أنعم عليه، والأول أولى، وإن كان الابتلاء يستعمل في الاختبار بالخير والشر، ولكن المناسب للمقام المعنى الأول، فقال أبو زيد: هذا في البلاء الذي نزل به، في أن يذبح ولده، قال: وهذا من البلاء المكروه. ١٠٧ - ﴿وَفَدَيْناهُ﴾؛ أي: وفدينا إسماعيل ﴿بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾؛ أي: بمذبوح عظيم الشأن، متقبل عند الله تعالى. قيل: معناه: بكبش سمين اسمه جرير، وهو الكبش الذي تقرب به هابيل إلى الله تعالى، فقبله، وكان في الجنة يرعى، حتى فدى الله تعالى به إسماعيل، وقال السدي: نودي إبراهيم فالتفت، فإذا هو بكبش أملح

стр. 10989

انحط من الجبل، فقام عند إبراهيم، فأخذه فذبحه، ثم اعتنق ابنه، وقال: يا بني اليوم وهبت لي. وروي: أنه لما ذبحه قال جبرائيل: الله أكبر الله أكبر، فقال الذبيح: لا إله إلا الله والله أكبر، فقال إبراهيم: الله أكبر ولله الحمد، فبقي ذلك سنة في الإسلام. والفادي في الحقيقة هو إبراهيم. وإنما قال: ﴿وَفَدَيْناهُ﴾؛ لأن الله هو المعطي له، والآمر به على التجوز في الفداء أو الإسناد. وقيل المعنى: وفديناه بوعل أهبط عليه من جبل ثبير، قاله الحسن البصري، فإنه قال: ما فدي إلا بتيس من الأروى أهبط عليه من ثبير، فذبحه إبراهيم فداء عن ابنه. قال الزجاج: قد قيل: إنه فدي بوعل، والوعل: التيس الجبلي. ومعنى الآية: جعلنا الذبح فداءً له، وخلصناه به من الذبح، لكن ولا علينا أن نزيد على ما جاء به الكتاب، ومكان نزوله لا يهم في بيان هذه المنة التي امتن بها عليه، والذبح بالكسر: اسم للمذبوح، وجمعه ذبوح كالطحن اسم للمطحون، وبالفتح: المصدر، ومعنى ﴿عَظِيمٍ﴾: عظيم القدر، ولم يرد عظم الجثة، وإنما عظم قدره لأنه فدي به نبي ابن نبي، وأي نبي من نسله سيد المرسلين. وقيل معنى ﴿عَظِيمٍ﴾؛ أي: عظيم الجثة سمين، وهي السنة في الأضاحي، كما قال النبي ﷺ : «عظّموا ضحاياكم فإنها على الصراط مطاياكم». ١٠٨ - ثم ذكر أنه منّ عليه بمنة أخرى، فقال: ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ﴾؛ أي: على إبراهيم؛ أي: أبقينا له ذكرًا حسنًا، وثناءً جميلًا ﴿فِي الْآخِرِينَ﴾؛ أي: في الأمم المتأخرة التي تأتي بعده إلى يوم القيامة، فصار محببًا بين الناس جميعًا من كل ملة ومذهب، فاليهود يجلّونه، والنصارى يعظمونه، والمسلمون يبجّلونه، والمشركون يحترمونه، ويقولون: إنا على ملة أبينا إبراهيم. وذلك استجابة لدعوته حين قال: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥)﴾. ١٠٩ - ثم ذكر أنه منّ عليه بمنة ثالثة، فقال: ﴿سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ (١٠٩)﴾؛ أي: وقلنا له: عليك السلام في الملائكة، والإنس والجن. أو (١) المعنى؛ أي: تركنا على

