← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 11131–11170 · переход к 11136.

стр. 11131

وهذه هي التي سنذكرها بعد. وعبارة «الخازن» هنا: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ﴾ بن داود ﵉؛ أي (١): اختبرناه، وابتليناه، بسلب ملكه عنه، وكان سبب ذلك ما ذكر عن وهب بن منبه قال: سمع سليمان بمدينة في جزيرة من جزائر البحر، يقال لها: صيدون، وبها ملك عظيم الشأن، ولم يكن للناس إليه سبيل لمكانه في البحر، وكان الله تعالى، قد آتى سليمان في ملكه سلطانًا، لا يمتنع عليه شيء في بر ولا بحر، إنما يركب إليه الريح، فخرج إلى تلك المدينة، تحمله الريح على ظهر الماء، حتى نزل بها بجنوده من الجن والإنس، فقتل ملكها، وسبى ما فيها، وأصاب فيما أصاب بنتا لذلك الملك، يقال لها: جرادة، لم ير مثلها حسنًا وجمالًا، فاصطفاها لنفسه، ودعاها إلى الإسلام، فأسلمت على جفاء منها وقلة فقه، وأحبها حبًا لم يحبه شيئًا من نسائه، وكانت على منزلتها عنده لا يذهب حزنها، ولا يرقأ دمعها، فشق ذلك على سليمان، فقال لها: ويحك ما هذا الحزن الذي لا يذهب، والدمع الذي لا يرقأ؟ قالت: إني أذكر أبي، وأذكر ملكه وما كان فيه وما أصابه، فيحزنني ذلك، فقال سليمان: فقد أبدلك الله به ملكا هو أعظم من ملكه، وسلطانًا أعظم من سلطانه، وهداك إلى الإسلام، وهو خير من ذلك، قالت: إن ذلك كذلك، ولكني إذا ذكرته أصابني ما تراه من الحزن، فلو أنك أمرت الشياطين، فصوروا لي صورته في داري التي أنا فيها، أراها بكرة وعشيًا، لرجوت أن يذهب ذلك حزني، وأن يسلي عني بعض ما أجد في نفسي، فأمر سليمان الشياطين، فقال: مثّلوا لها صورة أبيها في دارها، حتى لا تنكر منه شيئًا، فمثّلوه لها حتى نظرت إلى أبيها بعينه؛ إلا أنه لا روح فيه، فعمدت إليه حين صنعوه، فألبسته ثيابًا مثل ثيابه التي كان يلبسها، ثم كانت إذا خرج سليمان من دارها، تغدوا إليه في ولائدها، فتسجد له، ويسجدن معها كما كانت تصنع في ملكه، وتروح في كل عشية بمثل ذلك، وسليمان لا يعلم بشيء من ذلك أربعين صباحًا، وبلغ ذلك آصف بن برخيا، وكان صديقًا، وكان لا يرد عن

стр. 11132

أبواب سليمان؛ أي: ساعة أراد دخول شيء من بيوته، دخل حاضرًا كان سليمان أو غائبًا، فأتاه فقال: يا نبي الله كبر سني، ورق عظمي، ونفد عمري، وقد حان مني الذهاب، وقد أحببت أن أقوم مقامًا قبل الموت، أذكر فيه من مضى من أنبياء الله تعالى، وأثني عليهم بعلمي فيهم، وأعلّم الناس بعض ما كانوا يجهلون من كثير من أمرهم، فقال: افعل. فجمع له سليمان الناس، فقام فيهم خطيبًا، فذكر من مضى من أنبياء الله تعالى، وأثنى على كل نبي بما فيه، وذكر ما فضّله الله تعالى به، حتى انتهى إلى سليمان، فقال: ما كان أحكمك في صغرك، وأورعك في صغرك، وأفضلك في صغرك، وأحكم أمرك في صغرك، وأبعدك عن كل ما يكره الله تعالى في صغرك، ثم انصرف فوجد سليمان في نفسه من ذلك، حتى ملىء غضبًا، فلما دخل سليمان داره دعاه فقال: يا آصف ذكرت من مضى من أنبياء الله تعالى، فأثنيت عليهم خيرًا في كل زمانهم، وعلى كل حال من أمرهم، فلما ذكرتني جعلت تثني علي خيرًا في صغري، وسكت عما سوى ذلك من أمري في كبري، فما الذي أحدثت في آخر عمري؟. فقال آصف: إن غير الله يعبد في دارك منذ أربعين صباحًا، في هوى امرأة، فقال سليمان: في داري؟ قال: في دارك، قال: فإنا لله وإنا إليه راجعون، قد عرفت أنك ما قلت الذي قلت إلا عن شيء بلغك، ثم رجع سليمان إلى داره فكسر ذلك الصنم، وعاقب تلك المرأة وولائدها، ثم أمر بثياب الظهيرة فأتي بها، وهي ثياب لا يغزلها إلا الأبكار، ولا ينسجها إلا الأبكار، ولا يغسلها إلا الأبكار، لم تمسها يد امرأة قد رأت الدم، فلبسها، ثم خرج إلى فلاة من الأرض وحده، وأمر برماد، ففرش له، ثم أقبل تائبًا إلى الله تعالى، حتى جلس على ذلك الرماد، وتمعك به في ثيابه تذللًا إلى الله تعالى، وتضرعًا إليه يبكي، ويدعو، ويستغفر مما كان في داره، فلم يزل كذلك يومه حتى أمسى، ثم رجع إلى داره، وكانت له أم ولد، يقال لها: أمينة، كان إذا دخل الخلاء، أو أراد إصابة امرأة من نسائه، وضع خاتمه عندها حتى يتطهر، وكان لا يمس خاتمه إلا وهو طاهر، وكان ملكه في خاتمه، فوضعه يومًا عندها، ثم دخل مذهبه، فأتاها شيطان اسمه صخر المارد، في صورة سليمان، لا تنكر منه شيئًا، فقال: خاتمي أمينة، فتناولته إياه، فجعله في يده، ثم

стр. 11133

خرج حتى جلس على سرير سليمان، وعكفت عليه الطير والوحش والجن والإنس، وخرج سليمان، فأتى أمينة وقد تغيرت حالته، وهيئته عند كل من رآه، فقال: يا أمينة خاتمي، قالت: من أنت؟ قال: سليمان بن داود، فقالت: كذبت قد جاء سليمان وأخذ خاتمه، وهو جالس على سرير ملكه، فعرف سليمان أن خطيئته قد أدركته فخرج، فجعل يقف على الدار من دور بني إسرائيل، فيقول: أنا سليمان بن داود، فيحثون عليه التراب، ويقولون: انظروا إلى هذا المجنون أي شيء يقول، يزعم أنه سليمان، فلما رأى سليمان ذلك، عمد إلى البحر، فكان ينقل الحيتان لأصحاب السوق، ويعطونه كل يوم سمكتين، فإذا أمسى باع إحدى سمكتيه بأرغفة، ويشوي الأخرى فيأكلها، فمكث على ذلك أربعين صباحًا عدة ما كان يعبد الوثن في داره، ثم إن آصف وعظماء بني إسرائيل، أنكروا حكم عدو الله الشيطان في تلك المدة، فقال آصف: يا معشر بني إسرائيل هل رأيتم من اختلاف حكم ابن داود ما رأيتم؟ قالوا: نعم، فقال: أمهلوني حتى أدخل على نسائه، فأسألهن هل أنكرن من خاصة أمره، ما أنكرنا في عامة الناس وعلانيتهم؟ فدخل على نسائه، فقال: ويحكن هل أنكرتن من ابن داود ما أنكرنا؟ فقلن: أشد ما يدع امرأة في دمها، ولا يغتسل من الجنابة، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. قال الحسن: ما كان الله ، ليسلط الشيطان على نساء نبيه ﵇، قال وهب: ثم إن آصف خرج على بني إسرائيل، فقال: ما في الخاصة أشد مما في العامة، فلما مضى أربعون صباحًا، طار الشيطان عن مجلسه، ثم مر بالبحر، فقذف الخاتم فيه، فبلعته سمكة، فأخذها بعض الصيادين، وقد عمل له سليمان صدر يومه، فلما أمسى أعطاه سمكتيه، فباع سليمان إحداهما بأرغفة، وبقّر بطن الأخرى ليشويها، فاستقبله خاتمه في جوفها، فأخذه وجعله في يده، ووقع لله ساجدا، وعكفت عليه الطير والجن، وأقبل الناس عليه، وعرف الذي كان دخل عليه، لما كان أحدث في داره، فرجع إلى ملكه، وأظهر التوبة من ذنبه، وأمر الشياطين أن يأتوه بصخر، فطلبوه حتى أخذوه، فأُتي به، فأدخله في جوف صخرة، وسد عليه بأخرى، ثم أوثقها بالحديد والرصاص، ثم أمر به، فقذفوه في البحر، فعلى هذا الجسد الذي ألقي

стр. 11134

على كرسيه صخر سمي به، وهو جسم لا روح فيه؛ لأنه كان متمثلًا بما لم يكن كذلك، والخطيئة تغافله عن حال أهله؛ لأن اتخاذ التماثيل كان جائزا حينئذ، والسجود للصورة بغير علمه لا يضره. وقيل في سبب فتنة سليمان ﵇: إن جرادة كانت أبر نسائه عنده، وكان يأتمنها على خاتمه، فقالت له يوما: إن أخي بينه وبين فلان خصومة، فأحب أن تقضي له، فقال: نعم، ولم يفعل، فابتلي بقوله: نعم، وذكروا نحو ما تقدم، وقيل: إن سليمان لما افتتن سقط الخاتم من يده، فأعاده في يده فسقط، وكان فيه ملكه، فأيقن سليمان بالفتنة، فأتاه آصف، فقال: إنك مفتون بذلك، والخاتم لا يتماسك في يدك، ففر إلى الله تائبًا، فإني أقوم مقامك، وأسير بسيرتك إلى أن يتوب الله عليك، ففر سليمان إلى الله تعالى تائبًا، وأعطى آصف الخاتم، فوضعه في يده، فثبت في يده، فأقام آصف في ملك سليمان بسيرته، أربعة عشر يومًا، إلى أن رد الله تعالى على سليمان ملكه، وتاب عليه، فرجع إلى ملكه، وجلس على سريره، وأعاد الخاتم في يده، فثبت، فهو؛ أي: آصف الجسد الذي ألقي على كرسيه. وروي عن سعيد بن المسيب قال: احتجب سليمان عن الناس ثلاثة أيام، فأوحى الله تعالى إليه، احتجبت عن الناس ثلاثة أيام، فلم تنظر في أمور عبادي، فابتلاه الله تعالى، وذكر نحو ما تقدم من حديث الخاتم، وأخذ الشيطان إياه، قال القاضي عياض، وغيره من المحققين: لا يصح ما نقله الأخباريون من تشبيه الشيطان به، وتسليطه على ملكه، وتصرفه في أمته بالجور في حكمه، وإن الشياطين لا يسلطون على مثل هذا، وقد عصم الله تعالى الأنبياء من مثل هذا، والذي ذهب إليه المحققون، أن سبب فتنته، ما أخرجاه في «الصحيحين»، من حديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله ﷺ : قال سليمان: لأطوفن الليلة على تسعين امرأة، كلهن تأتي بفارس، يجاهد في سبيل الله تعالى، فقال له صاحبه: قل: إن شاء الله تعالى، فلم يقل: إن شاء الله، فطاف عليهن جميعا، فلم تحمل منه إلا امرأة واحدة، جاءت بشق رجل، وايم الله الذي نفسي

стр. 11135

بيده، لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله فرسانًا أجمعون، وفي رواية: لأطوفن بمئة امرأة، فقال له الملك: قل: إن شاء الله، فلم يقل، ونسي، قال العلماء: والشق: هو الجسد الذي ألقي على كرسيه، وهي عقوبته، ومحنته؛ لأنه لم يستثن، لما استغرقه من الحرص، وغلب عليه من التمني، وقيل: نسي أن يستثني، كما صح في الحديث، لينفذ أمر الله، ومراده فيه، وقيل: إن المراد بالجسد، الذي ألقي على كرسيه: أنه ولد له ولد، فاجتمعت الشياطين، وقال بعضهم: لبعض: إن عاش له ولد لم ننفك من البلاء، فسبيلنا أن نقتل ولده أو نخبله، فعلم بذلك سليمان، فأمر السحاب، فحمله، فكان يربيه في السحاب خوفا من الشياطين، فبينما هو مشتغل في بعض مهماته إذ ألقي ذلك الولد ميتا على كرسيه، فعاتبه الله تعالى على خوفه من الشياطين، ولم يتوكل عليه في ذلك، فتنبه لخطئه، فاستغفر ربه. فذلك قوله : ﴿وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنابَ﴾؛ أي: رجع إلى ملكه بعد الأربعين يومًا. ٣٥ - وقيل: أناب إلى الاستغفار. وهو قوله: ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾؛ أي: سأل ربه المغفرة، فقال: رب اغفر لي؛ أي: قال سليمان وهو بدل من أَنابَ، وتفسير له: رب اغفر لي ما صدر مني، من الزلة التي لا تليق بشأني. وتقديم (١) الاستغفار على استيهاب الملك الآتي، لمزيد اهتمامه بأمر الدين، وجريا على عادة الأنبياء ﵈ والصالحين، في تقديم الاستغفار على السؤال، ولكون ذلك أدخل في الإجابة. ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي﴾؛ أي: لا يكون، ولا يحصل ﴿لِأَحَدٍ﴾ من الخلق ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ إلي يوم القيامة. وقيل (٢): لا تسلبنيه في باقي عمري، وتعطيه غيري كما سلبته مني فيما مضى من عمري، وقرأ الجمهور (٣): ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ بسكون الياء، ونافع، وأبو عمر بفتح الياء. وذلك (٤) بأن يكون الظهور به بالفعل في عالم الشهادة، في الأمور العامة والخاصة مختصًا بي. وهو الغاية التي يمكنه بلوغها، دل على هذا المعنى قوله

