← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 11201–11240 · переход к 11206.

стр. 11201

بحيث لا يعلمه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا هوى فيميله، ثم لا شك أن من العباد عبادًا، إذ رأى الشيطان أثر سلطنة ولايتهم، وعزة أحوالهم، يذوب كما يذوب الملح في الإناء، ولا يبقى له حيل، ولا يطيق أن يمكر بهم، بل ينسى في رؤيتهم جميع مكرياته، ولا يطيق أن يرمي إليهم من أسهم وسوسته، بل مكره محيط به، لا بأهل الحق، وهكذا حال ورثة الشيطان من المنكرين المفسدين، مع أهل الله تعالى، فإنهم محفوظون عما سوى الله تعالى مطلقًا. ٨٤ - وجملة قوله: ﴿قالَ فَالْحَقُّ﴾ مستأنفة كالجمل التي قبلها؛ أي: قال الله تعالى: ﴿فَالْحَقُّ﴾ إلخ. الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا حلفت بصفتي على إغوائهم، ثم أغويتهم، لتكون بارا في قسمك، وأردت بيان عاقبتك وعاقبتهم .. فأقول لك: الحق، بالرفع على أنه مبتدأ خبره محذوف؛ أي: فالحق قسمي، على أن الحق اسم من أسماء الله تعالى، كما في قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾، أو نقيض الباطل، عظمه الله تعالى بإقسامه به، ويحتمل أن يكون التقدير: فالحق مني، كما قال: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ ﴿وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ بالنصب على أنه مفعول لأقول، قدم عليه للقصر؛ أي: لا أقول إلا الحق. ٨٥ - وقوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ﴾؛ أي: من جنسك من الشيطان، والجملة جواب القسم، وجملة ﴿وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ معترضة بين القسم وجوابه، ﴿وَمِمَّنْ تَبِعَكَ﴾ في الغواية والضلال بسوء اختياره ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: من ذرية آدم ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تأكيد للكاف وما عطف عليه؛ أي: لأملأنها من المتبوعين والأتباع أجمعين، لا أترك أحدًا منهم. وفي «التأويلات النجمية»: ولما كان تجاسره في مخاطبته الحق، حيث أصر على الخلاف، وأقسم عليه أقبح وأولى في استحقاق اللعنة، من امتناعه السجود لآدم، قال فالحق إلخ، انتهى. فعلى العاقل أن يتأدب بالآداب الحسنة، قولًا وفعلًا، ولا يتجاسر على الله تعالى أصلًا، ولا يتبع خطوات الشيطان، حتى لا يرد معه النار. وقرأ الجمهور: ﴿فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ بنصبهما، أما الأول فمقسم به، حذف منه الحرف كقولهم: أمانة الله لأقومن، والمقسم عليه ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ ﴿وَالْحَقَ

стр. 11202

أَقُولُ﴾ اعتراض بين القسم وجوابه، أو هما منصوبان على الإغراء؛ أي: إلزموا الحق، وقرأ ابن عباس، ومجاهد، والأعمش برفعهما، فرفع الأول على ما تقدم، ورفع الثاني بالابتداء، والخبر الجملة المذكورة بعده، والرابط محذوف، وقرأ ابن السميقع، وطلحة بن مصرف، والحسن، وعيسى، وعبد الرحمن ابن أبي حماد، عن أبي بكر بجرهما. ويخرّج على أن الأول، مجرور بواو القسم، محذوفة، تقديره: فوالحق، و ﴿الْحَقَّ﴾ معطوف عليه، كما تقول: والله والله لأقومن ﴿أَقُولُ﴾ اعتراض بين القسم وجوابه، وقرأ مجاهد، والأعمش بخلاف عنهما، وأبان بن تغلب، وطلحة في رواية، وحمزة، وعاصم عن المفضل، وخلف وعيسى: برفع الأول، ونصب الثاني. وتقدم إعرابهما. وخلاصة هذه القصة (١): أن الله سبحانه، أعلم الملائكة قبل خلق آدم ﵇، أنه سيخلق بشرًا من صلصال من حمأ مسنون، وأمرهم بالسجود له، متى فرغ من خلقه، وتسويته إجلالًا وإعظامًا له. فامتثل الملائكة كلهم ذلك، إلا إبليس، فلم يكن منهم جنسًا، بل كان من الجن، فخانه طبعه، فاستنكف عن السجود له، وخاصم ربه، وادعى أنه خير من آدم؛ لأنه مخلوق من نار وآدم مخلوق من طين، والنار خير من الطين في زعمه، وقد خالف بذلك أمر ربه، فكفر به، فأبعده وطرده من باب رحمته وحضرة قدسه، مذمومًا مدحورًا، فسأل النظرة إلى يوم البعث، فأنظره الحليم الذي لا يعجل على من عصاه، فلما أمن الهلاك إلى يوم القيامة، تمرد وطغى، وقال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾. فقال تعالى: ﴿فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)﴾. ٨٦ - ثم أمر الله سبحانه رسوله، أن يخبرهم: بأنه إنما يريد بالدعوة إلى الله تعالى، امتثال أمره، لا عرض الدنيا الزائل، فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين: ﴿ما أَسْئَلُكُمْ﴾؛ أي: ما أطلب منكم ﴿عَلَيْهِ﴾؛ أي: على

стр. 11203

القرآن الذي أتيتكم به، أو على تبليغ الوحي، وأداء الرسالة، أو على الدعاء إلى الله على العموم، فيشمل القرآن وغيره من الوحي. ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ تعطونيه عليه أو جعل تجعلونه لي من مال دنيوي، ولكن أعلمكم بغير أجر، وذلك لأن من شرط العبودية الخالصة، أن لا يراد عليها الجزاء، ولا الشكور، فمن قطع رأس كافر في دار الحرب، أو أسره وأحضره عند رئيس العسكر، فيُعطي له مالًا، فقد فعله للأجر، لا لله تعالى، وعلى هذه جميع ما يتعلق به الأعراض الفاسدة. ﴿وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾؛ أي (١): من المتصنعين بما ليسوا من أهله، على ما عرفتم من حالي حتى أنتحل النبوة؛ أي: أدعيها لنفسي كاذبًا، وأتقول القرآن من تلقاء نفسي، وكل من قال شيئًا من تلقاء نفسه، فقد تكلف له؛ أي (٢): من الحاملين للمشقة في التشريع على الناس؛ أي: إن هذا الذي أدعوكم إليه، دين لا يحتاج في معرفة صحته، إلى التكلفات الكثيرة، بل هو دين يشهد العقل بصحته، فإني أدعوكم: أولًا: إلى الإقرار بوجود الله سبحانه، ثم أدعوكم: ثانيًا: إلى تنزيهه تعالى، عن كل ما لا يليق به، ثم أدعوكم: ثالثًا: إلى الإقرار بكونه تعالى، موصوفًا بكمال العلم، والقدرة والحكمة والرحمة، ثم أدعوكم: رابعًا: إلى الإقرار بكونه تعالى، منزهًا عن الشركاء، ثم أدعوكم: خامسًا: إلى الامتناع عن عبادة الأوثان، ثم أدعوكم: سادسًا: إلى تعظيم الملائكة والأنبياء، ثم أدعوكم: سابعًا: إلى الإقرار بالبعث والقيامة، ثم أدعوكم: ثامنًا: إلى الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة. فهذه الأصول الثمانية هي الأصول المعتبرة في دين الله تعالى، وأوائل الأفكار شاهدة بصحة هذه

стр. 11204

الأصول الثمانية، فثبت أني لست من المتكلفين في الشريعة، التي أدعو الخلق إليها، بل كل عقل سليم يشهد بصحتها وبعدها عن الفساد، ٨٧ - وهو المراد من قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ﴾؛ أي: ما هذا القرآن، أو الوحي، أو ما أدعوكم إليه ﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾؛ أي: عظة من الله تعالى، أو شرف وذكر باق ﴿لِلْعالَمِينَ﴾؛ أي: للثقلين كافة. وعن مسروق قال: دخلنا على ابن مسعود فقال: يا أيها الناس، من علم شيئًا فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم، أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم. قال الله تعالى، لنبيه ﷺ : «قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين»، متفق عليه. وهذا لفظ البخاري. ٨٨ - ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ﴾؛ أي: وعزة الله وجلاله، لتعلمن أيها المشركون ﴿نَبَأَهُ﴾؛ أي: نبأ هذا القرآن؛ أي: ما أنبأ به من الوعد، والوعيد، وغيرها أو صحة خبره، وأنه الحق والصدق ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾؛ أي: بعد الموت، أو يوم القيامة، حين لا ينفع العلم. وفيه تهديد. وقال الكلبي: من بقي علم ذلك حين ظهر وعلا، ومن مات علمه بعد الموت. وقال الحسن بن آدم: عند الموت يأتيك الخبر اليقين، فينبغي للمؤمن، أن يكون بحيث لو كشف الحجاب، ما ازداد يقينًا. ومن كلام علي ﵁: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينًا، وختم السورة بالذكر، كما افتتحها بالذكر. والله الموفق. الإعراب ﴿هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ (٥٦)﴾. ﴿هذا﴾: ﴿ها﴾ حرف تنبيه. ﴿ذا﴾: اسم إشارة، يشار به في محل الرفع مبتدأ، وخبره محذوف، تقديره: هذا العذاب المذكور فيما بعد للكفار. ﴿وَإِنَّ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿لِلطَّاغِينَ﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾ مقدم على اسمها، ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾: اللام: حرف ابتداء ﴿شر مآب﴾: اسمها مؤخر، وجملة ﴿إِنَّ﴾ معطوفة على جملة ﴿هذا﴾. ﴿جَهَنَّمَ﴾: بدل من شر مآب، أو عطف بيان

