← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 11166–11205 · переход к 11171.

стр. 11166

الْأَبْوابُ (٥٠)﴾. ﴿وَاذْكُرْ عِبادَنا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿اذْكُرْ عِبادَنا﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر، ومفعول به، معطوف على ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾، ﴿إِبْراهِيمَ﴾: بدل من عبادنا، أو عطف بيان له. ﴿وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ﴾: معطوفان على ﴿إِبْراهِيمَ﴾، ﴿أُولِي﴾: صفة للثلاثة، ﴿الْأَيْدِي﴾: مضاف إليه، مجرور بكسرة مقدرة على الياء المحذوف، اجتزاء عنها بكسرة الدال؛ لأنه اسم منقوص. ﴿وَالْأَبْصارِ﴾: معطوف على ﴿الْأَيْدِي﴾. ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿أَخْلَصْناهُمْ﴾: خبره، وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة، مسوقة لتعليل ما وصفوا به من علو الرتبة، وسموها بالعلم والعمل. ﴿بِخالِصَةٍ﴾: متعلق بـ ﴿أَخْلَصْناهُمْ﴾، والباء، إما للسببية، إن كان ﴿أَخْلَصْناهُمْ﴾ بمعنى: جعلناهم خالصين، وإما للتعدية، إن كان أخلصناهم، بمعنى: خصصناهم، و ﴿خالصة﴾ صفة لموصوف محذوف؛ أي: بخصلة خالصة. ﴿ذِكْرَى الدَّارِ﴾: إما خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هي ذكرى الدار، أو بدل من خالصة، ﴿ذِكْرَى﴾: مضاف، ﴿الدَّارِ﴾: مضاف إليه، فهي من إضافة المصدر إلى المفعول؛ أي: ذكرهم الدار الآخرة. ﴿وَإِنَّهُمْ﴾: الواو عاطفة، ﴿إِنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه. ﴿عِنْدَنا﴾: حال من اسم ﴿إن﴾، ﴿لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ﴾: اللام: حرف ابتداء، ﴿من المصطفين﴾: خبر ﴿إن﴾، ﴿الْأَخْيارِ﴾: صفة له، وجملة ﴿إن﴾ معطوفة على جملة ﴿إن﴾ الأولى. ﴿وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ﴾: فعل، وفاعل مستتر ومفعول به، معطوف على ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾، ﴿وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ﴾: معطوفان على إسماعيل، ﴿وَكُلٌّ﴾ ﴿الواو﴾: حالية، ﴿كُلٌّ﴾: مبتدأ، وسوّغ الابتداء به، قصد العموم ﴿مِنَ الْأَخْيارِ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب، حال من الثلاثة المذكورة قبله. ﴿هذا ذِكْرٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة، مسوقة للإيذان بانتهاء ما تقدم، والشروع في موضوع آخر. ﴿وإن﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿إن﴾: حرف نصب ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾: خبر ﴿إن﴾ مقدم على اسمها، ﴿لَحُسْنَ﴾ اللام: حرف ابتداء، ﴿حسن﴾: اسمها مؤخر، ﴿مَآبٍ﴾: مضاف إليه، من إضافة الصفة إلى الموصوف، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة. ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾: بدل، أو عطف بيان لحسن مآب، ﴿مُفَتَّحَةً﴾: حال من جنات عدن، والعامل فيها ما في المتقين، من معنى

стр. 11167

الفعل، ﴿لَهُمُ﴾: متعلق بـ ﴿مُفَتَّحَةً﴾، ﴿الْأَبْوابُ﴾: نائب فاعل لـ ﴿مُفَتَّحَةً﴾؛ لأنه اسم مفعول من فتّح المضعف. ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ (٥١) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ (٥٢) هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ (٥٣) إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ (٥٤)﴾. ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ حال من الهاء في ﴿لَهُمُ﴾، والعامل فيها مفتحة، ﴿فِيها﴾: متعلق بـ ﴿مُتَّكِئِينَ﴾، وجملة ﴿يَدْعُونَ﴾: إما مستأنفة لبيان حالهم، أو حال من الهاء المذكور، أو من الضمير المستكن في ﴿مُتَّكِئِينَ﴾، ﴿فِيها﴾: حال من فاعل يدعون؛ أي: حال كونهم فيها. ﴿بِفاكِهَةٍ﴾: متعلق بـ ﴿يَدْعُونَ﴾، ﴿كَثِيرَةٍ﴾: صفة لـ ﴿فاكهة﴾، ﴿وَشَرابٍ﴾: معطوف على فاكهة، ﴿وَعِنْدَهُمْ﴾: عاطفة، ﴿عِنْدَهُمْ﴾: خبر مقدم، ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿أَتْرابٌ﴾: صفة لـ ﴿قاصِراتُ﴾، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿إن﴾. ﴿هذا﴾: مبتدأ، ﴿ما﴾: اسم موصول في محل الرفع خبر ﴿تُوعَدُونَ﴾: فعل، ونائب فاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: هذا ما توعدونه. ﴿لِيَوْمِ الْحِسابِ﴾: متعلق بـ ﴿تُوعَدُونَ﴾، والجملة في محل النصب مقول لقول محذوف؛ أي: وتقول لهم الملائكة: هذا ما توعدون ليوم الحساب. واللام: فيه للتعليل؛ أي: لأجل يوم الحساب. ﴿إِنَّ هذا﴾: ناصب واسمه. ﴿لَرِزْقُنا﴾ اللام: حرف ابتداء، و ﴿رزقنا﴾: خبر ﴿إن﴾، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿ما﴾: نافية حجازية، أو تميمية. ﴿لَهُ﴾: خبر مقدم. ﴿مِنْ﴾: زائدة، ﴿نَفادٍ﴾: مبتدأ مؤخر، أو اسم ما مؤخر، والجملة في محل النصب حال من ﴿رزقنا﴾. التصريف ومفردات اللغة ﴿باطِلًا﴾؛ أي: عبثًا، ولعبًا. ﴿فَوَيْلٌ﴾؛ أي: هلاك. ﴿كَالْفُجَّارِ﴾ من الفجر، وهو شق الشيء شقًا واسعًا، والفجور: شق سر الديانة. ﴿مُبارَكٌ﴾؛ أي: كثير المنافع الدينية والدنيوية، فإن البركة ثبوت الخير الإلهي في الشيء، والمبارك ما فيه ذلك الخير. ﴿لِيَدَّبَّرُوا﴾ أصله: يتدبروا فأدغمت التاء في الدال، بعد قلبها

стр. 11168

دالاً؛ أي: ليتفكروا في آياته بالفكر السليم، فإن التدبر عبارة عن النظر في عواقب الأمور، والتفكر: تصرف القلب في معاني الأشياء، لدرك المطلوب. ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ﴾؛ أي: ليتعظ. ﴿الْأَلْبابِ﴾ جمع لب، وهو العقل، وقد يجمع على ألب، ويفك إدغامه في ضرورة الشعر. قال الكميت: إِلَيْكُمْ ذَوِيْ آلِ النَّبِيِّ تَطَلَّعَتْ ... نَوَازعُ مِنْ قَلْبِيْ ظِمَاءٌ وَأَلْبُبُ ﴿إِذْ عُرِضَ﴾ يقال: عرض له أمر كذا إذا ظهر، وعرضته له؛ أي: أظهرته، وعرض الجند إذا أمرهم بالعرض عليه ونظر ما حالهم. ﴿الصَّافِناتُ﴾ جمع صافن لا صافنة؛ لأنها لذكور الخيل. وصفة المذكر الذي لا يعقل، يجمع هذا الجمع مطردا، كما عرف في النحو، والصفن: الجمع بين الشيئين ضامًا بعضهما إلى بعض، يقال: صفن الفرس قوائمه، إذا قام على ثلاث وثنى الرابعة؛ أي: قلب أحد حوافره، وقام على طرف سنبك يد أو رجل، والسنبك: طرف مقدم الحافر، وهو من الصفات المحمودة في الخيل، لا يكاد يتفق إلا في العربي الخالص، وقد صفن الفرس من باب جلس، والصافن من الناس الذي يصف قدميه، وجمعه صفون كما في «المختار»، وعبارة الزمخشري: الصفون لا يكاد يوجد في الهجن، وإنما هو في العراب الخلص، وقيل: وصفها بالصفون، والجودة ليجمع ما بين الوصفين المحمودين واقفة وجارية، يعني: إذا وقفت كانت ساكنة مطمئنة في مواقفها، وإذا جرت كانت سراعًا خفافًا، في جريها. ﴿الْجِيادُ﴾: جمع جواد، وهو السابق أو جمع جود، وهو الذي يسرع في جريه تشبيهًا له بالمطر الجود، قال في «القاموس»: الجواد: السخي، والجمع: الأجواد. والجيّد ضد الرديء. والجمع: الجياد، وقيل: الجواد: هو الفرس الذي يجود عند الركض؛ أي العدو. وفي أدب الكاتب لابن قتيبة: ويقال للفرس: عتيق، وجواد، وكريم، ويقال للبرذون، والبغل، والحمار: فاره. والسوابق من الخيل: أولها: السابق. ثم: المصلي، وذلك لأن رأسه عند صلا السابق، ثم الثالث والرابع، كذلك إلى التاسع والعاشر: السكيت، ويقال أيضًا: السكيت مشددًا، فما جاء بعد ذلك لم يعتد به. والفسكل الذي يجيء في

стр. 11169

الحلبة آخر الليل، هذا ما أورده ابن قتيبة. وقد سموا. الثالث: المتلي؛ لأنه يتلي الثاني، وسموا. الرابع: التالي، وسموا. الخامس: المرتاح، وسموا. السادس: العاطف، وسموا. السابع: المؤمل، وسموا. الثامن: الحظي، وسموا. التاسع: اللطيم. ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ والخير: المال الكثير، والمراد به: الخيل التي شغلته ﵇، لأنها مال. ﴿مَسْحًا﴾ المسح: القطع. وفي «المختار»: ومسحه بالسيف قطعه. والجمهور: على أن المراد به هنا: القطع من قولهم: مسح علاوته؛ أي: ضرب عنقه، وقطع رأسه، والعلاوة بالكسر: أعلى الرأس أو العنق. قال في «المفردات»: مسحته بالسيف كناية عن الضرب. ﴿بِالسُّوقِ﴾ والسوق: جمع ساق كدور ودار. والساق: ما بين الكعبين: كعب الركبة وكعب القدم. ومن غريب أمر الساق، أن له العديد من المعاني، فأولها، وهو المراد هنا: أنه ما بين الكعب والركبة مؤنث، وجمعه: سوق، وسيقان، وأسوق، وساق الشجر: جذعها، ومن معانيه: ساق الحمام والغراب نباتان، وساق حر ذكر القمارى، ويقال: كشف الأمر عن ساقه؛ أي: اشتد وعظم، وقامت الحرب على ساق؛ أي: اشتدت وولدت المرأة ثلاثة بنين، على ساق واحدة؛ أي: بعضهم في إثر بعض لا جارية بينهم، والحديث في هذه المادة يطول، فنحيل القارىء إلى المعاجم. ﴿وَالْأَعْناقِ﴾ جمع: عنق. ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ﴾ الفتنة: الاختبار والابتلاء؛ أي: ابتليناه بسلب ملكه، وكان ملكه مرتبًا في لبس خاتمه، فإذا لبسه سخرت له الجن، والإنس، والرياح، وغيرها، وإذا نزعه زال عنه الملك، اهـ شيخنا. وكان خاتمه من الجنة، نزل به آدم كما نزل بعصى موسى، والحجر الأسود المسمى باليمين، وبعود البخور، وبأوراق التين ساترًا عورته بها. وقد نظم الخمسة بعضهم في قوله: وَآدَمُ مَعَهُ أُنْزِلَ الْعُوْدُ وَالْعَصَا ... لِمُوْسَى مِنَ الآسِ النَّبَاتِ الْمُكَرَّمِ وَأَوْرَاقُ تِيْنٍ وَالْيَمِيْنُ بِمَكَّةٍ ... وَخَتْمُ سُلَيْمَانَ النَّبِيِّ الْمُعَظَّم

