لذكرى لمن يتذكر، وعبرة لمن يعتبر. وإنما لم ينتفع به الكافرون لأنهم ﴿فِي عِزَّةٍ﴾؛ أي: استكبار عنه وحمية، ﴿وَشِقاقٍ﴾؛ أي: ومخالفة له، ومعاندة، ومفارقة، اهـ.
وقولنا: والواو في قوله: ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ للقسم إن جعل (١) ﴿ص﴾ اسمًا للحرف ومذكورًا للتحدي أو للرمز بكلام، مثل: صدق محمد ﷺ ، أو اسمًا للسورة خبرًا لمحذوف؛ أي: هذه السورة ﴿ص﴾، وللعطف إن جعل مقسمًا به؛ أي: أقسمت بـ ﴿ص﴾ وبالقرآن ذي الذكر، والجواب محذوف دل عليه ما في ﴿ص﴾ من الدلالة على التحدي، والتقدير؛ أي: أقسمت بـ ﴿ص﴾ وبالقرآن ذي الذكر أنه لمعجز، أو الواجب العمل به، أو إن محمدًا ﷺ لصادق. «وفي الشوكاني»: واختلف في جواب هذا القسم ما هو؟. فقال الزجاج، والكسائي، والكوفيون، غير الفراء: إن الجواب قوله: ﴿إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ﴾. وقال الفراء: لا نجده مستقيمًا لتأخره جدًا عن قوله: ﴿وَالْقُرْآنِ﴾. ورجح هو، وثعلب: أن الجواب قوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾. ومعناه: لكم أهلكنا، فلما طال الكلام حذفت اللام، ومثله قوله: «والشمس وضحاها قد أفلح». فإن المعنى: لقد أفلح، غير أنه لما اعترض بينهما كلام تبعه قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾. وقال الأخفش: الجواب هو قوله: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ (١٤)﴾. وقيل: الجواب هو صاد؛ لأن معناه: حق وثبت إرسالك أقسمت بالقرآن، أو حق واجب اتباعك أقسمت بالقرآن. أو المعنى: والقرآن ذي الذكر لقد صدق محمد ﷺ كقولك: وجب والله نزل والله، ذكره ابن الأنباري. وروي أيضًا عن ثعلب، والفراء. وهو مبني على أن جواب القسم، يجوز تقدمه، وهو ضعيف جدًا. وقيل: الجواب محذوف، تقديره: أقسمت بالقرآن ذي الذكر ما الأمر كما يزعم الكفار. ويدل على هذا المحذوف قوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (٢)﴾، ذكره جماعة من المفسرين، وإلى نحوه ذهب قتادة. وهو الذي رجحه الطبري في تفسيره. وقال ابن عطية: والقول بالحذف أولى. وقيل: إن قوله: ﴿ص﴾ مقسم به، وعلى هذا القول تكون
стр. 11062
الواو في ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ للعطف عليه كما مر.
ومعنى الآية: أي أقسم (١) بالقرآن ذي الشرف والرفعة إنه لمعجز، وإن محمدًا ﷺ لصادق فيما يدعيه من النبوة، وإنه مرسل من ربه إلى الأسود والأحمر، وإن كتابه لمنزل من عنده تعالى.
٢ - ولما كان الإقسام بالقرآن دالًا على صدقه، وأنه حق، وأنه ليس بمحل للريب .. قال سبحانه مبينًا للسبب الحقيقي في كفرهم: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلخ إضراب، وانتقال من قضية إلى أخرى. بيّن به سبب قولهم بتعدد الآلهة؛ أي: ليس الحامل لهم عليه الدليل، بل مجرد الحمية، والخصام، والشقاق، اهـ شيخنا. وكأنه قال: لا ريب فيه قطعًا، ولم يكن عدم قبول المشركين له لريب فيه، بل هم ﴿فِي عِزَّةٍ﴾ عن قبول الحق؛ أي: في تكبر، وتجبر، وأنفة، وحمية جاهلية. وقرأ عمرو بن العاص، وأبو رزين، وابن يعمر، وعاصم الجحدري، ومحبوب عن أبي عمرو، وحماد بن الزبرقان، وسورة عن الكسائي، وميمون بن أبي جعفر ﴿في غرة﴾ بغين معجمة، وراء غير معجمة؛ أي: في غفلة عن قبول الحق ﴿وَشِقاقٍ﴾؛ أي: مخالفة للحق، ومعاندة له، وامتناع عن قبوله، وعداوة عظيمة لرسوله ﷺ .
والمعنى: أي إن الذين كفروا من أهل مكة، لم يكفروا بهذا القرآن، لعدم وجدانهم فيه، ما يصلح حالهم في دينهم ودنياهم، بل كذبوا به لاستكبارهم عن اتباع الحق، ومشاقتهم لرسوله ﷺ وحرصهم على مخالفته.
٣ - ثم حذرهم، وخوّفهم ما أهلك به الأمم قبلهم حين كذبوا رسلهم، فقال: ﴿كَمْ أَهْلَكْنا﴾ ﴿كَمْ﴾ هي الخبرية الدالة على عدد كثير، وهي في محل نصب بـ ﴿أَهْلَكْنا﴾ على أنها مفعول به. و ﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ لابتداء الغاية. وقوله: ﴿مِنْ قَرْنٍ﴾ تمييز لكم الخبرية. والقرن: القوم المقترنون في زمن واحد.
والمعنى: أهلكنا كثيرًا من القرون الخالية، والأمم الماضية الذين كانوا
стр. 11063
أمنع من هؤلاء، وأشد قوة، وأكثر أموالًا بسبب تكذيبهم رسلهم واستكبارهم عن قبول الحق.
﴿فَنادَوْا﴾؛ أي: فدعوا، واستغاثوا بنا عند نزول بأسنا، وحلول نقمتنا، وعقوبتنا، أو تابوا، واستغفروا عند نزول العذاب بهم لينجوا من ذلك، ﴿وَ﴾ الحال أنه ﴿لاتَ﴾ الحين، والزمن ﴿حِينَ مَناصٍ﴾؛ أي: زمن فرار، وفوت من عذابنا. وجملة ﴿لاتَ﴾ حال من ضمير ﴿نادوا﴾؛ أي: نادوا واستغاثوا طلبًا للنجاة، والحال أنه ليس الحين، والوقت حين مناص؛ أي: وقت فرار، وفوت، ونجاة من عذابنا لكونه حالة اليأس. فقوله: ﴿لاتَ﴾ هي (١) لا المشبهة بليس، زيدت عليها تاء التأنيث للتأكيد، كما زيدت على رب وثم، وخصت (٢) بنفي الأحيان، ولم يبرزوا إلا أحد معموليها اسمها أو خبرها. والأكثر حذف اسمها. وفي بعض التفاسير: ﴿لاتَ﴾ بمعنى: ليس بلغة أهل اليمن، انتهى. والوقف عليها بالتاء عند الزجاج، وأبي علي، وعند الكسائي. نحو: قاعدة، وضاربة. وعند أبي عبيد على ﴿لا﴾، ثم يُبتدأ ﴿تحين مناص﴾، لأنه عنده أن هذه التاء تزاد مع حين، فيقال: كان هذا تحين كان ذاك كذا.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿وَلاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ بفتح التاء، ونصب النون. وعلى قول سيبويه عملت عمل ليس، واسمها محذوف تقديره: ولات الحين حين فوات، ولا فرار. وعلى قول الأخفش يكون ﴿حِينَ﴾ اسم ﴿لاتَ﴾، عملت عمل إن، نصبت الاسم ورفعت الخبر، والخبر محذوف تقديره: ولات حين مناص لهم. وقرأ أبو السمال ﴿وَلاتَ حِينَ﴾ بضم التاء، ورفع النون. فعلى قول سيبويه ﴿حِينَ مَناصٍ﴾ اسم ﴿لاتَ﴾، والخبر محذوف. وعلى قول الأخفش مبتدأ، والخبر محذوف، وقرأ عيسى بن عمر ﴿وَلاتَ حِينَ﴾ بكسر التاء، وجر النون. والذي ظهر لي في تخريج هذه القراءة الشاذة في جر ما بعد ﴿لاتَ﴾ أن الجر هو على إضمار
стр. 11064
﴿مِنْ﴾. كأنه قال: لات من حين مناص، كما جروا بها في قولهم: على كم جذع بيتك؛ أي: من جذع على أصح القولين، وكما قالوا: لا رجل جزاه الله خيرًا. وقرأ عيسى أيضًا ﴿وَلاتَ﴾ بكسر التاء، و ﴿حِينَ﴾ بنصب النون، وتقدم تخريج نصب ﴿حين ولات﴾، روي فيها فتح التاء وضمها وكسرها.
والمعنى (١): أي وكثير من الأمم قبلهم أهلكناهم، فاستغاثوا حين حل بهم العذاب، فلم يغن ذلك عنهم شيئًا، فقد فات الأوان، وحل البأس، فليس الوقت وقت فرار وهرب من العقاب، ونحو الآية قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾، وقوله: ﴿حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦ ٤)﴾ وقوله: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ (١٢) لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ (١٣)﴾.
٤ - ﴿وَعَجِبُوا﴾؛ أي: عجب كفار أهل مكة، الذين وصفهم الله تعالى، بأنهم في عزة وشقاق ﴿من أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾؛ أي: رسول ينذرهم، ويخوفهم من عذاب الله، إن استمروا على الكفر من جنسهم، بل أدون منهم في الرياسة الدنيوية، والمال على معنى: أنهم عدوا ذلك خارجًا عن احتمال الوقوع، وأنكروه أشد الإنكار، لا أنهم اعتقدوا وقوعه، وتعجبوا منه، قالوا: إن محمدًا مساو لنا في الخلقة الظاهرة، والأخلاق الباطنة، والنسب، والشكل، والصورة فكيف يعقل أن يختص من بيننا بهذا المنصب العالي، ولم يتعجبوا من أن تكون المنحوتات آلهة، وهذه مناقضة ظاهرة.
فلما تحيروا في شأن النبي ﷺ ، نسبوه إلى السحر والكذب، كما قال حكايةً عنهم: ﴿وَقالَ الْكافِرُونَ﴾ فيه وضع الظاهر موضع المضمر غضبا عليهم، وإيذانًا بأنه لا يتجاسر على مثل ما يقولونه، إلا المتوغلون في الكفر والفسوق ﴿هَذَا﴾ الرجل الذي يدّعي النبوة والرسالة ﴿سَاحِرٌ﴾ فيما يظهره من الخوارق ﴿كَذَّابٌ﴾ فيما يسنده إلى الله من الإرسال، والإنزال. ولم يقل: كاذب لرعاية
стр. 11065
الفواصل، ولأن الكذب على الله ليس كالكذب على غيره، ولكثرة الكذب في زعمهم، فإنه يتعلق بكل آية من الآيات القرآنية، بخلاف إظهار الخوارق، فإنه قليل بالنسبة إليه. هكذا لاح لي هذا المقام.
٥ - ثم أنكروا ما جاء به ﷺ من التوحيد، وما نفاه من الشركاء لله. فقالوا: ﴿أَجَعَلَ﴾ محمد ﷺ ﴿الْآلِهَةَ﴾ وصيّرها ﴿إِلهًا واحِدًا﴾ وقصرها على الله سبحانه. والهمزة (١) فيه للإنكار، والاستبعاد. والآلهة: جمع إله، وحقه أن لا يجمع، إذ لا معبود في الحقيقة سواه تعالى، لكن العرب لاعتقادهم أن هاهنا معبودات جمعوه، فقالوا: آلهة. و ﴿إِلهًا واحِدًا﴾ مفعول ثان لجعل؛ لأنه بمعنى صيّر؛ أي: صيرهم إلهًا واحدًا في زعمه، وقوله: لا في فعله؛ لأن جعل الأمور المتعددة شيئًا واحدا بحسب الفعل محال؛ أي: أصيّر محمد ﷺ بزعمه الآلهة إلهًا واحدًا بأن نفى الألوهية عنهم، وقصرها على واحد؟ أيسعنا، ويكفينا إله واحد في حوائجنا كما يقول محمد ﷺ ، ولم يعلموا أنهم جعلوا الإله الواحد آلهة. ﴿إِنَّ هذا﴾ القول الصادر من محمد ﷺ ، وهو التوحيد ﴿لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾؛ أي: لأمر بليغ في العجب، لأنه خلاف ما اتفق عليه آباؤنا إلى هذا الآن. والعجاب بمعنى العجيب، كما سيأتي وهو الأمر الذي يتعجب منه كالعجب، إلا أن العجيب أبلغ منه، والعجّاب بالتشديد أبلغ من العجاب بالتخفيف.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿عُجابٌ﴾ مخففًا، وهو صيغة مبالغة كرجل طوال وسراع في طويل وسريع. وقرأ علي، والسلمي، وعيسى بن عمر، وابن مقسم ﴿عجاب﴾ مشددًا، وقالوا: رجل عجّاب، وطعام طيّاب. وهو أبلغ من فعال المخفف.