стр. 11205

له، ﴿يَصْلَوْنَها﴾: فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة في محل النصب حال من جهنم. ﴿فَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ الفاء: فاء الفصيحة، لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أن مآبهم جهنم، وأردت بيان ما يقال فيها عند التعجب .. فأقول لك: بئس المهاد. ﴿بئس﴾: فعل ماض لإنشاء الذم. ﴿الْمِهادُ﴾: فاعل، والمخصوص بالذم محذوف تقديره: هي؛ أي: جهنم. وجملة ﴿بئس﴾ إنشائية، لا محل لها من الإعراب. ﴿هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ (٥٨) هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ (٥٩) قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ (٦٠)﴾. ﴿هذا﴾: مبتدأ، ﴿حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ خبراه، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾: الفاء: اعتراضية، واللام: لام أمر وجزم مبني على السكون، ﴿يذوقوه﴾: فعل، وفاعل مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف النون، والهاء مفعول به. والجملة الفعلية معترضة، لا محل لها من الإعراب، لوقوعها بين المبتدأ والخبر. ﴿وَآخَرُ﴾ معطوف على حميم، ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿آخَرُ﴾، و ﴿أَزْواجٌ﴾ خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هي أزواج، والجملة الاسمية في محل الرفع صفة للثلاثة، أو أزواج صفة للثلاثة، أعني: حميم وغساق وآخر. ﴿هذا فَوْجٌ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب، مقول لقول محذوف تقديره: ويقال لهم عند دخولهم النار: هذا فوج. ﴿مُقْتَحِمٌ﴾ صفة لـ ﴿فَوْجٌ﴾، ﴿مَعَكُمْ﴾: ظرف، ومضاف إليه، متعلق بمحذوف صفة ثانية لـ ﴿فَوْجٌ﴾، أو حال من الضمير في ﴿مُقْتَحِمٌ﴾ أو من ﴿فَوْجٌ﴾، ﴿لا﴾: نافية، ﴿مَرْحَبًا﴾: مفعول لفعل محذوف تقديره: لا أتيتم مرحبًا، أو لا سمعتم مرحبًا، والجملة مستأنفة، مسوقة للدعاء عليهم بضيق المكان، أو حالية من فوج؛ أي: هذا فوج مقتحم معكم، مقولًا لهم: لا مرحبًا بهم. ﴿بِهِمْ﴾ متعلقان بـ ﴿مَرْحَبًا﴾ ﴿إِنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه، ﴿صالُوا النَّارِ﴾: خبر، ومضاف إليه، والجملة مستأنفة، مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿قالُوا﴾: فعل، وفاعل، والضمير يعود على الأتباع، والجملة مستأنفة، ﴿بَلْ﴾: حرف

стр. 11206

إضراب، ﴿أَنْتُمْ﴾: مبتدأ، ﴿لا﴾: نافية، ﴿مَرْحَبًا﴾: مفعول لفعل محذوف، تقديره: لا أتيتم ولا وجدتم مرحبًا؛ أي: مكانًا واسعًا، والجملة المحذوفة مقول لقول محذوف، هو خبر المبتدأ، والتقدير: قالوا بل أنتم مقول فيكم: لا مرحبًا بكم، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾. ﴿بِكُمْ﴾ متعلقان بـ ﴿مَرْحَبًا﴾ ﴿أَنْتُمْ﴾: مبتدأ. ﴿قَدَّمْتُمُوهُ﴾: فعل ماض، والتاء فاعل، والميم علامة الجمع، والواو حرف زائد لإشباع ضمة الميم، والهاء مفعول به، ﴿لَنا﴾: جار ومجرور، متعلق بقدم، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾. ﴿فَبِئْسَ﴾ الفاء: عاطفة أو استئنافية، ﴿بئس القرار﴾: فعل وفاعل، والمخصوص بالذم محذوف تقديره: فبئس القرار هي؛ أي: النار. وجملة ﴿بئس﴾: معطوفة على جملة قوله ﴿بَلْ أَنْتُمْ﴾ على كونها مقولًا لـ ﴿قالُوا﴾ أو مستأنفة. ﴿قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (٦١) وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ (٦٢) أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ (٦٣) إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)﴾. ﴿قالُوا﴾: فعل، وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿رَبَّنا﴾: منادى مضاف، حذف منه حرف النداء، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾. مَنْ ﴿:﴾ اسم موصول في محل الرفع مبتدأ، ﴿قَدَّمَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر، صلة من الموصولة، ﴿لَنا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿قَدَّمَ﴾، ﴿هذا﴾: مفعول ﴿قَدَّمَ﴾، ﴿فَزِدْهُ﴾: الفاء: رابطة الخبر بالمبتدأ، لما في الموصول من رائحة الشرط، ﴿زده﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر، ومفعول به. ﴿عَذابًا﴾: مفعول ثان لـ ﴿زده﴾، ﴿ضِعْفًا﴾: صفة لـ ﴿عَذابًا﴾؛ أي: مضاعفًا ﴿فِي النَّارِ﴾: متعلق بـ ﴿زده﴾ أو صفة ثانية لـ ﴿عَذابًا﴾. والجملة الفعلية في محل الرفع خبر لمبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب، مقول ﴿قالُوا﴾ على كونها جواب النداء. ﴿وَقالُوا﴾: فعل، وفاعل، معطوف على ﴿قالُوا﴾ الأول، والضمير يعود لكفار مكة، كأبي جهل وأضرابه. ﴿ما﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، ﴿لَنا﴾: جار ومجرور خبره، والجملة الاسمية في

стр. 11207

محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾. ﴿لا﴾: نافية. ﴿نَرى﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الكفار. ﴿رِجالًا﴾: مفعول به؛ لأن رأى هنا بصرية، والجملة الفعلية في محل النصب، حال من ضمير المتكلمين في ﴿لَنا﴾. ﴿كُنَّا﴾: فعل ماض ناقص واسمه، والجملة صفة لـ ﴿رِجالًا﴾. ﴿نَعُدُّهُمْ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر. ﴿مِنَ الْأَشْرارِ﴾ متعلق بـ ﴿نَعُدُّهُمْ﴾، وجملة ﴿نَعُدُّهُمْ﴾: في محل النصب خبر ﴿كُنَّا﴾. ﴿أَتَّخَذْناهُمْ﴾: فعل، وفاعل، ومفعول أول لـ ﴿اتخذنا﴾، والهمزة للاستفهام التوبيخي التعجبي، وهمزة الوصل سقطت استغناء عنها. ﴿سِخْرِيًّا﴾: مفعول ثان لـ ﴿اتخذنا﴾، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾. ﴿أَمْ﴾: حرف عطف، متصل بقوله: ﴿ما لَنا﴾. ﴿زاغَتْ﴾: فعل ماض. ﴿عَنْهُمُ﴾: متعلق بـ ﴿زاغَتْ﴾. ﴿الْأَبْصارُ﴾: فاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿ما لَنا﴾. ﴿إِنَّ ذلِكَ﴾: ناصب واسمه ﴿لَحَقٌّ﴾: خبر، واللام حرف ابتداء، ﴿تَخاصُمُ﴾: بدل من حق، أو خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو تخاصم أهل النار، وجملة المبتدأ المحذوف، وخبره مفسرة لاسم الإشارة. ﴿تَخاصُمُ﴾: مضاف، ﴿أَهْلِ النَّارِ﴾: مضاف إليه، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. ﴿قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٦٦)﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ، والجملة مستأنفة. ﴿إِنَّما﴾: أداة حصر. ﴿أَنَا﴾: مبتدأ. ﴿مُنْذِرٌ﴾: خبره، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿وَما﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ما﴾: نافية. ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿إِلهٍ﴾: مبتدأ، ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿اللَّهُ﴾: خبر المبتدأ. ﴿الْواحِدُ الْقَهَّارُ﴾: صفتان للجلالة، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿رَبُّ السَّماواتِ﴾: نعت للجلالة، أو بدل منه. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على السموات. ﴿وَما بَيْنَهُمَا﴾: معطوف أيضًا على السموات. ﴿الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾: صفتان أيضًا لرب السموات. ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠)﴾.

стр. 11208

﴿قُلْ﴾: فعل، وفاعل مستتر، والجملة مستأنفة. ﴿هُوَ﴾: مبتدأ، ﴿نَبَأٌ﴾: خبره، ﴿عَظِيمٌ﴾: صفة لـ ﴿نَبَأٌ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿أَنْتُمْ﴾: مبتدأ، ﴿عَنْهُ﴾: متعلق بما بعده. ﴿مُعْرِضُونَ﴾: خبر، والجملة الاسمية في محل الرفع، صفة ثانية لـ ﴿نَبَأٌ﴾. ﴿ما﴾: نافية، ﴿كَانَ﴾: فعل ناقص، ﴿لِي﴾: خبرها مقدم على اسمها. ﴿مِنْ﴾: زائدة، ﴿عِلْمٍ﴾: اسمها مؤخر، ﴿بِالْمَلَإِ﴾: متعلق بـ ﴿عِلْمٍ﴾، ﴿الْأَعْلى﴾: صفة لـ ﴿الملأ﴾، وجملة ﴿كَانَ﴾ مستأنفة على كونها مقولًا لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿إذ﴾: ظرف لما مضى، متعلق بـ ﴿عِلْمٍ﴾ أيضًا، وجملة ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذ﴾ ﴿إِنْ﴾: نافية، ﴿يُوحى﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ﴿إِلَيَّ﴾: متعلق به، ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿أَنَّما﴾: كاف ومكفوف، ﴿أَنَا﴾: مبتدأ، ﴿نَذِيرٌ﴾: خبره، ﴿مُبِينٌ﴾: صفة ﴿نَذِيرٌ﴾، والجملة الاسمية صلة ﴿إِنْ﴾ المكفوفة، وجملة ﴿إِنْ﴾ في تأويل مصدر، مرفوع على كونه نائب فاعل، لـ ﴿يُوحى﴾؛ أي: ما يوحى إلى إلا الإنذار، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٧٤)﴾. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى، بدل من ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾، أو متعلق بـ ﴿اذكر﴾ محذوفًا، ﴿قالَ رَبُّكَ﴾: فعل، وفاعل، ﴿لِلْمَلائِكَةِ﴾، متعلق بـ ﴿قَالَ﴾، والجملة في محل الجر، مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿إِنِّي خالِقٌ﴾: ناصب واسمه وخبره، ﴿بَشَرًا﴾: مفعول به لـ ﴿خالِقٌ﴾. ﴿مِنْ طِينٍ﴾: صفة لـ ﴿بَشَرًا﴾، أو متعلق بـ ﴿خالِقٌ﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿فَإِذا﴾: الفاء: عاطفة، ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، متعلق بالجواب الآتي، ﴿سَوَّيْتُهُ﴾: فعل، وفاعل، ومفعول، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذا﴾: على كونها فعل شرط لها. ﴿وَنَفَخْتُ﴾: فعل، وفاعل، معطوف على ﴿سويت﴾، ﴿فِيهِ﴾: متعلق بـ ﴿نَفَخْتُ﴾: ﴿مِنْ رُوحِي﴾: متعلق بـ ﴿نَفَخْتُ﴾: أيضًا، ﴿فَقَعُوا﴾: الفاء: رابطة لجواب ﴿إذا﴾ وجوبًا. ﴿قعوا﴾: فعل أمر، وفاعل مبني على حذف النون. ﴿لَهُ﴾: متعلق

