← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 11096–11135 · переход к 11101.

стр. 11096

عليه في ذلك الوقت، ومن تلك الجهة ابتلاء من الله تعالى، لأجل أن يغتالوه، فلم يقع ما كان قد ظنه، فاستغفر ربه من ذلك الظن، إذ لم يقع ما كان قد ظنه. ﴿وَخَرَّ﴾؛ أي: سقط داود حال كونه ﴿راكِعًا﴾؛ أي: ساجدًا على تسمية السجود ركوعًا؛ لأنه مبدؤه، لأنه لا يكون ساجدًا حتى يركع، وفي كل من الركوع والسجود التحني والخضوع، وبه (١) استشهد أبو حنيفة، وأصحابه في سجدة التلاوة، على أن الركوع يقوم مقام السجود، أو المعنى: خر للسجود راكعًا؛ أي: مصليًا إطلاقًا للجزء وإرادة للكل، كأنه أحرم بركعتي الاستغفار. والدليل على الأول؛ أي: على أن الركوع هاهنا بمعنى السجود، ما رواه ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ ، كان يقول في سجدة ص وسجدة الشكر: «اللهم اكتب لي عندك بها أجرًا، واجعلها لي عندك ذخرًا، وضع عني بها وزرًا، واقبلها مني كما قبلت من عبدك داود سجدته» وقيل (٢): بل كان ركوعهم سجودًا. وقيل: بل كان سجودهم ركوعًا. ﴿وَأَنابَ﴾؛ أي: ورجع داود إلى ربه؛ أي: رجوع بالتوبة من جميع المخالفات، التي هي الزلات، وما كان من قبيل ترك الأولى والأفضل. وعن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ سجد في ص، وقال: «سجدها داود توبة، ونسجدها شكرًا». وهذه السجدة (٣) من عزائم السجود عند أبي حنيفة، ومالك - رحمهما الله تعالى - وكل منهما على أصله. فأبو حنيفة يقول: هي واجبة، ومالك يقول: هي فضيلة، وعند الشافعي، وأحمد سجدة شكر، تستحب في غير الصلاة، فلو سجد بها في الصلاة بطلت عندهما، كما في «فتح الرحمن». ٢٥ - ثم أخبر سبحانه، أنه قبل استغفاره، وتوبته بقوله: ﴿فَغَفَرْنا لَهُ﴾؛ أي: لداود ﴿ذلِكَ﴾ الذنب الذي استغفر منه، وكان ذلك في شهر ذي الحجة، كما في «بحر العلوم». وروي: أنه ﵇، بقي في سجوده أربعين يومًا وليلة، لا يرفع

стр. 11097

رأسه إلا لصلاة مكتوبة، أو لما لا بد منه، ولا يرقأ دمعه، حتى نبت منه العشب حول رأسه، ولا يشرب ماء إلا ثلثاه دمع، وجهد نفسه راغبًا إلى الله في العفو عنه، حتى كاد يهلك، واشتغل بذلك عن الملك، حتى وثبت ابن له، يقال له: إيشا على ملكه، فاجتمع إليه أهل الزيغ من بني إسرائيل. فلما نزلت توبته بعد الأربعين، وغفر له حاربه، فهزمه، وقد قال نبينا ﷺ : «إذا بويع لخليفتين»؛ أي: لأحدهما أولًا، وللآخر بعده «فاقتلوا الآخر منهما». لأنه كالباغي. هذا إذا لم يندفع إلا بقتله. قال ابن الأنباري: الوقف على قوله: ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ﴾ تام، ثم يبتدىء الكلام بقوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ﴾؛ أي: لداود ﴿عِنْدَنا لَزُلْفى﴾؛ أي: لقربة وكرامة بعد المغفرة، كما وقع لآدم ﵇. ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾؛ أي: ومآبًا حسنًا؛ أي: مرجعًا طيبًا. هو الجنة. وفي «كشف الأسرار»: يعني الجنة هي مآب الأنبياء، والأولياء. ٢٦ - ولما تمم الله سبحانه، قصة داود، أردفها ببيان تفويض أمر خلافة الأرض إليه. والجملة مقولة لقول مقدر معطوف على ﴿غفرنا﴾؛ أي: فغفرنا له ذلك، وقلنا له: ﴿يا داوُدُ إِنَّا﴾ استخلفناك على الأرض أو ﴿جَعَلْناكَ خَلِيفَةً﴾ لمن قبلك من الأنبياء لتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر. والخلافة (١): النيابة عن الغير إما لغيبة المنوب عنه، وإما لموته، وإما لعجزه، وإما لتشريف المستخلف. وعلى هذا الوجه الأخير، استخلف الله أولياءه في الأرض، إذ الوجوه الأول محال في حق الله تعالى، فالخليفة عبارة عن الملك النافذ الحكم، وهو من كان طريقته وحكومته على طريقة النبي وحكومته، والسلطان أعم، والخلافة في خصوص مرتبة الإمامة أيضًا أعم. والمعنى: استخلفناك على الملك في الأرض، والحكم فيما بين أهلها؛ أي: جعلناك أهل تصرف نافذ الحكم في الأرض، كمن يستخلفه بعض السلاطين

стр. 11098

على بعض البلاد، ويُملكه عليها، وكانت النبوة قبل داود في سبطه، والمُلك في سبط آخر، فأعطاهما الله تعالى داود ﵇، فكان يدبر أمر العباد بأمره تعالى، وفيه دليل بيّن على أن حاله ﵇، بعد التوبة، كما كان قبلها لم يتغير قط، بل زادت اصطفائيته كما قال في حق آدم ﵇: «ثم اجتباه ربه، فتاب عليه وهدى». والمعنى (١): أي يا داود إنا استخلفناك في الأرض، وجعلناك نافذ الحكم بين الرعية، لك الملك والسلطان، وعليهم السمع والطاعة، لا يخالفون لك أمرًا، ولا يقيمون في وجهك عصا. ثم ذكر ما يستتبع ذلك، فقال: ﴿فَاحْكُمْ﴾؛ أي: فافصل الخصومة الواقعة ﴿بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بالحكم العدل المنزل من عندي، والذي شرعته لعبادي لما فيه من المصلحة لهم في الدنيا والآخرة، وبه يكون الحاكم عادلًا لا جائرًا؛ لأن الأحكام (٢) إذا كانت مطابقة للشريعة الحقّية الإلهية، انتظمت مصالح العالم، واتسعت أبواب الخيرات على أحسن الوجوه، أما إذا كانت أحكام السلطان القاهر على وفق هواه، ولطلب مصالح دنياه عظم ضرره على الخلق، فإنه يجعل الرعية فداء لنفسه، وذلك يفضي إلى تخريب العالم، ووقوع الهرج والمرج في الخلق، وذلك يُفضي إلى هلاك الملك. ثم أكد ما سلف بالنهي عن ضده، فقال: ﴿وَلا تَتَّبِعِ﴾ يا داود ﴿الْهَوى﴾؛ أي: ما تهواه النفس، وتشتهيه في الحكومات وغيرها من أمور الدين والدنيا، قال بعضهم: وهذا يؤيد ما قيل: إن ذنب داود الهم الذي هم به حين نظر إلى امرأة أوريا، وهو أن يجعلها تحت نكاحه، أو ما قيل: إن ذنبه المبادرة إلى تصديق المدعي، وتظليم الآخر قبل مسألته. وفي هذا إرشاد لما يقتضيه منصب النبوة، وتنبيه لمن هو دونه لسلوك هذا الطريق القويم. ثم بين سوء عاقبة ذلك، فقال: ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بالنصب على أنه

стр. 11099

جواب النهي؛ أي: فيكون الهوى أو اتباعك للهوى سببًا لضلالك عن دلائله، التي نصبها على الحق تكوينًا وتشريعًا. قال بعضهم: ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى﴾؛ أي: ما يخطر لك في حكمك من غير وحي مني ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: عن الطريق الذي أوحي بها إلى رسل الله تعالى، انتهى. فإن قلت (١): كيف يكون اتباع الهوى سببًا للضلال؟. قلت: لأن الهوى يدعو إلى الاستغراق في اللذات الجسمانية، فيشغل عن طلب السعادات الروحانية، التي هي الباقيات الصالحات، فمن ضل عن سبيل الله، الذي هو اتباع الدلائل المنصوبة على الحق، أو اتباع الحق في الأمور، وقع في سبيل الشيطان، بل في حفرة النيران والحرمان. ويجوز (٢) أن يكون الفعل في ﴿فَيُضِلَّكَ﴾ مجزومًا بالعطف على النهي، وإنما حرّك لالتقاء الساكنين، فعلى الوجه الأول أعني: النصب يكون المنهي عنه الجمع بينهما. وعلى الوجه الثاني، يكون النهي عن كل واحد منهما على حدة. والمعنى (٣): أي فيكون اتباعك للهوى سببًا في الضلال عن الدلائل التي نُصبت، والأعلام التي وضعت للإرشاد، إلى سبل السلام بإصلاح حال المجتمع في دينه ودنياه. وتهذيبه حتى يسلك طريق الحق بينه وبين ربه، وبينه وبين الناس. ثم بيّن غائلة الضلال، ووخامة عاقبته. فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ تعليل للنهي عن اتباع الهوى، والوقوع في الضلال ببيان غائلته، وإظهار ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في موضع الإضمار للإيذان بكمال شناعة الضلال عنه، كما سيأتي في مبحث البلاغة. ﴿لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾؛ أي: أليم والباء في ﴿بِما نَسُوا﴾ للسببية أو تعليلية. ومعنى النسيان: الترك. ﴿يَوْمَ الْحِسابِ﴾ مفعول لنسوا؛ أي: لهم عذاب أليم، بسبب نسيانهم يوم الحساب والمجازاة، وترك العمل له، قال الزجاج؛ أي: بتركهم العمل لذلك اليوم، صاروا بمنزلة الناسين، وإن كانوا ينذرون ويذكرون. وقال عكرمة، والسدي: في الآية تقديم، وتأخير، والتقدير:

стр. 11100

ولهم عذاب شديد يوم الحساب بما نسوا؛ أي: تركوا القضاء بالعدل، والأول أولى، ولما كان (١) الضلال عن سبيل الله مستلزما لنسيان يوم الحساب، كان كل منهما سببا، وعلة لثبوت العذاب الشديد. وتأدب مع داود؛ أي: وقَّره وعظَّمه حيث لم يُسند الضلال إليه بأن يقول: فلئن ضللت عن سبيلي، فلك عذاب شديد، لما هو مقتضى الظاهر، بل أسنده إلى الجماعة الغائبين، الذين داود ﵇، واحد منهم. والمعنى: أي إن الذين يتركون الحق، ويضلون عن سبيل معالمه لهم، من الله العذاب الشديد يوم الحساب، لنسيانهم ما في ذلك اليوم من الأهوال، وأن الله سيحاسب كل نفس بما كسبت، فمن دسَّى نفسه، وسلك بها سبيل المعاصي .. فقد حق عليه العذاب، الذي كتبه على العاصين، جزاءً وفاقًا على أعمالهم التي كسبوها بأيديهم، فإن تذكر يوم الحساب يقتضي ملازمة الحق، ومخالفة الهوى. الإعراب ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ (٣) وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (٥)﴾. ﴿ص﴾ إن قلنا: إنه علم للسورة، ففيه سبعة أوجه من الإعراب، كما هو معلوم في أسماء التراجم. والأول منها: أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف، تقديره: هذه سورة ﴿ص﴾. والجملة الاسمية مستأنفة استئنافًا نحويًا. وإن قلنا: إنه من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه .. فليس موصوفًا بإعراب، ولا بناء؛ لأن الإعراب والبناء فرع عن إدراك المعنى، ومعناه غير معلوم لنا. ﴿وَالْقُرْآنِ﴾: ﴿الواو﴾: حرف جر وقسم. ﴿الْقُرْآنِ﴾: مقسم به، مجرور بواو القسم. ﴿ذِي

