← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 10991–11030 · переход к 10996.

стр. 10991

الغاية لها، لتضمنها معنى الكمال، والتكميل بالفعل على الإطلاق. و ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ كما يجوز أن يكون صفة لـ ﴿نَبِيًّا﴾ يجوز أن يكون حالًا من الضمير المستتر فيه، فتكون أحوالًا متداخلةً. وفي «التأويلات النجمية»: ﴿نَبِيًّا﴾؛ أي: ملهمًا من الحق تعالى، كما قال بعضهم: حدثني قلبي عن ربي: ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾؛ أي: من المستعدين لقبول الفيض الإلهي بلا واسطة، انتهى. والمعنى: أي وآتينا إبراهيم إسحاق، ومننا بنعمة النبوة له، وللكثير من حفدته كفاء امتثاله أمرنا، وصبره على بلوانا. ١١٣ - ﴿وَبارَكْنا عَلَيْهِ﴾؛ أي: على إبراهيم في أولاده ﴿وَعَلى إِسْحاقَ﴾ بأن أخرجنا من صلبه أنبياء من بني إسرائيل، وغيرهم كأيوب وشعيب، أو (١) أفضنا عليهما بركات الدنيا والآخرة، فكثَّرنا نسلهما، وجعلنا منه أنبياء ورسلًا، وطلبنا من المسلمين في صلواتهم أن يدعوا لهم بالبركة، فيقولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين. ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما﴾؛ أي: ومن ذرية إبراهيم وإسحاق ﴿مُحْسِنٌ﴾ في عمله أو لنفسه بالإيمان والطاعة ﴿وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ بالكفر والمعاصي ﴿مُبِينٌ﴾؛ أي: ظاهر ظلمه. وفيه تنبيه على أن الظلم في أولادهما وذريتهما لا يعود عليهما بعيب ولا نقيصة، وأن المرء يجازى بما صدر من نفسه طاعة أو معصية، لا بما صدر من أصله وفرعه، كما قال: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾. وأن النسب لا تأثير له في الصلاح، والفساد والطاعة والعصيان فقد يلد الصالح العاصي، والمؤمن الكافر، وبالعكس، ولو كان ذلك بالطبيعة لم يتغير، ولم يتخلف. فإن اليهود والنصارى وإن كانوا من ولد إسحاق فقد صاروا إلى ما صاروا إليه من الضلال المبين، والعرب وإن كانوا من ولد إسماعيل، فقد ماتوا على الشرك، إلا من أنقذه الله بالإسلام. أَتَفْخَرُ باتِّصَالِكَ مِنْ عَلِيِّ ... وَأصْلُ الْبَولَةِ الْمَاءُ الْقَرَاحُ

стр. 10992

وَلَيْسَ بنَافِعٍ نسبٌ زَكِيٌّ ... تُدَنِّسُهُ صَنَائِعُكَ الْقِبَاحُ وقال بعضهم: وَمَا يَنْفَعُ الأَصْلُ مِنْ هَاشِمٍ ... إِذَا كَانَتِ النَّفْسُ من باهله وباهلة: قبيلة عرفوا بالدناءة؛ لأنهم كانوا يأكلون بقية الطعام مرة ثانية، ويأكلون نقيّ عظام الميتة، وفي المثل: ذهب الناس إلا النسناس، وهم الذين يتشبهون بالناس وليسوا بالناس، أو هم خلق في صورة الناس. فعلى العاقل ترك الاغترار بالأنساب والأحساب، والاجتهاد فيما ينفعه يوم الحساب. والمعنى: أي ومن ذريتهما من أحسن في عمله، فآمن بربه، وامتثل أوامره واجتنب نواهيه، ومنهم من ظلم نفسه، ودسّاها بالكفر والفسوق والمعاصي. والخلاصة: أن النسب لا أثر له في الهدى والضلال، وأن الظلم في الأعقاب لا يعود إلى الأصول بنقيصة ولا عيب عليهم في شيء منه، كما قال: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾. تتمة: مَنِ الذبيح، أإسحاق أم إسماعيل؟ ليس في هذه المسألة دليل قاطع من سنة صحيحة ولا خبر متواتر، بل روايات منقولة عن بعض أهل الكتاب، وعن جماعة من الصحابة والتابعين، ومن ثم حدث الخلاف فيها: أولًا: فمن قائل: إنه إسحاق، ويؤيده: ١ - ما روي عن يوسف ﵇: أنه قال لفرعون مصر في وجهه: أترغب عن أن تأكل معي، وأنا والله يوسف بن يعقوب نبي الله ابن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله. ٢ - ما روي عن أبي الأحوص قال: افتخر رجل عند ابن مسعود، فقال: أنا فلان بن فلان بن الأشياخ الكرام، فقال ابن مسعود: ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله. ٣ - ما حكاه البغوي عن عمر، وعلي، وابن مسعود، والعباس: أنه

стр. 10993

إسحاق. ولكعب الأحبار ضلع في هذه الأخبار وأمثالها التي تلقاها المسلمون منه، وكان يحدث بها عن الكتب القديمة وهي جامعة بين الغث والسمين، ثقة بأن عمر ﵁ قد استمع منه. ومن ثم احتاج الثقات إلى تمحيصها، وعزل جيدها من بهرجها، وصحيحها من سقيمها. ثانيًا: ومن قائل: إنه إسماعيل، وهو الذي يساوقه صحيح النظر، ونصوص القرآن. ويؤيده: ١ - رواية ذلك عن ابن عباس، فقد روى عطاء ابن أبي رباح عنه أنه قال: المفدي هو إسماعيل، وزعمت اليهود أنه إسحاق، وكذبت اليهود. ٢ - روى مجاهد عن ابن عمر أنه قال الذبيح إسماعيل. ٣ - أن ابن إسحاق قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: إن الذي أمر الله بذبحه من ابني إبراهيم هو إسماعيل، وإنا لنجد ذلك في كتاب الله تعالى، فإنه بعد أن فرغ من قصة المذبوح من ابني إبراهيم قال: ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ وقال: ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾، فلم يكن يأمره بذبح إسحاق، وله فيه من الموعد ما وعده، وما الذي أمر بذبحه إلا إسماعيل، قال ابن إسحاق: سمعته يقول ذلك كثيرًا. وعلى الجملة: فظاهر نظم الآية والروايات التي يروونها، يؤيد أنه إسماعيل، ولكن اليهود حسدوا العرب، على أن يكون أباهم هو الذي كان من أمر الله فيه ما كان، ومن الفضل الذي ذكره الله له لصبره، لما أمر به، فجحدوا ذلك، وزعموا أنه إسحاق؛ لأنه أبوهم، والله أعلم أيهما كان، وكل قد كان طاهرًا مطيعًا لربه. القصة الثالثة: قصة موسى وهارون ﵉ ١١٤ - ولما فرغ الله سبحانه، من ذكر إنجاء الذبيح من الذبح، وما منّ عليه بعد ذلك من النبوة .. ذكر ما منّ به على موسى وهارون. فقال: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لقد أنعمنا ﴿عَلى مُوسى﴾ بن عمران وَأخيه الشقيق ﴿هارُونَ﴾ بن

стр. 10994

عمران، وهو أكبر من موسى سنًا بالنبوة وغيرها من النعم الدينية والدنيوية ١١٥ - ﴿وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما﴾ وهم المؤمنون من بني إسرائيل؛ أي: خلّصناهم ﴿مِنَ الْكَرْبِ﴾ والبلاء ﴿الْعَظِيمِ﴾؛ أي: الشديد. والمراد بالكرب العظيم: هو ما كانوا فيه من استعباد فرعون وقومه إياهم، وما كان يصيبهم من جهته من البلاء، وقيل هو الغرق الذي أهلك به فرعون وقومه، والأول أولى. ١١٦ - ولما كانت التنجية عبارة عن التخليص من المكروه، وهي لا تقتضي الغلبة أتبعها بقوله: ﴿وَنَصَرْناهُمْ﴾؛ أي: ونصرنا موسى وهارون وقومهما على أعدائهم، وأيّدناهم عليهم ﴿فَكانُوا﴾ بسبب نصرنا إياهم ﴿هُمُ﴾ فحسب ﴿الْغالِبِينَ﴾ على أعدائهم فرعون وقومه القبطيين، غلبةً لا غاية وراءها بعد أن كان قومهما في أسرهم وقسرهم مقهورين تحت أيديهم. والحاصل: أن الله ، فصّل النعم التي أنعم بها على موسى وهارون وقومهما. فقال أولًا: ﴿وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما﴾؛ أي ومن آمن معهما من الكرب العظيم الذي كانوا فيه بإساءة فرعون وقومه إليهم من قتل الأبناء، واستحياء النساء، واستعمالهم في أخس المهن والصناعات، ومعاملتهم معاملة العبيد والأرقاء إلى ضروب أخرى، من المهانة والمذلة، التي لولا الفهم لها، لكانت كافية في انقراضهم، ولكنهم شعب لا يأبى الخضوع والاستكانة متى وجد في ذلك السبيل لجمع المال، وحيازته، والتمتع بلذات الدنيا. وقال ثانيًا: ﴿وَنَصَرْناهُمْ فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (١١٦)﴾؛ أي: ونصرناهم على أعدائهم، فغلبوهم، وملكوا أرضهم وأموالهم، وما كانوا قد جمعوه طوال حياتهم، فكانوا أصحاب الصولة، والسلطان، والدولة، والرفعة. ١١٧ - وقال ثالثًا: ﴿وَآتَيْناهُمَا﴾؛ أي: وأعطينا موسى وهارون بعد التنجية المذكورة ﴿الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ﴾؛ أي: الكتاب الجلي الواضح المتناهي في البيان، والتفصيل لما يحتاج إليه البشر في مصالح الدين والدنيا، وهو التوراة، فإنه كتاب مشتمل على جميع العلوم التي يحتاج إليها في مصالح الدين والدنيا، كما قال تعالى:

стр. 10995

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ﴾، وقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)﴾. ١١٨ - وقال رابعًا: ﴿وَهَدَيْناهُمَا﴾ بذلك الكتاب ﴿الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾؛ أي: الموصل إلى الحق والصواب، بما فيه من تفاصيل الشرائع، وتفاريع الأحكام. ١١٩ - وقال خامسًا: ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِما﴾؛ أي: أبقينا لهما ذكرًا حسنًا، وثناءً جميلًا ﴿فِي الْآخِرِينَ﴾؛ أي: فيمن بعدهم من الأمم. وهذا ما تصبو إليه النفوس. قال شاعرهم: وإنَّمَا المَرءُ حَديْثٌ بَعدَهُ ... فَكُن حَدِيثًا حَسنًا لِمنْ وَعَى وقال الآخر: الذِّكْرُ لِلإنْسَا ... نِ عُمرٌ ثَانِيْ ١٢٠ - فهم يسلمون عليهما، ويقولون: ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ (١٢٠)﴾ ويدعون لهما دعاء دائمًا إلى يوم الدين، ولا شيء أدعى إلى سعادة الحياة من الطمأنينة وهدوء البال، كما ورد في الحديث: «من أصبح آمنًا في سربه، معافى في بدنه، فكأنما حيزت الدنيا له بحذافيرها». ١٢١ - ثم ذكر سبب هذه النعم، فقال: ﴿إِنَّا كَذلِكَ﴾؛ أي: مثل هذا الجزاء الكامل ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ الذين هما من جملتهم، لا جزاء قاصرًا عنه ١٢٢ - ﴿إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢)﴾ يشير إلى (١) أن طريق الإحسان هو الإيمان. فالإيمان هو مرتبة الغيب، والإحسان هو مرتبة المشاهدة. ولما كان الإيمان ينشأ عن المعرفة كان الأصل معرفة الله، والجري على مقتضى العلم. القصة الرابعة: قصة إلياس ﵇ ١٢٣ - ﴿وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)﴾ إلى بني إسرائيل. قال ابن جرير: هو إلياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون أخي موسى ﵉.