стр. 10990

إبراهيم في الباقين من الأمم هذا الكلام بعينه، كما سبق في قصة نوح. والمعنى: أثبت الله التسليم على إبراهيم، وأدامه في الآخرين، فيسلمون عليه؛ أي: يدعون له بثبوت هذه التحية. ١١٠ - ﴿كَذلِكَ﴾؛ أي: مثل ذكره الجميل فيما بين الأمم ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ بالثناء الحسن. فالكاف (١) متعلقة بما بعدها. وذلك إشارة إلى بقاء ذكره الجميل فيما بين الأمم، لا إلى ما أشير إليه فيما سبق، فلا تكرار؛ أي: مثل ذلك الجزاء الكامل نجزي المنقادين لأوامرنا، لا جزاء أدنى منه، يعني أن إبراهيم من المحسنين، وما فعلناه مما ذكر مجازاة على إحسانه. ١١١ - ﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: إن إبراهيم ﴿مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ الراسخين في الإيمان على وجه الإيقان والاطمئنان. وفي «التأويلات النجمية» أي من عبادنا المخلصين، لا من عباد الدنيا، والهوى، والسوى. وفي «فتح الرحمن»: إن قلت: لم قال هنا: كذلك نجزي المحسنين بحذف إنا، وأثبته في آخر غيرها من القصص؟ قلت: حذفه في قصة إبراهيم اختصارًا واكتفاءً بذكره له قبل في قصته بقوله: وناديناه أن يا إبراهيم الآية، مع أن ما بعد قصته كان من تكملتها، وهو قوله: ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)﴾ بخلاف سائر القصص، انتهى. ١١٢ - ثم أعقب ذلك بنعمة رابعة، وهي نعمة الولد، فقال: ﴿وَبَشَّرْناهُ﴾؛ أي: إبراهيم، والتبشير: هو الإخبار بما يظهر سرورًا في المخبر به. ﴿بِإِسْحاقَ﴾ من سارة ﵂ حال كونه ﴿نَبِيًّا﴾ أي: مقضيًا بنبوته، مقدرًا كونه ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾؛ أي: بشرنا إبراهيم بولد يولد له، ويصير نبيًا بعد أن يبلغ السن التي يتأهل فيها لذلك، وانتصاب ﴿نَبِيًّا﴾ على الحال، وهي حال مقدرة، والأولى (٢) أن يقال: إن من فسّر الذبيح بإسحاق جعل البشارة هنا خاصة بنبوته، ولا حاجة إلى وجود المبشر به وقت البشارة، فإن وجود ذي الحال ليس بشرط، وإنما الشرط المقارنة للفعل. وفي ذكر الصلاح بعد النبوة تعظيم لشأنه، وإيماء إلى أنه

стр. 10991

الغاية لها، لتضمنها معنى الكمال، والتكميل بالفعل على الإطلاق. و ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ كما يجوز أن يكون صفة لـ ﴿نَبِيًّا﴾ يجوز أن يكون حالًا من الضمير المستتر فيه، فتكون أحوالًا متداخلةً. وفي «التأويلات النجمية»: ﴿نَبِيًّا﴾؛ أي: ملهمًا من الحق تعالى، كما قال بعضهم: حدثني قلبي عن ربي: ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾؛ أي: من المستعدين لقبول الفيض الإلهي بلا واسطة، انتهى. والمعنى: أي وآتينا إبراهيم إسحاق، ومننا بنعمة النبوة له، وللكثير من حفدته كفاء امتثاله أمرنا، وصبره على بلوانا. ١١٣ - ﴿وَبارَكْنا عَلَيْهِ﴾؛ أي: على إبراهيم في أولاده ﴿وَعَلى إِسْحاقَ﴾ بأن أخرجنا من صلبه أنبياء من بني إسرائيل، وغيرهم كأيوب وشعيب، أو (١) أفضنا عليهما بركات الدنيا والآخرة، فكثَّرنا نسلهما، وجعلنا منه أنبياء ورسلًا، وطلبنا من المسلمين في صلواتهم أن يدعوا لهم بالبركة، فيقولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين. ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما﴾؛ أي: ومن ذرية إبراهيم وإسحاق ﴿مُحْسِنٌ﴾ في عمله أو لنفسه بالإيمان والطاعة ﴿وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ بالكفر والمعاصي ﴿مُبِينٌ﴾؛ أي: ظاهر ظلمه. وفيه تنبيه على أن الظلم في أولادهما وذريتهما لا يعود عليهما بعيب ولا نقيصة، وأن المرء يجازى بما صدر من نفسه طاعة أو معصية، لا بما صدر من أصله وفرعه، كما قال: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾. وأن النسب لا تأثير له في الصلاح، والفساد والطاعة والعصيان فقد يلد الصالح العاصي، والمؤمن الكافر، وبالعكس، ولو كان ذلك بالطبيعة لم يتغير، ولم يتخلف. فإن اليهود والنصارى وإن كانوا من ولد إسحاق فقد صاروا إلى ما صاروا إليه من الضلال المبين، والعرب وإن كانوا من ولد إسماعيل، فقد ماتوا على الشرك، إلا من أنقذه الله بالإسلام. أَتَفْخَرُ باتِّصَالِكَ مِنْ عَلِيِّ ... وَأصْلُ الْبَولَةِ الْمَاءُ الْقَرَاحُ