стр. 11136

- ﷺ : «إن عفريتًا من الجن، تفلّت عليّ البارحة، ليقطع عليّ صلاتي، فأمكنني الله منه، فأخذته، فأردت أن أربطه على سارية من سواري المسجد، حتى تنظروا إليه كلكم، ويلعب به ولدان أهل المدينة، فذكرت دعوة أخي سليمان: رب اغفر لي وهب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي، فرددته خاسئًا»؛ أي: ذليلا مطرودا، لم يظفر بي، ولم يغلب على صلاتي، فدل على أن الملك الذي آتاه الله سليمان، ولم يؤت أحدًا غيره من بعده، هو الظهور بعموم التصرف في عالم الشهادة لا التمكن منه، فإن ذلك مما آتاه الله غيره من الكمل نبيا كان أو وليا. ألا ترى: أن نبينا ﷺ قال: «فأمكنني الله منه»؛ أي: من العفريت، فعلمنا أن الله تعالى، قد وهب التصرف فيه، بما شاء من الربط وغيره، ثم إن الله تعالى ذكره، فتذكر دعوة سليمان، فتأدب معه كمال التأدب، حيث لم يظهر بالتصرف في الخصوص .. فكيف في العموم؟. فرد الله ذلك العفريت، ببركة هذا التأدب خاسئًا عن الظفر به، وكان في وجود سليمان ﵇، قابلية السلطنة العامة، ولهذا ألهمه الله تعالى، أن يسأل الملك المخصوص به، فلم يكن سؤاله للبخل، والحسد، والحرص على الاستبداد بالنعمة والرغبة فيها، كما توهمه الجهلة. وعبارة «الخازن» هنا: فإن قلت: قول سليمان: ﴿لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ مشعر بالحسد، والحرص على الدنيا. قلت: لم يقل ذلك حرصًا على طلب الدنيا ولا نفاسة بها، ولكن كان قصده في ذلك، أن لا يسلط عليه الشيطان مرة أخرى، وهذا على قول من قال: إن الشيطان استولى على ملكه، وقيل: سأل ذلك ليكون علمًا وآية لنبوته، ومعجزة دالة على رسالته، ودلالة على قبول توبته، حيث أجاب الله تعالى دعاءه، ورد ملكه إليه، وزاده فيه، وقيل: غير ذلك. وعبارة «فتح الرحمن»: إن قلت: كيف (١) قال سليمان ذلك، مع أنه يشبه الحسد والبخل بنعم الله تعالى على عباده، بما لا يضر سليمان؟.

стр. 11137

قلت: المراد، لا ينبغي لأحد أن يسلبه مني في حياتي، كما فعل الشيطان الذي لبس خاتمي، وجلس على كرسيي، أو أن الله تعالى، علم أنه لا يقوم غيره مقامه، بمصالح ذلك المكان، واقتضت حكمته تعالى تخصيصه به، فألهمه سؤاله، انتهى. ثم علل المغفرة والهبة معًا، فقال: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ﴾ يا إلهي ﴿الْوَهَّابُ﴾؛ أي: الكثير المواهب والعطاء، فأجب طلبي، وحقق رجائي، فإن قيل (١): قوله: ﴿لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ هل يتناول النبي ﷺ أم لا؟ قلنا: أما بالصورة فيتناول، ولكن لعلو همته وكمال قدره لا لعدم استحقاقه؛ لأنه عُرض عليه ﷺ ملك أعظم من ملكه، فلم يقبله، وقال: الفقر فخري. وأما بالمعنى: فلم يتناول النبي ﷺ ؛ لأنه قال: «فضلت على الأنبياء بست» يعني: على جميع الأنبياء، ولا خفاء في أن سليمان ﵇، ما بلغ درجة واحد من أولي العزم من الرسل، مع اختصاصه بصورة الملك منهم، وهم معه مفضولون بست فضائل من النبي ﷺ . ٣٦ - ثم أخبر سبحانه، بأنه أجاب دعاءه، ووفقه لتحصيل ما أراد، وعدد نعمه عليه. فقال: ١ - ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ﴾؛ أي: فذللنا لطاعة سليمان إجابة لدعوته ﴿الرِّيحَ﴾. قال أبو عمرو: إنها ريح الصبا؛ أي: جعلناها مطيعة له، لا تخالفه إجابة لدعوته، فعاد أمره ﵇، على كان عليه قبل الفتنة، فيكون ذلك مسببًا عن إنابته إلى ربه. وفيه: إشارة إلى أن سليمان، لما فعل بالصافنات الجياد. ما فعل في سبيل الله، عوّضه الله مركبًا مثل الريح، كان غدوها شهرا، ورواحها شهرًا. كما في «التأويلات النجمية». وقد سبق أيضًا «كشف الأسرار»: قال البقلي، ﵀: كان سليمان ﵇، من فرط حبه جمال الحق، يحب أن يظهر إلى صنائعه، وممالكه ساعة، فساعة من الشرق إلى الغرب، حتى يدرك عجائب ملكه

стр. 11138

وملكوته، فسخر الله له الريح، وأجراها بمراده، وهذا جزاء صبره في ترك حظوظ نفسه. وقوله: ﴿تَجْرِي﴾ وتهب ﴿بِأَمْرِهِ﴾؛ أي: بأمر سليمان. بيان لتسخيرها له. وقوله: ﴿رُخاءً﴾ حال من ضمير ﴿تَجْرِي﴾؛ أي: حالة كون تلك الريح، لينة الهبوب، طيبة لا عاصفة تزعزع، ولا ينافي (١) هذا قوله في آية أخرى ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾؛ لأن المراد: أنها في قوة العاصفة ولا تعصف. وقيل: إنها كانت تارة رخاء، وتارة عاصفة على ما يريده سليمان، ويشتهيه، وهذا أولى في الجمع بين الآيتين، أو المعنى: لينة في أثناء سيرها عاصفة في أوله. وقوله: ﴿حَيْثُ أَصابَ﴾ ظرف لـ ﴿تَجْرِي﴾؛ أي: تجري إلى حيث قصد وأراد من النواحي والأطراف. واعلم: أن المراد بقوله: ﴿بِأَمْرِهِ﴾: جريان الريح بمجرد أمره من غير جمعية خاطر، ولا همة قلب، فهو الذي جعل الله من الملك، الذي لا ينبغي لأحد من بعده، لا مجرد التسخير، فإن الله تعالى، سخر لنا أيضًا ما في السموات وما في الأرض وما بينهما، ولكن إنما تفعل أجرام العالم لهمم النفوس، إذا أقيمت في مقام الجمعية، فهذا التسخير عن أمر الله، لا عن أمرنا، كحال سليمان ﵇، والمعنى؛ أي: فذللنا لطاعته إجابة لدعوته الريح، تجري لينةً طائعة له، لا تمتنع عليه إلى أي جهة قصد. وقرأ الجمهور (٢): ﴿الرِّيحَ﴾ بالإفراد. وقرأ الحسن، وأبو رجاء، وقتادة، وأبو جعفر: الرياح بالجمع، وهو أعم لعظم ملك سليمان، وإن كان المفرد بمعنى الجمع لكونه اسم جنس. ٢ - ٣٧ ﴿وَالشَّياطِينَ﴾ معطوف على الريح ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ﴾ بدل من الشياطين، وهو مبالغة بأن اسم فاعل من بنى، وكانوا يعملون له ﵇، ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان، كالجواب وقدور راسيات، كما سبق في سورة سبأ، ويبنون له الأبنية الرفيعة بدمشق واليمن، ومن بنائهم: بيت المقدس واصطخر

стр. 11139

وهي من بلاد فارس، تنسب إلى صخر الجنّيّ، المراد بقوله تعالى: ﴿قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾. ﴿وَغَوَّاصٍ﴾ معطوف على ﴿بَنَّاءٍ﴾. مبالغة غائص. اسم فاعل من غاص الماء يغوص غوصًا؛ أي: يغوصون في الماء، ويستخرجون له من البحر الدرر، والجواهر، والحلي، وهو أول من استخرج اللؤلؤ من البحر. والمعنى: أي وذللنا لأمره البنائين من الشياطين والغواصين في البحار، منهم يسخرهم فيما يريد من الأعمال، فإذا أراد بناء العمائر والقصور، أو الحصون والقناطر، أنجزوها له في الزمن القصير، وإذا أحب استخراج اللؤلؤ والمرجان من البحار، لجعلهما حلية لمن في قصورة لبوا طلبه سراعًا. ٣ - ٣٨ ﴿وَآخَرِينَ﴾ معطوف على ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ﴾، داخل في حكم البدل؛ أي: وسخرنا له شياطين آخرين، مخالفين أمره ليصفدهم في الأصفاد، وقوله: ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ بصيغة اسم المفعول، من التفعيل، صفة لـ ﴿آخَرِينَ﴾ من قرّنت الشيء بالشيء؛ أي: وصلته به، وشدد العين للمبالغة والكثرة، ﴿فِي الْأَصْفادِ﴾ متعلق بمقرنين، جمع صفد محركة، وهو القيد من الحديد، ويسمى الأغلال، والسلاسل. ومعنى الآية: وسخرنا له شياطين آخرين لا يبنون، ولا يغوصون، فقرنهم، وأوثقهم في الأصفاد، والسلاسل، والأغلال من الحديد، لكفهم عن الشر والفساد. وخلاصة ما سلف (١): أن سليمان قد استعمل الشياطين في الأعمال الشاقة كالبناء والغوص في الماء، ومن لم يطع أمره، وضعه في السلاسل والأغلال، كفا لشره، وعقابا له، وعبرة لغيره، فإن قيل: إن (٢) هذه الآية، تدل على أن الشياطين لها قوة عظيمة، قدروا بها على تلك الأبنية العظيمة، التي لا يقدر عليها البشر، وقدروا على الغوص في البحار، واستخراج جواهرها، وأنى يمكن

стр. 11140

تقييدهم وتصفيدهم بالأغلال والأصفاد؟. وفيه إشكال، وهو أن هذه الشياطين، إما أن تكون أجسادهم كثيفة أو لطيفة، فإن كانت كثيفة، وجب أن يراهم من كان صحيح الحاسة، إذ لو جاز أن لا يراهم مع كثافة أجسادهم، لجاز أن يكون بحضرتنا جبال عالية، وأصوات هائلة لا نراها، ولا نسمعها، وذلك سفسطة، وإن كانت أجسادهم لطيفة، واللطافة تنافي الصلابة، فمثل هذا يمتنع أن يكون موصوفا بالقوة الشديدة، بحيث يقدر بها على ما لا يقدر عليه البشر؛ لأن الجسم اللطيف، يكون ضعيف القوام، تتمزق أجزاؤه بأدنى المدافعة، فلا يطيق تحمل الأشياء الثقيلة، ومزاولة الأعمال الشاقة، وأيضا لا يمكن تقييده بالأصفاد والأغلال، قلنا: إن أجسادهم لطيفة، ولكن شفافة، ولطافتها لا تنافي صلابتها، بمعنى الامتناع من التفرق، فلكونها لطيفة لا ترى، ولكونها صلبة يمكن تقييدها، وتحملها الأشياء الثقيلة ومزاولتها الأعمال الشاقة، ولو سلم أن اللطافة تنافي الصلابة، إلا أنا، لا نسلم أن اللطيف الذي لا صلابة له، يمتنع أن يتحمل الأشياء الثقيلة، ويقدر على الأعمال الشاقة، ألا ترى: أن الرياح العاصفة تفعل أفعالًا عجيبة، لا تقدر عليها جماعة من الناس. وفي «الأسئلة المقحمة»: الجن أجسام مؤلفة، وأشخاص ممثلة، ولا دليل يقضي بأن تلك الأجسام لطيفة أو كثيفة، بل يجوز أن تكون لطيفة، وأن تكون كثيفة، وإنما لا نراهم لا للطافتهم كما يزعمه المعتزلة، ولكن لأن الله تعالى لم يخلق فينا إدراكًا لهم، انتهى. والحق أن يقال (١): إنا لا نعلم حقيقة تلك القيود، ولا كيف تكون العقوبة، كما لا نعلم كيف يشتغل الشياطين، وكيف يبنون أو يغوصون؟. فكل ذلك في عالم لا ندرك شيئًا من أحواله، فعلينا أن نؤمن، بأن سليمان لعظم ملكه، لم يكتف بتسخير الإنس في أعماله، بل سخر معهم الجن، فيما يصعب عليهم، ونتقبل هذا كما قصه القرآن، دون دخول في التفاصيل خوفًا من الزلل الذي لا

