قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠) فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣) وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦) وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠) وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩) سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما (١) أمر رسوله ﷺ في صدر هذه السورة بتبكيت قريش، وتوبيخهم على إنكارهم للبعث مع قيام الأدلة، وتظاهرها على وجوده، ثم ساق الكثير منها مما لا يمكن رده ولا جحده، ثم أعقبه بذكر ما سيلقونه من العذاب حينئذ، واستثنى منهم عباد الله المخلصين، وبيّن ما يلقونه من النعيم، ثم عطف على هذا أنه قد ضل قبلهم أكثر الأولين، وأنه أرسل إليهم منذرين، ثم أورد قصص بعض الأنبياء، تفصيلا متضمنا وصفهم بالفضل والعبودية له .. أمره هنا أيضًا بالتشديد عليهم ثانيًا بطريق الاستفتاء عن وجه القسمة الجائرة التي عملوها، وهي جعل البنات لله، وجعل البنين لأنفسهم بقولهم: الملائكة بنات الله، ثم بالتقريع
стр. 11027
ثالثًا على استهانتهم الملائكة بجعلهم إناثًا، ثم أبطل كلًا من هذين بالحجة، التي لا يجد العاقل محيصًا عن التصديق بها والإذعان لها.
قوله تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما أثبت فساد آراء المشركين ومذهبهم .. أتبع ذلك بما نبه به، إلى أن هؤلاء المشركين، لا يقدرون على حمل أحد على الضلال، إلا إذا كان مستعدًا له، وقد سبق في حكم الله تعالى، أنه من أهل النار، وأنه لا محالة واقع فيها. ثم حكى اعتراف الملائكة بالعبودية تنبيهًا إلى فساد قول من ادعى، أنهم أولاد الله تعالى، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما هدد (١) المشركين بقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ .. أردفه بما يقوي قلب رسوله ﷺ بوعده بالنصر، والتأييد، كما جاء في آية أخرى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا ...﴾ الآية، سبب نزولها (٢): ما أخبره جويبر عن الضحاك عن ابن عباس، قال: أنزلت هذه الآية في ثلاثة أحياء من قريش: سليم وخزاعة وجهينة.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ...﴾ سبب نزوله: ما أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» عن مجاهد قال: قال كبار قريش: الملائكة بنات الله، فقال لهم أبو بكر الصديق: فمن أمهاتهم؟ قالوا: بنات سراة الجن. فأنزل الله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ ..﴾ الآية.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن أبي حاتم عن يزيد بن أبي مالك، قال: كان الناس يصلون متبددين، فأنزل الله:
стр. 11028
﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥)﴾ الآية. فأمرهم أن يصفوا.
قوله تعالى: ﴿أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ سبب نزوله: ما أخرجه جويبر عن ابن عباس، قال: قالوا: يا محمد أرنا العذاب الذي تخوفنا به، عجله لنا. فنزلت: ﴿أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤)﴾ الآية، صحيح على شرط الشيخين.
التفسير وأوجه القراءة
١٤٩ - ولما كانت قريش، وقبائل من العرب، يزعمون أن الملائكة بنات الله، أمر الله سبحانه رسوله ﷺ باستفتائهم على طريقة التوبيخ والتقريع. فقال: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ يا محمد؛ أي: استخبر يا محمد هؤلاء المشركين، وسلهم. والفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا كان الله سبحانه موصوفًا بنعوت الكمال، والعظمة والجلال متفردًا بالخلق والربوبية، وجميع الأنبياء مقرين بالعبودية، داعين للعبيد إلى حقيقة التنزيه والتوحيد، وأردت توبيخ هؤلاء المشركين وتقريعهم على زعمهم الفاسد، فأقول لك: استخبرهم على سبيل التوبيخ والتجهيل؛ أي: سل قريشًا وبعض طوائف العرب نحو: جهينة، وبني سلمة، وخزاعة، وبني مليح. فإنهم كانوا يقولون: إن الله تعالى تزوج من الجن، فخرجت منها الملائكة، فهم بنات الله. ولذا يسترهن عن العيون، فأثبتوا الأولاد لله تعالى، ثم زعموا أنها من جنس الإناث لا من جنس الذكور، وقسموا القسمة الباطلة، حيث جعلوا الإناث لله تعالى، وجعلوا الذكور لأنفسهم. فإنهم كانوا يفتخرون بذكور الأولاد، ويستنكفون من البنات، ولذا كانوا يقتلونهن، ويدفنونهن حياء، كما قال تعالى: ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨)﴾ الآية. ومن (١) هنا أنه: من رأى في المنام أنه اسود وجهه، فإنه يولد له بنت.
وفي «الكشاف» قوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ معطوف (٢) على مثله في أول السورة؛ أي: على قوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا﴾ وإن تباعدت المسافة بينهما، أمر رسول الله ﷺ باستفتاء قريش عن وجه إنكار البعث أولًا، ثم ساق الكلام
стр. 11029
موصولًا بعضه ببعض، ثم أمره باستفتائهم عن وجه القسمة الضيزي، التي قسموها، حيث جعلوا لله تعالى الإناث، ولأنفسهم الذكور في قولهم: الملائكة بنات الله مع كراهتهم الشديدة لهن، وو وأدهم، واستنكافهم عن ذكرهن. وهذا العطف الذي قاله الزمخشري بعيد.
أي: سلهم يا محمد ﴿أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ﴾ اللاتي هي أوضع الجنسين ﴿وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ الذين هم أرفعهما. وفيه تفضيل لأنفسهم على ربهم، وذلك مما لا يقول به من له أدنى شيء من العقل، وارتكبوا (١) في زعمهم ثلاثة أنواع من الكفر: التجسيم؛ لأن الولادة مختصة بالأجسام، وتفضيل أنفسهم حيث نسبوا أرفع الجنسين لهم وغيره لله تعالى، واستهانتهم بمن هو مكرم عند الله تعالى، حيث أنثوهم، وهم الملائكة بدأ أولًا بتوبيخهم على تفضيل أنفسهم بقوله: ﴿أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ﴾، وعدل عن قوله: ألربكم إلى ما قاله، لما في ترك الإضافة إليهم من تخسيسهم وشرف نبيه بالإضافة إليه.
والمعنى (٢): أي سل يا محمد قريشًا مؤنبًا لها، ومقرعًا على ضعف أحلامها، وسفاهة عقولها: ألربي البنات، ولكم البنون؟ فمن أين جاءكم هذا التقسيم، وإلام تستندون؟. وإنكم لتكرهون البنات، وتبغضونها أشد البغض، كما جاء في قوله: ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ ...﴾ الآية. وفيه إشارة إلى كمال جهالة الإنسان، وضلالته. إذا وكل إلى نفسه الخسيسة، وخلي إلى طبيعته الركيكة، أنه يظن بربه ورب العالمين نقائص لا يستحقها أدنى عاقل، بل غافل من أهل الدنيا.
١٥٠ - ثم زاد في توبيخهم وتقريعهم، فقال: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثًا﴾ جمع أنثى ﴿وَهُمْ شاهِدُونَ﴾؛ أي: والحال أنهم حاضرون، خلقنا إياهم إناثًا، فأضرب عن الكلام الأول إلى ما هو أشد منه في التبكيت، والتهكم بهم، ويجوز أن تكون (٣) ﴿أَمْ﴾ منقطعة بمعنى بل وهمزة الاستفهام الإنكاري، وأن تكون متصلة معادلة
стр. 11030
للهمزة، كأن المستفهم يدعي ثبوت أحد الأمرين عندهم، ويطلب تعيينه منهم قائلًا: أي هذين الأمرين تدعونه، اهـ «زاده».
والمعنى على الأول: أي بل أخلقنا الملائكة الذين هم من أشرف الخلائق، وأبعدهم من صفات الأجسام ورذائل الطبائع إناثًا، والأنوثة من أخس صفات الحيوان. ولو قيل لأدناهم: فيك أنوثة لتمزقت نفسه من الغيظ لقائله، ففي جعلهم الملائكة إناثًا استهانة شديدة بهم.
أي: كيف جعلوهم إناثًا وهم لم يحضروا عند خلقنا لهم. وهذا كقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾. فبيّن سبحانه، أن مثل ذلك لا يعلم إلا بالمشاهدة، ولم يشهدوا، ولا دل دليل على قولهم من السمع، ولا هو مما يدرك بالعقل، حتى ينسبوا إدراكه إلى عقولهم.
وهذا (١) ترق في التوبيخ لهم على هذه المقالة، إذ أن ذلك لا يعلم إلا بالمشاهدة أو النقل، ولا سبيل إلى معرفته بالعقل حتى يقوم الدليل، والبرهان على صحته، والنقل الصحيح الذي يؤيد ما تدعون لا يوجد، فلم تبق إلا المشاهدة، وهذه لم تحصل.
١٥١ - ثم بيّن فساد منشأ هذه العقيدة الزائفة، فقال: ﴿أَلا﴾ حرف تنبيه ﴿إِنَّهُمْ﴾؛ أي: إن هؤلاء المشركين ﴿مِنْ إِفْكِهِمْ﴾، أي: من أجل كذبهم الأسوأ. وهو متعلق بقوله: ﴿لَيَقُولُونَ﴾
١٥٢ - ﴿وَلَدَ اللَّهُ﴾: فعل، وفاعل. ﴿وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ فيما يتدينون به من قولهم: ذلك كذبًا بيّنًا لا ريب فيه. قرأ الجمهور: ﴿وَلَدَ اللَّهُ﴾ فعلًا ماضيًا، مسندًا إلى الله سبحانه. وقرىء (٢) بإضافة ﴿وَلَدَ﴾ إلى ﴿اللَّهُ﴾ على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: يقولون الملائكة ولد الله. وولد فعل بمعنى مفعول، يستوي فيه الواحد، والمثنى والجمع، والمذكر والمؤنث، والقليل والكثير. وفيه (٣) تجسيم له تعالى، وتجويز الفناء عليه؛ لأن الولادة مختصة بالأجسام القابلة للكون
стр. 11031
والفساد. يعني: انتبهوا، واعلموا أن مبنى مذهبهم الفاسد ليس إلا الإفك الصريح، والافتراء القبيح من غير أن يكون لهم دليل قطعي أو شبهة دليل. فإنه تعالى لم يلد ولم يولد.
١٥٣ - ثم كرر سبحانه تقريعهم وتوبيخهم، ونقض الدعوى من أساسها مبينًا أن العقل لا يتقبلها. فقال: ﴿أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣)﴾ قرأ الجمهور بفتح الهمزة على أنها للاستفهام الإنكاري الاستبعادي، دخلت على ألف الافتعال، أصله: أاصطفى، فحذفت همزة الافتعال التي هي همزة الوصل استغناءً بهمزة الاستفهام، والاصطفاء: أخذ صفوة الشيء لنفسه؛ أي: أتقولون: إنه تعالى اختار البنات على البنين مع نقصانهن رضى بالأخس الأدنى؛ أي: أي شيء يحمله على أن يختار البنات، ويترك البنين. والعرف، والعادة، والمنطق السليم شاهد صدق على غير هذا. ونحو الآية قوله: ﴿أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠)﴾. وقرأ (١) نافع في رواية عنه، وأبو جعفر، وشيبة، والأعمش بهمزة وصل مكسورة تثبت ابتداء وتسقط درجًا، ويكون الاستفهام منويًا، قاله الفراء. وحذف حرفه للعلم به من المقام، أو على أن ﴿أَصْطَفَى﴾ وما بعده بدل من الجملة المحكية بالقول، وعلى تقدير عدم الاستفهام والبدل، فقد حكى جماعة من المحققين، منهم: الفراء أن التوبيخ يكون باستفهام وبغير استفهام، كما في قوله: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا﴾. وقيل: هو على إضمار القول.