стр. 11101

الذِّكْرِ﴾: صفة لـ ﴿الْقُرْآنِ﴾ مجرور بالياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، الجار والمجرور متعلق بفعل قسم، محذوف وجوبًا، تقديره: أقسم بالقرآن. وجوابه محذوف، قدّره الحوفيّ: لقد جاءكم الحق. وقال ابن عطية: تقديره: ما الأمر كما تزعمون يا أهل مكة، وقال الزمخشري: تقديره: إن هذا القرآن لمعجز. وجملة القسم مستأنفة. ﴿بَلِ﴾: حرف عطف وإضراب انتقالي، ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾: صلته. ﴿فِي عِزَّةٍ﴾: خبر المبتدأ. ﴿وَشِقاقٍ﴾: معطوف على ﴿عِزَّةٍ﴾. والجملة الاسمية معطوفة على جملة القسم. ﴿كَمْ﴾: خبرية، بمعنى عدد كثير، في محل النصب مفعول مقدم لـ ﴿أَهْلَكْنا﴾، ﴿أَهْلَكْنا﴾: فعل، وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿أَهْلَكْنا﴾ ﴿مِنْ قَرْنٍ﴾: تمييز ﴿كَمْ﴾ الخبرية، ﴿فَنادَوْا﴾: الفاء: عاطفة، ﴿نادوا﴾: فعل، وفاعل، والجملة معطوفة على ﴿أَهْلَكْنا﴾. ﴿وَلاتَ﴾: الواو حالية، ﴿لاتَ﴾: حرف نفي تعمل عمل ليس، ترفع الاسم وتنصب الخبر، واسمها محذوف، تقديره: ولات الحين ﴿حِينَ مَناصٍ﴾ خبرها منصوب. والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿نادوا﴾: والرابط مقدر تقديره: فنادوا بالفرار، والحال أنه ليس الحين حين فرار لهم. ﴿وَعَجِبُوا﴾: فعل، وفاعل، معطوف على نادوا، ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر، ﴿جاءَهُمْ﴾: فعل ماض في محل النصب بأن المصدرية، والهاء ضمير الغائبين في محل النصب مفعول به، ﴿مُنْذِرٌ﴾: فاعل جاء، ﴿مِنْهُمْ﴾ صفة ﴿مُنْذِرٌ﴾. وجملة ﴿جاءَهُمْ﴾: مع أن المصدرية في تأويل مصدر، مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: عجبوا من مجيء منذر منهم، والجار المحذوف متعلق بـ ﴿عَجِبُوا﴾. ﴿وَقالَ الْكافِرُونَ﴾: فعل، وفاعل، معطوف على ما قبله، ﴿هذا ساحِرٌ﴾: مبتدأ وخبر. ﴿كَذَّابٌ﴾: خبر ثان أو نعت لـ ﴿ساحِرٌ﴾. والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ﴾: الهمزة للاستفهام التعجبي؛ أي: تعجبوا من هذا الحصر؛ لأنهم قاسوا الغائب على الشاهد جهلًا منهم، وارتطامًا منهم بسوء الغفلة. ﴿جَعَلَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ . ﴿الْآلِهَةَ﴾ مفعول أول، ﴿إِلهًا﴾ مفعول ثان، ﴿واحِدًا﴾ صفة لـ ﴿إِلهًا﴾. والجملة الفعلية جملة إنشائية، لا محل لها من الإعراب. ﴿إِنَّ هذا﴾: ناصب واسمه.

стр. 11102

﴿لَشَيْءٌ﴾: اللام حرف ابتداء. ﴿شيء﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾، ﴿عُجابٌ﴾: صفة ﴿شيء﴾. وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل التعجب المفهوم مما قبلها. ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ (٦) ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ (٨)﴾. ﴿وَانْطَلَقَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿انْطَلَقَ الْمَلَأُ﴾: فعل، وفاعل، ﴿مِنْهُمْ﴾: حال من الملأ، والجملة الفعلية مستأنفة، مسوقة لتقرير تآمرهم بعد انصرافهم، من مجلس اجتماعهم عند أبي طالب. ﴿أَنِ﴾: مصدرية؛ أي: بأن امشوا، وعند إضمار القول تسقط ﴿أَنِ﴾. أو مفسرة لانطلقوا؛ لأنه متضمن معنى القول. ﴿امْشُوا﴾: فعل أمر، وفاعل في محل النصب بأن المصدرية، وأن المصدرية مع مدخولها منصوبة بنزع الخافض، المتعلق بقول محذوف؛ أي: وانطلق الملأ منهم قائلين: بأن امشوا، أو انطلق الملأ منهم قائلين: ﴿امْشُوا﴾. ﴿وَاصْبِرُوا﴾: فعل، وفاعل، معطوف على ﴿امْشُوا﴾، ﴿عَلى آلِهَتِكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿اصْبِرُوا﴾، ﴿إِنَّ هذا﴾: ناصب واسمه ﴿لَشَيْءٌ﴾: خبره، واللام: حرف ابتداء، وجملة ﴿أَنِ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل الأمر بالصبر، وجملة ﴿يُرادُ﴾: صفة ﴿لَشَيْءٌ﴾، ﴿ما﴾: نافية، ﴿سَمِعْنا﴾: فعل، وفاعل، ﴿بِهذا﴾: متعلق بـ ﴿سَمِعْنا﴾، والإشارة إلى التوحيد الذي يدعو إليه محمد ﷺ . ﴿فِي الْمِلَّةِ﴾: جار ومجرور، حال من اسم الإشارة، ﴿الْآخِرَةِ﴾: نعت لـ ﴿الْمِلَّةِ﴾، والمراد بها: ملة عيسى. ﴿إِنْ﴾: نافية، ﴿هذا﴾: مبتدأ، إِلَّا: أداة حصر، ﴿اخْتِلاقٌ﴾: خبر لهذا؛ أي: افتعال ومحض كذب. والجملة مستأنفة. ﴿أَأُنْزِلَ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري، ﴿أُنْزِلَ﴾: فعل ماض مبني للمجهول، ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿أُنْزِلَ﴾، ﴿الذِّكْرُ﴾: نائب فاعل، والجملة مستأنفة. ﴿مِنْ بَيْنِنا﴾: جار ومجرور، حال من ضمير عليه، ﴿بَلْ﴾: حرف إضراب انتقالي عن مقدر، فكأنه قال: إنكارهم للذكر ليس عن علم، بل هم في شك. ﴿هُمْ﴾ مبتدأ. ﴿فِي شَكٍّ﴾: خبره. والجملة جملة إضرابية، لا محل لها من الإعراب، أو معطوفة على ذلك المقدر. ﴿مِنْ ذِكْرِي﴾: متعلق بـ ﴿شَكٍّ﴾، ﴿بَلْ﴾: حرف للإضراب الانتقالي أيضًا. ﴿لَمَّا﴾: حرف نفي وجزم بمعنى: لم،

стр. 11103

﴿يَذُوقُوا﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لَمَّا﴾، والواو فاعل، و ﴿عَذابِ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، المحذوفة لمراعاة الفواصل، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان سبب شكهم؛ أي: سببه أنهم لم يذوقوا العذاب، ولو ذاقوه لأيقنوا بالقرآن، وآمنوا به. ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ (١٠) جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ (١١)﴾. ﴿أَمْ﴾: حرف عطف منقطعة بمعنى: بل الإضرابية، وهمزة الاستفهام الإنكاري، ﴿عِنْدَهُمْ﴾: خبر مقدم، ﴿خَزائِنُ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾: مضاف إليه، ﴿الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾: صفتان لـ ﴿رَبِّكَ﴾. والجملة جملة إنشائية، معطوفة على الجمل التي قبلها أو مستأنفة. ﴿أَمْ﴾: حرف عطف منقطعة بمعنى: بل، وهمزة الاستفهام أيضًا، ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم، ﴿مُلْكُ السَّماواتِ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّماواتِ﴾. ﴿وَما﴾: معطوف عليه أيضًا، ﴿بَيْنَهُما﴾: ظرف صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة. والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿فَلْيَرْتَقُوا﴾: الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إن زعموا ذلك، وأردت تبكيتهم، فقل لهم: ارتقوا في الأسباب؛ أي: اصعدوا في المعارج الموصلة إلى العرش حتى تستووا عليه. واللّام: لام الأمر، ﴿يرتقوا﴾: فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، والواو فاعل، ﴿فِي الْأَسْبابِ﴾: متعلق بـ ﴿يرتقوا﴾. والجملة في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿جُنْدٌ﴾: خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هم جند، ﴿ما﴾: نكرة تامة، صفة أولى لجند على سبيل التحقير؛ أي: هم جند حقير. فإن ﴿ما﴾ إذا كانت صفة تستعمل للتعظيم أو التحقير، والثاني هو المراد هنا، ولك أن تعربها زائدة. ﴿هُنالِكَ﴾ ﴿هنا﴾: اسم إشارة يشار به إلى المكان في محل النصب على الظرفية المكانية، مبني على السكون، لشبهه بالحرف شبهًا معنويًا، و ﴿اللام﴾: لبعد المشار إليه، والكاف حرف دال على الخطاب، والظرف متعلق بـ ﴿مَهْزُومٌ﴾، و ﴿مَهْزُومٌ﴾: صفة ثانية لـ ﴿جُنْدٌ﴾، ﴿مِنَ الْأَحْزابِ﴾: صفة ثالثة لـ ﴿جُنْدٌ﴾؛ أي: هم جند حقير مهزوم هنالك؛ أي: في مكة يوم الفتح، أو في بدر كائن من الأحزاب المتحزبة

стр. 11104

على محاربة رسول الله ﷺ . والجملة الاسمية مستأنفة، مسوقة لبيان عاقبتهم. واختلف المعربون في إعراب هذه الآية اختلافًا كثيرًا؛ لأنها تحتمل عدة أوجه، ذكرنا أهمها، وأوضحها، وأسهلها على المبتدىء خوف الإطالة. ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ (١٤) وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ (١٥)﴾. ﴿كَذَّبَتْ﴾: فعل ماض، ﴿قَبْلَهُمْ﴾: ظرف متعلق به. ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾: فاعل. ﴿وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ﴾: معطوفان عليه. ﴿ذُو الْأَوْتادِ﴾: صفة لـ ﴿فِرْعَوْنُ﴾، مرفوع بالواو المحذوفة، لالتقاء الساكنين. والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير أحوال الطغاة، وبيان مصائر العتاة. ﴿وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ﴾: معطوفات أيضًا على ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾. ﴿أُولئِكَ﴾: مبتدأ، ﴿الْأَحْزابُ﴾: خبره، والجملة الاسمية في محل الرفع، بدل من الفاعل، وما عطف عليه، ولك أن تجعل اسم الإشارة بدلًا مما قبله، و ﴿الْأَحْزابُ﴾: بدل منه. ﴿إِنْ﴾: نافية، لا عمل لها لانتقاض النفي بإلا، ﴿كُلٌّ﴾: مبتدأ، ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر، ﴿كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾: فعل ماض، وفاعل يعود على كل، ومفعول به. والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة. ﴿فَحَقَّ﴾: الفاء: عاطفة، ﴿حق﴾: فعل ماض، ﴿عِقَابِ﴾: فاعله مرفوع، وعلامة رفعه، الضمة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة، لمراعاة الفواصل، والجملة معطوفة على جملة ﴿كَذَّبَ﴾. ﴿وَما﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿ما﴾: نافية، ﴿يَنْظُرُ هؤُلاءِ﴾: فعل، وفاعل. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر، ﴿صَيْحَةً﴾: مفعول به، ﴿واحِدَةً﴾ صفة لـ ﴿صَيْحَةً﴾. والجملة مستأنفة: مسوقة لتقرير عقاب كفار مكة، بعد بيان عقاب من سبقوهم في الغواية. ﴿ما﴾: نافية حجازية أو تميمية، ﴿لَهَا﴾: خبر مقدم، ﴿مِنْ﴾: حرف جر زائد. ﴿فَواقٍ﴾: اسم ما مؤخر أو مبتدأ مؤخر. والجملة الاسمية في محل النصب، صفة الثانية لـ ﴿صَيْحَةً﴾. ﴿وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ (١٦) اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً

стр. 11105

كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ (٢٠)﴾. ﴿وَقالُوا﴾: فعل، وفاعل، والجملة مستأنفة مسوقة لسرد أنماط من تمحلهم واستهزائهم، بعد أن نزل قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ ...﴾ الآية. ﴿رَبَّنا﴾: منادى مضاف، حذف منه حرف النداء، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾. ﴿عَجِّلْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على الله ﴿لَنا﴾ متعلقان به. ﴿قِطَّنا﴾: مفعول به، ﴿قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿عَجِّلْ﴾. والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾: على كونها جواب النداء. ﴿اصْبِرْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ، والجملة مستأنفة. ﴿عَلى ما﴾: متعلق بـ ﴿اصْبِرْ﴾، وجملة ﴿يَقُولُونَ﴾: صلة لما الموصولة، والعائد محذوف؛ أي: على ما يقولونه. ﴿وَاذْكُرْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ، والجملة معطوفة على جملة ﴿اصْبِرْ﴾. ﴿عَبْدَنا﴾ مفعول به. ﴿داوُدَ﴾: بدل من عبدنا، ﴿ذَا الْأَيْدِ﴾: صفة لـ ﴿داوُدَ﴾، ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾: ناصب واسمه، وخبره، وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل كونه من أصحاب الأيد. ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، ﴿سَخَّرْنَا الْجِبالَ﴾: فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل قوته في الدين، وكونه رجاعًا إلى مرضاته تعالى، ﴿مَعَهُ﴾: حال من الجبال، أو متعلق بـ ﴿يُسَبِّحْنَ﴾، ﴿يُسَبِّحْنَ﴾: فعل، وفاعل، والمفعول محذوف لعلمه؛ أي: يسبحن الله تعالى، والجملة الفعلية في محل النصب حال من الجبال. ﴿بِالْعَشِيِّ﴾: متعلق بـ ﴿يُسَبِّحْنَ﴾، ﴿وَالْإِشْراقِ﴾: معطوف على ﴿العشي﴾، ﴿وَالطَّيْرَ﴾: معطوف على الجبال، أو مفعول به لفعل محذوف، دل عليه ما قبله؛ أي: سخرنا الطير معه، ﴿مَحْشُورَةً﴾: حال من الطير، ﴿كُلٌّ﴾: مبتدأ، وسوّغ الابتداء به لما فيه من معنى العموم، ﴿لَهُ﴾: متعلق بـ ﴿أَوَّابٌ﴾، و ﴿أَوَّابٌ﴾: خبر ﴿كُلٌّ﴾. والجملة مستأنفة مسوقة لتأكيد ما قبلها. ﴿وَشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾: فعل، وفاعل، ومفعول به، معطوف على ﴿سَخَّرْنَا﴾، ﴿وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ﴾: فعل، وفاعل، ومفعولان، معطوف على سخرنا أيضًا، ﴿وَفَصْلَ الْخِطابِ﴾: معطوف على الحكمة.