стр. 11170

اهـ شيخنا. وفي «القرطبي»: قال جابر بن عبد الله: قال النبي ﷺ : «كان نقش خاتم سليمان بن داود، لا إله إلا الله، محمد رسول الله» اهـ. ﴿وَأَلْقَيْنا﴾ الإلقاء: الطرح. ﴿عَلى كُرْسِيِّهِ﴾ الكرسي اسم لما يقعد عليه، والمراد: سريره المشهور. ﴿جَسَدًا﴾ قال في «المفردات»: الجسد: الجسم، لكنه أخص. قال الخليل: لا يقال الجسد لغير الإنسان من خلق الأرض ونحوه، وأيضا فإن الجسد، يقال لما له لون، والجسم: يقال لما لا يبين له لون كالماء والهواء، وقال في «أنوار المشارق»: الفرق بين الجسد والبدن أن: الأول: يعم لذي الروح وغيره، ويتناول الرأس والشوى. والثاني: مخصوص بذي الروح، ولا يتناولهما. ﴿لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ﴾؛ أي: لا تنتقل إلى غيري. ﴿رُخاءً﴾؛ أي: لينة طيبة لا تزعزع. والرخاء: الريح اللينة من قولهم: شيء رخو كما في «المفردات». وفي «الفتوحات المكية»: أن الهواء، لا يسمى ريحًا إلا إذا تحرك، وتموج، فإن اشتدت حركته كان زعزعًا، وإن لم تشتد كان رخاء، وهو ذو روح يعقل كسائر أجزاء العالم، وهبوبه تسبيحه تجري به الجواري، ويطفأ به السراج، وتشتعل به النار، وتتحرك المياه والأشجار، ويموج البحر، وتزلزل الأرض، ويزجي السحاب. انتهى. ﴿حَيْثُ أَصابَ﴾؛ أي: أراد، وقصد في لغة حمير وهجر. وفي «القاموس»: الإصابة: القصد؛ أي: حيث قصد، وأراد من النواحي والأطراف، وقد حكى الزجاج عن العرب، أنها تقول: أصاب الصواب فأخطأ الجواب. قال الشاعر: أَصَابَ الْكَلامَ فَلَمْ يَسْتَطِعْ ... فَأَخْطَأَ الْجَوَابَ لَدَى الْمُفَصَّلْ ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ﴾ وهو مبالغة بأن اسم الفاعل من بني. وكانوا يعملون له ﵇ ما يشاء. ﴿وَغَوَّاصٍ﴾ مبالغة غائص، اسم فاعل من غاص يغوص غوصًا. وهو الدخول تحت الماء، وإخراج شيء منه. ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ جمع مقرّن اسم مفعول من قرّن المضعف، يقال: قرّنت البعيرين إذا جمعت بينهما، وقرّنت على التكثير

стр. 11171

كما في الآية. وقال ابن الشيخ: ﴿مُقَرَّنِينَ﴾: صفة لآخرين، وهو اسم مفعول من باب التفعيل، منقول من قرنت الشيء بالشيء؛ أي: وصلته به، وشدد العين للمبالغة، والكثرة. ﴿فِي الْأَصْفادِ﴾؛ أي: الأغلال، جمع صفد محركًا، وهو القيد. وفي «المختار»: صفده شده وأوثقه من باب ضرب، وكذا صفّده تصفيدًا، والصفد بفتحتين، والصفاد بالكسر: ما يوثق به الأسير من قد، وقيد، وغل، والأصفاد: القيود، واحدها صفد بالتحريك. قال عمرو بن كلثوم: فَآبُوا بالنِّهَابِ وَبِالسَّبَايَا ... وَأُبْنَا بِالْمُلُوْكِ مُصَفَّدِيْنَا ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ﴾ وهو ابن عيصو بن إسحاق، فليس من بني إسرائيل؛ لأنهم من نسل يعقوب، وهو ابن العيص أخي يعقوب. والذي في «القاموس»: أن عيصو بن إسحاق بواو بعد الصاد، بوزن بيعوا أمرًا بالبيع للجماعة، اهـ. وفي «التحبير»: أيوب هو ابن موص بن رعبل بن عيص بن إسحاق، وعاش ثلاثا وستين سنة، وكانت مدة بلائه سبع سنين، اهـ. وقيل: كانت عشرا. وقيل: ثمانية عشر، وقيل: أربعين، اهـ. ﴿بِنُصْبٍ﴾ النصب بضم فسكون، وبفتح فسكون، وبضمتين: الداء، والبلاء، قيل: جمع نصب كأسد وأسد، وقيل: هو لغة في النصب. ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ الركض: الضرب، والدفع القوي بالرجل، فمتى نسب إلى الراكب، فهو إغراء مركوبه، وحثه للعدو، نحو: ركضت الفرس. ومتى نسب إلى الماشي فوطىء الأرض، كما في الآية، كذا قاله الراكب. والرجل: القدم أو من أصل الفخذ إلى رؤوس الأصابع. ﴿مُغْتَسَلٌ﴾ والمغتسل: هو المكان الذي يغتسل فيه، والماء الذي يغتسل به، والاغتسال: غسل البدن. وغسلت الشيء غسلا، أسلت عليه الماء، فأزلت درنه. ﴿وَشَرابٌ﴾ والشراب: هو ما يشرب، ويتناول من كل مائع ماء كان، أو غيره. ﴿ضِغْثًا﴾ والضغث: الحزمة الصغيرة من الحشيش، والقضبان، ونحوه. وفي

стр. 11172

«القاموس»: والضغث بالكسر: قبضة حشيش مختلطة الرطب باليابس، واضطغثه: احتطبه. وفي «المفردات»: الضغث: قبضة ريحان أو حشيش. وبه شُبِّه الأحلام المختلطة التي لا يتبين حقائقها، انتهى. وأضغاث أحلام: رؤيا لا يصح تأويلها لاختلاطها. ﴿وَلا تَحْنَثْ﴾ يقال: حنث في يمينه إذا لم يف بها. وقال بعضهم: الحنث: الإثم. ويُطلق على فعل ما حلف على تركه، وترك ما حلف على فعله، من حيث إن كل واحد منهما سبب له. ﴿أُولِي الْأَيْدِي﴾؛ أي: ذوي الأيدي. جمع يد بمعنى: الجارحة في الأصل. أريد بها: القوة مجازًا بمعونة المقام. وذلك لكونها سبب التقوي على أكثر الأعمال، وبها يحصل البطش، والقهر، ولم تجمع القوة لكونها مصدرًا يتناول الكثير. ﴿وَالْأَبْصارِ﴾ جمع بصر، حمل على بصر القلب، ويسمى البصيرة، وهي القوة التي يتمكن بها الإنسان، من إدراك المعقولات. قال في «المفردات»: البصر يقال للجارحة الناظرة، وللقوة التي فيها، ويقال لقوة القلب المدركة: بصيرة، وبصر، ولا يكاد يقال للجارحة: بصيرة، وجمع البصر أبصار، وجمع البصيرة بصائر. ﴿لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ﴾ بفتح الفاء والنون، جمع مصطفى، أصله: مصطفيين بالياءين، وبكسر الأولى. ﴿الْأَخْيارِ﴾ جمع خير كشر، وأشرار، على أنه اسم تفضيل، أو خيّر بالتشديد، أو خير بالتخفيف، كأموات، جمع ميت أو ميت. ﴿بِفاكِهَةٍ﴾ والفاكهة: هي كل ما يؤكل للتلذذ، لا للغذاء. ﴿أَتْرابٌ﴾ أسنانهن واحدة، بنات ثلاث وثلاثين سنة، جمع ترب بالكسر، وهي اللدة؛ أي: من ولد معك، والهاء في اللدة، عوض عن الواو الذاهبة من أوله؛ لأنه من الولادة نظير عدة من الوعد. ﴿ما لَهُ مِنْ نَفادٍ﴾ قال في «المفردات»: النفاد: الفناء.

стр. 11173

البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وضع الموصول موضع ضميرهم، للإشعار بعلية الصلة، لاستحقاق الويل. ومنها: المقابلة بين المؤمنين والمفسدين، وبين المتقين والفجار في قوله: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾. وهذه من ألطف أنواع البديع. ومنها: التأكيد في قوله: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ للدلالة على أن اعترافه، وندمه عن صميم القلب، لا لتحقيق مضمون الخبر. ومنها: إضمار ضمير الشمس في قوله: ﴿حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ﴾ من غير سبق ذكرها، لدلالة العشي عليها، إذ لا شيء يتوارى حينئذ غيرها. ومنها: الكناية في قوله: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ﴾. كني عن العقر والذبح بالمسح، وهي كناية بليغة. ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ﴾. قال في «بحر العلوم»: والأقرب أن المراد: تمثيل كفهم ومنعهم عن الشرور، بالتقرين في الصفد، يعني: أن قولهم لا يمكن تقييدهم بالأصفاد، والأغلال، حقيقة مسلم، ولكن ليس الكلام محمولًا على حقيقته؛ لأنهم لما كانوا مسخرين مذللين لطاعته ﵇ بتسخير الله إياهم له - كان قادرًا على كفهم عن الإضرار بالخلق، فشبّه كفهم عن ذلك بالتقرين في الأصفاد، فأطلق على الكف المذكور لفظ التقرين استعارة أصلية، ثم اشتق من التقرين - يعني: المعنى المجازي - لفظ مقرنين بمعنى: ممنوعين عن الشرور. والإضرار استعارة تبعية، انتهى. ومنها: الطباق بين ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ﴾؛ لأنهما بمعنى: أعط من شئت، وامنع من شئت.

стр. 11174

ومنها: مراعاة الأدب في قوله: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ﴾. أسند الضرر إلى الشيطان أدبًا، والخير والشر بيد الله تعالى. ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ﴾. استعار الأيدي للقوة في العبادة، والأبصار للبصيرة في الدين. وفيه أيضًا فن التعرض، بأن من لم يكن من عمال الله، ولا من المستبصرين في دين الله، خليق بالتوبيخ وأسوأ المذام. ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ﴾. ومنها: الاقتصار على الفاكهة في قوله: ﴿يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ إيذانًا بأن مطاعمهم هناك ليست للتغذي، وإقامة الجسم، ولكن لمحض اللذة والتفكه. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 11175

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (٥٦) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨) هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ (٥٩) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (٦٠) قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (٦١) وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (٦٣) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤) قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٦٦) قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠) إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤) قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله (١) سبحانه لما وصف ثواب المتقين أولًا .. أردفه بوصف عقاب الطاغين، ليكون ذلك متممًا له، فيأتي الوعيد عقب الوعد، والترهيب إثر الترغيب، فيكون المرء بين رجاء في الثواب، وخوف من العقاب، فيزداد في الطاعة، وينأى عن المعصية، وتلك وسيلة التهذيب، والتأديب التي ترقى بها

стр. 11176

النفوس إلى سبيل الكمال، في دنياها وآخرتها. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر في أول السورة، أن محمدًا ﷺ دعا إلى التوحيد، وأثبت أنه نبي، ودعا إلى الحشر والنشر، فقابلوه بالسفاهة، وقالوا: إنه ساحر كذاب، ثم صبّره على ذلك، وقص عليه من قصص الأنبياء، قبله ما يكون سلوة له في الصبر على الأذى، ثم أردف ذلك بذكر ثواب أهل الجنة، وعذاب أهل النار .. عاد هنا إلى تقرير هذه المطالب، التي ذكرها أول السورة، وهي تقرير التوحيد، والنبوة، والبعث. قوله تعالى: ﴿إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا ...﴾ الآيات، قد سلف (١) ذكر هذه القصة في سور البقرة، والأعراف، والحجر، والإسراء، والكهف، كما ذكرت هنا، والعبرة منها النهي عن الحسد، والكبر؛ لأن إبليس إنما وقع فيما وقع فيه بسببهما، والكفار إنما نازعوا محمدًا ﷺ بسببهما، وكرر ذكرها ليكون زاجرا لهم عنهما، والمواعظ، والنصائح باب من أبواب التكرير، للمبالغة في النصح والإرشاد. التفسير وأوجه القراءة ٥٥ - ﴿هذا﴾ قال الزجاج: خبر مبتدأ محذوف؛ أي: الأمر في حق المؤمنين، هذا الذي ذكرناه. فيوقف على هذا، قال ابن الأنباري: وهذا وقف حسن، ثم يبتدىء، ويجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر؛ أي: هذا المذكور للمؤمنين، وكلاهما من فصل الخطاب، وقال ابن الأثير: ﴿هذا﴾ في هذا المقام من الفصل، الذي هو خير من الوصل، وهي علاقة وكيدة بين الخروج من الكلام إلى كلام آخر، وقال بعضهم (٢): هذا من قبيل، ما إذا فرغ الكاتب من فصل، وأراد الشروع في فصل آخر، منفصل عما قبله، قال: ﴿هذا﴾؛ أي: احفظ ما كان كيت وكيت، وانتظر إلى ما يجيىء.