стр. 10996

فهو إسرائيلي من سبط هارون. وقرأ الجمهور (١): ﴿إِلْيَاسَ﴾ بهمزة مكسورة مقطوعة. وقرأ ابن ذكوان بوصلها، ورويت هذه القراءة عن ابن عامر، وقرأ ابن مسعود، والأعمش، ويحيى بن وثّاب ﴿وإن إدريس لمن المرسلين﴾. وقرأ أبّي ﴿وإن إيليس﴾ بهمزة مكسورة، ثمّ تحتية ساكنة، ثمّ لام مكسورة، ثم تحتية ساكنة، ثم سين مهملة مفتوحة. وحاصل قصته: كما قال محمد بن إسحاق، وعلماء السير والأخبار: لما (٢) قبض الله ، حزقيل النبي ﵇، عظمت الأحداث في بني إسرائيل وظهر فيهم الفساد والشرك، ونصبوا الأصنام، وعبدوها من دون الله ، فبعث الله إليهم إلياس نبيا، وكان أنبياء يبعثون من بعد موسى ﵇ في بني إسرائيل، بتجديد ما نسوا من أحكام التوراة. وكان يوشع لما فتح الشام، قسمها على بني إسرائيل، وإن سبطا منهم حصل في قسمته بعلبك ونواحيها، وهم الذين بعث إليهم إلياس، وعليهم يومئذ ملك اسمه آجب، وكان قد أضل قومه، وجبرهم على عبادة الأصنام، وكان له صنم من ذهب، طوله عشرون ذراعًا، وله أربعة أوجه، اسمه بعل. وكانوا قد فتنوا به، وعظّموه، وجعلوا له أربع مئة سادن، وجعلوهم أنبياء. فكان الشيطان يدخل في جوف بعل، ويتكلم بشريعة الضلالة، والسدنة يحفظونها عنه، ويبلغونها الناس. وهم أهل بعلبك، وكان إلياس يدعوهم إلى عبادة الله ، وهم لا يسمعون له، ولا يؤمنون به إلا ما كان من أمر الملك، فإنه آمن به وصدقه. فكان إلياس يقوم بأمره، ويسدده، ويرشده، وكان للملك امرأة جبارة، اسمها أربيل، وكانت قتالة للأنبياء والصالحين، يقال: إنها هي التي قتلت يحيى بن زكريا، وقد تزوجت سبعةً من ملوك بني إسرائيل، وقتلتهم كلهم غيلة، إنها ولدت سبعين ولدًا. وكان يستخلفها على ملكه إذا غاب، فغضبت من رجل مؤمن اسمه مزدكي له جنينة تصغير جنة، كان يتعيّش منها في جنب

стр. 10997

قصرها، فحسدته، فأخذتها وقتلته، فبعث الله إلياس إلى الملك وزوجته، وأمره أن يخبرهما أن الله قد غضب لوليّه، حين قُتل ظلمًا، وآلى على نفسه أنهما إن لم يتوبا عن صنيعهما، ويردا الجنينة على ورثة المقتول .. أهلكهما في جوف الجنينة، ثم يدعهما جيفتين ملقاتين فيها، ولا يتمتعان فيها إلا قليلا، فجاء إلياس، فأخبر الملك بما أوحى الله إليه في أمره، وأمر امرأته، والجنينة. فلما سمع الملك ذلك غضب، واشتد غضبه عليه، وقال: يا إلياس، والله ما أرى ما تدعونا إليه إلا باطلا، وهمّ بتعذيب إلياس وقتله. فلما أحس إلياس بالشر رفضه وخرج عنه هاربا، ورجع الملك إلى عبادة بعل، ولحق إلياس بشواهق الجبال، فكان يأوي إلى الشعاب والكهوف، فبقي سبع سنين على ذلك خائفًا مستخفيًا، يأكل من نبات الأرض وثمار الشجر، وهم في طلبه، وقد وضعوا عليه العيون، والله يستره منهم. فلما طال الأمر على إلياس، وسكنى الكهوف في الجبال، وطال عصيان قومه ضاق بذلك ذرعًا، فأوحى الله تعالى إليه بعد سبع سنين وهو خائف مجهود: يا إلياس ما هذا الحزن والجزع الذي أنت فيه، ألست أميني على وحي، وحجتي في أرضي، وصفوتي من خلقي، سلني أعطك، فإني ذو الرحمة الواسعة والفضل العظيم، قال: يا رب تميتني وتلحقني بآبائي، فإني قد مللت بني إسرائيل، وملّوني، فأوحى الله تعالى إليه يا إلياس ما هذا باليوم الذي أعرّى منك الأرض وأهلها، وإنما صلاحها وقوامها بك وبأشباهك، وإن كنتم قليلا سلني أعطك. فقال إلياس: إن لم تمتني فأعطني ثأري من بني إسرائيل، قال الله : وأي شيء تريد أن أعطيك؟ قال: تملكني خزائن السماء سبع سنين، فلا تسير عليهم سحابة إلا بدعوتي، ولا تمطر عليهم قطرة إلا بشفاعتي، فإنه لا يذلهم إلا ذاك. قال الله : يا إلياس أنا أرحم بخلقي من ذلك وإن كانوا ظالمين. قال: فست سنين، قال: أنا أرحم بخلقي من ذلك، قال: فخمس سنين، قال: أنا أرحم بخلقي، ولكن أعطيك ثأرك ثلاث سنين، أجعل خزائن المطر بيدك، قال إلياس: فبأي شيء أعيش يا رب؟ قال: أسخّر لك جيشا من الطير ينقل لك طعامك وشرابك من الريف، والأرض التي لم تقحط. قال إلياس: قد رضيت، فأمسك الله عنهم المطر، حتى هلكت الماشية والهوام والشجر، وجهد

стр. 10998

الناس جهدًا شديدًا، وإلياس على حاله مستخفيًا من قومه، يوضع له الرزق حيث كان، وقد عرف قومه ذلك. قال ابن عباس: أصاب بني إسرائيل ثلاث سنين القحط، فمر إلياس بعجوز، فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: نعم شيء من دقيق وزيت قليل، قال: فدعا به ودعا فيه بالبركة، ومسه حتى ملأ جرابها دقيقًا، وملأ خوابيها زيتًا، فلما رأوا ذلك عندها قالوا: من أين لك هذا؟ قالت: مر بي رجل من حاله كذا، وكذا، فوصفته بصفته فعرفوه، وقالوا: ذلك إلياس، فطلبوه، فوجدوه، فهرب منهم، ثم إنه آوى إلى بيت امرأة من بني إسرائيل، ولها ابن يقال له: اليسع بن أخطوب، به ضر، فآوته وأخفت أمره، فدعا لابنها فعوفي من الضر الذي كان به، واتبع اليسع الياس، وآمن به، وصدّقه، ولزمه، وذهب معه حيثما ذهب، وكان إلياس قد كبر، وأسنّ، واليسع غلام شاب. ثم إن الله تعالى أوحى إلى الياس: أنك قد أهلكت كثيرا من الخلق ممن لم يعص الله من البهائم، والدواب، والطير، والهوام، والشجر بحبس المطر، فيزعمون أن الياس قال يا رب دعني أكن أنا الذي أدعو لهم بالفرج مما هم فيه من البلاء، لعلهم يرجعون عما هم فيه، وينزعون عن عبادة غيرك، فقيل له: نعم. فجاء إلياس إلى بني إسرائيل، فقال: إنكم قد هلكتم جوعًا وجهدًا، وهلكت البهائم والدواب والطير والهوام والشجر بخطاياكم، وإنكم على باطل، فإن كنتم تحبون أن تعلموا ذلك فاخرجوا بأصنامكم، فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون، وإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل، فنزعتم ودعوت الله تعالى، ففرّج عنكم ما أنتم فيه من البلاء، فقالوا: يا الياس أنصفت، فخرجوا بأوثانهم ودعوها، فلم تفرّج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، فقالوا: إنا قد أهلكنا فادع الله لنا، فدعا إلياس ومعه اليسع بالفرج، فخرجت سحابة مثل الترس على ظهر البحر وهم ينظرون، فأقبلت نحوهم وطبّقت الآفاق، ثم أرسل الله عليهم المطر، وأغاثهم، وحييت بلادهم، فلما كشف الله تعالى عنهم الضر نقضوا العهد، ولم ينزعوا عن كفرهم، وأقاموا على أخبث ما كانوا عليه، فلما رأى ذلك إلياس دعا ربه أن يريحه منهم، فقيل له فيما يزعمون: انظر يوم كذا، وكذا، فاخرج إلى موضع

стр. 10999

كذا، فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج إلياس ومعه اليسع حتى إذا كان بالموضع الذي أمر به، أقبل فرس من نار، وقيل: لونه كالنار حتى وقف بين يدي إلياس، فوثب عليه، فانطلق به الفرس، فناداه اليسع يا إلياس ما تأمرني؟ فقذف إليه إلياس بكسائه من الجو الأعلى، فكان ذلك علامة استخلافه إياه على بني إسرائيل، وكان ذلك آخر العهد به. ورفع الله تعالى إلياس من بين أظهرهم، وقطع عنه لذة المطعم والمشرب، وكساه الريش، فصار إنسيًا ملكيًا أرضيًا سماويًا. وسلط الله على آجب الملك وقومه عدوًا لهم، فقصدهم من حيث لم يشعروا به حتى رهقهم. فقتل آجب وامرأته أربيل في الجنينة التي اغتصبتها امرأة الملك من ذلك المؤمن، فلم تزل جثّتاهما ملقاتين في تلك الجنينة حتى بليت لحومهما، ورمّت عظامهما. ونبأ الله اليسع، وبعثه رسولًا إلى بني إسرائيل، وأوحى إليه، وأيّده، فآمنت به بنو إسرائيل، وكانوا يعظّمونه وحكم الله تعالى فيهم قائم، إلى أن فارقهم اليسع. روى السدي عن يحيى بن عبد العزيز عن أبي روّاد قال: إلياس والخضر يصومان رمضان ببيت المقدس، ويوافيان الموسم في كل عام، وقيل: إن إلياس موكل بالفيافي، والخضر موكل بالبحار. فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)﴾. ١٢٤ - والظرف في قوله: ﴿إِذْ قالَ﴾ متعلق (١) بمحذوف، تقديره: اذكر يا محمد لقومك قصة وقت قوله ﴿لِقَوْمِهِ﴾ بني إسرائيل: ﴿أَلا تَتَّقُونَ﴾ وتخافون عذاب الله تعالى، ونقمته إن خالفتم أمره. و ﴿أَلا﴾ بالتخفيف حرف عرض، وهو الطلب برفق ولين. وقيل: إن الهمزة في ﴿أَلا﴾ للاستفهام، و ﴿لا﴾ نافية، ويكون الاستفهام بمعنى الأمر؛ أي: اتقوا الله. وقيل: الظرف متعلق بالمرسلين. والأول أولى. ١٢٥ - والهمزة في قوله ﴿أَتَدْعُونَ﴾؛ أي: أتعبدون ﴿بَعْلًا﴾؛ أي: صنمًا. للإنكار؛ أي: لا تعبدوه، ولا تطلبوا منه الخير، فالبعل اسم صنم كان لأهل بك من

стр. 11000

الشام، وهو البلد المعروف اليوم ببعلبك، وكان من ذهب، طوله عشرون ذراعًا كما مر في القصة. أي: أتعبدون صنمًا عملتموه ربًا ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ﴾؛ أي: وتتركون عبادة أحسن من يقال له خالق. ثم إن الخلق حقيقة في الاختراع والإنشاء والإبداع، ويستعمل أيضًا بمعنى التقدير والتصوير، وهو المراد به هاهنا؛ لأن الخلق، بمعنى: الاختراع لا يتصور من غير الله تعالى، حتى يكون هو أحسنهم. والمعنى: أحسن المصورين أو أحسن الخالقين لو وجدوا. ١٢٦ - وانتصاب الاسم الشريف في قوله: ﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ على أنه بدل من ﴿أَحْسَنَ﴾ هذا على (١) قراءة حمزة، والكسائي، والربيع بن خيثم، وابن أبي إسحاق، ويحيى بن وثاب، والأعمش. فإنهم قرؤوا بنصب الاسمين. وقيل: النصب على المدح. وقيل: على عطف البيان. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وأبو جعفر، وشيبة، ونافع بالرفع. قال أبو حاتم: بمعنى هو الله ربكم. قال النحاس، وأولى ما قيل: إنه مبتدأ وخبر بغير إضمار ولا حذف. وحكي عن الأخفش: أن الرفع أولى وأحسن. قال ابن الأنباري: من رفع أو نصب لم يقف على ﴿أَحْسَنَ الْخالِقِينَ﴾ على جهة التمام؛ لأن الله مترجم عن أحسن الخالقين على الوجهين جميعًا. والمعنى: إنه خالقكم وخالق من قبلكم، فهو الذي تحق له العبادة. وقوله: ﴿وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ معطوف على ﴿رَبَّكُمْ﴾ على كلا الوجهين. والتعرض لذكر ربوبيته تعالى لآبائهم، للإشعار ببطلان آرائهم أيضًا ١٢٧ - ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾؛ أي: إلياس. ﴿فَإِنَّهُمْ﴾؛ أي: فإن قومه بسبب تكذيبهم إياه ﴿لَمُحْضَرُونَ﴾؛ أي: لمدخلون في النار والعذاب، لا يغيبون منها، ولا يخفف عنهم كقوله: ﴿وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ﴾، لأن الإحضار المطلق مخصوص بالشر عرفًا. ١٢٨ - وقوله: ﴿إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨)﴾ استثناء متصل من فاعل ﴿كذبوه﴾. فيه دلالة على أن من قومه من