стр. 11209

بـ ﴿ساجِدِينَ﴾، و ﴿ساجِدِينَ﴾: حال من فاعل ﴿قعوا﴾، والجملة الفعلية جواب ﴿إذا﴾، لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ معطوفة على جملة ﴿إن﴾ على كونها مقول ﴿قالَ﴾. ﴿فَسَجَدَ﴾: الفاء: عاطفة، ﴿سجد الملائكة﴾: فعل، وفاعل، ﴿كُلُّهُمْ﴾: توكيد أول للملائكة، ﴿أَجْمَعُونَ﴾: توكيد ثان له، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿إذا﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء، ﴿إِبْلِيسَ﴾: منصوب على الاستثناء المتصل أو المنقطع. ﴿اسْتَكْبَرَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿إِبْلِيسَ﴾، والجملة مستأنفة، مسوقة لبيان كيفية إبائه من السجود، وجملة ﴿وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾: معطوفة على جملة ﴿استكبر﴾، ﴿كان﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على ﴿إِبْلِيسَ﴾، ﴿مِنَ الْكافِرِينَ﴾: خبرها. ﴿قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ (٧٥) قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨)﴾. ﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة مستأنفة. ﴿يا إِبْلِيسُ﴾: منادى مفرد العلم، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾، ﴿ما﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، ﴿مَنَعَكَ﴾: فعل، ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿ما﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع، خبر لما الاستفهامية، أي: أي شيء مانع إياك من السجود، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر، ﴿تَسْجُدَ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر، ﴿لِما﴾ جار ومجرور، متعلق بـ ﴿تَسْجُدَ﴾، وجملة ﴿تَسْجُدَ﴾ مع ﴿أَنْ﴾ المصدرية في تأويل مصدر، منصوب على كونه مفعولًا ثانيًا لـ ﴿تَسْجُدَ﴾؛ أي: أي شيء منعك السجود. ﴿خَلَقْتُ﴾: فعل، وفاعل، ﴿بِيَدَيَّ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية صلة ﴿لِما﴾ الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: لما خلقته بيدي. ﴿أَسْتَكْبَرْتَ﴾: الهمزة: للاستفهام الإنكاري التوبيخي، وهمزة الوصل سقطت استغناء عنها. ﴿أَسْتَكْبَرْتَ﴾: فعل، وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿أَمْ﴾: عاطفة متصلة، ﴿كُنْتَ﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿مِنَ الْعالِينَ﴾: خبره، والجملة

стр. 11210

معطوفة على جملة ﴿أَسْتَكْبَرْتَ﴾، ﴿قالَ﴾: فعل، وفاعل مستتر يعود على ﴿إِبْلِيسُ﴾، والجملة مستأنفة. ﴿أَنَا خَيْرٌ﴾: مبتدأ وخبر، ﴿مِنْهُ﴾: متعلق بـ ﴿خَيْرٌ﴾، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾، ﴿خَلَقْتَنِي﴾: فعل، وفاعل، ومفعول به، ونون وقاية، ﴿مِنْ نارٍ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾: على كونها مفسرة للخيرية. و ﴿خلقناه﴾: فعل، وفاعل، ومفعول به معطوف على ﴿خَلَقْتَنِي﴾، ﴿مِنْ طِينٍ﴾: متعلق بـ ﴿خَلَقْتَهُ﴾، ﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر، يعود على الله، والجملة مستأنفة. ﴿فَاخْرُجْ﴾: الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا خالفت أمري، وأبيت من السجود لآدم، وأردت بيان ما هو الجزاء لك .. فأقول لك: اخرج. ﴿اخرج﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر، يعود على ﴿إِبْلِيسُ﴾ ﴿مِنْها﴾: متعلق بـ ﴿اخرج﴾، والجملة الفعلية مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول لـ ﴿قالَ﴾. ﴿فَإِنَّكَ﴾: الفاء: تعليلية، ﴿إنك رجيم﴾: ناصب واسمه وخبره، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ على كونها معللة للأمر بالخروج. ﴿وَإِنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد. ﴿عَلَيْكَ﴾: خبرها مقدم على اسمها، ﴿لَعْنَتِي﴾: اسمها مؤخر، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب، معطوفة على جملة قوله: ﴿فَاخْرُجْ﴾، أو على جملة قوله: ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾: ﴿إِلى يَوْمِ الدِّينِ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلق بمحذوف حال من ﴿لَعْنَتِي﴾؛ أي: حال كونها مستمرة إلى يوم الدين. ﴿قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠)﴾. ﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿إبليس﴾، والجملة مستأنفة. ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف، حذف منه حرف النداء، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿فَأَنْظِرْنِي﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا جعلتني رجيمًا مطرودًا عن رحمتك، وأردت بيان سؤلي منك .. فأقول لك: يا رب أنظرني. ﴿أنظرني﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على لله، والنون للوقاية، والياء مفعول به، ﴿إِلى يَوْمِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب

стр. 11211

مقول ﴿قالَ﴾. ﴿يُبْعَثُونَ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، والواو نائب عن الفاعل، والجملة في محل الجر، مضاف إليه لـ ﴿إذا﴾، ﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة مستأنفة. ﴿فَإِنَّكَ﴾: الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا سألتني الإنظار، وأردت بيان ما أنظرته لك، فأقول لك: إنك من المنظرين. ﴿إنك﴾: ناصب واسمه. ﴿مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾: خبره، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة، في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١) قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)﴾. ﴿إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلق بالمنظرين، ﴿الْمَعْلُومِ﴾: صفة لـ ﴿الْوَقْتِ﴾، ﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿إبليس﴾، والجملة مستأنفة. ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾: الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: ﴿إذا﴾ أنظرتني، وأردت ثأري منهم، فأقول لك: بعزتك. الباء: حرف جر وقسم، ﴿عزتك﴾: مقسم به، مجرور بباء القسم، الجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف جوازًا، تقديره: أقسم بعزتك. ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ اللام: موطئة للقسم. ﴿أغوين﴾: فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير مستتر يعود على ﴿إبليس﴾، والنون حرف توكيد، والهاء مفعول به، ﴿أَجْمَعِينَ﴾: تأكيد للضمير المنصوب، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب، مقول ﴿قالَ﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿عِبادَكَ﴾: مستثنى من ضمير الغائبين. ﴿مِنْهُمُ﴾: حال من عبادك ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾، صفة لـ ﴿عِبادَكَ﴾، ﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة مستأنفة. ﴿فَالْحَقُّ﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية، ﴿الحق﴾: مبتدأ، خبره محذوف تقديره: قسمي. والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿وَالْحَقَّ﴾: مفعول مقدم لـ ﴿أَقُولُ﴾، ﴿أَقُولُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر

стр. 11212

يعود على الله، والجملة معترضة بين القسم وجوابه، ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ اللام: موطئة للقسم. ﴿أملأن﴾ فعل مضارع، مبني على الفتح، وفاعله ضمير يعود على الله، والنون للتوكيد، ﴿جَهَنَّمَ﴾: مفعول به، ﴿مِنْكَ﴾: متعلق بـ ﴿أملأن﴾، ﴿وَمِمَّنْ﴾: معطوف على ﴿مِنْكَ﴾، وجملة ﴿تَبِعَكَ﴾: صلة لـ ﴿من﴾ الموصولة، وجملة ﴿أملأن﴾ جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾، ﴿مِنْهُمْ﴾: جار ومجرور، حال من فاعل ﴿تَبِعَكَ﴾، ﴿أَجْمَعِينَ﴾: تأكيد للضمير في ﴿مِنْهُمْ﴾ أو للكاف في ﴿مِنْكَ﴾ وما عطف عليه. ﴿قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ، والجملة مستأنفة. ﴿ما﴾: نافية، ﴿أَسْئَلُكُمْ﴾: فعل مضارع، ومفعول به، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾، ﴿عَلَيْهِ﴾: جار ومجرور، حال من أجر؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها. ﴿مِنْ﴾: زائدة، ﴿أَجْرٍ﴾: مفعول ثان لـ ﴿أسأل﴾. والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿وَما﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ما﴾: نافية. ﴿أَنَا﴾: مبتدأ. ﴿مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾: خبره أو ﴿ما﴾: حجازية. ﴿أَنَا﴾: اسمها، ﴿مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾: خبرها، والجملة الاسمية معطوفة على جملة قوله: ﴿ما أَسْئَلُكُمْ﴾: على كونها مقولًا لـ ﴿قُلْ﴾ أو في محل النصب حال من فاعل ﴿أَسْئَلُكُمْ﴾. ﴿إِنْ﴾: نافية. ﴿هُوَ﴾: مبتدأ. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرّغ. ﴿ذِكْرٌ﴾: خبر المبتدأ. ﴿لِلْعالَمِينَ﴾: متعلق بذكر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، واللام: موطئة للقسم ﴿تعلمنّ﴾: فعل مضارع مرفوع؛ لأن نون التوكيد لم تباشره، وعلامة رفعه ثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة أيضًا، لالتقاء الساكنين، فاعل والنون نون التوكيد الثقيلة، ﴿نَبَأَهُ﴾: مفعول به، ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ منصوب على الظرفية ومضاف إليه، والظرف متعلق بـ ﴿تعلمن﴾؛ لأن علم هنا عرفانية، ويجوز أن تكون على بابها، فيكون المفعول الثاني ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾. والجملة الفعلية جواب القسم، لا

стр. 11213

محل لها من الإعراب، وجملة القسم في محل النصب، معطوفة على جملة قوله: ﴿ما أَسْئَلُكُمْ﴾: على كونها مقولًا لـ ﴿قُلْ﴾. والله أعلم. التصريف ومفردات اللغة ﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾: هم الكفار الذين تجاوزوا حدود الله تعالى، وكذبوا رسله، من الطغيان. قال الراغب: الطغيان: تجاوز الحد في العصيان. ﴿فَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ المهاد: كالفراش وزنًا ومعنى. ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ والذوق: وجود الطعم بالفم، وأصله في القليل، لكنه يصلح للكثير الذي يقال له: الأكل، وكثر استعماله في العذاب تهكمًا. ﴿حَمِيمٌ﴾: وهو الماء الذي انتهى حره. ﴿وَغَسَّاقٌ﴾ وهو ما يغسق، ويسيل من صديد أهل النار، من غسقت العين إذا سال دمعها، وفي «القاموس»: الغساق كسحاب وشداد: البارد المنتن. ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾؛ أي: من مثل المذوق في الشدة والفظاعة. ﴿أَزْواجٌ﴾؛ أي: أجناس؛ لأنه يجوز أن يكون ضروبًا. ﴿هَذَا فَوْجٌ﴾ الفوج: الجماعة، والقطيع من الناس، وأفاج: أسرع، وعدا، وند. قال الراغب: الفوج: الجماعة المارة المسرعة، وهو مفرد اللفظ، ولذا قيل: مقتحم لا مقتحمون. ﴿مُقْتَحِمٌ﴾ من الاقتحام، وهو الدخول في الشيء بشدة، والقحمة: الشدة. قال في «القاموس»: قحم في الأمر كنصر قحومًا، إذا رمى بنفسه فيه فجأة، بلا روية. ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ مصدر بمعنى الرحب، وهو السعة. و ﴿بِهِمْ﴾: بيان للمدعو، وانتصابه على أنه مفعول به، لفعل مقدر؛ أي: لا يصادفون رحبًا وسعة، أو لا يأتون رحب عيش، ولا سعة مسكن ولا غيره. وحاصله: لا كرامة لهم، أو على المصدر؛ أي: لا رحبهم عيشهم، ومنزلهم رحبا بل ضاق عليهم، يقول الرجل لمن يدعوه: مرحبًا؛ أي: أتيت رحبًا من البلاد، وأتيت واسعًا وخيرًا كثيرًا. قال أبو عبيدة: العرب تقول: لا مرحبًا؛ أي: لا رحبت عليك الأرض، ولا اتسعت. ﴿فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾ قال الراغب: الضعف من الأسماء المتضاعفة،