стр. 11177

والمعنى؛ أي: هذا الذي تقدم، هو ما يكون جزاء للمؤمنين، كفاء ما قدموا من أعمال صالحة. ﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾؛ أي: وإن للذين طغوا على الله، وكذبوا الرسل؛ أي: وإن للكافرين الخارجين عن طاعة الله تعالى، المكذبين لرسله ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ وأقبح مرجع في الآخرة وشر منقلب ينقلبون إليه، ٥٦ - ثم بين ذلك فقال ﴿جَهَنَّمَ﴾ بدل من ﴿شر مآب﴾، أو عطف بيان له أو منصوب بأعني. وقوله: ﴿يَصْلَوْنَها﴾ حال من المستكن في ﴿لِلطَّاغِينَ﴾؛ أي: حال كونهم يدخلونها، ويجدون حرها يوم القيامة، ولكن اليوم مهدوا لأنفسهم. ﴿فَبِئْسَ الْمِهادُ﴾؛ أي: قبح الفراش لهم جهنم، والمهد، والمهاد: الفراش، مستعار من فراش النائم، إذ لا مهاد في جهنم، ولا استراحة، وإنما مهادها نار، وغواشيها نار، كما قال في آية أخرى ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ﴾؛ أي: فراش من تحتهم. و ﴿مِنْ﴾ تجريدية. ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾؛ أي: أغطية. والمعنى: أي هم يدخلون جهنم، ويقاسون شديد حرها، فبئس شرابًا هي. ٥٧ - ثم أمرهم أمر تهكم وسخرية، بذوق هذا العذاب. فقال: ﴿هذا فَلْيَذُوقُوهُ﴾؛ أي: ليذوقوا هذا العذاب، والذوق: وجود الطعم بالفم، وأصله في القليل، لكنه يصلح للكثير الذي يقال له: الأكل، وكثر استعماله في العذاب تهكمًا. وارتفاع ﴿حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ على أنهما خبران لمبتدأ محذوف؛ أي: ذلك العذاب حميم؛ أي: ماء حار بلغ نهاية الحرارة، ﴿وَغَسَّاقٌ﴾؛ أي: قيح وصديد يسيل من أهل النار، وقيل: هذا في موضع رفع بالابتداء، و ﴿حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ خبران له، فيكون الكلام على التقديم والتأخير، فتقدير الآية: حميم وغساق فليذوقوه، قاله الفراء والزجاج، والحميم: الماء الذي انتهى حره، والغساق: ما يسيل من جلد أهل النار من القيح والصديد، كما مر آنفًا. وفي «القاموس»: الغساق: الماء البارد المنتن، لو قطرت منه قطرة في المشرق، لنتنت أهل المغرب، ولو قطرت قطرة في المغرب، لنتنت أهل المشرق، وقال الحسن: هو عذاب لا يعلمه إلا الله، إن ناسًا أخفوا لله طاعة، فأخفى لهم ثوابًا في قوله:

стр. 11178

﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ﴾، وأخفوا معصية، فأخفى لهم عقوبة، وقيل: هو مستنقع في جهنم، يسيل إليه سم كل ذي سم من عقرب وحية، يغمس فيه الآدمي، فيسقط جلده ولحمه عن العظام، وقيل: هو ما يسيل من فروج النساء الزواني، ومن نتن لحوم الكفرة وجلودهم، وفي «التأويلات النجمية»: ﴿هذا﴾ الذي مهدوا اليوم ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ يوم القيامة، يعني: قد حصلوا اليوم معنى صورته ﴿حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ يوم القيامة، ولكن مذاقهم، بحيث لا يجدون ألم عذاب، ما حصلوه بسوء أعمالهم، فليذوقوه يوم القيامة، انتهى. فإذا تنعم المؤمنون بالفاكهة، والشراب .. تعذب الكافرون بالحميم والغساق، وقال مجاهد، ومقاتل: الغساق: هو الثلج البارد، الذي قد انتهى برده. وتفسير الغساق بالبارد، أنسب بما تقتضيه لغة العرب، ومنه قول الشاعر: إِذَا مَا تَذَكَّرْتَ الْحَيَاةَ وَطِيْبَهَا ... إِلَيَّ جَرَى دَمْعٌ مِنَ اللَّيْلِ غَاسِقُ أي: بارد. وأنسب أيضًا بمقابلة الحميم. والخلاصة: أي لهم في جهنم ماء حار، يشوي الوجوه، وماء بارد، لا يُستطاع شربه لبرودته. وقرأ ابن أبي إسحاق، وقتادة، وابن وثاب، وطلحة، وحمزة، والكسائي، وحفص، والفضل، وابن سعدان، وهارون عن أبي عمرو: ﴿غساق﴾ بتشديد السين. وقرأ باقي السبعة: بتخفيف السين، وهما لغتان بمعنى واحد، كما قال الأخفش. وقيل: معناهما مختلف. فمن خفف، فهو اسم مثل: عذاب، وجواب، وصواب، ومن شدد قال: هو اسم فاعل للمبالغة، نحو: ضراب، وقتال. ٥٨ - ثم زاد في التهديد، وبالغ في الوعيد. فقال: ﴿وَ﴾ عذاب ﴿آخَرُ﴾ أو مذوق آخر. وهو مبتدأ خبره ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾؛ أي: كائن لهم من شكل الحميم، والغساق المذكورين، ومثلها في الشدة والفظاعة، وقوله: ﴿أَزْواجٌ﴾ صفة ﴿وَآخَرُ﴾. ومعنى ﴿أَزْواجٌ﴾؛ أي: أجناس، وأنواع، وأشباه؛ أي: وعذاب آخر ذو ضروب، وأجناس كثيرة، كائن لهم من شكل الحميم والغساق المذكورين، ومثلهما في الشدة والفظاعة.

стр. 11179

وحاصل معنى الآية (١): أن لأهل النار حميمًا وغساقًا، وأنواعًا أخر من العذاب، من مثل الحميم والغساق في الشدة والفظاعة، وفي «التأويلات النجمية»؛ أي: فنون أخر، مثل ذلك العذاب، كائن لهم، يشير به إلى أن لكل نوع من المعاصي، نوعًا آخر من العذاب، كما أن كل بذر يزرعونه يكون له ثمرة تناسب البذر. والمعنى (٢): أي ليس الأمر مقصورًا على هذا فحسب، بل لهم فيها أشباه، وأمثال من مثله فظاعةً وشدةً، كالزقوم، والسموم، والزمهرير. وقرأ الجمهور (٣): ﴿وَآخَرُ﴾ على الإفراد. فقيل: مبتدأ خبره محذوف تقديره: ولهم عذاب آخر، وقيل: خبره الجملة بعده؛ لأن قوله: ﴿أَزْواجٌ﴾ مبتدأ، و ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾: خبره، والجملة خبر ﴿آخَرُ﴾، وقيل: خبره ﴿أَزْواجٌ﴾، و ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾: في موضع الصفة، وجاز أن يخبر بالجمع عن الواحد، من حيث هو درجات، ورتب من العذاب، أو سمي كل جزء من ذلك الآخر، باسم الكل. وقرأ الحسن، ومجاهد، والجحدري، وابن جبير، وعيسى، وأبو عمرو: ﴿وأخر﴾ بضم الهمزة على الجمع، وهو مبتدأ، و ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ في موضع الصفة، و ﴿أَزْواجٌ﴾: خبره؛ أي: ومذوقات أخر من شكل هذا المذوق، ومثله في الشدة والفظاعة أزواج وأجناس كثيرة. وأنكر (٤) أبو عمرو على الجمهور قراءتهم بالإفراد ﴿وَآخَرُ﴾ مفردًا مذكرًا لقوله: ﴿أَزْواجٌ﴾. وأنكر عاصم الجحدري قراءة أبي عمرو، وقال: لو كانت كما قرأ لقال: من شكلها. وقرأ مجاهد: ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ بكسر الشين، والجمهور بفتحها، وهما لغتان بمعنى: المثل، والضرب. ٥٩ - وقال خزنة جهنم لرؤساء الكفار في أتباعهم، إذا دخلوا النار: ﴿هذا﴾ الجم الغفير ﴿فَوْجٌ﴾ وجمع ﴿مُقْتَحِمٌ﴾ وداخل ﴿مَعَكُمْ﴾ في النار؛ أي (٥) هذا جمع

стр. 11180

كثيف، قد دخل معكم النار، كما كانوا قد دخلوا معكم في الضلال. والمعنى: يقول الخزنة لرؤساء الطاغين، إذا دخلوا النار مشيرين إلى الأتباع الذين أضلوهم: ﴿هَذَا﴾؛ أي: الأتباع فوج، وجمع تبعكم في دخول النار بالاضطرار، كما كانوا قد تبعوكم في الكفر والضلالة بالاختيار، فانظروا إلى أتباعكم لم يحصل بينكم وبينهم تناصر، وانقطعت مودتكم، وصارت عداوة، قيل: يضرب الزبانية المتبوعين، والأتباع معًا بالمقامع، فيسقطون في النار خوفًا من تلك المقامع. فذلك هو الاقتحام. أي: وهذا حكاية لقول الملائكة، الذين هم خزنة النار، وذلك أن القادة، والرؤساء إذا دخلوا النار ثم دخل بعدهم الأتباع، قالت الخزنة للقادة: هذا فوج، يعنون: الأتباع ﴿مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾؛ أي: داخل ومدفوع معكم إلى النار. وقوله: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ من قول القادة والرؤساء، لما قالت لهم الخزنة ذلك قالوا؛ أي: الرؤساء والقادة في شأن الأتباع: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾؛ أي: لا اتسعت منازلهم في النار. والمعنى: لا كرامة لهم، وجملة (١) ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ دعائية، لا محل لها من الإعراب أو صفة للفوج أو حال منه، أو بتقدير القول؛ أي: مقولًا في حقهم: لا مرحبًا بهم. وقيل: إنها من تمام قول الخزنة، والأول أولى كما يدل عليه جواب الأتباع الآتي. وجملة ﴿إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ﴾؛ أي: داخلون فيها، كما دخلنا فيها تعليل من جهة القائلين؛ أي: إنهم صالوا النار كما صليناها، ومستحقون لها كما استحققناها. أو تعليل من جهة الخزنة، لاستحقاقهم الدعاء عليهم؛ أي: داخلون النار بأعمالهم السيئة، وباستحقاقهم. وقوله: ﴿لا مَرْحَبًا﴾ مصدر (٢) بمعنى: الرحب، وهو السعة. و ﴿بِهِمْ﴾ بيان

стр. 11181

للمدعو عليهم، وانتصابه على أنه مفعول به لفعل مقدر؛ أي: لا يصادفون رحبًا وسعةً، أو لا يأتون رحب عيش، ولا وسعة مسكن، ولا غيره. وحاصله: لا كرامة لهم، أو على المصدر؛ أي: لا رحبهم عيشهم. ومنزلهم رحبًا بل ضاق عليهم، يقول الرجل لمن يدعوه: مرحبًا؛ أي: أتيت رحبًا من البلاد، وأتيت واسعًا وخيرًا كثيرًا قاله الكاشفي. وقال غيره: يُقصد به: إكرام الداخل، وإظهار المسرة بدخوله، ثم يدخل عليه كلمة ﴿لا﴾ في دعاء السوء. وفي بعض شروح الحديث: التكلم بكلمة ﴿مَرْحَبًا﴾ سنة اقتداءً بالنبي ﷺ ، حيث قال: مرحبًا يا أم هانىء حين ذهبت إلى رسول الله عام الفتح. وهي بنت أبي طالب، أسلمت يوم الفتح، ومن أبواب الكعبة باب يسمى باب أم هانىء، لكون بيتها في جانب ذلك الباب، وقد صح أنه ﷺ ، قد عُرج به من بيتها. وقال أبو حيان: والظاهر (١): أن قوله: هذا فوج مقتحم معكم، من قول رؤسائهم بعضهم لبعض. والفوج: الجمع الكثير، وهم الأتباع، ثم دعوا عليهم بقولهم: لا مرحبًا بهم؛ لأن الرئيس إذا رأى الخسيس قد قُرن معه في العذاب .. ساءه ذلك حيث وقع التساوي في العذاب، ولم يكن هو السالم من العذاب وأتباعه في العذاب. والحاصل: أن الله سبحانه، بعدما وصف مساكنهم ومشاربهم، حكى ما يتناجون به، ويقوله بعضهم لبعض؛ أي: هم يتلاعنون، ويتكاذبون. فتقول الطائفة التي دخلت قبل الأخرى، حين تُقبل التي بعدها مع الخزنة والزبانية: هذا جمع كثيف داخل معكم، فلا مرحبا بهم. قال ابن عباس في تفسير الآية: إن القادة إذا دخلوا النار، ثم دخل بعدهم الأتباع، تقول الخزنة للقادة: هذا فوج داخل النار معكم، فيقول السادة: لا مرحبًا بهم، والمراد بذلك الدعاء عليهم. قال النابغة: لَا مَرْحَبًا بِغَدٍ وَلا أَهْلًا بِهِ ... إِنْ كَانَ تَفْرِيْقُ الأَحِبَّةِ فِيْ غَدِ ٦٠ - ثم علل استيجاب الدعاء عليهم بقوله: إنهم صالوا النار؛ أي (٢): إنهم