стр. 10992

وَلَيْسَ بنَافِعٍ نسبٌ زَكِيٌّ ... تُدَنِّسُهُ صَنَائِعُكَ الْقِبَاحُ وقال بعضهم: وَمَا يَنْفَعُ الأَصْلُ مِنْ هَاشِمٍ ... إِذَا كَانَتِ النَّفْسُ من باهله وباهلة: قبيلة عرفوا بالدناءة؛ لأنهم كانوا يأكلون بقية الطعام مرة ثانية، ويأكلون نقيّ عظام الميتة، وفي المثل: ذهب الناس إلا النسناس، وهم الذين يتشبهون بالناس وليسوا بالناس، أو هم خلق في صورة الناس. فعلى العاقل ترك الاغترار بالأنساب والأحساب، والاجتهاد فيما ينفعه يوم الحساب. والمعنى: أي ومن ذريتهما من أحسن في عمله، فآمن بربه، وامتثل أوامره واجتنب نواهيه، ومنهم من ظلم نفسه، ودسّاها بالكفر والفسوق والمعاصي. والخلاصة: أن النسب لا أثر له في الهدى والضلال، وأن الظلم في الأعقاب لا يعود إلى الأصول بنقيصة ولا عيب عليهم في شيء منه، كما قال: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾. تتمة: مَنِ الذبيح، أإسحاق أم إسماعيل؟ ليس في هذه المسألة دليل قاطع من سنة صحيحة ولا خبر متواتر، بل روايات منقولة عن بعض أهل الكتاب، وعن جماعة من الصحابة والتابعين، ومن ثم حدث الخلاف فيها: أولًا: فمن قائل: إنه إسحاق، ويؤيده: ١ - ما روي عن يوسف ﵇: أنه قال لفرعون مصر في وجهه: أترغب عن أن تأكل معي، وأنا والله يوسف بن يعقوب نبي الله ابن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله. ٢ - ما روي عن أبي الأحوص قال: افتخر رجل عند ابن مسعود، فقال: أنا فلان بن فلان بن الأشياخ الكرام، فقال ابن مسعود: ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله. ٣ - ما حكاه البغوي عن عمر، وعلي، وابن مسعود، والعباس: أنه

стр. 10993

إسحاق. ولكعب الأحبار ضلع في هذه الأخبار وأمثالها التي تلقاها المسلمون منه، وكان يحدث بها عن الكتب القديمة وهي جامعة بين الغث والسمين، ثقة بأن عمر ﵁ قد استمع منه. ومن ثم احتاج الثقات إلى تمحيصها، وعزل جيدها من بهرجها، وصحيحها من سقيمها. ثانيًا: ومن قائل: إنه إسماعيل، وهو الذي يساوقه صحيح النظر، ونصوص القرآن. ويؤيده: ١ - رواية ذلك عن ابن عباس، فقد روى عطاء ابن أبي رباح عنه أنه قال: المفدي هو إسماعيل، وزعمت اليهود أنه إسحاق، وكذبت اليهود. ٢ - روى مجاهد عن ابن عمر أنه قال الذبيح إسماعيل. ٣ - أن ابن إسحاق قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: إن الذي أمر الله بذبحه من ابني إبراهيم هو إسماعيل، وإنا لنجد ذلك في كتاب الله تعالى، فإنه بعد أن فرغ من قصة المذبوح من ابني إبراهيم قال: ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ وقال: ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾، فلم يكن يأمره بذبح إسحاق، وله فيه من الموعد ما وعده، وما الذي أمر بذبحه إلا إسماعيل، قال ابن إسحاق: سمعته يقول ذلك كثيرًا. وعلى الجملة: فظاهر نظم الآية والروايات التي يروونها، يؤيد أنه إسماعيل، ولكن اليهود حسدوا العرب، على أن يكون أباهم هو الذي كان من أمر الله فيه ما كان، ومن الفضل الذي ذكره الله له لصبره، لما أمر به، فجحدوا ذلك، وزعموا أنه إسحاق؛ لأنه أبوهم، والله أعلم أيهما كان، وكل قد كان طاهرًا مطيعًا لربه. القصة الثالثة: قصة موسى وهارون ﵉ ١١٤ - ولما فرغ الله سبحانه، من ذكر إنجاء الذبيح من الذبح، وما منّ عليه بعد ذلك من النبوة .. ذكر ما منّ به على موسى وهارون. فقال: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لقد أنعمنا ﴿عَلى مُوسى﴾ بن عمران وَأخيه الشقيق ﴿هارُونَ﴾ بن