стр. 11001

لم يكذبه، ولم يحضر في العذاب، وهم الذين أخلصهم الله تعالى بتوفيقهم للإيمان، والعمل بموجب الدعوة والإرشاد. والمعنى: أي إلا قومًا منهم أخلصوا العمل لله، وأنابوا إليه، فأولئك يجزون الجزاء الأوفى على ما أسلفوا من عمل صالح، وقدموا من ذخر طيب. ١٢٩ - ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ﴾؛ أي: وأبقينا على إلياس ﴿فِي الْآخِرِينَ﴾ من الأمم ١٣٠ - ﴿سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ (١٣٠)﴾ أي: هذا الكلام بعينه، فيدعون له، ويثنون عليه إلى يوم القيامة. وهو لغة (١) في إلياس كسيناء في سينين، فإن كلا من طور سيناء وطور سينين بمعنى الآخر، زيد في أحدهما الياء والنون، فكذا إلياس وإلياسين. وقرىء بإضافة ﴿آل﴾ إلى ﴿ياسين﴾؛ لأنهما في المصحف مفصولان. فيكون ياسين أبا إلياس، والآل هو نفس إلياس. وقرأ (٢) زيد بن علي، ونافع، وابن عامر ﴿على إل ياسين﴾، وزعموا أن ﴿آل﴾ مفصولة في المصحف، و ﴿ياسين﴾ اسم لإلياس. قيل: اسم لأبي إلياس؛ لأنه إلياس بن ياسين، وآل ياسين هو ابنه إلياس. وقرأ باقي السبعة ﴿على إلياسين﴾ بهمزة مكسورة؛ أي: إلياسيين. جمع المنسوبين إلى إلياس معه، فسلم عليهم. وهذا يدل على أن من قومه من كان تبعه على الدين، وكل واحد ممن نسب إليه كأنه إلياس، فلما جمعت خففت ياء النسبة بحذف إحداهما كراهة التضعيف، فالتقى ساكنان الياء فيه وحرف العلة الذي للجمع، فحذفت لالتقائهما كما الأشعرون في جمع أشعري، والأعجمون في جمع أعجمي. وحكى أبو عمرو: أن مناديًا نادى يوم الكلاب هلك اليزيديون، وقال الزمخشري: لو كان جمعا لعرّف بالألف واللام. وقرأ أبو جعفر، والحسن ﴿على الياسين﴾ بوصل الألف على أنه جمع يراد به: إلياس وقومه المؤمنون، وحذفت ياء النسب كما قالوا: الأشعرون، والألف واللام دخلت على الجمع، واسمه على هذا ياس. وقرأ ابن مسعود، ومن ذكر معه أنه قرأ إدريس ﴿سلام على إدراسين﴾. قال ابن جني: العرب تتلاعب بالأسماء الأعجمية تلاعبًا، فياسين،

стр. 11002

وإلياس، وإلياسين واحد. ١٣١ - ﴿إِنَّا كَذلِكَ﴾؛ أي: مثل هذا الجزاء الكامل ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ إحسانًا مطلقًا، ومن جملتهم إلياس ١٣٢ - ﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: إن إلياس. لا شبهة في أن الضمير لإلياس، فيكون إلياس وإلياسين شخصًا واحدًا، وليس إلياسين جمع إلياس، كما دل عليه من قبله من قوله: سلام على نوح، وسلام على إبراهيم، وسلام على موسى وهارون ﴿مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: الراسخين في الإيمان على وجه الإيقان والاطمئنان. القصة الخامسة: قصة لوط ﵇ ١٣٣ - ﴿وَإِنَّ لُوطًا﴾ هو لوط بن هاران أخي إبراهيم الخليل ﵇ ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ إلى قومه، وهم أهل سدوم بالدال المهملة. فكذبوه وأرادوا إهلاكه، فقال: رب نجني وأهلي مما يعملون، ١٣٤ - فنجاه الله وأهله. فذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ نَجَّيْناهُ﴾ والظرف متعلق بمحذوف، تقديره: اذكر، ولا يصح تعلقه بالمرسلين؛ لأنه لم يرسل وقت تنجيته؛ أي: اذكر يا محمد لقومك قصة وقت تنجيتنا إياه ﴿وَأَهْلَهُ﴾؛ أي: أهل بيته يعني: ابنتيه: زاعورا، ورينا ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تأكيد لما قبله ١٣٥ - ﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾؛ أي: إلا (١) امرأته الخائنة واهلة الكافرة. وكان نكاح الوثنيات، والإقامة عليهن جائزا في شريعته. وسميت المرأة المسنة عجوزًا لعجزها عن كثير من الأمور، كما في «المفردات». ﴿فِي الْغابِرِينَ﴾ صفة لـ ﴿عَجُوزًا﴾؛ أي: إلا عجوزا مقدرًا غبورها في الباقين في العذاب والهلاك، وهم قومه، فلا بد من تقدير «مقدرًا»؛ لأن الغبور لم يكن صفتها وقت تنجيتهم. وقيل للباقي: غابر تصورا، بتخلف الغبار عن الذي يعدو، فيخلفه أو في الماضين الهالكين، وقيل للماضي: غابر تصورا لمضي الغبار عن الأرض. ١٣٦ - ﴿ثُمَّ﴾ بعد تنجيتهم ﴿دَمَّرْنَا﴾؛ أي: أهلكنا ﴿الْآخَرِينَ﴾؛ أي: من بقي بعد لوط وابنتيه بالإئتفاك بهم، وإمطار الحجارة عليهم، فإنه تعالى لم يرض بالإئتفاك حتى أتبعه مطر من حجارة.

стр. 11003

وجعلنا محلاتهم من الأرض بحيرة ذات ماء رديء الطعم، منتن الريح. ١٣٧ - ﴿وَإِنَّكُمْ﴾ يا أهل مكة ﴿لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على قربات ديار قوم لوط المهلكين ومنازلهم سدوم، وعمورًا، وصبورًا، ودادوما في متاجركم إلى الشام، وتشاهدون آثار هلاكهم. فإن سدوم أعظم قراهم في طريق الشام، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦)﴾. وقوله: ﴿مُصْبِحِينَ﴾ حال من فاعل ﴿تمرون﴾؛ أي: حال كونكم داخلين في الصباح. ١٣٨ - ﴿وَ﴾ ملتبسين ﴿بِاللَّيْلِ﴾؛ أي: مساءً. ولعلها وقعت بقرب منزل يمر به المرتحل عنه صباحًا، والقاصد له مساء. ويجوز أن يكون المعنى: نهارًا وليلًا، على أن يعمم المرور للأوقات كلها من الليل والنهار، ولا يخصص بوقتي الصباح والمساء. والمعنى: أي وإنكم لتمرون عليهم، وأنتم مسافرون إلى الشام حين الصباح، أو أول الليل، فترون آثار ديارهم التي عفت وأصبحت خرابًا يبابًا، لا أنيس فيها، ولا جليس، ولا ديار، ولا نافخ نار. والهمزة في قوله: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ للاستفهام التوبيخي، داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير؛ أي: أفتشاهدون ذلك فلا تعقلون حتى تعتبروا به، وتخافوا أن يصيبكم مثل ما أصابهم، فإن من قدر على إهلاك أهل سدوم، واستئصالهم بسبب كفرهم وتكذيبهم، كان قادرًا على إهلاك كفار مكة، واستئصالهم لاتحاد السبب ورجحانه؛ لأنهم أكفر من هؤلاء، وأكذب كما يشهد به قوله تعالى: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ﴾. وكان النبي ﷺ يقول لأبي جهل: «إن هذا أعتى على الله من فرعون». فعلى العاقل: أن يعتبر، ويؤمن بوحدانية الحق، ويرجع إلى أبواب فضله وكرمه ورحمته، ويؤدب عجوز نفسه الأمارة، ويحملها على التسليم والامتثال كي لا تهلك مع أهل القهر والجلال. القصة السادسة: قصة يونس ﵇ ١٣٩ - ﴿وَإِنَّ يُونُسَ﴾ بن متى بالتشديد، وهو اسم أبيه أو أمه. وفي «كشف الأسرار»: اسم أبيه متى، واسم أمه تنجيس. كان يونس من أولاد هود عليه

стр. 11004

السلام، كما في «أنوار المشارق». وهو ذو النون، وصاحب الحوت؛ لأنه التقمهُ. وأما ذو النون المصري من أولياء هذه الأمة. فقيل: إنما سمي به لأنه ركب سفينة مع جماعة، فقد واحدٌ منهم ياقوتًا فلم يجده، فآل رأيهم إلى أن هذا الرجل الغريب قد سرقه، فعوتب عليه، فأنكر الشيخ فحلف، فلم يصدقوه، بل أصروا على أنه ليس إلا فيه، فلما اضطر توجه ساعة، فأتى جميع الحوت من البحر في فيها يواقيت. فلما رأوا ذلك اعتذروا عن فعلتهم، فقام وذهب إلى البحر، ولم يغرق بإذن الله تعالى. فسمي ذا النون. ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ إلى بقية ثمود. وهم أهل نينوى بكسر النون الأولى وفتح الثانية. وقيل: بضمها قرية على شاطىء دجلة في أرض الموصل. ولما بعث إليهم دعاهم إلى التوحيد أربعين سنة، وكانوا يعبدون الأصنام، فكذبوه وأصروا على ذلك، فخرج من بين أظهرهم، وأوعدهم حلول العذاب بهم بعد ثلاث أو بعد أربعين ليلة. ثم إن قومه لما أتاهم أمارات العذاب، بأن أطبقت السماء غيمًا أسود يدخن دخانًا شديدًا، ثم يهبط حتى يغشى مدينتهم، حتى إذا صار بينهم وبين العذاب قدر ميل، أخلصوا الله تعالى بالدعاء والتضرع، بأن فرقوا بين الأمهات والأطفال، وبين الأتن والجحوش، وبين البقر والعجول، وبين الإبل والفصلان، وبين الضأن والحملان، وبين الخيل والأفلاء، ولبسوا المسوح، ثم خرجوا إلى الصحراء متضرعين ومستغفرين حتى ارتفع الضجيج إلى السماء، فصرف الله عنهم العذاب، وقبل توبتهم. ويونس ينتظر هلاكهم، فلما أمسى سأل محتطبًا مر بقومه كيف كان حالهم؟ فقال: هم سالمون وبخير وعافية وحدثه بما صنعوا، فقال: لا أرجع إلى قوم قد كذبتهم، وخرج من ديارهم مستنكفًا خجلًا منهم، ولم ينتظر الوحي، وتوجه إلى جانب البحر، ١٤٠ - وذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ أَبَقَ﴾. والظرف متعلق بمحذوف، تقديره: واذكر يا محمد قصة وقت إباقه؛ أي: هربه، ولا يصح تعلقه بالمرسلين؛ لأنه لم يرسل إذا أبق. وأصله: الهرب من السيد، لكن لما كان هربه من قومه بغير إذن ربه حسن إطلاقه عليه بطريق