стр. 11182

ذائقوا حر النار مثلكم. وهذا كلام من المتبوعين والرؤساء الذين أغووهم، وأدخلوهم في الكفر، وحينئذ يرد عليهم الداخلون من الأتباع، ويقولون لهم: ﴿بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾؛ أي: قال الأتباع، وهم الفوج المقتحم للنار عند سماع ما قال الرؤساء في حقهم، أو قالت الخزنة؛ أي: قالوا لأولئك الرؤساء: بل أنتم أحق منا بما قلتم: لا مرحبًا بكم؛ أي: لا كرامة لكم، فإنكم ﴿أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾ وأغويتمونا، ودعوتمونا إلى ما أفضى بنا إلى هذا المصير ﴿فَبِئْسَ الْقَرارُ﴾؛ أي: قبح المستقر والمنزل لنا، ولكم، والمخصوص بالذم: النار، وهذا كلام يراد به: التشفي منهم؛ لأنه مشترك بينهم، خاطبوا (١) الرؤساء مع أن الظاهر: أن يقولوا بطريق الاعتذار إلى الخزنة: بل هم لا مرحبًا بهم، قصدًا منهم إلى إظهار صدقهم بالمخاصمة مع الرؤساء، والتحاكم إلى الخزنة طمعًا في قضائهم، بتخفيف عذابهم، أو تضعيف عذاب خصمائهم؛ أي: بل أنتم أيها الرؤساء، أحق بما قيل لنا من جهة الخزنة، لإغوائكم إيانا مع ضلالكم في أنفسكم. وقوله: ﴿أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾ تعليل لأحقيتهم بذلك؛ أي: أنتم قدمتم العذاب أو الصلي لنا، وأوقعتمونا فيه، بتقديم ما يؤدي إليه من العقائد الزائغة، والأعمال السيئة، وتزيينها في أعيننا، وإغرائنا عليها، لا أنا باشرنا من تلقاء أنفسنا، وذلك أن سبب عذاب الأتباع، هو تلك العقائد والأعمال، والرؤساء لم يقدموها، بل الذين قدموها هم الأتباع باختيارهم إياها، واتصافهم بها، والذي قدمه الرؤساء لهم، ما يحملهم عليها من الإغواء والإغراء عليها، وهذا القدر من السببية، كاف لنا ولكم في إسناد تقديم العذاب، أو الصلي إلى الرؤساء. ﴿فَبِئْسَ الْقَرارُ﴾؛ أي: فبئس المقر جهنم، قصدوا بذمها جناية الرؤساء عليهم. ٦١ - ثم حكى عن الأتباع أيضًا: أنهم أردفوا هذا القول بقول آخر، وهو: ﴿قالُوا﴾؛ أي: الأتباع معرضين عن خصومتهم متضرعين إلى الله، داعين على رؤساء الضلال: ﴿رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا﴾ العذاب أو الصلي ﴿فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا فِي

стр. 11183

النَّارِ﴾؛ أي: فزده في النار عذابًا ذا ضعف. والضعف: بأن يزيد عليه مثله. و ﴿مَنْ﴾ يجوز أن تكون شرطية، و ﴿فَزِدْهُ﴾ جوابها، وأن تكون موصولة بمعنى: الذي مرفوعة المحل على الابتداء، والخبر ﴿فَزِدْهُ﴾. والفاء: زائدة لتضمن المبتدأ معنى الشرط، و ﴿ضِعْفًا﴾ صفة لـ ﴿عَذابًا﴾ بمعنى: مضاعفًا، ﴿وفِي النَّارِ﴾ ظرف لـ ﴿زده﴾ أو نعت لـ ﴿عَذابًا﴾. والمعنى: أي قال الأتباع دعاء على الرؤساء: ربنا، آت من قدم لنا هذا العذاب، عذابًا مضاعفًا في النار، للضلال، وعذابًا للإضلال. كما ورد في الحديث: «من سن سنة سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها». ونحو الآية قوله: ﴿رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾، وقوله: ﴿وَقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)﴾. وقال ابن مسعود ﵁: العذاب الضعف: هو الحيات، والأفاعي، وذلك المضل آذى روح من أضله في الدنيا، فسلط الله عليه المؤذي في الآخرة؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فعلى العاقل إصلاح الباطن وتزكيته من الأخلاق الذميمة والوصاف القبيحة، وإصلاح الظاهر وتحليته عن الأقوال الشنيعة، والأعمال الفظيعة، ولا يغتر بالقرناء السوء، فإنهم منقطعون غدًا من كل خلة ومودة، ولا ينفع لأحد إلا القلب السليم، والعلم النافع، والعمل الصالح، اللهم اجعلنا من أهل المحبة والرحبة، ولا تجعلنا من أهل السخط والغضب. ٦٢ - وبعد أن ذكر حديثهم عن أحبابهم في الدنيا، حكى حديثهم عن أعدائهم فيها، فقال: ﴿وَقالُوا﴾؛ أي: وقال المشركون بعضهم لبعض، على سبيل التعجب والتحسر، إذا افتقدوا المؤمنين ولم يجدوهم في النار: ﴿ما لَنا﴾؛ أي: ما بالنا وشأننا. و ﴿ما﴾ استفهامية مبتدأ، و ﴿لَنا﴾ خبره، وهو مثل قوله: ﴿ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ في أن الاستفهام محمول على التعجب، لا على حقيقته، إذ لا معنى لاستفهام العاقل عن نفسه، والفعل المنفي في قوله: ﴿لا نَرى رِجالًا﴾ حال من ضمير ﴿لَنا﴾؛ أي: أي شيء ثبت لنا، حال كوننا غير رائين رجالًا ﴿كُنَّا﴾ في الدنيا ﴿نَعُدُّهُمْ﴾ ونظنهم ﴿مِنَ الْأَشْرارِ﴾ والأراذل الذين لا خير فيهم، ولا جدوى،

стр. 11184

جمع شر، وهو الذي يرغب عنه الكل، يعنون: فقراء المسلمين كانوا يسترذلونهم، ويسخرون منهم مثل: صهيب الرومي، وبلال الحبشي، وسلمان الفارسي، وخباب، وعمار ﵃ وغيرهم من صعاليك المهاجرين، الذين كانوا يقولون لهم: ﴿أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا﴾، سموهم أشرار، إما بمعنى الأراذل والسفلة الذين لا خير فيهم، ولا جدوى، كما يقال: هذا من شر المتاع، أو لأنهم كانوا على خلاف دينهم، فكانوا عندهم أشرارًا. قال ابن عباس ﵄: يريدون أصحاب محمد ﷺ ، يقول أبو جهل وأضرابه: أين بلال، أين صهيب، أين عمار، أولئك في الفردوس، وا عجبا لأبي جهل، مسكين أسلم ابنه عكرمة، وابنته جويرية، وأسلمت أمه، وأسلم أخوه، وكفر هو. قال: وَنُوْرًا أَضَاءَ الأَرْضَ شَرْقًا وَمَغْرِبًا ... وَمَوْضِعُ رِجْلِيْ مِنْهُ أَسْوَدُ مُظْلِمُ ٦٣ - ثم سألوا عن السبب في عدم رؤيتهم، فقالوا: ﴿أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا﴾ بقطع (١) الهمزة على أنها استفهام، والأصل: أاتخذناهم، حذفت همزة الوصل، للاستغناء عنها بهمزة الاستفهام. و ﴿سِخْرِيًّا﴾ بضم السين وكسرها مصدر سخره، زيد فيه ياء النسبة للمبالغة؛ لأن في ياء النسبة زيادة قوة في الفعل، كما قيل: الخصوصية في الخصوص. قالوه إنكارا على أنفسهم، ولوما لها في الاستسخار منهم. فمعنى الاستفهام: الإنكار، والتوبيخ، والتعنيف، واللوم؛ أي: ألأجل أنا قد اتخذناهم في الدنيا سخريا، ولم يكونوا كذلك لم يدخلوا النار. ﴿أَمْ﴾ هم معنا في النار، ولكن ﴿زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ﴾ ومالت، ولم تقع عليهم أبصارنا. و ﴿أم﴾ متصلة معادلة ﴿لاتخذناهم﴾، وفي هذا إنكار على أنفسهم، وتأنيب لها على استسخارهم منهم في الدنيا. والخلاصة (٢): أن الكفار حين دخلوا النار، ونظروا في جوانبها، ولم يروا المؤمنين، الذين كانوا يسخرون منهم في الدنيا تناجوا، وقالوا: ما بالنا؟ لا نرى

стр. 11185

الذين كنا نتخذهم في الدنيا سخريًا، ألم يدخلوا النار معنا، أم دخلوها ولكن زاغت عنهم أبصارنا، ولم ترهم. وقرأ النحويان (١) - أبو عمرو والكسائي - وحمزة ﴿أَتَّخَذْناهُمْ﴾ وصلًا. فقال أبو حاتم، والزمخشري، وابن عطية: صفة لـ ﴿رِجالًا﴾. قال الزمخشري: مثل قوله: ﴿نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ﴾. وقال ابن الأنباري: حال؛ أي: وقد اتخذناهم. وقرأ أبو جعفر، والأعرج، الحسن، وقتادة، وباقي السبعة: بهمزة الاستفهام، لتقرير أنفسهم على هذا، على جهة التوبيخ لها، والأسف؛ أي: اتخذناهم سخريا ولم يكونوا كذلك، وقرأ عبد الله، وأصحابه، ومجاهد، والضحاك، وأبو جعفر، وشيبة، والأعرج، ونافع، وحمزة، والكسائي: ﴿سخريا﴾ بضم السين ومعناها، من السخرة والاستخدام. وقرأ الحسن، وأبو رجاء، وعيسى، وابن محيصن، وباقي السبعة بكسر السين، ومعناها المشهور من السخر، وهو الهزء. قال أبو عبيدة: من كسر جعله من الهزء، ومن ضم جعله من التسخير. ٦٤ - ثم بيّن أن هذا التناجي، سيكون يوم القيامة، وأنه حق لا مرية فيه، فقال: ﴿إِنَّ ذلِكَ﴾ المذكور الذي حدثناك عنه، أيها الرسول من تخاصم أهل النار بعضهم لبعض، ولعن بعضهم بعضًا ﴿لَحَقٌّ﴾؛ أي: لواقع ثابت في الدار الآخرة، لا يتخلف البتة. هو ﴿تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ خبر لمبتدأ محذوف، والجملة بيان لذلك، وقيل: بيان لحق، وقيل: بدل منه، وقيل: بدل من محل ﴿ذلِكَ﴾، ويجوز أن يكون خبرًا بعد خبر، وهذا على قراءة الجمهور، برفع ﴿تَخاصُمُ﴾. والمعنى: أن ذلك الذي حكاه الله عنهم لحق، لا بد أن يتكلموا به، وهو تخاصم أهل النار فيها، وما قالته الرؤساء للاتباع، وما قالته الأتباع لهم. وقرأ الجمهور: ﴿تَخاصُمُ﴾ بالرفع مضافًا إلى ﴿أَهْلِ﴾. وقرأ ابن أبي عبلة، ﴿تخاصمَ أهل﴾ بنصب الميم وجر ﴿أَهْلِ﴾ على أنه بدل من ﴿ذلِكَ﴾ أو بإضمار أعني، وقرأ ابن السميقع ﴿تَخَاصَم﴾ فعلًا ماضيًا، ﴿أَهْلِ﴾: فاعل، فتكون جملة