стр. 11214

التي يقتضي وجود أحدها وجود الآخر: كالضعف، والزوج، وهو تركب قدرين مساويين، ويختص بالعدد، فإذا قيل: ضعفت الشيء وضاعفته؛ أي: ضممت إليه مثله فصاعدًا فمعنى ﴿عَذابًا ضِعْفًا﴾؛ أي: عذابًا مضاعفًا؛ أي: ذا ضعف، بأن يزيد عليه مثله، ويكون ضعفين؛ أي: مثلين، فإن ضعف الشيء، وضعفيه: مثلاه. ﴿مِنَ الْأَشْرارِ﴾؛ أي: من الأراذل الذين لا خير فيهم، جمع شر، وهو الذي يرغب عنه الكل، كما أن الخير هو الذي يرغب فيه الكل. ﴿سخريا﴾ بضم السين وكسرها مصدر سخره. قال في «القاموس»: سخر؛ أي: هزىء كاستسخر، والاسم: السخرية والسخري، ويكسر، انتهى، زيد فيه ياء النسب للمبالغة؛ لأن في ياء النسبة، زيادة قوة في الفعل، كما قيل: الخصوصية في الخصوص، فالسخري أقوى من السخر. واعلم: أن النسب يحدث في الاسم تغييرات: الأول: زيادة ياء النسب في آخره، وهذه الياء المشددة حرف، بمنزلة تاء التأنيث، لا موضع لها من الإعراب. الثاني: كسر ما قبلها. والثالث: جعل الياء منتهى الاسم، وإنما تطرق التغيير في اللفظ لتغيير المعنى، ألا ترى: أنك إذا نسبت إلى علم، استحال إلى نكرة، بحيث تدخله أداة التعريف كالتثنية والجمع، وصار صفة بمنزلة المشتق بعد الجمود، ويرفع الاسم بعده على الفاعلية. إما مظهرًا أو مضمرًا، تقول: مررت برجل تميمي أبوه، وآخر هاشمي جده، وإذا نسبت إلى المصدر، زادته قوة، كما في قولك: سخريًا. ﴿أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ﴾ يقال: زاغ؛ أي: مال عن الاستقامة، وزاغ البصر كل. ﴿تَخاصُمُ﴾ والتخاصم: مخاصمة بعضهم بعضًا، ومدافعة كل منهم عن الآخر. ﴿بِالْمَلَإِ الْأَعْلى﴾ قال الراغب: الملأ: الجماعة يجتمعون على رأي، فيملؤون العيون رواء، والنفوس جلالةً وبهاء.

стр. 11215

﴿فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ أمر من وقع يقع وقوعًا، والأمر: قع؛ أي: اسقطوا له ساجدين: ﴿ما مَنَعَكَ﴾؛ أي: ما صرفك، وصدك. ﴿مِنَ الْعالِينَ﴾؛ أي: المستحقين للترفع عن طاعة الله تعالى، المتعالين عن ذلك. ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾؛ أي: مرجوم، ومطرود من كل خير. ﴿لَعْنَتِي﴾؛ أي: طردي. ﴿أنظرني﴾ الإنظار: الإمهال، والتأخير؛ أي: أمهلني. ﴿مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾؛ أي: من الممهلين. ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾؛ أي: لأضلنهم. ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾؛ أي: الذين أخلصتهم للعبادة. ﴿مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾؛ أي: المدعين معرفة ما ليس عندهم، والتكلف في الأصل: التعسف في طلب الشيء، الذي لا يقتضيه العقل. وفي «المفردات»: تكلف الشيء: ما يفعله الإنسان بإظهار كلفة، مع مشقة تناوله في تعاطيه. وصارت الكلفة في التعارف اسمًا للمشقة، والتكلف: اسم لما يفعل بمشقة، أو بتصنع أو تشيع، ولذلك صار التكليف ضربين: الأول: محمودًا، وهو ما يتحراه الإنسان، لتوصل به إلى أن يصير الفعل الذي يتعاطاه سهلًا عليه. والثاني: ما يكون مذمومًا، وإياه عني بقوله: ﴿وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾. ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ﴾ أصله: لتعلمونن، حُذفت نون الرفع، لتوالي الأمثال، وواو الفاعل لالتقاء الساكنين. البلاغة وقد تضمنت هذه الآية ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿فَبِئْسَ الْمِهادُ﴾؛ لأنه مستعار من فراش النائم، إذ لا مهاد في جهنم، ولا استراحة. ومنها: التهكم في قوله: ﴿هذا فَلْيَذُوقُوهُ﴾؛ لأن الذوق في الأصل: وجود الطعم بالفم. ومنها: الحصر في قوله: ﴿إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.

стр. 11216

ومنها: تخصيص الإنذار، مع أنه بشير أيضًا في قوله: ﴿أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾؛ لأن المقام يقتضي ذلك. ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾. حيث شبه إضافة ما به الحياة بالفعل، على المادة القابلة لها، بإجراء الريح في جوف جسم، صلح لإمساكها، والامتلاء بها؛ لأنه ليس ثمة نفخ ولا منفوخ. ومنها: إضافة الروح إلى نفسه سبحانه، في قوله: ﴿مِنْ رُوحِي﴾ إظهارًا لشرفه وطهارته أو تعظيمًا له؛ لأن المضاف إلى العظيم عظيم، كما في: ناقة الله، وبيت الله. ومنها: الجناس المغاير بين ﴿ساجدين، فسجد﴾ في قوله: ﴿فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة﴾. ومنها: الإضافة للتخصيص في قوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي﴾ إظهارًا لشدة السخط، والغضب عليه. ومنها: نسبة الإغواء إليه في قوله: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. لكونه سببًا لغوايتهم. منها: الإضافة للتشريف في قوله: ﴿إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾. ومنها: القصر في قوله: ﴿وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾؛ لأن تقديم المعمول على عامله يفيد القصر. ومنها: مراعاة الفواصل، وهو من خصائص القرآن في قوله: ﴿وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ (٦٢) أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ (٦٣) إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)﴾. ومنها: التشبيه في قوله: ﴿تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾، حيث شبه تقاولهم وما يدور بينهم من حوار، ويتبادلونه من سؤال وجواب، بما يجري بين المتخاصمين من نحو ذلك.

стр. 11217

ومنها: الحذف والزيادة في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 11218

خلاصة ما تضمنته هذه السورة الكريمة من العبر والمواعظ ١ - حلف المشركين، وإعراضهم عن الحق، مع ضرب المثل لهم، بالأمم الماضية، التي حادت عن الحق فهلكت. ٢ - إنكارهم للوحدانية. ٣ - إنكارهم لنبوة محمد ﷺ . ٤ - إنكارهم للبعث والحساب. ٥ - قصص داود، وسليمان، وأيوب، وإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وغيرهم من الأنبياء ﵈. ٦ - وصف نعيم أهل الجنة. ٧ - وصف عذاب أهل النار، وتلاعن بعضهم بعضًا، وسؤالهم عن المؤمنين لم لم يروهم في النار؟. ٨ - قصص آدم، ﵇. ٩ - قسم إبليس ليغوين بني آدم أجمعين، إلا عباد الله المخلصين. ١٠ - أمر الله سبحانه، نبيه ﷺ ، أن يقول للمشركين: ما أطلب منكم أجرًا على تبليغ رسالتي، ولا أنا بالذي يدعي علم شيء، هو لا يعرفه. ١١ - أن القرآن أنزل للثقلين كافة. ١٢ - أن المشركين بعد موتهم يعلمون حقيقة أمره (١). والله أعلم * * *

стр. 11219

سورة الزمر ويقال لها: سورة الغرف، مكية في قول الحسن، وعكرمة، وجابر بن زيد، ومجاهد، وقتادة، وأخرج ابن الضريس، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: أنزلت سورة الزمر بمكة. وأخرج النحاس في ناسخه عنه قال: نزلت بمكة سورة الزمر، سوى ثلاث آيات، نزلت بالمدينة في وحشي، قاتل حمزة ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ﴾ الثلاث آيات. وقال آخرون: إلى سبع آيات من قوله: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ ...﴾ إلى آخر السبع. وآياتها: اثنتان أو خمس وسبعون آية. وكلماتها: ألف ومئة واثنتان وسبعون كلمة. وحروفها: أربعة آلاف وتسع مئة وثمانية أحرف. التسمية: سميت سورة الزمر؛ لأن الله تعالى، ذكر فيها زمرة السعداء من أهل الجنة، وزمرة الأشقياء من أهل النار، أولئك مع الإجلال والإكرام، وهؤلاء مع الهوان والصغار. المناسبة: ومناسبتها لآخر ما قبلها (١): أنه ختم السورة قبلها بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾، وبدأ هنا: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾. ذكره أبو حيان. وعبارة المراغي هنا: ووجه اتصالها بما قبلها (٢): ١ - أنه وصف القرآن في آخر سورة ص بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ

стр. 11220

لِلْعالَمِينَ﴾، ووصفه هنا بقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾. ٢ - أنه ذكر في ﴿ص﴾، أحوال الخلق من المبدأ إلى المعاد، وذكر هنا مثله، إلى نحو ذلك من وجوه الربط، تظهر بالتأمل، اهـ. الناسخ والمنسوخ فيها: وقال أبو عبد الله محمد بن حزم: سورة الزمر كلها محكم، إلا (١) سبع آيات: أولاهن: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، نسخت بآية السيف. والثانية: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾، نسخت بقوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾. الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾، نسخت بآية السيف. الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾، نسخ معناها بآية السيف. الخامسة: قوله تعالى: ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ نسخت بآية السيف. السادسة: قوله تعالى: ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، نسخ معناها بآية السيف. والسابعة: قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾، نسخت بآية السيف، انتهى. فضلها: ومن فضائلها: ما أخرجه (٢) النسائي عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم، حتى نقول ما يريد أن يفطر، ويفطر حتى نقول ما يريد أن يصوم، وكان يقرأ في كل ليلة بني إسرائيل والزمر. وأخرجه الترمذي عنها بلفظ: «كان رسول الله ﷺ لا ينام حتى يقرأ الزمر، وبني إسرائيل».

стр. 11221

وروي (١) من حديث ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قرأ على المنبر آخر الزمر، فتحرك المنبر مرتين وفيه ضعف. وعن النبي ﷺ قال: «من قرأ سورة الزمر، لم يقطع الله رجاءه يوم القيامة، وأعطاه الله ثواب الخائفين» وفيه مقال. والله أعلم * * *

стр. 11222

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣) لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥) خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦) إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧) وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (٨) أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩) قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠) قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ (١٦)﴾.