стр. 11141

تؤمن مغبته، ولا نصل أخيرًا إلى معرفة الحق فيه، ولنكتف بذلك، فالعبرة به ماثلة ولا نتزيد فيه. روي (١): أن الله تعالى أجاب دعاء سليمان، بأن سخر له ما لم يسخره لأحد من الملوك، وهو الرياح، والشياطين، والطير، وسخر له من الملوك، ما لم يتيسر لغيره مثل ذلك، فإنه روي: أنه ورث ملك أبيه داود، في عصر كيخسرو بن سياوش، وسار من الشام إلى العراق، فبلغ خبره إلى كيخسرو، فهرب إلى خراسان، فلم يلبث إلا قليلًا حتى هلك، ثم سار إلى مرو ثم سار إلى بلاد الترك فوغل فيها، ثم جاز بلاد الصين، ثم عطف إلى أن وافى بلاد فارس، فنزلها أيامًا، ثم عاد إلى الشام، ثم أمر ببناء بيت المقدس، فلما فرغ منه سار إلى تهامة، ثم إلى صنعاء، وكان من حديثه مع صاحبة صنعاء، وهي بلقيس، ما ذكره الله في كتابه الكريم. وغزا بلاد المغرب، والأندلس، وطنجة وإفرنجة، ونواحيها. ٣٩ - ثم ذكر سبحانه، أنه أباح له أن يتصرف في كل هذا الملك الواسع، كما شاء، دون رقيب ولا حسيب. فقال: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا﴾ وهو معمول لقول محذوف؛ أي (٢): فسخرنا له جميع ما ذكر، وقلنا له: هذا الذي أعطيناك من الملك العظيم والبسطة، والتسلط على ما لم يتسلط عليه غيرك، عطاؤنا الخاص بك، الذي لا يقدر عليه غيرنا. ﴿فَامْنُنْ﴾؛ أي: فأعط منه من شئت من قولهم: من عليه منا إذا أنعم عليه. ﴿أَوْ أَمْسِكْ﴾؛ أي: وامنع منه من شئت. و ﴿أَوْ﴾ هنا للإباحة. وقوله: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ حال من المستكن في الأمر؛ أي: حالة كونك غير محاسب على منّه وإحسانه، ومنعه وإمساكه، لا حرج عليك فيما أعطيت، وفيما أمسكت، لتفويض التصرف فيه إليك على الإطلاق. وقيل (٣): الإشارة إلى تسخير الشياطين، والمراد بالمن والإمساك: إطلاقهم أو إبقائهم في القيد. وفي «المفردات»: قيل: تصرف فيه تصرف من لا يحاسب؛ أي: تناول كما تحب في

стр. 11142

وقت ما تحب، وعلى ما تحب، وأنفقه كذلك، انتهى. قال الحسن. ما أنعم الله على أحد نعمة، إلا كان عليه تبعة إلا سليمان. فإن أعطى أجر عليه، وإن لم يعط لم يكن عليه تبعة وإثم. وهذا مما خص به، والتبعة: ما يترتب على الشيء من المضرة، وكل حق يجب للمظلوم على الظالم بمقابلة ظلمه عليه، قال بعض المحققين: كان سؤال سليمان ذلك عن أمر ربه، والطلب إذا وقع عن الأمر الإلهي كان امتثال أمر وعبادة، فللطالب الأجر التام على طلبه، من غير تبعة حساب ولا عقاب، فهذا الملك والعطاء، لا ينقصه من ملك آخرته شيئًا، ولا يحاسب عليه أصلًا، كما يقع لغيره، وأما ما روي: أن سليمان آخر الأنبياء دخولًا الجنة لمكان ملكه، فعلى تقدير صحته، لا ينافي الاستواء بهم في درجات الجنة، ومطلق التأخر في الدخول لا يستلزم الحساب. وقد روي: أن الأغنياء يدخلون الجنة بعد الفقراء بخمس مئة سنة، ويجوز أن يكون بغير حساب حالًا من العطاء؛ أي: هذا عطاؤنا ملتبسًا بغير حساب، لغاية كثرته، كما يقال للشيء الكثير: هذا لا يحيط به حساب أو صلة له، وما بينهما اعتراض على التقديرين. ٤٠ - وبعد (١) أن ذكر ما أوتيه من نعم الدنيا، التي يحار العقل في إدراكها أبان ما له في الآخرة عند ربه، من مقام كريم وجنات نعيم، فقال: ﴿وَإِنَّ لَهُ﴾؛ أي: لسليمان ﵇ ﴿عِنْدَنا لَزُلْفى﴾؛ أي: لقربى في الآخرة مع ما له من الملك العظيم في الدنيا ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾؛ أي: وحسن مرجع، وهو الجنة؛ أي: وإن له في الآخرة لقربى وكرامة لدينا، فنبوّئه جنات النعيم، ونؤتيه الإجلال والتعظيم، فهو كما كان سعيدًا في الدنيا، يكون سعيدًا في الآخرة، ويفوز برضا ربه وعظيم كرامته. جعلنا الله ممن كتبت له السعادة في الدنيا، والكرامة، والمثوبة لديه في جنات النعيم، وجملة ﴿إِنَّ﴾ حال من الضمير في ﴿سخرنا﴾؛ أي: أعدنا له الملك، والحال أن منزلته عندنا، لم تزل بزوال الملك، ولم تتغير بتغيره، بل

стр. 11143

وقع له امتحان ظاهري فقط، ورتبته على ما هي عليه، اهـ شيخنا. وختم قصته، بما ذكر في قصة والده، وهو قوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ دفعًا لما يتوهم من نقصان درجاتهما في الآخرة، بسبب ما أوتيا في الدنيا من الملك العظيم، والتسخير العجيب. وقرأ الجمهور: ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ بالنصب عطفًا على ﴿لَزُلْفى﴾. وقرأ الحسن، وابن أبي عبلة بالرفع، ويقفان على ﴿لَزُلْفى﴾ ويبتدآن ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾. وهو مبتدأ خبره محذوف تقديره: وحسن مآب كائن له، وعلى قراءة الجمهور ﴿لَزُلْفى﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾، والخبر ﴿لَهُ﴾، والعامل في عند الخبر كما سيأتي، وفي الحديث: «أرأيتم ما أعطي سليمان بن داود من ملكه، فإن ذلك لم يزده إلا تخشعًا، ما كان يرفع بصره إلى السماء تخشعًا لربه». ولذا وجد الزلفى وحسن المرجع، فطوبى له، حيث كان فقيرًا في صورة الغني. روي: أن سليمان ﵇، فتن بعد ما ملك عشرين سنة، وملك بعد الفتنة عشرين سنة، ثم انتقل إلى حسن مآب. قصص أيوب ﵇ ٤١ - ﴿وَاذْكُرْ﴾ يا محمد لقومك، أو تذكر بقلبك، ليكون أسوة لك، فهو معطوف على ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾، وعدم تصدير قصة سليمان بهذا العنوان، لكمال الاتصال بينه وبين داود، حتى كأن قصتهما قصة واحدة. ﴿عَبْدَنا أَيُّوبَ﴾؛ أي: قصة عبدنا أيوب بن آموى بن رازخ بن روم بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم ﵇، وأمه من أولاد لوط بن هاران، وزوجته رحمة بنت أفراثيم بن يوسف ﵇، أو ليّا بنت يعقوب ﵇، ولذا قال في «كشف الأسرار»: كان أيوب في زمان يعقوب. أو ما خير بنت ميشا بن يوسف. والأول أشهر الأقاويل. قال القرطبي: لم يؤمن بأيوب إلا ثلاثة نفر، وعمره ثلاث وتسعون، وقوله: ﴿أَيُّوبَ﴾ عطف بيان للعبد. وقوله: ﴿إِذْ نادى رَبَّهُ﴾ بدل اشتمال من ﴿عَبْدَنا﴾؛ أي: واذكر إذ دعا أيوب ربه، وتضرع إليه بلسان الاضطرار، والافتقار ﴿أَنِّي﴾؛ أي: بأني ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ﴾؛ أي: أصابني

стр. 11144

﴿بِنُصْبٍ﴾؛ أي: ضر وبلاء ﴿وَعَذابٍ﴾؛ أي: إيجاع وألم شديد. فعطفه على النصب من عطل المسبب على السبب. وقرأ الجمهور: ﴿أَنِّي﴾ بفتح الهمزة على أنه حكاية لكلامه الذي نادى ربه به، ولو لم يحكه لقال: إنه مسه. لأنه غائب. وقرأ عيسى بن عمر: بكسرها على إضمار القول، وأسند المس إلى الشيطان، قال الزمخشري: لما كانت وسوسته إليه، وطاعته له فيما وسوس، سببا فيما مسه الله به من النصب والعذاب، نسب إليه، وقد راع الأدب في ذلك، حيث لم ينسبه إلى الله في دعائه، مع أنه فاعله، ولا يقدر عليه أحد إلا هو. والمعنى: واذكر يا محمد لقومك، صبر أيوب حين نادى ربه، وقال: رب إني أصبت بالمرض، وتفرق الأهل، وضياع الولد. ولا يناسب مناصب الأنبياء ما ذكره الزمخشري، من أن أيوب، كانت منه طاعة للشيطان فيما وسوس به، وأن ذلك، كان سببًا لما مسه الله به من النصب والعذاب. وقرأ الجمهور: ﴿بِنُصْبٍ﴾ بضم النون وسكون الصاد، قيل: جمع نصب كوثن ووثن، وأسد وأسد. وقيل: هو لغة في النصب نحو: رشد ورشد، وقرأ أبو جعفر يزيد بن القعقاع، وشيبة، ونافع في رواية عنه، وأبو عمارة في حفص، والجعفي، وأبو معاذ عن نافع بضمتين، ورويت هذه القراءة عن الحسن. وقرأ زيد بن علي، والحسن في رواية، والسدي، وابن أبي عبلة، ويعقوب، والجحدري بفتحتين، وقرأ أبو حيوة، ويعقوب في رواية، وهبيرة عن حفص بفتح النون وسكون الصاد، وهذه القراءات كلها بمعنى واحد، وإنما اختلفت القراءات باختلاف اللغات، وقال أبو عبيدة: إن النَّصَبَ - بفتحتين -: التعب والإعياء. وعلى بقية القراءات: الشر والبلاء. ومعنى قوله: ﴿وَعَذابٍ﴾؛ أي: ألم. قال قتادة، ومقاتل: النصب في الجسد والعذاب في المال، قال النحاس: وفيه بعد كذا قال. والأولى تفسير النصب بالمعنى اللغوي، وهو التعب والإعياء، وتفسير العذاب بما يصدق عليه مسمى العذاب، وهو الألم، وكلاهما راجع إلى البدن.

стр. 11145

وليس هذا المذكور هنا تمام دعائه ﵇، بل من جملته قوله: ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾، فاكتفي هاهنا عن ذكره، بما في سورة الأنبياء، كما ترك هناك ذكر الشيطان، ثقة بما ذكره هنا، فإن قلت: لا قدرة للشيطان البتة على إيقاع الناس في الأمراض، والأسقام، لأنه لو قدر على ذلك لسعى في إهلاك الأنبياء، والأولياء، والعلماء، والصالحين، فهو لا يقدر أن يضر أحدًا إلا بطريق إلقاء الوساوس والخواطر الفاسدة، فما معنى إسناد المس إليه؟ قلت: إن الذي أصابه، لم يصبه إلا من الله تعالى، إلا أنه أسنده إلى الشيطان، لسؤال الشيطان منه تعالى، أن يمسه الله تعالى بذلك الضر، امتحانا لصبره، ففي إسناده إليه دون الله تعالى، مراعاة للأدب كما مر آنفًا، وقيل: إنه لما عمل بوسوسته، عوقب على ذلك بذلك النصب والعذاب، فنسبه إليه، فقد قيل: إنه أعجب بكثرة ماله، وقيل: استغاثه مظلوم فلم يغثه، وقيل: إنه قال ذلك؛ لأن الشيطان وسوس إلى أتباعه، فرفضوه، وأخرجوه من ديارهم، وقيل المراد به: ما كان يوسوسه الشيطان إليه حال مرضه وابتلائه، من تحسين الجزع، وعدم الصبر على المصيبة، وقيل غير ذلك. والله أعلم. روي: أن أيوب ﵇، كان له أموال كثيرة من صنوف مختلفة، وهو مع ذلك كله، كان مواظبا على طاعة الله، محسنا للفقراء واليتامى، وأرباب الحاجات، فحسده إبليس لذلك، وقال: إنه يذهب بالدنيا والآخرة، فقال: إلهي عبدك أيوب قد أنعمت عليه فشكرك، وعافيته فحمدك، ولو ابتليته بنزع النعمة والعافية لتغير عن حاله، فقال تعالى: إني أعلم منه أن يعبدني ويحمدني على كل حال، فقال إبليس: يا رب سلطني عليه، وعلى أولاده وأمواله. ٤٢ - وقوله: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ مقول لقول محذوف، معطوف على مقدر تقديره: واذكر يا محمد، إذ نادى أيوب ربه فاستجبنا له، وقلنا له على لسان جبرائيل، حين انقضاء مدة بلائه: اركض، واضرب برجلك وقدمك الأرض، وهي أرض الجابية بلد في الشام من أقطاع أبي تمام، فضربها، فنبعت عين ماء، فقلنا له: ﴿هَذَا﴾ الماء النابع ﴿مُغْتَسَلٌ﴾؛ أي: ماء يغتسل به ﴿بارِدٌ﴾ فاغتسل به،