стр. 11186

مستأنفة، وسمى الله تعالى، تلك المفاوضة التي جرت بين رؤساء الكفار، وأتباعهم تخاصمًا؛ لأن قولهم: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾، وقول الأتباع: ﴿بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ هو من باب الخصومة، فسمي التفاوض كله تخاصمًا، لاستعماله عليه. ٦٥ - ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﷺ لمشركي مكة: ﴿إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ﴾؛ أي: مخوف بعذاب الله تعالى لمن عصى. أنذركم، وأحذركم عذابه على كفركم ومعاصيكم، وقل أيضًا: ﴿وَما مِنْ إِلهٍ﴾ في الوجود موجود ﴿إِلَّا اللَّهُ الْواحِدُ﴾ الذي لا يقبل الشركة، والكثرة؛ أي: لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فلا ملجأ، ولا مفر إلا إليه، يعني: من عرف أنه الواحد، أفرد قلبه له، فكان واحدًا به، وقد فسر قوله ﵇: «إن الله وتر يحب الوتر» يعني: القلب المنفرد له. ومن خاصية هذا الاسم: أن من قرأه ألف مرة، خرج الخلائق من قلبه. وما أحسن قول بعضهم: إِذَا كَانَ مَا تَهْوَاهُ فِيْ الْحُسْنِ وَاحِدًا ... فَكُنْ وَاحِدًا فِي الْحُبِّ إِنْ كُنْتَ تَهْوَاهُ ﴿الْقَهَّارُ﴾ لكل شيء سواه، ومن الأشياء آلهتهم، فهو يغلبهم، فكيف تكون له شركاء، وأيضًا يقهر العباد بذنوبهم، ومعاصيهم. وقال بعضهم: القهار الذي له الغلبة التامة، على ظاهر كل أمر وباطنه، ومن عرف قهره لعباده، نسي مراد نفسه لمراده، فكان له، وبه، لا لأحد سواه، وخاصية هذا الاسم إذهاب الدنيا، وعظمة ما سوى الله تعالى عن القلب، ومن أكثر ذكره، ظهرت له آثار القهر على عدوه. ٦٦ - ﴿رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا﴾ من المخلوقات؛ أي: مالك جميع العوالم، فكيف يتوهم أن يكون له شريك؟ ﴿الْعَزِيزُ﴾ الذي لا يغالبه مغالب في أمر من أموره، وأيضًا العزيز بالانتقام من المجرمين، فالعزة لله تعالى، وبه التعزز أيضًا. قال الشيخ أبو العباس المرسي ﵀: والله ما رأيت العز، إلا في رفع الهمة عن المخلوقين، وخاصية هذا الاسم: أن من ذكره أربعين يوما، في كل يوم أربعين مرة .. أعانه الله، وأعزه، فلم يحوجه لأحد من خلقه. ﴿الْغَفَّارُ﴾؛ أي: المبالغ في المغفرة، والستر، والمحو، لمن تاب وآمن وعمل صالحًا، قال بعضهم: الغفار: كثير المغفرة لعباده، والمغفرة: الستر على الذنوب، وعدم

стр. 11187

المؤاخذة بها، وما جاء على فعال، فمشعر بترداد الفعل، وخاصية هذا الاسم: وجود المغفرة، فمن ذكره إثر صلاة الجمعة مئة مرة، ظهرت له آثار المغفرة. وقد قال رسول الله ﷺ : «من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ويرزقه من حيث لا يحتسب». وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا تضوّر من الليل، قال: «لا إله إلا الله الواحد القهار، رب السموات والأرض وما بينهما، العزيز الغفار». ومعنى تضوّر: تلوّى إذا قام من النوم. ومعنى قوله: ﴿قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ﴾؛ أي: قل (١) أيها الرسول لمشركي مكة: إنما أنا نذير، مرسل من ربي، لأحذركم مخالفة أوامره، حتى لا يحل بكم من العقاب، مثل ما حل بالأمم قبلكم، كعاد، وثمود، ولست بالساحر، ولا بالكذاب ولا بالمسيطر الجبار، على نحو ما جاء في قوله: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾، وقوله: ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ﴾، وبعد أن ذكر وظيفة الرسول، ذكر ما يبلّغه للناس، فقال: ﴿وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ إلخ؛ أي: إنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وهو الذي قهر كل شيء، وغلبه بعزته وجبروته، وهو مالك السموات والأرض وما بينهما، وهو الذي يغلب ولا يغلب، ويغفر الذنوب لمن يشاء من عباده، إذا تاب جلّت أو حقرت. ٦٧ - ثم توعدهم على مخالفته، وترك العمل به، وأمر رسوله أن يجلي لهم حقيقة وظيفته، ليرعووا عن غيهم، ويتوبوا إلى رشدهم، فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لمشركي مكة ﴿هُوَ﴾؛ أي (٢): هذا القرآن، وما أنبئكم به من أمر التوحيد، والنبوة، وأخبار القيامة، والحشر، والجنة، والنار، وغيرها. ﴿نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ وشأن عظيم؛ لأنه كلام الرب القديم، وارد من جانبه الكريم، يدل على صدقي في دعوى النبوة، والنبأ: كل ما أخبر النبي ﷺ عن الله تعالى، ولا يستعمل إلا في خبر، ذي فائدة عظيمة.

стр. 11188

وقال أبو حيان (١): الضمير في قوله: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ﴾ يعود على ما أخبر النبي ﷺ ، من كونه رسولًا منذرًا، داعيًا إلى الله تعالى، وأنه تعالى هو المنفرد بالألوهية، المتصف بتلك الأوصاف، من الوحدانية، والقهر، وملك العالم، وعزته، وغفرانه، وهو خبر عظيم، لا يعرض عن مثله إلا غافل شديد الغفلة. وقال ابن عباس: النبأ العظيم: القرآن الكريم، وقال الحسن: يوم القيامة، وقيل: قصص آدم، والإنباء به من غير سماع من أحد، وقال صاحب التحرير: سياق الآية وظاهرها: أنه يريد بقوله: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧)﴾ ما قصه الله تعالى من مناظرة أهل النار، ومقاولة الأتباع مع الرؤساء؛ لأنه من أحوال البعث، وكانت قريش تنكر البعث، والحساب، والعقاب، وهم عن ذلك معرضون. ٦٨ - وجملة قوله: ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨)﴾ لا تتفكرون فيه، وتعدونه كذبًا لغاية ضلالتكم وغاية جهالتكم، فلذا لا تؤمنون به مع عظمته، وكونه موجبًا للإقبال الكلي عليه، وتلقيه بحسن القبول، فالتصديق فيه نجاة، والكذب فيه هلكة، توبيخ لهم، وتقريع لكونهم أعرضوا عنه. والمعنى (٢): أي قل لهم يا محمد: إن ما أنبأتكم به، من كوني رسولًا منذرًا، ومن أن الله واحد لا شريك له، خبر عظيم الفائدة لكم، فهو ينقذكم مما أنتم فيه من الضلال، لكنكم معرضون عنه، لا تفكرون فيه، لتماديكم في الغفلة، وفي هذا تنبيه إلى ما هم فيه من الخطأ، علّهم يرجعون عن غيهم. ٦٩ - ثم ذكر من الأدلة ما يرشد إلى نبوته، فقال: ﴿مَا كَانَ لِي﴾ قرأ حفص عن عاصم بفتح الياء، والباقون بإسكانها. وهو كلام مستأنف، مسوق لتقرير أنه نبأ عظيم؛ أي: ما كان لي فيما سبق ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾؛ أي (٣): علم ما بوجه من الوجوه، على ما يفيده حرف الاستغراق ﴿بِالْمَلَإِ الْأَعْلى﴾؛ أي: بحال الملأ الأعلى، وهم الملائكة، وآدم ﵈، وإبليس عليه اللعنة، سموا بالملأ الأعلى؛ لأنهم

стр. 11189

كانوا في السماء وقت التقاول ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾؛ أي: بحالهم وقت اختصامهم، ورجوع بعضهم إلى بعض، في الكلام في شأن آدم، فإن إخباره عن تقاول الملائكة، وما جرى بينهم من قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها﴾ حين قال الله لهم: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ على ما ورد في الكتب المتقدمة، من غير سماع ومطالعة كتاب، لا يتصور إلا بالوحي؛ أي: فلو لم يكن لي نبوة، ما أخبرتكم عن اختصامهم. و ﴿إِذْ﴾ متعلق بالحال المحذوف، الذي يقتضيه المقام. إذ المراد: نفي علمه بحالهم لا بذواتهم، والحال يشمل الأقوال الجارية فيما بينهم، والأفعال أيضًا، من سجود الملائكة، واستكبار إبليس وكفره، وقيل (١): إن الضمير في ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ عائد إلى قريش. يعني: قول من قال منهم: الملائكة بنات الله، والمعنى: ما كان لي علم بالملائكة، إذ تختصم فيهم قريش. والأول أولى. والخلاصة: أي ولولا الوحي، ما كنت أدري باختلاف الملأ الأعلى، يعني في شأن آدم ﵇، وامتناع إبليس من السجود له، ومحاجته ربه في تفضيله عليه. ٧٠ - ثم أكد نبوته بقوله: ﴿إِنْ يُوحى إِلَيَّ﴾؛ أي: ما يوحى إلى من حال الملأ الأعلى، وغيره من الأمور المغيبة ﴿إِلَّا أَنَّما﴾ بفتح الهمزة، على تقدير لام التعليل؛ أي: إلا لأنما ﴿أَنَا نَذِيرٌ﴾؛ أي: نبي منذر من العذاب، من جهته تعالى ﴿مُبِينٌ﴾؛ أي: ظاهر النذارة، والنبوة بالدلائل الواضحة، عبر عن النبي بالنذير؛ لأنه صفته، وخصص النذير مع أنه بشير أيضًا؛ لأن المقام يقتضي ذلك، وجملة قوله: ﴿إِنْ يُوحى إِلَيَّ﴾ إلخ، معترضة بين اختصامهم المجمل، وبين تفضيله بقوله: ﴿إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾، قال الفراء، المعنى: ما يوحى إلى إلا أنني نذير مبين، أبيّن لكم ما تأتون من الفرائض، والسنن، وما تدعون من الحرام والمعصية. وقرأ الجمهور (٢): بفتح همزة ﴿أَنَّما﴾ على أنها وما في حيزها في محل

стр. 11190

رفع، لقيامها مقام الفاعل؛ أي: ما يوحى إلي إلا الإنذار، أو إلا كوني نذيرًا مبينًا، أو في محل نصب، أو جر بعد إسقاط لام العلة، والقائم مقام الفاعل على هذا الجار والمجرور، وقرأ أبو جعفر بكسر الهمزة، لأن في الوحي معنى القول، وهي القائمة مقام الفاعل، على سبيل الحكاية، كأنه قيل: ما يوحى إلي إلا هذه الجملة المتضمنة لهذا الإخبار، وهو أن أقول لكم: إنما أنا نذير مبين. ٧١ - ولما ذكر سبحانه، خصومة الملائكة، إجمالًا فيما تقدم ذكرها هنا، تفصيلًا فقال: ﴿إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ ﴿إِذْ﴾: هي بدل من ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ لاشتمال ما في حيز هذه على الخصومة، وقيل: هي منصوبة بإضمار ﴿اذكر﴾، والأول أولى، إذا كانت خصومة الملائكة في شأن من يُستخلف في الأرض. وأما إذا كانت في غير ذلك مما تقدم ذكره، فالثاني أولى. فإن قلت (١): كيف يجوز أن يقال: إن الملائكة اختصموا بهذا القول، والمخاصمة مع الله تعالى كفر؟. قلت: لا شك أنه جرى هناك سؤال وجواب، وذلك يشبه المخاصمة والمناظرة، والمشابهة تجوز إطلاق اسم المشبه به على المشبه، فحسن إطلاق المخاصمة على المقاولة الواقعة هناك. فإن قلت: إن الاختصام المذكور سابقًا، مسند إلى الملأ الأعلى، وواقع فيما بينهم، وما وقع في جملة البدل هو التقاول الواقع بين الله تعالى، وبينهم، لأنه تعالى، هو الذي قال لهم وقالوا له، فكيف تجعل هذه الجملة بدلا من قوله: ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ مبينًا ومشتملًا له؟. قلت: حيث كان تكليمه تعالى إياهم بواسطة الملك، صح إسناد الاختصام إلى الله تعالى، لكونه سببًا آمرًا. وقد سبق المراد بالملائكة في سورة الحجر، فارجع.