стр. 11223

المناسبة قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه (١) لما أبان أنه منزه عن الولد بكونه إلهًا قهارًا، وأن كل المخلوقات في قبضته وسلطانه .. أردف ذلك، بما يدل على كمال قدرته بآياته، التي أوجدها في الأكوان، وفي خلق الإنسان، فبسط سلطانه على الشمس والقمر، وذللهما، وجعلهما يجريان في ذلك الملكوت، الذي لا يعلم مداه إلا هو، كما خلق الإنسان الأول، وجعل له زوجًا من جنسه، وخلق ثمانية أزواج من الحيوان، ذكر وأنثى، فكانت نواة التناسل في هذه الأنواع، فهل بعد هذا، يجد العاقل معدلًا عن الاعتراف بربوبيته، وعظيم قدرته؟. قوله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما أقام (٢) الأدلة على وحدانيته تعالى، وذكر أن المشركين عبدة الأصنام، لا دليل لهم على عبادتها، وكأن عقولهم قد ذهبت حين عبدوها .. أعقب ذلك، ببيان أنه هو الغني، عما سواه من المخلوقات، فهو لا يريد بعبادته جر منفعة، ولا دفع مضرة، ولكنه لا يرضى الكفر لعباده، بل يرضى لهم الشكر، وأن كل نفس مطالبة بما عملت، وبعدئذ ترد إلى عالم الغيب والشهادة، فيجازيها بما كسبت، ثم أتبعه بذكر تناقض المشركين فيما يفعلون، فإذا أصابهم الضر، رجعوا في طلب دفعه إلى الله تعالى، وإذا ذهب عنهم، عادوا إلى عبادة الأوثان، وقد كان العقل يقضي، وقد علموا أنه لا يدفع الضر سواه، أن يعبدوه في جميع الحالات، ثم أمر رسوله، أن يقول لهم متهكمًا موبخًا: تمتعوا بكفركم قليلا، ثم مصيركم إلى النار، وبئس القرار. قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه لما أبان صفات المشركين الضالين، وذكر تقلقلهم واضطرابهم في العبادة، إذ يرجعون إليه في وقت الشدة، ويعودون إلى الأوثان

стр. 11224

حين الرخاء .. أردفه ذكر أحوال المؤمنين، القانتين، الذين لا يعتمدون إلا على ربهم، ولا ينيبون إلا إليه، ويرجون رحمته، ويخافون عذابه. قوله تعالى: ﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما نفى المساواة، بين من يعلم ومن لا يعلم .. أردفه أمر رسوله، أن ينصح المؤمنين بجملة نصائح: ١ - تقوى الله وطاعته، لما في ذلك من جزيل الفوائد، فإذا تعذرت طاعته في بلد، تحولوا عنه إلى بلد آخر، يتمكنون فيه من الاشتغال بالعبادة والطاعة، كما فعل كثير من الأنبياء، ولهم كفاء ذلك أجر بغير حساب، فلا يقدر بمكيال، ولا ميزان. ٢ - أنه أمر بعبادة الله وحده، مخلصًا له الدين، وقد قال كفار قريش للنبي ﷺ : ما يحملك على هذا الدين الذي أتيتنا به، ألا تنظر إلى ملة أبيك إبراهيم، وجدك، وسادات قومك، يعبدون اللات والعزى، فأنزل الله سبحانه الآية، وأمره أن يكون أول المسلمين، وفي ذلك تنبيه، إلى كونه رسولًا من عند الله، واجب الطاعة. ٣ - أنه أمر أن يقول لهم: إني أخاف عذاب يوم القيامة إن عصيته، وفي ذلك إيماء إلى زجر غيره عن المعاصي. ٤ - أنه أمر أن يذكر لهم، أن الخاسر هو الذي يخسر نفسه، ويخسر أهله؛ لأنهم إن كانوا من أهل النار، فقد خسروهم كما خسروا أنفسهم، وإن كانوا من أهل الجنة، فقد ذهبوا عنهم ذهابا لا رجوع بعده أبدًا. ٥ - وصف النار، وأنها تحيط بهم من كل جانب، وهذا من أفظع أنواع العذاب، التي يخوّف بها عباده. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ...﴾ الآية، سبب (١)

стр. 11225

نزولها: ما أخرجه جويبر عن ابن عباس قال: إنها نزلت في ثلاثة أحياء: عامر، وكنانة، وبني سلمة، كانوا يعبدون الأوثان، ويقولون: الملائكة بناته، فقالوا: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى﴾. قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ...﴾ الآية، سبب نزولها ما أخرجه ابن أبي حاتم، عن ابن عمر قال: إنها نزلت في عثمان بن عفان، وأخرج ابن سعد، عن طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، قال: نزلت في عمار بن ياسر، وأخرج ابن جويبر، عن ابن عباس، قال: نزلت في ابن مسعود، وعمار بن ياسر، وسالم مولى أبي حذيفة، وأخرج جويبر عن عكرمة قال: نزلت في عمار بن ياسر. التفسير وأوجه القراءة ١ - ﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ﴾؛ أي (١): القرآن، وخصوصًا منه هذه السورة الشريفة، وهو مبتدأ، خبره قوله: كائن ﴿مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ﴾ في حكمه ﴿الْحَكِيمِ﴾ في تدبيره، لا من غيره. كما يقول المشركون: إن محمدًا ﷺ ، تقوله من تلقاء نفسه، وإلى هذا ذهب الزجاج، وقيل معناه: تنزيل الكتاب من الله، فاستمعوا له، واعملوا به، فهو كتاب عزيز، نزل من رب عزيز، على عبد عزيز، بلسان ملك عزيز، في شأن أمة عزيزة، والتعرض لوصفي العزة والحكمة، للإيذان بظهور أثريهما في الكتاب بجريان أحكامه، ونفاذ أوامره، ونواهيه، من غير مدافع ولا ممانع، وبابتناء جميع ما فيه على أساس الحكم الباهرة، وفي «فتح الرحمن»: العزيز في قدرته، الحكيم في إبداعه. وأجاز (٢) الفراء، والكسائي: النصب على أنه مفعول به، لفعل مقدر؛ أي: اتبعوا أو اقرؤوا تنزل الكتاب. وقال الفراء: ويجوز نصبه على الإغراء؛ أي: إلزموا.

стр. 11226

٢ - وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ﴾ شروع (١) في بيان شأن المنزل إليه، وما يجب عليه إثر بيان شأن المنزل، وكونه من عند الله تعالى، فلا تكرار في إظهار الكتاب في موضع الإضمار لتعظيمه، ومزيد الاعتناء بشأنه، والباء (٢): إما متعلق بالإنزال؛ أي: بسبب الحق وإثباته وإظهاره، وإما بمحذوف هو حال من نون العظمة؛ أي: أنزلناه إليك حال كوننا محقين في ذلك، أو حال من الكتاب؛ أي: أنزلناه حال كونه ملتبسا بالحق والصواب؛ أي: كل ما فيه من إثبات التوحيد، والنبوة، والمعاد، وأنواع التكاليف حق، لا ريب فيه، موجب للعمل حتمًا. وفي «التأويلات النجمية»: أي من الحق نزل، وبالحق نزل، وعلى الحق نزل. قال في «برهان القرآن»: كل موضع خاطب الله فيه النبي ﷺ بقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ﴾ ففيه تكليف، وإذا خاطبه بقوله: ﴿أَنْزَلْنا عَلَيْكَ﴾ ففيه تخفيف، ألا ترى إلى ما في أول السورة ﴿إِلَيْكَ﴾ فكلفه الإخلاص في العبودية، وإلى ما في آخرها ﴿عَلَيْكَ﴾ فختم الآية بقوله: ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾؛ أي: لست بمسؤول عنهم، فخفف عنه ذلك، انتهى. والمعنى (٣): أي هذا الكتاب العظيم، منزل من عنده تعالى، فهو الحق الذي لا مرية فيه، كما جاء في آية أخرى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾، وبعد أن بيّن شأن المنزل، وأنه من عند الله تعالى، ذكر ما اشتمل عليه ذلك المنزل، من الحق والعدل، فقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: إنا أنزلنا إليك القرآن أيها الرسول، آمرا بالحق، والعدل الواجب اتباعهما، والعمل بهما. ثم أمر رسوله بعبادته، والإخلاص له. فقال: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ﴾ حال كونك ﴿مُخْلِصًا لَهُ﴾ سبحانه ﴿الدِّينَ﴾ والعمل والطاعة؛ أي: فاعبده تعالى، ممحضًا له

стр. 11227

العبادة، من شوائب الشرك والرياء، بحسب ما أنزل في تضاعيف كتابه على لسان نبيه، من تخصيصه وحده بالعبادة، وأنه لا ند له ولا شريك. والفاء في قوله: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ﴾. فاء: الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أيها الرسول الكريم، أنا أنزلنا إليك، وأردت بيان ما هو اللازم لك .. فأقول لك: اعبد الله مخلصًا له الدين، والإخلاص: أن يقصد العبد بنيته، وعمله إلى خالقه، لا يجعل ذلك لغرض من الأغراض. والدين: العبادة، والطاعة، ورأسها: توحيد الله، وأنه لا شريك له. وقرأ الجمهور (١): ﴿الدِّينَ﴾ بالنصب على أنه مفعول ﴿مُخْلِصًا﴾، وقرأ ابن أبي عبلة برفعه، على أنه فاعل، بمخلصًا، على طريقة الإسناد المجازي كشعر شاعر، وقال الزمخشري: وحق من رفعه أن يقرأ ﴿مخلَصًا﴾ بفتح اللام كقوله: ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾، حتى يطابق قوله: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ﴾، والخالص، والمخلص واحد، وفي الآية دليل على وجوب النية، وإخلاصها عن الشوائب؛ لأن الإخلاص من الأمور القلبية، التي لا تكون إلا بأعمال القلب، وقد جاءت السنة الصحيحة: «أن ملاك الأمر في الأقوال والأفعال: النية»، كما في حديث: «إنما الأعمال بالنيات»، وحديث: «لا قول، ولا عمل إلا بنية». ٣ - ثم أكد هذا الأمر بقوله: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ﴾ ألا: حرف استفتاح وتنبيه؛ أي: انتبهوا من غفلتكم أيها العباد، واعلموا أن لله سبحانه، لا لغيره، الدين الخالص من شوائب الشرك، والعبادة الخالصة من شوائب الرياء، لا شركة لأحد معه فيها؛ لأن كل ما دونه ملكه، وعلى المملوك طاعة مالكه، وفي «الكواشي»: ألا لله الدين الخالص من الهوى، والشك، والشرك، فيتقرب به إليه رحمة، لا أن له حاجة إلى إخلاص عبادته. وفي «التأويلات النجمية»: الدين الخالص: ما يكون جملته لله، وما للعبد فيه نصيب، والمخلص: من خلّصه الله من حبس الوجود، بجوده لا بجهده.