стр. 11005

المجاز تصويرًا لقبحه، فإنه عبد الله فكيف يفر بغير الإذن وإلى أين يفر والله محيط به، وقد صح أنه لا يقبل فرض الآبق ولا نفله حتى يرجع، فإذا كان الأدنى مأخوذا بزلة فكيف الأعلى؟. ﴿إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾؛ أي: إلى السفينة المملوءة من الناس، والدواب، والمتاع. ويقال: إلى الفلك المجهز الذي فرغ من جهازه. روي: أن يونس لما دخل السفينة، وتوسطت البحر احتبست عن الجري، ووقفت، وكان ذلك بدجلة؛ لأنه أرسل إلى أهل نينوى من أرض الموصل. فقال الملاحون: هنا عبد أبق من سيده، وهذا رسم السفينة إذا كان فيها عبد آبق لا تجري. وقال الإمام: فقال الملاحون: إن فيكم عاصيًا وإلا لم يحصل في السفينة ما نراه من غير ريح ولا سبب ظاهر. وقال التجار: قد جربنا مثل هذا، فإذا رأينا نقترع فمن خرج سهمه نرميه في البحر، لأن غرق الواحد خير من غرق الكل. فاقترعوا ثلاث مرات، فخرجت القرعة على يونس في كل مرة، ١٤١ - وذلك قوله تعالى: ﴿فَساهَمَ﴾؛ أي: فتساهموا. فساهم يونس واقترع؛ أي: خرجت عليه القرعة. والمفهوم من تفسير الكاشفي: أن الضمير في ﴿ساهم﴾ إلى يونس. والسهم: ما يرمى به من القداح ونحوه. وقيل: الضمير إلى القوم، والمعنى: فقارع أهل الفلك من الآبق، وألقوا السهام على وجه القرعة، فخرجت قرعة الرمي على يونس ﴿فَكانَ﴾ يونس ﴿مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾؛ أي: فصار من المغلوبين. وأصل المدحض: المزلق: عن مقام الظفر والغلبة. ومنه قول الشاعر: قَتَلْنَا المُدحِضِيْنَ بِكُلِّ فَجٍّ ... فَقَد قَرَّتْ بِقَتلِهِمُ الْعُيُوْنُ أي: قتلنا المغلوبين. ١٤٢ - ولما خرجت القرعة على يونس قال: أنا العبد الآبق، أو يا هؤلاء أنا والله العاصي، فتلفف في كسائه، ثم قام على رأس السفينة، فرمى بنفسه في البحر. ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ﴾؛ أي: فابتلعه الحوت العظيم. وقال في «كشف الأسرار»: فصادفه حوت جاء من قبل اليمن، فابتلعه فسفل به إلى قرار الأرضين حتى سمع تسبيح الحصى. وقوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ حال من مفعول ﴿فَالْتَقَمَهُ﴾؛ أي: داخل في

стр. 11006

الملامة. ومعنى دخوله في الملامة: كونه يلام سواء استحق اللوم أم لا، أو آت بما يلام عليه، فيكون المليم بمعنى من يستحق اللوم سواء لاموه أم لا، يقال: ألام الرجل إذا أتى بما يلام عليه أو يلوم نفسه. فالهمزة على هذا للتعدية، لا على التقديرين. وقيل: المليم: المعيب، يقال: ألام الرجل إذا عمل شيئًا صار به معيبًا. قال سعيد بن جبير: لما استهموا جاء حوت إلى السفينة فاغرًا فاه، ينتظر أمر ربه حتى إذا ألقى نفسه في الماء أخذه الحوت، روي: أن الله تعالى أوحى إلى السمكة أني لم أجعله لك رزقًا، ولكن جعلت بطنك له وعاء، فلا تكسري منه عظمًا، ولا تقطعي منه وصلًا. فمكث في بطن الحوت أربعين ليلة، كما دل عليه كونه منبوذًا على الساحل، وهو سقيم. ١٤٣ - ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ﴾؛ أي: يونس ﴿كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ في بطن الحوت، وهو قوله: ﴿لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، أو من الذاكرين الله كثيرًا بالتسبيح مدة عمره، وعن سهل، من القائمين بحقوق الله تعالى، قبل البلاع ذكرًا أو صلاة أو غيرهما. ١٤٤ - ﴿لَلَبِثَ﴾ يونس ﴿فِي بَطْنِهِ﴾؛ أي: في بطن الحوت وجوفه ﴿إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أي: إلى يوم يبعث الخلائق، وهو يوم القيامة؛ أي: لصار بطن الحوت له قبرًا إلى يوم البعث. وقيل: للبث في بطنه حيًا. واختلف (١) المفسرون في كم أقام في بطن الحوت؟. فقال السدي، ومقاتل بن سليمان، والكلبي: أربعين يومًا، وقال الضحاك: عشرين يومًا، وقال عطاء: سبعة أيام، وقال مقاتل بن حيان: ثلاثة أيام، وقيل: ساعة واحدة قال في «كشف الأسرار»: فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يبقى هو والحوت إلى يوم البعث. والثاني: يموت الحوت ويبقى هو في بطنه. والثالث: يموتان ثم يحشر يونس من بطنه، فيكون بطن الحوت قبرًا له إلى يوم القيامة، فلم يلبث فيه لكونه من المسبحين.

стр. 11007

وفيه (١): حث على إكثار الذكر، وتعظيم لشأنه، وإشارة إلى أن خلاص يونس القلب إذا التقمه حوت النفس لا يكون إلا بملازمة ذكر الله تعالى، ومن أقبل عليه في السراء أخذ بيده عند الضراء. والعمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثر، وإذا صرع يجد متكأً. روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «سبح يونس في بطن الحوت، فسمعت الملائكة تسبيحه، فقالوا: ربنا نسمع صوتًا ضعيفًا بأرض غريبة، فقال تعالى: ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر، قالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في يوم وليلة عمل صالح، قال: نعم. فشفعوا له، فأمر الحوت فقذفه بالساحل في أرض نصّبين» وهي بلدة قاعدة ديار ربيعة. وذلك قوله تعالى: ﴿فَنَبَذْناهُ﴾. وحاصل المعنى (٢): أي وإن يونس لرسول من ربه إلى قومه أهل نينوى بالموصل، حين هرب إلى الفلك المملوء بغير إذن ربه، فقارع أهل الفلك فكان من المغلوبين في القرعة؛ أي: فاقترعوا فخرجت القرعة عليه، فقال: أنا الآبق، وألقى نفسه في الماء، فالتقمه الحوت. وهو فاعل ما يلام عليه من الهجرة بغير إذن ربه. وقد كان عليه أن يصبر على أذى قومه كما صبر أولو العزم من الرسل، فلولا أنه كان من الذاكرين الله كثيرًا، والمسبحين بحمده طوال عمره للبث ميتًا في بطنه إلى يوم البعث. إذ كان يهضم كبقية أنواع الطعام، ويتحول إلى غذاء له كسائر أنواع الأغذية التي يأكلها. ١٤٥ - ﴿فَنَبَذْناهُ﴾؛ أي: فألقينا يونس من بطن الحوت ﴿بِالْعَراءِ﴾؛ أي: بالمكان الخالي عما يغطيه من شجر أو نبت؛ أي: أمرنا الحوت، وحملناه على لفظه، ونبذه، ورميه بالمكان الخالي ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾؛ أي: والحال أن يونس عليل البدن من أجل ما ناله في بطن الحوت من ضعف بدنه، فصار كبدن الطفل ساعة يولد، لا قوة له، أو بلي لحمه ونتف شعره، حتى صار كالفرخ ليس عليه شعر وريش،

стр. 11008

ورق عظمه وضعف، بحيث لا يطيق حر الشمس، وهبوب الرياح. أي (١): فجعلنا الحوت يلقيه في مكان خال لا نبات فيه ولا شجر، وهو عليل الجسم، سقيم النفس لما لحقه من الغم مما حدث من قومه معه إذ أعرضوا عن دعوته، ولم يصدقوه فيما جاء به. وقد كان يرجو لهم الخير والسعادة في دنياهم وآخرتهم، ولما وجد من شدة وجهد في ابتلاع الحوت له. ١٤٦ - ثم بيّن لطفه به، ورعايته له حتى لا يتعرض لحر الشمس، ولا لزمهرير البرد. فقال: ﴿وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ﴾؛ أي: فوقه مظللة عليه ﴿شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾؛ أي: من قرع، يفعيل من قطن بالمكان إذا أقام به، فهو موضوع لمفهوم كلي متناول للقرع، والبطيخ، والقثاء، والقند، والحنظل، ونحوها، مما كان ورقه كله منبسطًا على وجه الأرض، ولم يقم على ساق، واحدته يقطينة، أطلق هنا على القرع استعمالًا للعام في بعض جزئياته. وقال في «القاموس»: اليقطين: ما لا ساق له من النبات ونحوه، وبهاء القرعة الرطبة، انتهى. قال ابن الشيخ: ولعل (٢) إطلاق اسم الشجرة على القرع، مع أن الشجر في كلامهم اسم لكل نبات يقوم على ساقه، ولا ينبسط على وجه الأرض مبني على أنه تعالى أنبت عليه شجرةً، عريشًا لما نبت تحتها من القرع، بحيث استولى القرع على جميع أغصانها، حتى صارت كأنها شجرة من يقطين. وكان هذا الإنبات كالمعجزة ليونس، فاستظل بظلها، وغطته بأوراقها عن الذباب، فإنه لا يقع عليها كما يقع على سائر العشب، وكان يونس حين لفظه البحر، متغيرًا يؤلمه الذباب، فسترته الشجرة بورقها، قيل لرسول الله ﷺ : إنك تحب القرع، قال: أجل، هي شجرة أخي يونس. وروي: أنه تعالى قيّض له أروية وهي الأنثى من الوعل، تروح عليه بكرةً وعشية، فيشرب من لبنها حتى اشتد لحمه، ونبت شعره، وعادت قوته. والمعنى: أي (٣) فأنبتنا حواليه شجرة من موز يتغطى بورقها، ويستظل

стр. 11009

بأغصانها، فتقيه لفح الشمس، ووهجها، وبرد الصحراء، وشديد حرها. وكذلك يأكل من ثمارها، فتغنيه من طلب الغذاء من أي جهة أخرى. قيل: تخصيص القرع؛ لأنه يجمع الظل، ولين الملمس، وكبر الورق، وإن الذباب لا يقربه. ١٤٧ - ثم ذكر أنه لما شُفي من سقمه، ونجا من الهلاك، ورضي ربه عنه عاد إلى قومه ليتم دعوته، ويبلّغ رسالته، كما أشار إلى ذلك بقوله: ﴿وَأَرْسَلْناهُ﴾؛ أي: يونس مرة أخرى ﴿إِلى مِائَةِ أَلْفٍ﴾ هم قومه الذين هرب منهم. وقيل المراد: إرساله السابق، وهو إرساله إليهم قبل أن يخرج من بينهم، والتقمه الحوت. أخبر أولًا بأنه من المرسلين على الإطلاق، ثم أخبر بأنه قد أرسل إلى مئة ألف جمة. وكان توسيط تذكير وقت هربه إلى الفلك وما بعده بينهما لتذكير سببه. وهو ما جرى بينه وبين قومه من إنذاره إياهم عذاب الله، وتعيينه لوقت حلوله، وتعللهم، وتعليقهم لإيمانهم بظهور أماراته. ليعلم أن إيمانهم الذي سيحكى بعد، لم يكن عقيب الإرسال كما هو المتبادر من ترتيب الإيمان عليه بالفاء. واختلف (١) أهل العلم، هل كان قد أرسل قبل أن يهرب من قومه إلى البحر، أو لم يرسل إلا بعد ذلك؟. والراجح: أنه كان رسولًا قبل أن يذهب إلى البحر، كما يدل عليه ما تقدم في سورة يونس، وبقي مستمرًا على الرسالة. وهذا الإرسال المذكور هنا هو بعد تقدم نبوته ورسالته. والمعنى (٢): وكنا أرسلناه إلى مئة ألف. فلما خرج من بطن الحوت أمر أن يرجع إليهم ثانيًا؛ أي: وأرسلناه إلى قوم عددهم مئة ألف. ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ قال ابن عباس: معناه: ويزيدون على ذلك، فـ ﴿أَوْ﴾ عنده بمعنى الواو. وقيل معناه: بل يزيدون، فـ ﴿أَوْ﴾ بمعنى بل. وقيل: ﴿أَوْ﴾ على أصلها، ومعناها: من الشك. والمعنى: أو يزيدون في تقدير الرائي إذا رآهم. قال: هؤلاء مئة ألف أو يزيدون على ذلك، فالشك على تقدير المخلوقين. إذ الشك على الله محال. والأصح هو قول ابن عباس الأول. والمعنى عليه: وأرسلناه إلى قوم عدادهم مئة ألف، وإلى