١٥٤ - ﴿مَا لَكُمْ﴾؛ أي: أي (٢) شيء ثبت لكم في هذه الدعوى ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ على الغني عن العالمين بهذا الحكم، تقضي ببطلانه بديهة العقول، ارتدعوا عنه، فإنه جور. قال ابن الشيخ: هاتان جملتان استفهاميتان، ليس لأحدهما تعلق بالأخرى من حيث الإعراب. استفهم أولًا عما استقر لهم، وثبت استفهام إنكار، ثم استفهم استفهام تعجب من حكمهم هذا الحكم الفاسد، وهو أن يكون أحسن
стр. 11032
الجنسين لأنفسهم، وأخسهما لربهم.
والمعنى: أي شيء ثبت لكم، كيف تحكمون لله بالبنات، وهو القسم الذي تكرهون، ولكم بالبنين، وهو القسم الذي تحبونه.
١٥٥ - ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٥٥)﴾ بحذف إحدى التاءين من تتذكرون. والهمزة فيه للتوبيخ، داخلة على محذوف يقتضيه المقام، والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أتلاحظون ذلك الحكم فلا تتذكرون بطلانه، فترجعوا عنه، فإنه مركوز في عقل ذكي وغبي. وقرأ طلحة بن مصرف (١): ﴿تذكرون﴾ بسكون الذال وضم الكاف.
١٥٦ - ثم انتقل إلى تبكيت آخر، فقال: ﴿أَمْ لَكُمْ﴾؛ أي: بل ألكم ﴿سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ وحجة واضحة ظاهرة، نزلت عليكم من السماء، بأن الملائكة بنات الله، ضرورة أن الحكم بذلك لا بد له من سند حسي أو عقلي. وحيث انتفى كلاهما فلا بد من سند نقلي
١٥٧ - ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾ الناطق بصحة دعواكم، فالباء: للتعدية، أو فأتوا بحجتكم الواضحة على هذا ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فيما تقولونه. فإذا لم ينزل عليكم كتاب سماوي فيه ذكر ذلك الحكم، فلم تصرون على الكذب، ولا يخفى ما في هذه الآيات من الدلالة على السخط العظيم والإنكار الشديد لأقاويلهم، وتسفيه أحلامهم مع الاستهزاء بهم والتعجيب من جهلهم.
١٥٨ - ثم التفت من الخطاب إلى الغيبة للإيذان بانقطاعهم عن الجواب، وسقوطهم عن درجة الخطاب، واقتضاء حالهم أن يعرض عنهم ويحكي جناياتهم لآخرين، فقال ﴿وَجَعَلُوا﴾؛ أي: وجعل هؤلاء المشركون ﴿بَيْنَهُ﴾ تعالى ﴿وَبَيْنَ الْجِنَّةِ﴾؛ أي: الملائكة. وسموا جنة لاجتنانهم واستتارهم عن الأبصار ﴿نَسَبًا﴾؛ أي: مشاكلة، ومناسبة. فقالوا: الملائكة بنات الله، والنسب، والنسبة اشتراك من جهة الأبوين، وذلك ضربان: نسب بالطول كالاشتراك بين الآباء والأبناء، ونسب بالعرض كالنسبة بين الأخوة وبني العم، ويقال: فلان نسيب فلان؛ أي: قريبه.
стр. 11033
والمعنى (١): وجعل المشركون بما قالوا نسبة بين الله، وبين الملائكة، وأثبتوا بذلك جنسية جامعة له تعالى، وللملائكة. وقال مجاهد، والسدي، ومقاتل: إن القائل بذلك كنانة، وخزاعة. قالوا: إن الله سبحانه خطب إلى سادات الجن، فزوّجوه من سروات بناتهم، فالملائكة بنات الله من سروات بنات الجن. وفي ذكر الله الملائكة، بهذا الاسم في هذا الموضع إشارة إلى أن من صفته الاجتنان، وهو من صفات الأجرام، لا يصلح أن يناسب من لا يجوز عليه ذلك، وفيه إشارة أيضًا إلى جنة الإنسان، وقصور نظر عقله من كمال أحدية الله، وجلال صمديته، إذا وكل إلى نفسه في معرفة ذات الله، وصفاته، فيقيس ذاته على ذاته، وصفاته على صفاته، فيثبت له نسبًا كما له نسب، ويثبت له زوجة وولدًا كما له زوجة وولد. وهو يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
ثم إن هذا أعني: قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ﴾ إلخ، عبارة عن قولهم: الملائكة بنات الله. وإنما أعيد ذكره تمهيدًا لما يعقبه من قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لقد علمت الجنة؛ أي: الملائكة التي عظموها بأن جعلوا بينها وبينه تعالى نسبًا. ﴿إِنَّهُمْ﴾؛ أي: إن هؤلاء الكفرة ﴿لَمُحْضَرُونَ﴾ النار معذبون بها، لا يغيبون عنها لكذبهم وافترائهم في ذلك، والمراد به. المبالغة في التكذيب ببيان أن الذي يدعي هؤلاء المشركون لهم تلك النسبة، ويعلمون أنهم أعلم منهم بحقيقة الحال، يكذبون في ذلك، ويحكمون بأنهم معذبون لأجله حكمًا مؤكدًا.
والمعنى: أي ولقد علمت الملائكة الذين ادعى المشركون، أن بينه تعالى، وبينهم نسبًا أن هؤلاء المشركين محضرون إلى النار، ومعذبون فيها لكذبهم وافترائهم في قيلهم. وقيل: علمت الجنة أنهم أنفسهم يحضرون للحساب، والأول أولى؛ لأن الإحضار إذا أطلق فالمراد به: العذاب كما مر.
стр. 11034
١٥٩ - ثم إن الله سبحانه نزّه نفسه عما قالوه من الكذب، فقال: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ﴾؛ أي: تنزه الله تعالى تنزهًا لائقًا بجنابه ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ به من الولد، والنسب. أو نزهوه تنزيهًا عن ذلك أو ما أبعد، وما أنزه من هؤلاء خلقه وعبيده عما يضاف إليه من ذلك. فهو تعجب من كلمتهم الحمقاء، وجعلتهم العوجاء.
١٦٠ - ﴿إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠)﴾ استثناء منقطع (١) من الواو في ﴿يَصِفُونَ﴾؛ أي: يصفه هؤلاء بذلك، ولكن المخلصين الذين أخلصهم الله بلطفه من ألواث الشكوك والشبهات، ووفقهم للجريان بموجب اللب برآء من أن يصفوه به. وجعل أبو السعود قوله: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ بتقدير قول معطوف على علمت الجنة تقديره ولقد علمت الملائكة أن المشركين لمعذبون لقولهم ذلك، وقالوا: سبحان الله عما يصفون به من الولد والنسب، لكن عباد الله المخلصين، الذين نحن من جملتهم، برآء من ذلك الوصف، بل نصفه بصفات العلى، فيكون المستثنى أيضًا من كلام الملائكة، وقد قرىء ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ بفتح اللام وكسرها، ومعناهما من بيناه قريبًا، وقيل: هو استثناء من المحضرين؛ أي: إنهم يحضرون النار إلا من أخلص. فيكون متصلًا لا منقطعًا. وعلى هذا تكون جملة التسبيح معترضة.
١٦١ - ثم خاطب الكفار على العموم، أو كفار مكة على الخصوص، فقال: ﴿فَإِنَّكُمْ﴾ أيها المشركون. عود إلى خطابهم لإظهار كمال الاعتناء بتحقيق مضمون الكلام ﴿وَما تَعْبُدُونَ﴾؛ أي: ومعبوديكم. وهم الشياطين الذين أغووهم
١٦٢ - ﴿ما أَنْتُمْ﴾ ﴿ما﴾ نافية، و ﴿أَنْتُمْ﴾ خطاب لهم ولمعبوديهم تغليبًا للمخاطب على الغائب ﴿عَلَيْهِ﴾ الضمير عائد لله، و ﴿على﴾ متعلقة بقوله: ﴿بِفاتِنِينَ﴾ جمع فاتن. والفاتن هنا: بمعنى المضل والمفسد، يقال: فتن فلان على فلان امرأته؛ أي: أفسدها عليه وأضلها حاملًا إياها على عصيان زوجها، فعدّى الفاتن بعلى لتضمينه معنى الحمل والبعث. ومفعول ﴿بِفاتِنِينَ﴾ محذوف.
والمعنى (٢): ما أنتم بفاتنين أحدًا من عباده؛ أي: بمضلين ومفسدين بحمله
стр. 11035
على المعصية والخلاف.
١٦٣ - ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)﴾ منهم؛ أي: داخلها لعلمه تعالى بأنه يصر على الكفر بسوء اختياره، ويصير من أهل النار لا محالة، فيضلون بتقدير الله من قدّر الله أن يكون من أهل النار، وأما المخلصون منهم فإنهم بمعزل عن إفسادهم وإضلالهم، فهم لا جرم برآء من أن يفتنوا بكم، ويسلكوا مسلككم في وصفه تعالى بما وصفتموه به.
وقرأ الجمهور (١): ﴿صَالِ﴾ بكسر اللام، لأنه منقوص مضاف، حذفت الياء لالتقاء الساكين، وحمل على لفظ ﴿مَنْ﴾، وأفرد كما أفرد ﴿هُوَ﴾. وقرأ الحسن وابن أبي عبلة ﴿صالوا الجحيم﴾ بضم اللام مع واو بعدها. وروي عنهما: أنهما قرأا بضم اللام بدون واو. فأما مع الواو فعلى أنه جمع سلامة بالواو، حملا على معنى ﴿مَنْ﴾، وحذفت نون الجمع للإضافة. وأما بدون الواو، فيحتمل أن يكون جمعا وإنما حذفت الواو خطًا كما حذفت لفظًا، ويحتمل أن يكون مفردًا، وحقه على هذا كسر اللام.
والمعنى (٢): أن الكفار وما يعبدونه لا يقدرون على إضلال أحد من عباد الله إلا من هو من أهل النار، وهم المصرون على الكفر، وإنما يصر على الكفر من سبق القضاء عليه بالشقاوة، وأنه ممن يصلى النار؛ أي: يدخلها، فهو لا محالة يكبكب فيها. قال لبيد بن ربيعة:
أَحْمَدُ اللهَ فَلا نِدَّ لَهُ ... بِيَدَيْه الْخَيرُ مَا شَاءَ فَعَلْ
مَنْ هَدَاهُ سُبُلَ الْخَيْرِ اهْتَدَى ... نَاعِمَ الْبَالِ وَمَنْ شَاءَ أَضَلْ
واحتج (٣) أهل السنة والجماعة بهذه الآية وهي قوله: ﴿فَإِنَّكُمْ﴾ إلخ، على أنه لا تأثير لإلقاء الشيطان ووسوسته، ولا لأحوال معبودهم في وقوع الفتنة، وإنما المؤثر هو قضاء الله، وتقديره، وحكمه بالشقاوة، ولا يلزم منه الجبر،
стр. 11036
وعدم لوم الضال والمضل بما كسبا، لما أشير إليه، من أنهم لا يقدرون على إضلال أحد، إلا إضلال من علم الله منه اختيار الكفر، والإصرار عليه. وعلم الله، وتقديره، وقضاؤه فعلًا من أفعال المكلفين، لا ينافي اختيار العبد، وكسبه.