وفي «فتح الرحمن»: قوله: ﴿وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ﴾ قاله هنا بالواو، وفي ﴿ق﴾ بالفاء حيث قال: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢)﴾؛ لأن ما هناك أشد اتصالًا منه هنا؛ لأن ما هنا متصل بما قبله اتصالًا معنويًا فقط، وهو أنهم عجبوا من مجيء المنذر، وقالوا: هذا ساحر
стр. 11066
كذاب. وما في ﴿ق﴾ متصل بما قبله اتصالًا لفظيًا ومعنويًا، وهو أنهم عجبوا عقب الإخبار عنهم بأنهم عجبوا، فقالوا: هذا شيء عجيب. فناسب فيه ذكر الفاء دون ما هنا، انتهى.
وحاصل معنى قوله: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ ...﴾ إلى آخر الآيتين؛ أي: وما (١) كان أشد تعجبهم حين جاءهم بشر مثلهم يدّعي النبوة، ويدعو إلى الله، وليس له من الصفات الباطنة والظاهرة في زعمهم، ما يجعله يمتاز عنهم، ويختص بهذا المنصب، وتلك المنزلة الرفيعة. ومن ثم قالوا: ما هو إلا خدّاع كذّاب فيما ينسبه إلى الله من الأوامر والنواهي. ثم ذكر شبهتهم في إثبات كذبه من وجوه ثلاثة:
١ - ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا ...﴾ إلخ؛ أي: أزعم أن المعبود إله واحد لا إله إلا هو. وقد أنكروا ذلك، وتعجبوا من ترك الشرك بالله، من أجل أنهم تلقوا عن آبائهم عبادة الأوثان، وأشربته قلوبهم، فلما دعاهم إلى محو ذلك من قلوبهم، وإفراد الإله بالوحدانية أعظموا ذلك، وتعجبوا منه، وقالوا: إن آباءهم على كثرتهم ورجاحة عقولهم، لا يعقل أن يكونوا جاهلين مبطلين، ويكون محمد ﷺ وحده محقًا صادقًا. ولا شك أن هذا استبعاد فحسب، ولا مستند له من عقل ولا نقل.
ونحو الآية قوله تعالى: ﴿أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ (٢)﴾. وقد قدمنا في مبحث الأسباب، سبب نزول هذه الآية.
٦ - ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾؛ أي: وذهب الأشراف من قريش، وهم خمسة وعشرون نفرا عن مجلس أبي طالب. بعدما أسكتهم رسول الله ﷺ بالجواب الحاضر، وشاهدوا تصلبه ﷺ في الدين، وعزيمته على أن يظهره على الدين كله، ويئسوا مما كانوا يرجونه، بتوسط أبي طالب من المصالحة، على الوجه المذكور
стр. 11067
فيما روي عن ابن عباس، كما سبق: أنه لما أسلم (١) عمر فرح به المسلمون فرحا شديدا، وشق ذلك على قريش، فاجتمع خمسة وعشرون نفرًا من صناديدهم، ومشوا إلى أبي طالب، وقالوا: أنت شيخنا وكبيرنا، وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء، فجئناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك، فاستحضر أبو طالب رسول الله ﷺ ، وقال: يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألونك السؤال، فلا تمل كل الميل على قومك، فقال ﷺ : ماذا يسألونني؟ قالوا: ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا، وندعك وإلهك، فقال ﷺ : أرأيتم إن أعطيتكم ما سألتم أتعطونني أنتم كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم؟. قالوا: نعم. فقال: قولوا: لا إله إلا الله فقاموا وقالوا: أجعل الآلهة إلهًا واحدًا؟ كيف يكفينا إلها واحد في حوائجنا كما يقول محمد ﷺ ؟. إن هذا لشيء عجاب. وانطلق الملأ، والرؤساء. منهم: عقبة بن أبي معيط، وأبو جهل، والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث عن مجلس أبي طالب.
﴿أَنِ﴾ مفسرة للمقول المدلول عليه بالانطلاق؛ لأن الانطلاق عن مجلس التقاول لا يخلو عن القول؛ أي: وانطلق الملأ منهم، حالة كونهم يقول بعضهم لبعض على وجه النصيحة: ﴿امْشُوا﴾؛ أي: سيروا على طريقتكم، وامضوا. وليس المراد بالمشي: المتعارف، بل الاستمرار على الشيء، اه كرخي. فلا فائدة في مكالمة هذا الرجل. وحكى المهدوي: أن قائلها عقبة بن أبي معيط. وقال الزمخشري: ويجوز أنهم قالوا: امشوا؛ أي: اكثروا، واجتمعوا من مشت المرأة إذا كثرت ولادتها، ومنه: الماشية للتفاؤل، انتهى.
قلت: وهذا بعيد من السياق. وقرأ ابن أبي عبلة بحذف ﴿أَنِ﴾ من قوله: ﴿أَنِ امْشُوا﴾؛ أي: قال بعضهم لبعض: اذهبوا. ﴿وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾؛ أي: واثبتوا على عبادة آلهتكم، متحملين لما تسمعونه في حقها من القدح.
وفي «التأويلات النجمية»: يشير إلى أن الكفار إذا تراضوا فيما بينهم بالصبر
стр. 11068
على آلهتهم فالمؤمنون أولى بالصبر على عبادة معبودهم، والاستقامة في دينهم، بل الطالب الصادق، والعاشق الوامق أولى بالصبر والثبات على قدم الصدق، في طلب المحبوب المعشوق.
وقوله: ﴿إِنَّ هذا﴾ تعليل للأمر بالصبر، ولوجوب الامتثال به؛ أي: إن هذا الذي شاهدناه من محمد ﷺ من أمر التوحيد، ونفي آلهتنا، وإبطال أمرنا ﴿لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ من جهته ﷺ إمضاؤه، وتنفيذه لا محالة من غير صارف يلويه، ولا عاطف يثنيه، لا قول يقال من طرف اللسان، أو أمر يرجى فيه المسامحة بشفاعة أو امتناع، فاقطعوا أطماعكم عن استنزاله عن رأيه، بواسطة أبي طالب، وشفاعته، وحسبكم أن لا تمنعوا من عبادة آلهتكم بالكلية، فاصبروا عليها، وتحملوا ما تسمعونه في حقها من القدح، وسوء المقالة، هذا ما ذهب إليه أبو السعود في «الإرشاد».
وقال في «تفسير الجلالين»: إن هذا لأمر يراد بنا، ومكر يمكر علينا، وقال سعدي المفتي: وسنح بالبال، أنه يجوز أن يكون المراد، أن دينكم لشيء يستحق أن يطلب، ويعض عليه بالنواجذ، فيكون ترغيبًا وتعليلًا للأمر السابق. وقال «صاحب الروح»: ويجوز أن يكون المعنى: إن الصبر والثبات على عبادة الآلهة التي هي الدين القديم يراد منكم، فإنه أقوى ما يدفع به أمر محمد ﷺ ، كما قالوا: نتربص به ريب المنون، فيكون موافقا لقرينه في الإشارة إلى المذكور فيما قبله. أو إن شأن محمد ﷺ ، لشيء يراد دفعه، وإطفاء نائرته بأي وجه كان، قبل أن يعلو ويشيع، كما دل عليه اجتماعهم على مكره ﷺ مرارًا، فأبى الله إلا أن يتم نوره.
ومعنى الآية (١): أي وانطلق أشراف قريش من مجلس أبي طالب، بعد ما بكّتهم رسول الله ﷺ ، وشاهدوا تصلبه في الدين، ويئسوا مما كانوا يرجون منه بوساطة عمه، يتحاورون بما جرى، ويقلبون وجوه الرأي فيما يفعلون، ويقولون:
стр. 11069
اثبتوا على عبادتها متحملين القدح فيها والغض من شأنها والاستهزاء بأمرها، ثم عللوا الأمر بالصبر، بما شاهدوا من تصلبه ﷺ ، فقالوا: ﴿إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾؛ أي: إن هذا لأمر عظيم، يريد محمد ﷺ إمضاءه وتنفيذه لا محالة من غير صارف يلويه، ولا عاطف يثنيه، لا قول يقال من طرف اللسان، أو يرجى فيه المسامحة بشفاعة إنسان، فاقطعوا أطماعكم عن استنزاله إلى إرادتكم، واصبروا على عبادة آلهتكم.
٧ - ثم ذكروا أيضًا ما ظنوا أن فيه إبطالًا لدعواه، فقالوا:
٢ - ﴿ما سَمِعْنا بِهذا﴾ الذي يدعونا إليه محمد ﷺ من التوحيد ﴿فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ وهي ملة النصارى، فإنهم يقولون بالتثليث، ويزعمون أنه الدين الذي جاء به عيسى ﵇، وحاشاه وإنما خصوا النصرانية؛ لأنها آخر الأديان المعروفة لديهم من أديان أهل الكتاب، وقوله: ﴿فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ ظرف لغو لـ ﴿سَمِعْنا﴾.
وقيل المعنى: ما سمعنا بهذا الذي يقوله محمد ﷺ ، من التوحيد في الملة الآخرة؛ أي: في الملة التي أدركنا عليها آباءنا، وهي ملة قريش ودينهم الذي هم عليه. فإنها متأخرة عما تقدم عليها من الأديان والملل. وفيه إشارة إلى ركون الجهال إلى التقليد والعادة، وما وجدوا عليه أسلافهم من الضلال وأخطاء طريق العبادة. والملة كالدين اسم لما شرع الله تعالى لعباده، على لسان أنبيائه، ليتوصلوا به إلى ثواب الله. فإطلاق كل منهما على طريقة المشركين، مجاز مبني على التشبيه، كما سيأتي.
ثم أكدوا هذا الإنكار بقولهم: ﴿إِنْ﴾ نافية بمعنى: ما أي: ما ﴿هذا﴾ الذي يقوله محمد ﷺ من التوحيد ﴿إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾؛ أي: كذب اختلقه من عند نفسه لا حقيقة له، وليس له مستند من دين سماوي، ولا من عقل فيما يزعمون.
٨ - ثم أخذوا ينكرون اختصاص محمد ﷺ بالوحي، وهو مثلهم، أو أدون منهم في الشرف والرياسة فيما يزعمون، فقالوا:
٣ - ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ﴾؛ أي: على محمد ﷺ ﴿الذِّكْرُ﴾؛ أي: القرآن، والوحي ﴿مِنْ بَيْنِنا﴾؛ أي: دوننا، والاستفهام فيه للإنكار، والاستبعاد؛ أي: كيف يكون
стр. 11070
ذلك ونحن رؤساء الناس، وأشرافهم، وأكبرهم سنًا، وأكثرهم أموالًا وأعوانًا، وأحقاء بكل منصب شريف؟. ومرادهم: إنكار كون القرآن ذكرًا، منزلًا من الله تعالى، وأمثال هذه المقالات الباطلة، دليل على أن مناط تكذيبهم ليس إلا الحسد، على اختصاصه ﷺ بشرف النبوة من بينهم، وحرمانهم منه، وقصر النظر على متاع الدنيا، وغلطوا في القصر، والقياس.
أما الأول: فلأن الشرف الحقيقي، إنما هو بالفضائل النفسانية دون الخارجية.
وأما الثاني: فلأن قياس نفسه ﷺ بأنفسهم فاسد. إذ هو روح الأرواح، وسيد الخليقة، فأنى يكون هو مثلهم؟. وأما الصورة الإنسانية فميراث عام من آدم ﵇، لا تفاوت فيما بين شخص وشخص، نعم، وجهه ﷺ كان يلوح منه أنوار الجمال، بحيث لم يوجد مثله فيما بين الرجال.
فإن قلت: لم قال هنا: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ بلفظ ﴿أَأُنْزِلَ﴾؟ وقال: في سورة القمر: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ﴾ بلفظ ﴿أُلْقِيَ﴾؟. فما الفرق بين الموضعين؟
قلت: فما هنا حكاية عن كفار قريش، فناسب التعبير بـ ﴿أُنْزِلَ﴾ لوقوعه إنكارًا لما قرأه النبي ﷺ عليهم، من قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾. وما في القمر حكاية عن قوم صالح، وكانت الأنبياء تلقي إليهم صحفًا مكتوبة، فناسب التعبير - ﴿أُلْقِيَ﴾. وقدم الجار والمجرور على الذكر هنا، موافقة لما قرأه النبي ﷺ على المنكرين، وعكس في القمر جريا على الأصل، من تقديم المفعول بلا واسطة على المفعول بواسطة، اهـ من «فتح الرحمن».