стр. 11106

﴿وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ (٢٢)﴾. ﴿وَهَلْ أَتاكَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿هَلْ﴾: حرف استفهام للاستفهام التعجبي، ﴿أَتاكَ﴾: فعل ماض، ومفعول به، ﴿نَبَأُ الْخَصْمِ﴾: فاعل، ومضاف إليه. والجملة مستأنفة. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، مجرد عن معنى الشرط، متعلق بمضاف محذوف تقديره: نبأ تخاصم الخصم إلى داود وقت تسورهم المحراب، ﴿تَسَوَّرُوا﴾: فعل، وفاعل، ﴿الْمِحْرابَ﴾: مفعول به. والجملة في محل الجر مضاف لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿إِذْ﴾: بدل من ﴿إِذْ﴾: الأولى، وجملة ﴿دَخَلُوا﴾: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾، ﴿عَلى داوُدَ﴾: متعلق بـ ﴿دَخَلُوا﴾، ﴿فَفَزِعَ﴾: الفاء: عاطفة، ﴿فزع﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على داود، ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿فزع﴾. والجملة في محل الجر، معطوفة على جملة ﴿دَخَلُوا﴾. ﴿قالُوا﴾: فعل، وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَخَفْ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود ﴿عَلى داوُدَ﴾. والجملة في محل النصب مقول قالوا. ﴿خَصْمانِ﴾: خبر لمبتدأ محذوف تقديره: نحن خصمان، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾. ﴿بَغى بَعْضُنا﴾: فعل، وفاعل، ﴿عَلى بَعْضٍ﴾: متعلق بـ ﴿بَغى﴾. والجملة الفعلية في محل الرفع صفة خصمان. ﴿فَاحْكُمْ﴾: الفاء: الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت نحن خصمان، وأردت النصيحة لنا .. فأقول لك احكم. ﴿احكم﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على ﴿داوُدَ﴾، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿بَيْنَنا﴾: ظرف مضاف، متعلق بـ ﴿احكم﴾، ﴿بِالْحَقِّ﴾: متعلق بـ ﴿احكم﴾: أو حال من فاعل ﴿احكم﴾، ﴿وَلا تُشْطِطْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لا﴾: ناهية جازمة، ﴿تُشْطِطْ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على ﴿داوُدَ﴾. والجملة معطوفة على جملة ﴿احكم﴾، مؤكدة لها. ﴿وَاهْدِنا﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر، ومفعول به، معطوف على ﴿احكم﴾، ﴿إِلى سَواءِ الصِّراطِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿اهْدِنا﴾.

стр. 11107

﴿إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ (٢٣) قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ﴾. ﴿إِنَّ هَذَا﴾ ناصب واسمه ﴿أَخِي﴾ بدل من هذا، أو خبر ﴿إِنَّ﴾، ﴿لَهُ﴾: خبر مقدم، ﴿تِسْعٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الابتدائية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾ أو خبر ثان لها، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لبيان الخصومة على كونها، مقولًا لجواب إذا المقدرة. ﴿وَتِسْعُونَ﴾: معطوف على تسع، ﴿نَعْجَةً﴾: تمييز للعدد قبله منصوب به، ﴿وَلِيَ﴾: خبر مقدم، ﴿نَعْجَةً﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿واحِدَةٌ﴾ صفة ﴿نَعْجَةً﴾. والجملة معطوفة على جملة ﴿إِنَّ﴾. ﴿فَقالَ﴾: الفاء: عاطفة، ﴿قال﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على الأخ. والجملة الفعلية في محل الرفع معطوفة على خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿أَكْفِلْنِيها﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على الأخ، ونون وقاية، ومفعولان. والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿وَعَزَّنِي﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿عَزَّنِي﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على الأخ، ونون وقاية، ومفعول به، ﴿فِي الْخِطابِ﴾: متعلق بـ ﴿عَزَّنِي﴾. والجملة معطوفة على جملة «قال». ﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على داود. والجملة مستأنفة. ﴿لَقَدْ﴾: اللام: موطئة للقسم، ﴿قد﴾: حرف تحقيق، ﴿ظَلَمَكَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على الأخ، ومفعول به، والجملة جواب القسم، وجملة القسم في محل النصب، مقول قال. ﴿بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿ظَلَمَكَ﴾، ﴿إِلى نِعاجِهِ﴾: جار ومجرور، متعلق بمحذوف تقديره: ليضمها إلى نعاجه. ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعًا وَأَنابَ (٢٤) فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥)﴾. ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إِنَّ كَثِيرًا﴾: ناصب واسمه، ﴿مِنَ الْخُلَطاءِ﴾: صفة لـ ﴿كَثِيرًا﴾، ﴿لَيَبْغِي﴾: اللام: حرف ابتداء، ﴿يبغي بعضهم﴾: فعل، وفاعل، ﴿عَلى بَعْضٍ﴾: متعلق بـ ﴿يبغي﴾. والجملة الفعلية في محل الرفع خبر

стр. 11108

﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ معطوفة على جملة جواب القسم. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء، ﴿الَّذِينَ﴾: مستثنى متصل من الخلطاء، في محل النصب على الاستثناء، مبني على الفتح، ﴿آمَنُوا﴾: فعل، وفاعل صلة الموصول، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ﴾: فعل، وفاعل، ومفعول به، معطوف على ﴿آمَنُوا﴾، ﴿وَقَلِيلٌ﴾ ﴿الواو﴾: حالية، ﴿قَلِيلٌ﴾: خبر مقدم، ﴿ما﴾: زائدة لتأكيد القلة، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ مؤخر. والجملة في محل النصب حال من المستثنى. ﴿وَظَنَّ داوُدُ﴾: فعل، وفاعل، والجملة معطوفة على محذوف تقديره: قال الملكان: قضى الرجل على نفسه، فتنبه وظن داود ﴿أَنَّما﴾: ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب ومصدر، ولكنها كفت عن العمل بما، ﴿ما﴾: كافة لكفها، ما قبلها عن العمل فيما بعدها. ﴿فَتَنَّاهُ﴾: فعل، وفاعل، ومفعول به، وجملة ﴿أنما﴾ مع مدخولها في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ﴿ظَنَّ﴾؛ أي: فتنتنا إياه. ﴿فَاسْتَغْفَرَ﴾ الفاء: عاطفة، ﴿استغفر﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على داود، ﴿رَبَّهُ﴾: مفعول به. والجملة معطوفة على جملة ﴿ظَنَّ﴾. ﴿وَخَرَّ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر، معطوف على ﴿استغفر﴾، ﴿راكِعًا﴾: حال من فاعل خر، ﴿وَأَنابَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر، معطوف على خر، ﴿فَغَفَرْنا﴾: فعل، وفاعل، معطوف على استغفر، ﴿لَهُ﴾: متعلق بـ ﴿غفرنا﴾، ﴿ذلِكَ﴾: مفعول به. ﴿وَإِنَّ لَهُ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب، ﴿لَهُ﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾: مقدم على اسمها، ﴿عِنْدَنا﴾: ظرف متعلق بمحذوف حال من زلفى، ﴿لَزُلْفى﴾: اللام حرف ابتداء، ﴿زلفى﴾: اسم ﴿إِنَّ﴾: مؤخر، والتقدير: وإنّ زلفى عندنا لكائن له، ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾: معطوف على زلفى. وجملة ﴿إِنَّ﴾ معطوفة على جملة ﴿غفرنا﴾: عطف اسمية على فعلية. ﴿يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ﴾. ﴿يا داوُدُ﴾: منادى مفرد العلم، وجملة النداء مستأنفة. ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، ﴿جَعَلْناكَ﴾: فعل، وفاعل، ومفعول به أول، ﴿خَلِيفَةً﴾: مفعول ثان، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ صفة لـ ﴿خَلِيفَةً﴾. والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾،

стр. 11109

وجملة ﴿إن﴾: جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿فَاحْكُمْ﴾ الفاء: فاء الفصيحة، لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدم تقديره: إذا عرفت، جعلنا إياك خليفة في الأرض، وأردت بيان ما هو اللازم لك .. فأقول لك: احكم بين الناس. ﴿احكم﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ، ﴿بَيْنَ النَّاسِ﴾: متعلق بـ ﴿احكم﴾، ﴿بِالْحَقِّ﴾: حال من فاعل ﴿احكم﴾. والجملة الفعلية في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لا﴾: ناهية جازمة، ﴿تَتَّبِعِ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر مجزوم بلا الناهية، ﴿الْهَوى﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿احكم﴾. ﴿فَيُضِلَّكَ﴾ الفاء: عاطفة سببية، ﴿يضلك﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الهوى، ومفعول به، منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد الفاء السببية الواقعة في جواب النهي، ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿يضلك﴾. والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر، معطوف على مصدر متصيد من الجملة التي قبلها، من غير سابك، لإصلاح المعنى، تقديره: لا يكن اتباعك الهوى فإضلاله الناس عن سبيل الله. ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: ناصب واسمه، ﴿يَضِلُّونَ﴾: فعل، وفاعل صلة الموصول، ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَضِلُّونَ﴾، ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم. ﴿عَذابٌ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿شَدِيدٌ﴾: صفة ﴿عَذابٌ﴾، والجملة الاسمية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة، مسوقة لتعليل النهي عن اتباع الهوى. ﴿بِما﴾: الباء: حرف جر وسبب، ﴿ما﴾: مصدرية، ﴿نَسُوا﴾: فعل ماض، وفاعل، ﴿يَوْمَ الْحِسابِ﴾: مفعول به. والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾: المصدرية، ﴿ما﴾: مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالباء، تقديره: بسبب نسيانهم يوم الحساب، الجار والمجرور متعلق بالاستقرار الذي تعلق به خبر المبتدأ أعني قوله: ﴿لَهُمْ﴾. التصريف ومفردات اللغة ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ والذكر: الشرف، والنباهة، أو الذكرى والموعظة، أو ذكر ما يحتاج إليه في أمر الدين، من الشرائع والأحكام وغيرها، من أقاصيص الأنبياء،