стр. 11228

وعن الحسن: الدين الخالص: الإسلام، لأن غيره من الأديان ليس بخالص من الشرك، فليس بدين الله الذي أمر به. فالله تعالى لا يقبل إلا دين الإسلام، وفي حديث رواه الحسن عن أبي هريرة: أن رجلا قال: يا رسول الله ﷺ ، إني أتصدق بالشيء، وأصنع الشيء أريد به وجه الله تعالى، وثناء الناس، فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفس محمد ﷺ بيده، لا يقبل الله شيئًا شورك فيه»، ثم تلا: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ﴾. وبعد أن أبان سبحانه، أن رأس العبادة الإخلاص لله، أعقب ذلك بذم طريق المشركين، فقال: ﴿وَالَّذِينَ﴾ عبارة عن المشركين. ومحله الرفع على الابتداء، وخبره قوله الآتي: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾. ﴿اتَّخَذُوا﴾ يعني عبدوا ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ تعالى؛ أي: حال كونهم متجاوزين الله، وعبادته ﴿أَوْلِياءَ﴾؛ أي: أربابًا وأوثانًا كالملائكة، وعيسى، وعزير، والأصنام، ولم يخلصوا العبادة لله تعالى، بل شابوها بعبادة غيره حال كونهم قائلين: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ﴾؛ أي: الأولياء لشيء من الأشياء ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى﴾؛ أي: تقريبًا، فهو مصدر مؤكد على غير لفظ العامل، ملاق له في المعنى، وكانوا إذا سئلوا عمن خلق السموات والأرض؟ قالوا: الله، فإذا قيل لهم: لم تعبدون الأصنام؟ قالوا: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله تعالى. والحاصل: أن الموصول مبتدأ، خبره جملة ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾، وجملة ﴿ما نَعْبُدُهُمْ﴾ إلخ، في محل النصب على الحال، بتقدير القول، والاستثناء مفرّغ من أعم الأشياء. والمعنى: والذين عبدوا من دونه تعالى أوثانًا، ولم يخلصوا العبادة لله بل شابوها بعبادة غيره قائلين: ما نعبدهم لشيء من الأشياء، إلا ليقربونا إلى الله تقريبًا، ويشفعوا لنا عنده، وقرىء ﴿ما نعبدكم إلا لتقربونا﴾ حكاية لما خاطبوا به آلهتهم، ذكره في «المراح». ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ خبر الموصول، كما مر؛ أي: إن الله يحكم يوم القيامة، بين المتخذين غير المخلصين، وبين خصمائهم المخلصين للدين، وقد

стр. 11229

حذف لدلالة الحال عليه. ﴿فِي ما﴾؛ أي: في الدين الذي ﴿هُمْ﴾؛ أي: الفريقان ﴿فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ بالتوحيد والإشراك، وادعى كل فريق صحة ما انتحله وأخذه، وحكمه تعالى في ذلك، إدخال الموحدين الجنة، والمشركين النار، فالضمير للفريقين. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿لا يَهْدِي﴾؛ أي: لا يوفق الاهتداء إلى الحق الذي هو طريق النجاة من المكروه، والفوز بالمطلوب ﴿مَنْ هُوَ كاذِبٌ﴾؛ أي: راسخ في الكذب ﴿كَفَّارٌ﴾؛ أي: مبالغ في الكفر، فإنهما فاقدان للبصيرة غير قابلين للاهتداء، لتغييرهما الفطرة الأصلية، بالتمرن في الكفر والضلالة، قال في «الوسيط»: هذا فيمن سبق عليه القضاء، بحرمان الهداية، فلا يهتدي إلى الصدق والإيمان البتة، وكذبهم قولهم في بعض أوليائهم: بنات الله وولده، وقولهم: إن الآلهة تشفع لهم، وتقربهم إلى الله، وكفرهم عبادتهم تلك الأولياء، وكفرانهم النعمة بنسيان المنعم الحقيقي. وقرأ أنس بن مالك، والجحدري، والحسن، والأعرج، وابن يعمر ﴿مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ بصيغة فعال فيهما. وقرأ زيد بن علي: ﴿من هو كذوب كفور﴾ بصيغة فعول فيهما. وحاصل معنى الآية: أي والذين اتخذوا من دون الله أولياء يعبدونهم، يقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا عند الله منزلة، ويشفعوا لنا عنده في حاجتنا، ومن حديث عبادتهم للأصنام: أنهم جعلوا تماثيل الكواكب، والملائكة والأنبياء، والصالحين الذين مضوا، وعبدوها باعتبار أنها رمز إليها، وقالوا: إن الإله الأعظم، أجلّ من أن يعبده البشر مباشرة، فنحن نعبد هذه الآلهة، وهي تعبد الإله الأعظم، وهذه شبهة تمسك بها المشركون في قديم الدهر وحديثه، وجاءت الرسل مفندة لها، ماحيةً لها من الأذهان العالقة بها، موجهة العقول إلى إفراد الله وحده بالعبادة، قال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، وقال: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾. قال قتادة: كانوا إذا قيل لهم: من ربكم، ومن خالقكم، ومن خلق

стр. 11230

السموات والأرض، وأنزل من السماء ماء؟ قالوا: الله. فيقال لهم: فلم تعبدونهم؟ قالوا: ليقربونا إلى الله زلفى، ويشفعوا لنا عنده، فرد الله عليهم بقوله في سورة الأحقاف: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾. ثم هددهم، وبيّن لهم عاقبة ما يفعلون، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾، وبين خصومهم، وهم المحقون فيما اختلفوا فيه من التوحيد، والإشراك يوم القيامة، ويجازي كلا بما هو أهل له، فيدخل المخلصين الموحدين الجنة، ويدخل المشركين النار، ثم بيّن نتيجة الحكم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ﴾؛ أي: إن الله لا يرشد إلى الحق، ولا يوفق له، من هو كاذب مفتر عليه، بزعمه أن له ولدًا، وأن له ندًا، وأن الأوثان تشفع لديه إلى غير ذلك، من الترهات والأباطيل، التي لا يقبلها العقل، ولا تجد لها مستندًا من نقل. ٤ - ثم فصل ما كذبوا فيه، فقال: ﴿لَوْ أَرادَ اللَّهُ﴾ ﴿أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ ولا ينبغي له ذلك كما زعم المشركون، بأن الله اتخذ ولدًا ﴿لَاصْطَفى﴾؛ أي: لاتخذ واختار ﴿مِمَّا يَخْلُقُ﴾؛ أي: من جنس مخلوقاته ﴿ما يَشاءُ﴾ ويريد، ولم يخص مريم، ولا عيسى، ولا عزيز بذلك، ولخلق جنسًا آخر، أعز وأكرم مما خلق، واتخذه ولدًا لكنه لا يفعله لامتناعه، والممتنع لا تتعلق به القدرة والإرادة، وإنما أمره اصطفاء من شاء من عباده وتقريبهم منه، وقد فعل ذلك بالملائكة وبعض الناس، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾. ولذا وضع الاصطفاء مكان الاتخاذ. ثم نزه سبحانه نفسه، عن أن يكون له ولد، فقال: ﴿سُبْحانَهُ﴾؛ أي: تنزيهًا له عن ذلك، وهو مصدر من سبح إذا بعد؛ أي: تنزه تعالى عن ذلك الاتخاذ، وعما نسبوا إليه من الأولاد، والأولياء، وعلم للتسبيح مقول على ألسنة العباد؛ أي: أسبحه تسبيحًا لائقًا به، أو سبحوه تسبيحًا حقيقًا بشأنه ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، خبره ﴿اللَّهُ﴾ المتصف بالألوهية ﴿الْواحِدُ﴾ الذي لا ثاني له، والولد ثاني والده، وجنسه، وشبهه، وفي «بحر العلوم»: ﴿واحد﴾؛ أي: موجود جل عن التركيب والمماثلة، ذاتًا وصفةً. فلا يكون له ولد؛ لأنه يماثل الوالد في الذات

стр. 11231

والصفات. ﴿الْقَهَّارُ﴾ الذي بقهاريته لا يقبل الجنس، والشبه بنوع ما. وفي «الإرشاد»: قهار لكل الكائنات، كيف يتصور أن يتخذ من الأشياء الفانية ما يقوم مقامه؟. والمعنى: أي تقدس أن يكون له ولد، فإنه هو الواحد الأحد، الفرد الصمد، وكل ما سواه مفتقر إليه، وهو الغني عما سواه، قهر الأشياء فدانت له، وتسلط على المخلوقات بقدرته. فذلت له تعالى، عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا. ٥ - ولما نزه تعالى نفسه، ووصف ذاته بالوحدة، والقهر، ذكر ما دل على ذلك، من اختراع العالم العلوي والسفلي بالحق، وتكوير الليل والنهار، وتسخير النيرين، وجريهما على نظام واحد، واتساق أمرهما على ما أراد إلى أجل مسمى، وهو يوم القيامة، فقال: ﴿خَلَقَ﴾ وأوجد ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ وما بينهما من الموجودات، حال كونها ملتبسة ﴿بِالْحَقِّ﴾ والصواب، مشتملة على الحكم والمصالح، لا باطلًا وعبثًا، ومن كان هذا الخلق العظيم خلقه، استحال أن يكون له شريك، أو صاحبة أو ولد. ثم بيّن كيفية تصرفه في السموات والأرض، فقال: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ﴾؛ أي: يلف ظلام الليل على ضوء النهار ويغطيه به فيجيء النهار ويذهب الليل، والمعنى: يغشي كل واحد منهما الآخر، كأنه يلفه عليه لف اللباس على الملابس. وقيل المعنى: يكوّر الليل؛ أي: يضم بعض ساعاته على النهار، فيطول النهار كما في نهار الصيف، ويكوّر النهار؛ أي: يضم بعض ساعاته على الليل، فيطول الليل كما في ليل الشتاء، والتكوير في اللغة (١): طرح الشيء بعضه على بعض، يقال: كوّر المتاع إذا ألقى بعضه على بعض، ومنه: كوّر العمامة، فمعنى تكوير الليل على النهار: تغشيته إياه حتى يذهب ضوؤه، ومعنى تكوير النهار على الليل: تغشيته إياه حتى تذهب ظلمته، وهو معنى قوله تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾، هكذا قال قتادة وغيره، وقال الضحاك؛ أي: يلقي هذا

стр. 11232

على هذا، وهذا على هذا، وهو مقارب للقول الأول، وقيل معنى الآية: أن ما نقص من الليل دخل في النهار، وما نقص من النهار دخل في الليل، وهو معنى قوله: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ﴾، أو يجعل كلًا منهما كارًا على صاحبه كرورًا، متتابعًا تتابع أكوار العمامة بعضها على بعض، وفي التكوير المذكور في الآية إشارة إلى جريان الشمس والقمر في مطالعهما، وانتقاص الليل والنهار، وازديادهما. قال الرازي: إن النور والظلمة عسكران عظيمان، وفي كل يوم يغلب هذا ذاك وذاك هذا. ومعنى الآية (١): أي خلق هذا العالم العلوي، على ما فيه من بديع الصنع، من شموس وأقمار، تكوّن الليل والنهار، والعالم السفلي، المشتمل على المواليد الثلاثة، من حيوان ونبات وجماد، وسخر كل ما فيه ظاهرًا وباطنًا، لانتفاع الإنسان في سبل معايشه، إذا استعمل عقله، واستخدم فكره في استنباط مرافقه، خلقهما على أكمل وجه وأبدع نظام، قائمين على الحق والصواب والحكم والمصالح، وبعد أن أبان أنه خلقهما ذكر سبيل تصرفه فيهما، فقال: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ﴾ إلخ؛ أي: يغشي كلًا منهما الآخر، كأنه يلفه عليه لف اللباس على اللابس، أو يجعلهما في تتابعهما، أشبه بتتابع أكوار العمامة، بعضها على بعض، ألا ترى إلى الأرض وقد دارت حول نفسها، وهي مكوّرة، فأخذ النهار الحادث من مقابلتها للشمس، يسير من الشرق إلى الغرب، ويلف حولها طاويًا الليل، والليل من الجهة الأخرى يلتف حولها طاويًا النهار، فالأرض كالرأس، والظلام والضياء يتتابعان تتابع أكوار العمامة، ويلتفان متتابعين حولها، وفي (٢) هذا إيماء إلى كروية الأرض أولًا، وإلى دورانها حول نفسها ثانيًا. فتكوير الأرض ظاهر الآية، ودورانها أتى تابعًا بالرمز والإشارة. ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾؛ أي: جعلهما، وهما وسيلتا الليل والنهار، منقادين لأمره تعالى بالطلوع والغروب لمنافع العباد، فأكثر منافع العباد مرتبطة بهما.