والمعنى (١): أي إنه من البعيد أن يختص محمد ﷺ ، من بيننا، بإنزال القرآن عليه، وفينا ذو الجاه والشرف والرياسة والكياسة. كما حكى الله عنهم أنهم قالوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾. ثم نعى عليهم
стр. 11071
تعرضهم لهذا التفضيل، وإعطاء النبوة لمن يريدون فقال: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾. فهذا منهم دليل على الجهل، وقلة العظة.
ثم ذكر أن سبب الاستبعاد هو الشك في أمر القرآن، وميلهم إلى التقليد فقال: ﴿بَلْ هُمْ﴾؛ أي: كفار قريش ﴿فِي شَكٍّ﴾ وريب ﴿مِنْ ذِكْرِي﴾؛ أي: من القرآن الذي أنزلت على رسولي، أو من الوحي إليه يرتابون فيه لإعراضهم عن النظر الموجب لتصديقه، وإهمالهم للأدلة، الدالة على أنه حق منزل من عند الله تعالى. والإخبار بأنهم في شك، يقتضي كذبهم في قولهم: ﴿إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾. وليس في عقيدتهم ما يجزمونه، فهم مذبذبون بين الأوهام، ينسبونه تارة إلى السحر، وأخرى إلى الاختلاق.
وفي الآية (١): إشارة إلى أن القرآن قديم؛ لأنه سماه الذكر ثم أضافه إلى نفسه، ولا خفاء بأن ذكره قديم؛ لأن الذكر المحدث يكون مسبوقًا بالنسيان، وهو تعالى منزه عنه.
أي: بل هم في شك، من تلك الدلائل التي لو تأملوا فيها، لزال هذا الشك عنهم، إذ هي دالة بأنفسها على صحة نبوته، ولكنهم حين تركوا النظر والاستدلال، لم يصلوا إلى الحق في أمره.
ثم ذكر: أن سبب هذا الشك، هو الحسد لمجيء النبوة إليه من بينهم، وسيزول حين مجيء العذاب، فقال: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾؛ أي: بل السبب في شكهم، أنهم لم يذوقوا عذابي، فاغتروا بطول المهلة، ولو ذاقوا عذابي على ما هم عليه من الشرك والشك .. لصدقوا ما جئت به من القرآن، ولم يشكوا فيه.
والخلاصة: أنهم لا يصدقون إلا أن يمسهم العذاب، فيضطروا حينئذ إلى التصديق بذكري. وفي ذكر ﴿لَمَّا﴾ (٢) دلالة على أن ذوقهم العذاب على شرف الوقوع؛ لأنها للتوقع؛ أي: بل لم يذوقوا بعد عذابي، فإذا ذاقوه تبين لهم حقيقة
стр. 11072
الحال. وفيه تهديد لهم؛ أي: سيذوقون عذابي فيلجئهم إلى تصديق الذكر حين لا ينفع التصديق. وفيه إشارة إلى أنهم مستغرقون في بحر عذاب الطرد والبعد، ونار القطيعة، لكنهم عن ذوق العذاب بمعزل، لغلبة الحواس إلى أن يكون يوم تبلى السرائر. فتغلب السرائر على الصور، والبصائر على البصر، فيقال لهم: ذوقوا العذاب يعني: كنتم معذبين وما كنتم ذائقي العذاب. فالمعنى: لو ذاقوا عذابي، ووجدوا ألمه لما أقدموا على الجحود، دل على هذا قوله ﷺ : «الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا».
٩ - ثم أنكر عليهم استبعاد نبوة محمد ﷺ ، وطلبهم نبوة غيره من صناديد قريش، فقال: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ ﴿أَمْ﴾ (١) منقطعة تقدر ببل وبهمزة الإنكار. والخزائن: جمع خزانة بالكسر بمعنى المخزن والمستودع؛ أي: بل أعندهم مفاتيح خزائن رحمة ربك يا محمد، ﴿الْعَزِيزِ﴾؛ أي: الغالب الذي لا يغالب ﴿الْوَهَّابِ﴾؛ أي: المعطي بغير حساب، أو الذي له أن يهب كل ما يشاء لمن يشاء، يتصرفون فيها حسبما يشاؤون، حتى يصيبوا بها من شاؤوا، ويصرفوها عمن شاؤوا، ويتحكموا فيها بمقتضى آرائهم، فيتخيروا للنبوة بعض صناديدهم. والمعنى: أن النبوة عطية من الله تعالى يتفضل بها على من يشاء من عباده، لا مانع له.
والمعنى: أي بل أيملكون خزائن رحمة الله، القهار لخلقه الكثير المواهب لهم، المصيب بها مواقعها، فيتصرفوا فيها بحسب ما يريدون، ويمنحوها من يشاؤون ويصرفوها عمن لا يحبون، ويتحكموا فيها بمقتضى آرائهم. فيتخيروا للنبوة بعض صناديدهم.
والخلاصة: أن أمر النبوة ليس بأيديهم، بل بيد العليم بكل شيء ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾. ونحو الآية قوله: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُورًا (١٠٠)﴾.
стр. 11073
١٠ - ثم ارتقى إلى ما هو أشد في الإنكار، فأمرهم أمر تهكم بارتقاء الأسباب. فقال: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما﴾؛ أي: بل ألهم ملك هذه الأشياء، حتى يعطوا من شاؤوا، ويمنعوا من شاؤوا، ويعترضوا على إعطاء الله سبحانه ما شاء لمن شاء. وقوله: ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ﴾ جواب شرط محذوف؛ أي: إن كان لهم ملك ذلك فليصعدوا في الأسباب، والطرق التي توصلهم إلى السماء، أو إلى العرش، حتى يحكموا بما يريدون من عطاء ومنع، ويدبروا أمر العوالم بما يشتهون، أو فليصعدوا ويمنعوا الملائكة من نزولهم بالوحي على محمد ﷺ ، والأسباب: أبواب السموات التي تنزل الملائكة منها، قاله مجاهد، وقتادة. ومنه: قول زهير:
وَمَنْ هَابَ أَسْبَابَ الْمَنَايَا يَنَلْنَهُ ... وَلَوْ رَامَ أَسْبَابَ السَّمَاءِ بُسُلَّمِ
قال الربيع بن أنس: الأسباب: أدق من الشعر، وأشد من الحديد، ولكن لا ترى.
والمعنى: أي بل ألهم ملك هذه الأجرام العلوية، والأجرام السفلية حتى يتكلموا في الشؤون الغيبية، ويفكروا في التدابير الإلهية التي يستأثر بها رب العزة والكبرياء، فإن كان الأمر كما يزعمون، فليصعدوا في المعارج والمناهج، التي يتوصل بها إلى العرش، حتى يستووا عليه، ويدبروا أمر العالم، وينزلوا الوحي إلى من يختارون ويستصوبون، حتى يظن صدق دعواهم، إذ لا سبيل إلى التصرف فيه إلا بذلك. وفيه من التهكم بهم ما لا غاية وراءه.
والخلاصة (١): أنه ليس لهم شيء من ذلك، فلا سبيل لهم إلى توزيع رحمة الله تعالى، بحسب ما يريدون، وإعطاء النبوة لمن يشاؤون. فذلك من شؤونه تعالى، فهو الذي يفضل من يشاء من عباده على من يشاء.
١١ - ثم وعد سبحانه، نبيه بالنصر والغلبة عليهم، فقال: ﴿جُنْدٌ﴾ هو جمع معد للحرب ﴿ما﴾ مزيدة للتقليل والتحقير، نحو: أكلت شيئًا ما ﴿هُنالِكَ﴾ مركب من
стр. 11074
ثلاث كلمات (١):
إحداها: ﴿هنا﴾: وهو اسم إشارة للمكان القريب.
والثانية: اللام وهي للتأكيد.
والثالثة: الكاف وهي للخطاب. قالوا واللام فيها كاللام في ﴿ذلِكَ﴾ في الدلالة على بعد المشار إليه. فجند خبر مبتدأ محذوف، و ﴿ما﴾: زائدة أو صفة لـ ﴿جُنْدٌ﴾، و ﴿هُنالِكَ﴾: ظرف ﴿مَهْزُومٌ﴾؛ أي: مغلوب مكسور. وهو صفة ثانية لـ ﴿جُنْدٌ﴾. و ﴿مِنَ الْأَحْزابِ﴾ صفة ثالثة لـ ﴿جُنْدٌ﴾؛ أي: هم (٢) جند حقيرون ضعيفون من المتحزبين على رسول الله ﷺ سيصيرون منهزمين في الموضع الذي ذكروا فيه تلك الكلمات، وذلك الموضع هو مكة، وذلك الانهزام يوم فتح مكة، فكيف يكونون مالكي السموات والأرض وما بينهما؟. ومن أين لهم التصرف في الأمور الربانية.
والمعنى (٣): أي هؤلاء الذين يقولون هذه المقالة، ويوزعون رحمة ربك، بحسب أهوائهم هم جند كثير من الكفار المتحزبين على المؤمنين، مغلوبون في الوقائع التي ستكون بينك وبينهم، وستنتصر عليهم، كما حدث في بدر وغيرها. فأنى لهم تدبير الأمور الغيبية، والتصرف في الخزائن الربانية؟. وهذا خبر من الله تعالى لنبيه ﷺ ، وهو بمكة، ولم يكن له يومئذ جند أنه سيهزم جند المشركين، فجاء تأويله يوم بدر وغيره من المواقع، وهذا من أعظم المعجزات، وأدل الدلائل على نبوة محمد ﷺ ، وصدق كتابه، وأنه من عند الله تعالى لا من عند البشر، وهذا الكلام متصل بما تقدم وهو قوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (٢)﴾. هم جند من الأحزاب مهزومون، فلا تحزن لعزتهم وشقاقهم، فإني أسلب عزهم، وأهزم جمعهم، وقد وقع ذلك، ولله الحمد في يوم بدر، وفيما بعده من مواطن الله تعالى.
стр. 11075
١٢ - ثم ذكر في هذه الآيات الآتية: ستة أقوام من الذين كذبوا رسلهم، وما آل إليه أمرهم لتكون ذكرى لأولئك المكذبين من قومه، فيرعووا عن غيهم، ويثوبوا إلى رشدهم. فقال:
١ - ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾؛ أي: قبل قومك يا محمد. وهم قريش ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾ وأنّث الفعل باعتبار المعنى. لأنهم بمعنى: أمة، وطائفة، وجماعة؛ أي: كذبوا نوحًا رسلهم وقد دعاهم إلى الله وتوحيده ألف سنة إلا خمسين عامًا. وقالوا: إنه مجنون، وهزؤوا به. وكلما ألحف في الدعوة، زادوا عتوًا وعنادًا. فدعا ربه، وقال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا﴾. فأخذهم الطوفان وهم ظالمون. ونجى الله نوحًا، ومن آمن معه، كما قال: ﴿فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ (١٤)﴾.
٢ - ﴿وَ﴾ كذبت أيضًا قبلهم ﴿عادٌ﴾ وهم قوم هود رسولهم هودًا، فكذبوه، فأهلكهم الله بريح صرصر عاتية، كما قال في سورة الحاقة: ﴿وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ (٧)﴾ الآيات.
٣ - ﴿وَ﴾ كذب ﴿فِرْعَوْنُ﴾ وقومه رسولهم موسى بن عمران. وقد بعث الله إليهم موسى، وأيده بآياته التسع، فأصر على الجحود والعناد، وبغى، وتجبر، وقال: أنا ربكم الأعلى، فأخذه الله أخذ عزيز مقتدر، ونجى موسى وقومه بني إسرائيل، كما قال في سورة يونس: ﴿وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ﴾ الآيات. وقوله: ﴿ذُو الْأَوْتادِ﴾؛ أي: صاحب الأوتاد صفة لـ ﴿فِرْعَوْنُ﴾، جمع وتد بفتح الواو وكسر التاء بزنة كتف، وهو ما غرز في الأرض أو الحائط من خشب، قال المفسرون: لقب بذلك؛ لأنه كانت له أوتاد يعذب بها الناس، وذلك أنه كان إذا غضب على أحد ينصب أربع خشب في الهواء، وكان يمد يدي المعذب ورجليه إلى تلك الخشب الأربع، ويضرب على كل واحد من هذه الأعضاء وتدا من حديد، ويتركه في الهواء حتى يموت، وقال مجاهد: كان يمد
стр. 11076
المعذب مستلقيًا بين أربعة أوتاد في الأرض، ويشد رجليه ويديه ورأسه على الأرض بالأوتاد. وقال السدي: ويرسل عليه العقارب والحيات. وقال بعضهم: وهذا المعنى أنسب لما ذكروه في قصة آسية، امرأة فرعون، في سورة التحريم، من أنها لما آمنت بموسى ﵇، أوتد لها فرعون بأوتاد في يديها ورجليها، كما سيأتي هناك. وقيل: المراد بالأوتاد: الجموع، والجنود الكثير، سموا بذلك، لأنهم كانوا يقوون أمره، ويشدون سلطانه كما تقوى الأوتاد ما ضربت عليه، فالكلام خارج مخرج الاستعارة، على هذا القول قال ابن قتيبة: العرب تقول: هم في عز ثابت الأوتاد، وملك ثابت الأوتاد، يريدون ملكا دائما شديدا؛ لأنه استقام له الأمر أربع مئة سنة من غير منازع. ويكفي دليلًا على كثرة جموع فرعون: أنه قال في حق بني إسرائيل: إن هؤلاء لشرذمة قليلون، مع أنهم كانوا ينيفون على ست مئة ألف مقاتل سوى الصغير والشيخ، ووجه تخصيص هذه الاستعارة: أن أكثر بيوت العرب كانت خيامًا، وثباتها بالأوتاد.