стр. 11110

وأخبار الأمم الماضية، والوعد، والوعيد، اهـ. ﴿فِي عِزَّةٍ﴾: قال الراغب: العزة: حالة مانعة للإنسان من أن يغلب ويمدح بالعزة تارة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ لأنها الدائمة الباقية، وهي العزة الحقيقية، ويذم بها أخرى، كما في قوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (٢)﴾؛ لأن العزة التي هي التعزز والاستكبار، وهي في الحقيقة ذل، وقد تستعار للحمية، والأنفة المذمومة، وذلك في قوله تعالى: ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾. انتهى. ﴿وَشِقاقٍ﴾؛ أي: مخالفة لله ولرسوله، وعداوة لهما من قولهم: فلان في شق صاحبه. ﴿مِنْ قَرْنٍ﴾ والقرن: القوم المقترنون في زمن واحد. ﴿وَلاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ في «الوسيط»: والمناص: المنجأ؛ أي: النجاة والفوت عن الخصم، على أنه مفعل من ناصه ينوصه إذا فاته، أريد به: المصدر، ويقال: ناص ينوص؛ أي: هرب، ويقال؛ أي: تأخر. ومنه: ناص قرنه؛ أي: تأخر عنه حينًا. وفي «المفردات»: ناص إلى كذا التجأ إليه، وناص عنه تنحى ينوص نوصا، والمناص: الملجأ، انتهى. وفي «المختار»: النوص: التأخر. يقال: ناص عن قرنه؛ أي: فر وراغ، وبابه قال: ومناصًا أيضًا. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلاتَ حِينَ مَناصٍ﴾؛ أي: ليس وقت تأخر وفرار. والمناص أيضًا: المنحى، والمفر، اهـ. وقال النحاس: ويقال: ناص ينوص إذا تقدم، فعلى هذا يكون من الأضداد، اهـ «قرطبي». وأما لاتَ فأصلها: لا، النافية، ثم زيدت عليها التاء لتأنيث اللفظ، أو للمبالغة في معناه، وخصت بنفي الأحيان، وزيادة التاء هنا أحسن منها، في ثُمَّت، ورُبَّت. لأن ﴿لا﴾ محمولة على ليس، وليس تتصل بها التاء، ومن ثم لم تتصل بلا المحمولة على ﴿إن﴾. وهي كلمتان عند الجمهور ﴿لا﴾: النافية، وتاء التأنيث. وحركت لالتقاء الساكنين. ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ﴾ جمع إله، وحقه أن لا يجمع، إذ لا معبود في الحقيقة سواه تعالى، لكن العرب لاعتقادهم أن هاهنا معبودات جمعوه، فقالوا: آلهة، ﴿لَشَيْءٌ

стр. 11111

عُجابٌ﴾ العجاب بمعنى: العجيب. وهو الأمر الذي يتعجب منه كالعجب، إلا أن العجيب أبلغ منه، والعجاب بالتشديد، أبلغ من العجاب بالتخفيف. مثل: كبار في قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢)﴾، فإنه أبلغ من الكبار بالتخفيف. والمعنى: بليغ في العجب. ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾ الانطلاق: الذهاب. والملأ: الأشراف لا مطلق الجماعة. ويقال لهم: ملأ، لأنهم إذا حضروا مجلسا، ملأت العيون وجاهتهم، والقلوب مهابتهم. فائدة: جميع القراء يكسرون النون في الوصل، من أن امشوا والهمزة في الابتداء من امشوا، اهـ خطيب. ﴿فِي الْمِلَّةِ﴾ والملة كالدين: اسم لما شرع الله لعباده، على ألسنة الأنبياء، ليتوصلوا به إلى ثواب الله وجواره. فإطلاق كل منهما في طريقة المشركين مجاز، مبني على التشبيه. ﴿خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ والخزائن: جمع خزانة، بكسر الخاء بمعنى: المخزن كما مر. ﴿فِي الْأَسْبابِ﴾ جمع سبب. قال الراغب: السبب: الحبل الذي يصعد به النخل، وسمي كل ما يتوصل به إلى شيء سببًا، انتهى. والمعنى: فليصعدوا في المعارج والطرق، التي يتوصل بها إلى الاستيلاء على العرش، قاله مجاهد، وقتادة، وقيل: المراد بالأسباب: السموات، لأنها أسباب الحوادث السفلية. وقيل: أبوابها، انتهى «أبو السعود». ﴿جُنْدٌ﴾ الجند: العسكر المعد للحرب. ﴿مَهْزُومٌ﴾ والهزم: الكسر، يقال: هزم العدو كسرهم، وغلبهم، والاسم الهزيمة، وهزمه يهزمه فانهزم غمزه بيده، فصارت فيه حفرة، كما في «القاموس». ﴿مِنَ الْأَحْزابِ﴾ جمع حزب، والحزب: جماعة فيه غلظ، كما في «المفردات». وهم المجتمعون لإيذاء محمد ﷺ ، وكسر شوكته، وإبطال دينه. ﴿ذُو الْأَوْتادِ﴾ جمع وتد محركة، وبكسر التاء، وهو ما غرز في الأرض أو الحائط من خشب. يقال: وتد يتد، من باب وعد إذا دق، وغرز الوتد في

стр. 11112

الأرض أو في الحائط، وفيه لغات: فتح الواو، وكسر التاء وهي الفصحى، وبفتحتين، وود بإدغام التاء في الدال، بوزن وج، اهـ «سمين». وفي «المصباح»: الوتد بكسر التاء، في لغة أهل الحجاز، وهي الفصحى، وجمعه أوتاد، وفتح التاء لغة، وأهل نجد يسكنون التاء، فيدغمون بعد القلب فيبقى ود، ووتدت الوتد أتده وتدا، من باب وعد أثبته بحائط أو بالأرض، وأوتدته بالألف لغة، انتهى. ﴿وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ﴾ قال الراغب: الأيك: شجر ملتف، وأصحاب الأيكة؛ أي: الغيضة، قيل: نسبوا إلى غيضة كانوا يسكنونها، وقيل: اسم بلد، كما في «المفردات»، وهم قوم شعيب، كما مر. ﴿مَا لَها مِنْ فَواقٍ﴾ والفواق، بالضم: كغراب، ويُفتح كما في «القاموس»: ما بين حلبتي الحالب من الوقت، ورضعتي الرضيع من أفاق المريض إذا رجع إلى صحته، وأفاقت الناقة ساعة ليرجع اللبن إلى ضرعها، يقال: أفاقت الناقة تفيق إفاقة، رجعت، واجتمعت الفيقة في ضرعها. والفيقة: اللبن الذي يجتمع في الضرع بين الحلبتين، ويجمع على أفواق، وأما أفاويق فجمع الجمع، ويقال: ناقة مفيق ومفيقة، وقيل: ﴿فَواقٍ﴾ بالفتح: الإفاقة، والاستراحة كالجواب من أجاب، قاله المؤرخان: السدوسي، والفراء، ومن المفسرين: ابن زيد، والسدي. وأما المضمون فاسم لا مصدر. والمشهور: أنهما بمعنى واحد مقصاص الشعر وقصاصه، اهـ «سمين». وفي «المختار»: الفواق: الزمن الذي بين الحلبتين؛ لأنها تحلب ثم تترك ساعة يرضعها الفصيل لتدر ثم تحلب، يقال: ما أقام عنده إلا فواقًا. وفي الحديث: «العيادة قدر فواق ناقة». وقوله تعالى: ﴿مِنْ فَواقٍ﴾ يقرأ بالفتح، والضم؛ أي: ما لها من نظرة، وراحة، وإفاقة، اهـ. ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾؛ أي: نصيبنا، وحظنا. والقط: القطعة من الشيء، من قط الشيء إذا قطعه، ومنه: قط القلم، والمعنى: قطعة مما وعدتنا به، ولهذا يطلق على الصحيفة والصك قط، لأنها قطعتان يقطعان، وقيل للجائزة أيضًا: قط، لأنها قطعة من العطية، ويجمع على قطوط مثل: حمل وحمول، وعلى قططة مثل: قرد وقردة، وفي القلة: على أقططة وأقطاط مثل: قدح وأقدحة وأقداح، اهـ

стр. 11113

«سمين». قال الراغب: أصل القط: الشيء المقطوع عرضًا، كما أن القد هو المقطوع طولًا. ﴿ذَا الْأَيْدِ﴾ الأيد بوزن البيع، مفرد. وهو مصدر، وليس جمع يد. وفي المصباح: آد الرجل يئيد أيدًا وإيادًا بكسر الهمزة مثل: باع يبيع بيعًا، إذا اشتد وقوي، فهو أيد بوزن سيد وهين، ومنه قولهم: أيدك الله تأييدًا اهـ «مصباح». ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ من الأوب. وهو الرجوع؛ أي: رجاع إلى الله، ومرضاته، من قولهم: آب إذا رجع. قال عبيد بن الأبرص: وَكُلُّ ذِيْ غَيْبَةٍ يَؤُوْبُ ... وَغَائِبُ الْمَوْتِ لا يَؤُوْبُ ﴿وَالطَّيْرَ﴾ جمع طائر، كركب وراكب، وهو كل ذي جناح يسبح في الهواء. ﴿هَلْ أَتاكَ﴾ ﴿هَلْ﴾ هنا كلمة يراد منها: التعجيب، والتشويق إلى سماع ما يرد بعدها. ﴿نَبَأُ الْخَصْمِ﴾ والنبأ: الخبر العظيم الشأن. والخصم: جماعة المخاصمين، ويستعمل للمفرد والجمع مذكرًا ومؤنثًا. قال الشاعر: وخصم عضاب ينفضون لحاهم ... كنفض البراذين العراب المخاليا ﴿تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ﴾؛ أي: قصدوا سوره، ونزلوا من أعلاه. والسور: الحائط المرتفع. وجمع الضمير في ﴿تَسَوَّرُوا﴾؛ لأن الخصم بمعنى المخاصم، والمنازع، وقد يقع للاثنين، والجمع، والمؤنث، فيقال: هما خصم، وهم خصم، وهي خصم؛ لأنه مصدر في أصله، وقد تقدم له نظير، وهو ضيف في قوله: ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ﴾. والمحراب: الغرفة التي كان يتعبد فيها، ويشتغل بطاعة ربه. ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾ والفزع: انقباض، ونفار يعتري الإنسان من الشيء المخيف. وهو من جنس الجزع. ولا يقال: فزعت من الله كما يقال: خفت منه. ﴿وَلا تُشْطِطْ﴾؛ أي: ولا تجر. وهو بضم التاء، وسكون الشين، وكسر الطاء الأولى من أشطط يشطط إذا تجاوز الحد. قال أبو عبيدة: شططت في الحكم، وأشططت فيه إذا جرت فيه. فهو مما اتفق فيه فعل وأفعل. ﴿نَعْجَةً﴾ النعجة

стр. 11114

الأنثى من المعز، وقد يكنى بها عن المرأة. ﴿أَكْفِلْنِيها﴾؛ أي: اجعلني كافلها، والمراد: ملكنيها. وفي «المختار»: كفل عنه بالمال لغريمه، وأكفله المال ضمنه إياه، وكفله إياه بالتخفيف، فكفل هو من باب نصر ودخل، وكفّله إياه تكفيلًا مثله. ﴿وَعَزَّنِي﴾؛ أي: وغلبني. وفي المثل: من عز بز، أي: من غلب سلب. وفي «المختار»: وعز عليه غلبه، وبابه: رد، والاسم: العزة، وهي الغلبة، والقوة. وعزه في الخطاب، وعازه؛ أي: غلبه. ﴿فِي الْخِطابِ﴾؛ أي: في مخاطبته إياي، ومحاجته. إذ قد أتى بحجاج لم أستطع رده، الخلطاء الشركاء خلطوا أمر الواحد خلطا، وأوردت معاجم اللغة للخليط عدة معان. منها: المخالط، والمشارك، والقوم الذين أمرهم واحد، والزوج، والجار والصاحب، وخليط الرجل مخالطه، كالجليس بمعنى المجالس. ﴿فَتَنَّاهُ﴾؛ أي: ابتليناه. ﴿خَرَّ﴾؛ أي: سقط. ﴿راكِعًا﴾؛ أي: ساجدًا قال الشاعر: فَخَرَّ عَلَى وَجْهِهِ رَاكِعَا ... وَتَابَ إِلَى اللهِ مِنْ كُلِّ ذَنْبْ ﴿وَأَنابَ﴾؛ أي: رجع إلى ربه. والزلفى: القرب من الله، والإزلاف: التقريب والازدلاف: الاقتراب، ومنه: سميت المزدلفة لقربها من الموقف. اهـ من «الروح». البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾؛ لأن القرن حقيقة في مئة عام مثلًا، والإهلاك لأهله، ففيه إطلاق الظرف وإرادة المظروف. ومنها: وضع الظاهر موضع المضمر في قوله: ﴿وَقالَ الْكافِرُونَ﴾ بدل. وقالوا

стр. 11115

تسجيلًا عليهم، بهذا الوصف القبيح، وإشعارًا بأن كفرهم جسرهم على هذا القول، لما تقرر عندهم، من أن نسبة أمر إلى المشتق يفيد علّيّة المأخذ. ومنها: الإشارة إلى كفار مكة بهؤلاء في قوله: ﴿وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ﴾ تحقيرًا لشأنهم، وتهوينًا لأمرهم. ومنها: صيغة المبالغة في كل من ﴿كذاب، العزيز، الوهاب، أواب﴾. ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ﴾؛ لأن السبب في الأصل: الحبل، استعير لمعارج السموات، وطرقها أو أبوابها. ومنها: المجاز المبني على التشبيه في قوله: ﴿فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾؛ لأن الملة حقيقة فيما شرع الله لعباده على يد الأنبياء. فإطلاق كل منهما على طريقة المشركين مجاز، كما في «الروح». ومنها: جمع المؤكدات في قوله: ﴿إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ لزيادة التعجب، والإنكار. أكده بـ ﴿إِنَّ﴾، وباللام، وباسمية الجملة. ومنها: زيادة ﴿ما﴾ في قوله: ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ﴾ للدلالة على القلة والتحقير. ومنها: الاستعارة البليغة في قوله: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ﴾. شبه ملك فرعون في ثباته ورسوخه بخيمة عظيمة، شدت أطنابها بالأوتاد لتثبت، وترسخ، ولا تقتلعها الرياح، ثم استعيرت له استعارة بالكناية، وأثبت له لوازم المشبه به. وهو الأوتاد، تخييلًا، ووجه تخصيص هذه الاستعارة، أن أكثر بيوت العرب كانت خياما، وثباتها بالأوتاد، ويجوز أن يكون المعنى: ذو الجموع الكثيرة، سموا بذلك لأنهم يشدون البلاد والملك، ويشد بعضهم بعضا كالوتد يشد البناء، والخباء، فتكون الأوتاد استعارة تصريحية. ومنها: الإضافة للتشريف في قوله: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾.