стр. 11010

قوم يزيدون على ذلك. وأما الزيادة فقال ابن عباس: كانت عشرين ألفًا، ويعضده ما روى عن أبيّ بن كعب رضي الله تعالى عنه قال: سألت رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)﴾ قال: يزيدون عشرين ألفًا، أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن. وقيل: يزيدون بعضًا وثلاثين ألفًا. وقيل: سبعين ألفًا. والمقصود من هذا الكلام على جميع التقادير: وصفهم بالكثرة. وفي «فتح الرحمن»: إن قلت: ﴿أَوْ﴾ للشك (١) وهو على الله محال. قلت: ﴿أَوْ﴾ بمعنى: بل، أو بمعنى الواو، أو المعنى: أو يزيدون في نظرهم، فالشك إنما دخل في قول المخلوقين، انتهى. وقرأ جعفر بن محمد ﴿ويزيدون﴾ بدون ألف الشك. ١٤٨ - ﴿فَآمَنُوا﴾؛ أي: بعدما شاهدوا علائم حلول العذاب إيمانًا خالصًا ﴿فَمَتَّعْناهُمْ﴾ بالحياة الدنيا، وأبقيناهم ﴿إِلى حِينٍ﴾ انقضاء آجالهم، ومنتهى أعمارهم. وهذا كناية عن رد العذاب عنهم، وصرف العقوبة. والمعنى: أي (٢) فأرسلناه مرة أخرى إلى هؤلاء القوم، وقد كانوا مئة ألف بل يزيدون، فاستقامت حالهم، وآمنوا به؛ لأنه بعد أن خرج من بين أظهرهم رأوا أنهم قد أخطؤوا، وأنهم إذا لم يتبعوا رسولهم هلكوا كما حدث لمن قبلهم من الأمم. فلما عاد إليهم، ودعاهم إلى ربه لبوا الدعوة طائعين منقادين لأمر الله ونهيه، فمتعناهم في هذه الحياة حتى انقضت آجالهم، وهلكوا فيمن هلك. فائدة: هاهنا مسألتان (٣): ١ - أن القرآن الكريم لم يبين لنا مم أبق، ولو كان في بيانه فائدة لذكرها. ٢ - أنه لم يذكر مدة لبثه في بطن الحوت، وتعيين زمن معين يحتاج إلى نقل صحيح، ولم يؤثر ذلك وأيا كان، فبقاؤه حيا في بطن الحوت مدة قليلة، أو

стр. 11011

كثيرة، معجزة لذلك النبي الكريم. وصارت (١) قصة يونس آخر القصص، لما فيها من ذكر عدم الصبر على الأذى والإباق. ولعل عدم ختم هذه القصة وقصة لوط بما ختم به سائر القصص، من ذكر سلام وما يتبعه للتفرقة بينهما، وبين أرباب الشرائع الكبار، وأولي العزم من الرسل، أو اكتفاءً بالتسليم الشامل لكل الرسل المذكورين في آخر السورة، قاله البيضاوي. وقال بعضهم: وجهه أن إلياس ويونس سواء في أن كلّا منهما ليسا من أرباب الشرائع الكبار، وأولي العزم من الرسل، فلا بد لتخصيص أحدهما بالسلام من وجه، وأن التسليم المذكور في آخر السورة شامل لكل من ذكر هنا، ومن لم يذكر، فحينئذ كان الظاهر أن يقتصر على ذكر سلام نوح ونحوه، ثم يعمم عليهم، وعلى غيرهم، ممن لم يكن في درجتهم. روي: أن يونس ﵇ نام يومًا تحت الشجرة، فاستيقظ وقد يبست، فخرج من ذلك العراء ومر بجانب مدينة نينوى، فرأى هنا لك غلامًا يرعى الغنم، فقال له: من أنت يا غلام؟ فقال: من قوم يونس، قال: فإذا رجعت إليهم فاقرأ عليهم مني السلام، وأخبرهم أنك لقيت يونس ورأيته، فقال الغلام: إن تكن يونس فقد تعلم أن من يحدث، ولم يكن له بينة قتلوه، وكان في شرعهم أن من كذب قتل، فمن يشهد لي، فقال له يونس: تشهد لك هذه الشجرة وهذه البقعة، فقال الغلام ليونس: مرهما بذلك، فقال لهما: إذا جاءكما هذا الغلام فاشهدا له، قالتا: نعم. فرجع الغلام إلى قومه، فأتى الملك فقال: إني لقيت يونس وهو يقرأ عليكم السلام، فأمر الملك أن يقتل، فقال: إن لي بينة، فأرسل معه جماعة فانتهوا إلى الشجرة والبقعة، فقال لهما الغلام: أنشدكما الله ؛ أي: أسألكما بالله تعالى، هل أشهدكما يونس؟ قالتا: نعم. فرجع القوم مذعورين، فأتوا الملك فحدثوه بما رأوا، فتناول الملك يد الغلام، فأجلسه في منزله، فقال له: أنت أحق مني بهذا المقام والملك، فأقام بهم الغلام أربعين سنة.

стр. 11012

وروي في بعض التفاسير: أن قومه آمنوا، فسألوه أن يرجع إليهم، فأبى يونس، لأن النبي إذا هاجر لم يرجع إليهم مقيمًا فيهم. وروي: أنه لما استيقظ فوجد أنه قد يبست الشجرة، فأصابته الشمس حزن كذلك حزنًا شديدًا، فجعل يبكي فبعث الله إليه جبرائيل وقال: قل له: أتحزن على شجرة لم تخلقها أنت ولم تنبتها ولم تربها؟ وأنا الذي خلقت مئة ألف من الناس أو يزيدون، تريد مني أن أستأصلهم في ساعة واحدة وقد تابوا، وتبت عليهم، فأين رحمتي يا يونس؟ وأنا أرحم الراحمين. الإعراب ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى﴾. ﴿فَلَمَّا بَلَغَ﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت دعاءَهُ لنا، وتبشيرنا إياه وأردت بيان عاقبة الولد .. فأقول لك: لما بلغ. ﴿لما﴾: اسم شرط غير جازم، في محل نصب على الظرفية الزمانية ﴿بَلَغَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على الغلام. والجملة فعل شرط لـ ﴿لما﴾، في محل جر بالإضافة. ﴿مَعَهُ﴾: ظرف ومضاف إليه، والظرف متعلق بمحذوف حال من فاعل بلغ؛ أي: حالة كون الغلام مصاحبًا لأبيه، ﴿السَّعْيَ﴾: مفعول به، ﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على إبراهيم. والجملة جواب لما، لا محل لها من الإعراب، وجملة لما في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿يا بُنَيَّ﴾: ﴿يا﴾ حرف نداء، ﴿بُنَيَّ﴾: منادى، مضاف إلى ياء المتكلم، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾، ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه، ﴿أَرى﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على ﴿إبراهيم﴾. ﴿فِي الْمَنامِ﴾: متعلق بـ ﴿أَرى﴾. وجملة ﴿أَرى﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنْ﴾، وجملة ﴿إِنْ﴾: في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه، ﴿أَذْبَحُكَ﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر، ومفعول به. وجملة أذبح في محل الرفع خبر ﴿أن﴾، وجملة ﴿أن﴾: مع معموليها في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ﴿أَرى﴾، والتقدير: إني أرى في المنام ذبحي إياك. ﴿فَانْظُرْ﴾: الفاء: عاطفة

стр. 11013

﴿انظر﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على الغلام. والجملة معطوفة على جملة ﴿إِنِّي أَرى﴾ على كونها جواب النداء. ﴿ماذا﴾: اسم استفهام مركب في محل النصب مفعول مقدم لـ ﴿تَرى﴾، ﴿تَرى﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الغلام. وجملة ﴿تَرى﴾ في محل النصب مفعول به لـ ﴿أنظر﴾، معلق عنها لفظًا. و ﴿تَرى﴾ هنا من الرأي، لا من رؤية العين ولا المتعدية إلى مفعولين. وإن شئت، ﴿ما﴾: اسم استفهام مبتدأ، و ﴿ذا﴾ اسم موصول خبر ﴿ما﴾، وجملة ﴿تَرى﴾ صلة ذا الموصولة. والجملة من المبتدأ والخبر في محل النصب مفعول به لـ ﴿أنظر﴾. ﴿قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢)﴾. ﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على الغلام، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿يا﴾: حرف نداء، ﴿أَبَتِ﴾: منادى مضاف إلى ياء المتكلم المعوّض عنها تاء التأنيث، وجملة النداء في محل النصب مقول قال. ﴿افْعَلْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على إبراهيم، ﴿ما﴾: اسم موصول في محل النصب، مفعول به لـ ﴿افْعَلْ﴾. وجملة افعل في محل النصب مقول قال، ﴿تُؤْمَرُ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعل مستتر. والجملة صلة ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: ما تؤمر به. ﴿سَتَجِدُنِي﴾: السين حرف استقبال، ﴿تجد﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على إبراهيم، والنون للوقاية، وياء المتكلم في محل النصب مفعول أول لتجد، ﴿مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ متعلق بـ ﴿وجد﴾ على كونه مفعولًا ثانيًا له. والجملة الفعلية في محل النصب مقول قال. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط، ﴿شاءَ﴾: فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها، ولفظ الجلالة ﴿اللَّهُ﴾ فاعل شاء، ومفعول شاء محذوف تقديره: إن شاء الله صبري، وجواب ﴿إن﴾ الشرطية محذوف، تقديره: إن شاء الله صبري ستجدني من الصابرين. وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية معترضة، لا محل لها من الإعراب لاعتراضها بين الفعل ومعموله. ﴿فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ (١٠٩)﴾.

стр. 11014

﴿فَلَمَّا﴾ الفاء: الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت ما قال إبراهيم وما قال الغلام، وأردت بيان عاقبتهما .. فأقول لك: لما أسلما. ﴿لما﴾: اسم شرط غير جازم في محل نصب على الظرفية الزمانية، ﴿أَسْلَما﴾: فعل ماض، والألف فاعل. والجملة فعل شرط لـ ﴿لما﴾، في محل جر بالإضافة. ﴿وَتَلَّهُ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿تَلَّهُ﴾: فعل، وفاعل مستتر يعود على إبراهيم، والهاء ضمير عائد على الغلام في محل النصب مفعول به. والجملة معطوفة على جملة ﴿أَسْلَما﴾: على كونها فعل شرط لـ ﴿لما﴾. ﴿لِلْجَبِينِ﴾: جار ومجرور، متعلق بمحذوف حال من ضمير المفعول في ﴿تَلَّهُ﴾: أو متعلق بـ ﴿تل﴾، ﴿وَنادَيْناهُ﴾: فعل، وفاعل، ومفعول به، معطوف على ﴿أَسْلَما﴾، وجواب لما الشرطية محذوف تقديره: ظهر صبرهما، أو أجزلنا لهما أجرهما، أو كان ما كان مما تنطق به الحال. وقال الكوفيون والأخفش: الجواب: وتله للجبين بزيادة الواو. وقيل: وناديناه بزيادة الواو أيضًا، والأول أرجح. ﴿أَنْ﴾ مفسرة؛ لأن النداء فيه معنى القول دون حروفه، ﴿يا إِبْراهِيمُ﴾: منادى مفرد العلم، وجملة النداء مفسرة لنادينا المذكور، ﴿قَدْ﴾ حرف تحقيق، ﴿صَدَّقْتَ﴾ فعل وفاعل، ﴿الرُّؤْيا﴾ مفعول به، والجملة الفعلية جملة مفسرة للنداء المذكور، لا محل لها من الإعراب. ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه، ﴿كَذلِكَ﴾ صفة لمصدر محذوف مقدم على عامله، ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعول به. والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾: جملة مفسرة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿إِنَّ هذا﴾: ناصب واسمه. ﴿لَهُوَ﴾ اللام: حرف ابتداء. ﴿هو﴾: ضمير فصل، ﴿الْبَلاءُ﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿الْمُبِينُ﴾: صفة لـ ﴿لبلاء﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ جملة مفسرة لـ ﴿نادَيْناهُ﴾، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَفَدَيْناهُ﴾: فعل، وفاعل، ومفعول، معطوف على جواب لما المذكور، أو المحذوف على الخلاف المار فيه. ﴿بِذِبْحٍ﴾ متعلق بـ ﴿فَدَيْناهُ﴾، ﴿عَظِيمٍ﴾: صفة لـ ﴿ذبح﴾، ﴿وَتَرَكْنا﴾ فعل، وفاعل، معطوف على جملة ﴿لما﴾. ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿تَرَكْنا﴾ ومفعول ﴿تَرَكْنا﴾ محذوف. ﴿فِي الْآخِرِينَ﴾ صفة لذلك المحذوف، والتقدير: وتركنا له ثناء حسنًا كائنًا في الآخرين. ﴿سَلامٌ﴾ مبتدأ، ﴿عَلى إِبْراهِيمَ﴾ خبره. والجملة الاسمية