стр. 11146

فباغتسالك به يبرأ ظاهرك مما به ﴿وَشَرابٌ﴾ تشرب منه، فيبرأ باطنك مما به، والواو لتأكيد الصفة بالموصوف والظاهر (١): أن المشار إليه كان واحدًا، والعين التي نبعت له عينان شرب من إحداهما، واغتسل من الأخرى، وقيل: ضرب برجله اليمنى، فنبعت عين حارة، فاغتسل بها، وباليسرى فنبعت باردة فشرب منها، وهذا مخالف لظاهر قوله: ﴿مُغْتَسَلٌ بارِدٌ﴾، فإنه يدل على أنه ماء واحد، وقال الحسن: ركض برجله، فنبعت عين ماء، فاغتسل منها، ثم مشى نحوًا من أربعين ذراعًا، ثم ركض برجله، فنبعت عين ماء فشرب منها، قيل: والجمهور على أنه ركض ركضتين، فنبعت له عينان شرب من إحداهما، واغتسل من الأخرى، والجمهور على أنه تعالى أحيا له من مات من أهله، وعافى المرضى، وجمع عليه من شتت منهم. قال ابن عباس ﵄: مكث في البلاء سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات لم يغمض فيهن، ولم ينقلب من جنب إلى جنب، كما في زهرة الرياض. ولا نعلم (٢) على وجه التحقيق، قدر الزمن الذي لحقه فيه الضر، ولا نوع هذا الضر، إذ القرآن لم يصرح بهذا، ولكنا نعلم على وجه، لا يقبل الشك أنه لم يصب بأذى ينفّر منه الناس، ويمنعهم من لقائه والجلوس معه؛ لأن ذلك شرط من شروط النبوة، كما أنّا نعلم من وصف الدواء الآتي الذي أوحى الله تعالى به إليه، أنه من الأمراض الجلدية التي تشفيها المياه المعدنية أو الكبريتية، كما أشار إلى ذلك بقوله واصفا الدواء: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ (٤٢)﴾؛ أي: حرك الأرض برجلك، واضربها بها يخرج ينبوع من الماء تغتسل منه وتشرب، فتبرأ مما أنت فيه من المرض. وفي هذا (٣): إيماء إلى نوع المرض، الذي كان به، وأنه من الأمراض الجلدية غير المعدية كالأكزيما، والحكة، ونحوهما مما يتعب الجسم، ويؤذيه أشد الإيذاء، لكنه ليس بقتال، وكلما تقدم الطب، أمكن للطبيب أن يبين نوع هذا

стр. 11147

المرض على وجه التقريب، لا على وجه التحديد، كما أن في ذلك إيماء، إلى أن الماء كان من المياه الكبريتية، ذات الفائدة الناجحة في تلك الأمراض. وهي كما تفيد بالاستعمال الظاهري تفيد بالشرب أيضًا، كما نرى في العيون التي في البلاد، التي أنشئت فيها الحمامات في أوروبا ومصر والحبشة وغيرها، واستعملت مصحات للأمراض الجلدية والأمراض الباطنية، كمياه فيشي، وسويسرا، وحلوان، وكوسم، وعرر من الحبشة. ٤٣ - وكما دفع عنه سبحانه الضر، إجابة لدعائه، أجاب دعاءه في أهله وولده، فقال: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ﴾ معطوف (١) على مقدر؛ أي: فاغتسل وشرب، فكشفنا بذلك ما به من ضر، كما في سورة الأنبياء، ووهبنا له أهله، وكانوا ثلاثة عشر، روى الحسن: أن الله تعالى، أحياهم بعد هلاكهم؛ أي: بما ذكر من أن إبليس هدّم عليهم البناء فماتوا. ﴿وَ﴾ وهبنا له ﴿مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ عطف على ﴿أَهْلَهُ﴾. فكان له من الأولاد ضعف ما كان له قبل؛ أي: زاده على ما كان قبل البلاء، فكانوا مثلي ما كانوا من قبل ابتلائه، وانتصاب قوله: ﴿رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ مفعولان لأجله؛ أي: ووهبناهم له لأجل رحمة عظيمة عليه من عندنا، ولتذكير أصحاب العقول السليمة بذلك، ليصبروا على الشدائد كما صبر، ويلجؤوا إلى الله تعالى، فيما ينزل بهم، كما لجأ هو إليه، ليفعل بهم مثل ما فعل به من حسن العاقبة. والمعنى (٢): أي وجمعنا له أهله بعد التفرق والتشتت، وأكثرنا نسلهم حتى صاروا ضعف ما كانوا عليه رحمة منا، وتذكرة لأصحاب العقول السليمة، لتعتبر وتعلم أن رحمة الله قريب من المحسنين، وأن من العسر يسرًا، وأن الإنسان لا يقنط من الفرج بعد الشدة: عَسَى فَرَجٌ يَأْتِيْ بِهِ اللهُ إِنَّهُ ... لَهُ كُلَّ يَوْمٍ فِيْ خَلِيْقَتِهِ أَمْرُ ولم يذكر لنا الكتاب الكريم، ماذا كانت حاله في ماله؟، فنُمسك عن

стр. 11148

الكلام كما أمسك. ٤٤ - ثم ذكر أنه رخص له سبحانه في تحلة يمينه، فقال: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ معطوف (١) على ﴿ارْكُضْ﴾ أو على ﴿وَهَبْنا﴾ بتقدير: وقلنا خذ بيدك إلخ. والأول أقرب لفظًا، وهذا أنسب معنى، فإن الحاجة إلى هذا الأمر لا تمس إلا بعد الصحة؛ أي: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾؛ أي: ملء كفك من حشيش، أو عيدان، أو ريحان أو عثكال نخل بشماريخه ﴿فَاضْرِبْ بِهِ﴾؛ أي: بذلك الضغث زوجك، وبر في يمينك ﴿وَلا تَحْنَثْ﴾ فيها، فإن البر يتحقق بذلك، فأخذ ضغثًا، فضربها به ضربة واحدة، يقال: حنث في يمينه إذا لم يف بها، وكان (٢) حلف في مرضه ليضربن امرأته مئة سوط إذا برأ. فحلل يمينه بأهون شيء عليه وعليها لحسن خدمتها إياه، وهذه الرخصة باقية إلى يوم القيامة، ويجب أن يصيب المضروب كل واحدةٍ من المئة. والسبب في يمينه، أنها أبطأت عليه ذاهبةً في حاجة، وقيل: باعت ذؤابتيها برغيفين، إذ لم تجد شيئًا، وكان أيوب يتعلق بهما إذا أراد القيام، وقيل: غير ذلك، وهذا الذي ذكرنا أليق بالمقام، والضغث: عثكال النخل بشماريخه، وقال الواحدي: الضغث ملء الكف من الشجر، والحشيش، والشماريخ. فإن قلت (٣): لم قال الله سبحانه، لأيوب ﵇: ﴿وَلا تَحْنَثْ﴾، وقال لمحمد ﷺ : ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ﴾؟. قلت: لأن كفارة اليمين لم تكن لأحد قبلنا، بل هي لنا، مما أكرم الله به هذه الأمة، بدليل قوله تعالى: ﴿لَكُمْ﴾، كذا في «أسئلة الحكم»، وفي كلام بعض المفسرين: لعل التكفير لم يجز في شرعهم، أو أن الأفضل الوفاء به، انتهى. والمعنى (٤): أي وخذ حزمة صغيرة من ريحان، أو كلأ أو عثكال نخل، فاضرب بها، فيكون ذلك تحلة ليمينك التي حلفتها، والكتاب الكريم لم يبين لنا

стр. 11149

علام حلف، وعلى من حلف. ويذكر الرواة: أنه حلف على زوجته رحمة، بنت أفراثيم، وقد كانت ذهبت لحاجة، فأبطأت عليه، فحلف ليضربنها إن برىء مئة ضربة. فرخص له ربه أن يأخذ حزمة صغيرة، ويضربها بها، وبذا يتحقق البر في يمينه رحمة به، وبها لحسن خدمتها له، وقيامها بواجباته المنزلية أثناء مرضه. وفي هذا مخرج، وفرج لمن اتقى الله، وأناب إليه، ولهذا قال عز اسمه: ﴿إِنَّا وَجَدْناهُ﴾؛ أي: وجدنا أيوب، وعلمناه ﴿صَابِرًا﴾ على ما أصابه في النفس، والأهل، والمال من البلاء الذي ابتليناه، فإنه ابتلي بالداء العظيم في جسده، وذهاب ماله، وأهله، وولده، فصبر على ذلك، وفي «التأويلات النجمية»: يشير إلى أن أيوب ﵇، لم يكن ليجد نفسه صابرًا، لولا أنا وجدناه؛ أي: جعلناه صابرًا. يدل على هذا المعنى، قوله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾؛ أي: هو الذي صبرك وإن لم تكن تصبر، انتهى. روي (١): أنه بلغ أمر أيوب ﵇، إلى أن لم يبق منه إلا القلب، واللسان، فجاءت دودة إلى القلب فعضته، وأخرى إلى السان فعضته، فعند ذلك دعا أيوب، فوقعت دودة في الماء، فصار علقًا، وأخرى في البر، فصار نحلًا يخرج منه العسل، وفي «زهرة الرياض»: أنه بقي على بدنه أربعة من الديدان: واحد طار ووقع على شجرة الفرصاد فصار دود القز، وواحد وقع في الماء فصار علقًا، وواحد وقع في الحبوب فصار سوسًا، والرابع طار ووقع في الجبال والأشجار فصار نحلًا، وهذا بعد ما كشف الله عنه. ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ أيوب، وحسن ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ تعليل (٢) لمدحه؛ أي: إنما قيل فيه: نعم العبد؛ لأنه رجاع إلى الله تعالى، لا إلى الأسباب، مقبل بجملة وجوده إلى طاعته، أو رجّاع إلى الحضرة في طلب الصبر على البلاء والرضى بالقضاء، ولقد سوى الله ، بين عبديه اللذين، أحدهما: أنعم عليه فشكر، والآخر: ابتلي فصبر، حيث أثنى عليهما ثناءً واحدًا، فقال في وصف سليمان:

стр. 11150

﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، وفي وصف أيوب كذلك، ولم يلزم من الأوابية الذنب، لأن بلاء أيوب، كان من قبيل الامتحان. والمعنى: أي (١) إنا وجدنا أيوب صابرًا على ما أصابه في النفس والأهل والمال، من أذى، فجازيناه بما فرّج كربته وأذهب لوعته، وليس في الشكوى إلى الله إخلال بالصبر، وليس فيه شيء من الجزع، فهو كتمني العافية وطلب الشفاء، وقد روي أنه كان يقول كلما أصابته مصيبة: اللهم أنت أخذت وأنت أعطيت، وكان يقول في مناجاته: إلهي قد علمت أنه لم يخالف لساني قلبي، ولم يتبع قلبي بصري، ولم يلهني ما ملكت يميني، ولم آكل إلا ومعي يتيم، ولم أبت شبعان ولا كاسيًا ومعي جائع أو عريان. فإن قلت (٢): كيف وصف الله تعالى أيوب ﵇ بالصبر، مع أن الصبر ترك الشكوى من ألم البلوى، وهو قد شكا بقوله: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ﴾، وقوله: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾؟. قلت: الشكوى إلى الله تعالى لا ينافي الصبر، ولا تسمى جزعًا لما فيها من الجهاد والخضوع والعبودية لله تعالى، والافتقار إليه، ويؤيده قول يعقوب ﵇: ﴿إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ مع قوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾، وقولهم: الصبر ترك الشكوى؛ أي: إلى العباد، أو أنه ﵇، طلب الشفاء من الله تعالى، بعد ما لم يبق منه إلا قلبه ولسانه، خيفة على قومه، أن يفتنهم الشيطان، ويوسوس إليهم، أنه لو كان نبيًا لما ابتلي بما هو فيه، ولكشف الله ضره إذا دعاه. ويروى: أن الله تعالى لما أذهب عن أيوب ما كان فيه من الأذى، أنزل عليه ثوبين أبيضين من السماء، فاتزر بأحدهما، وارتدى بالآخر، ثم مشى إلى منزله، فأقبلت سحابة، فسحت في أندر قمحه ذهبًا حتى امتلأ، وأقبلت سحابة