стр. 11191

﴿إِنِّي خالِقٌ﴾ فيما سيأتي من الزمن ﴿بَشَرًا﴾؛ أي: إنسانًا بادي البشر؛ أي: ظاهر الجلد، ليس على جلده صوف ولا شعر، ولا وبر، ولا ريش، ولا قشر، فإن قيل (١): كيف صح أن يقول لهم: إني خالق بشرا، وما عرفوا البشر، ولا عهدوا به قبل؟. أجيب: بأنه يمكن أنه يكون قال لهم: إني خالق خلقًا من صفته كيت وكيت، ولكنه حين حكاه اقتصر على الاسم، اهـ «خطيب». ﴿مِنْ طِينٍ﴾؛ أي: من تراب مبلول. متعلق بمحذوف، هو صفة لـ ﴿بَشَرًا﴾، أو بخالق ٧٢ - ﴿فَإِذا سَوَّيْتُهُ﴾؛ أي: صورته بالصورة الإنسانية والخلقة البشرية، أو سوّيت أجزاء بدنه بتعديل طبائعه، كما في الجنين الذي أتى عليه أربعة أشهر. فلا بد لنفخ الروح من هذه التسوية البتة. ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾؛ أي: من الروح الذي أملكه، ولا يملكه غيري. وقيل: هو تمثيل لإضافة ما به الحياة بالفعل على المادة القابلة لها؛ لأن النفخ: إجراء الريح إلى تجويف جسم صلح لإمساكها والامتلاء بها، وليس ثمة نفخ ولا منفوخ، والمعنى حينئذ: فإذا أكملت استعداده، وأفضت عليه، ما يحيى به من الروح التي هي من أمري، وإضافته إلى نفسه لشرفه وطهارته، أو على سبيل التعظيم؛ لأن المضاف إلى العظيم عظيم، كما في بيت الله، وناقة الله .. ﴿فَقَعُوا﴾؛ أي: فاسقطوا ﴿لَهُ﴾؛ أي: لذلك البشر؛ أي: لتكريمه أمر من وقع، يقع حال كونكم ﴿ساجِدِينَ﴾ لاستحقاقه الخلافة، وهذا السجود من باب التحية والتكريم، فإنه لا يجوز السجود لغير الله تعالى، على وجه العبادة، لا في هذه الأمة، ولا في الأمم السابقة، وإنما شاع بطريق التحية للمتقدمين. ثم أبطله الإسلام، وفيه دليل على أن المأمور به، ليس مجرد انحناء كما قيل، وكذا في قوله: ﴿ساجِدِينَ﴾ فإن حقيقة السجود: وضع الجبهة على الأرض. وقال بعضهم: نفخ الروح عندي، عبارة عن إظهارها في محلها، وعبر عنه بالنفخ؛ لأن البدن بعد ظهور الروح فيه، يكون كالمنفوخ المرتفع الممتلىء، ألا

стр. 11192

ترى إلى أن الميت يبقى بعد مفارقة الروح كالخشب اليابس، ثم في إضافة الروح، إشارة إلى تقديم روح آدم على أرواح الملائكة وغيرها؛ لأن المضاف إلى القديم قديم، وإن كان جسد بعض الأشياء متقدمًا على جسده. ٧٣ - قوله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ﴾ في الكلام حذف، تدل عليه الفاء، والتقدير: فخلقه فسواه، فنفخ فيه الروح، فسجد الملائكة ﴿كُلُّهُمْ﴾ بحيث لم يبق منهم أحد، إلا سجد ﴿أَجْمَعُونَ﴾ بطريق المعية، بحيث لم يتأخر في ذلك أحد منهم عن أحد. فالأول: لقصد الإحاطة، والثاني: لقصد الاجتماع، قال في «الكشاف»: فإفادا معًا، أنهم سجدوا عن آخرهم، ما بقي منهم ملك إلا سجد، وأنهم سجدوا جميعا في وقت واحد، غير متفرقين في أوقات، وقيل: إنه أكد بتأكيدين، للمبالغة في التعميم. ٧٤ - ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ فإنه لم يسجد، والاستثناء متصل؛ لأنه كان من الملائكة فعلًا، ومن الجن نوعًا، ولذلك تناوله أمرهم، وكان اسم إبليس قبل أن يبلس من رحمة الله تعالى، عزازيل والحارث، وكنيته: أبو كردوس وأبو مرة، كأنه سئل كيف ترك السجود، هل كان ذلك للتروي والتأمل، أو غير ذلك؟ فقيل: ﴿اسْتَكْبَرَ﴾ وتعظم عن السجود لآدم. وسببه أنه كان أعور، فما رأى آثار أنوار التجلي على آدم ﵇. وقيل: الاستثناء منقطع على ما هو الظاهر من عدم دخوله فيهم؛ أي: لكن إبليس ﴿اسْتَكْبَرَ﴾ وأنف من السجود جهلًا منه، بأنه طاعة لله تعالى ﴿وَ﴾ كان استكباره استكبار كفر، فلذلك ﴿كانَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾؛ أي (١): صار منهم بمخالفته لأمر الله، واستكباره عن طاعته، أو كان من الكافرين في علم الله سبحانه، أزلا بالذات، وفي الخارج أبدًا باستقباح أمر الله. ولذا كانت شقاوته ذاتية لا عارضية، وسعادته في البين عارضية لا ذاتية، فالعبرة لما هو بالذات، وذلك لا يزول لا لما هو بالعرض، إذ ذاك يزول. أي (٢): صار من الكافرين، بإبائه عن أمر الله، بعد أن كان مسلمًا عابدًا لله سبحانه مع الملائكة، نحو ثمانين ألف سنة، وطاف بالبيت أربعة عشر ألف عام،

стр. 11193

على ما قيل، اهـ شيخنا. ٧٥ - ﴿قَالَ﴾ الله تعالى لإبليس مشافهة، حين امتنع من السجود: ﴿يا إِبْلِيسُ﴾؛ أي: يا خبيث، وهذه مشافهة لا تدل على إكرام إبليس، إذ يخاطب السيد عبده بطريق الغضب، وتمامه في سورة الحجر. ﴿ما﴾ استفهامية؛ أي: أي شيء ﴿مَنَعَكَ﴾ من ﴿أَنْ تَسْجُدَ﴾؛ أي: أي شيء دعاك إلى ترك السجود ﴿لِمَا﴾؛ أي: لمن ﴿خَلَقْتُ﴾ وأوجدت ﴿بِيَدَيَّ﴾؛ أي خصصته بخلقي إياه بيدي كرامة له؛ أي: خلقته بذاتي، من غير توسط أب وأم، فذكر اليد لنفي توهم التجوز؛ أي: لتحقيق إضافة خلقه إليه تعالى، والتثنية في اليد، لما في خلقه من مزيد القدرة، واختلاف الفعل، فإن طينته خمّرت أربعين صباحا، وكان خلقه مخالفًا لسائر أبناء جنسه، المتكونة من نطفة الأبوين، أو من نطفة الأم مميزًا عنهم، ببديع صنعه تعالى. ﴿أَسْتَكْبَرْتَ﴾؛ أي: أتكبرت عن السجود لآدم من غير استحقاق التكبر، بقطع الألف، أصله: أاستكبرت، أدخلت همزة الاستفهام للتوبيخ، والإنكار على همزة الوصل، فحذفت همزة الوصل استغناء عنها بهمزة الاستفهام، وبقيت همزة الاستفهام مفتوحة. ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ﴾؛ أي: من المستحقين للتفوق والعلو، ويحتمل أن يكون المراد بالعالين: الملائكة المهيّمين، الذين ما أمروا بالسجود لآدم، لاستغراقهم في شهود الحق، وهم الأرواح المجردة. والمعنى (١): أتركت السجود لاستكبارك الحادث، أم لاستكبارك القديم المستمر؟. لكن جواب إبليس بقوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ لا يطابقه؛ لأنه أجاب: بأنه إنما ترك السجود، لكونه خيرًا منه، وعاليا بالنسبة إليه، وبيّن ذلك بأن أصله من النار، وأصل آدم من الطين، والنار أشرف من الطين؛ لأن الأجرام الفلكية أشرف من الأجرام العنصرية، والنار أقرب العناصر من الفلك، والأرض أبعدها منه، وأيضا النار لطيفة نورانية، والأرض كثيفة ظلمانية، واللطافة والنورانية خير من الكثافة والظلمانية، اهـ «زاده».

стр. 11194

وقرأ الجحدري ﴿لما خلقت﴾ بفتح اللام وتشديد الميم، على أنها ظرف بمعنى: حين، كما قال أبو علي الفارسي، وقرأ: ﴿بيدي﴾ على الإفراد. وقرأ الجمهور (١): ﴿بِيَدَيَّ﴾ على التثنية، وقرأ ﴿بيدى﴾ كقراءة ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾، وقال تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا﴾. وقرأ الجمهور: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ﴾ بهمزة الاستفهام، فأم متصلة عادلت الهمزة، والاستفهام للتوبيخ والتقريع، وقرأ ابن كثير في رواية عنه، وأهل مكة بألف وصل، ويجوز أن يكون الاستفهام مرادًا، فيوافق القراءة الأولى. كما في قول الشاعر: تَرُوْحُ مِنَ الْحَيِّ أَمْ تَبْتَكِرْ وقول الآخر: بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الْجَمْرَ أَمْ بِثَمَانِيَا ويحتمل أن يكون إخبارًا محضًا، من غير إرادة للاستفهام، فتكون ﴿أَمْ﴾ منقطعة. والمعنى: استكبرت عن السجود الذي أمرت به، بل أ ﴿كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ﴾. ٧٦ - وجملة قوله: ﴿قالَ﴾ إبليس إبداء للمانع: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾؛ أي: أفضل من آدم، مستأنفة، واقعة في جواب سؤال مقدر، وفي ضمن كلامه هذا: أن سجود الفاضل للمفضول لا يحسن؛ أي: ولو كنت مساويًا له في الشرف، لكان يقبح أن أسجد له، فكيف وأنا خير منه؟. ثم بيّن وجه الخيرية منه بقوله: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ﴾ نسب خلقه إلى النار باعتبار الجزء الغالب، إذ الشيطان مخلوق من نار وهواء. ﴿وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ نسب خلقه إلى الطين، باعتبار الجزء الغالب أيضًا، إذ آدم مخلوق من العناصر الأربعة. والمعنى (٢): لو كان آدم مخلوقًا من نار، لما سجدت له؛ لأنه مثلي، فكيف أسجد لمن هو دوني؟؛ لأنه من طين، والنار تغلب الطين وتأكله، فلا

стр. 11195

يحسن أن يسجد الفاضل للمفضول، فكيف يحسن أن يؤمر، ظن أن ذلك شرف له، ولم يعلم أن الشرف يكتسب بطاعة الله تعالى، ولقد أخطأ اللعين، حيث خص الفضل بما من جهة المادة والعنصر، وزل عما من جهة الفاعل، كما أنبأ عنه قوله تعالى: ﴿لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، وما من جهة الصورة، كما نبه عليه قوله تعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾. وما من جهة الغاية، وهو ملاك الأمر، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ﴾، ولذلك أمر الملائكة بسجوده، حين ظهر لهم، أنه أعلم منهم، بما يدور عليه أمر الخلافة في الأرض، وأن له خواص ليست لغيره. ومراده: أن النار أقرب إلى الأشرف الذي هو الفلك. وهي خليفة الشمس والقمر في الإضاءة والحرارة، وهي ألطف من الأرض، وهي مشرقة، وهي شبيه الروح، وأشرف الأعضاء القلب والروح، وهما على طبيعة النار، وكل جسم أشبه النار، كالذهب والياقوت فهو أشرف، والشمس أشرف الأجسام، وهي تشبه النار في الطبع والصورة، وأيضًا لم يتم المزاج إلا بالحرارة، ومآل كل هذه إلى أن أصله خير فهو خير. وهذا ممنوع، ولذا قال من قال: أَتَفْخَرَ بِاتِّصَالِكَ مِنْ عَلِيٍّ ... وَأَصْلُ الْبَوْلَةِ الْمَاءِ الْقَرَاحُ وَلَيْسَ بِنَافِعٍ نَسَبٌ زَكِيٌّ ... تُدَنِّسُهُ صَنَائِعُكَ الْقِبَاحُ فيجوز أن يكون أصل أحد الشيئين أفضل، وينضم إليه ما يقتضي مرجوحيته، كما في إبليس، فإنه قد انضم إلى أصله عوارض رديئة، كالكبر والحسد والعجب والعصيان، فاقتضت اللعنة عليه، وأمر آدم ﵇ بالعكس. وقال في «آكام المرجان»: اعلم أن هذه الشبهة التي ذكرها إبليس، إنما ذكرها على سبيل التعنت، وإلا فامتناعه عن السجود لآدم، إنما كان عن كبر وكفر، ومجرد إباء وحسد، ومع ذلك فما أبداه من الشبهة فهو داحض؛ أي: باطل؛ لأنه رتب على ذلك، أنه خير من آدم، لكونه خلق من نار، وآدم خلق من طين، ورتب على هذا، أنه لا يحسن منه الخضوع، لمن هو دونه، وهذا باطل من وجوه:

стр. 11196

الأول: أن النار طبعها الفساد، وإتلاف ما تعلقت به بخلاف التراب، فإنه إذا وضع القوت فيه، أخرجه أضعاف ما وضع فيه، بخلاف النار، فإنها آكلة لا تبقي ولا تذر. والثاني: أن النار طبعها الخفة، والطيش، والحدة، والتراب طبعه الرزانة، والسكون، والثبات. والثالث: أن التراب يكون فيه، ومنه أرزاق الحيوانات وأقواتهم، ولباس العباد وزينتهم، وآلات معايشهم ومساكنهم، والنار لا يتكون فيها شيء من ذلك. والرابع: أن التراب ضروري للحيوان، لا يستغني عنه البتة، ولا عما يتكون فيه ومنه، والنار يستغني عنها الحيوان مطلقًا، وقد يستغني عنها الإنسان أيامًا وشهورًا، فلا تدعوه إليها ضرورة. الخامس: أن النار لا تقوم بنفسها، بل هي مفتقرة إلى محل تقوم به، يكون حاملًا، والتراب لا يفتقر إلى حامل، فالتراب أكمل منها، لغناه وافتقارها. والسادس: أن النار مفتقرة إلى التراب، وليس بالتراب فقر إليها، فإن المحل الذي تقوم به النار، لا يكون إلا متكونا من التراب أو فيه، فهي المفتقرة إلى التراب، وهو الغني عنها. والسابع: أن المادة الإبليسية هي المارج من النار، وهو ضعيف تتلاعب به الأهوية، فيميل معها كيفما مالت، ولهذا غلب الهوى على المخلوق منه فأسره وقهره، ولما كانت المادة الآدمية هي التراب، وهو قوي لا يذهب مع الهواء أينما ذهب، فهو قهر هواه، وأسره، ورجع إلى ربه فاجتباه، فكان الهواء الذي مع المادة الآدمية عارضا سريع الزوال، فزال، فكان الثبات والرزانة أصلًا له، فعاد إليه، وكان إبليس بالعكس من ذلك، فعاد كل منهما إلى أصله وعنصره، آدم إلى أصله الطيب الشريف، واللعين إلى أصله الرديء الخبيث. والثامن: أن النار وإن حصل بها بعض المنفعة من الطبخ والتسخين والاستضاءة بها، فالشر كامن فيها لا يصدها عنه، إلا قسرها وحبسها، ولولا

стр. 11197

القاصر والحابس لها، لأفسدت الحرث والنسل، وأما التراب، فالخير والبركة كامن فيه، كلما أثير وقُلب ظهر خيره وبركته وثمرته. فأين أحدهما من الآخر، إلى آخر ما ذكره من الوجوه الكثيرة، التي تُدخض شبهه. ٧٧ - ﴿قالَ﴾ الله ، بقهره وعزته ﴿فَاخْرُجْ﴾ الفاء فيه فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا خالفت أمري وأبيت من السجود لآدم، وأردت بيان ما هو الجزاء لك .. فأقول لك: اخرج يا إبليس ﴿مِنْها﴾؛ أي: من (١) الجنة، وقيل: من السماء، وقيل: من زمرة الملائكة، وهو المراد بالأمر بالهبوط، لا الهبوط من السماء، كما قال البيضاوي، فإن وسوسته لآدم، كانت بعد هذا الطرد، قال بعضهم: عظم جناية إبليس يقتضي هبوطه من السماء إلى الأرض، لا التوقف فيها إلى زمان الوسوسة. وأما أمر الوسوسة، فيجوز أن يكون بطريق الصعود إلى السماء؛ ابتلاء من الله تعالى، ودخوله الجنة، وهو في السماء، ليس بأهون من دخوله وهو في الأرض، إذ هو ممنوع من الدخول مطلقا، سواء كان في الأرض أو في السماء، إلا بطريق الامتحان. وفي «الكرخي»: وقيل: اخرج (٢) من الخلقة التي كنت عليها أولًا، وانسلخ منها؛ لأنه كان يفتخر بخلقته، فغيّر الله خلقته، فاسود بعد ما كان أبيض، وقبح بعدما كان حسنًا، وأظلم بعدما كان نورانيًا، وفي «تحفة العارفين» ما نصه: وكان إبليس رئيسًا على اثني عشر ألف ملك، وكان له جناحان من زمرد أخضر، فلما طرد غيرت صورته، وجعله الله منكوسًا على مثال الخنازير: ووجهه كالقردة، وهو شيخ أعور كوسج، وفي لحيته سبع شعرات، مثل شعر الفرس، وعيناه مشقوقتان في طول وجهه، وأنيابه خارجة كأنياب الخنازير، ورأسه كرأس البعير، وصدره كسنام الجمل الكبير، وشفتاه كشفتي الثور، ومنخاراه مفتوحتان مثل: كوز الحجام، اهـ. ولكنها من الإسرائيليات التي لا أصل لها، وإنما نقلناها، لأنه أحق بهذه الصفات القبيحة.

стр. 11198

وقوله: ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ تعليل للأمر بالخروج؛ أي: مطرود عن كل خير وكرامة، فإن من يطرد يرجم بالحجارة، إهانة له، أو شيطان يرجم بالشهب السماوية، أو الأثيرية. وإلى الثاني ذهب بعض أهل الحقائق. فإن قلت (١): إذا كان الرجم بمعنى الطرد، وكذلك اللعنة، لزم التكرار فما الفرق؟. قلت: الفرق يحصل بحمل الرجم على الطرد من الجنة، أو السماء، وبحمل اللعنة على معنى الطرد من الرحمة، فيكون أبلغ، ويحصل الفرق، ويزول التكرار، اهـ «خازن». ٧٨ - ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي﴾؛ أي: إبعادي عن الرحمة، فإن اللعن: طرد، أو إبعاد على سبيل السخط، وذلك من الله تعالى في الآخرة عقوبة، وفي الدنيا انقطاع عن قبول فيضه وتوفيقه، ومن الإنسان دعاء على غيره. وتقييدها (٢) بالإضافة مع إطلاقها في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ﴾ لما أن لعنة اللاعنين من الملائكة، والثقلين أيضًا من جهته تعالى، وأنهم يدعون عليه بلعنة الله، وإبعاده من الرحمة، قال بعضهم: اللعنة المطلقة أيضًا هي لعنة الله تعالى؛ لأن اللام عوض عن المضاف إليه، فمآل الآيتين واحد. ويجوز أن يكون المعنى: وإن عليك لعنتي على ألسنة عبادي يلعنونك ﴿إِلى يَوْمِ الدِّينِ﴾؛ أي: إلى يوم الجزاء والعقوبة. قال زكريا (٣): قال سبحانه في سورة الحجر: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ﴾ بتعريف الجنس، ليناسب ما قبله من التعبير في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ﴾ ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ﴾، وقال هنا: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي﴾ بالإضافة ليناسب ما قبله من قوله: ﴿لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، انتهى.

стр. 11199

فإن قلت (١): كلمة ﴿إِلى﴾ لانتهاء الغاية، فتقتضي انقضاء اللعنة، عنه، عند مجيء يوم الدين، مع أنها لا تنقطع؟. قلت: معناه: أن اللعنة باقية عليه في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة، زيد له على اللعنة من العذاب، بحيث تنسى اللعنة بذلك، فكأنها انقطعت عنده. قال بعضهم: ولا يلزم (٢) من هذا التوقيت، انقطاع اللعنة عنه في الآخرة، إذ من كان ملعونًا مدة الدنيا، ولم يشم رائحة الرحمة في وقتها، كان ملعونًا أبديًا في الآخرة، ولم يجد أثر الرحمة فيها، لكونها ليست وقت الرحمة للكافر، وقد علم خلوده في النار بالنص، وكذا اللعنة، كما قال تعالى: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ مع ما ينضم إليه من عذاب آخر، ينسى عنده اللعنة، والعياذ بالله تعالى. ٧٩ - وجملة قوله: ﴿قَالَ﴾ إبليس اللعين: ﴿رَبِّ﴾؛ أي: يا ربي إلخ، مستأنفة كما تقدم فيما قبلها، والفاء في قوله: ﴿فَأَنْظِرْنِي﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا جعلتني رجيمًا، مطرودًا عن رحمتك، وأردت بيان سؤلي منك .. فأقول لك: يا ربي أمهلني ولا تمتني ﴿إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ من قبورهم للجزاء، وهو يوم القيامة، يعني: آدم وذريته؛ أي: إلى يوم يبعث آدم وذريته من القبور، للجزاء بعد فنائهم، وأراد بدعائه أن يجد فسحة لإغوائهم، ويأخذ منهم ثأره، وينجو من الموت بالكلية، إذ لا موت بعد يوم البعث، فلم يجب، ولم يوصل إلى مراده. ٨٠ - ﴿قالَ﴾ الله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾؛ أي: من جملة الذين أخرت آجالهم أزلًا، بحسب الحكمة كالملائكة ونحوهم. والفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا سألتني الإنظار، وأردت بيان ما أنظرته لك .. فأقول لك: إنك من الممهلين ٨١ - ﴿إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١)﴾ عندي، لا عند غيري؛ أي: إلى اليوم (٣) الذي قدرته، وعينته لفناء

стр. 11200

الخلائق، وهو وقت النفخة الأولى، لا إلى وقت البعث، الذي هو المسؤول له، قال في «آكام المرجان»: ظاهر القرآن يدل على أن إبليس غير مخصوص بالإنظار، وأما ولده وقبيله، فلم يقم دليل على أنهم منظرون معه، وقال بعضهم: الشياطين يتوالدون ولا يموتون إلى وقت النفخة الأولى، بخلاف الجن، يتوالدون ويموتون، ويحتمل أن بعض الجن أيضًا، منظرون، كما أن بعض الإنس منظرون، كالخضر ﵇، وفيه: أن الظاهر: أن يموت الخضر وأمثاله حين يموت المؤمنون، ولا يبقى منهم أحد. وذلك قبل الساعة بكثير من الزمان. ثم إن قوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ﴾ إلخ، إخبار من الله تعالى، بالإنظار المقدر أزلًا، لا إنشاء، لإنظار خاص به قد وقع إجابةً لدعائه، وكان استنظاره طلبًا لتأخير الموت، لا لتأخير العقوبة. هكذا في «الإرشاد». وقال بعضهم: ولا شك أن الله تعالى، استجاب دعاء إبليس، ليكون طول بقائه في الدنيا، أجرا له في مقابلة طول عبادته قبل لعنه، ودعاء الكافر مستجاب في أمور الدنيا، فلا مانع أن يكون إنظاره بطريق الإنشاء، يدل عليه ترتيبه على دعائه الحادث. ٨٢ - ﴿قَالَ﴾ إبليس عليه ما يستحق ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾ والباء فيه للقسم؛ أي: فأقسم بعزتك؛ أي: بقهرك وسلطانك، ولا ينافيه قوله تعالى، حكاية عنه: ﴿فَبِما أَغْوَيْتَنِي﴾؛ لأن إغواءه إياه، أثر من آثار قدره وعزته، وحكم من أحكام قهره وسلطنته. ولهذه النكتة الخفية ورد الحلف هنا بالعزة، مع أن الصفات اللائقة للحلف كثير. وفي «التأويلات النجمية»: ثم إن إبليس لتمام شقاوته قال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾ إلخ، ولو عرف عزته، لما أقسم بها على مخالفته، ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ لأضلنّ ذرية آدم ﴿أَجْمَعِينَ﴾؛ أي: لأحملنهم على الغي والضلال، ولأكونن سببًا لغوايتهم وضلالهم بتزيين المعاصي لهم، وإدخال الشكوك والشبهات فيهم، ٨٣ - ثم صدق حيث استثنى، فقال: ﴿إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ بفتح اللام؛ أي: الذين أخلصتهم واصطفيتهم لطاعتك، وعصمتهم من الشيطان، وقرىء بالكسر على صيغة اسم الفاعل؛ أي: الذين أخلصوا أعمالهم وقلوبهم لله تعالى، من غير شائبة الرياء، قال بعضهم: العبد المخلص، هو الذي يكون سره بينه وبين ربه،