١٦٤ - قوله: ﴿وَما مِنَّا﴾ حكاية اعتراف الملائكة للرد على عبدتهم، كأنه قيل: ويقول الملائكة الذين جعلتموهم بنات الله، وعبدتموهم بناءً على ما زعمتم، من أن بينهم وبينه تعالى مناسبة، وجنسية جامعة. وما منا أحد؛ أي: وما أحد كائن منا معشر الملائكة ﴿إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ في السموات، يعبد الله فيه، لا يتجاوزه. وفي «السمين»: في هذه الجملة وجهان:
أحدهما: أن ﴿مِنَّا﴾ صفة لموصوف محذوف هو مبتدأ، والخبر الجملة من قوله: ﴿إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ تقديره: ما أحد منا إلا له مقام معلوم. وحذف المبتدأ مع ﴿مَنْ﴾ جيد فصيح.
والثاني: أن المبتدأ محذوف أيضًا، و ﴿إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ صفة حذف موصوفها، والخبر على هذا هو الجار المتقدم، والتقدير: وما منا أحد إلا له مقام معلوم، انتهى. وقيل: التقدير: وما منا إلا من له مقام معلوم. يعني (١): أن جبرائيل قال للنبي ﷺ : وما منا معشر الملائكة ملك إلا له مقام معلوم؛ أي: مرتبة، ومنزلة، ووظيفة لا يتعداها. فمنا الموكل بالأرزاق، ومنا الموكل بالآجال، ومنا الموكل بإنزال الوحي، ومنا راكع لا يقيم صلبه، ومنا ساجد لا يرفع رأسه خضوعًا لعظمته، وخضوعا لهيبته، وتواضعًا لجلاله، ولكل منزلته من العبادة، والتقريب، والتشريف.
ففي الآية تنبيه على فساد قول المشركين: إنهم أولاد الله؛ لأن مبالغتهم في إظهار العبودية تدل على اعترافهم بالعبودية، فكيف يكون بينه تعالى وبينهم جنسية؟ قال ابن عباس ﵄: ما في السموات موضع شبر إلا وعليه ملك يصلي أو يسبح، بل والعالم مشحون بالأرواح، فليس فيه موضع بيت ولا
стр. 11037
زاوية إلا وهو معمور بما لا يعلمه إلا الله. ولذا أمر النبي ﷺ ، بالتستر في الخلوة، وأن لا يجامع الرجل امرأته عريانين.
١٦٥ - ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥)﴾ في مواقف الطاعة، ومواطن الخدمة، قال قتادة: هم الملائكة صفوا أقدامهم، وقال الكلبي: صفوف الملائكة في السماء كصفوف أهل الدنيا في الأرض، قيل (١): إن المسلمين إنما اصطفوا في الصلاة منذ نزلت هذه الآية، وليس يصطف أحد من أهل الملل في صلاتهم غير المسلمين،
١٦٦ - ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾؛ أي: المنزهون لله تعالى، المقدسون له عما أضافه إليه المشركون. وقيل: المصلون. وقيل: المراد بقولهم: ﴿الْمُسَبِّحُونَ﴾ مجموع التسبيح باللسان، وبالصلاة. والمقصود أن هذه الصفات هي صفات الملائكة، وليسوا كما وصفهم به الكفار من أنهم بنات الله سبحانه.
١٦٧ - ﴿وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧)﴾ هذا رجوع إلى الإخبار عن المشركين. و ﴿إِنْ﴾ هي المخففة من الثقيلة، وضمير الشأن محذوف، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية. وفي الإتيان بإن المخففة، واللام إشارة إلى أنهم كانوا يقولون ما قالوه مؤكدين جادين، فكم بين أول أمرهم وآخره.
والمعنى: وإن الشأن كانت قريش تقول قبل المبعث المحمدي إذا عيروا بالجهل:
١٦٨ - ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨)﴾؛ أي: كتابًا من كتب الأولين من التوراة والإنجيل
١٦٩ - ﴿لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩)﴾؛ أي: لأخلصنا العبادة لله، ولما خالفنا كما خالفوا.
١٧٠ - والفاء في قوله: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ عاطفة على محذوف تقديره: فجاءهم ذكر؛ أي ذكر سيد الأذكار، وكتاب مهيمن على سائر الكتب والأسفار. وهو القرآن الكريم فكفروا به، وأنكروه، وقالوا في حقه وفي حق من أنزل عليه ما قالوا. ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: عاقبة كفرهم، وغائلته من المغلوبية في الدنيا والعذاب الأليم في العقبى. وهو وعيد لهم وتهديد.
١٧١ - قوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا﴾ جملة مستأنفة مقررة للوعيد. قرأ الجمهور
стр. 11038
بالإفراد. وقرأ الضحاك بالجمع، انتهى من البحر. والمراد بالكلمة (١): ما وعدهم الله تعالى من النصر والظفر على الكفار. قال مقاتل: عنى بالكلمة قوله سبحانه: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾. وقال الفراء: سبقت كلمتنا بالسعادة لهم. والأولى تفسير هذه الكلمة بما هو مذكور هنا. فإنه قال: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢)﴾ إلخ، ثم إن السبق والتقدم الموقوف على الزمان إنما هو بالنسبة إلى الإنسان، وإلا فالأمر بالإضافة إلى الله كائن على ما كان؛ أي: وعزتي وجلالي لقد سبقت، وتقدمت في الأزل، أو كتبت في اللوح المحفوظ كلمتنا؛ أي: وعدنا على ما لنا من العظمة. ﴿لِعِبادِنَا﴾ الذين أخلصوا لنا العبادة في كل حركة وسكون ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾؛ أي: الذين زدناهم على شرف الإخلاص في العبودية شرف الرسالة.
١٧٢ - ثم فسر ذلك الوعد بطريق الاستئناف، فقال: ﴿إِنَّهُمْ﴾؛ أي: إن عبادنا المذكورين ﴿لَهُمُ﴾ خاصة ﴿الْمَنْصُورُونَ﴾ فمن نصرناه فلا يغلب، كما أن من خذلناه لا ينصر.
١٧٣ - ثم عمم فقال: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنا﴾ وحزبنا من المرسلين، وأتباعهم المؤمنين ﴿لَهُمُ﴾؛ أي: لا غيرهم ﴿الْغالِبُونَ﴾ على أعدائهم في الدنيا والآخرة. قال الشيباني: جاء هنا بالجمع مع كون المسند إليه مفرد اللفظ، من أجل أنه رأس آية. ووصفهم (٢) بالغلبة لا ينافيه انهزامهم في بعض المواطن، وغلبة الكفار لهم، فإن الغالب في كل موطن هو انتصارهم على الأعداء وغلبتهم لهم، فخرج الكلام الغالب، فالحكم للغالب، والنادر كالمعدوم، والمغلوبية قد تكون لعارض لمخالفة أمر القائد، والطمع في الدنيا، والعجب، والغرور بكثرة العدة والعدد، على أن العاقبة المحمودة لهم على كل حال، وفي كل موطن كما قال سبحانه: ﴿وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
١٧٤ - ثم أمر الله سبحانه رسوله بالإعراض عنهم، والإغماض عما يصدر منهم من الجهالات والضلالات، فقال: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ والفاء فيه فاء الفصيحة؛ لأنها
стр. 11039
أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا علمت أن النصرة والغلبة لك ولأتباعك، وأردت بيان ما هو الأصلح لك: فأقول لك: تول عنهم؛ أي: أعرض عن كفار مكة، واصبر على أذاهم ﴿حَتَّى حِينٍ﴾؛ أي: إلى مضي زمن معلوم عند الله، ومدة يسيرة تؤمر بعدها بجهادهم. فكان ﷺ أول الأمر مأمورًا بالتبليغ والإنذار، والصبر على أذى الكفار، تأليفًا لهم، ثم أمر بالجهاد في السنة الثانية من الهجرة، وهي مدة الكف عن القتال، قال السدي ومجاهد: حتى نأمرك بالقتال. وقيل: إلى يوم بدر. وقيل: إلى يوم فتح مكة، فالآية محكمة لا منسوخة بآية القتال، وقيل: الآية منسوخة بآية السيف.
١٧٥ - ﴿وَأَبْصِرْهُمْ﴾ يا محمد، وانظر إليهم على أسوأ حال وأفظع نكال، حل بهم من القتل والأسر، والمراد بالأمر بإبصارهم: الإيذان بغاية قربه، كأنه بين يديه يبصره في الوقت، وإلا فمتعلق الإبصار لم يكن حاضرا عند الأمر ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ما يقع بهم. و ﴿سوف﴾ للوعيد، لا للتبعيد، أو فسوف يبصرون ما قضينا لك من التأييد، والنصرة، والثواب في الآخرة، أو انظر إليهم إذا عذبوا، فسوف يبصرون ما أنكروا، أو أعلمهم فسوف يعلمون.
والمعنى (١): أي وانظر وارتقب ما يحل بهم من العذاب والنكال، بمخالفتك وتكذيبك، وسوف يبصرون انتشار دينك، وإقبال الناس عليه أفواجًا زرافات ووحدانًا، مصداقًا لوعده بقوله: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّابًا (٣)﴾. وفي «التأويلات النجمية»: فسوف يبصرون جزاء ما عملوا من الخير والشر، انتهى. و ﴿سوف﴾ للوعيد، ليتوبوا ويؤمنوا دون التبعيد؛ لأن تبعيد الشيء المحذر منه كالمنافي لإرادة التخويف به.
١٧٦ - ولما نزل قوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ قالوا استعجالًا، واستهزاء لفرط جهلهم: متى هذا؟ فنزل قوله: ﴿أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦)﴾ والهمزة (٢): للاستفهام الإنكاري التعجبي، داخلة على محذوف، والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير؛ أي: أبعد هذا التكرير من الوعيد ينكرون
стр. 11040
عذابنا، فيستعجلون به.
١٧٧ - ﴿فَإِذا نَزَلَ﴾ العذاب الموعود ﴿بِساحَتِهِمْ﴾؛ أي: بفنائهم، وقربهم، وحضرتهم، كأنه جيش قد هزمهم، فأناخ بفنائهم بغتة. ﴿فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ﴾؛ أي: قبح وبئس صباح الكافرين، الذين أنذروا بعذابنا، وكذبوا به فلم يؤمنوا، والمخصوص بالذم: صباحهم، واللام فيه: للجنس. فإن أفعال المدح والذم تقتضي الشيوع، والإبهام، والتفصيل، فلا يجوز أن تكون للعهد، والصباح: مستعار من صباح الجيش المبيت لوقت نزول العذاب، ولما كثرت منهم الإغارة في الصباح سموها صباحًا وإن وقعت ليلًا.