стр. 11151

أخرى إلى أندر شعيره، فسحت فيه ورقًا حتى امتلأ، وشكر الله خدمة زوجته، فردها إلى شبابها، وجمالها. قصص: إبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل واليسع ٤٥ - ﴿وَاذْكُرْ﴾ يا محمد، أو تذكّر ﴿عِبادَنا﴾؛ أي: صبر عبادنا المخصوصين من أهل العناية ﴿إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ﴾ بن إبراهيم ﴿وَيَعْقُوبَ﴾ بن إسحاق ليكونوا لك قدوة في الصبر، فإبراهيم ألقي في النار فصبر، وإسحاق أضجع للذبح فصبر على قول، ويعقوب ابتلي بفقد ولده وذهاب بصره فصبر. ﴿أُولِي الْأَيْدِي﴾؛ أي: أصحاب القوى في الأعمال الظاهرة، والأفعال الدينية ﴿وَ﴾ أولي ﴿الْأَبْصارِ﴾؛ أي: أصحاب الفكر الباطنة والمعارف الإلهية، والأيدي: جمع يد بمعنى: القوة، والتمكن من الأعمال الظاهرة، والأبصار: جمع بصر بمعنى: البصيرة، وهي القوة التي يتمكن بها الإنسان من إدراك المعقولات، والمعنى: أصحاب القوة في الطاعة، والبصيرة في أمور الدين. وكأن الذين لا يعملون أعمال الآخرة (١)، ولا يجاهدون في الله، ولا يتفكرون أفكار ذوي الديانات، في حكم الزمنى، الذين لا يقدرون على أعمال جوارحهم، والمسلوبي العقول الذين لا استبصار لهم، وفيه تعريض بكل من لم يكن من عمال الله، ولا من المستبصرين في دين الله، وتوبيخ على تركهم المجاهدة، والتأمل مع كونهم متمكنين منهما. قال ابن عباس ﵄ (٢): ﴿أُولِي الْأَيْدِي﴾؛ أي: أولي القوة في طاعة الله تعالى. ﴿وَالْأَبْصارِ﴾؛ أي: في المعرفة بالله تعالى، وقيل: المراد باليد. أكثر الأعمال، وبالبصر: أقوى الإدراكات، فعبّر بهما عن العمل باليد، وعن الإدراك بالبصر، وللإنسان قوتان عالمية، وعاملية، وأشرف ما يصدر عن القوة

стр. 11152

العالمية معرفة الله تعالى، وأشرف ما يصدر عن القوة العاملية طاعته وعبادته، فعبر عن هاتين القوتين بالأيدي، والأبصار. وقرأ ابن عباس وابن كثير وأهل مكة (١) ﴿عِبادَنا﴾ على الإفراد، و ﴿إِبْراهِيمَ﴾ بدل منه أو عطف بيان، وقرأ الجمهور: ﴿عِبادَنا﴾: بالجمع، وما بعده من الثلاثة، بدل أو عطف بيان، وقرأ الجمهور: ﴿أُولِي الْأَيْدِي﴾ بالياء. وقرأ عبد الله، والحسن، وعيسى، والأعمش: ﴿الأيد﴾ بغير ياء، فقيل: يراد به: الأيدي حذفت منه الياء اجتزاء بالكسرة عنها، ولما كانت ﴿أل﴾ تعاقب التنوين حذفت الياء معها، كما حذفت مع التنوين، وهذا تخريج لا يسوغ؛ لأن حذف هذه الياء مع وجود ﴿أل﴾ ذكره سيبويه في الضرورات. وقرىء ﴿الأيادي﴾ جمع الجمع كأوطف وأواطف. والمعنى: أي واذكر صبر عبادنا، الذين شرفناهم بطاعتنا، وقويناهم على العمل لما يرضينا، وآتيناهم البصيرة في الدين، والفقه في أسراره، والعمل النافع فيه. ٤٦ - ثم علل ما وصفهم به من فاضل الصفات، وجليل المدح بقوله: ﴿إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ﴾؛ أي: إنا جعلناهم خالصين بخصلة خالصة عظيمة الشأن، لا شوب فيها ﴿ذِكْرَى الدَّارِ﴾ مصدر، بمعنى التذكر، مضاف إلى مفعوله، وهو خبر مبتدأ محذوف، والجملة صفة لـ ﴿خالصة﴾، والتقدير: إنا خصصناهم بخصلة خالصة لنا، هي تذكرهم للدار الآخرة دائمًا، ولا هم لهم غيرها، وإطلاق الدار يعني مرادًا بها الدار الآخرة، للإشعار بأنها الدار في الحقيقة، وإنما الدنيا معبر. فإن قيل (٢): كيف يكونون خالصين لله تعالى، وهم مستغرقون في الطاعة، وفيما هو سبب لها، وهو تذكر الآخرة؟.

стр. 11153

قلت: إن استغراقهم في الطاعة، إنما هو لاستغراقهم في الشوق إلى لقاء الله، ولما لم يكن ذلك إلا في الآخرة، استغرقوا في تذكرها، وفي «التأويلات النجمية»: إنا صفيناهم عن شوب صفات النفوس، وكدورة الأنانية، وجعلناهم لنا خالصين بالمحبة الحقيقية، ليس لغيرنا فيهم نصيب، ولا يميلون إلى الغير بالمحبة العارضة، لا إلى أنفسهم، ولا إلى غيرهم، بسبب خصلة خالصة غير مشوبة بهمّ آخر، هي ذكرى الدار الباقية، والمقر الأصلي؛ أي: استخلصناهم لوجهنا بسبب تذكرهم لعالم القدس، وإعراضهم عن معدن الرجس، مستشرقين لأنواره، لا التفات لهم إلى الدنيا، وظلماتها أصلًا، انتهى. وقرأ أبو جعفر، وشيبة، والأعرج، ونافع، وهشام (١): ﴿بِخالِصَةٍ﴾ بغير تنوين أضيفت إلى ﴿ذِكْرَى﴾. وقرأ باقي السبعة بالتنوين، و ﴿ذِكْرَى﴾ بدل من ﴿بِخالِصَةٍ﴾. وقرأ الأعمش، وطلحة ﴿بخالصتهم﴾. والمعنى: أي إنا جعلناهم خالصين لطاعتنا، عاملين بأوامرنا ونواهينا، لاتصافهم بخصلة جليلة الشأن، لا يساويها غيرها من الخصال، وهي تذكرهم الدار الآخرة، فهي مطمح أنظارهم، ومطرح أفكارهم في كل ما يأتون، وما يذرون، ليفوزوا بلقاء ربهم، وينالوا رضوانه في جنات النعيم. ٤٧ - ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ﴾؛ أي: لمن المختارين في الدنيا بالنبوة والإسلام ﴿الْأَخْيارِ﴾ عند الله يوم القيامة. والمعنى (٢): أي وإنهم لمن المختارين، الذين جبلت نفوسهم على الخير فلا تطمح إلى الأذى، ولا تميل إلى التباغض والتحاسد، ولا ترتكب الشرور والآثام. ٤٨ - ﴿وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ﴾ بن إبراهيم ﵉، وإنما فصل ذكره عن ذكر أبيه

стр. 11154

وأخيه، للإشعار بعراقته في الصبر، الذي هو المقصود بالتذكر، وذلك لأنه، أسلم نفسه للذبح في سبيل الله، أو ليكون أكثر تعظيما، فإنه جد أفضل الأنبياء والمرسلين. ﴿وَ﴾ اذكر ﴿الْيَسَعَ﴾ هو ابن أخطوب من العجوز، استخلفه إلياس ﵇ على بني إسرائيل، ثم اسُتنبىء، ودخلت اللام على العلم، لكونه منكرا، بسبب طرو الاشتراك عليه، فعرّف باللام العهدية على إرادة اليسع الفلاني، مثل قول الشاعر: رَأَيْتُ الْوَلِيْدَ بْنَ الْيَزِيْدِ مُبَارَكًا أو هي زائدة، وقرأ حمزة، والكسائي: بتشديد اللام وسكون الياء. ﴿وَ﴾ اذكر ﴿ذَا الْكِفْلِ﴾ هو ابن عم يسع، أو بشر بن أيوب ﵇، بعث بعد أبيه إلى قوم في الشام. واختلف في نبوته، والأكثرون على أنه نبي لذكره في سلك الأنبياء، واختلف أيضًا أنه إلياس أو يوشع أو زكريا أو غيرهم؟. وإنما لقّب بذي الكفل؛ لأنه فرّ إليه مئة نبي من بني إسرائيل من القتل، فآواهم وكفلهم بمعنى: أطعمهم وكساهم وكتمهم من الأعداء. ﴿وَكُلٌّ﴾ أي: وكل (١) من المتقدمين من داود إلى هنا ﴿مِنَ الْأَخْيارِ﴾؛ أي: من المشهورين بالخيرية؛ أي: ممن اختاره الله للنبوة، واصطفاه من خلقه، وهذه الآيات تعزية، وتسلية للرسول ﷺ ، فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، إذا اجتهدوا في الطاعات، وقاسوا الشدائد والآفات، وصبروا على البلايا والأذيات من أعدائهم، مع أنهم مفضولون، فالنبي ﷺ أولى بذلك لكونه أفضل منهم، والأفضل يقاسي ما لا يقاسي المفضول، إذ به تتم رتبته، وتظهر رفعته، والأخيار: جمع خيِّر أو خير على التخفيف، كأموات جمع ميِّت أو ميت. ٤٩ - ﴿هَذَا﴾ المذكور من الآيات الناطقة، بمناقب الأنبياء ﴿ذِكْرٌ﴾؛ أي: شرف لهم، وذكر جميل يذكرون به أبدًا، كما يقول: يموت الرجل ويبقى اسمه وذكره، ويموت الفرس ويبقى ميدانه.

стр. 11155

وعن ابن عباس ﵄: هذا ذكر من مضى من الأنبياء، وفي «التأويلات النجمية»: ﴿هَذَا﴾؛ أي: القرآن فيه ذكر ما كان، وذكر الأنبياء وقصصهم، لتعتبر بهم، وتقتدي بهم، وهذا أسلوب يذكر للانتقال من كلام إلى آخر. كما يقول الجاحظ في كتبه: فهذا باب، ثم يشرع في باب آخر، ويقول الكاتب، إذا فرغ من فصل من كتابه، وأراد الشروع في آخر: هذا، وكان كيت وكيت، وعلى هذا جاء قوله: ﴿هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥)﴾ كما سيأتي بعد. ﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ﴾ الذين يتقون الله لا ما سواه، وذلك، لأن جنات عدن مقام أهل الخصوص ﴿لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ومرجع في الآخرة، مع ما لهم في الدنيا من الثناء الجميل، وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي: مآبًا حسنًا، والمآب: المرجع. والمعنى: أنهم يرجعون في الآخرة إلى مغفرة الله، ورضوانه، ونعيم جنته. ٥٠ - ثم بيّن حسن المرجع، فقال: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ عطف بيان لحسن مآب، وأصل العدن في اللغة: الإقامة، ثم صار علمًا بالغلبة على تلك الجنة، وقيل: هو اسم لقصر في الجنة. قرأ الجمهور (١): ﴿جَنَّاتِ﴾ بالنصب بدلًا من ﴿حسن مآب﴾، سواء كان جنات معرفة أو نكرة؛ لأن المعرفة تبدل من النكرة وبالعكس، ويجوز أن يكون ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ عطف بيان إن كانت نكرة، ولا يجوز ذلك فيها، إن كانت معرفة على مذهب جمهور النحاة، وقد جوزه بعضهم، ويجوز أن يكون نصب ﴿جَنَّاتِ﴾ بإضمار فعل تقديره: سيدخلون جنات. وقرأ زيد بن علي، وعبد الله بن رفيع، وأبو حيوة ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً﴾ برفع التائين مبتدأ وخبرا، أو كل منهما خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو جنات عدن هي مفتحة.