стр. 10994

عمران، وهو أكبر من موسى سنًا بالنبوة وغيرها من النعم الدينية والدنيوية ١١٥ - ﴿وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما﴾ وهم المؤمنون من بني إسرائيل؛ أي: خلّصناهم ﴿مِنَ الْكَرْبِ﴾ والبلاء ﴿الْعَظِيمِ﴾؛ أي: الشديد. والمراد بالكرب العظيم: هو ما كانوا فيه من استعباد فرعون وقومه إياهم، وما كان يصيبهم من جهته من البلاء، وقيل هو الغرق الذي أهلك به فرعون وقومه، والأول أولى. ١١٦ - ولما كانت التنجية عبارة عن التخليص من المكروه، وهي لا تقتضي الغلبة أتبعها بقوله: ﴿وَنَصَرْناهُمْ﴾؛ أي: ونصرنا موسى وهارون وقومهما على أعدائهم، وأيّدناهم عليهم ﴿فَكانُوا﴾ بسبب نصرنا إياهم ﴿هُمُ﴾ فحسب ﴿الْغالِبِينَ﴾ على أعدائهم فرعون وقومه القبطيين، غلبةً لا غاية وراءها بعد أن كان قومهما في أسرهم وقسرهم مقهورين تحت أيديهم. والحاصل: أن الله ، فصّل النعم التي أنعم بها على موسى وهارون وقومهما. فقال أولًا: ﴿وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما﴾؛ أي ومن آمن معهما من الكرب العظيم الذي كانوا فيه بإساءة فرعون وقومه إليهم من قتل الأبناء، واستحياء النساء، واستعمالهم في أخس المهن والصناعات، ومعاملتهم معاملة العبيد والأرقاء إلى ضروب أخرى، من المهانة والمذلة، التي لولا الفهم لها، لكانت كافية في انقراضهم، ولكنهم شعب لا يأبى الخضوع والاستكانة متى وجد في ذلك السبيل لجمع المال، وحيازته، والتمتع بلذات الدنيا. وقال ثانيًا: ﴿وَنَصَرْناهُمْ فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (١١٦)﴾؛ أي: ونصرناهم على أعدائهم، فغلبوهم، وملكوا أرضهم وأموالهم، وما كانوا قد جمعوه طوال حياتهم، فكانوا أصحاب الصولة، والسلطان، والدولة، والرفعة. ١١٧ - وقال ثالثًا: ﴿وَآتَيْناهُمَا﴾؛ أي: وأعطينا موسى وهارون بعد التنجية المذكورة ﴿الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ﴾؛ أي: الكتاب الجلي الواضح المتناهي في البيان، والتفصيل لما يحتاج إليه البشر في مصالح الدين والدنيا، وهو التوراة، فإنه كتاب مشتمل على جميع العلوم التي يحتاج إليها في مصالح الدين والدنيا، كما قال تعالى:

стр. 10995

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ﴾، وقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)﴾. ١١٨ - وقال رابعًا: ﴿وَهَدَيْناهُمَا﴾ بذلك الكتاب ﴿الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾؛ أي: الموصل إلى الحق والصواب، بما فيه من تفاصيل الشرائع، وتفاريع الأحكام. ١١٩ - وقال خامسًا: ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِما﴾؛ أي: أبقينا لهما ذكرًا حسنًا، وثناءً جميلًا ﴿فِي الْآخِرِينَ﴾؛ أي: فيمن بعدهم من الأمم. وهذا ما تصبو إليه النفوس. قال شاعرهم: وإنَّمَا المَرءُ حَديْثٌ بَعدَهُ ... فَكُن حَدِيثًا حَسنًا لِمنْ وَعَى وقال الآخر: الذِّكْرُ لِلإنْسَا ... نِ عُمرٌ ثَانِيْ ١٢٠ - فهم يسلمون عليهما، ويقولون: ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ (١٢٠)﴾ ويدعون لهما دعاء دائمًا إلى يوم الدين، ولا شيء أدعى إلى سعادة الحياة من الطمأنينة وهدوء البال، كما ورد في الحديث: «من أصبح آمنًا في سربه، معافى في بدنه، فكأنما حيزت الدنيا له بحذافيرها». ١٢١ - ثم ذكر سبب هذه النعم، فقال: ﴿إِنَّا كَذلِكَ﴾؛ أي: مثل هذا الجزاء الكامل ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ الذين هما من جملتهم، لا جزاء قاصرًا عنه ١٢٢ - ﴿إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢)﴾ يشير إلى (١) أن طريق الإحسان هو الإيمان. فالإيمان هو مرتبة الغيب، والإحسان هو مرتبة المشاهدة. ولما كان الإيمان ينشأ عن المعرفة كان الأصل معرفة الله، والجري على مقتضى العلم. القصة الرابعة: قصة إلياس ﵇ ١٢٣ - ﴿وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)﴾ إلى بني إسرائيل. قال ابن جرير: هو إلياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون أخي موسى ﵉.
следующие страницы →