وقرأ عبد الله: ﴿فبئس﴾. قال الزجاج: وكان عذاب هؤلاء بالقتل. قيل: المراد به: نزول رسول الله ﷺ بساحتهم يوم فتح مكة.
وقرأ الجمهور (١): ﴿نزل﴾ مبنيًا للفاعل.
وقرأ عبد الله بن مسعود على البناء للمفعول، والجار والمجرور قائم مقام الفاعل، وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ غزا خيبر، فلما دخل القرية قال: «الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين، قالها ثلاث مرات». متفق عليه.
١٧٨ - ثم كرر سبحانه ذكر ما تقدم، تأكيدًا لوعيد العذاب، فقال: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾؛ أي: أعرض عنهم يا محمد ﴿حَتَّى حِينٍ﴾. وقيل: المراد من الآية الأولى: ذكر أحوالهم في الدنيا، وهذه ذكر أحوالهم في الآخرة. فعلى هذا القول يزول التكرار.
١٧٩ - ﴿وَأَبْصِرْ﴾ العذاب إذا نزل بهم ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ما سيحل بهم من فنون العذاب.
وهذا (٢): تسلية لرسوله ﷺ إثر تسلية، وتأكيد لوقوع الميعاد غب تأكيد مع ما في إطلاق الفعلين عن المفعول، من الإيذان بأن ما يبصره ﵇، من فنون المسار، وما يبصرون من أنواع المضار، لا يحيط به الوصف والبيان، وفي «البرهان»: حذف الضمير من الثاني اكتفاء بالأول.
стр. 11041
والمعنى: أي وأعرض أيها الرسول عن هؤلاء المشركين، وخلهم وفريتهم على ربهم، إلى أن يأذن بهلاكهم، وانظر إليهم فسوف يرون ما يحل بهم من عقابنا حين لا تنفعهم التوبة.
١٨٠ - ثم ختم سبحانه السورة، بخاتمة شريفة جامعة، لتنزيهه تعالى عما لا يليق به، مع وصف نفسه بصفات الكمال، ومدحه للرسل الكرام، فقال: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ﴾ يا محمد. خطاب للنبي ﷺ ، والإضافة فيه للتشريف، وقوله: ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ بدل من الأول ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾؛ أي: نزّه يا محمد (١) من هو مربيك، ومكملك، ومالك العزة والغلبة والقوة على الإطلاق، عما يصفه المشركون به مما لا يليق بجناب كبريائه من الأولاد، والأزواج، والشركاء، وغير ذلك من الأشياء، التي من جملتها ترك نصرتك عليهم، كما يدل عليه استعجالهم بالعذاب، قال في «بحر العلوم»: أضاف الرب إلى العزة لاختصاصه بها، كأنه قيل: ذي العزة كقولك:
صاحب صدق لاختصاصه بالصدق، فلا عزة إلا له سبحانه، على أن العزة ذاتية، أو لمن أعزه من الأنبياء وغيرهم، فالعزة حادثة كائنة بين خلقه، وهي وإن كانت صفة قائمة بغيره تعالى، إلا أنها مملوكة له مختصة به، يضعها حيث يشاء، كما قال تعالى: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ﴾. وفيه إشعار بالسلوب والإضافات، كما في قوله تعالى: ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٧٨)﴾. وذلك أن قوله: ﴿سُبْحانَ﴾ إشارة إلى السلوب كالجلال، فإن كلا منهما يفيد ما أفاد الآخرة في قولنا: سبحان ربنا عن الشريك والشبيه، وجل ربنا عنهما، وقوله: ﴿رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ إشارة إلى الإضافات كالإكرام، وإنما قدم السلب على الإضافة، لأن السلوب كافية فيها ذاته، من حيث هو هو، بخلاف الإضافات، فإنه لا بد في تحققها من غيره؛ لأن الإضافة لا توجد إلا عند وجود المضافين.
قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ﴾ كلمة مشتملة على سلب النقص والعيب عن ذات الله وصفاته، فما كان من أسمائه سلبًا فهو مندرج
стр. 11042
تحت هذه الكلمة، كالقدوس: وهو الطاهر من كل عيب، والسلام: وهو الذي سلم من كل آفة، فنفينا بسبحان الله كل عيب عقلناه، وكل نقص فهمناه.
١٨١ - ثم إن المرسلين لما كانوا وسائط بين الله، وبين عباده، نبه على علو شأنهم بقوله: ﴿وَسَلامٌ﴾؛ أي: وسلامة، ونجاة من كل المكاره، وفوز بجميع المآرب، كائن ﴿عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ الذين يبلّغون رسالات الله إلى الأمم، ويبيّنون لهم ما يحتاجون إليه من الأمور الدينية والدنيوية، أولهم آدم، وآخرهم محمد عليهم الصلاة والسلام، فهو تعميم للرسل، بالتسليم بعد تخصيص بعضهم فيما سبق؛ لأن تخصيص كل واحد بالذكر يطول.
١٨٢ - ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾؛ أي: على هلاك الأعداء، ونصرة الأنبياء، وقيل: الغرض من ذلك: تعليم المؤمنين أن يقولوه، ولا يخلّوا به، ولا يغفلوا عنه، لما روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، قال: من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى، من الأجر يوم القيامة، فليكن أخر كلامه إذا قام من مجلسه ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٢)﴾. وعن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ غير مرة، ولا مرتين، يقول في آخر صلاته أو حين ينصرف: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٢)﴾.
والمعنى: أي تنزيهًا لربك أيها الرسول، رب القوة والغلبة، عما يصفه به هؤلاء المفترون، من مشركي قريش من نحو قولهم: ولد الله، وقولهم: الملائكة بنات الله، وأمنة من الله سبحانه للمرسلين، الذين أرسلهم إلى أممهم من العذاب الأكبر، ومن أن ينالهم مكروه من قبله تعالى، والحمد لله رب الثقلين، الجن والإنس، خالصًا له دون من سواه؛ لأن كل نعمة لعباده، فهي منه.
الإعراب
﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثًا وَهُمْ شاهِدُونَ (١٥٠)﴾.
стр. 11043
﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ الفاء: عاطفة، عطفت هذه الجملة على قوله في أول السورة: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا﴾، وإن بعد المدى، قال البيضاوي: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾، معطوف على مثله في أول السورة، فأمر أولًا باستفتائهم عن وجه إنكار البعث، وساق الكلام في تقريره، جاريًا لما يلائمه من القصص، موصولًا بعضها ببعض، ثم أمر باستفتائهم عن وجه القسمة، حيث جعلوا لله البنات، ولأنفسهم البنين في قولهم: الملائكة بنات الله، وإن شئت قلت: الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا كان الله موصوفًا بصفات الكمال، وأردت توبيخ هؤلاء المشركين على زعمهم الفاسد .. فأقول لك: استفتهم على سبيل التوبيخ. ﴿استفتهم﴾ فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة أو الجملة معطوفة على ما تقدم في أول السورة. ﴿أَلِرَبِّكَ﴾: الهمزة: للاستفهام الإنكاري، ﴿لِرَبِّكَ﴾: خبر مقدم. ﴿الْبَناتُ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿استفتهم﴾؛ لأنه بمعنى: اسألهم. و ﴿لَهُمُ﴾: خبر مقدم. ﴿الْبَنُونَ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة في محل النصب معطوفة على ما قبلها. ﴿أَمْ﴾: حرف عطف معادلة للهمزة؛ كأن المستفهم يدّعي ثبوت أحد الأمرين، ويطلب تعيينه منهم قائلًا: أي هذين الأمرين تدعونه. ﴿خَلَقْنَا﴾: فعل، وفاعل، ﴿الْمَلائِكَةَ﴾: مفعول به. ﴿إِناثًا﴾: حال من الملائكة. والجملة معطوفة عليه جملة ﴿أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ﴾. ﴿وَهُمْ﴾: ﴿الواو﴾: حالية. ﴿هُمْ﴾: مبتدأ. ﴿شاهِدُونَ﴾: خبر، والجملة في محل النصب حال من الملائكة أيضًا، ولكنها حال سببية، والرابط مقدر، تقديره: أم خلقنا الملائكة إناثا، والحال أنهم شاهدون خلقهم.
﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ (١٥٦)﴾.
﴿أَلا﴾ حرف تنبيه واستفتاح، ﴿إِنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه، ﴿مِنْ إِفْكِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿يقولون﴾ ﴿لَيَقُولُونَ﴾ اللام: حرف ابتداء، وجملة ﴿يقولون﴾: خبر
стр. 11044
﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة مسوقة لإبطال مذهبهم الفاسد، ببيان أنه إفك صريح، لا دليل يدعمه. ﴿وَلَدَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿يقولون﴾. ﴿وَإِنَّهُمْ﴾: ﴿الواو﴾: حالية، ﴿إِنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه، ﴿لَكاذِبُونَ﴾: اللام: حرف ابتداء، ﴿كاذبون﴾: خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب حال من فاعل ﴿يقولون﴾. ﴿أَصْطَفَى﴾ الهمزة المفتوحة، للاستفهام الإنكاري، استغني بها عن همزة الوصل، في التوصل إلى النطق بالساكن. ﴿أَصْطَفَى الْبَناتِ﴾ فعل ماض، وفاعل مستتر، يعود على الله، ومفعول به، ﴿عَلَى الْبَنِينَ﴾، متعلق بـ ﴿أَصْطَفَى﴾ بتضمينه معنى أفضل. وجملة الاستفهام، جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب. ﴿ما﴾ اسم استفهام على وجه الإنكار في محل الرفع مبتدأ، و ﴿لَكُمْ﴾ خبره، والجملة مستأنفة. ﴿كَيْفَ﴾ اسم استفهام للاستفهام التعجبي في محل النصب على الحال من فاعل ﴿تَحْكُمُونَ﴾ أو على المفعولية المطلقة، والتقدير: أي حكم تحكمون. و ﴿تَحْكُمُونَ﴾: فعل، وفاعل، والجملة مستأنفة أيضًا. فليس لإحدى الجملتين تعلق بالأخرى، كما مر. ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٥٥)﴾ الهمزة للاستفهام التوبيخي، داخلة على محذوف، والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أتغفلون عن الحقائق فلا تذكرون. ﴿لا﴾: نافية. ﴿تَذَكَّرُونَ﴾: فعل، وفاعل معطوف على تلك المحذوفة. ﴿أَمْ﴾: حرف عطف بمعنى: بل، وهمزة الاستفهام الإنكاري. ﴿لَكُمْ﴾: خبر مقدم. ﴿سُلْطانٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿مُبِينٌ﴾: صفة ﴿سُلْطانٌ﴾. والجملة معطوفة على جملة ﴿أَصْطَفَى الْبَناتِ﴾.
﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٥٧) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨)﴾.