стр. 11156

وقوله: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ﴾ حال من ﴿جَنَّاتِ﴾. والعامل (١) فيها ما في ﴿المتقين﴾ من معنى الفعل. والأبواب مرتفعة باسم المفعول، كقوله: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوابُها﴾. والرابط بين الحال وصاحبها ضمير مقدر، إذ الأصل: أبوابها. وقيل: إن ارتفاع ﴿الْأَبْوابُ﴾ على البدل من الضمير في ﴿مُفَتَّحَةً﴾ العائد على ﴿جَنَّاتِ﴾، وبه قال أبو علي الفارسي؛ أي: مفتحة هي الأبواب. والمعنى (٢): أي حال كون تلك الجنات، مفتحة لهم الأبواب منها؛ أي: إذا وصلوا إليها، وجدوها مفتوحة الأبواب، لا يحتاجون إلى فتح بمعاناة، ولا يلحقهم ذل الحجاب، ولا كلفة الاستئذان، تستقبلهم الملائكة بالتبجيل والترحيب والإكرام، يقولون: سلام عليكم بما صبرتم، فنعم عقبى الدار، وقيل: هذا مثل ما تقول: متى جئتني وجدت بابي مفتوحًا، لا تمنع من الدخول، فإن قيل: ما فائدة العدول عن الفتح إلى التفتح؟. قلنا: المبالغة، وليست لكثرة الأبواب بل لعظمها، كما ورد من المبالغة في سعتها، وكثرة الداخلين، ويحتمل أن يكون للإشارة، إلى أن أسباب فتحها عظيمة شديدة، لأن الجنة قد حفت بالمكاره على وجه، لما رآها جبرائيل مع عظمة نعيمها قال: يا رب أنى هذه لا يدخلها أحد. ٥١ - وقوله: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها﴾ حال من ضمير ﴿لَهُمُ﴾، والعامل فيه ﴿مُفَتَّحَةً﴾؛ أي: حال كونهم، جالسين فيها جلسة المتنعمين للراحة. ولا شك أن الاتكاء على الأرائك دليل التنعم، ثم استأنفه لبيان حالهم في الجنات، فقال: ﴿يَدْعُونَ فِيها﴾؛ أي: يسألون، ويطلبون في الجنات ﴿بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾؛ أي: بألوان متنوعة متكثرة، وهي ما يؤكل للذة لا للغذاء، والاقتصار على دعاء الفاكهة للإيذان، بأن مطاعمهم لمحض التفكه والتلذذ، دون التغذي، فإنه لتحصيل بدل المتحلل، ولا تحلل فيها. ﴿وَشَرابٌ﴾؛ أي: ويدعون فيها أيضًا بشراب كثير؛ أي:

стр. 11157

ألوانه. فحذف ﴿كثير﴾ لدلالة الأول عليه، ففيه اكتفاء، ويقال: نطق القرآن بعشرة أشربة في الجنة منها: الخمر الجارية من العيون وفي الأنهار، ومنها: العسل واللبن وغيرهما. ولا شك أن الأذواق المعنوية في الدنيا متنوعة، ومقتضاه تنوع التجليات الواقعة في الجنة، سواء كانت تجليات شرابية أو غيرها. والمعنى (١): أي والمآب الحسن، هو جنات استقرار وإقامة، وأبوابها فتحت إكراما لهم، وفي هذا إيماء إلى وصفها بالسعة، وقرة العيون فيها، ومشاهدة أحوالها التي تسر الناظرين، ففيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ثم ذكر سبحانه ما يدل على مقدار أمنهم فيها، وتنعمهم بنعيمها، فقال: متكئين فيها يدعون فيها بألوان كثيرة من الفاكهة والشراب وهم متكئون على الأرائك، وإنما (٢) خص الشراب، والفاكهة من بين ما يتنعم به فيها؛ لأن بلاد العرب قليلة الفواكه والأشربة، فالنفس إليها أشوق، وفي ذكرها أرغب، كما أن في ذلك إيماء، إلى أن مطاعمهم لمحض التفكه، والتلذذ دون التغذي؛ لأنه إنما يكون لتحصيل بدل المتحلل، ولا تحلل فيها كما مر قريبًا. ٥٢ - وبعد أن وصف المسكن، والمأكول، والمشروب وصف الأزواج، فقال: ﴿وَعِنْدَهُمْ﴾؛ أي: وعند المتقين في الجنة أزواج ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ وحابسات النظر عليهم؛ أي: زوجات قصرن طرفهن؛ أي: نظرهن على أزواجهن، لا ينظرن إلى غيرهم. قال في «كشف الأسرار»: هذا كقولهم: فلانة عند فلان؛ أي: زوجته ﴿أَتْرابٌ﴾؛ أي (٣): متحدات في السن أو متساويات في الحسن، قال مجاهد: معنى أتراب: إنهن متواخيات لا يتباغضن، ولا يتغايرن، وقيل: أتراب للأزواج؛ أي: أقران لهم، والأتراب: جمع ترب، كما سيأتي، واشتقاقه من التراب؛ لأنه يمسهن في وقت واحد، لاتحاد مولدهن. والمعنى: لدات أقران ينشأن معًا، تشبيهًا في التساوي، والتماثل بالترائب

стр. 11158

التي هي ضلوع الصدر، ولوقوعهن على الأرض معًا، يمسهن التراب في وقت واحد. قال في «كشف الأسرار»: لدات مستويات في السن، لا عجوز فيهن، ولا صبية، وقال بعضهم: لدات لأزواجهن؛ أي: هن في سن أزواجهن لا أصغر ولا أكبر، وفيه أن رغبة الرجل فيمن هي دونه في السن أتم، وأنه كان التحاب بين الأقران أرسخ، فلا يكون كونهن لدات لأزواجهن صفة مدح في حقهن. وفي الخبر الصحيح: «يدخل أهل الجنة الجنة، جردًا مردًا، مكهلين أبناء ثلاث وثلاثين سنة، لكل رجل منهم زوجتان، على كل زوجة سبعون حلة، يرى مخ ساقها من ورائها». والمعنى: أي وعندهم نساء ذوات خفر، قصرن طرفهن على أزواجهن، فلا يلتفتن إلى غير بعولتهن، وهن متساويات في السن والجمال، يحب بعضهن بعضا. وفي ذلك راحة عظيمة للأزواج، إذ في تباغض الضرائر النصب، والتعب والهم الكثير للزوج، ولهن. ٥٣ - وتقول لهم الملائكة: ﴿هذا﴾ المذكور من الثواب والنعيم ﴿ما تُوعَدُونَ﴾ به أيها المتقون في الدنيا على لسان نبيكم ﷺ . ﴿لِيَوْمِ الْحِسابِ﴾؛ أي: لأجل وقوع يوم الحساب، وهو يوم القيامة؛ أي: لأجل وقوع الحساب والجزاء في يوم القيامة، فإن الحساب علة للوصول إلى الجزاء. وقال بعضهم: ويحتمل أن يكون التقدير: هذا ما توعدون بوقوعه في يوم الحساب والجزاء، واللام بمعنى: في الظرفية. وقرأ الجمهور (١): ﴿ما تُوعَدُونَ﴾ بتاء الخطاب التفاتًا. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن محيصن، ويعقوب ﴿ما يوعدون﴾ بياء الغيبة، إذ قبله ﴿وَعِنْدَهُمْ﴾ واختار هذه القراءة أبو عبيدة، وأبو حاتم لقوله: ﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ﴾، فإنه خبر.

стр. 11159

والمعنى (١): أي هذا الذي ذكرنا من صفة الجنة، هو ما وعد الله سبحانه به عباده، يصيرون إليه بعد نشورهم، وقيامهم من قبورهم. ٥٤ - ثم أخبر بأن نعيم الجنة دائم، لا يزول ولا ينقطع، فقال: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ الذي ذكرناه من أنواع النعم والكرامات ﴿لَرِزْقُنا﴾؛ أي: عطاؤنا أعطيناكموه. ﴿ما لَهُ مِنْ نَفادٍ﴾؛ أي: ليس له انقطاع أبدًا، وفناء، وزوال؛ أي: إن هذا النعيم، وتلك الكرامة لعطاء دائم غير مجذوذ ولا منقطع، ونحو الآية قوله: ﴿ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾، وقوله: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾؛ أي: غير منقطع ﴿أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها﴾. قال ابن عباس (٢) ﵄: ليس لشيء نفاد، ما أكل من ثمارها خلف مكانه مثله، وما أكل من حيوانها وطيرها عاد مكانه حيًا. وفي «التأويلات النجمية»: وبقوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ إلى قوله: ﴿لِيَوْمِ الْحِسابِ﴾ يشير إلى أن هذه الجنات بهذه الصفات مفتوحة لهم الأبواب، وأبواب الجنة بعضها مفتوحة إلى الخلق، وبعضها مفتوحة إلى الخالق لا يغلق عليهم واحد منها، فيدخلون من باب الخلق، وينتفعون بما أعد لهم فيها، ثم يخرجون من باب الخالق، وينزلون في مقعد صدق عند مليك مقتدر، لا يقيدهم نعيم الجنة ليكونوا من أهل الجنة، كما لم يقيدهم نعيم الدنيا، ليكونوا من أهل النار، بل أخلصهم من حبس الدارين، ومتعهم بنزول المنزلين، وجعلهم من أهل الله، وخاصته. ﴿إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ (٥٤)﴾؛ أي: هذا ما رزقناهم في الأزل، فلا نفاد له إلى الأبد، انتهى. فعلى العاقل: الإعراض عن اللذات الفانية، والإقبال على الأذواق الباقية، فالفناء يوصل إلى البقاء، كما أن الفقر يوصل إلى الغنى. ولكل احتياج استغناء. إِذَا شَابَ الْغُرَابُ أَتَيْتُ أَهْلِيْ ... وَهَيْهَاتَ الْغُرَابُ مَتَى يَشِيْبُ

стр. 11160

عَسَى الْكَرْبُ الَّذِي أَمْسَيْتُ فِيْهِ ... يَكُونُ وَرَاءَهُ فَرَجٌ قَرِيْبُ الإعراب ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾. ﴿وَمَا﴾ الواو: استئنافية، ﴿مَا﴾: نافية، ﴿خَلَقْنَا﴾: فعل، وفاعل. ﴿السَّماءَ﴾: مفعول به. ﴿وَالْأَرْضَ﴾ معطوف عليه، ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ما﴾ اسم موصول في محل النصب معطوف على السماء. ﴿بَيْنَهُما﴾ ظرف متعلق بمحذوف صلة لما، ﴿باطِلًا﴾ صفة لمصدر محذوف؛ أي: خلقًا باطلًا. ويجوز أن يكون حالًا من فاعل ﴿خَلَقْنَا﴾؛ أي: مبطلين أو ذوي باطل، والجملة مستأنفة، مسوقة لتقرير مضمون ما تقدم من أمر البعث والحساب والجزاء. ﴿ذلِكَ﴾؛ أي: خلقها باطلًا لا لحكمة مبتدأ، ﴿ظَنُّ الَّذِينَ﴾ خبر، ومضاف إليه، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾ صلته، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿فَوَيْلٌ﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت ظنهم ذلك، وأردت بيان عاقبتهم .. فأقول لك: ويل للذين كفروا. ﴿ويل﴾ مبتدأ، ﴿لِلَّذِينَ﴾: جار ومجرور خبره، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾: صلة للموصول. ﴿مِنَ النَّارِ﴾ صفة لـ ﴿ويل﴾. والجملة الاسمية في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة ﴿إذا﴾ المقدرة مستأنفة. ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨) كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٩)﴾. ﴿أَمْ﴾ منقطعة بمعنى: بل التي للإضراب الانتقالي، وهمزة الإنكار، ﴿نَجْعَلُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة إنشائية، لا محل لها من الإعراب. ﴿الَّذِينَ﴾: مفعول أول لنجعل، وجملة ﴿آمَنُوا﴾: صلة الموصول. ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ﴾: فعل، وفاعل، ومفعول، معطوف على ﴿آمَنُوا﴾، ﴿كَالْمُفْسِدِينَ﴾: الكاف اسم بمعنى مثل، في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿نَجْعَلُ﴾، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلق بالمفسدين، ﴿أَمْ﴾ منقطعة بمعنى: بل

стр. 11161

الإضرابية، وهمزة الإنكار أيضًا. ﴿نَجْعَلُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر، ﴿الْمُتَّقِينَ﴾: مفعول أول، ﴿كَالْفُجَّارِ﴾: الكاف اسم بمعنى: مثل في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿نَجْعَلُ﴾. والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿كِتابٌ﴾ خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هذا القرآن كتاب أنزلناه إليك، والجملة مستأنفة، وجملة ﴿أَنْزَلْناهُ﴾: صفة أولى لكتاب، ﴿إِلَيْكَ﴾ متعلق بـ ﴿أَنْزَلْناهُ﴾، ﴿مُبارَكٌ﴾ صفة ثانية له، ومنعه بعضهم بحجة، أن النعت غير الصريح، لا يتقدم على النعت الصريح، فهو عندهم خبر ثان أو خبر مبتدأ محذوف، وقرأ ﴿مباركا﴾: بالنصب على الحال اللازمة، ﴿لِيَدَّبَّرُوا﴾: اللام: حرف جر وتعليل، ﴿يدبروا﴾: فعل، وفاعل، منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل جوازًا، ﴿آياتِهِ﴾: مفعول به. والجملة الفعلية مع أن المضمرة، في تأويل مصدر مجرور باللام، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أَنْزَلْناهُ﴾؛ أي: أنزلناه لتدبرهم آياته. ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، واللام حرف جر وتعليل، ﴿يتذكر﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازًا، بعد لام كي، ﴿أُولُوا الْأَلْبابِ﴾: فاعل، ومضاف إليه مرفوع بالواو؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والجملة الفعلية، مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: ولتذكر أولي الألباب، الجار والمجرور معطوف على الجار والمجرور قبله. ﴿وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ (٣١)﴾. ﴿وَوَهَبْنا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿وَهَبْنا﴾: فعل، وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿لِداوُدَ﴾: متعلق بـ ﴿وَهَبْنا﴾، ﴿سُلَيْمانَ﴾: مفعول به، ﴿نِعْمَ﴾: فعل ماض لإنشاء المدح، ﴿الْعَبْدُ﴾: فاعله، والمخصوص بالمدح محذوف تقديره: هو. والجملة الفعلية جملة إنشائية، لا محل لها من الإعراب. ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه، ﴿أَوَّابٌ﴾: خبره. والجملة الاسمية مسوقة لتعليل جملة المدح. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، متعلق بـ ﴿أَوَّابٌ﴾ أو بـ ﴿نِعْمَ﴾ أو بمحذوف تقديره: اذكر يا محمد، قصة إذ عرض عليه. ﴿عُرِضَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ﴿عَلَيْهِ﴾