стр. 11015

في محل النصب مقول لقول محذوف، تقديره: وقلنا سلام على إبراهيم. ﴿كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)﴾. ﴿كَذلِكَ﴾: صفة لمصدر محذوف، مقدم على عامله. ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر، ومفعول به، والتقدير: نجزي المحسنين جزاءً كائنًا كذلك الجزاء المذكور. ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه، ﴿مِنْ عِبادِنَا﴾ خبره. والجملة مستأنفة. ﴿عباد﴾ مضاف. ﴿نا﴾: مضاف إليه، ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾: صفة لـ ﴿عِبادِنَا﴾، ﴿وَبَشَّرْناهُ﴾: فعل، وفاعل، ومفعول به، معطوف على ﴿بشرنا﴾ الأولى. ﴿بِإِسْحاقَ﴾ متعلق بـ ﴿بَشَّرْناهُ﴾. ﴿نَبِيًّا﴾: حال من ﴿إسحاق﴾. ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: صفة لـ ﴿نَبِيًّا﴾ أو حال ثانية. ﴿وَبارَكْنا﴾ فعل وفاعل ﴿عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ﴾ متعلقان بـ ﴿بارَكْنا﴾. ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما﴾: خبر مقدم. ﴿مُحْسِنٌ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿وَظالِمٌ﴾: معطوف عليه. ﴿لِنَفْسِهِ﴾: متعلق بـ ﴿ظالِمٌ﴾، ﴿مُبِينٌ﴾: صفة لـ ﴿ظالِمٌ﴾. والجملة مستأنفة. ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَهارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْناهُمْ فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (١١٦) وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨) وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ (١٢٠)﴾. ﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، واللام: موطئة للقسم. ﴿قد﴾ حرف تحقيق. ﴿مَنَنَّا﴾: فعل، وفاعل جواب القسم، لا محل لها من الإعراب. وجملة القسم مستأنفة. ﴿عَلى مُوسى﴾: متعلق بـ ﴿مَنَنَّا﴾، ﴿وَهارُونَ﴾: معطوف على ﴿مُوسى﴾، ﴿وَنَجَّيْناهُما﴾: فعل وفاعل، ومفعول به، معطوف على ﴿مَنَنَّا﴾، ﴿وَقَوْمَهُما﴾ معطوف على ضمير ﴿هما﴾، ﴿مِنَ الْكَرْبِ﴾: متعلق بـ ﴿نَجَّيْناهُما﴾، ﴿الْعَظِيمِ﴾ صفة لـ ﴿الْكَرْبِ﴾، ﴿وَنَصَرْناهُمْ﴾: فعل، وفاعل، ومفعول به، معطوف على ﴿مَنَنَّا﴾، ﴿فَكانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، معطوف على ﴿نَصَرْناهُمْ﴾، ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل ﴿الْغالِبِينَ﴾ خبر ﴿كان﴾، ﴿وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ﴾: فعل، وفاعل، ومفعولان، معطوف على ﴿مَنَنَّا﴾، ﴿الْمُسْتَبِينَ﴾: صفة

стр. 11016

لـ ﴿الْكِتابَ﴾، ﴿وَهَدَيْناهُمَا﴾: فعل، وفاعل، ومفعول أول، معطوف على ﴿مَنَنَّا﴾، ﴿الصِّراطَ﴾: مفعول ثان لـ ﴿آتينا﴾، ﴿الْمُسْتَقِيمَ﴾ صفة لـ ﴿الصِّراطَ﴾، ﴿وَتَرَكْنا﴾: فعل، وفاعل، معطوف على ﴿مَنَنَّا﴾، ﴿عليهما﴾ متعلق بـ ﴿تَرَكْنا﴾، ﴿فِي الْآخِرِينَ﴾ صفة لمفعول ﴿تَرَكْنا﴾ المحذوف؛ أي: وتركنا لهما ثناء حسنًا كائنًا في الآخرين. ﴿سَلامٌ﴾. مبتدأ ﴿عَلى مُوسى﴾: خبر. ﴿وَهارُونَ﴾: معطوف على ﴿مُوسى﴾. والجملة مقول لقول محذوف؛ أي: وقلنا سلام على موسى وهارون. ﴿إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢) وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)﴾. ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، ﴿كَذلِكَ﴾: صفة لمصدر محذوف مقدم على عامله، ﴿نَجْزِي﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر، ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾: مفعول به. والجملة الفعلية في محل الرفع خبر إنا؛ أي: إنا مجازو، المؤمنين جزاء كائنًا كذلك الجزاء المذكور ﴿إِنَّهُما﴾ ناصب واسمه، ﴿مِنْ عِبادِنَا﴾ خبر ﴿إن﴾، ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ صفة لـ ﴿العباد﴾، وجملة إن مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها ﴿وإن﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية أو عاطفة قصة على قصة. ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب، ﴿إِلْياسَ﴾ اسمها، ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ خبرها، واللام حرف ابتداء. والجملة مستأنفة أو معطوفة على ما سبق من القصص. ﴿إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢)﴾. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، متعلق بمحذوف تقديره: اذكر يا محمد قصة وقت قول إلياس لقومه، ﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿إِلْياسَ﴾. والجملة في محل الجر مضاف لـ ﴿إِذْ﴾، ﴿لِقَوْمِهِ﴾ متعلق بـ ﴿قالَ﴾، ﴿أَلا﴾ حرف عرض، مبني على السكون. وقيل: الهمزة للاستفهام الأمري.

стр. 11017

﴿لا﴾: نافية. ﴿تَتَّقُونَ﴾: فعل وفاعل، ومفعوله محذوف، تقديره: عذاب الله. والجملة الفعلية في محل النصب، مقول قال. ﴿أَتَدْعُونَ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري، ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿وَتَذَرُونَ﴾: فعل، وفاعل، معطوف على ﴿تَدْعُونَ﴾، ﴿أَحْسَنَ الْخالِقِينَ﴾: مفعول به، ومضاف إليه، ﴿اللَّهَ﴾: بالنصب بدل من أحسن الخالقين، ﴿رَبَّكُمْ﴾: بدل من لفظ الجلالة، ﴿وَرَبَّ آبائِكُمُ﴾: معطوف على ربكم، ﴿الْأَوَّلِينَ﴾: صفة لـ ﴿آبائِكُمُ﴾: فالكلمات الثلاث منصوبة. وقرىء بالرفع على أنها أخبار لمبتدأ محذوف؛ أي: هو الله، أو ﴿اللَّهَ﴾: مبتدأ، و ﴿رَبَّكُمْ﴾: خبره. والجملة الاسمية بدل من ﴿أَحْسَنَ الْخالِقِينَ﴾. ﴿وَرَبَّ آبائِكُمُ﴾: معطوف على ﴿رَبَّكُمْ﴾، ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾: الفاء: عاطفة. ﴿كذبوه﴾: فعل، وفاعل، ومفعول به. والجملة معطوفة على جملة قال. ﴿فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت دعوته إياهم إلى الإيمان، وتكذيبهم له وأردت بيان عاقبة أمرهم فأقول لك ﴿إنهم﴾ ناصب واسمه ﴿لَمُحْضَرُونَ﴾: خبره، واللام: حرف ابتداء. والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ، ﴿عِبادَ اللَّهِ﴾ منصوب على الاستثناء من فاعل ﴿كذبوا﴾، ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾: نعت لعباد الله، ﴿وَتَرَكْنا﴾: فعل، وفاعل، ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق به. والجملة مستأنفة. ومفعول ﴿تَرَكْنا﴾ محذوف؛ أي: ثناء حسنًا ﴿فِي الْآخِرِينَ﴾: صفة لذلك المحذوف، ﴿سَلامٌ﴾ مبتدأ، ﴿عَلى إِلْ ياسِينَ﴾: خبر. والجملة الاسمية مقول لقول محذوف، تقديره: وقلنا سلام على إلياسين. ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه، ﴿كَذلِكَ﴾ صفة لمصدر محذوف، مقدم على عاملة، وجملة ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾: خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها، ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه، ﴿مِنْ عِبادِنَا﴾ خبره، ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾: صفة لـ ﴿العباد﴾. وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغابِرِينَ (١٣٥)﴾.

стр. 11018

﴿وَإِنَّ﴾ الواو: استئنافية أو عاطفة قصة على قصة. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿لُوطًا﴾: اسمها، ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾، واللام: حرف ابتداء. والجملة مستأنفة. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، متعلق بمحذوف تقديره: اذكر. ﴿نَجَّيْناهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به. والجملة في محل الجر، مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿وَأَهْلَهُ﴾ معطوف على ضمير ﴿نَجَّيْناهُ﴾، ﴿أَجْمَعِينَ﴾: تأكيد لما قبله، ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ، ﴿عَجُوزًا﴾ منصوب على الاستثناء. ﴿فِي الْغابِرِينَ﴾ صفة ﴿عَجُوزًا﴾. ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف للترتيب مع التراخي. ﴿دَمَّرْنَا﴾: فعل، وفاعل، معطوف على ﴿نَجَّيْناهُ﴾، ﴿الْآخَرِينَ﴾: مفعول به، ﴿وَإِنَّكُمْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة أو استئنافية، ﴿إِنَّكُمْ﴾ ناصب واسمه، ﴿لَتَمُرُّونَ﴾ اللام: حرف ابتداء، ﴿تمرون﴾: فعل، وفاعل، ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿تمرون﴾، ﴿مُصْبِحِينَ﴾ حال من فاعل ﴿تمرون﴾. وهو من أصبح التامة. والجملة الفعلية في محل الرفع خبر، وجملة ﴿إن﴾ معطوفة على جملة قوله: ﴿وَإِنَّ لُوطًا﴾ أو مستأنفة ﴿وَبِاللَّيْلِ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿بِاللَّيْلِ﴾ جار ومجرور، متعلق بمحذوف، معطوف على مصبحين على كونه حالًا من فاعل ﴿تمرون﴾؛ أي: وملتبسين بالليل. ﴿أَفَلا﴾: الهمزة للاستفهام التوبيخي، داخلة على مقدر معلوم من المقام، والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف، ﴿لا﴾: نافية. ﴿تَعْقِلُونَ﴾: فعل، وفاعل، معطوف على ذلك المقدر، والتقدير: أتشاهدون ذلك فلا تعقلون حتى تعتبروا به، وتخافوا أن يصيبكم مثل ما أصابهم والجملة المحذوفة جملة إنشائية، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢)﴾. ﴿وَإِنَّ﴾ الواو: عاطفة قصة على قصة أو استئنافية، ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب، ﴿يُونُسَ﴾: اسمها، ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾: خبرها، واللام: حرف ابتداء. والجملة

стр. 11019

مستأنفة. أو معطوفة على ما سبق من القصص. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، متعلق بمحذوف، تقديره: اذكر يا محمد لقومك قصة وقت إباقه. ﴿أَبَقَ﴾ فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على يونس. والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿إِلَى الْفُلْكِ﴾ متعلق بـ ﴿أَبَقَ﴾، ﴿الْمَشْحُونِ﴾: صفة لـ ﴿الْفُلْكِ﴾. ﴿فَساهَمَ﴾: الفاء: عاطفة، ﴿ساهم﴾ فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على يونس. والجملة في محل الجر معطوفة على جملة ﴿أَبَقَ﴾. ﴿فَكانَ﴾: الفاء: عاطفة، ﴿كان﴾: فعل ماض ناقص، واسمه ضمير يعود على يونس، ﴿مِنَ الْمُدْحَضِينَ:﴾ خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ معطوف على جملة ﴿ساهم﴾. ﴿فَالْتَقَمَهُ﴾: الفاء: عاطفة على محذوف معلوم من السياق، تقديره: فألقوه في البحر، فالتقمه الحوت. والجملة المحذوفة معطوفة على جملة ﴿كان﴾، ﴿التقمه﴾: فعل، ومفعول، ﴿الْحُوتُ﴾: فاعل. والجملة معطوفة على تلك المحذوفة. ﴿وَهُوَ﴾: ﴿الواو﴾: حالية، ﴿هُوَ مُلِيمٌ﴾: مبتدأ وخبر. والجملة الاسمية في محل النصب حال من مفعول ﴿التقمه﴾. ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾. ﴿فَلَوْلا﴾ الفاء: استئنافية، ﴿لولا﴾: حرف امتناع لوجود، ﴿أَنَّهُ﴾: ناصب واسمه، ﴿كان﴾: فعل ماض ناقص، واسمه ضمير يعود على يونس. ﴿مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ خبر ﴿كَانَ﴾، وجملة ﴿كَانَ﴾: في محل الرفع خبر ﴿أن﴾، وجملة ﴿أن﴾: في تأويل مصدر مرفوع على الابتداء، والخبر محذوف وجوبًا، تقديره: فلولا كونه من المسبحين موجود، ﴿لَلَبِثَ﴾ اللام: رابطة لجواب ﴿لولا﴾، ﴿لبث﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على يونس، ﴿فِي بَطْنِهِ﴾: متعلق بـ ﴿لبث﴾، ﴿إِلى يَوْمِ﴾: جار ومجرور، متعلق بلبث أيضًا، ﴿يُبْعَثُونَ﴾: فعل مضارع، مغيّر الصيغة، ونائب فاعل. والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمِ﴾، وجملة ﴿لبث﴾ جواب ﴿لولا﴾، لا محل لها من الإعراب. وجملة ﴿لولا﴾ مستأنفة. ﴿فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْناهُ

стр. 11020

إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (١٤٨)﴾. ﴿فَنَبَذْناهُ﴾ الفاء: عاطفة على محذوف، تقديره: أمرنا الحوت بنبذه فنبذناه. ﴿نبذناه﴾: فعل، وفاعل، ومفعول به. والجملة معطوفة على تلك المحذوفة. ﴿بِالْعَراءِ﴾ متعلق بـ ﴿نبذنا﴾، ﴿وَهُوَ﴾ ﴿الواو﴾: حالية، ﴿هُوَ سَقِيمٌ﴾: مبتدأ وخبر. والجملة الاسمية في محل النصب حال من مفعول ﴿نبذناه﴾. ﴿وَأَنْبَتْنا﴾: فعل، وفاعل، معطوفة على ﴿نبذنا﴾، ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿أَنْبَتْنا﴾، ﴿شَجَرَةً﴾: مفعول به، ﴿مِنْ يَقْطِينٍ﴾: صفة لـ ﴿شَجَرَةً﴾، ﴿وَأَرْسَلْناهُ﴾ فعل وفاعل، ومفعول، معطوف على ﴿أنبتنا﴾، ﴿إِلى مِائَةِ أَلْفٍ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿أرسلنا﴾. ﴿أَوْ﴾ حرف عطف بمعنى الواو. ﴿يَزِيدُونَ﴾: فعل، وفاعل، صفة لموصوف محذوف، تقديره: وإلى عدد يزيدون على ذلك، ﴿فَآمَنُوا﴾: الفاء: عاطفة، ﴿آمنوا﴾: فعل، وفاعل، معطوف على أرسلناه، ﴿فَمَتَّعْناهُمْ﴾ الفاء: عاطفة، ﴿متعناهم﴾: فعل، وفاعل، ومفعول به، معطوف على آمنوا، ﴿إِلى حِينٍ﴾ متعلق بـ ﴿متعناهم﴾. التصريف ومفردات اللغة ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾؛ أي: فلما بلغ السن التي تساعده على أن يسعى معه في أعماله، وحاجات المعيشة. ﴿أَسْلَما﴾؛ أي: استسلما، وانقادا لأمر الله تعالى. يقال: سلم لأمر الله، وأسلم، واستسلم بمعنى واحد. قرىء بهن جميعًا، كما مر. ﴿وَتَلَّهُ﴾؛ أي: كبه على وجهه. ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾؛ أي: صرعه، وأسقطه، فوقع أحد جنبيه على الأرض، تواضعًا على مباشرة الأمر بصبر، وجلد. وفي «المصباح»: والجبين: جانب الجبهة من محاذاة النزعة إلى الصدغ، وهما جبينان عن يمين الجبهة وشمالها، قاله الأزهري، وابن فارس، وغيرهما فتكون الجبهة بين جبينين، وجمعه جبن بضمتين مثل: بريد وبرد، وأجبنة مثل أسلحة. وفي «القاموس»: تله تلا من باب قتل، فهو متلول وتليل أو ألقاه على عنقه وخده. قال الراغب: أصل التل: المكان المرتفع، والتليل: العنق وتله للجبين: أسقطه على التل أو على تليله.

стр. 11021

﴿صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾؛ أي: حققت ما طلب منك. ﴿لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ﴾؛ أي: الاختبار البيّن الذي يتميز فيه المخلص من غيره. ﴿بِذِبْحٍ﴾؛ أي: بحيوان يذبح، وهو كبش، قرّبه هابيل، فذبحه إبراهيم فداءً لولده، وقد بقي قرناه معلقين على الكعبة إلى أن احترق البيت في زمن ابن الزبير. قال الشعبي: رأيت قرني الكبش منوطين بالكعبة. وقال ابن عباس والذي نفسي بيده لقد كان أول الإسلام، وأن رأس الكبش لمعلق بقرنية في ميزاب الكعبة وقد يبس، اهـ الخازن. ومن المعلوم المقرر، أن كل ما هو من الجنة لا تؤثر فيه النار، فلم يطبخ لحم الكبش، بل أكلته السباع والطيور، تأمل. ﴿وَبَشَّرْناهُ﴾: من التبشير، وهو الإخبار بما يظهر سرورًا في المخبر به، ومنه: تباشير الصبح لما ظهر من أوائل ضوئه. ﴿وَبارَكْنا عَلَيْهِ﴾؛ أي: أفضنا البركات عليه. ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَهارُونَ (١١٤)﴾ المنان في صفة الله تعالى، المعطي ابتداء من غير أن يطلب عوضًا. يقال: منّ عليه منّا إذا أعطاه شيئًا، ومنّ عليه منّة إذا أعد نعمته عليه، وامتن وهو مذموم من الخلق، لا من الحق كما قال تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ﴾. ﴿الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ﴾؛ أي: البليغ المتناهي في البيان. فاستبان مبالغة بان بمعنى: ظهر ووضح، وجعل الكتاب بالغا في بيانه من حيث إنه لكماله في بيان الأحكام، وتمييز الحلال عن الحرام، كأنه يطلب من نفسه أن يبيّنها، ويحمل نفسه على ذلك. وقيل: هذه السين كهي في قوله: ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾. فإن بان، واستبان، وتبين واحد نحو: عجل، واستعجل، وتعجل. فيكون معناه: الكتاب المبين. ﴿بَعْلًا﴾ والبعل هو الذكر من الزوجين. ولما تصور من الرجل استعلاء على المرأة، فجعل سائسها والقائم عليها شبّه كل مستعل على غيره به، فسمّي باسمه، فسمى العرب معبودهم الذي يتقربون به إلى الله: بعلا لاعتقادهم ذلك. فالبعل اسم صنم كان لأهل بك من الشام، وهو البلد المعروف اليوم ببعلبك، وكان من ذهب طوله عشرون ذراعًا، كما مر. وفي «تاج العروس»: قال الأزهري: هما

стр. 11022

اسمان جعلا اسمًا واحدًا لمدينة بالشام، والنسبة إليها بعلي أو بكي على ما ذكر في عبد شمس. ﴿وَتَذَرُونَ﴾؛ أي: تتركون. وسمعنا عمن له نصاب في العربية أن كلمتي ذر ودع أمران في معنى الترك، إلا أن ﴿دع﴾ أمر للمخاطب بترك الشيء قبل العلم به، و ﴿ذر﴾ أمر له بتركه بعدما علمه. وروي: أن بعض الأئمة سأل الإمام الرازي عن قوله تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ (١٢٥)﴾ لم لم يقل: وتدعون أحسن الخالقين، وهذا أقرب من الفصاحة للمجانسة؟ فقال الإمام: لأنهم اتخذوا الأصنام آلهةً، وتركوا الله بعد ما علموا أن الله ربهم ورب آبائهم الأولين استكبارًا. فكذلك قيل لهم: ﴿وَتَذَرُونَ﴾ ولم يقل: وتدعون، هذا. وقد أمات العرب ماضي دع وذر، ومصدرهما ولكن روي في الحديث: «لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات»؛ أي: عن تركهم الجمعات. وقال في «القاموس»: ودعه؛ أي: اتركه، أصله: ودع كوضع، وقد أميت ماضيه، وإنما يقال في ماضيه: تركه، وجاء في الشعر ودعه، وهو مودوع. وقرىء شاذًا ﴿ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾، وهي قراءته ﷺ . وقال الجوهري: ولا يقال وادع، وينافيه وروده في الشعر والقراءة إلا أن يحمل قولهم: «وقد أميت ماضيه» على قلة الاستعمال. فهو شاذ استعمالًا، صحيح قياسًا. ﴿فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ الإحضار المطلق مخصوص بالشر عرفًا. ﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾ العجوز: المرأة المسنة، سميت عجوزا لعجزها عن كثير من الأمور، كما في «المفردات». ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا﴾ التدمير: إدخال الهلاك على الشيء؛ أي: أهلكنا. ﴿أَبَقَ﴾؛ أي: هرب من قومه بغير إذن ربه. وأصل الإباق: هرب العبد من سيده، ولكن أطلق هنا على يونس على طريقة الاستعارة التصريحية التبعية، أو على طريق المجاز المرسل، والعلاقة هي استعمال المقيد في المطلق، وفي «المصباح»: أبق العبد أبقا من بابي تعب وقتل في لغة، والأكثر من باب ضرب إذا هرب من سيده من غير خوف ولا كد. والإباق بالكسر اسم منه، فهو آبق، والجمع أباق، مثل:

стр. 11023

كافر وكفار. ﴿إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾؛ أي: المملوء بالأحمال، يقال: شحن السفينة ملأها كما في «القاموس». ﴿فَساهَمَ﴾؛ أي: فقارع من في الفلك؛ أي: عمل قرعة. والسهم: ما يرمى من القداح ونحوه. والمعنى: فقارع أهل الفلك عن الآبق، وألقوا السهام على وجه القرعة. ﴿فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾؛ أي: فصار من المغلوبين بالقرعة، وأصله: المزلق عن مقام الظفر والغلبة. قال في «القاموس»: دحضت رجله زلقت، والشمس زالت دحوضا بطلت، انتهى. ﴿فَالْتَقَمَهُ﴾ الالتقام: الابتلاع، يقال: لقمت اللقمة، والتقمتها إذا ابتلعتها؛ أي: فابتلعه الحوت العظيم. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾؛ أي: داخل في الملامة، يقال: ألام فلان إذا فعل ما يلام عليه. وفي «المصباح»: لامه لومًا من باب قال عذله، فهو ملوم على النقص. والفاعل لائم، والجمع لوم مثل: راكع وركع، وألامه بالألف لغة، فهو ملام، والفاعل مليم، والاسم الملامة، والجمع ملاوم، واللائمة مثل الملامة، وألام الرجل إذا فعل ما يستحق عليه اللوم، وتلوّم تلوّمًا مكث. ﴿فَنَبَذْناهُ﴾ النبذ: إلقاء الشيء، وطرحه لقلة الاعتداد به. ﴿بِالْعَراءِ﴾؛ أي: بالمكان الخالي لا شجر فيه ولا شيء يغطيه، وهو مشتق من العري. وهو عدم السترة، شبهت الأرض الجرد بذلك لعدم استتارها بشيء. والعراء بالقصر: الناحية، ومنه: اعتراه؛ أي: قصد عراه. وعبارة «القاموس»: العراء: الفضاء لا يستتر فيه بشيء، وجمعه أعراء، وأعرى سار فيه وأقام. ﴿مِنْ يَقْطِينٍ﴾؛ أي: دباء القرع العسلي المعروف الآن. وقيل: الموز. وهو أظهر، لأن أوراقه أعرض. قال في القاموس: اليقطين: ما لا ساق له من النبات ونحوه، وبهاء القرعة الرطبة. وعبارة الزمخشري: واليقطين: كل ما ينبسط على وجه الأرض، ولا يقوم على ساق كشجرة البطيخ، والقثاء، والحنظل. وهو يفعيل من قطن بالمكان إذا أقام به. وقيل: هو الدباء. وإنما خص القرع لأنه يجمع بين برد الظل، ولين الملمس، وكبر الورق، وأن الذباب لا يقربه.