стр. 11201

بحيث لا يعلمه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا هوى فيميله، ثم لا شك أن من العباد عبادًا، إذ رأى الشيطان أثر سلطنة ولايتهم، وعزة أحوالهم، يذوب كما يذوب الملح في الإناء، ولا يبقى له حيل، ولا يطيق أن يمكر بهم، بل ينسى في رؤيتهم جميع مكرياته، ولا يطيق أن يرمي إليهم من أسهم وسوسته، بل مكره محيط به، لا بأهل الحق، وهكذا حال ورثة الشيطان من المنكرين المفسدين، مع أهل الله تعالى، فإنهم محفوظون عما سوى الله تعالى مطلقًا. ٨٤ - وجملة قوله: ﴿قالَ فَالْحَقُّ﴾ مستأنفة كالجمل التي قبلها؛ أي: قال الله تعالى: ﴿فَالْحَقُّ﴾ إلخ. الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا حلفت بصفتي على إغوائهم، ثم أغويتهم، لتكون بارا في قسمك، وأردت بيان عاقبتك وعاقبتهم .. فأقول لك: الحق، بالرفع على أنه مبتدأ خبره محذوف؛ أي: فالحق قسمي، على أن الحق اسم من أسماء الله تعالى، كما في قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾، أو نقيض الباطل، عظمه الله تعالى بإقسامه به، ويحتمل أن يكون التقدير: فالحق مني، كما قال: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ ﴿وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ بالنصب على أنه مفعول لأقول، قدم عليه للقصر؛ أي: لا أقول إلا الحق. ٨٥ - وقوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ﴾؛ أي: من جنسك من الشيطان، والجملة جواب القسم، وجملة ﴿وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ معترضة بين القسم وجوابه، ﴿وَمِمَّنْ تَبِعَكَ﴾ في الغواية والضلال بسوء اختياره ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: من ذرية آدم ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تأكيد للكاف وما عطف عليه؛ أي: لأملأنها من المتبوعين والأتباع أجمعين، لا أترك أحدًا منهم. وفي «التأويلات النجمية»: ولما كان تجاسره في مخاطبته الحق، حيث أصر على الخلاف، وأقسم عليه أقبح وأولى في استحقاق اللعنة، من امتناعه السجود لآدم، قال فالحق إلخ، انتهى. فعلى العاقل أن يتأدب بالآداب الحسنة، قولًا وفعلًا، ولا يتجاسر على الله تعالى أصلًا، ولا يتبع خطوات الشيطان، حتى لا يرد معه النار. وقرأ الجمهور: ﴿فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ بنصبهما، أما الأول فمقسم به، حذف منه الحرف كقولهم: أمانة الله لأقومن، والمقسم عليه ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ ﴿وَالْحَقَ

стр. 11202

أَقُولُ﴾ اعتراض بين القسم وجوابه، أو هما منصوبان على الإغراء؛ أي: إلزموا الحق، وقرأ ابن عباس، ومجاهد، والأعمش برفعهما، فرفع الأول على ما تقدم، ورفع الثاني بالابتداء، والخبر الجملة المذكورة بعده، والرابط محذوف، وقرأ ابن السميقع، وطلحة بن مصرف، والحسن، وعيسى، وعبد الرحمن ابن أبي حماد، عن أبي بكر بجرهما. ويخرّج على أن الأول، مجرور بواو القسم، محذوفة، تقديره: فوالحق، و ﴿الْحَقَّ﴾ معطوف عليه، كما تقول: والله والله لأقومن ﴿أَقُولُ﴾ اعتراض بين القسم وجوابه، وقرأ مجاهد، والأعمش بخلاف عنهما، وأبان بن تغلب، وطلحة في رواية، وحمزة، وعاصم عن المفضل، وخلف وعيسى: برفع الأول، ونصب الثاني. وتقدم إعرابهما. وخلاصة هذه القصة (١): أن الله سبحانه، أعلم الملائكة قبل خلق آدم ﵇، أنه سيخلق بشرًا من صلصال من حمأ مسنون، وأمرهم بالسجود له، متى فرغ من خلقه، وتسويته إجلالًا وإعظامًا له. فامتثل الملائكة كلهم ذلك، إلا إبليس، فلم يكن منهم جنسًا، بل كان من الجن، فخانه طبعه، فاستنكف عن السجود له، وخاصم ربه، وادعى أنه خير من آدم؛ لأنه مخلوق من نار وآدم مخلوق من طين، والنار خير من الطين في زعمه، وقد خالف بذلك أمر ربه، فكفر به، فأبعده وطرده من باب رحمته وحضرة قدسه، مذمومًا مدحورًا، فسأل النظرة إلى يوم البعث، فأنظره الحليم الذي لا يعجل على من عصاه، فلما أمن الهلاك إلى يوم القيامة، تمرد وطغى، وقال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾. فقال تعالى: ﴿فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)﴾. ٨٦ - ثم أمر الله سبحانه رسوله، أن يخبرهم: بأنه إنما يريد بالدعوة إلى الله تعالى، امتثال أمره، لا عرض الدنيا الزائل، فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين: ﴿ما أَسْئَلُكُمْ﴾؛ أي: ما أطلب منكم ﴿عَلَيْهِ﴾؛ أي: على

стр. 11203

القرآن الذي أتيتكم به، أو على تبليغ الوحي، وأداء الرسالة، أو على الدعاء إلى الله على العموم، فيشمل القرآن وغيره من الوحي. ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ تعطونيه عليه أو جعل تجعلونه لي من مال دنيوي، ولكن أعلمكم بغير أجر، وذلك لأن من شرط العبودية الخالصة، أن لا يراد عليها الجزاء، ولا الشكور، فمن قطع رأس كافر في دار الحرب، أو أسره وأحضره عند رئيس العسكر، فيُعطي له مالًا، فقد فعله للأجر، لا لله تعالى، وعلى هذه جميع ما يتعلق به الأعراض الفاسدة. ﴿وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾؛ أي (١): من المتصنعين بما ليسوا من أهله، على ما عرفتم من حالي حتى أنتحل النبوة؛ أي: أدعيها لنفسي كاذبًا، وأتقول القرآن من تلقاء نفسي، وكل من قال شيئًا من تلقاء نفسه، فقد تكلف له؛ أي (٢): من الحاملين للمشقة في التشريع على الناس؛ أي: إن هذا الذي أدعوكم إليه، دين لا يحتاج في معرفة صحته، إلى التكلفات الكثيرة، بل هو دين يشهد العقل بصحته، فإني أدعوكم: أولًا: إلى الإقرار بوجود الله سبحانه، ثم أدعوكم: ثانيًا: إلى تنزيهه تعالى، عن كل ما لا يليق به، ثم أدعوكم: ثالثًا: إلى الإقرار بكونه تعالى، موصوفًا بكمال العلم، والقدرة والحكمة والرحمة، ثم أدعوكم: رابعًا: إلى الإقرار بكونه تعالى، منزهًا عن الشركاء، ثم أدعوكم: خامسًا: إلى الامتناع عن عبادة الأوثان، ثم أدعوكم: سادسًا: إلى تعظيم الملائكة والأنبياء، ثم أدعوكم: سابعًا: إلى الإقرار بالبعث والقيامة، ثم أدعوكم: ثامنًا: إلى الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة. فهذه الأصول الثمانية هي الأصول المعتبرة في دين الله تعالى، وأوائل الأفكار شاهدة بصحة هذه

стр. 11204

الأصول الثمانية، فثبت أني لست من المتكلفين في الشريعة، التي أدعو الخلق إليها، بل كل عقل سليم يشهد بصحتها وبعدها عن الفساد، ٨٧ - وهو المراد من قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ﴾؛ أي: ما هذا القرآن، أو الوحي، أو ما أدعوكم إليه ﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾؛ أي: عظة من الله تعالى، أو شرف وذكر باق ﴿لِلْعالَمِينَ﴾؛ أي: للثقلين كافة. وعن مسروق قال: دخلنا على ابن مسعود فقال: يا أيها الناس، من علم شيئًا فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم، أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم. قال الله تعالى، لنبيه ﷺ : «قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين»، متفق عليه. وهذا لفظ البخاري. ٨٨ - ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ﴾؛ أي: وعزة الله وجلاله، لتعلمن أيها المشركون ﴿نَبَأَهُ﴾؛ أي: نبأ هذا القرآن؛ أي: ما أنبأ به من الوعد، والوعيد، وغيرها أو صحة خبره، وأنه الحق والصدق ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾؛ أي: بعد الموت، أو يوم القيامة، حين لا ينفع العلم. وفيه تهديد. وقال الكلبي: من بقي علم ذلك حين ظهر وعلا، ومن مات علمه بعد الموت. وقال الحسن بن آدم: عند الموت يأتيك الخبر اليقين، فينبغي للمؤمن، أن يكون بحيث لو كشف الحجاب، ما ازداد يقينًا. ومن كلام علي ﵁: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينًا، وختم السورة بالذكر، كما افتتحها بالذكر. والله الموفق. الإعراب ﴿هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ (٥٦)﴾. ﴿هذا﴾: ﴿ها﴾ حرف تنبيه. ﴿ذا﴾: اسم إشارة، يشار به في محل الرفع مبتدأ، وخبره محذوف، تقديره: هذا العذاب المذكور فيما بعد للكفار. ﴿وَإِنَّ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿لِلطَّاغِينَ﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾ مقدم على اسمها، ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾: اللام: حرف ابتداء ﴿شر مآب﴾: اسمها مؤخر، وجملة ﴿إِنَّ﴾ معطوفة على جملة ﴿هذا﴾. ﴿جَهَنَّمَ﴾: بدل من شر مآب، أو عطف بيان

стр. 11205

له، ﴿يَصْلَوْنَها﴾: فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة في محل النصب حال من جهنم. ﴿فَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ الفاء: فاء الفصيحة، لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أن مآبهم جهنم، وأردت بيان ما يقال فيها عند التعجب .. فأقول لك: بئس المهاد. ﴿بئس﴾: فعل ماض لإنشاء الذم. ﴿الْمِهادُ﴾: فاعل، والمخصوص بالذم محذوف تقديره: هي؛ أي: جهنم. وجملة ﴿بئس﴾ إنشائية، لا محل لها من الإعراب. ﴿هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ (٥٨) هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ (٥٩) قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ (٦٠)﴾. ﴿هذا﴾: مبتدأ، ﴿حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ خبراه، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾: الفاء: اعتراضية، واللام: لام أمر وجزم مبني على السكون، ﴿يذوقوه﴾: فعل، وفاعل مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف النون، والهاء مفعول به. والجملة الفعلية معترضة، لا محل لها من الإعراب، لوقوعها بين المبتدأ والخبر. ﴿وَآخَرُ﴾ معطوف على حميم، ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿آخَرُ﴾، و ﴿أَزْواجٌ﴾ خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هي أزواج، والجملة الاسمية في محل الرفع صفة للثلاثة، أو أزواج صفة للثلاثة، أعني: حميم وغساق وآخر. ﴿هذا فَوْجٌ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب، مقول لقول محذوف تقديره: ويقال لهم عند دخولهم النار: هذا فوج. ﴿مُقْتَحِمٌ﴾ صفة لـ ﴿فَوْجٌ﴾، ﴿مَعَكُمْ﴾: ظرف، ومضاف إليه، متعلق بمحذوف صفة ثانية لـ ﴿فَوْجٌ﴾، أو حال من الضمير في ﴿مُقْتَحِمٌ﴾ أو من ﴿فَوْجٌ﴾، ﴿لا﴾: نافية، ﴿مَرْحَبًا﴾: مفعول لفعل محذوف تقديره: لا أتيتم مرحبًا، أو لا سمعتم مرحبًا، والجملة مستأنفة، مسوقة للدعاء عليهم بضيق المكان، أو حالية من فوج؛ أي: هذا فوج مقتحم معكم، مقولًا لهم: لا مرحبًا بهم. ﴿بِهِمْ﴾ متعلقان بـ ﴿مَرْحَبًا﴾ ﴿إِنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه، ﴿صالُوا النَّارِ﴾: خبر، ومضاف إليه، والجملة مستأنفة، مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿قالُوا﴾: فعل، وفاعل، والضمير يعود على الأتباع، والجملة مستأنفة، ﴿بَلْ﴾: حرف
следующие страницы →