﴿فَأْتُوا﴾ الفاء: فاء الفصيحة، لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت افتراءهم فيما يقولون، وأردت الزام الحجة لهم .. فأقول لك: قل لهم: ائتوا بكتابكم. ﴿ائتوا﴾: فعل أمر، وفاعل. ﴿بِكِتابِكُمْ﴾: متعلق به. والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط. ﴿كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾: فعل ناقص واسمه وخبره في محل الجزم
стр. 11045
بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، وجوابها معلوم مما قبلها، تقديره: إن كنتم صادقين فائتوا بكتابكم، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة. ﴿وَجَعَلُوا﴾ فعل، وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿بَيْنَهُ﴾: ظرف، متعلق بـ ﴿جَعَلُوا﴾ على كونه مفعولًا ثانيًا لـ ﴿جَعَلُوا﴾. ﴿وَبَيْنَ الْجِنَّةِ﴾: ظرف ومضاف إليه، معطوف على الظرف الأول. ﴿نَسَبًا﴾ مفعول أول لـ ﴿جعل﴾، ﴿وَلَقَدْ﴾: ﴿الواو﴾: حالية، واللام: موطئة للقسم. ﴿قد﴾ حرف تحقيق. ﴿عَلِمَتِ الْجِنَّةُ﴾: فعل، وفاعل، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم في محل النصب على الحال من الجنة. ﴿إِنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه، ﴿لَمُحْضَرُونَ﴾: اللام: حرف ابتداء. ﴿محضرون﴾: خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب، سادة مسد مفعولي ﴿علم﴾.
﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠) فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ (١٦١) ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ (١٦٣) وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)﴾.
﴿سُبْحانَ اللَّهِ﴾: منصوب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف وجوبًا، تقديره: سبحوا الله سبحانًا، والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿عَمَّا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿سُبْحانَ﴾، وجملة ﴿يَصِفُونَ﴾: صلة ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: عما يصفونه به، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء، ﴿عِبادَ اللَّهِ﴾: استثناء منقطع من المحضرين، كأنهم ليسوا من جنسهم، ويحتمل أن يكون استثناء من فاعل ﴿جَعَلُوا﴾ أو من فاعل ﴿يَصِفُونَ﴾؛ أي: لكن عباد الله المخلصين ناجون. ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ صفة ﴿فَإِنَّكُمْ﴾ ﴿الفاء﴾: استئنافية. ﴿إنكم﴾: ناصب واسمه، ﴿وَما تَعْبُدُونَ﴾: ﴿الواو﴾: واو المعية، ﴿ما﴾ اسم موصول في محل النصب على أنه مفعول معه، وقد سدت مسد خبر ﴿إن﴾؛ أي: إنكم وآلهتكم قرناء، لا تزالون تعبدونها على حد قولهم: كل رجل وضيعته؛ أي: مقترنان. وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة. ﴿ما﴾: نافية أو حجازية. ﴿أَنْتُمْ﴾: اسمها، ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿فاتنين﴾، ﴿بِفاتِنِينَ﴾: خبر ﴿ما﴾، والباء: زائدة. والجملة مستأنفة. ويجوز أن تكون جملة ﴿ما﴾: الحجازية خبر ﴿إن﴾: على أن ﴿الواو﴾: عاطفة لا معية في قوله: ﴿وَمَا
стр. 11046
تَعْبُدُونَ﴾. ومفعول ﴿فاتنين﴾: محذوف؛ أي: أحدًا. والمعنى: ما أنتم ولا معبودكم بفاتنين؛ أي: مفسدين عليه تعالى أحدًا من عباده. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء من مفعول فاتنين المحذوف. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب على الاستثناء، ﴿هُوَ﴾: مبتدأ، ﴿صالِ﴾: خبر مرفوع بالضمة المقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، وقد أفرد حملًا على لفظ ﴿مَنْ﴾: كما أفرد لفظ ﴿هُوَ﴾، كذلك ﴿الْجَحِيمِ﴾: مضاف إليه، والجملة الاسمية صلة الموصول. ﴿وَما مِنَّا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿ما﴾: نافية. ﴿مِنَّا﴾: خبر مقدم، والمبتدأ محذوف أقيمت صفته مقامه، والتقدير: وما كائن منا أحد إلا له مقام معلوم ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿لَهُ﴾: خبر مقدم. ﴿مَقامٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿مَعْلُومٌ﴾: صفة ﴿مَقامٌ﴾. والجملة الاسمية صفة للمبتدأ المحذوف. وما كائن منا إلا أحد موصوف بكون مقام معلوم له على حد قوله:
أَنَا ابْنُ جَلا وَطَلّاعِ الثَّنَايَا ... مَتَى أَضَعِ العِمَامَةَ تَعْرِفُونِي
ويجوز أن تكون ﴿مِنَّا﴾: صفة لمحذوف هو المبتدأ، والخبر جملة ﴿إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾؛ أي: وما أحد كائن منا، إلا له مقام معلوم. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر، ﴿لَهُ﴾: خبر مقدم، ﴿مَقامٌ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿مَعْلُومٌ﴾: صفة ﴿مَقامٌ﴾، والجملة خبر لذلك المحذوف.
﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦) وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠)﴾.
﴿وَإِنَّا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، ﴿لَنَحْنُ﴾ اللام: حرف ابتداء. ﴿نحن﴾: مبتدأ أو ضمير فصل، و ﴿الصَّافُّونَ﴾: خبر ﴿نحن﴾، وجملة ﴿نحن﴾: خبر ﴿إِنَّا﴾: أو ﴿الصَّافُّونَ﴾: خبر ﴿إِنَّا﴾، وجملة ﴿إن﴾: معطوفة على جملة قوله: ﴿وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)﴾. ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾ معطوف أيضًا على الآية السابقة، ﴿وإن﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إن﴾: مخففة من الثقيلة مهملة، أو اسمها ضمير الشأن، ﴿كانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿لَيَقُولُونَ﴾: اللام: حرف ابتداء، وجملة ﴿يقولون﴾: خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ في محل
стр. 11047
الرفع خبر ﴿إن﴾ المخففة، وجملة ﴿إن﴾ المخففة معطوفة على ما قبلها. ﴿لَوْ﴾: حرف شرط غير جازم ﴿إِنْ﴾: حرف نصب، ﴿عِنْدَنا﴾: ظرف، ومضاف إليه، خبر ﴿أَنَّ﴾ مقدم على اسمها، ﴿ذِكْرًا﴾ اسمها مؤخر. ﴿مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ صفة لـ ﴿ذِكْرًا﴾ وجملة ﴿أن﴾ من اسمها وخبرها في تأويل مصدر، مرفوع على كونه فاعلًا لفعل محذوف بعد ﴿لَوْ﴾ الشرطية؛ لأن ﴿لَوْ﴾: الشرطية، لا يليها إلا الفعل، والتقدير: لو ثبت كون ذكر من الأولين عندنا. ﴿لَكُنَّا﴾ اللام: رابطة لجواب ﴿لَوْ﴾ الشرطية، ﴿كنا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿عِبادَ اللَّهِ﴾ خبره، ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ صفة لعباد الله، وجملة ﴿كان﴾: جواب لـ ﴿لَوْ﴾ الشرطية، لا محل لها من الإعراب. وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول لـ ﴿يقولون﴾. ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ الفاء: عاطفة على محذوف، تقديره: فجاءهم ذكر أي ذكر ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾. ﴿كفروا﴾: فعل وفاعل معطوف على ذلك المحذوف، ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿كفروا﴾، ﴿فَسَوْفَ﴾ الفاء: عاطفة، ﴿سوف﴾: حرف تنفيس للاستقبال البعيد، ﴿يَعْلَمُونَ﴾ فعل وفاعل، معطوف على ﴿كفروا﴾.
﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (١٧٣)﴾.
﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، واللام: موطئة للقسم. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿سَبَقَتْ كَلِمَتُنا﴾: فعل، وفاعل. ﴿لِعِبادِنَا﴾: متعلق بـ ﴿سَبَقَتْ﴾. ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ صفة لـ ﴿عبادنا﴾، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة. ﴿إِنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه، ﴿لَهُمُ﴾ اللام: حرف ابتداء. ﴿هم﴾: ضمير فصل، ﴿الْمَنْصُورُونَ﴾: خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ جملة مفسرة لـ ﴿كَلِمَتُنا﴾، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَإِنَّ جُنْدَنا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب، ﴿جُنْدَنا﴾ اسمها، ﴿لَهُمُ﴾ اللام: حرف ابتداء، ﴿هم﴾ ضمير فصل، ﴿الْغالِبُونَ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾: معطوفة على جملة ﴿إِنَّ﴾ المذكورة قبلها.
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩)﴾.
стр. 11048
﴿فَتَوَلَّ﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أن النصر، والغلبة، والعاقبة لك، وأردت بيان ما هو الأصلح لك .. فأقول لك: تول عنهم. ﴿تول﴾: فعل أمر، مبني على حذف حرف العلة، وفاعله ضمير مستتر يعود على محمد ﷺ ، ﴿عَنْهُمْ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿تول﴾، ﴿حَتَّى حِينٍ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿تول﴾ أيضًا. والجملة الفعلية في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿وَأَبْصِرْهُمْ﴾ فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ، ومفعول به. معطوف على تول، ﴿فَسَوْفَ﴾: الفاء: عاطفة. ﴿سوف﴾: حرف تنفيس. ﴿يُبْصِرُونَ﴾: فعل، وفاعل، والمفعول محذوف، تقديره: ما يحيق بهم جزاء كفرهم. والجملة معطوفة على جملة ﴿أَبْصِرْهُمْ﴾ عطف إخبار على إنشاء. ﴿أَفَبِعَذابِنا﴾ الهمزة: للاستفهام الإنكاري التعجبي، داخلة على محذوف، والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أبعد هذا التكرير من الوعيد، ينكرون عذابنا، فيستعجلون به. ﴿بعذابنا﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿يَسْتَعْجِلُونَ﴾، ﴿يَسْتَعْجِلُونَ﴾: فعل، وفاعل، معطوف على ذلك المحذوف، والجملة المحذوفة جملة إنشائية، لا محل لها من الإعراب. ﴿فَإِذا نَزَلَ﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت هذا الوعيد المكرر لهم، وأردت بيان عاقبتهم .. فأقول لك إذا نزل. ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿نَزَلَ﴾ فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على العذاب، ﴿بِساحَتِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿نَزَلَ﴾. والجملة في محل الخفض بإضافة إذا إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿فَساءَ﴾ الفاء: رابطة لجواب إذا وجوبًا لكون الجواب جملة جامدية، ﴿ساء﴾ فعل ماض لإنشاء الذم، ﴿صَباحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ فاعل، ومضاف إليه، والجملة جواب إذا، لا محل لها من الإعراب، والمخصوص بالذم محذوف، تقديره: صباحهم، وجملة ﴿إذا﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿وَتَوَلَّ﴾: فعل، وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ، ﴿عَنْهُمْ﴾ متعلق به، والجملة معطوفة على نظيرتها السابقة آنفًا. ﴿حَتَّى حِينٍ﴾: متعلق بـ ﴿تول﴾ أيضًا. ﴿وَأَبْصِرْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ،
стр. 11049
معطوف على ﴿تول﴾، وحذف المفعول اختصارا لدلالة الأول عليه، ﴿فَسَوْفَ﴾ الفاء: عاطفة، ﴿سوف يبصرون﴾ فعل وفاعل، معطوف على ﴿أبصر﴾.
﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٢)﴾.
﴿سُبْحانَ﴾: مفعول مطلق لفعل محذوف وجوبًا، تقديره: سبح ربك سبحانًا، والجملة مستأنفة. ﴿رَبِّكَ﴾: مضاف إليه، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول، ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾: بدل من ربك، بدل كل من كل. ﴿عَمَّا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿سُبْحانَ﴾، وجملة ﴿يَصِفُونَ﴾: صفة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: يصفونه به. ﴿وَسَلامٌ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿سَلامٌ﴾: مبتدأ، سوغ الابتداء بالنكرة قصد الدعاء به، ﴿عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾: خبر، والجملة معطوفة على جملة ﴿سُبْحانَ﴾ عطف إخبار على إنشاء؛ لأنه في معنى الإنشاء. ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: مبتدأ وخبر، معطوف على ما قبله، ﴿رَبِّ الْعالَمِينَ﴾: صفة للجلالة أو بدل منه، والله أعلم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ من الاستفتاء، وهو طلب الفتوى، والفتوى، وكذا الفتيا: الجواب عما أشكل من الأحكام، يقال: استفتيته فأفتاني بكذا، والمراد بالاستفتاء هنا: الاستخبار. ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثًا﴾ الإناث ككتاب، جمع الأنثى، من أنث أنوثة إذا ضعف، والألف في الأنثى، ألف التأنيث المقصورة، فلذلك لا يصرف. ﴿مِنْ إِفْكِهِمْ﴾ والإفك: أسوأ الكذب، وأقبحه، وأشده عقوبة. ﴿أَصْطَفَى الْبَناتِ﴾ بفتح الهمزة على أنها همزة الاستفهام الإنكاري، دخلت على ألف الافتعال، أصله أاصطفى، فحذفت همزة الافتعال التي هي همزة الوصل استغناء عنها بهمزة الاستفهام. وأصل ﴿أَصْطَفَى﴾: اصتفى من الصفوة، قلبت تاء الافتعال طاء، لوقوعها بعد حرف الإطباق. والاصطفاء: أخذ صفوة الشيء لنفسه.
стр. 11050
﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٥٥)﴾ بحذف إحدى التاءين لثقل توالي المثلين، أصله: تتذكرون، إحداهما تاء المضارعة، والأخرى تاء المطاوعة.
﴿وَبَيْنَ الْجِنَّةِ﴾ الجنة بكسر الجيم: جماعة الجن، والملائكة أيضًا كما في «القاموس»، والمراد هنا: الملائكة، وسموا جنة لاجتنانهم، واستتارهم عن الأبصار، ومنه: سمي الجنين، وهو المستور في بطن الأم، والجنون، لأنه خفاء العقل، والجنة بالضم: الترس، لأنه يجن صاحبه، ويستره. والجنة بالفتح، لأنها كل بستان ذي شجر يستر بأشجاره الأرض. فمن له اجتنان عن الأعين .. فهو جنس يندرج تحته الملائكة، والجن المعروف. قالوا: الجن واحد، ولكن من خبث من الجن، ومرد، وكان شرًا فهو شيطان. ومن طهر منهم، ونسك، وكان خيرًا فهو ملك. قال الراغب: يقال الجن على وجهين:
أحدهما: للروحانيين المستترة عن الحواس كلها، بإزاء الإنس، فعلى هذا يدخل فيه الملائكة والشياطين، فكل ملائكة جن، وليس كل جن ملائكة.
وقيل الثاني: بل الجن بعض الروحانيين. وذلك أن الروحانيين ثلاثة أقسام: أخيار وهم الملائكة، وأشرار وهم الشياطين، وأوساط فهم أخيار وأشرار وهم الجن. ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ إلى قوله: ﴿وَمِنَّا الْقاسِطُونَ﴾.
﴿نَسَبًا﴾ النسب، والنسبة: اشتراك من جهة الأبوين، وذلك ضربان:
نسب بالطول: كالاشتراك بين الآباء والأبناء.
ونسب بالعرض: كالنسبة بين الإخوة وبني العم. وقيل: فلان نسيب فلان؛ أي: قريبه.
﴿بِفاتِنِينَ﴾ والفاتن هنا بمعنى: المضل والمفسد، يقال: فتن فلان على فلان امرأته؛ أي: أفسدها عليه، وأضلها حاملا لها على عصيان زوجها، فعدّي الفاتن بعلى لتضمينه معنى الحمل والبعث.
﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)﴾ صال بالكسر أصله: صالي على وزن فاعل
стр. 11051
من الصلي، وهو الدخول في النار، يقال: صلي فلان النار يصلي صليًا من الباب الرابع، دخل فيها واحترق، فأعلّ كقاض، فترفعه بضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، فلما أضيف إلى الجحيم سقط التنوين، وأفرد حملًا على لفظ ﴿مَنْ﴾. والمعنى: داخل النار، ومعذب فيها.
﴿كَلِمَتُنا﴾؛ أي: وعدنا. ﴿لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾؛ أي: الغالبون في الحرب، وغيرها. ﴿وَإِنَّ جُنْدَنا﴾؛ أي: أتباع رسلنا. والجند: العسكر. وفي المصباح: الجند: الأنصار، والأعوان، والجمع أجناد، وجنود، والواحد جندي، فالياء للوحدة مثل: روم رومي، وجند بفتحتين: بلد باليمن، اهـ.
﴿بِساحَتِهِمْ﴾ قال الراغب: الساحة: المكان الواسع، ومنه: ساحة الدار، والسائح: الماء الجاري في الساحة، وساح فلان في الأرض مر مر السائح، ورجل سائح وسياح. وفي «حواشي ابن الشيخ»: الساحة: الفناء الخالي من الأبنية، وفناء الدار بالكسر ما امتد من جوانبها معدًا لمصالحها، وجمعها سوح، فألفها منقلبة عن واو، فتصغر على سويحة. وفي «المصباح»: الفناء بوزن كتاب: الوصيد، وهو سعة أمام الدار وقيل: ما امتد من جوانبه، اهـ.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الطباق بين ﴿الْبَناتِ﴾ ﴿الْبَنِينَ﴾.
ومنها: الالتفات من الخطاب إلى الغيبة في قوله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ﴾. وكان مقتضى السياق أن يقال: وجعلتم للإيذان بانقطاعهم عن درجة الخطاب، واقتضاء حالهم أن يعرض عنهم، وتحكى جناياتهم لآخرين كما في «الكرخي».
ومنها: تتابع الاستفهامات، وتكراره في قوله: ﴿أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾، وقوله: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثًا﴾، وقوله: ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٥٥)﴾ وقوله: ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ (١٥٦)﴾ للتقريع والتوبيخ.
стр. 11052
ومنها: جمع المؤكدات لتحقيق المعنى، وتقريره في قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢)﴾، ﴿وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (١٧٣)﴾. فقد أكدت كل من الجملتين بأن، وباللام، وباسمية الجملة.
ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧)﴾ فقد شبه العذاب النازل بهم، بعدما أنذروا به، فلم يبالوا الإنذار، وأصموا آذانهم عنه بجيش، أنذر بهجومه قومه بعض نصاحهم، فلم يكترثوا لإنذاره، ولم يتخذوا الأهبة والاحتياط حتى اجتاحهم جيش العدو، ففي الضمير المستتر في ﴿نَزَلَ﴾ استعارة بالكناية. والنزول: تخييل، كما في «البيضاوي».
ومنها: إقامة الظاهر مقام المضمر في قوله: ﴿فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ وكان مقتضى الظاهر أن يقال: فساء صباحهم.
ومنها: حذف مفعول ﴿أبصر﴾ الثاني إما اختصارًا لدلالة الأول عليه، وإما اقتصارًا، اهـ «سمين».
ومنها: إضافة رب إلى العزة في قوله: ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ لاختصاصه بها، كأنه قيل: ذي العزة كما تقول: صاحب صدق لاختصاصه به.
ومنها: تعميم الرسل بالتسليم بعد تخصيص بعضهم في قوله: ﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١)﴾.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 11053
مجمل ما حوته هذه السورة الكريمة من الموضوعات
١ - التوحيد، ودليله في الآفاق والأنفس.
٢ - خلق السموات والأرض، ووصفه سبحانه لذلك.
٣ - إنكار المشركين للبعث، وما يتبع ذلك من محاورة أهل الجنة لأهل النار، وهم يطلعون عليهم.
٤ - وصف الجنة، ونعيمها.
٥ - قصص بعض الأنبياء: كنوح، وإبراهيم، وإسماعيل.
٦ - دفع فرية قالها المشركون، وتوبيخهم عليها، إذ قالوا: الملائكة بنات الله.
٧ - تنزيه الله عن ذلك.
٨ - بيان أن المشركين لا يفتنون إلا ذوي الأحكام الضعيفة، المستعدة للإضلال.
٩ - وصف الملائكة بأنهم صافون مسبحون.
١٠ - مدح المرسلين، وسلام الله عليهم.
١١ - حمد الله، وثناؤه على نفسه، بأنه رب العزة، ورب الخلق أجمعين.
والله أعلم
* * *
стр. 11054
سورة ص
سورة ص مكية، قال القرطبي عند الجميع. ويقال لها: سورة داود ﵇. وآيها ست، وقيل: ثمان وثمانون آية. وكلماتها: سبع مئة واثنتان وثلاثون كلمة. وحروفها: ثلاثة آلاف وسبعة وستون حرفًا، وقيل: تسعة وتسعون.
التسمية: واسمها: سورة ص، ويقال لها: سورة داود لذكر قصة داود فيها، وسميت سورة ص، وهو حرف من حروف الهجاء، إشارة إلى فضل هذا الكتاب المعجز، الذي تحدى الله به الأولين والآخرين، وهو المنظوم من أمثال هذه الحروف الهجائية.
الناسخ والمنسوخ فيها: قال محمد بن حزم ﵀: سورة ص كلها محكم إلا آيتين:
أولهما: قوله تعالى: ﴿إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠)﴾ الآية (٧٠) نسخت بآية السيف.
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)﴾ الآية (٨٨)، نسخت أيضًا بآية السيف.
فضلها: ومن فضائلها: ما روي (١) عن النبي ﷺ : «من قرأ سورة ص .. كان له بوزن كل جبل سخّره الله لداود عشر حسنات، وعصمه أن يصر على ذنب صغير أو كبير». ولكن فيه مقال.
المناسبة: ومناسبتها لما قبلها (٢): أنها جاءت كالمتممة لها من وجهين:
стр. 11055
١ - أنه ذكر فيها من قصص الأنبياء، ما لم يذكر في تلك كداود، وسليمان.
٢ - أنه بعد أن حكى فيما قبلها عن الكفار، أنهم قالوا: لو أن عندنا ذكرًا من الأولين لكنا عباد الله المخلصين، وأنهم كفروا بالذكر لما جاءهم .. بدأ عز اسمه هذه السورة بالقرآن ذي الذكر، وفصّل ما أجمله هناك من كفرهم.