стр. 11162

متعلق به، ﴿بِالْعَشِيِّ﴾: حال من الضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾، أو من ﴿الصَّافِناتُ﴾، ﴿الصَّافِناتُ﴾: نائب فاعل لعرض، ﴿الْجِيادُ﴾: صفة لـ ﴿الصَّافِناتُ﴾. والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ (٣٢) رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ (٣٣) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنابَ (٣٤)﴾. ﴿فَقالَ﴾: الفاء: عاطفة. ﴿قال﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿سُلَيْمانَ﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿عُرِضَ﴾. ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه، ﴿أَحْبَبْتُ﴾: فعل، وفاعل، والجملة في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قال﴾. و ﴿أَحْبَبْتُ﴾: ليست جارية على معناها الأصلي، وإنما هي متضمنة معنى فعل، يتعدى بعلى، وهي بمعنى: آثرت. ﴿حُبَّ الْخَيْرِ﴾: مفعول به لذلك الفعل، أو مفعول مطلق، ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿أَحْبَبْتُ﴾، و ﴿عَنْ﴾: بمعنى على، ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية بمعنى: إلى ﴿تَوارَتْ﴾: فعل ماض في محل النصب بأن مضمرة، وفاعله ضمير يعود على الشمس، أو على الخيل، ﴿بِالْحِجابِ﴾: متعلق بـ ﴿تَوارَتْ﴾. والجملة الفعلية مع أن المضمرة، في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى؛ أي: إلى مواراتها بالحجاب، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أَحْبَبْتُ﴾؛ أي: شغلت عن ذكر ربي إلى مواراتها بالحجاب. ﴿رُدُّوها﴾: فعل أمر، وفاعل، ومفعول، والجملة مقول لقول محذوف؛ أي: قال: ردوها علي. و ﴿عَلَيَّ﴾: متعلق بردوها، ﴿فَطَفِقَ﴾ الفاء: عاطفة على محذوف تقديره: فردوها عليه، ﴿طفق﴾: فعل ماض من أفعال الشروع، يعمل عمل كان، واسمها ضمير يعود على سليمان، ﴿مَسْحًا﴾: مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره: يمسح مسحًا، والجملة المحذوفة في محل النصب خبر ﴿طفق﴾، وجملة ﴿طفق﴾ معطوفة على الجملة المقدرة. ﴿بِالسُّوقِ﴾: متعلق بـ ﴿مَسْحًا﴾، ﴿وَالْأَعْناقِ﴾ معطوف على السوق، ﴿وَلَقَدْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، واللام: موطئة للقسم، ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿فَتَنَّا﴾: فعل، وفاعل،

стр. 11163

﴿سُلَيْمانَ﴾: مفعول به، والجملة جواب القسم، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَأَلْقَيْنا﴾: فعل، وفاعل، معطوف على ﴿فَتَنَّا﴾، ﴿عَلى كُرْسِيِّهِ﴾ متعلق بـ ﴿أَلْقَيْنا﴾، ﴿جَسَدًا﴾: مفعول به ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ، ﴿أَنابَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر، معطوف على ﴿أَلْقَيْنا﴾. ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥)﴾. ﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿سُلَيْمانَ﴾، والجملة مستأنفة، مسوقة لتفسير الإنابة. ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف، حذف منه حرف النداء، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿اغْفِرْ﴾: فعل دعاء، وفاعل مستتر. ﴿لِي﴾ متعلق به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب النداء. ﴿وَهَبْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر، معطوف على ﴿اغْفِرْ﴾، ﴿لِي﴾: متعلق بـ ﴿يهب﴾، ﴿مُلْكًا﴾: مفعول به، ﴿لا﴾: نافية ﴿يَنْبَغِي﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على ﴿مُلْكًا﴾، والجملة في محل النصب، صفة لـ ﴿مُلْكًا﴾. ﴿لِأَحَدٍ﴾: متعلق بـ ﴿يَنْبَغِي﴾، ﴿مِنْ بَعْدِي﴾: جار ومجرور صفة ﴿لِأَحَدٍ﴾. ﴿إِنَّكَ﴾: ناصب واسمه. ﴿أَنْتَ﴾: ضمير فصل، ﴿الْوَهَّابُ﴾: خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة، مسوقة لتعليل الدعاء. ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ (٣٦) وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٣٨) هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)﴾. ﴿فَسَخَّرْنا﴾: الفاء: عاطفة على محذوف يفهم من السياق؛ أي: فاستجبنا له دعاءه وأعدنا له هذا الملك السليب، وسخرنا. ﴿سخرنا﴾: فعل، وفاعل، معطوف على ذلك المحذوف. ﴿لَهُ﴾ متعلق بـ ﴿سخرنا﴾، ﴿الرِّيحَ﴾: مفعول به. ﴿تَجْرِي﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الريح، والجملة في محل النصب حال من ﴿الرِّيحَ﴾. ﴿بِأَمْرِهِ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿تَجْرِي﴾، ﴿رُخاءً﴾: حال من الضمير في ﴿تَجْرِي﴾. ﴿حَيْثُ﴾: في محل النصب على الظرفية المكانية، متعلق بـ ﴿تَجْرِي﴾ أو بـ ﴿سخرنا﴾. ﴿أَصابَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿سُلَيْمانَ﴾،

стр. 11164

والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿حَيْثُ﴾، ﴿وَالشَّياطِينَ﴾: معطوف على الريح، ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ﴾: بدل من الشياطين، بدل تفصيل من مجمل. ﴿وَغَوَّاصٍ﴾ معطوف على بناء، ﴿وَآخَرِينَ﴾: معطوف على ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ﴾، أدخل معه في حكم البدل، ﴿مُقَرَّنِينَ﴾: نعت ﴿لآخرين﴾، ﴿فِي الْأَصْفادِ﴾ متعلق بـ ﴿مُقَرَّنِينَ﴾. ﴿هذا﴾: مبتدأ، ﴿عَطاؤُنا﴾: خبره، والجملة في محل النصب مقول، لقول محذوف تقديره: وقلنا له: هذا عطاؤنا. ﴿فَامْنُنْ﴾: الفاء: عاطفة، ﴿امنن﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على ﴿سليمان﴾، والجملة الطلبية معطوفة على الجملة الاسمية، على كونها مقولًا للقول المحذوف. ﴿أَوْ أَمْسِكْ﴾ ﴿أَوْ﴾: حرف عطف وتخيير، وجملة ﴿أَمْسِكْ﴾: معطوفة على جملة ﴿امنن﴾. ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾: متعلق بـ ﴿عَطاؤُنا﴾: أو متعلق بـ ﴿امنن﴾، أو ﴿أَمْسِكْ﴾، ويجوز أن يكون متعلقًا بمحذوف حال، من الضمير المستتر في الفعلين، أعني: امنن أو أمسك؛ أي: حال كونك غير محاسب عليه. ﴿وَإِنَّ لَهُ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب، ﴿لَهُ﴾: خبر مقدم لـ ﴿إِنَّ﴾، ﴿عِنْدَنا﴾: حال من الضمير المستكن في خبر ﴿إِنَّ﴾، ﴿لَزُلْفى﴾ اللام: حرف ابتداء. ﴿زلفى﴾. اسم ﴿إِنَّ﴾، ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾: معطوف على زلفى، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ (٤٢) وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)﴾. ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿اذْكُرْ﴾: فعل، وفاعل مستتر، ﴿عَبْدَنا﴾: مفعول به، ﴿أَيُّوبَ﴾: بدل منه أو عطف بيان، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾، ولم يذكر ذلك في قصة سليمان، لكمال الاتصال بين سليمان وداود، كأن قصتهما واحدة. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، بدل اشتمال من أيوب، ﴿نادى رَبَّهُ﴾: فعل، وفاعل مستتر، ومفعول به. والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿أَنِّي﴾: ناصب واسمه، ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ﴾: فعل، وفاعل، ومفعول به، ﴿بِنُصْبٍ﴾ متعلق به، ﴿وَعَذابٍ﴾: معطوف

стр. 11165

على نصب، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿أن﴾ وجملة ﴿أن﴾ واسمها في محل النصب بنزع الخافض؛ أي: بأني مسني الشيطان، وجملة قوله: ﴿ارْكُضْ﴾: مقول لقول محذوف تقديره: وقيل له: اركض برجلك. ﴿ارْكُضْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على ﴿أَيُّوبَ﴾، ﴿بِرِجْلِكَ﴾: متعلق بـ ﴿ارْكُضْ﴾، ومفعول ﴿ارْكُضْ﴾ محذوف تقديره الأرض. ﴿هذا مُغْتَسَلٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل النصب، مقول لذلك القول المحذوف. ﴿بارِدٌ﴾: صفة لـ ﴿مُغْتَسَلٌ﴾، ﴿وَشَرابٌ﴾ معطوف على ﴿مُغْتَسَلٌ﴾، ﴿وَوَهَبْنا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة على محذوف، يقتضيه السياق تقديره: فاغتسل وشرب، فكشفنا بذلك ما به من ضر، ومسحنا به ما ألم به من أوصاب، ووهبنا له، إلخ. ﴿وَهَبْنا﴾: فعل، وفاعل، معطوف على ذلك المقدر، ﴿لَهُ﴾ متعلق بـ ﴿وَهَبْنا﴾، ﴿أَهْلَهُ﴾: مفعول به. ﴿وَمِثْلَهُمْ﴾: معطوف على أهله. ﴿مَعَهُمْ﴾: ظرف متعلق بمحذوف حال من المثل؛ أي: حال كونه كائنًا معهم، ﴿رَحْمَةً﴾: مفعول لأجله. ﴿مِنَّا﴾: صفة لـ ﴿رَحْمَةً﴾، ﴿وَذِكْرى﴾: معطوف على ﴿رَحْمَةً﴾، ﴿لِأُولِي﴾، صفة لـ ﴿ذِكْرى﴾. ﴿الْأَلْبابِ﴾: مضاف إليه، ﴿وَخُذْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر معطوف على ﴿ارْكُضْ﴾، ﴿بِيَدِكَ﴾: متعلق بـ ﴿خُذْ﴾، ﴿ضِغْثًا﴾ مفعول به، ﴿فَاضْرِبْ﴾ الفاء: عاطفة، ﴿اضرب﴾: فعل، وفاعل مستتر، معطوف على ﴿خُذْ﴾، ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿اضرب﴾، والمفعول محذوف؛ أي: امرأتك. ﴿وَلا تَحْنَثْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لا﴾: ناهية، جازمة، ﴿تَحْنَثْ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر مجزوم بلا الناهية، والجملة معطوفة على جملة ﴿اضرب﴾. ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، ﴿وَجَدْناهُ صابِرًا﴾: فعل، وفاعل، ومفعولان، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾: فعل، وفاعل، والمخصوص بالمدح محذوف؛ أي: هو، والجملة الفعلية جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب. ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾: ناصب واسمه وخبره، والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل المدح. ﴿وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ (٤٧) وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ (٤٨) هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ

стр. 11166

الْأَبْوابُ (٥٠)﴾. ﴿وَاذْكُرْ عِبادَنا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿اذْكُرْ عِبادَنا﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر، ومفعول به، معطوف على ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾، ﴿إِبْراهِيمَ﴾: بدل من عبادنا، أو عطف بيان له. ﴿وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ﴾: معطوفان على ﴿إِبْراهِيمَ﴾، ﴿أُولِي﴾: صفة للثلاثة، ﴿الْأَيْدِي﴾: مضاف إليه، مجرور بكسرة مقدرة على الياء المحذوف، اجتزاء عنها بكسرة الدال؛ لأنه اسم منقوص. ﴿وَالْأَبْصارِ﴾: معطوف على ﴿الْأَيْدِي﴾. ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿أَخْلَصْناهُمْ﴾: خبره، وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة، مسوقة لتعليل ما وصفوا به من علو الرتبة، وسموها بالعلم والعمل. ﴿بِخالِصَةٍ﴾: متعلق بـ ﴿أَخْلَصْناهُمْ﴾، والباء، إما للسببية، إن كان ﴿أَخْلَصْناهُمْ﴾ بمعنى: جعلناهم خالصين، وإما للتعدية، إن كان أخلصناهم، بمعنى: خصصناهم، و ﴿خالصة﴾ صفة لموصوف محذوف؛ أي: بخصلة خالصة. ﴿ذِكْرَى الدَّارِ﴾: إما خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هي ذكرى الدار، أو بدل من خالصة، ﴿ذِكْرَى﴾: مضاف، ﴿الدَّارِ﴾: مضاف إليه، فهي من إضافة المصدر إلى المفعول؛ أي: ذكرهم الدار الآخرة. ﴿وَإِنَّهُمْ﴾: الواو عاطفة، ﴿إِنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه. ﴿عِنْدَنا﴾: حال من اسم ﴿إن﴾، ﴿لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ﴾: اللام: حرف ابتداء، ﴿من المصطفين﴾: خبر ﴿إن﴾، ﴿الْأَخْيارِ﴾: صفة له، وجملة ﴿إن﴾ معطوفة على جملة ﴿إن﴾ الأولى. ﴿وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ﴾: فعل، وفاعل مستتر ومفعول به، معطوف على ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾، ﴿وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ﴾: معطوفان على إسماعيل، ﴿وَكُلٌّ﴾ ﴿الواو﴾: حالية، ﴿كُلٌّ﴾: مبتدأ، وسوّغ الابتداء به، قصد العموم ﴿مِنَ الْأَخْيارِ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب، حال من الثلاثة المذكورة قبله. ﴿هذا ذِكْرٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة، مسوقة للإيذان بانتهاء ما تقدم، والشروع في موضوع آخر. ﴿وإن﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿إن﴾: حرف نصب ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾: خبر ﴿إن﴾ مقدم على اسمها، ﴿لَحُسْنَ﴾ اللام: حرف ابتداء، ﴿حسن﴾: اسمها مؤخر، ﴿مَآبٍ﴾: مضاف إليه، من إضافة الصفة إلى الموصوف، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة. ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾: بدل، أو عطف بيان لحسن مآب، ﴿مُفَتَّحَةً﴾: حال من جنات عدن، والعامل فيها ما في المتقين، من معنى