٤ - ١٣ ﴿وَ﴾ كذبت قبلهم ﴿ثَمُودُ﴾ وهم قوم صالح رسولهم صالحًا ﵇، أرسل الله سبحانه إليهم صالحًا، وكانت الناقة له آيةً، فكذبوه، فعقروها. فأرسل عليهم صاعقة، فأهلكتهم، وجعلتهم كهشيم المحتظر، كما ذكر في سورة القمر قصتهم. ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقالُوا أَبَشَرًا مِنَّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٢٤)﴾ إلى أن قال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١)﴾.
٥ - ﴿وَ﴾ كذبت قبلهم ﴿قَوْمُ لُوطٍ﴾ رسولهم لوطًا ﵇، فكذبوه، فأرسل الله عليهم حاصبًا، كا ذكره في سورة القمر: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤)﴾. قال مجاهد: كانوا أربع مئة ألف بيت، في كل بيت عشرة. وقال عطاء: ما من أحد من الأنبياء، إلا ويقوم معه يوم القيامة قوم من أمته، إلا لوطًا فإنه يقوم وحده. كما في «كشف الأسرار».
٦ - ﴿وَ﴾ كذبت قبلهم ﴿أَصْحابُ الْأَيْكَةِ﴾؛ أي: أصحاب الغيضة رسولهم شعيبًا، وهم قوم شعيب. أرسله الله إليهم فكذبوه، فأهلكهم كما ذكرهم في سورة الحجر: ﴿وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ﴾. والأيكة: الشجر
стр. 11077
الملتف بعضه على بعضه لكثرته. قيل: نسبوا إلى الأيكة لأنهم كانوا يسكنونها. وقيل: هي اسم بلد لهم. وقوله: ﴿أُولئِكَ الْأَحْزابُ﴾ بدل (١) من الطوائف المذكورة؛ أي: كذب أولئك المذكورون المتحزبون؛ أي: المجتمعون على تكذيب أنبيائهم ورسلهم الذين أرسلوا إليهم، أو المعنى: أولئك المذكورون من الأمم هم الأحزاب، الذين تحزبوا على تكذيب أنبيائهم، كما تحزب على تكذيبك قومك. ولكن هؤلاء الذين قصهم الله علينا من الأمم السالفة، هم أكثر منهم عددًا، وأقوى أبدانًا، وأوسع أموالًا وأعمارًا. ويجوز أن يكون مبتدأ خبره محذوف؛ أي: هؤلاء الذين تحزبوا على الرسل، كالأحزاب الذين تحزبوا عليك.
١٤ - وقوله: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ كلام مستأنف جيء به تهديدًا لما يعقبه. و ﴿إِنْ﴾: نافية. والمعنى: ما كان حزب من أولئك الأحزاب، إلا كذب جميع الرسل؛ لأنه تكذيب الحزب لرسوله المرسل إليه، تكذيب لجميع الرسل. أو المعنى (٢): ما كل حزب وجماعة من أولئك الأحزاب، إلا كذب رسوله على نهج مقابلة الجمع بالجمع، لتدل على انقسام الآحاد على الآحاد، كما في قولك: ركب القوم دوابهم. والاستثناء مفرّغ من (٣) أعم الأحكام في حيز المبتدأ؛ أي: ما كل واحد منهم محكوم عليه بحكم، إلا محكومًا عليه بأنه كذب الرسل. أو من (٤) أعم الأحوال؛ أي: ما كل أحد من الأحزاب في جميع أحواله، إلا وقع منه تكذيب الرسل. ويجوز (٥) أن يكون قوله: ﴿أُولئِكَ الْأَحْزابُ﴾: مبتدأ، وقوله: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾: خبره محذوف الرابط. والمعنى: أولئك الأحزاب ما كل واحد منهم إلا كذب الرسل. ﴿فَحَقَّ﴾؛ ثبت، ووقع، ووجب
стр. 11078
على كل منهم ﴿عِقابِـ﴾ ـي الذي كانت جناياتهم، توجبه من أصناف العقوبات المفصلة في مواقعها، فأهلك الله قوم نوح بالغرق والطوفان، وقوم هود بالريح، وفرعون وقومه بالغرق، وقوم صالح بالصيحة، وقوم لوط بالخسف، وأصحاب الأيكة بعذاب يوم الظلة.
والمعنى: أي إن كل هذه الأمم الخالية، والقرون الماضية وقد كانوا أشد من قومك هؤلاء، أهل مكة، كذبوا أنبياءهم، فحل بهم العذاب، فكيف بهؤلاء الضعفاء، إذا نزل بهم ما لا قبل لهم به من عذابي؟. وفي الآية زجر وتخويف للسامعين. وقرأ يعقوب (١): ﴿عقابي﴾ بإثبات الياء، وحذفها الباقون مطابقة لرؤوس الآي.
وفي «فتح الرحمن» (٢): ختم أواخر آياته هنا، بما قبل آخره ألف، وآيات قوله في ﴿ق﴾: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ بما قبل آخره ياء، أو واو، موافقةً لبقية فواصل السورتين، انتهى.
١٥ - ثم بيّن عقاب كفار قريش إثر بيان عقاب أضرابهم، فقال: ﴿وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ﴾ الإشارة إلى كفار مكة بهؤلاء تحقير لشأنهم، وتهوين لأمرهم، أي: وما ينتظر هؤلاء الكفرة، من أهل مكة، الذين هم أمثال أولئك الطوائف المذكورة المهلكة في الكفر والتكذيب ﴿إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ هي النفخة الثانية؛ أي: ليس بينهم وبين حلول ما أعد لهم من العقاب الفظيع إلا هي، حيث أخرت عقوبتهم إلى الآخرة لما أن تعذيبهم بالاستئصال حسبما يستحقونه، والنبي ﷺ بين أظهرهم خارج عن السنة الإلهية: المبنية على الحكم الباهرة، كما نطق به قوله تعالى: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾.
ثم إن (٣) الانتظار يحتمل أن يكون حقيقةً أو استهزاءً، فهم وإن كانوا ليسوا بمنتظرين، لأن تأتيهم الصيحة إلا أنهم جعلوا منتظرين لها تنبيهًا على قربها منهم،
стр. 11079
فإن الرجل إنما ينتظر الشيء، ويمد طرفه إليه مترقبًا في كل آن حضوره، إذا كان الشيء في غاية القرب منه.
وجملة قوله: ﴿ما لَها مِنْ فَواقٍ﴾ صفة ثانية لـ ﴿صَيْحَةً﴾. وقرأ حمزة والكسائي: ﴿مِنْ فَواقٍ﴾ بضم الفاء. وقرأ الباقون: بفتحها. وهما لغتان فيه؛ أي: ما للصيحة من توقف وتأخر مقدار فواق إذا جاءت. ففي الكلام حذف، والفواق بالضم كغراب، ويفتح كما في «القاموس»: ما بين حلبتي الحالب من الزمن؛ لأن الناقة تحلب أولًا. ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل، لإدرار اللبن، ثم تحلب ثانية. يعني: إذا جاء وقت الصيحة، لم تستأخر هذا القدر من الزمان، كقوله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً﴾. فالفواق: عبارة عن الزمان اليسير. وفي الحديث: «من اعتكف قدر فواق، فكأنما أعتق رقبة من ولد إسماعيل». وفي الحديث: «من قاتل في سبيل الله، فواق ناقة وجبت له الجنة».
١٦ - ﴿وَقالُوا﴾؛ أي: قال كفار مكة بطريق الاستهزاء والسخرية عند سماعهم بتأخير عقابهم إلى الآخرة. والقائل (١): النضر بن الحرث بن علقمة بن كندة الخزاعي، وأضرابه، وكان النضر من شياطينهم، ونزل في شأنه في القرآن بضع عشرة آية، وهو الذي قال: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ ﴿رَبَّنا﴾ وتصدير دعائهم بالنداء للإمعان في الاستهزاء، كأنهم يدعون ذلك بكمال الرغبة والابتهال. ﴿عَجِّلْ لَنا﴾، أي: أسرع لنا ﴿قِطَّنا﴾؛ أي: نصيبنا، وحظنا من العذاب ﴿قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ﴾؛ أي: قبل يوم المحاسبة، وهو يوم القيامة على ما زعمه محمد ﷺ ، والقط في الأصل: القطعة من الشيء، والمراد هنا: النصيب والحظ؛ لأنه قطعة من الشيء مفرزة، فالمعنى: عجّل لنا قسطنا، وحظنا، ونصيبنا من العذاب الذي توعدنا به محمد ﷺ ، ولا تؤخره إلى يوم الحساب الذي مبدؤه الصيحة المذكورة، ويقال لصيحة الجائزة أيضًا: قط؛ لأنها قطعة من القرطاس. فالمعنى عليه: عجّل لنا صحيفة أعمالنا لننظر فيها.
стр. 11080
قال سهل بن عبد الله التستري رحمة الله عليه: لا يتمنى الموت إلا ثلاثة: رجل جاهل بما بعد الموت، أو رجل يفر من أقدار الله تعالى، أو مشتاق محب لقاء الله تعالى، انتهى. وقال إسماعيل بن أبي خالد (١): المعنى: عجل لنا أرزاقنا، وبه قال سعيد بن جبير. ومعنى الآية: سؤالهم لربهم أن يعجل لهم نصيبهم، وحظهم من العذاب. وهو مثل قوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ﴾، وقال السدي: سألوا ربهم أن يمثل لهم منازلهم من الجنة، ليعلموا حقيقة ما يوعدون به.
ومعنى الآية: أي وقالوا استهزاء وسخرية حين سماعهم بتأخير عقابهم إلى الآخرة: ربنا عجل لنا نصيبنا من العذاب الذي توعدتنا به، ولا تؤخره إلى يوم الحساب الذي مبدؤه الصيحة.
١٧ - ولما بلغ الكفار في السفاهة على رسول الله ﷺ الغاية، إذ قالوا: إنه ساحر كذاب، وقالوا: ربنا عجل لنا قطنا .. أمره الله بالصبر على سفاهتهم، فقال: ﴿اصْبِرْ﴾ يا محمد ﴿عَلى ما يَقُولُونَ﴾؛ أي: على ما يقوله كفار قومك لك مما تكره من مقالاتهم الباطلة، التي من جملتها، قولهم في تعجيل العذاب: ﴿رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا ...﴾ إلخ. فإنا ممتحنوك بالمكاره، كما امتحنا سائر من أرسلنا من قبلك، ثم عاجلوا الظفر لك على من كذبك وشاقك سنتنا في الرسل، الذين أرسلناهم إلى عبادنا من قبلك، وهذه الآية منسوخة بآية السيف.
ثم شرع في ذكر قصص لجملة من الأنبياء: كداود، وسليمان، وأيوب، وغيرهم، والقصد به تسليته ﷺ ؛ أي: اذكر ما حصل لهم من المشاق والمحن، فصبروا حتى فرّج الله عنهم، فصارت عاقبتهم أحسن عاقبة، فكذلك أنت تصبر، ويؤول أمرك إلى أحسن مآل، اهـ «نهر».
قصص داود ﵇
﴿وَاذْكُرْ﴾ يا محمد من الذكر القلبي؛ أي: تذكر بقلبك، أو من الذكر
стр. 11081
اللساني؛ أي: واذكر لقومك قصة داود؛ أي: وتذكر يا محمد ﴿عَبْدَنا﴾ المخصوص بعنايتنا القديمة ﴿داوُدَ﴾ بن ايشا، من سبط يهودا بن يعقوب ﵇، بينه وبين موسى ﵇، خمس مئة وتسع وستون سنة، وقام بشريعة موسى، وعاش مئة سنة. ﴿ذَا الْأَيْدِ﴾؛ أي: صاحب القوة في الدين القائم بمشاقه وتكاليفه. وفي «الكواشي»: ويجوز أن يراد القوة في الجسد والدين، انتهى.