стр. 11116

ومنها: تصدير الدعاء بالنداء في قوله: ﴿رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ للإمعان في الاستهزاء، والسخرية كأنهم يدعون ذلك، بكمال الرغبة والابتهال. ومنها: العدول عن الاسمية إلى الفعلية في قوله: ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ حيث لم يقل: مسبحات للدلالة على تجدد التسبيح، وحدوثه شيئًا بعد شيء، وحالًا بعد حال، وكأن السامع حاضر تلك الحال، يسمع تسبيحها. ومنها: الطباق في قوله: ﴿بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ﴾؛ لأن المراد بهما: المساء، والصباح. ومنها: أسلوب التشويق، والتعجيب في قوله: ﴿وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾؛ لأن المراد بالاستفهام هنا: التشويق والتعجيب، كما مر. ومنها: الكناية في قوله: ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ﴾؛ لأن النعجة في الأصل: الأنثى من الضأن، فصارت هنا كناية عن المرأة. ومنها: أسلوب الإطناب في قوله: ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلخ. ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَخَرَّ راكِعًا﴾؛ أي: مصليًا، إذ فسر الركوع بالصلاة، لما فيه من إطلاق الجزء وإرادة الكل. ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إيذانًا بكمال شناعة الضلال عنه. ومنها: توافق الفواصل، مراعاة لرؤوس الآيات مثل: ﴿إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾، ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ﴾، ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ﴾. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 11117

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨) كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩) وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠) وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤) وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (٤٧) وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (٤٨) هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (٥١) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (٥٢) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (٥٣) إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما (١) ذكر أن الذين يضلون عن سبيل الله، لهم العذاب الشديد يوم الحساب، لظنهم أنه ليس بكائن .. أعقب هذا ببيان أن هذا اليوم آت لا ريب فيه؛ لأنه سبحانه، لم يخلق الخلق عبثًا، بل خلقهم لعبادته

стр. 11118

وتوحيده، ثم يجمعهم يوم الجمع فيثيب المطيعين، ويعذب الكافرين، ثم أردف ذلك، ببيان فضل القرآن، الذي أنزله على رسوله هاديًا للناس، ومنقذًا لهم من الضلالة إلى الهدى، فإذا هم تدبروا آياته، واتعظوا بعظاتها .. سعدوا في الدارين، وبلغوا السماكين، وكانوا سادة العالم أجمع. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه (١) لما حكى عن كفار قريش سفاهتهم على النبي ﷺ ، فوصفوه بأنه ساحر كذاب، وقالوا استهزاء: ربنا عجل لنا قطنا .. أمره بالصبر على أذاهم لوجهين: أحدهما: إن المتقين من الأنبياء قبله صبروا على كثير من المكاره، فعليه أن يقتدي بهم، ويجعلهم أسوة له. وثانيهما: ما ذكره في هذه الآيات والتي بعدها، من أن من أطاع الله، كان له من الثواب كذا وكذا، ومن خالفه، كان له من العقاب كذا وكذا، وكل ذلك مما يوجب الصبر على الأذى حين تبليغ الرسالة، وعلى ما يلاقيه من المكاره. التفسير وأوجه القراءة ٢٧ - ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما﴾ من المخلوقات، جملة مستأنفة مقررة لما قبلها من أمر البعث، والحساب، أي: ما خلقنا هذه الأشياء خلقًا ﴿باطِلًا﴾؛ أي: عبثًا خارجًا عن الحكمة الباهرة، بل (٢) خلقناها للدلالة على قدرتنا، وليكون مدارًا للعلم والعمل، ومذكرًا للآخرة وما فيها من الحساب والجزاء، فإن الدنيا لا تخلو عن الصفو والكدر، وكل منهما يفصح عما في الآخرة من الراحة والخطر، وأيضًا ليكون مرآة يشاهد فيها المؤمنون الذين ينظرون بنور الله، شواهد صفات الجمال والجلال، فانتصاب ﴿باطِلًا﴾ إما على المصدرية؛ أي: خلقًا

стр. 11119

باطلًا، أو على الحالية؛ أي (١): ذوي باطل، بمعنى مبطلين عابثين، كقوله: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (٣٨)﴾، أو على أنه مفعول لأجله؛ أي: للعبث واللهو، بل للحكمة. والمعنى: أي وما أوجدنا السماء، وما فيها من زينة ومنافع للناس، والأرض، وما فيها من فوائد في ظاهرها، وباطنها لهم، وما بينهما مما يعلمون، وما لا يعلمون لهوًا ولعبًا، بل خلقناها مشتملة على حكم باهرة، وأسرار بالغة، ومصالح جمة، فقد خلقناها للعمل فيها بطاعتنا، والانتهاء إلى أمرنا ونهينا، فإنا لن نترك الناس سدى، بل سنعيدهم بعد موتهم إلى حياة أخرى يحاسبون فيها على النقير، والقطمير، والقليل، والكثير، ثم يلقون الجزاء على ما كسبت أيديهم، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، ونحو الآية قوله: ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾. ثم بيّن أن هذا الظن الفاسد، قد ظنه الذين كفروا بالله تعالى، وجحدوا آياته. فقال: ﴿ذلِكَ﴾؛ أي: كونه خلقًا باطلًا خاليا عن الغاية، والحكمة الباهرة. ﴿ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي (٢): مظنون كفار مكة، فإنهم وإن كانوا مقرين بأن الله هو الخالق، لكن لما اعتقدوا بأن الجزاء الذي هو علة خلق العالم باطل، لزمهم أن يظنوا أن المعلول باطل، ويعتقدوا ذلك؛ أي: أنهم يظنون أن هذه الأشياء خلقت لا لغرض، ويقولون: إنه لا قيامة، ولا بعث، ولا حساب، وذلك يستلزم أن يكون خلق هذه المخلوقات باطلًا. والفاء في قوله: ﴿فَوَيْلٌ﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت كون مظنونهم هذا، وأردت بيان عاقبتهم .. فأقول لك: الهلاك كل الهلاك، أو شدة الهلاك حاصل ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ خبر لويل. ﴿مِنَ النَّارِ﴾ ﴿مِنَ﴾: تعليلية، مفيدة لعلية النار، لثبوت الويل لهم صريحًا، بعد الإشعار بعلية ما يؤدي إليها من ظنهم وكفرهم؛ أي: فويل لهم بسبب النار المترتبة على ظنهم

стр. 11120

وكفرهم، فلا بد من رؤية الحق حقًا، والباطل باطلًا، وتدارك زاد اليوم؛ أي: يوم الجزاء ظاهرًا وباطنًا، ليحصل الخلاص والنجاة، والنعيم واللذات في أعلى الدرجات. ٢٨ - ثم بيّن سبحانه (١)، أن مقتضى عدله وحكمته، أن لا يساوي بين الذين أحسنوا بالحسنى، والذين اجترحوا السيئات، ودسوا أنفسهم بكبير الآثام، والذنوب. فقال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ﴾ قال مقاتل: قال كفار قريش للمؤمنين: إنا نعطى في الآخرة كما تعطون على تقدير وقوعها، فنزلت الآية. و ﴿أَمْ﴾ فيه منقطعة، تقدر ببل التي للإضراب الانتقالي، وبهمزة الاستفهام الإنكاري؛ أي: بل أنجعل الذين آمنوا بالله، وصدقوا رسله، وعملوا بفرائضه، كالمفسدين في الأرض بالشرك والمعاصي؛ أي (٢): لا نجعلهم سواء. فلو بطل البعث والجزاء، كما يظن الكفار، لا ستوت عند الله، حال من أصلح، ومن أفسد، ومن سوّى بينهما كان سفيهًا، والله تعالى منزه عن السفه، فإنما بالإيمان، والعمل الصالح يرفع المؤمنين ويرد الكافرين إلى أسفل سافلين. ثم أضرب سبحانه إضرابًا آخر، وانتقل عن الأول إلى ما هو أوضح استحالة منه، فقال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾؛ أي: بل أنجعل أتقياء المؤمنين كأشقياء الكافرين، والمنافقين، والمنهمكين في معاصي الله سبحانه، من المسلمين؛ أي: لا نجعلهم مثلهم. وقيل (٣): إن الفجار هنا خاص بالكافرين. وقيل: المراد بالمتقين: الصحابة. ولا وجه للتخصيص بغير مخصص، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقال ابن عباس: الآية عامة في جميع المسلمين والكافرين. وقيل: في جماعة من المؤمنين والكافرين معينين بارزوا يوم بدر عليا، وحمزة، وعبيدة بن الحارث ﵃، وعتبة، وشيبة، والوليد بن عتبة، ووصف كلا بما ناسبه. اهـ من «البحر».

стр. 11121

أي (١): كما لا نجعل (٢) أهل الإيمان والعمل الصالح، الذين هم مظاهر صفات لطفنا وجمالنا، كالمفسدين الذين هم مظاهر صفات قهرنا وجلالنا، كذلك لا نجعل أهل التقوى كالفجار، والفجور: شق سر الديانة، أنكر التسوية أولًا بين أهل الإيمان والشرك، ثم بين أهل التقوى والهوى يعني: من المؤمنين، وهو المناسب لمقام التهديد، والوعيد كي يخاف من الله تعالى، كل صنف بحسب مرتبته، ويجوز أن يكون تكرير الإنكار الأول باعتبار وصفين آخرين، يمنعان التسوية من الحكيم الرحيم. واعلم (٣): أن الله تعالى، سوّى بين الفريقين في التمتع بالحياة الدنيا، بل الكفار أوفر حظا من المؤمنين؛ لأن الدنيا لا تعدل عند الله جناح بعوضة، لكن الله جعل الدار الآخرة، للذين لا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادًا، وهم المؤمنون المخلصون، المنقادون لله ولأمره، وإنما لم يجازه في هذه الدار، لسعة رحمته، وضيق هذه الدار، فلذا أخر الجزاء إلى الدار الآخرة، فإذا ترقى الإنسان من الهوى إلى الهدى، ومن الفجور إلى التقوى .. أخذ الأجر بالكيل الأوفى. والمعنى (٤): أي بل أنجعل من آمنوا بربهم، واعتقدوا أنه الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لا شريك له في ملكه، وأصلحوا أعمالهم، فأدوا ما يجب للخلق والخالق، وائتمروا بما أمر به ربهم على لسان أنبيائه، وانتهوا عما نهوا عنه، فلم يدسوا أنفسهم بفعل شيء من كبائر الآثام، خوفًا من يوم، تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت، ولا تُقبل الشفاعة ولا الفداء من أحد إلا لمن أذن له الله، كمن كفروا به، وعاثوا في الأرض فسادًا، وهاموا فيها على وجوههم، لا دين يمنعهم، ولا زاجر يردعهم، إذ هم ينكرون الجزاء، والحساب، والإعادة بعد الموتة الأولى، ويقولون: ما هي إلا أرحام تدفع، وأرض تبلع، وما يهلكنا إلا الدهر، فأنى لمثل هؤلاء أن يرعووا عن غي، أو يكفوا عن معصية؟ بل هم جهد استطاعتهم يحصلون على اللذات، ويجترحون السيئات بما وسوس إليهم به