стр. 11233

ثم بيّن كيفية هذا التسخير فقال: ﴿كُلٌّ﴾ منهما ﴿يَجْرِي﴾ ويسير في فلكه وبروجه ﴿لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾؛ أي: إلى مدة معينة، هي منتهى دورته، في كل يوم، أو في كل شهر، أو إلى مدة انتهاء حركته، وانقطاع سيره بتصرم الدنيا، وهو يوم القيامة ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾، وفي الحديث: وكل بالشمس سبعة أملاك، يرمونها بالثلج، ولولا ذلك ما أصابت شيئًا إلا أحرقته. ثم ذيل الكلام بالجملة الآتية، ترغيبًا في طلب المغفرة بالعبادة والإخلاص له، والتحذير من الكفر والمعاصي. فقال: ﴿أَلا﴾؛ أي: انتبهوا، واعلموا ﴿هُوَ﴾ سبحانه وحده ﴿الْعَزِيزُ﴾ الغالب القادر على كل شيء، فيقدر على عقاب العصاة، والانتقام منهم. ﴿الْغَفَّارُ﴾؛ أي: المبالغ في المغفرة، ولذلك لا يعاجل بالعقوبة، وسلب ما في هذه الصنائع البديعة، من آثار الرحمة، وعموم المنفعة. والمعنى: أي انتبهوا أيها العباد، واعلموا أن الله الذي فعل هذه الأفعال، وأنعم على خلقه بهذه النعم، هو القادر على الانتقام ممن عاداه، الغفار لذنوب عباده التائبين، ولا يخفى ما في هذا، من الدلالة على كمال قدرته تعالى، وكمال رحمته، فهو القهار ذو القوة المتين، الغفار لذنوب التائبين. قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى ﴿الْغَفَّارُ﴾ (١): هو الذي أظهر الجميل، وستر القبيح، والذنوب من جملة القبائح، التي سترها بإسبال الستر عليها في الدنيا، والتجاوز عن عقوبتها في الآخرة، والغفر هو الستر: الأول: ستره على عبده، أن جعل مقابح بدنه، التي تستقبحها الأعين، مستورة في باطنه، مغطاةً بجمال ظاهره، فكم بين باطن العبد، وظاهره في النظافة والقذارة، وفي القبح والجمال، فانظر ما الذي أظهره، وما الذي ستره. والثاني: أن يجعل مستقر خواطره المذمومة، وإرادته القبيحة سر قلبه، حتى لا يطّلع أحد على سر قلبه، ولو انكشف للخلق، ما يخطر بباله في مجاري وسواسه، وما ينطوي عليه ضميره من الغش والخيانة، وسوء الظن بالناس

стр. 11234

لمقتوه، بل سعوا في تلف روحه وإهلاكه، فانظر كيف ستر عن غيره أسراره وعوارفه؟. والثالث: مغفرة ذنوبه التي كان يستحق الافتضاح بها، على ملأ من الخلق، وقد وعد أن يبدل من سيئاته حسنات، ليستر مقابح ذنوبه، بثواب حسناته، إذا مات على الإيمان، وحظ العبد من هذا الاسم، أن يستر من غيره ما يحب أن يستر منه، وقد قال النبي ﷺ : «من ستر على مؤمن عورته، ستر الله عورته يوم القيامة». والمغتاب، والمتجسس، والمكافىء على الإساءة بمعزل عن هذا الوصف، وإنما المتصف به من لا يفشي من خلق الله، إلا أحسن ما فيهم، ولا ينفك مخلوق عن كمال، ونقص، وعن قبح وحسن، فمن تغافل عن المقابح، وذكر المحاسن، فهو ذو نصيب من هذا الاسم والوصف، كما روي عن عيسى ﵇: أنه مر مع الحواريين بكلب ميت، قد غلب نتنه، فقالوا: ما أنتن هذه الجيفة؟ فقال عيسى ﵇: ما أحسن بياض أسنهانها، تنبيهًا على أن الذي ينبغي أن يذكر من كل شيء، ما هو أحسنه. وبعد أن ذكر الدلائل التي بثها في العالم العلوي .. أردفها ذكر الدلائل التي أودعها في العالم السفلي، وبدأها بخلق الإنسان؛ لأنه أعجب ما فيه، لما فيه من العقل، وقبوله الأمانة الإلهية، ولله در من قال: وَتَزْعُمُ أَنَّكَ جُرْمٌ صَغِيْرُ ... وَفِيْكَ انْطَوَى الْعَالَمُ الأَكْبَرُ ٦ - ﴿خَلَقَكُمْ﴾ الله ، أيها الناس جميعًا، على اختلاف ألسنتكم وألوانكم ﴿مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ هي نفس آدم، ﵇ ﴿ثُمَّ جَعَلَ﴾؛ أي: خلق ﴿مِنْها﴾؛ أي: من جنس تلك النفس الواحدة، أو من قصيراها، وهي الضلع التي تلي الخاصرة، أو آخر الأضلاع من جهة السيار ﴿زَوْجَها﴾ حواء. و ﴿ثُمَّ﴾ عطف على محذوف، هو صفة لنفس؛ أي: خلقكم من نفس واحدة خلقها، ثم جعل منها زوجها فشفعها، وذلك فإن ظاهر الآية يفيد أن خلق حواء بعد خلق ذرية آدم، وليس كذلك. وفيه إشارة إلى أن الله تعالى، خلق الإنسان من نفس واحدة هي الروح، وخلق منها زوجها، وهو القلب، فإنه خلق من الروح كما خلقت

стр. 11235

حواء، من ضلع آدم ﵇، فالله تعالى متفرد بهذا الخلق مطلقًا، فينبغي أن يُعرف ويُعبد بلا إشراك به. والمعنى: أي خلقكم سبحانه، على اختلاف ألسنتكم، وألوانكم، من نفس واحدة، وهي آدم، ثم جعل من جنسها زوجها، وهي حواء. والتعبير بالجعل دون الخلق، مع العطف بثم، للدلالة على أن خلق حواء، من ضلع آدم، أدخل في كونه آية دالة على كمال القدرة؛ لأن خلق آدم، هو على عادة الله، المستمرة في خلقه، وخلقها على الصفة المذكورة، لم تجر به عادة، لكونه لم يخلق سبحانه أنثى من ضلع رجل غيرها. ثم ثنى بخلق الحيوان، فقال: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ﴾؛ أي: قضى، وقسم لكم. فإن قضاياه تعالى وقسمه توصف بالنزول من السماء، حيث تكتب في اللوح المحفوظ، وقيل: عبر بالإنزال لما يروى: أنه خلقها في الجنة ثم أنزلها، فيكون الإنزال حقيقة. أو أحدث لكم، وأنشأ بأسباب نازلة من السماء: كالأمطار، وأشعة الكواكب. وهذا كقوله: ﴿قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباسًا﴾. ولم ينزل اللباس نفسه، ولكن أنزل الماء الذي هو سبب القطن والصوف، واللباس منهما. ﴿مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ﴾ ذكرًا، وأنثى، وهي الإبل، والبقر، والضأن، والمعز. والأنعام: جمع نعم بفتحتين، وهي جماعة الإبل في الأصل، لا واحد لها من لفظها. قال ابن الشيخ في أول المائدة: الأنعام مخصوص بالأنواع الأربعة. وهي الإبل، والبقر، والضأن، والمعز. ويقال لها: الأزواج الثمانية؛ لأن ذكر كل واحد من هذه الأنواع زوج بأنثاه، وأنثاه زوج بذكره، فيكون مجموع الأزواج ثمانية بهذا الاعتبار، من الضأن اثنين، ومن المعز اثنين، ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين، والخيل، والبغال، والحمير خارجة من الأنعام. وخصت (١) هذه الأنواع الأربعة بالذكر، لكثرة الانتفاع بها من اللحم، والجلد، والشعر، والوبر. وفي «التأويلات النجمية»: وأنزل لكم من الأنعام

стр. 11236

ثمانية أزواج؛ أي: خلق فيكم من صفات الأنعام ثماني صفات، وهي الأكل والشرب، والتغوط والتبول، والشهوة والحرص، والشره والغضب، وأصل جميع هذه الصفات، الصفتان الاثنتان: الشهوة والعضب، فإنه لا بد لكل حيوان من هاتين الصفتين، لبقاء وجوده بهما، فبالشهوة يجلب المنافع إلى نفسه، وبالغضب يدفع المضرات. ثم ذكر سبيل خلق ما ذكر، من الأناسي والأنعام، فقال: ﴿يَخْلُقُكُمْ﴾ الله ، أيها الناس ﴿فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾؛ أي: في أرحامهن ﴿خَلْقًا﴾ كائنًا ﴿مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾؛ أي: خلقًا مدرجًا حيوانًا، سويًا من بعد عظام مكسوة لحمًا، من بعد عظام عارية، من بعد مضغ مخلقة، من بعد مضغ غير مخلقة، من بعد علقة من بعد نطفة، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوارًا (١٤)﴾ قاله قتادة والسدي. وقال ابن زيد: خلقكم خلقا في بطون أمهاتكم، من بعد خلقكم في ظهر آدم، ﵇. وقوله: ﴿فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ متعلق بقوله: يخلقكم وهي ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، قاله مجاهد، وعكرمة، وقتادة، والضحاك. وقال سعيد بن جبير: ظلمة المشيمة، وظلمة الرحم، وظلمة الليل. وقال أبو عبيدة: ظلمة صلب الرجل، وظلمة بطن المرأة، وظلمة الرحم، والخلق في بطون الأمهات. حالة مشتركة بين الإنسان والحيوان. وإنما قال: ﴿فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ لتغليب من يعقل، ولشرف الإنسان على سائر الخلق، والمشيمة بفتح الميم: محل الولد؛ أي: الجلد الرقيق المشتمل على الجنين. والمعنى: أي يبتدىء خلقكم أيها الناس، في بطون أمهاتكم خلقًا من بعد خلق. فيكون أحدكم أولًا نطفة، ثم يكون علقة، ثم يكون مضغة، ثم يكون عظمًا وعصبًا، ثم يكون لحمًا، وينفخ فيه الروح، فيصير خلقًا آخر، فتبارك الله أحسن الخالقين ﴿فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾؛ أي: في ظلمات أغشية ثلاثة، جعلها المولى سبحانه وقاية، للولد، وحفظًا له من التعفن. وقرأ عيسى، وطلحة: ﴿يخلقكم﴾ بإدغام القاف في الكاف، وقرأ حمزة: ﴿أمهاتكم﴾ بكسر بالهمزة، والميم، وقرأ الكسائي: بكسر الهمزة، وفتح الميم،