والمعنى: اذكر قصته، فإنك تجد فيها ما تتسلى به؛ أي: تذكر قصته ومن نفسك عن أن تترك ما كلفت به من مصابرتهم، وتحمل أذاهم، لئلا يلقاك من المعاتبة مثل ما وقع لداود. اهـ «أبو السعود».
واعلم: أنه تعالى ذكر أولًا قوة داود في أمر الدين، ثم زلته بحسب القضاء الأزلي، ثم توبته بحسب العناية السابقة، وأمره ﷺ بتذكر حاله، وقوته في باب الطاعة، ليتقوى على الصبر، ولا يزل عن مقام استقامته، وتمكينه كما زل قدم داود، فظهرت المناسبة بين المسندين، واتضح وجه عطف و ﴿اذْكُرْ﴾ على ﴿اصْبِرْ﴾.
وجملة قوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ تعليل لكونه ذا الأيد، من الأوب، وهو الرجوع؛ أي: وإنما وصفناه بالقوة في الدين؛ لأنه كان رجاعًا إلى الله ومرضاته سبحانه؛ أي: رجاعًا عن كل ما يكره الله إلى ما يحب الله ، فهو تعليل لكونه ذا الأيد، ودليل على أن المراد به: القوة في أمر الدين، وما يتعلق بالعبادة لا قوة البدن؛ لأن كونه راجعًا إلى مرضاة الله تعالى، لا يستلزم كونه قويّ البدن. وقد روي: أنه لم يكن جسيمًا كسائر الأنبياء، بل قصير القامة، وأكثر القوى البدنية كان فيمن زاده الله بسطةً في جسمه.
وفي «التأويلات النجمية»: تشير الآية إلى كماليته في العبودية، بأنه لم يكن عبد الدنيا، ولا عبد الآخرة، وإنما كان عبدنا خالصًا مخلصًا، وله قوة في العبودية ظاهرًا وباطنًا، فأما قوته ظاهرًا، فبأنه قتل جالوت، وكثيرًا من جنوده بثلاثة أحجار رماها عليهم، وأما قوته في الباطن، فلأنه كان أوابا، وقد سرت أوابيته في الجبال والطير، فكانت تؤوب معه، انتهى. ومن قوة عبادته كان يصوم
стр. 11082
يومًا، ويفطر يومًا، وكان ينام النصف الأول من الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسده.
ومعنى الآية: أي واذكر يا محمد لقومك، قصة عبدنا داود ذي القوة في الطاعة، والفقه في الدين، فقد كان يقوم ثلث الليل، ويصوم نصف الدهر.
وفي «الصحيحين» عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أحب الصيام إلى الله تعالى صيام داود، كان يصوم يوما، ويفطر يوما، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، ولا يفر إذا لاقى». وإنما كان هذا النوع أحب، لأن النفس إذا نامت الثلثين من الليل تكون أخف، وأنشط في العبادة، وقيل معناه: ذو القوة في الملك. وإنه كان رجاعًا إلى الله تعالى في جميع شؤونه، فكان كلما ذكر، ذنبه، أو خطر على باله، استغفر الله تعالى، قال النبي ﷺ : «إني لأستغفر الله في اليوم والليلة مئة مرة»، وأخرج البخاري في تاريخه عن أبي الدرداء، قال: كان النبي ﷺ ، إذا ذكر داود، وحدّث عنه، قال: «كان أعبد البشر»، وأخرج الديلمي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «لا ينبغي لأحد أن يقول: إني أعبد من داود».
١٨ - ثم عدد سبحانه نعمه عليه، فقال:
١ - ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ﴾؛ أي: ذللناها مع داود، و ﴿مع﴾ متعلق بالتسخير، وإيثارها على اللام لكون تسخير الجبال له ﵇، لم يكن بطريق تفويض التصرف فيها إليه، كتسخير الريح وغيرها لسليمان ﵇، لكون سيرها معه، بطريق التبعية له، والاقتداء به، فتكون ﴿مع﴾ على حالها، ويجوز أن تكون ﴿مع﴾ متعلقة بما بعدها، وهو قوله: ﴿يُسَبِّحْنَ﴾. وجملة التسبيح، حال من الجبال؛ أي: حالة كون الجبال يقدسن الله سبحانه مع داود، وينزهنه عما لا يليق به من النقائص، وفي هذا، بيان ما أعطاه الله تعالى، من البرهان والمعجزة، وهو
стр. 11083
تسبيح الجبال معه، ولم يقل: مسبحات، للدلالة على تجدد التسبيح حالًا بعد حال، قال في «كشف الأسرار»: كان داود يسمع، ويفهم تسبيح الجبال على وجه تخصيصه به، كرامة له، ومعجزة، انتهى. واختلفوا في كيفية التسبيح، فقيل: بصوت يتمثل له، وهو بعيد، وقيل: بلسان الحال، وهو أبعد. وقيل: بخلق الله في جسم الجبل، حياة وعقلًا وقدرة ونطقًا، فحينئذ يسبح الله معه، كما يسبح الأحياء العقلاء، وهذا قول أهل الظاهر. وقال مقاتل: كان داود، إذا ذكر الله، ذكرت الجبال معه. انتهى. والظاهر: أن تسبيح الجبال مع داود على حقيقته، لكن لما كان على كيفية مخصوصة، وسماعه على وجه مخصوص، خارج عن العقول .. كان من معجزات داود ﵇ وكراماته، وقد سبق مرارًا تحقيق هذا المقام بما لا مزيد عليه.
وقوله: ﴿بِالْعَشِيِّ﴾؛ أي: في آخر النهار ﴿وَالْإِشْراقِ﴾؛ أي: في أول النهار. متعلق بـ ﴿يُسَبِّحْنَ﴾. ووقت الإشراق حين تشرق الشمس؛ أي: تضيء ويصفو شعاعها، وهو وقت الضحى، وأما شروقها فطلوعها، يقال: شرقت الشمس، ولما تشرق، فكان داود يسبح عقب صلاته، عند طلوع الشمس، وعند غروبها،
١٩ - وقوله: ﴿وَالطَّيْرَ﴾ معطوف على ﴿الْجِبالَ﴾. وقوله: ﴿مَحْشُورَةً﴾ حال من الطير، والعامل فيه ﴿سَخَّرْنَا﴾؛ أي: وسخرنا الطير معه، حال كونها محشورة، مجموعة إليه من كل جانب، وناحية، وكانت الملائكة تحشر إليه ما امتنع عليه منها، كما في «كشف الأسرار»: عن ابن عباس ﵄: كان داود، إذا سبح، جاوبته الجبال بالتسبيح، واجتمعت إليه الطير فسبحت، وذلك حشرها. وقيل: كانت تجمعها الريح إليه، وإنما لم يراع المطابقة بين الحالين، بأن يقال: والطير يحشرن؛ لأن الحشر جملةً أدل على القدرة منه، متدرجًا كما يفهم من لفظ المضارع، وليس مرادًا، لأنه لم يرد أنها تحشر شيئًا فشيئًا، إذ حاشرها، هو الله تعالى، فحشرها جملة واحدة، أدل على القدرة، ذكره أبو حيان.
﴿كُلٌّ﴾؛ أي: كل واحد من الجبال والطير ﴿لَهُ﴾؛ أي: لأجل داود؛ أي: لأجل تسبيحه. فهو على حذف المضاف. ﴿أَوَّابٌ﴾؛ أي: رجاع إلى التسبيح، إذا
стр. 11084
سبح، سبحت الجبال، والطير معه، ووضع الأواب موضع المسبح؛ لأنها كانت ترجع التسبيح، والمرجع رجّاع؛ لأنه يرجع إلى فعله رجوعًا بعد رجوع، والفرق بينه وبين ما قبله وهو ﴿يُسَبِّحْنَ﴾: أن ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ يدل على الموافقة في التسبيح، وهذا يدل على المداومة عليها، وقيل: الضمير في ﴿لَهُ﴾ لله؛ أي: كل من داود، والجبال، والطير، لله أواب، أي: مسبح لله، مرجع التسبيح له. وقرأ الجمهور (١): ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ بنصبهما كما مر بيان وجهه، وقرأ ابن أبي عبلة، والجحدري ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ برفعهما مبتدأ وخبرًا.
روي: أن الله تعالى لم يعط أحدًا من خلقه ما أعطى داود، من حسن الصوت، فلما وصل إلى الجبال ألحان داود، تحركت من لذة السماع، فوافقته في الذكر والتسبيح، ولما سمعت الطيور نغماته، صفرت بصفير التنزيه والتقديس، ولما أصغت الوحوش إلى صوته، دنت منه حتى كانت تؤخذ بأعناقها، فقبل الكل فيض المعرفة، والحالة بحسب الاستعداد، ألا ترى إلى الهدهد، والبلبل، والقمري، والحمامة، ونحوها، فالتأثر، والحركة، والبكاء، ونحوها، ليست من خواص الإنسان فقط، بل إذا نظرت بنظر الحقيقة، وجدتها في الحيوانات، بل في الجمادات أيضًا، لكونها أحياءً بالحياة الحقيقة.
قال بعضهم (٢): سبحت الجبال، وكذا الطير، لتسبيح داود، ليكون له عملها؛ لأن تسبيحها، لما كان لتسبيحه منتشأ منه، لا جرم، يكون ثوابه عائدًا إليه، لا إليها، لعدم استحقاقها لذلك، بخلاف الإنسان فإنه إذا وافقه إنسان آخر في ذكره وتسبيحه، أو عمل بقوله .. يكون له مثل ثواب ذكره وتسبيحه، لأحيائه وإيقاظه له، فهو صيده وأحق به، وتخصيص العشي والإشراق لما فيهما من زيادة ظهور أنوار قدرته، وآثار بركة عظمته، ولأن وقت الإشراق، وقت إقبال المخلوقات إلى طلب الأرزاق والمعاش، ووقت العشي، وقت إقبال المصلين إلى المناجاة، وعرض الحاجات على رب البريات.
стр. 11085
والمعنى (١): أي إنه تعالى، سخر الجبال تسبح معه حين إشراق الشمس، وآخر النهار، وتسبيحها معه، تقديسها لله سبحانه بحال، تليق بها، وتخصيص هذين الوقتين بالذكر، يدل على اختصاصهما بمزيد شرف العبادة فيهما، فإن لفضيلة الأزمنة والأمكنة أثرًا، في فضيلة ما يقع فيهما من العبادات، وسخرنا له الطير، حال كونها محبوسة في الهواء، تسبح بتسبيحه، فإذا مر به الطير وهو سابح في الهواء، وسمعه يترنم بقراءة الزبور .. يقف ويسبح معه.
وفي هذا إيماء إلى ما لداود من حسن الترتيل، والصوت المتقبل، الذي يعجب منه الحيوان الأعجم، فما بالك بالإنسان؟!. ثم أكد ما سلف من تسخيرها له فقال: ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾؛ أي: كل من الجبال، والطير، مرجاع إلى أمره، يسبح تبعًا له.
٢ - ٢٠ ﴿وَشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾؛ أي: قوينا ملكه بكثرة الجنود، وبسطة الثراء والهيبة، ونفوذ الكلمة، والنصر على الأعداء، قيل: كان أربعون ألفا لابسي درع يحرسونه، فإذا أصبح قيل: ارجعوا، فقد رضي عنكم نبي الله، وكان نبينا ﷺ يحرس أيضًا، إلى نزول قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾، ومن ذلك أخذ السلاطين الحرس في السفر والحضر، فلا يزالون يحرسونهم في الليالي، ولهم أجر في ذلك، وقرأ الجمهور: ﴿وَشَدَدْنا﴾ مخففًا. والحسن، وابن أبي عبلة بشد الدال، وعن ابن عباس ﵄: أنه ادعى رجل على آخر بقرة، وعجز عن إقامة البينة، فأوحى الله تعالى، إلى داود ﵇: أن اقتل المدعي إليه. فأعلم الرجل فقال: صدقت يا نبي الله، إن الله لم يأخذني بهذا الذنب، ولكن إني قتلت أبا هذا الرجل غيلة، فقتله داود، فقال الناس: إن أذنب أحد ذنبًا أظهره الله عليه فقتله، فهابوه وعظمت هيبته في القلوب، والغيلة بالكسر: هو أن يخدع شخصا، فيذهب به إلى موضع، فإذا صار إليه قتله.