وقال أبو حيان (١): مناسبة هذه السورة لآخر ما قبلها، أنه لما ذكر عن الكفار، أنهم كانوا يقولون: لو أن عندنا ذكرا من الأولين؛ لأخلصوا العبادة لله، وأخبر أنهم أتاهم الذكر فكفروا به .. بدأ في هذه السورة بالقسم بالقرآن؛ لأنه الذكر الذي جاءهم، وأخبر عنهم أنهم كافرون، وأنهم في تعزز مشاقة للرسول الذي جاء به، ثم ذكر من أهلك من القرون، التي شاقّت الرسل ليتعظوا.
والله أعلم
* * *
قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر أنهم إنما توانوا، وتكاسلوا عن النظر والاستدلال، لأنهم لم ينزل بهم العذاب .. بيّن في هذه الآيات أن أقوام الأنبياء الماضين، كانوا كذلك حتى حاق بهم ما كانوا به يستهزئون، وفي هذا، تخويف لأولئك الكافرين، الذين كذبوا الرسول ﷺ .
قوله تعالى: ﴿وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ (١٦) ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر فيما تقدم، أن القوم إنما تعجبوا لشبهات تتعلق بالتوحيد، والنبوات، والمعاد .. فأشار إلى الأولى بقولهم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا﴾، وإلى الثانية بقولهم: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا﴾. أشار هنا إلى الثالثة بقوله: ﴿وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ (١٦)﴾ سخريةً وتهكمًا حين سمعوا بالمعاد، وأن هناك دارًا أخرى يحاسبون فيها، ويجازون على ما يعملون، ثم أمر رسوله بالصبر على أذى المشركين، وعلى ما يقولون في شأنه من أنه شاعر، وأنه مفتر كذاب.
قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه، لما أمر رسوله، بالصبر على أذى المشركين .. أردف ذلك، ذكر قصص بعض الأنبياء الذين حدث لهم من المشاق والأذى، مثل ما حدث له، فصبروا حتى فرّج الله تعالى عنهم، وأحسن عاقبتهم، ترغيبًا له في الصبر وإيذانا ببلوغه ما يريد، كما كان ذلك عاقبة من قبله.
قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه (١)، لما مدح داود، وأثنى عليه بما سلف .. أردف ذلك، ذكر نبأ عجيب من أنبائه، مشوقًا إليه السامع، ومعجبًا له.
قوله تعالى: ﴿يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه، لما قص علينا قصص داود ﵇، والخصمين .. أردف ذلك، ببيان أنه فوّض إلى داود خلافة الأرض، وأوصاه بالحكم بين الناس
стр. 11058
بالحق، وعدم اتباع الهوى، حتى لا يضل عن سبيل الله، ثم ذكر أن من ضل عن سبيله فله شديد العذاب، وسوء المنقلب، إذ قد نسي يوم الحساب والجزاء.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ...﴾ الآيات، سبب نزول هذه الآيات: ما أخرجه (١) ابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في «الدلائل» عن ابن عباس قال: لما مرض أبو طالب، دخل عليه رهط من قريش، فيهم أبو جهل، فقال: إن ابن أخيك يشتم آلهتنا، ويفعل ويفعل، ويقول ويقول، فلو بعثت إليه فنهيته، فبعث إليه. فجاء النبي ﷺ ، فدخل البيت، وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل، فخشي أبو جهل أن يجلس إلى أبي طالب ويكون أرق عليه، فوثب، فجلس في ذلك المجلس، فلم يجد رسول الله ﷺ مجلسًا قرب عمه، فجلس عند الباب، فقال له أبو طالب: أي ابن أخي، ما بال قومك، يشكونك، يزعمون أنك تشتم آلهتهم، وتقول وتقول، قال: وأكثروا عليه من القول، وتكلم رسول الله ﷺ ، فقال، يا عم، إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها، تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية، ففزعوا لكلمته، ولقوله فقال القوم كلمة واحدة: نعم وأبيك لنعطينكها وعشرًا، قالوا: فما هي؟ قال: لا إله إلا الله، فقاموا فزعين، ينفضون ثيابهم، وهم يقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (٥)﴾. فنزل فيهم: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾ إلى قوله: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾.
التفسير وأوجه القراءة
١ - ﴿ص﴾ تقدم (٢) الكلام في مثل هذا مرارًا، وقلنا: إن هذه حروف يراد بها
стр. 11059
تنبيه المخاطب، للإصغاء إلى ما يراد بعده من الكلام لأهميته. نحو: ألا ويا. وينطق بأسمائها فيقال: صاد بالسكون.
وقال الشوكاني: وقد اختلف في معنى «صاد»، فقال الضحاك: معناه: صدق الله، وقال عطاء: صدق محمد ﷺ . وقال سعيد بن جبير: هو بحر يحيي الله به الموتى بين النفختين. وقال محمد بن كعب: هو مفتاح اسم الله، صادق الوعد، صانع المصنوعات، صبور على ذنوب عباده، الصمد لحوائج عباده. وقال قتادة: هو اسم من أسماء الله تعالى، وروي عنه: أنه قال: هو اسم من أسماء القرآن. وقال مجاهد: هو فاتحة السورة، وقيل: هو مما استأثر الله بعلمه، وهذا هو الحق كما قدمنا في فاتحة سورة البقرة، قيل: وهو إما اسم للحروف مسرودا على نمط التعبد، أو اسم للسورة أو خبر مبتدأ محذوف، أو منصوب بإضمار اذكر أو اقرأ.
وقرأ الجمهور (١): ﴿صاد﴾ بسكون الدال، كسائر حروف التهجي في أوائل السور، فإنها ساكنة الأواخر على الوقف، وقرأ أبي بن كعب، والحسن، وابن أبي إسحاق، ونصر بن عاصم، وابن أبي عبلة، وأبو السمال «صاد» بكسر الدال من غير تنوين، والظاهر: أنه كسر لالتقاء الساكنين، وهو حرف من حروف المعجم، نحو: ق، ونون. وقال الحسن: هو أمر من صادى يصادي إذا عارض والمعنى: صاد القرآن بعملك؛ أي: عارضه بعملك، وقابله فاعمل به، ومنه: الصدى، وهو ما يعارض الصوت في الأماكن الصلبة، الخالية من الأجسام. وهذا حكاه النحاس عن الحسن البصري، وقال: إنه فسر قراءته هذه بهذا. وعنه: أن المعنى: أتله، وتعرض لقراءته، وعنه أيضًا: صاديت بمعنى: حادثت؛ أي: حادث. وهو قريب من القول الأول. وقرأ عيسى بن عمر، ومحبوب عن أبي عمر، وفرقة ﴿صاد﴾ بفتح الدال، والفتح لالتقاء الساكنين، طلبا للتخفيف، وكذا قرأ: ﴿قاف، ونون﴾ بفتح الفاء والنون، وقيل: انتصب على أنه مقسم به، حذف
стр. 11060
منه حرف القسم، نحوه: قوله: الله لأفعلن، وهو اسم للسورة، وامتنع من الصرف للعلمية والتأنيث. وقيل: نصب على الإغراء. وقيل: معناه: صاد محمد ﷺ قلوب الخلق، واستمالها حتى آمنوا به. وروي عن ابن أبي إسحاق أيضًا. أنه قرأ ﴿صاد﴾، بالكسر والتنوين، تشبيهًا لهذا الحرف بما هو غير متمكن من الأصوات. وقرأ هارون الأعور، وابن السميقع: ﴿صاد﴾، بالضم من غير تنوين على البناء، نحو: منذ، وحيث، فجملة القراءات في ﴿ص﴾ خمس. والجمهور على السكون. قال ابن جرير الطبري: والصواب من القراءة في ذلك عندنا السكون؛ لأن ذلك القراءة التي جاء بها قرّاء الأمصار مستفيضة فيهم، وأنها حروف هجاء لأسماء المسميات، فيعربن إعراب الأسماء والأدوات الأصوات، فيسلك بهن مسالكهن، فتأويلها إذا كانت كذلك تأويل نظائرها التي تقدم بيانها فيما مضى، اهـ.
والواو في قوله: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ هي واو القسم. والإقسام بالقرآن فيه تنبيه على شرف قدره، وعلو منزلته. وفي المراد (١) بالذكر ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه الشرف؛ أي: والقرآن صاحب الشرف، والعظمة، والمنزلة كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾؛ أي: شرفكم؛ أي: أن من آمن به له شرف في الدارين، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، والسدي.
والثاني: البيان؛ أي: والقرآن صاحب البيان؛ أي: الذي يبين ما يحتاج إليه في الدين من العقائد والأحكام، قاله قتادة.
والثالث: التذكير، والموعظة؛ أي: القرآن صاحب الموعظة والتذكير لمن اتعظ، قاله الضحاك، ورجح الطبري القول الثالث، وهو أنه بمعنى التذكير.
قال: لأن الله تعالى أتبع ذلك قوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (٢)﴾، فكان معلوما بذلك، أنه إنما أخبر عن القرآن، أنه أنزله ذكرًا لعباده ذكرهم به، وأن الكفار من الإيمان به في عزة وشقاق، اهـ. وقال ابن كثير: إن في هذا القرآن
стр. 11061
لذكرى لمن يتذكر، وعبرة لمن يعتبر. وإنما لم ينتفع به الكافرون لأنهم ﴿فِي عِزَّةٍ﴾؛ أي: استكبار عنه وحمية، ﴿وَشِقاقٍ﴾؛ أي: ومخالفة له، ومعاندة، ومفارقة، اهـ.
وقولنا: والواو في قوله: ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ للقسم إن جعل (١) ﴿ص﴾ اسمًا للحرف ومذكورًا للتحدي أو للرمز بكلام، مثل: صدق محمد ﷺ ، أو اسمًا للسورة خبرًا لمحذوف؛ أي: هذه السورة ﴿ص﴾، وللعطف إن جعل مقسمًا به؛ أي: أقسمت بـ ﴿ص﴾ وبالقرآن ذي الذكر، والجواب محذوف دل عليه ما في ﴿ص﴾ من الدلالة على التحدي، والتقدير؛ أي: أقسمت بـ ﴿ص﴾ وبالقرآن ذي الذكر أنه لمعجز، أو الواجب العمل به، أو إن محمدًا ﷺ لصادق. «وفي الشوكاني»: واختلف في جواب هذا القسم ما هو؟. فقال الزجاج، والكسائي، والكوفيون، غير الفراء: إن الجواب قوله: ﴿إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ﴾. وقال الفراء: لا نجده مستقيمًا لتأخره جدًا عن قوله: ﴿وَالْقُرْآنِ﴾. ورجح هو، وثعلب: أن الجواب قوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾. ومعناه: لكم أهلكنا، فلما طال الكلام حذفت اللام، ومثله قوله: «والشمس وضحاها قد أفلح». فإن المعنى: لقد أفلح، غير أنه لما اعترض بينهما كلام تبعه قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾. وقال الأخفش: الجواب هو قوله: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ (١٤)﴾. وقيل: الجواب هو صاد؛ لأن معناه: حق وثبت إرسالك أقسمت بالقرآن، أو حق واجب اتباعك أقسمت بالقرآن. أو المعنى: والقرآن ذي الذكر لقد صدق محمد ﷺ كقولك: وجب والله نزل والله، ذكره ابن الأنباري. وروي أيضًا عن ثعلب، والفراء. وهو مبني على أن جواب القسم، يجوز تقدمه، وهو ضعيف جدًا. وقيل: الجواب محذوف، تقديره: أقسمت بالقرآن ذي الذكر ما الأمر كما يزعم الكفار. ويدل على هذا المحذوف قوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (٢)﴾، ذكره جماعة من المفسرين، وإلى نحوه ذهب قتادة. وهو الذي رجحه الطبري في تفسيره. وقال ابن عطية: والقول بالحذف أولى. وقيل: إن قوله: ﴿ص﴾ مقسم به، وعلى هذا القول تكون
стр. 11062
الواو في ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ للعطف عليه كما مر.