стр. 11122

الشيطان، أن لا حلال، ولا حرام، ولا جنة، ولا نار، فما هذه إلا أساطير الأولين، وإذا كان هذا حقا، واقتضته الحكمة، وأوجبته العدالة، فلا بد من دار أخرى يجازى فيها المطيع، ويثاب على ما عمل، ويعاقب فيها العاصي، على ما دنس به نفسه من شرك بربه، واجترح للإثم، والعصيان، ومخالفة أمر الواحد الديان. والعقول السليمة، والفطر الصحيحة، ترشد إلى هذا، وتؤيده، وتدل عليه، وتثبته، فإنا نرى الظالم الباغي، قد يزداد في دنياه مالًا وولدًا، ويتمتع بصنوف اللذات من الدور، والقصور، والفراش الوثير، والسكن في الجنات، ويركب فاره الخيول المطهمة، والمراكب الفاخرة، ويشار إليه بالبنان، بينما نرى المطيع لربه المظلوم من بني جنسه، قد يعيش عيش الكفاف، ولا يجد ما يقيم به أوده، ويسد به مخمصته، أفيكون من حكمة الحكيم العادل، الذي لا يظلم مثقال ذرة، أن يترك الناس سدى، يفعلون ما شاؤوا بلا حساب ولا عقاب، أو ينتصف للمظالم من الظالم، ويرجع الحق إلى صاحبه، وربما لا يحصل هذا في هذا الدنيا، فلا بد من دار أخرى، يكون فيها العدل، والإنصاف، والكيل بالقسط، والميزان، وتلك هي الدار التي وعد بها الرحمن، على ألسنة رسله الكرام، صدق ربنا، وإن وعده لحق، وإن هذا اليوم آت لا شك فيه، لتجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم. ٢٩ - ولما كان القرآن، هو الذي يرشد إلى مثل هذه المقاصد الشريفة، والمآخذ العقلية الصحيحة، وكان منبع السعادات والخيرات .. وصفه أولًا، ثم بيّن المصلحة، فقال: ﴿كِتابٌ﴾: خبر مبتدأ محذوف، وهو عبارة عن القرآن؛ أي: هذا كتاب ﴿أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ﴾ يا محمد. صفة لكتاب ﴿مُبارَكٌ﴾ خبر ثان للمبتدأ المحذوف، ولا يجوز أن يكون صفة أخرى لكتاب، لما تقرر عندهم، من أنه لا يجوز تأخير الوصف الصريح، عن غير الصريح، وقد جوزه بعض النحاة، قرأ الجمهور: ﴿مُبارَكٌ﴾ بالرفع على الصفة لـ ﴿كِتابٌ﴾، وقرىء ﴿مباركا﴾ بالنصب على الحال اللازمة، والتقدير؛ أي: هذا القرآن الذي نتلوه عليك يا محمد، كتاب أنزلناه إليك، كثير المنفعة دينًا ودنيا، لمن آمن به، وعمل بأحكامه، وحقائقه، وإشاراته، فإن البركة ثبوت الخير الإلهي في الشيء، والمبارك ما فيه ذلك الخير.

стр. 11123

﴿لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ﴾ متعلق بـ ﴿أَنْزَلْناهُ﴾؛ أي: أنزلناه ليتفكروا في آياته بالفكر السليم، فيعرفوا ما يتّبع ظاهرها من المعاني الفائقة، والتأويلات اللائقة؛ أي: ليتفكروا في معاني آياته، ويتأملوا فيها، وفي الآية دليل على أن الله سبحانه، إنما أنزل القرآن للتدبر والتفكر في معانيه، لا لمجرد التلاوة، بدون تدبر. وقرأ الجمهور (١): ﴿لِيَدَّبَّرُوا﴾ بياء الغيبة وشد الدال، وأصله: ﴿ليتدبروا﴾. وقرأ علي ﵁ بهذا الأصل. وقرأ أبو جعفر، وشيبة ﴿لتدبروا﴾ بتاء الخطاب، وتخفيف الدال، وجاء كذلك عن عاصم، والكسائي بخلاف عنهما، والأصل: لتتدبروا بتاءين، فحذفت إحداهما على الخلاف الذي فيها، أهي تاء المضارعة، أم التاء التي تليها؟. ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾؛ أي: وليتعظ به أصحاب العقول الخالصة عن شوب الوهم. عمم (٢) التدبر لعموم العلماء، وخص التذكر بخصوص للعقلاء؛ لأن التدبر للفهم، والتذكر لوقوع الإجلال، والخشية الخاص بأكابر أهل العلم. فعلم (٣) أن المقصود من كلام الحق التفكر، والتذكر والاتعاظ به، لا حفظ الألفاظ فقط، وكان الصحابة يكتفون ببعض السور القرآنية، ويشتغلون بالعمل بها، فإن المقصود من القرآن العمل به. والمعنى (٤): أي أنزلنا إليك هذا الكتاب، النافع للناس، المرشد لهم، إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم في دينهم ودنياهم، الجامع لوجوه المصالح، ليتدبرها أولوا الحجا، الذين قد أنار الله بصائرهم، فاهتدوا بهديه، وسلكوا في أعمالهم ما أرشد إليه، وتذكروا مواعظه وزواجره، واعتبروا بمن قبلهم، فارعووا عن مخالفته، حتى لا يحل بهم مثل ما حل بالغابرين، ويستأصلهم كما استأصل السابقين، ممن بغوا في الأرض فسادا، وما تدبره بحسن تلاوته، وجودة ترتيله، بل بالعمل بما فيه، واتباع أوامره ونواهيه، ومن ثم قال الحسن البصري: قد قرأ

стр. 11124

القرآن عبيد وصبيان، لا علم لهم بتأويله، حفظوا حروفه، وضيعوا حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: والله لقد قرأت القرآن، فما أسقطت منه حرفًا، وقد والله أسقطه كله، ما يرى للقرآن عليه أثر في خلق ولا عمل، والله ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، والله ما هؤلاء بالحكماء، ولا الورعة لا أكثر الله في الناس من مثل هؤلاء، فمن (١) اقتفى بظاهر المتلو، كان مثله، كمثل من له لقحة درور لا يحلبها، ومهرة نتوج لا يستولدها قال أنس ﵁: قال رسول الله ﷺ : «تعوّذوا بالله من فخر القراء، فإنهم أشد فخرًا من الجبابرة». ولا أحد أبغض إلى رسول الله ﷺ ، من قارىء متكبر. وعن علي ﵁: قال رسول الله ﷺ : «تعوذوا بالله من دار الحزن، فإنها إذا فتحت، استجارت منها جهنم سبعين مرة، أعدها الله للقراء المرائين بأعمالهم، وإن شر القراء لمن يزور الأمراء». وفي سلسلة الذهب للمولى الجامي رحمه الله تعالى: رب تال، يفوه بالقرآن، وهو يفضي به إلى الخذلان. قصص سليمان حين عُرض عليه الصافنات الجياد ٣٠ - ثم أخبر سبحانه، بأن من جملة نعمه على داود، أنه وهب له سليمان ولدًا، فقال: ﴿وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ﴾؛ أي: وآتينا داود ابنًا يسمى سليمان من (٢) المرأة التي أخذها من أوريا. والهبة (٣): عطاء الواهب بطريق الإنعام والإحسان لا بطريق العوض والجزاء، الموافق لأعمال الموهوب له. فسليمان النعمة التامة على داود؛ لأن الخلافة الظاهرة الإلهية، قد كملت لداود، وظهرت أكمليتها في سليمان، وكذا على العالمين لما وصل منه إليهم من آثار اللطف والرحمة، وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: أولادنا من مواهب الله، ثم قرأ: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ﴾. وروي: أن داود ﵇، عاش مئة سنة، ومات يوم السبت فجأة،

стр. 11125

ويوم السبت لهم، كيوم الجمعة لنا، أتاه ملك الموت وهو يصعد في محرابه؛ أي: الغرفة، وينزل، وقال: جئت لأقبض روحك، فقال: دعني حتى أنزل وأرتقي، فقال: ما لي إلى ذلك سبيل، نفدت الأيام، والشهور، والسنون، والآثار، والأرزاق، فما أنت بمؤثر بعدها، فسجد داود على مرقاة من الدرج، فقبض نفسه على تلك الحال، وموت الفجأة رحمة للصالحين، وتخفيف ورفق بهم، إذ هم المنقطعون المستعدون، فلا يحتاجون إلى الإيصاء، وتجديد التوبة، ورد المظالم بخلاف غيرهم، ولذا كان من آثار غضب الله على الفاسقين، وأوصى داود لابنه سليمان بالخلافة. ثم مدح الله سبحانه، وأثنى عليه فقال: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ والمخصوص بالمدح محذوف؛ أي: نعم العبد هو؛ أي: سليمان لصلاحية استعداده للكمال النوعي الإنساني. وهو مقام النبوة والخلافة. وقيل: إن المدح هنا بقوله: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ هو لداود. والأول أولى. وجملة ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ تعليل لما قبلها من المدح. والأواب: الرجاع إلى الله بالتوبة، كما تقدم بيانه، أي: إن سليمان رجاع إلى الله سبحانه، بإخلاص العبودية، بلا علة دنيوية ولا أخروية، أو رجاع إلى الله في جميع الأحوال، في النعمة بالشكر، وفي المحنة بالصبر. والمعنى: أي ما أحقه بالمدح والثناء؛ لأنه كان كثير الطاعة والعبادة والإنابة إلى ربه في أكثر الأوقات، وفي كثير من المهمات اعتقادًا منه، بأن كل شيء من الخير، لا يتم إلا بإعانته وتوفيقه. ٣١ - ثم ذكر حالًا من أحواله، التي تستحق الإطراء والثناء، فقال: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ﴾؛ أي: قرّب إليه، وأظهر له ﴿بِالْعَشِيِّ﴾؛ أي: في آخر النهار ﴿الصَّافِناتُ﴾؛ أي: الخيول القائمة على ثلاثة قوائم، جاعلة طرف حافر، الرابعة على الأرض لنشاطها ﴿الْجِيادُ﴾؛ أي: السريعة الجري والعدو، والظرف متعلق بمحذوف؛ أي: اذكر يا محمد لقومك، ما صدر عن سليمان حين عرضت عليه الجياد الصافنات، من العصر إلى آخر النهار لينظر إليها، ويتعرف أحوالها مقدار صلاحيتها للقيام بالمهام، التي توكل إليها حين الغزو وغيره، وقد وصفها

стр. 11126

بالصفون والجودة ليجمع لها بين وصفين ممدوحين واقفة وجارية، فإذا وقفت كانت ساكنة مطمئنة في مواقفها، وإذا جرت كانت سراعًا خفافًا في جريها. وقيل: وصفها بالصفون لأنه لا يكون في الهجن، بل يكون في العراب الخلَّص. والصافنات: جمع صافن. قال الزجاج: الصافن هو الذي يقف على إحدى اليدين، ويرفع الأخرى، ويجعل على الأرض طرف الحافر منها، حتى كأنه يقوم على ثلاث: وهي الرجلان، وإحدى اليدين، وقد يفعل بإحدى رجليه، وهي علامة الفراهة، والجياد: جمع جواد، يقال للفرس إذا كان شديد العدو، وقيل: إنها الطوال الأعناق، من الجيد، وهو العنق. قيل: كانت مئة فرس، وقيل: ألفا، وقيل: كانت عشرين ألفًا، وقيل: كانت عشرين فرسًا، وقيل: إنها خرجت له من البحر، وكانت لها أجنحة. روي: أن سليمان ﵇، غزا أهل دمشق ونصيبين، وهي قاعدة ديار ربيعة، فأصاب ألف فرس عربي، أو أصابها أبوه من العمالقة، فاستخلف عنه فيها؛ لأنها من مال المصالح، وعلى كل تقدير قعد سليمان يومًا، بعدما صلى الظهر على كرسيه، وكان يريد جهادًا، فاستعرض تلك الأفراس؛ أي: طلب عرضها عليه، فلم تزل تعرض عليه، وهو ينظر إليها، ويتعجب من حسنها حتى غربت الشمس، وغفل عن صلاة العصر، وكانت فرضًا عليه، كما في «كشف الأسرار»، وعن ورد: كان له وقتئذ من الذكر، وتهيبه قومه فلم يعلموه، فاغتم لما فاته بسبب السهو والنسيان، فاستردها، فعقرها تقربا إلى الله، وطلبا لمرضاته على أن يكون العقر قربة في تلك الشريعة، ولذا لم ينكر عليه، أو مباحا في ذلك اليوم، وإنما أراد بذلك: الاستهانة بمال الدنيا، لمكان فريضة الله، كما قاله أبو الليث. فلم يكن من قبيل تعذيب الحيوان، فلما عقرها لله تعالى، أبدله الله خيرًا منها، وأسرع. وهي الريح تجري بأمره حيث شاء. ٣٢ - ﴿فَقالَ﴾ سليمان: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ﴾؛ أي: آثرت ﴿حُبَّ الْخَيْرِ﴾؛ أي: حب الخيل ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾؛ أي: على ذكر ربي يعني: صلاة العصر، قاله ﵇ عند غروب الشمس اعترافًا بما صدر عنه من الاشتغال بها عن الصلاة، وندمًا