٣ - ﴿وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ﴾؛ أي: وأعطينا داود ﵇ الحكمة؛ أي:
стр. 11086
العلم النافع، والإتقان للعمل. فهو لا يقدم على عمل، إلا إذا عرف موارده، ومصادره مباديه، وغاياته على نحو ما قال الشاعر:
قَدِّرْ لِرِجْلِكَ قَبْلَ الْخَطْوِ مَوْضِعَهَا ... فَمَنْ عَلَا زَلَقًا عَنْ غِرَّةٍ زَلَجَا
أو العلم للأشياء على ما هي عليه، والعمل بمقتضاه، إن كان متعلقًا بكيفية العمل، واعلم: أن الحكمة نوعان:
أحدهما: الحكمة المنطوق بها، وهي علم الشريعة.
والثاني: الحكمة المسكوت عنها، وهي أسرار الحقيقة التي لا يطلع عليها عوام العلماء، على ما ينبغي، فيضرهم أو يهلكهم، كما روي: أن رسول الله ﷺ كان يجتاز في بعض سكك المدينة مع أصحابه، فأقسمت عليه امرأة أن يدخلوا منزلها، فدخلوه فرأوا نارًا موقدة، وأولاد المرأة يلعبون حولها، فقالت: يا نبي الله، الله أرحم بعباده، أم أنا بأولادي؟ فقال النبي ﷺ : «بل الله أرحم، فإنه أرحم الراحمين». فقالت: يا رسول الله، أتراني أحب أن ألقي ولدي في النار؟ فقال: «لا» فقالت: فكيف يُلقي الله عبيده فيها، وهو أرحم الراحمين بهم؟. قال الراوي: فبكى رسول الله ﷺ ، فقال: «هكذا أوحي إلي».
٤ - ﴿وَفَصْلَ الْخِطابِ﴾؛ أي: الخطاب الفاصل بين الحق والباطل، والكلام المبين للحق، أو الخطاب المفصول؛ أي: الكلام الملخص المبين الذي ينبه المخاطب على المرام من غير إلباس، فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف، والفصل إما بمعنى الفاعل أو المفعول أو الإفصاح، والبيان في الخطاب والكلام؛ أي: البيان بحقيقة الأمر، وقطع القضايا والأحكام باليقين من غير ارتياب، ولا شك، ولا توقف، فيكون بمعنى فصل الخصام بتبيين الحق وتمييزه من الباطل، والفصل على حقيقته، وأريد بالخطاب: المخاصمة لاشتمالها عليه.
والمعنى (١): أي وألهمناه حسن الفصل في الخصومات بما يستبين به وجه الحق بلا جنف، ولا ميل مع الهوى، وهذا يحتاج إلى فضل كبير في العلم،
стр. 11087
ومزيد في الحلم، وتفهم أحوال الخصوم، ورباطة الجأش، وعظيم الصبر، والذكن الذي لا يتوافر لكثير من الناس.
وقال الشعبي (١): ﴿فَصْلَ الْخِطابِ﴾ هو قوله: أما بعد. وهو أول من قال: أما بعد، فإن من تكلم في الأمر الذي له شأن .. يفتتح بذكر الله، وتحميده، فإذا أراد أن يخرج إلى الغرض المسوق له .. فصل بينه وبين ذكر الله بقوله: أما بعد.
قضية من قضاياه التي حكم فيها
٢١ - ولما مدح الله داود ﵇، بما تقدم ذكره .. أردف ذلك بذكر هذه القصة الآتية، لما فيها من الأخبار العجيبة، فقال: ﴿وَهَلْ أَتاكَ﴾ وجاءك، ووصلك يا محمد ﴿نَبَأُ الْخَصْمِ﴾؛ أي: خبر تحاكم الخصم، وترافعهم إلى داود ﵇، والاستفهام هنا معناه: التعجب، والتشويق، إلى استماع ما في حيزه، للإيذان بأنه من الأخبار البديعة، التي حقها أن لا تخفى على أحد. والنبأ: الخبر العظيم الشأن. والخصم بمعنى: المخاصم، وأصل المخاصمة: أن يتعلق كل واحد بخصم الآخر، بضم الخاء؛ أي: بجانبه، ولما كان الخصم في الأصل، مصدرًا متساويًا إفراده، وجمعه أطلق على الجمع في قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا﴾؛ أي: إذ تسور الخصوم، وصعدوا أعلى سور الحصن، وحائطه، ونزلوا منه، ودخلوا ﴿الْمِحْرابَ﴾؛ أي: ودخلوا بعد نزولهم من فوق السور البيت، الذي كان داود يجلس فيه، ويشتغل بعبادة ربه، يقال: تسور المكان، إذا علا سوره، وسور المدينة: حائطها المحيط بها، وقد يطلق على حائط مرتفع، وهو المراد هنا. والمراد من المحراب: البيت الذي كان داود ﵇، يدخل فيه، ويشتغل بطاعة ربه، قيل: كان ذلك البيت غرفة، وسمي ذلك البيت محرابًا، لاشتماله على المحراب، على طريقة تسمية الشيء بأشرف أجزائه، و ﴿إِذْ﴾ متعلقة بمحذوف، وهو التحاكم الذي قدرنا أولًا؛ أي: هل أتاك نبأ تحاكم الخصم، إذ تسوروا المحراب؛ أي: تصعدوا سور الغرفة، ونزلوا إليه.
стр. 11088
والمراد بالخصم المتسورين: جبرائيل، وميكائيل بمن معهما من الملائكة على صورة المدعي، والمدعى عليه، والشهود، والمزكين من بني آدم.
٢٢ - ﴿إِذْ دَخَلُوا﴾؛ أي: الخصوم ﴿عَلَيْهِ﴾؛ أي: على داود. والظرف بدل من الظرف الأول. ﴿فَفَزِعَ﴾ داود، وخاف ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: من المتسورين عليه، وإنما فزع منهم، لأنهم أتوه ليلًا في غير وقت دخول الخصوم، ودخلوا عليه بغير إذنه، ولم يدخلوا من الباب الذي يدخل منه الناس، لأنه كان مغلقا، ودخلوا عليه، وهو يتعبد في البيت بغتة من فوق؛ أي: من غير الباب على خلاف العادة. قال ابن الأعرابي: وكان محراب داود من الامتناع بالارتفاع، بحيث لا يرتقي إليه إدمي بحيلة.
وفيه (١) إشارة إلى كمال ضعف البشرية، مع أنه كان أقوى الأقوياء، إذ فزع منهم، ولعل فزع داود، كان لاطلاع روحه على أنه تنبيه له، وعتاب فيما سلف منه، كما سيأتي.
وجملة قوله: ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾ مستأنفة واقعة في جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا قالوا لداود حين فزع منهم؟؛ أي: فلما رأوه فزعًا، قالوا إزالة لفزعه، وخوفه: لا تخف منا. قال في «التأويلات النجمية»: يشير إلى أنه لا تخف من صورة أحوالنا، فإنا جئنا لتحكم بيننا بالحق، ولكن خف من حقيقة أحوالنا. فإنها كشف أحوالك، التي جرت بينك وبين خصمك أوريا.
وارتفاع ﴿خَصْمانِ﴾ على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: نحن فريقان متخاصمان على تسمية مصاحب الخصم خصمًا تجوزًا.
والحاصل: أنه أطلق لفظ الخصم فيما سبق على الجمع بدليل ﴿تسورا﴾، وهنا بلفظ التثنية. لما ذكرنا أولًا من أن لفظ الخصم يحتمل المفرد، والمثنى، والمجموع، وهو جائز؛ أي: وثني هنا بتأويل الفريق، وهم وإن لم يكونوا فريقين بل شخصين اثنين، بدليل أن هذا أخي، الآية، لكن جعل مصاحب الخصم
стр. 11089
خصمًا، فكانا بمن معهما فريقين من الخصوم، فحصل الانطباق بين صيغة التثنية في قوله: ﴿خَصْمانِ﴾، وبين ما مر من إرادة الجمع، وقرأ أبو يزيد الجراد عن الكسائي ﴿خصمان﴾ بكسر الخاء.
وقوله: ﴿بَغَى﴾ واعتدى ﴿بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ هو على سبيل الفرض والتقدير، وعلى سبيل التعريض لداود، لا على تحقيق البغي من أحدهما، فلا يلزم الكذب، إذ الملائكة منزهون عنه، فلا يحتاج إلى ما قيل: إن المتخاصمين كانا لصين دخلا عليه للسرقة، فلما رآهما اخترعا الدعوى، كما في «شرح المقاصد» ﴿فَاحْكُمْ﴾ يا داود ﴿بَيْنَنا بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بالعدل ﴿وَلا تُشْطِطْ﴾؛ أي: ولا تجر في الحكومة. وهو تأكيد للأمر بالحكم بالحق. والمقصود من الأمر والنهي الاستعطاف. ﴿وَاهْدِنا﴾؛ أي: وأرشدنا يا داود ﴿إِلى سَواءِ الصِّراطِ﴾؛ أي: إلى الصراط السوي، والطريق الحق، واحملنا عليه بزجر الباغي عما سلكه من طريق الجور، وإرشاده إلى منهاج العدل.
وقرأ الجمهور: ﴿وَلا تُشْطِطْ﴾ مفكوكًا من أشط الرباعي. وقرأ أبو رجاء، وابن أبي عبلة، وقتادة، والحسن، وأبو حيوة ﴿تُشْطِطْ﴾ من شط الثلاثي. وقرأ قتادة أيضًا: ﴿تشط﴾ مدغمًا من أشط الرباعي. وقرأ زيد: ﴿تشاطط﴾ بضم التاء، وبالألف، على وزن تفاعل مفكوكًا. وعن قتادة أيضًا: ﴿تشطط﴾ من شطط المضعف، ذكره أبو حيان في «البحر».
والمعنى (١): أي هل علمت ذلك النبأ العجيب، نبأ الجماعة الذين تسلقوا سور غرفة داود، ودخلوا عليه وهو مشتغل بعبادة ربه، في غير وقت جلوسه للحكم، وحين رآهم فزع منهم، ظنًا منه أنهم جاؤوا لاغتياله، إذ كان منفردًا في محرابه للعبادة، فقالوا له: لا تخف منا، نحن اثنان جار بعضنا على بعض، فاحكم بيننا حكمًا عادلًا، ولا تجر، واهدنا إلى الطريق السوي، ولا تشطط في الحكومة.
٢٣ - ثم فصلوا موضع الخصومة، فقال أحدهما: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ الحاضر معي
стр. 11090
﴿أَخِي﴾ في الدين أو في الصحبة، والتعرض لذلك، تمهيد لبيان كمال قبح ما فعل به صاحبه، وقال أبو حيان (١): والأخوة هنا مستعارة، إذ هما ملكان، لكنهما لما ظهرا في سورة إنسانين تكلما بالأخوة، ومجازها أنها أخوة في الدين، والإيمان، أو على معنى الصحبة، والمرافقة، أو على معنى الشركة والخلطة، لقوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطاءِ﴾، وكل واحدة من هذه الأخوات تقتضي منع الاعتداء، ويندب إلى العدل، والقائل منهما هذا الكلام، هو المدعي منهما. و ﴿أَخِي﴾ عطف بيان عند ابن عطية، وبدل أو خبر ﴿لإن﴾ عند الزمخشري.
﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ﴾ قرأ الجمهور: ﴿تِسْعٌ وَتِسْعُونَ﴾ بكسر التاء فيهما، وقرأ الحسن، وزيد بن علي: بفتحها. وقرأ الجمهور: ﴿نَعْجَةً﴾ بفتح النون، والحسن، وابن هرمز: بكسر النون، وهي لغة لبعض بني تميم، وهي لغة شاذة، والنعجة: هي الأنثى من الضأن، وقد يكنى بها عن المرأة. قال الواحدي: النعجة: البقرة الوحشية، والعرب تكني عن المرأة بها، وتشبه النساء بالنعاج، والكناية (٢) والتعريض أبلغ في المقصود، وهو التوبيخ، فإن حصول العلم بالمعرض به يحتاج إلى تأمل، فإذا تأمله، واتضح قبحه .. كان ذلك أوقع في نفسه، وأجلب لخجالته وحيائه.