стр. 11167

الفعل، ﴿لَهُمُ﴾: متعلق بـ ﴿مُفَتَّحَةً﴾، ﴿الْأَبْوابُ﴾: نائب فاعل لـ ﴿مُفَتَّحَةً﴾؛ لأنه اسم مفعول من فتّح المضعف. ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ (٥١) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ (٥٢) هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ (٥٣) إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ (٥٤)﴾. ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ حال من الهاء في ﴿لَهُمُ﴾، والعامل فيها مفتحة، ﴿فِيها﴾: متعلق بـ ﴿مُتَّكِئِينَ﴾، وجملة ﴿يَدْعُونَ﴾: إما مستأنفة لبيان حالهم، أو حال من الهاء المذكور، أو من الضمير المستكن في ﴿مُتَّكِئِينَ﴾، ﴿فِيها﴾: حال من فاعل يدعون؛ أي: حال كونهم فيها. ﴿بِفاكِهَةٍ﴾: متعلق بـ ﴿يَدْعُونَ﴾، ﴿كَثِيرَةٍ﴾: صفة لـ ﴿فاكهة﴾، ﴿وَشَرابٍ﴾: معطوف على فاكهة، ﴿وَعِنْدَهُمْ﴾: عاطفة، ﴿عِنْدَهُمْ﴾: خبر مقدم، ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿أَتْرابٌ﴾: صفة لـ ﴿قاصِراتُ﴾، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿إن﴾. ﴿هذا﴾: مبتدأ، ﴿ما﴾: اسم موصول في محل الرفع خبر ﴿تُوعَدُونَ﴾: فعل، ونائب فاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: هذا ما توعدونه. ﴿لِيَوْمِ الْحِسابِ﴾: متعلق بـ ﴿تُوعَدُونَ﴾، والجملة في محل النصب مقول لقول محذوف؛ أي: وتقول لهم الملائكة: هذا ما توعدون ليوم الحساب. واللام: فيه للتعليل؛ أي: لأجل يوم الحساب. ﴿إِنَّ هذا﴾: ناصب واسمه. ﴿لَرِزْقُنا﴾ اللام: حرف ابتداء، و ﴿رزقنا﴾: خبر ﴿إن﴾، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿ما﴾: نافية حجازية، أو تميمية. ﴿لَهُ﴾: خبر مقدم. ﴿مِنْ﴾: زائدة، ﴿نَفادٍ﴾: مبتدأ مؤخر، أو اسم ما مؤخر، والجملة في محل النصب حال من ﴿رزقنا﴾. التصريف ومفردات اللغة ﴿باطِلًا﴾؛ أي: عبثًا، ولعبًا. ﴿فَوَيْلٌ﴾؛ أي: هلاك. ﴿كَالْفُجَّارِ﴾ من الفجر، وهو شق الشيء شقًا واسعًا، والفجور: شق سر الديانة. ﴿مُبارَكٌ﴾؛ أي: كثير المنافع الدينية والدنيوية، فإن البركة ثبوت الخير الإلهي في الشيء، والمبارك ما فيه ذلك الخير. ﴿لِيَدَّبَّرُوا﴾ أصله: يتدبروا فأدغمت التاء في الدال، بعد قلبها

стр. 11168

دالاً؛ أي: ليتفكروا في آياته بالفكر السليم، فإن التدبر عبارة عن النظر في عواقب الأمور، والتفكر: تصرف القلب في معاني الأشياء، لدرك المطلوب. ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ﴾؛ أي: ليتعظ. ﴿الْأَلْبابِ﴾ جمع لب، وهو العقل، وقد يجمع على ألب، ويفك إدغامه في ضرورة الشعر. قال الكميت: إِلَيْكُمْ ذَوِيْ آلِ النَّبِيِّ تَطَلَّعَتْ ... نَوَازعُ مِنْ قَلْبِيْ ظِمَاءٌ وَأَلْبُبُ ﴿إِذْ عُرِضَ﴾ يقال: عرض له أمر كذا إذا ظهر، وعرضته له؛ أي: أظهرته، وعرض الجند إذا أمرهم بالعرض عليه ونظر ما حالهم. ﴿الصَّافِناتُ﴾ جمع صافن لا صافنة؛ لأنها لذكور الخيل. وصفة المذكر الذي لا يعقل، يجمع هذا الجمع مطردا، كما عرف في النحو، والصفن: الجمع بين الشيئين ضامًا بعضهما إلى بعض، يقال: صفن الفرس قوائمه، إذا قام على ثلاث وثنى الرابعة؛ أي: قلب أحد حوافره، وقام على طرف سنبك يد أو رجل، والسنبك: طرف مقدم الحافر، وهو من الصفات المحمودة في الخيل، لا يكاد يتفق إلا في العربي الخالص، وقد صفن الفرس من باب جلس، والصافن من الناس الذي يصف قدميه، وجمعه صفون كما في «المختار»، وعبارة الزمخشري: الصفون لا يكاد يوجد في الهجن، وإنما هو في العراب الخلص، وقيل: وصفها بالصفون، والجودة ليجمع ما بين الوصفين المحمودين واقفة وجارية، يعني: إذا وقفت كانت ساكنة مطمئنة في مواقفها، وإذا جرت كانت سراعًا خفافًا، في جريها. ﴿الْجِيادُ﴾: جمع جواد، وهو السابق أو جمع جود، وهو الذي يسرع في جريه تشبيهًا له بالمطر الجود، قال في «القاموس»: الجواد: السخي، والجمع: الأجواد. والجيّد ضد الرديء. والجمع: الجياد، وقيل: الجواد: هو الفرس الذي يجود عند الركض؛ أي العدو. وفي أدب الكاتب لابن قتيبة: ويقال للفرس: عتيق، وجواد، وكريم، ويقال للبرذون، والبغل، والحمار: فاره. والسوابق من الخيل: أولها: السابق. ثم: المصلي، وذلك لأن رأسه عند صلا السابق، ثم الثالث والرابع، كذلك إلى التاسع والعاشر: السكيت، ويقال أيضًا: السكيت مشددًا، فما جاء بعد ذلك لم يعتد به. والفسكل الذي يجيء في

стр. 11169

الحلبة آخر الليل، هذا ما أورده ابن قتيبة. وقد سموا. الثالث: المتلي؛ لأنه يتلي الثاني، وسموا. الرابع: التالي، وسموا. الخامس: المرتاح، وسموا. السادس: العاطف، وسموا. السابع: المؤمل، وسموا. الثامن: الحظي، وسموا. التاسع: اللطيم. ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ والخير: المال الكثير، والمراد به: الخيل التي شغلته ﵇، لأنها مال. ﴿مَسْحًا﴾ المسح: القطع. وفي «المختار»: ومسحه بالسيف قطعه. والجمهور: على أن المراد به هنا: القطع من قولهم: مسح علاوته؛ أي: ضرب عنقه، وقطع رأسه، والعلاوة بالكسر: أعلى الرأس أو العنق. قال في «المفردات»: مسحته بالسيف كناية عن الضرب. ﴿بِالسُّوقِ﴾ والسوق: جمع ساق كدور ودار. والساق: ما بين الكعبين: كعب الركبة وكعب القدم. ومن غريب أمر الساق، أن له العديد من المعاني، فأولها، وهو المراد هنا: أنه ما بين الكعب والركبة مؤنث، وجمعه: سوق، وسيقان، وأسوق، وساق الشجر: جذعها، ومن معانيه: ساق الحمام والغراب نباتان، وساق حر ذكر القمارى، ويقال: كشف الأمر عن ساقه؛ أي: اشتد وعظم، وقامت الحرب على ساق؛ أي: اشتدت وولدت المرأة ثلاثة بنين، على ساق واحدة؛ أي: بعضهم في إثر بعض لا جارية بينهم، والحديث في هذه المادة يطول، فنحيل القارىء إلى المعاجم. ﴿وَالْأَعْناقِ﴾ جمع: عنق. ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ﴾ الفتنة: الاختبار والابتلاء؛ أي: ابتليناه بسلب ملكه، وكان ملكه مرتبًا في لبس خاتمه، فإذا لبسه سخرت له الجن، والإنس، والرياح، وغيرها، وإذا نزعه زال عنه الملك، اهـ شيخنا. وكان خاتمه من الجنة، نزل به آدم كما نزل بعصى موسى، والحجر الأسود المسمى باليمين، وبعود البخور، وبأوراق التين ساترًا عورته بها. وقد نظم الخمسة بعضهم في قوله: وَآدَمُ مَعَهُ أُنْزِلَ الْعُوْدُ وَالْعَصَا ... لِمُوْسَى مِنَ الآسِ النَّبَاتِ الْمُكَرَّمِ وَأَوْرَاقُ تِيْنٍ وَالْيَمِيْنُ بِمَكَّةٍ ... وَخَتْمُ سُلَيْمَانَ النَّبِيِّ الْمُعَظَّم

стр. 11170

اهـ شيخنا. وفي «القرطبي»: قال جابر بن عبد الله: قال النبي ﷺ : «كان نقش خاتم سليمان بن داود، لا إله إلا الله، محمد رسول الله» اهـ. ﴿وَأَلْقَيْنا﴾ الإلقاء: الطرح. ﴿عَلى كُرْسِيِّهِ﴾ الكرسي اسم لما يقعد عليه، والمراد: سريره المشهور. ﴿جَسَدًا﴾ قال في «المفردات»: الجسد: الجسم، لكنه أخص. قال الخليل: لا يقال الجسد لغير الإنسان من خلق الأرض ونحوه، وأيضا فإن الجسد، يقال لما له لون، والجسم: يقال لما لا يبين له لون كالماء والهواء، وقال في «أنوار المشارق»: الفرق بين الجسد والبدن أن: الأول: يعم لذي الروح وغيره، ويتناول الرأس والشوى. والثاني: مخصوص بذي الروح، ولا يتناولهما. ﴿لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ﴾؛ أي: لا تنتقل إلى غيري. ﴿رُخاءً﴾؛ أي: لينة طيبة لا تزعزع. والرخاء: الريح اللينة من قولهم: شيء رخو كما في «المفردات». وفي «الفتوحات المكية»: أن الهواء، لا يسمى ريحًا إلا إذا تحرك، وتموج، فإن اشتدت حركته كان زعزعًا، وإن لم تشتد كان رخاء، وهو ذو روح يعقل كسائر أجزاء العالم، وهبوبه تسبيحه تجري به الجواري، ويطفأ به السراج، وتشتعل به النار، وتتحرك المياه والأشجار، ويموج البحر، وتزلزل الأرض، ويزجي السحاب. انتهى. ﴿حَيْثُ أَصابَ﴾؛ أي: أراد، وقصد في لغة حمير وهجر. وفي «القاموس»: الإصابة: القصد؛ أي: حيث قصد، وأراد من النواحي والأطراف، وقد حكى الزجاج عن العرب، أنها تقول: أصاب الصواب فأخطأ الجواب. قال الشاعر: أَصَابَ الْكَلامَ فَلَمْ يَسْتَطِعْ ... فَأَخْطَأَ الْجَوَابَ لَدَى الْمُفَصَّلْ ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ﴾ وهو مبالغة بأن اسم الفاعل من بني. وكانوا يعملون له ﵇ ما يشاء. ﴿وَغَوَّاصٍ﴾ مبالغة غائص، اسم فاعل من غاص يغوص غوصًا. وهو الدخول تحت الماء، وإخراج شيء منه. ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ جمع مقرّن اسم مفعول من قرّن المضعف، يقال: قرّنت البعيرين إذا جمعت بينهما، وقرّنت على التكثير
следующие страницы →