стр. 11127

عليه، وتمهيدًا لما يعقبه من الأمر بردها وعقرها، والتعقيب بالفاء باعتبار أواخر العرض المستمر دون ابتدائه، والتأكيد للدلالة على أن اعترافه وندمه عن صميم القلب، لا لتحقيق مضمون الخبر، وأصل ﴿أَحْبَبْتُ﴾ أن يُعدى بعلى؛ لأنه بمعنى: آثرت، كما في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى﴾، وكل من أحب شيئًا فقد آثره، لكن لما أنيب مناب أنبت، وضمن معناه، عدى تعديته بعن، و ﴿حُبَّ الْخَيْرِ﴾ مفعوله؛ أي: مفعول به لأنبت المضمن، والذي أنيب مناب الذكر، هو الاطلاع على أحوال الخيل، لا حب الخيل، إلا أنه عدّي الفعل إلى حب الخيل، للدلالة على غاية محبته لها، والخير: المال الكثير، والمراد به: الخيل التي شغلته ﵇. ومعنى الآية: أنبت حب الخيل؛ أي: جعلته نائبًا عن ذكر ربي، ووضعته موضعه، وكان يجب لمثلي، أن يشتغل بذكر ربه، وطاعته. ﴿حَتَّى تَوارَتْ﴾ الشمس، واستترت ﴿بِالْحِجابِ﴾؛ أي: بما يحجبها عن الأبصار، وهو معربها، قال قتادة، وكعب: الحجاب: جبل أخضر محيط بالخلائق، وهو جبل قاف، وقيل: هو جبل دون قاف، بمسيرة سنة تغرب الشمس من ورائه، اهـ «خازن». وسمي الليل حجابًا، لأنه يستر ما فيه، والضمير في ﴿تَوارَتْ﴾ للشمس، وإضمارها من غير ذكر لدلالة العشي عليها، إذ لا شيء يتوارى حينئذ غيرها. و ﴿حَتَّى﴾ متعلقة بقوله: ﴿أَحْبَبْتُ﴾، وغاية له باعتبار استمرار المحبة، ودوامها حسب استمرار العرض. والمعنى: أنبت حب الخير عن ذكر ربي، واستمر ذلك حتى توارت؛ أي: غربت الشمس، تشبيهًا لغروبها في مغربها، بتواري الجارية المخبأة بحجابها؛ أي: المستترة بخبائها وخدرها. وقيل: الضمير في ﴿تَوارَتْ﴾ للصافنات؛ أي: حتى توارت بحجاب الليل؛ أي: بظلامه؛ لأن ظلام الليل يستر كل شيء. ٣٣ - وقوله: ﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ من تمام مقالة سليمان، والخطاب لأهل العرض من قومه؛ أي: أعيدوا تلك الخيل علي، والفاء في قوله: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ﴾ عاطفة على مقدر يقتضيه السياق، و ﴿طفق﴾ من أفعال الشروع بمعنى:

стр. 11128

أخذ، وشرع. ومسحته بالسيف كناية عن الضرب. والسوق: جمع ساق كدور ودار، والسوق: ما بين الكعبين: كعب الركبة، وكعب القدم، والتقدير: فردوها عليه، فأخذ يمسح بالسيف مسحًا سوقها وأعناقها؛ أي: يقطع أعناقها، ويعرقب رجلها؛ أي: هو وأصحابه، أو يذبح بعضها، ويعرقب بعضها إزالة للعلاقات، ورفعا للحجاب الحائل بينه وبين الحق سبحانه، واستغفارا وإنابة إليه بالترك والتجريد، وفي الآية إشارة إلى أن حب غير الله شاغل عن الله، وموجب للحجاب، وأن كل محبوب سوى الله إذا حجبك عن الله لحظة، يلزمك أن تعالجه بسيف نفي لا إله إلا الله. قال الحسن: إن سليمان، لما شغله عرض الخيل، حتى فاتته صلاة العصر، غضب لله، وقال: ردوها علي؛ أي: أعيدوها إلي. وقيل: الضمير في ﴿رُدُّوها﴾ يعود إلى الشمس، ويكون ذلك معجزة له، والخطاب للملائكة الموكلين بالشمس، يعني: ردوا الشمس، فردوها إلى موضع وقت صلاة العصر، حتى صلى العصر في وقتها. وقال الإمام في «تفسيره»: الصواب أن يقال: إن رباط الخيل، كان مندوبًا إليه في دينهم، كما هو مندوب إليه في شرعنا، ثم إن سليمان ﵇، احتاج إلى الغزو، فجلس على كرسيه، وأمر بإحضار الخيل، وأمر بإجرائها، وذكر أني لا أجريها لأجل الدنيا وحظ النفس، وإنما أجريها وأحبها، لأمر الله تعالى، وتقوية دينه، وهو المراد من قوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾، ثم إنه أمر بإجرائها وتسييرها، حتى توارت بالحجاب؛ أي: غابت عن بصره، فإنه كان له ميدان واسع، مستدير، يسابق فيه بين الخيل، حتى تتوارى عنه، وتغيب عن عينه، ثم أنه أمر الرائضين بأن يردوها، فردوا تلك الخيل إليه. فلما عادت إليه، طفق يمسح سوقها وأعناقها؛ أي: بيده حبًا لها، وتشريفًا وإبانة لعزتها، لكونها من أعظم الأعوان، في قهر الأعداء، وإعلاء الدين، وهو قول الزهري، وابن كيسان وليس فيه نسبة شيء من المنكرات إلى سليمان ﵇، فهو أحق بالقبول عند أولي الأفهام، وقال ابن جرير الطبري (١) (٢٣/ ١٥٦): حدثني علي حدثنا أبو

стр. 11129

صالح قال: حدثني معاوية عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ﴾. يقول: جعل يمسح أعراف الخيل، وعراقيبها حبًا لها، وقال الطبري: وهذا القول الذي ذكرناه عن ابن عباس أشبه بتأويل الآية؛ لأن نبي الله ﵇، لم يكن إن شاء الله ليعذب حيوانا بالعرقبة يعني ضرب أعناقها وعراقيبها بالسيف ويهلك مالًا من أمواله بغير سبب، سوى أنه اشتغل عن صلاته بالنظر إليها، ولا ذنب لها باشتغاله بالنظر إليها، اهـ. وخلاصة معنى الآية على هذا القول (١): أن سليمان احتياطًا للغزو، أراد أن يعرف قوة خيوله، التي تتكون منها قوة الفرسان، فجلس وأمر بإحضارها وإجرائها أمامه، وقال: إني ما أحببتها للدنيا ولذاتها، وإنما أحببتها لأمر الله، وتقوية دينه، حتى إذا ما أجريت وغابت عن بصره، أمر راكضيها بأن يردوها إليه، فلما عادت طفق يمسح سوقها وأعناقها سرورًا بها، وامتحانا لأجزاء أجسامها، ليعرف ما بها فربما يكون فيها من عيوب قد تخفى، فتكون سببا في عدم أدائها مهمتها على الوجه المرضي. وقال الشوكاني: وقد اختلف (٢) المفسرون في تفسير هذه الآية، فقال قوم: المراد بالمسح: قطع أعناقها وعراقيبها بالسيف، وقال آخرون منهم: الزهري، وقتادة: إن المراد بالمسح: كشف الغبار عن سوقها وأعناقها، وإزالته عنها، حبا لها وتشريفا لها، والقول الأول أولى بسياق الكلام، فإنه ذكر أنه آثرها على ذكر ربه، حتى فاتته صلاة العصر، ثم أمرهم بردها عليه، ليعاقب نفسه بإفساد ما ألهاه عن ذلك، وما صده عن عبادة ربه، وشغله عن القيام بما فرضه الله عليه، ولا يناسب هذا، أن يكون الغرض من ردها عليه، هو كشف الغبار عن سوقها، وأعناقها بالمسح عليها بيده، أو بثوبه، ولا متمسك لمن قال: إن إفساد المال، لا يصدر عن النبي، فإن هذا مجرد استبعاد، باعتبار ما هو المتقرر في شرعنا، مع جواز أن يكون في شرع سليمان، أن مثل هذا مباح، على أن إفساد المال

стр. 11130

المنهي عنه في شرعنا، إنما هو مجرد إضاعته لغير غرض صحيح، وأما لغرض صحيح، فقد جاز مثله في شرعنا، كما وقع منه ﷺ ، من إكفاء القدور، التي طبخت من الغنيمة قبل القسمة، ولهذا نظائر كثيرة في الشريعة، ومن ذلك ما وقع من الصحابة، من إحراق طعام المحتكر. وقرأ الجمهور (١): ﴿مَسْحًا﴾، وزيد بن علي: ﴿مساحًا﴾ على وزن قتال، وقرأ الجمهور: ﴿بِالسُّوقِ﴾ بغير همز على وزن فعل، وهو جمع ساق كدار ودور، وقرأ ابن كثير: ﴿بالسؤق﴾ بالهمز. وقال أبو علي: هي لغة ضعيفة، وليست ضعيفة؛ لأن أبا حيّة النميري، كان يهمز كل واو قبلها ضمة، سماعًا، وكان ينشد: حب المؤقد بن أبي مؤسى وجاءت هذه القراءة على هذه اللغة، وقرأ ابن محيصن، وأبو عمران الجوني: ﴿بالسؤوق﴾ بوزن الرؤوس، رواهما بكار عن قنبل، وقرأ زيد بن علي ﴿بِالسَّاقِ﴾ مفردًا اكتفي به عن الجمع لأمن اللبس. ٣٤ - ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لقد ابتلينا سليمان، واختبرناه (٢) بمرض عضال ﴿وَأَلْقَيْنا﴾؛ أي: طرحناه ﴿عَلى كُرْسِيِّهِ﴾ وسرير ملكه حال كونه ﴿جَسَدًا﴾؛ أي: جسمًا ضعيفًا، لشدة وطأته عليه، والعرب تقول في الضعيف: إنه لحم على وضم، وجسم بلا روح. ﴿ثُمَّ أَنابَ﴾؛ أي: رجع سليمان بعد إلى حاله الأولى، واستقامت له الأمور كما كان، وما روي من قصص الخاتم، والشيطان، وعبادة الوثن في بيت سليمان، فذلك من أباطيل اليهود، دسوها على المسلمين، وأبي قبولها العلماء الراسخون، ومن ثم قال الحافظ بن كثير: وقد رويت هذه القصة، مطولة عن جماعة من السلف رحمهم الله تعالى كسعيد بن المسيب، وزيد بن أسلم، وجماعة آخرين. وكلها متلقاة من قصص أهل الكتاب، انتهى.