стр. 11237

وقرأ الباقون: بضم الهمزة، وفتح الميم. والإشارة بقوله: ﴿ذلِكُمُ﴾ إليه ، باعتبار أفعاله المذكورة، ومحله الرفع على الابتداء؛ أي: ذلكم العظيم الشأن الذي عدّت أفعاله ﴿اللَّهُ﴾ المعبود بحق، خبر المبتدأ، وقوله: ﴿رَبُّكُمْ﴾ خبر آخر له؛ أي: مربيكم فيما ذكر من الأطوار، وفيما بعدها، ومالكم المستحق لتخصيص العبادة به، وفي «التأويلات النجمية»؛ أي: أنا خلقتكم، وأنا صورتكم، وأنا الذي أسبغت عليكم أنعامي، وخصصتكم بجميع إكرامي، وغرقتكم في بحار أفضالي، وعرّفتكم استحقاق شهود جمالي وجلالي، وهديتكم إلى توحيدي، وأدعوكم إلى وحدانيتي، فما لكم لا تنطقون إلي بالكلية؟ وما لكم لا تطلبون مني ولا تطلبونني وقد بشرتكم بقولي: ألا من طلبني وجدني، ومن كان لي كنت له، ومن كنت له يكون له ما كان لي، انتهى. ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾ على الإطلاق في الدنيا والآخرة، ليس لغيره شركة في ذلك بوجه من الوجوه، وهو خبر ثالث، وقوله: ﴿لا إِلهَ إِلَّا هُوَ﴾ خبر رابع؛ أي: لا معبود إلا هو، كما أنه لا مقصود إلا هو ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾؛ أي: فكيف تنصرفون عن عبادته، وتنقلبون عنها إلى عبادة غيره، ومن أي وجه تصرفون، وتردون عن ملازمة بابه، بالعبودية إلى باب عاجز مثلكم من الخلق؛ أي: كيف تصرفون، وتعدلون عن عبادته تعالى، إلى عبادة الأوثان، مع وفور موجباتها ودواعيها، وانتفاء الصارف عنها بالكلية إلى عبادة غيره. والخلاصة: كيف تعبدون معه تعالى سواه؟ أين ذهبت عقولكم، وكيف ضاعت أحلامكم؟!. ٧ - ولما ذكر الله سبحانه النعم، التي أنعم بها على عباده، وبيّن لهم من بديع صنعه وعجيب فعله، ما يوجب على كل عاقل أن يؤمن به .. عقّبه بقوله: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا﴾ به تعالى، بعد مشاهدة ما ذكر من فنون نعمائه، ومعرفة شؤونه العظيمة، الموجبة للإيمان والشكر، والخطاب لأهل مكة، كما في «الوسيط»، والظاهر: التعميم لكل الناس، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ وعن جميع العالمين؛ أي: فاعلموا أنه

стр. 11238

تعالى، غني عن إيمانكم وشكركم؛ أي: غير محتاج إليكم، ولا إلى إيمانكم، ولا إلى عبادتكم له، فإنه الغني المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله. ﴿وَ﴾ مع كون كفر الكافر لا يضره، كما أنه لا ينفعه إيمان المؤمن، فهو أيضًا ﴿لا يَرْضى لِعِبادِهِ﴾؛ أي: لأحد من عباده ﴿الْكُفْرَ﴾؛ أي: لا يحبه، ولا يأمر به، وإن تعلقت به إرادته تعالى من بعضهم؛ أي: عدم رضاه بكفر عباده، لأجل منفعتهم ودفع مضرتهم رحمة عليهم، لا لتضرره تعالى به، وإنما قال: ﴿لِعِبادِهِ﴾ ولم يقل: لكم، لتعميم الحكم للمؤمنين والكافرين، وتعليله بكونهم عباده. واعلم (١): أن الرضا ترك السخط، والله تعالى لا يترك السخط في حق الكافر؛ لأنه لسخطه عليه أعد له جهنم، ولا يلزم منه عدم الإرادة، إذ ليس في الإرادة ما في الرضا من نوع استحسان، فالله تعالى مريد الخير والشر، ولكن لا يرضى بالكفر والفسوق، فإن الرضا إنما يتعلق بالحسن من الأفعال دون القبيح، وعليه أهل السنة، وكذا أهل الاعتزال، وفي «الخازن»: الرضا عبارة عن مدح الشيء، والثناء عليه بفعله، والله تعالى لا يمدح الكفر، ولا يثني عليه، ولا يكون في ملكه إلا ما أراد، وقد لا يرضى به، ولا يمدح عليه، وقد بان الفرق بين الإرادة والرضا، انتهى. والمعنى: أي لا يُحب لعباده الكفر، ولا يأمر به؛ لأنه مانع من ارتقاء النفوس البشرية، بجعلها ذليلة خاضعة للأرباب المتعددة والمعبودات الحقيرة، من الخشب والنصب، وممن يأكل الطعام ويمشي في الأسواق. ثم لما ذكر سبحانه: أنه لا يرضى لعباده الكفر، بيّن أنه يرضى لهم الشكر، فقال: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا﴾؛ أي: وإن تؤمنوا به تعالى، وتوحدوه، يدل عليه، ذكره في مقابلة الكفر. ﴿يَرْضَهُ لَكُمْ﴾؛ أي: يرض الشكر، ويحبه عنكم، ويثيبكم عليه، وإنما رضي لهم سبحانه الشكر؛ لأنه سبب سعادتهم في الدنيا والآخرة، ولأنه على مقتضى السنن القويم والصراط المستقيم العادل، كما قال: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ

стр. 11239

لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾. وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة (١): ﴿يرضه﴾ بضم الهاء مختلسة، وقرأ أبو عمرو، وحمزة في بعض الروايات ساكنة الهاء للتخفيف، وقرأ نافع في بعض الروايات، وابن عامر، والكسائي، وابن ذكوان، والدوري مضمومة الهاء مشبعة. ثم ذكر سبحانه: أن كل إنسان يوم القيامة يجازى بما قدم من عمل، ولا يضيره عمل غيره، فقال: ﴿وَلا تَزِرُ﴾؛ أي: لا تحمل ﴿وازِرَةٌ﴾؛ أي: نفس حاملة للوزر والإثم ﴿وِزْرَ﴾؛ أي: حمل، وذنب نفس ﴿أُخْرى﴾؛ أي: غيرها، وهذا بيان لعدم سراية كفر الكافر إلى غيره أصلًا؛ أي: ولا تحمل أي نفس أوزار نفس أخرى، بل كل مطالب بعمل نفسه خيرًا كان أو شرًا. ثم بيّن أن جزاء المرء في الآخرة، وفق ما عمل في الدنيا، فقال: ﴿ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ﴾؛ أي: ثم بعد موتكم إلى خالقكم، لا إلى غيره ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾؛ أي: رجوعكم بالبعث بعد الموت ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾؛ أي: فيخبركم عند ذلك ﴿بِما كُنْتُمْ﴾ في الدنيا ﴿تَعْمَلُونَ﴾ ـه من خير وشر، فيجازيكم على ذلك ثوابًا وعقابًا، وفيه تهديد شديد. وفي تفسير «أبي السعود» في غير هذا الموضع: عبّر (٢) عن إظهاره التنبئة، لما بينهما من الملابسة، في أنهما سببان للعلم، تنبيها على أنهم كانوا جاهلين بحال ما ارتكبوه، غافلين عن سوء عاقبته؛ أي: يظهر لكم على رؤوس الأشهاد، ويعلمكم أي شيء شنيع كنتم تعملونه في الدنيا على الاستمرار، ويرتب عليه ما يليق به من الجزاء، انتهى. وحاصل المعنى (٣): أي ثم بعد موتكم، مصيركم يوم القيامة إلى خالقكم، البصير بأمركم العليم بالسر والنجوى، فيخبركم بما كنتم تعملون في الدنيا، إذ لا

стр. 11240

تخفى عليه خافية في الأرض، ولا في السماء، ثم يجازى المحسن منكم بإحسانه، والمسيء بإساءته، فاحذروا أن تلقوا ربكم، وقد عملتم في الدنيا ما لا يرضاه، فتهلكوا. ثم بيّن أن هذه المجازاة، ليست بالعسيرة عليه سبحانه، فقال: ﴿إِنَّهُ﴾ تعالى، ﴿عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾؛ أي: بخطرات القلوب، فضلًا عن غيرها، وهذا تعليل للتنبئة؛ أي: مبالغ في العلم بمضمرات القلوب، فكيف بالأعمال الظاهرة؟ وأصله: عليم بمضمرات صاحبة الصدور، وهي القلب؛ أي: إنه تعالى محيي جميع أعمالكم حتى ما تضمره صدوركم، مما لا تدركه أعينكم، فكيف بما رأته العيون، وأدركته الأبصار؟ وفي الآية دليل على أن ضرر الكفر والطغيان يعود إلى نفس الكافر، كما أن نفع الشكر والإيمان يعود إلى نفس الشاكر، والله غني عن العالمين، كما في الأحاديث القدسية: «يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم - أي: على تقوى أتقى قلب رجل - ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم .. ما نقص ذلك من ملكي شيئًا»، وفي آخر الحديث: «فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه». جعلنا الله وإياكم من عباده الصالحين، الصادقين المخلصين في الأقوال والأفعال والأحوال، دون الفاسقين الكاذبين المرائين، آمين يا من يقبل اليسير ويعطي الكثير. ٨ - ثم بيّن سبحانه شأن الكافر بالنسبة إلى ربه، فقال: ﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ﴾؛ أي: أصاب الإنسان، ووصل إليه ﴿ضُرٌّ﴾؛ أي: سوء حال أي ضر كان، من مرض أو فقر أو خوف ﴿دَعا رَبَّهُ﴾ في كشف ذلك الضر، حال كونه ﴿مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾؛ أي: راجعًا إليه تعالى، مستغيثًا به في دفع ما نزل به، تاركًا لما كان يدعون، ويستغيث به من ميت أو حي أو صنم أو غير ذلك، والإنابة إلى الله: الرجوع إليه بالتوبة، وإخلاص العمل له. والنوب: رجوع الشيء مرة بعد أخرى، وهذا وصف للجنس بحال بعض أفراده، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ
следующие страницы →