ومعنى الآية: أي أقسم (١) بالقرآن ذي الشرف والرفعة إنه لمعجز، وإن محمدًا ﷺ لصادق فيما يدعيه من النبوة، وإنه مرسل من ربه إلى الأسود والأحمر، وإن كتابه لمنزل من عنده تعالى.
٢ - ولما كان الإقسام بالقرآن دالًا على صدقه، وأنه حق، وأنه ليس بمحل للريب .. قال سبحانه مبينًا للسبب الحقيقي في كفرهم: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلخ إضراب، وانتقال من قضية إلى أخرى. بيّن به سبب قولهم بتعدد الآلهة؛ أي: ليس الحامل لهم عليه الدليل، بل مجرد الحمية، والخصام، والشقاق، اهـ شيخنا. وكأنه قال: لا ريب فيه قطعًا، ولم يكن عدم قبول المشركين له لريب فيه، بل هم ﴿فِي عِزَّةٍ﴾ عن قبول الحق؛ أي: في تكبر، وتجبر، وأنفة، وحمية جاهلية. وقرأ عمرو بن العاص، وأبو رزين، وابن يعمر، وعاصم الجحدري، ومحبوب عن أبي عمرو، وحماد بن الزبرقان، وسورة عن الكسائي، وميمون بن أبي جعفر ﴿في غرة﴾ بغين معجمة، وراء غير معجمة؛ أي: في غفلة عن قبول الحق ﴿وَشِقاقٍ﴾؛ أي: مخالفة للحق، ومعاندة له، وامتناع عن قبوله، وعداوة عظيمة لرسوله ﷺ .
والمعنى: أي إن الذين كفروا من أهل مكة، لم يكفروا بهذا القرآن، لعدم وجدانهم فيه، ما يصلح حالهم في دينهم ودنياهم، بل كذبوا به لاستكبارهم عن اتباع الحق، ومشاقتهم لرسوله ﷺ وحرصهم على مخالفته.
٣ - ثم حذرهم، وخوّفهم ما أهلك به الأمم قبلهم حين كذبوا رسلهم، فقال: ﴿كَمْ أَهْلَكْنا﴾ ﴿كَمْ﴾ هي الخبرية الدالة على عدد كثير، وهي في محل نصب بـ ﴿أَهْلَكْنا﴾ على أنها مفعول به. و ﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ لابتداء الغاية. وقوله: ﴿مِنْ قَرْنٍ﴾ تمييز لكم الخبرية. والقرن: القوم المقترنون في زمن واحد.
والمعنى: أهلكنا كثيرًا من القرون الخالية، والأمم الماضية الذين كانوا
стр. 11063
أمنع من هؤلاء، وأشد قوة، وأكثر أموالًا بسبب تكذيبهم رسلهم واستكبارهم عن قبول الحق.
﴿فَنادَوْا﴾؛ أي: فدعوا، واستغاثوا بنا عند نزول بأسنا، وحلول نقمتنا، وعقوبتنا، أو تابوا، واستغفروا عند نزول العذاب بهم لينجوا من ذلك، ﴿وَ﴾ الحال أنه ﴿لاتَ﴾ الحين، والزمن ﴿حِينَ مَناصٍ﴾؛ أي: زمن فرار، وفوت من عذابنا. وجملة ﴿لاتَ﴾ حال من ضمير ﴿نادوا﴾؛ أي: نادوا واستغاثوا طلبًا للنجاة، والحال أنه ليس الحين، والوقت حين مناص؛ أي: وقت فرار، وفوت، ونجاة من عذابنا لكونه حالة اليأس. فقوله: ﴿لاتَ﴾ هي (١) لا المشبهة بليس، زيدت عليها تاء التأنيث للتأكيد، كما زيدت على رب وثم، وخصت (٢) بنفي الأحيان، ولم يبرزوا إلا أحد معموليها اسمها أو خبرها. والأكثر حذف اسمها. وفي بعض التفاسير: ﴿لاتَ﴾ بمعنى: ليس بلغة أهل اليمن، انتهى. والوقف عليها بالتاء عند الزجاج، وأبي علي، وعند الكسائي. نحو: قاعدة، وضاربة. وعند أبي عبيد على ﴿لا﴾، ثم يُبتدأ ﴿تحين مناص﴾، لأنه عنده أن هذه التاء تزاد مع حين، فيقال: كان هذا تحين كان ذاك كذا.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿وَلاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ بفتح التاء، ونصب النون. وعلى قول سيبويه عملت عمل ليس، واسمها محذوف تقديره: ولات الحين حين فوات، ولا فرار. وعلى قول الأخفش يكون ﴿حِينَ﴾ اسم ﴿لاتَ﴾، عملت عمل إن، نصبت الاسم ورفعت الخبر، والخبر محذوف تقديره: ولات حين مناص لهم. وقرأ أبو السمال ﴿وَلاتَ حِينَ﴾ بضم التاء، ورفع النون. فعلى قول سيبويه ﴿حِينَ مَناصٍ﴾ اسم ﴿لاتَ﴾، والخبر محذوف. وعلى قول الأخفش مبتدأ، والخبر محذوف، وقرأ عيسى بن عمر ﴿وَلاتَ حِينَ﴾ بكسر التاء، وجر النون. والذي ظهر لي في تخريج هذه القراءة الشاذة في جر ما بعد ﴿لاتَ﴾ أن الجر هو على إضمار
стр. 11064
﴿مِنْ﴾. كأنه قال: لات من حين مناص، كما جروا بها في قولهم: على كم جذع بيتك؛ أي: من جذع على أصح القولين، وكما قالوا: لا رجل جزاه الله خيرًا. وقرأ عيسى أيضًا ﴿وَلاتَ﴾ بكسر التاء، و ﴿حِينَ﴾ بنصب النون، وتقدم تخريج نصب ﴿حين ولات﴾، روي فيها فتح التاء وضمها وكسرها.
والمعنى (١): أي وكثير من الأمم قبلهم أهلكناهم، فاستغاثوا حين حل بهم العذاب، فلم يغن ذلك عنهم شيئًا، فقد فات الأوان، وحل البأس، فليس الوقت وقت فرار وهرب من العقاب، ونحو الآية قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾، وقوله: ﴿حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦ ٤)﴾ وقوله: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ (١٢) لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ (١٣)﴾.
٤ - ﴿وَعَجِبُوا﴾؛ أي: عجب كفار أهل مكة، الذين وصفهم الله تعالى، بأنهم في عزة وشقاق ﴿من أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾؛ أي: رسول ينذرهم، ويخوفهم من عذاب الله، إن استمروا على الكفر من جنسهم، بل أدون منهم في الرياسة الدنيوية، والمال على معنى: أنهم عدوا ذلك خارجًا عن احتمال الوقوع، وأنكروه أشد الإنكار، لا أنهم اعتقدوا وقوعه، وتعجبوا منه، قالوا: إن محمدًا مساو لنا في الخلقة الظاهرة، والأخلاق الباطنة، والنسب، والشكل، والصورة فكيف يعقل أن يختص من بيننا بهذا المنصب العالي، ولم يتعجبوا من أن تكون المنحوتات آلهة، وهذه مناقضة ظاهرة.
فلما تحيروا في شأن النبي ﷺ ، نسبوه إلى السحر والكذب، كما قال حكايةً عنهم: ﴿وَقالَ الْكافِرُونَ﴾ فيه وضع الظاهر موضع المضمر غضبا عليهم، وإيذانًا بأنه لا يتجاسر على مثل ما يقولونه، إلا المتوغلون في الكفر والفسوق ﴿هَذَا﴾ الرجل الذي يدّعي النبوة والرسالة ﴿سَاحِرٌ﴾ فيما يظهره من الخوارق ﴿كَذَّابٌ﴾ فيما يسنده إلى الله من الإرسال، والإنزال. ولم يقل: كاذب لرعاية
стр. 11065
الفواصل، ولأن الكذب على الله ليس كالكذب على غيره، ولكثرة الكذب في زعمهم، فإنه يتعلق بكل آية من الآيات القرآنية، بخلاف إظهار الخوارق، فإنه قليل بالنسبة إليه. هكذا لاح لي هذا المقام.
٥ - ثم أنكروا ما جاء به ﷺ من التوحيد، وما نفاه من الشركاء لله. فقالوا: ﴿أَجَعَلَ﴾ محمد ﷺ ﴿الْآلِهَةَ﴾ وصيّرها ﴿إِلهًا واحِدًا﴾ وقصرها على الله سبحانه. والهمزة (١) فيه للإنكار، والاستبعاد. والآلهة: جمع إله، وحقه أن لا يجمع، إذ لا معبود في الحقيقة سواه تعالى، لكن العرب لاعتقادهم أن هاهنا معبودات جمعوه، فقالوا: آلهة. و ﴿إِلهًا واحِدًا﴾ مفعول ثان لجعل؛ لأنه بمعنى صيّر؛ أي: صيرهم إلهًا واحدًا في زعمه، وقوله: لا في فعله؛ لأن جعل الأمور المتعددة شيئًا واحدا بحسب الفعل محال؛ أي: أصيّر محمد ﷺ بزعمه الآلهة إلهًا واحدًا بأن نفى الألوهية عنهم، وقصرها على واحد؟ أيسعنا، ويكفينا إله واحد في حوائجنا كما يقول محمد ﷺ ، ولم يعلموا أنهم جعلوا الإله الواحد آلهة. ﴿إِنَّ هذا﴾ القول الصادر من محمد ﷺ ، وهو التوحيد ﴿لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾؛ أي: لأمر بليغ في العجب، لأنه خلاف ما اتفق عليه آباؤنا إلى هذا الآن. والعجاب بمعنى العجيب، كما سيأتي وهو الأمر الذي يتعجب منه كالعجب، إلا أن العجيب أبلغ منه، والعجّاب بالتشديد أبلغ من العجاب بالتخفيف.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿عُجابٌ﴾ مخففًا، وهو صيغة مبالغة كرجل طوال وسراع في طويل وسريع. وقرأ علي، والسلمي، وعيسى بن عمر، وابن مقسم ﴿عجاب﴾ مشددًا، وقالوا: رجل عجّاب، وطعام طيّاب. وهو أبلغ من فعال المخفف.
وفي «فتح الرحمن»: قوله: ﴿وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ﴾ قاله هنا بالواو، وفي ﴿ق﴾ بالفاء حيث قال: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢)﴾؛ لأن ما هناك أشد اتصالًا منه هنا؛ لأن ما هنا متصل بما قبله اتصالًا معنويًا فقط، وهو أنهم عجبوا من مجيء المنذر، وقالوا: هذا ساحر