وعني بهذا داود؛ لأنه كان له تسع وتسعون امرأة، وعنى بقوله: «ولي نعجة واحدة» أوريا زوج المرأة التي أراد أن يتزوجها داود، كما سيأتي بيان ذلك، وقرأ حفص عن عاصم: ﴿ولي﴾ بفتح الياء، والباقون بإسكانها على الأصل. ﴿فَقالَ﴾ الأخ لي: ﴿أَكْفِلْنِيها﴾؛ أي: أكفلني هذه النعجة الواحدة؛ أي: ضمها لي إلى ما عندي، وأنزل لي عنها حتى أكفلها، وأضمها إلى ما عندي، وأصير بعلًا لها، قال ابن كيسان: اجعلها كفلي ونصيبي بالتنازل عنها، وفي «الروح»: أي ملكنيها، وحقيقته؛ أي: اجعلني أكفلها كما أكفل ما تحت يدي، والكافل؛ هو الذي يعولها وينفق عليها وعزني أي غلبني في الخطاب أي: في مخاطبته، ومحاورته إياي، محاجة بأن جاء بحجاج، لم أقدر على رده، وعن ابن عباس
стр. 11091
- ﵄: كان أعز مني، وأقوى على مخاطبتي، لأنه كان الملك، فالمعنى: كان أقدر على الخطاب لعزة ملكه، كما في الوسيط، أو غلبني بعزه، وسلطانه، أو أراد (١) خطيب المرأة؛ أي: خطبها هو وخطبتها أنا، وعزني في الخطاب؛ أي: غلبني في خطبتها حيث زوجها دوني، وقرأ أبو حيوة، وطلحة ﴿وعزني﴾ بتخفيف الزاي. قال أبو الفتح: حذف الزاي الواحدة تخفيفًا. وقرأ (٢) ابن مسعود، وعبيد بن عمير، وأبو وائل، ومسروق، والضحاك، والحسن: ﴿وعازني في الخطاب﴾ بألف وتشديد الزاي؛ أي: غالبني من المعازة، وهي المغالبة.
والمعنى: أي إن أخي هذا يملك تسعًا وتسعين نعجة، ولي نعجة واحدة، فقال: ملكنيها، وغلبني في المحاجة، فجاء بحجج لم أطق لها ردًا، ولا دفعًا. قال أبو حيان: والظاهر، إبقاء لفظ النعجة على حقيقتها، من كونها أنثى الضأن، ولا يكنى بها عن المرأة، ولا ضرورة تدعو إلى ذلك؛ لأن ذلك الإخبار، كان صادرًا من الملائكة على سبيل التصوير للمسألة، والفرض لها من غير تلبس بشيء منها، فمثلوا بقصة رجل له نعجة، ولخليطه تسع وتسعون، فأراد صاحبه تتمة المائة، فطمع في نعجة خليطه، وأراد انتزاعها منه، وحاجه في ذلك محاجة حريص على بلوغ مراده، ويدل على ذلك قوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطاءِ﴾، وهذا التصوير، والتمثيل أبلغ في المقصود، وأدل على المراد انتهى.
٢٤ - ثم ذكر سبحانه حكم داود في الواقعة بقوله: ﴿قَالَ﴾ داود بعد اعتراف المدعى عليه، أو على تقدير صدق المدعي، وإلا فالمسارعة إلى تصديق أحد الخصمين، قبل سماع كلام الآخر لا وجه له، وفي الحديث: «إذا جلس إليك الخصمان، فلا تقض لأحدهما، حتى تسمع من الآخر»، وقيل (٣): الكلام على تقدير أي: لئن كان ما تقول، لقد ظلمك. وقيل: ثم حذف؛ أي: فأقر المدعى عليه، فقال: لقد ظلمك، ولكنه لم يحك في القرآن اعتراف المدعى عليه، لأنه
стр. 11092
معلوم من الشرائع كلها، إذ لا يحكم الحاكم إلا بعد إجابة المدعى عليه؛ أي: قال داود للمدعي: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾ أخوك. جواب قسم محذوف، قصد به ﵇ المبالغة في إنكار فعل صاحبه، وتهجن طمعه، في نعجة من ليس له غيرها، مع أن له قطيعًا منها؛ أي: والله لقد ظلمك أخوك ﴿بِسُؤالِ﴾ إضافة ﴿نَعْجَتِكَ﴾ الواحدة ﴿إِلى نِعاجِهِ﴾ التسع والتسعين. والسؤال مصدر مضاف إلى مفعوله، وتعديته إلى مفعول آخر بـ ﴿إِلى﴾ لتضمنه معنى الإضافة والضم، كأنه قيل: بضم نعجتك إلى نعاجه على وجه السؤال والطلب. قال النحاس: ويقال: إن خطيئة داود هي قوله: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾؛ لأنه قال ذلك قبل أن يتثبّت، وفي هذا إشارة، إلى أن الظلم في الحقيقة من شيم النفوس، فإن وجدت ذا عفة، فالعلة كما قال يوسف: ﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ الآية، فالنفوس جُبلت على الظلم، والبغي، وسائر الصفات الذميمة، ولو كانت نفوس الأنبياء ﵈، كذا في «التأويلات النجمية»، يقول الفقير: هذا بالنسبة إلى أصل النفوس وحقيقتها، وإلا فنفوس الأنبياء مطمئنة، لا أمارة، كما مر بسط الكلام على ذلك، في سورة يوسف.
﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطاءِ﴾؛ أي: الشركاء الذين خلطوا أموالهم، جمع خليط كظريف وظرفاء، والخلطة: الشركة، وقد غلبت في الماشية ﴿لَيَبْغِي﴾؛ أي: ليتعدى ﴿بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ ويظلمه غير مراع لحق الصحبة والشركة، وهذا من كلام داود، يدل على أن زمانه كان فيه الظلم والاعتداء كثيرًا، وقرىء ﴿ليبغي﴾ بفتح الياء، على تقدير حذف النون الخفيفة، وأصله: ليبغين كقوله: إضرب عنك الهموم طارقها. يريد اضربن. ويكون على هذا القراءة، على تقدير قسم محذوف، ذلك القسم وجوابه خبر لـ ﴿إِنَّ﴾. وعلى قراءة الجمهور يكون: ﴿لَيَبْغِي﴾ خبرًا لـ ﴿إِنَّ﴾. وقرىء ﴿ليبغ﴾ بحذف الياء كقوله: محمد تفد نفسك كل نفس؛ أي: تفدى على أحد القولين. ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ﴾ منهم. فإنهم يجتنبون عن البغي، والعدوان ﴿وَقَلِيلٌ ما هُمْ﴾؛ أي: وهم قليل، فهم مبتدأ، و ﴿قَلِيلٌ﴾ خبره قدم عليه للاهتمام به، وإنما أفرد تشبيها بفعيل، بمعنى مفعول. و ﴿ما﴾ مزيدة لتأكيد القلة، أو للإبهام أو التعجب من قلة الموصوفين بالإيمان، وصالح العمل. ﴿وَظَنَ
стр. 11093
داوُدُ﴾؛ أي: علم وأيقن داود ﴿أَنَّما فَتَنَّاهُ﴾ و ﴿ما﴾ كافة زائدة؛ أي: علم داود أنا فتناه، واختبرناه بهذه الواقعة؛ لأنها جارية مجرى الامتحان. والظن هنا مستعار للعلم الاستدلالي لما بينهما من المشابهة، يعني: أن الظن الغالب لما كان يقارب العلم استعير له، فالظن يقين، لكنه ليس بيقين عيان، فلا يقال فيه: إلا العلم.
والمعنى (١): وعلم داود بما جرى في مجلس الحكومة، إنما فعلنا به الفتنة والامتحان لا غير، بتوجيه الحصر إلى نفس الفعل بالقياس إلى ما يغايره من الأفعال، فتنبه لذلك ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ لذنبه إثر ما علم أن ما صدر منه ذنب، كما استغفر آدم ﵇ بقوله: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا﴾ إلخ، وموسى ﵇ بقوله: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾، وغيرهما من الأنبياء الكرام، على ما بيّن في موضعه.
والمعنى: أنه عند ما تخاصما إليه، وقال ما قال، علم عند ذلك أنه المراد، وأن مقصودهما التعريض به، وبصاحبه الذي أراد أن ينزل له عن امرأته، قال الواحدي: قال المفسرون: فلما قضى داود بينهما، نظر أحدهما إلى صاحبه، فضحك، فعند ذلك علم داود بما أراداه. ورأى أنهما تحولا إلى صورتهما، وذهبا، وعرجا نحو السماء بمرأى منه، وهما يقولان: قضى الرجل على نفسه، فعلم داود أنه إنما عُني به.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿فَتَنَّاهُ﴾ بتخفيف التاء، وتشديد النون. وقرأ عمر بن الخطاب، وأبو رجاء، والحسن: بخلاف عنه، بتشديد التاء والنون جميعًا مبالغة، وقرأ الضحاك ﴿أفتناه﴾ كقوله: لئن فتنتني لهي بالأمس أفتنت. وقرأ قتادة، وأبو عمرو في رواية، وعبيد بن عمير، وابن السميقع: ﴿افتناه﴾ بتخفيفهما، والألف ضمير الخصمين.
وقد اختلف المفسرون في ذنب داود، الذي استغفر له، وتاب منه على أقوال:
стр. 11094
منها: ما روي (١): أن جماعة من الأعداء، طمعوا في أن يقتلوا نبي الله، داود ﵇، وكان له يوم يخلو فيه بنفسه، ويشغل بطاعة ربه، فانتهزوا الفرصة في ذلك اليوم، وتسوروا المحراب، فلما دخلوا عليه وجدوا عنده أقواما يمنعونه منهم، فخافوا فوضعوا كذبا، فقالوا: ﴿خَصْمانِ﴾؛ أي: نحن فريقان إلى آخر القصة. فعلم ﵇ غرضهم، فهمّ أن ينتقم منهم، فاستغفر ربه مما هم به من الانتقام منهم. وقيل: إن دخولهم على داود كان فتنة له، إلا أنه ﵇، استغفر لذلك الداخل، العازم على قتله.
ومنها: أن أوريا بن حنانا، كان قد خطب امرأة، اسمها نشابع بنت شايع، فأجابوه، ثم خطبها داود، في حال غيبة أوريا في غزواته، فزوجت نفسها منه ﵇ لجلالته، فعُوتب على ذلك، وعلى هذا القول فمعنى ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ﴾؛ أي: غلبني في خطبة امرأة.
ومنها: ما قيل: كان أهل زمان داود ﵇، يسأل بعضهم بعضًا أن يطلق له امرأته، حتى يتزوجها إذا أعجبته، وكان داود ﵇، ما زاد على قوله لأوريا: انزل لي عن امرأتك. وذلك أنه وقع بصره على تلك المرأة من غير قصد، فأحبها، ومال قلبه إليها، فسأل زوجها النزول عنها، فاستحيا أن يرده، ففعل فتزوجها، وهي أم سليمان ﵇، وكانت من أجمل النساء، وكان ذلك جائزًا في شريعته، معتادًا فيما بين الناس غير مخل بالمروءة، وعلى هذا فمعنى ﴿أَكْفِلْنِيها﴾: انزل لي عن تلك النعجة الواحدة، وأعطنيها، فعوتب داود بشيئين:
أحدهما: خطبته على خطبة أخيه المؤمن.
والثاني: إظهار الحرص على التزوج مع كثرة نسائه، وهذا وإن كان جائزًا في شريعته، إلا أنه لا يليق بجنابه ﵇. فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين.
стр. 11095
ومنها: ما قيل: إن ذنب داود الذي استغفر منه، ليس بسبب أوريا وامرأته، وإنما هو بسبب قوله لأحد الخصمين: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ﴾. فلما كان هذا الحكم مخالفًا للصواب، اشتغل بالاستغفار والتوبة، فثبت بهذه الوجوه نزاهة داود ﵇، مما نسب إليه من الكبائر، وإنما يلزم في حقه ترك الأفضل والأولى، والله أعلم.
وقال البيضاوي: وما قيل: إنه أرسل أوريا إلى الجهاد مرارًا، وأمر أن يتقدم حتى قتل، فتزوجها يعني: امرأته، هراء وافتراء، اهـ. وقال الخازن في «تفسيره»: اعلم: أن من خصه الله بنبوته، وأكرمه برسالته، وشرّفه على كثير من خلقه، وائتمنه على وحيه، وجعله واسطة بينه وبين خلقه .. لا يليق أن ينسب إليه، ما لو نسب إلى آحاد الناس، لاستنكف أن يحدث عنه، فكيف يجوز أن ينسب إلى بعض أعلام الأنبياء، والصفوة الأمناء ذلك؟! اهـ. قال الخازن: وقال الإمام فخر الدين الرازي:
حاصل القصة: يرجع إلى أمرين: إلى السعي في قتل رجل مسلم بغير حق، وإلى الطمع في زوجته. قال: وكلاهما منكر عظيم، فلا يليق بعاقل، أن يظن بداود ﵇ هذا، اهـ.