стр. 11024

البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الإتيان بصيغة المضارع في قوله: ﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ حيث لم يقل: ما أمرت، للدلالة أن الأمر متعلق به، متوجه إليه، مستمر إلى حين الامتثال به. ومنها: الطباق بين ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ﴾، وبين ﴿مُحْسِنٌ وَظالِمٌ﴾. ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿بَعْلًا﴾؛ لأن البعل في الأصل: الذكر من الزوجين، شبه كل مستعل على غيره به، فسمي به على طريقة الاستعارة التصريحية الأصلية. ومنها: التشبيه في قوله: ﴿إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠)﴾. ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠)﴾. شبه خروجه بغير إذن ربه بإباق العبد من سيده، ثم اشتق منه أبق بمعنى خرج بغير إذن ربه، على طريق الاستعارة التصريحية التبعية، أو على طريق المجاز المرسل، والعلاقة هي استعمال المقيد في المطلق. ومنها: الإسناد المجازي في قوله: ﴿وَنادَيْناهُ﴾ لما فيه من إسناد الفعل إلى الآمر لكونه سببه؛ لأن المنادى جبرائيل. ومنها: جمع المؤكدات في قوله: ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (١٠٦)﴾ إشعارًا بفخامة الأمر. لأنه أكده بـ ﴿أن﴾، وبضمير الفصل، وباللام، وباسمية الجملة. ومنها: الكناية في قوله: ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨)﴾؛ لأنه كناية عن الثناء الحسن والذكر الجميل. ومنها: الإسناد المجازي، في قوله: ﴿فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ﴾؛ لأنه من قبيل إسناد الفعل إلى السبب الحامل على الفعل. ومنها: الكناية في قوله: ﴿فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ﴾؛ لأنه كناية عن رد العذاب

стр. 11025

عنهم، وصرف العقوبة. ومنها: استعمال العام بمعنى الخاص في قوله: ﴿يَقْطِينٍ﴾؛ لأن اليقطين في الأصل: كل ما لا ساق له، فأطلق هنا على القرع فقط استعمالًا للعام في بعض جزئياته. ومنها: الاستعارة التصريحية التحقيقية في قوله: ﴿وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨)﴾؛ لأنه استعير ﴿الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ من معناه الحقيقي، وهو الطريق المستوي للدين الحق، وهو ملة الإسلام. وهذا أمر تحقق عقلًا، فقد نقل اللفظ إلى أمر معلوم. ومنها: الطباق في قوله: ﴿مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وَبِاللَّيْلِ﴾. ومنها: الزيادة، والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 11026

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠) فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣) وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦) وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠) وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩) سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما (١) أمر رسوله ﷺ في صدر هذه السورة بتبكيت قريش، وتوبيخهم على إنكارهم للبعث مع قيام الأدلة، وتظاهرها على وجوده، ثم ساق الكثير منها مما لا يمكن رده ولا جحده، ثم أعقبه بذكر ما سيلقونه من العذاب حينئذ، واستثنى منهم عباد الله المخلصين، وبيّن ما يلقونه من النعيم، ثم عطف على هذا أنه قد ضل قبلهم أكثر الأولين، وأنه أرسل إليهم منذرين، ثم أورد قصص بعض الأنبياء، تفصيلا متضمنا وصفهم بالفضل والعبودية له .. أمره هنا أيضًا بالتشديد عليهم ثانيًا بطريق الاستفتاء عن وجه القسمة الجائرة التي عملوها، وهي جعل البنات لله، وجعل البنين لأنفسهم بقولهم: الملائكة بنات الله، ثم بالتقريع

стр. 11027

ثالثًا على استهانتهم الملائكة بجعلهم إناثًا، ثم أبطل كلًا من هذين بالحجة، التي لا يجد العاقل محيصًا عن التصديق بها والإذعان لها. قوله تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما أثبت فساد آراء المشركين ومذهبهم .. أتبع ذلك بما نبه به، إلى أن هؤلاء المشركين، لا يقدرون على حمل أحد على الضلال، إلا إذا كان مستعدًا له، وقد سبق في حكم الله تعالى، أنه من أهل النار، وأنه لا محالة واقع فيها. ثم حكى اعتراف الملائكة بالعبودية تنبيهًا إلى فساد قول من ادعى، أنهم أولاد الله تعالى، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما هدد (١) المشركين بقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ .. أردفه بما يقوي قلب رسوله ﷺ بوعده بالنصر، والتأييد، كما جاء في آية أخرى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا ...﴾ الآية، سبب نزولها (٢): ما أخبره جويبر عن الضحاك عن ابن عباس، قال: أنزلت هذه الآية في ثلاثة أحياء من قريش: سليم وخزاعة وجهينة. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ...﴾ سبب نزوله: ما أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» عن مجاهد قال: قال كبار قريش: الملائكة بنات الله، فقال لهم أبو بكر الصديق: فمن أمهاتهم؟ قالوا: بنات سراة الجن. فأنزل الله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ ..﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن أبي حاتم عن يزيد بن أبي مالك، قال: كان الناس يصلون متبددين، فأنزل الله:

стр. 11028

﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥)﴾ الآية. فأمرهم أن يصفوا. قوله تعالى: ﴿أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ سبب نزوله: ما أخرجه جويبر عن ابن عباس، قال: قالوا: يا محمد أرنا العذاب الذي تخوفنا به، عجله لنا. فنزلت: ﴿أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤)﴾ الآية، صحيح على شرط الشيخين. التفسير وأوجه القراءة ١٤٩ - ولما كانت قريش، وقبائل من العرب، يزعمون أن الملائكة بنات الله، أمر الله سبحانه رسوله ﷺ باستفتائهم على طريقة التوبيخ والتقريع. فقال: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ يا محمد؛ أي: استخبر يا محمد هؤلاء المشركين، وسلهم. والفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا كان الله سبحانه موصوفًا بنعوت الكمال، والعظمة والجلال متفردًا بالخلق والربوبية، وجميع الأنبياء مقرين بالعبودية، داعين للعبيد إلى حقيقة التنزيه والتوحيد، وأردت توبيخ هؤلاء المشركين وتقريعهم على زعمهم الفاسد، فأقول لك: استخبرهم على سبيل التوبيخ والتجهيل؛ أي: سل قريشًا وبعض طوائف العرب نحو: جهينة، وبني سلمة، وخزاعة، وبني مليح. فإنهم كانوا يقولون: إن الله تعالى تزوج من الجن، فخرجت منها الملائكة، فهم بنات الله. ولذا يسترهن عن العيون، فأثبتوا الأولاد لله تعالى، ثم زعموا أنها من جنس الإناث لا من جنس الذكور، وقسموا القسمة الباطلة، حيث جعلوا الإناث لله تعالى، وجعلوا الذكور لأنفسهم. فإنهم كانوا يفتخرون بذكور الأولاد، ويستنكفون من البنات، ولذا كانوا يقتلونهن، ويدفنونهن حياء، كما قال تعالى: ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨)﴾ الآية. ومن (١) هنا أنه: من رأى في المنام أنه اسود وجهه، فإنه يولد له بنت. وفي «الكشاف» قوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ معطوف (٢) على مثله في أول السورة؛ أي: على قوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا﴾ وإن تباعدت المسافة بينهما، أمر رسول الله ﷺ باستفتاء قريش عن وجه إنكار البعث أولًا، ثم ساق الكلام

стр. 11029

موصولًا بعضه ببعض، ثم أمره باستفتائهم عن وجه القسمة الضيزي، التي قسموها، حيث جعلوا لله تعالى الإناث، ولأنفسهم الذكور في قولهم: الملائكة بنات الله مع كراهتهم الشديدة لهن، وو وأدهم، واستنكافهم عن ذكرهن. وهذا العطف الذي قاله الزمخشري بعيد. أي: سلهم يا محمد ﴿أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ﴾ اللاتي هي أوضع الجنسين ﴿وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ الذين هم أرفعهما. وفيه تفضيل لأنفسهم على ربهم، وذلك مما لا يقول به من له أدنى شيء من العقل، وارتكبوا (١) في زعمهم ثلاثة أنواع من الكفر: التجسيم؛ لأن الولادة مختصة بالأجسام، وتفضيل أنفسهم حيث نسبوا أرفع الجنسين لهم وغيره لله تعالى، واستهانتهم بمن هو مكرم عند الله تعالى، حيث أنثوهم، وهم الملائكة بدأ أولًا بتوبيخهم على تفضيل أنفسهم بقوله: ﴿أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ﴾، وعدل عن قوله: ألربكم إلى ما قاله، لما في ترك الإضافة إليهم من تخسيسهم وشرف نبيه بالإضافة إليه. والمعنى (٢): أي سل يا محمد قريشًا مؤنبًا لها، ومقرعًا على ضعف أحلامها، وسفاهة عقولها: ألربي البنات، ولكم البنون؟ فمن أين جاءكم هذا التقسيم، وإلام تستندون؟. وإنكم لتكرهون البنات، وتبغضونها أشد البغض، كما جاء في قوله: ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ ...﴾ الآية. وفيه إشارة إلى كمال جهالة الإنسان، وضلالته. إذا وكل إلى نفسه الخسيسة، وخلي إلى طبيعته الركيكة، أنه يظن بربه ورب العالمين نقائص لا يستحقها أدنى عاقل، بل غافل من أهل الدنيا. ١٥٠ - ثم زاد في توبيخهم وتقريعهم، فقال: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثًا﴾ جمع أنثى ﴿وَهُمْ شاهِدُونَ﴾؛ أي: والحال أنهم حاضرون، خلقنا إياهم إناثًا، فأضرب عن الكلام الأول إلى ما هو أشد منه في التبكيت، والتهكم بهم، ويجوز أن تكون (٣) ﴿أَمْ﴾ منقطعة بمعنى بل وهمزة الاستفهام الإنكاري، وأن تكون متصلة معادلة

стр. 11030

للهمزة، كأن المستفهم يدعي ثبوت أحد الأمرين عندهم، ويطلب تعيينه منهم قائلًا: أي هذين الأمرين تدعونه، اهـ «زاده». والمعنى على الأول: أي بل أخلقنا الملائكة الذين هم من أشرف الخلائق، وأبعدهم من صفات الأجسام ورذائل الطبائع إناثًا، والأنوثة من أخس صفات الحيوان. ولو قيل لأدناهم: فيك أنوثة لتمزقت نفسه من الغيظ لقائله، ففي جعلهم الملائكة إناثًا استهانة شديدة بهم. أي: كيف جعلوهم إناثًا وهم لم يحضروا عند خلقنا لهم. وهذا كقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾. فبيّن سبحانه، أن مثل ذلك لا يعلم إلا بالمشاهدة، ولم يشهدوا، ولا دل دليل على قولهم من السمع، ولا هو مما يدرك بالعقل، حتى ينسبوا إدراكه إلى عقولهم. وهذا (١) ترق في التوبيخ لهم على هذه المقالة، إذ أن ذلك لا يعلم إلا بالمشاهدة أو النقل، ولا سبيل إلى معرفته بالعقل حتى يقوم الدليل، والبرهان على صحته، والنقل الصحيح الذي يؤيد ما تدعون لا يوجد، فلم تبق إلا المشاهدة، وهذه لم تحصل. ١٥١ - ثم بيّن فساد منشأ هذه العقيدة الزائفة، فقال: ﴿أَلا﴾ حرف تنبيه ﴿إِنَّهُمْ﴾؛ أي: إن هؤلاء المشركين ﴿مِنْ إِفْكِهِمْ﴾، أي: من أجل كذبهم الأسوأ. وهو متعلق بقوله: ﴿لَيَقُولُونَ﴾ ١٥٢ - ﴿وَلَدَ اللَّهُ﴾: فعل، وفاعل. ﴿وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ فيما يتدينون به من قولهم: ذلك كذبًا بيّنًا لا ريب فيه. قرأ الجمهور: ﴿وَلَدَ اللَّهُ﴾ فعلًا ماضيًا، مسندًا إلى الله سبحانه. وقرىء (٢) بإضافة ﴿وَلَدَ﴾ إلى ﴿اللَّهُ﴾ على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: يقولون الملائكة ولد الله. وولد فعل بمعنى مفعول، يستوي فيه الواحد، والمثنى والجمع، والمذكر والمؤنث، والقليل والكثير. وفيه (٣) تجسيم له تعالى، وتجويز الفناء عليه؛ لأن الولادة مختصة بالأجسام القابلة للكون
следующие страницы →