стр. 11131

وهذه هي التي سنذكرها بعد. وعبارة «الخازن» هنا: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ﴾ بن داود ﵉؛ أي (١): اختبرناه، وابتليناه، بسلب ملكه عنه، وكان سبب ذلك ما ذكر عن وهب بن منبه قال: سمع سليمان بمدينة في جزيرة من جزائر البحر، يقال لها: صيدون، وبها ملك عظيم الشأن، ولم يكن للناس إليه سبيل لمكانه في البحر، وكان الله تعالى، قد آتى سليمان في ملكه سلطانًا، لا يمتنع عليه شيء في بر ولا بحر، إنما يركب إليه الريح، فخرج إلى تلك المدينة، تحمله الريح على ظهر الماء، حتى نزل بها بجنوده من الجن والإنس، فقتل ملكها، وسبى ما فيها، وأصاب فيما أصاب بنتا لذلك الملك، يقال لها: جرادة، لم ير مثلها حسنًا وجمالًا، فاصطفاها لنفسه، ودعاها إلى الإسلام، فأسلمت على جفاء منها وقلة فقه، وأحبها حبًا لم يحبه شيئًا من نسائه، وكانت على منزلتها عنده لا يذهب حزنها، ولا يرقأ دمعها، فشق ذلك على سليمان، فقال لها: ويحك ما هذا الحزن الذي لا يذهب، والدمع الذي لا يرقأ؟ قالت: إني أذكر أبي، وأذكر ملكه وما كان فيه وما أصابه، فيحزنني ذلك، فقال سليمان: فقد أبدلك الله به ملكا هو أعظم من ملكه، وسلطانًا أعظم من سلطانه، وهداك إلى الإسلام، وهو خير من ذلك، قالت: إن ذلك كذلك، ولكني إذا ذكرته أصابني ما تراه من الحزن، فلو أنك أمرت الشياطين، فصوروا لي صورته في داري التي أنا فيها، أراها بكرة وعشيًا، لرجوت أن يذهب ذلك حزني، وأن يسلي عني بعض ما أجد في نفسي، فأمر سليمان الشياطين، فقال: مثّلوا لها صورة أبيها في دارها، حتى لا تنكر منه شيئًا، فمثّلوه لها حتى نظرت إلى أبيها بعينه؛ إلا أنه لا روح فيه، فعمدت إليه حين صنعوه، فألبسته ثيابًا مثل ثيابه التي كان يلبسها، ثم كانت إذا خرج سليمان من دارها، تغدوا إليه في ولائدها، فتسجد له، ويسجدن معها كما كانت تصنع في ملكه، وتروح في كل عشية بمثل ذلك، وسليمان لا يعلم بشيء من ذلك أربعين صباحًا، وبلغ ذلك آصف بن برخيا، وكان صديقًا، وكان لا يرد عن

стр. 11132

أبواب سليمان؛ أي: ساعة أراد دخول شيء من بيوته، دخل حاضرًا كان سليمان أو غائبًا، فأتاه فقال: يا نبي الله كبر سني، ورق عظمي، ونفد عمري، وقد حان مني الذهاب، وقد أحببت أن أقوم مقامًا قبل الموت، أذكر فيه من مضى من أنبياء الله تعالى، وأثني عليهم بعلمي فيهم، وأعلّم الناس بعض ما كانوا يجهلون من كثير من أمرهم، فقال: افعل. فجمع له سليمان الناس، فقام فيهم خطيبًا، فذكر من مضى من أنبياء الله تعالى، وأثنى على كل نبي بما فيه، وذكر ما فضّله الله تعالى به، حتى انتهى إلى سليمان، فقال: ما كان أحكمك في صغرك، وأورعك في صغرك، وأفضلك في صغرك، وأحكم أمرك في صغرك، وأبعدك عن كل ما يكره الله تعالى في صغرك، ثم انصرف فوجد سليمان في نفسه من ذلك، حتى ملىء غضبًا، فلما دخل سليمان داره دعاه فقال: يا آصف ذكرت من مضى من أنبياء الله تعالى، فأثنيت عليهم خيرًا في كل زمانهم، وعلى كل حال من أمرهم، فلما ذكرتني جعلت تثني علي خيرًا في صغري، وسكت عما سوى ذلك من أمري في كبري، فما الذي أحدثت في آخر عمري؟. فقال آصف: إن غير الله يعبد في دارك منذ أربعين صباحًا، في هوى امرأة، فقال سليمان: في داري؟ قال: في دارك، قال: فإنا لله وإنا إليه راجعون، قد عرفت أنك ما قلت الذي قلت إلا عن شيء بلغك، ثم رجع سليمان إلى داره فكسر ذلك الصنم، وعاقب تلك المرأة وولائدها، ثم أمر بثياب الظهيرة فأتي بها، وهي ثياب لا يغزلها إلا الأبكار، ولا ينسجها إلا الأبكار، ولا يغسلها إلا الأبكار، لم تمسها يد امرأة قد رأت الدم، فلبسها، ثم خرج إلى فلاة من الأرض وحده، وأمر برماد، ففرش له، ثم أقبل تائبًا إلى الله تعالى، حتى جلس على ذلك الرماد، وتمعك به في ثيابه تذللًا إلى الله تعالى، وتضرعًا إليه يبكي، ويدعو، ويستغفر مما كان في داره، فلم يزل كذلك يومه حتى أمسى، ثم رجع إلى داره، وكانت له أم ولد، يقال لها: أمينة، كان إذا دخل الخلاء، أو أراد إصابة امرأة من نسائه، وضع خاتمه عندها حتى يتطهر، وكان لا يمس خاتمه إلا وهو طاهر، وكان ملكه في خاتمه، فوضعه يومًا عندها، ثم دخل مذهبه، فأتاها شيطان اسمه صخر المارد، في صورة سليمان، لا تنكر منه شيئًا، فقال: خاتمي أمينة، فتناولته إياه، فجعله في يده، ثم

стр. 11133

خرج حتى جلس على سرير سليمان، وعكفت عليه الطير والوحش والجن والإنس، وخرج سليمان، فأتى أمينة وقد تغيرت حالته، وهيئته عند كل من رآه، فقال: يا أمينة خاتمي، قالت: من أنت؟ قال: سليمان بن داود، فقالت: كذبت قد جاء سليمان وأخذ خاتمه، وهو جالس على سرير ملكه، فعرف سليمان أن خطيئته قد أدركته فخرج، فجعل يقف على الدار من دور بني إسرائيل، فيقول: أنا سليمان بن داود، فيحثون عليه التراب، ويقولون: انظروا إلى هذا المجنون أي شيء يقول، يزعم أنه سليمان، فلما رأى سليمان ذلك، عمد إلى البحر، فكان ينقل الحيتان لأصحاب السوق، ويعطونه كل يوم سمكتين، فإذا أمسى باع إحدى سمكتيه بأرغفة، ويشوي الأخرى فيأكلها، فمكث على ذلك أربعين صباحًا عدة ما كان يعبد الوثن في داره، ثم إن آصف وعظماء بني إسرائيل، أنكروا حكم عدو الله الشيطان في تلك المدة، فقال آصف: يا معشر بني إسرائيل هل رأيتم من اختلاف حكم ابن داود ما رأيتم؟ قالوا: نعم، فقال: أمهلوني حتى أدخل على نسائه، فأسألهن هل أنكرن من خاصة أمره، ما أنكرنا في عامة الناس وعلانيتهم؟ فدخل على نسائه، فقال: ويحكن هل أنكرتن من ابن داود ما أنكرنا؟ فقلن: أشد ما يدع امرأة في دمها، ولا يغتسل من الجنابة، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. قال الحسن: ما كان الله ، ليسلط الشيطان على نساء نبيه ﵇، قال وهب: ثم إن آصف خرج على بني إسرائيل، فقال: ما في الخاصة أشد مما في العامة، فلما مضى أربعون صباحًا، طار الشيطان عن مجلسه، ثم مر بالبحر، فقذف الخاتم فيه، فبلعته سمكة، فأخذها بعض الصيادين، وقد عمل له سليمان صدر يومه، فلما أمسى أعطاه سمكتيه، فباع سليمان إحداهما بأرغفة، وبقّر بطن الأخرى ليشويها، فاستقبله خاتمه في جوفها، فأخذه وجعله في يده، ووقع لله ساجدا، وعكفت عليه الطير والجن، وأقبل الناس عليه، وعرف الذي كان دخل عليه، لما كان أحدث في داره، فرجع إلى ملكه، وأظهر التوبة من ذنبه، وأمر الشياطين أن يأتوه بصخر، فطلبوه حتى أخذوه، فأُتي به، فأدخله في جوف صخرة، وسد عليه بأخرى، ثم أوثقها بالحديد والرصاص، ثم أمر به، فقذفوه في البحر، فعلى هذا الجسد الذي ألقي

стр. 11134

على كرسيه صخر سمي به، وهو جسم لا روح فيه؛ لأنه كان متمثلًا بما لم يكن كذلك، والخطيئة تغافله عن حال أهله؛ لأن اتخاذ التماثيل كان جائزا حينئذ، والسجود للصورة بغير علمه لا يضره. وقيل في سبب فتنة سليمان ﵇: إن جرادة كانت أبر نسائه عنده، وكان يأتمنها على خاتمه، فقالت له يوما: إن أخي بينه وبين فلان خصومة، فأحب أن تقضي له، فقال: نعم، ولم يفعل، فابتلي بقوله: نعم، وذكروا نحو ما تقدم، وقيل: إن سليمان لما افتتن سقط الخاتم من يده، فأعاده في يده فسقط، وكان فيه ملكه، فأيقن سليمان بالفتنة، فأتاه آصف، فقال: إنك مفتون بذلك، والخاتم لا يتماسك في يدك، ففر إلى الله تائبًا، فإني أقوم مقامك، وأسير بسيرتك إلى أن يتوب الله عليك، ففر سليمان إلى الله تعالى تائبًا، وأعطى آصف الخاتم، فوضعه في يده، فثبت في يده، فأقام آصف في ملك سليمان بسيرته، أربعة عشر يومًا، إلى أن رد الله تعالى على سليمان ملكه، وتاب عليه، فرجع إلى ملكه، وجلس على سريره، وأعاد الخاتم في يده، فثبت، فهو؛ أي: آصف الجسد الذي ألقي على كرسيه. وروي عن سعيد بن المسيب قال: احتجب سليمان عن الناس ثلاثة أيام، فأوحى الله تعالى إليه، احتجبت عن الناس ثلاثة أيام، فلم تنظر في أمور عبادي، فابتلاه الله تعالى، وذكر نحو ما تقدم من حديث الخاتم، وأخذ الشيطان إياه، قال القاضي عياض، وغيره من المحققين: لا يصح ما نقله الأخباريون من تشبيه الشيطان به، وتسليطه على ملكه، وتصرفه في أمته بالجور في حكمه، وإن الشياطين لا يسلطون على مثل هذا، وقد عصم الله تعالى الأنبياء من مثل هذا، والذي ذهب إليه المحققون، أن سبب فتنته، ما أخرجاه في «الصحيحين»، من حديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله ﷺ : قال سليمان: لأطوفن الليلة على تسعين امرأة، كلهن تأتي بفارس، يجاهد في سبيل الله تعالى، فقال له صاحبه: قل: إن شاء الله تعالى، فلم يقل: إن شاء الله، فطاف عليهن جميعا، فلم تحمل منه إلا امرأة واحدة، جاءت بشق رجل، وايم الله الذي نفسي

стр. 11135

بيده، لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله فرسانًا أجمعون، وفي رواية: لأطوفن بمئة امرأة، فقال له الملك: قل: إن شاء الله، فلم يقل، ونسي، قال العلماء: والشق: هو الجسد الذي ألقي على كرسيه، وهي عقوبته، ومحنته؛ لأنه لم يستثن، لما استغرقه من الحرص، وغلب عليه من التمني، وقيل: نسي أن يستثني، كما صح في الحديث، لينفذ أمر الله، ومراده فيه، وقيل: إن المراد بالجسد، الذي ألقي على كرسيه: أنه ولد له ولد، فاجتمعت الشياطين، وقال بعضهم: لبعض: إن عاش له ولد لم ننفك من البلاء، فسبيلنا أن نقتل ولده أو نخبله، فعلم بذلك سليمان، فأمر السحاب، فحمله، فكان يربيه في السحاب خوفا من الشياطين، فبينما هو مشتغل في بعض مهماته إذ ألقي ذلك الولد ميتا على كرسيه، فعاتبه الله تعالى على خوفه من الشياطين، ولم يتوكل عليه في ذلك، فتنبه لخطئه، فاستغفر ربه. فذلك قوله : ﴿وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنابَ﴾؛ أي: رجع إلى ملكه بعد الأربعين يومًا. ٣٥ - وقيل: أناب إلى الاستغفار. وهو قوله: ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾؛ أي: سأل ربه المغفرة، فقال: رب اغفر لي؛ أي: قال سليمان وهو بدل من أَنابَ، وتفسير له: رب اغفر لي ما صدر مني، من الزلة التي لا تليق بشأني. وتقديم (١) الاستغفار على استيهاب الملك الآتي، لمزيد اهتمامه بأمر الدين، وجريا على عادة الأنبياء ﵈ والصالحين، في تقديم الاستغفار على السؤال، ولكون ذلك أدخل في الإجابة. ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي﴾؛ أي: لا يكون، ولا يحصل ﴿لِأَحَدٍ﴾ من الخلق ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ إلي يوم القيامة. وقيل (٢): لا تسلبنيه في باقي عمري، وتعطيه غيري كما سلبته مني فيما مضى من عمري، وقرأ الجمهور (٣): ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ بسكون الياء، ونافع، وأبو عمر بفتح الياء. وذلك (٤) بأن يكون الظهور به بالفعل في عالم الشهادة، في الأمور العامة والخاصة مختصًا بي. وهو الغاية التي يمكنه بلوغها، دل على هذا المعنى قوله
следующие страницы →