وحاصل معنى قوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ ...﴾ إلخ؛ أي: وإن كثيرًا ممن يتعاملون معًا، يجور بعضهم على بعض حين التعامل كما قال المتنبي:
والظُّلْمُ مِنْ شِيَمِ النُّفُوْسِ فَإِنْ تَجِدْ ... ذَا عِفَّةٍ فَلِعِلَّةٍ لَا يَظْلِمُ
إلا من يخافون ربهم، ويؤمنون به، ويعملون صالح الأعمال. فإن نفوسهم تعزف عن الظلم، وترعوي خشيةً من خالقها، وما أقل هؤلاء عددًا، وأندرهم وجودًا، كما قال: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾.
ثم ذكر أن داود، كان قد ظن أنهما قد جاءا للاغتيال، ثم تبين له غير ما كان قد ظن. فقال: ﴿وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾؛ أي: وظن أن دخولهما
стр. 11096
عليه في ذلك الوقت، ومن تلك الجهة ابتلاء من الله تعالى، لأجل أن يغتالوه، فلم يقع ما كان قد ظنه، فاستغفر ربه من ذلك الظن، إذ لم يقع ما كان قد ظنه. ﴿وَخَرَّ﴾؛ أي: سقط داود حال كونه ﴿راكِعًا﴾؛ أي: ساجدًا على تسمية السجود ركوعًا؛ لأنه مبدؤه، لأنه لا يكون ساجدًا حتى يركع، وفي كل من الركوع والسجود التحني والخضوع، وبه (١) استشهد أبو حنيفة، وأصحابه في سجدة التلاوة، على أن الركوع يقوم مقام السجود، أو المعنى: خر للسجود راكعًا؛ أي: مصليًا إطلاقًا للجزء وإرادة للكل، كأنه أحرم بركعتي الاستغفار. والدليل على الأول؛ أي: على أن الركوع هاهنا بمعنى السجود، ما رواه ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ ، كان يقول في سجدة ص وسجدة الشكر: «اللهم اكتب لي عندك بها أجرًا، واجعلها لي عندك ذخرًا، وضع عني بها وزرًا، واقبلها مني كما قبلت من عبدك داود سجدته» وقيل (٢): بل كان ركوعهم سجودًا. وقيل: بل كان سجودهم ركوعًا.
﴿وَأَنابَ﴾؛ أي: ورجع داود إلى ربه؛ أي: رجوع بالتوبة من جميع المخالفات، التي هي الزلات، وما كان من قبيل ترك الأولى والأفضل. وعن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ سجد في ص، وقال: «سجدها داود توبة، ونسجدها شكرًا».
وهذه السجدة (٣) من عزائم السجود عند أبي حنيفة، ومالك - رحمهما الله تعالى - وكل منهما على أصله. فأبو حنيفة يقول: هي واجبة، ومالك يقول: هي فضيلة، وعند الشافعي، وأحمد سجدة شكر، تستحب في غير الصلاة، فلو سجد بها في الصلاة بطلت عندهما، كما في «فتح الرحمن».
٢٥ - ثم أخبر سبحانه، أنه قبل استغفاره، وتوبته بقوله: ﴿فَغَفَرْنا لَهُ﴾؛ أي: لداود ﴿ذلِكَ﴾ الذنب الذي استغفر منه، وكان ذلك في شهر ذي الحجة، كما في «بحر العلوم». وروي: أنه ﵇، بقي في سجوده أربعين يومًا وليلة، لا يرفع
стр. 11097
رأسه إلا لصلاة مكتوبة، أو لما لا بد منه، ولا يرقأ دمعه، حتى نبت منه العشب حول رأسه، ولا يشرب ماء إلا ثلثاه دمع، وجهد نفسه راغبًا إلى الله في العفو عنه، حتى كاد يهلك، واشتغل بذلك عن الملك، حتى وثبت ابن له، يقال له: إيشا على ملكه، فاجتمع إليه أهل الزيغ من بني إسرائيل. فلما نزلت توبته بعد الأربعين، وغفر له حاربه، فهزمه، وقد قال نبينا ﷺ : «إذا بويع لخليفتين»؛ أي: لأحدهما أولًا، وللآخر بعده «فاقتلوا الآخر منهما». لأنه كالباغي. هذا إذا لم يندفع إلا بقتله.
قال ابن الأنباري: الوقف على قوله: ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ﴾ تام، ثم يبتدىء الكلام بقوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ﴾؛ أي: لداود ﴿عِنْدَنا لَزُلْفى﴾؛ أي: لقربة وكرامة بعد المغفرة، كما وقع لآدم ﵇. ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾؛ أي: ومآبًا حسنًا؛ أي: مرجعًا طيبًا. هو الجنة. وفي «كشف الأسرار»: يعني الجنة هي مآب الأنبياء، والأولياء.
٢٦ - ولما تمم الله سبحانه، قصة داود، أردفها ببيان تفويض أمر خلافة الأرض إليه. والجملة مقولة لقول مقدر معطوف على ﴿غفرنا﴾؛ أي: فغفرنا له ذلك، وقلنا له: ﴿يا داوُدُ إِنَّا﴾ استخلفناك على الأرض أو ﴿جَعَلْناكَ خَلِيفَةً﴾ لمن قبلك من الأنبياء لتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر. والخلافة (١): النيابة عن الغير إما لغيبة المنوب عنه، وإما لموته، وإما لعجزه، وإما لتشريف المستخلف. وعلى هذا الوجه الأخير، استخلف الله أولياءه في الأرض، إذ الوجوه الأول محال في حق الله تعالى، فالخليفة عبارة عن الملك النافذ الحكم، وهو من كان طريقته وحكومته على طريقة النبي وحكومته، والسلطان أعم، والخلافة في خصوص مرتبة الإمامة أيضًا أعم.
والمعنى: استخلفناك على الملك في الأرض، والحكم فيما بين أهلها؛ أي: جعلناك أهل تصرف نافذ الحكم في الأرض، كمن يستخلفه بعض السلاطين
стр. 11098
على بعض البلاد، ويُملكه عليها، وكانت النبوة قبل داود في سبطه، والمُلك في سبط آخر، فأعطاهما الله تعالى داود ﵇، فكان يدبر أمر العباد بأمره تعالى، وفيه دليل بيّن على أن حاله ﵇، بعد التوبة، كما كان قبلها لم يتغير قط، بل زادت اصطفائيته كما قال في حق آدم ﵇: «ثم اجتباه ربه، فتاب عليه وهدى».
والمعنى (١): أي يا داود إنا استخلفناك في الأرض، وجعلناك نافذ الحكم بين الرعية، لك الملك والسلطان، وعليهم السمع والطاعة، لا يخالفون لك أمرًا، ولا يقيمون في وجهك عصا.
ثم ذكر ما يستتبع ذلك، فقال: ﴿فَاحْكُمْ﴾؛ أي: فافصل الخصومة الواقعة ﴿بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بالحكم العدل المنزل من عندي، والذي شرعته لعبادي لما فيه من المصلحة لهم في الدنيا والآخرة، وبه يكون الحاكم عادلًا لا جائرًا؛ لأن الأحكام (٢) إذا كانت مطابقة للشريعة الحقّية الإلهية، انتظمت مصالح العالم، واتسعت أبواب الخيرات على أحسن الوجوه، أما إذا كانت أحكام السلطان القاهر على وفق هواه، ولطلب مصالح دنياه عظم ضرره على الخلق، فإنه يجعل الرعية فداء لنفسه، وذلك يفضي إلى تخريب العالم، ووقوع الهرج والمرج في الخلق، وذلك يُفضي إلى هلاك الملك.
ثم أكد ما سلف بالنهي عن ضده، فقال: ﴿وَلا تَتَّبِعِ﴾ يا داود ﴿الْهَوى﴾؛ أي: ما تهواه النفس، وتشتهيه في الحكومات وغيرها من أمور الدين والدنيا، قال بعضهم: وهذا يؤيد ما قيل: إن ذنب داود الهم الذي هم به حين نظر إلى امرأة أوريا، وهو أن يجعلها تحت نكاحه، أو ما قيل: إن ذنبه المبادرة إلى تصديق المدعي، وتظليم الآخر قبل مسألته. وفي هذا إرشاد لما يقتضيه منصب النبوة، وتنبيه لمن هو دونه لسلوك هذا الطريق القويم.
ثم بين سوء عاقبة ذلك، فقال: ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بالنصب على أنه
стр. 11099
جواب النهي؛ أي: فيكون الهوى أو اتباعك للهوى سببًا لضلالك عن دلائله، التي نصبها على الحق تكوينًا وتشريعًا. قال بعضهم: ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى﴾؛ أي: ما يخطر لك في حكمك من غير وحي مني ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: عن الطريق الذي أوحي بها إلى رسل الله تعالى، انتهى.
فإن قلت (١): كيف يكون اتباع الهوى سببًا للضلال؟.
قلت: لأن الهوى يدعو إلى الاستغراق في اللذات الجسمانية، فيشغل عن طلب السعادات الروحانية، التي هي الباقيات الصالحات، فمن ضل عن سبيل الله، الذي هو اتباع الدلائل المنصوبة على الحق، أو اتباع الحق في الأمور، وقع في سبيل الشيطان، بل في حفرة النيران والحرمان.
ويجوز (٢) أن يكون الفعل في ﴿فَيُضِلَّكَ﴾ مجزومًا بالعطف على النهي، وإنما حرّك لالتقاء الساكنين، فعلى الوجه الأول أعني: النصب يكون المنهي عنه الجمع بينهما. وعلى الوجه الثاني، يكون النهي عن كل واحد منهما على حدة.
والمعنى (٣): أي فيكون اتباعك للهوى سببًا في الضلال عن الدلائل التي نُصبت، والأعلام التي وضعت للإرشاد، إلى سبل السلام بإصلاح حال المجتمع في دينه ودنياه. وتهذيبه حتى يسلك طريق الحق بينه وبين ربه، وبينه وبين الناس.
ثم بيّن غائلة الضلال، ووخامة عاقبته. فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ تعليل للنهي عن اتباع الهوى، والوقوع في الضلال ببيان غائلته، وإظهار ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في موضع الإضمار للإيذان بكمال شناعة الضلال عنه، كما سيأتي في مبحث البلاغة. ﴿لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾؛ أي: أليم والباء في ﴿بِما نَسُوا﴾ للسببية أو تعليلية. ومعنى النسيان: الترك. ﴿يَوْمَ الْحِسابِ﴾ مفعول لنسوا؛ أي: لهم عذاب أليم، بسبب نسيانهم يوم الحساب والمجازاة، وترك العمل له، قال الزجاج؛ أي: بتركهم العمل لذلك اليوم، صاروا بمنزلة الناسين، وإن كانوا ينذرون ويذكرون. وقال عكرمة، والسدي: في الآية تقديم، وتأخير، والتقدير:
стр. 11100
ولهم عذاب شديد يوم الحساب بما نسوا؛ أي: تركوا القضاء بالعدل، والأول أولى، ولما كان (١) الضلال عن سبيل الله مستلزما لنسيان يوم الحساب، كان كل منهما سببا، وعلة لثبوت العذاب الشديد. وتأدب مع داود؛ أي: وقَّره وعظَّمه حيث لم يُسند الضلال إليه بأن يقول: فلئن ضللت عن سبيلي، فلك عذاب شديد، لما هو مقتضى الظاهر، بل أسنده إلى الجماعة الغائبين، الذين داود ﵇، واحد منهم.
والمعنى: أي إن الذين يتركون الحق، ويضلون عن سبيل معالمه لهم، من الله العذاب الشديد يوم الحساب، لنسيانهم ما في ذلك اليوم من الأهوال، وأن الله سيحاسب كل نفس بما كسبت، فمن دسَّى نفسه، وسلك بها سبيل المعاصي .. فقد حق عليه العذاب، الذي كتبه على العاصين، جزاءً وفاقًا على أعمالهم التي كسبوها بأيديهم، فإن تذكر يوم الحساب يقتضي ملازمة الحق، ومخالفة الهوى.
الإعراب
﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ (٣) وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (٥)﴾.
﴿ص﴾ إن قلنا: إنه علم للسورة، ففيه سبعة أوجه من الإعراب، كما هو معلوم في أسماء التراجم. والأول منها: أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف، تقديره: هذه سورة ﴿ص﴾. والجملة الاسمية مستأنفة استئنافًا نحويًا. وإن قلنا: إنه من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه .. فليس موصوفًا بإعراب، ولا بناء؛ لأن الإعراب والبناء فرع عن إدراك المعنى، ومعناه غير معلوم لنا. ﴿وَالْقُرْآنِ﴾: ﴿الواو﴾: حرف جر وقسم. ﴿الْقُرْآنِ﴾: مقسم به، مجرور بواو القسم. ﴿ذِي