← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 11236–11275 · переход к 11241.

стр. 11236

ثمانية أزواج؛ أي: خلق فيكم من صفات الأنعام ثماني صفات، وهي الأكل والشرب، والتغوط والتبول، والشهوة والحرص، والشره والغضب، وأصل جميع هذه الصفات، الصفتان الاثنتان: الشهوة والعضب، فإنه لا بد لكل حيوان من هاتين الصفتين، لبقاء وجوده بهما، فبالشهوة يجلب المنافع إلى نفسه، وبالغضب يدفع المضرات. ثم ذكر سبيل خلق ما ذكر، من الأناسي والأنعام، فقال: ﴿يَخْلُقُكُمْ﴾ الله ، أيها الناس ﴿فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾؛ أي: في أرحامهن ﴿خَلْقًا﴾ كائنًا ﴿مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾؛ أي: خلقًا مدرجًا حيوانًا، سويًا من بعد عظام مكسوة لحمًا، من بعد عظام عارية، من بعد مضغ مخلقة، من بعد مضغ غير مخلقة، من بعد علقة من بعد نطفة، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوارًا (١٤)﴾ قاله قتادة والسدي. وقال ابن زيد: خلقكم خلقا في بطون أمهاتكم، من بعد خلقكم في ظهر آدم، ﵇. وقوله: ﴿فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ متعلق بقوله: يخلقكم وهي ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، قاله مجاهد، وعكرمة، وقتادة، والضحاك. وقال سعيد بن جبير: ظلمة المشيمة، وظلمة الرحم، وظلمة الليل. وقال أبو عبيدة: ظلمة صلب الرجل، وظلمة بطن المرأة، وظلمة الرحم، والخلق في بطون الأمهات. حالة مشتركة بين الإنسان والحيوان. وإنما قال: ﴿فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ لتغليب من يعقل، ولشرف الإنسان على سائر الخلق، والمشيمة بفتح الميم: محل الولد؛ أي: الجلد الرقيق المشتمل على الجنين. والمعنى: أي يبتدىء خلقكم أيها الناس، في بطون أمهاتكم خلقًا من بعد خلق. فيكون أحدكم أولًا نطفة، ثم يكون علقة، ثم يكون مضغة، ثم يكون عظمًا وعصبًا، ثم يكون لحمًا، وينفخ فيه الروح، فيصير خلقًا آخر، فتبارك الله أحسن الخالقين ﴿فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾؛ أي: في ظلمات أغشية ثلاثة، جعلها المولى سبحانه وقاية، للولد، وحفظًا له من التعفن. وقرأ عيسى، وطلحة: ﴿يخلقكم﴾ بإدغام القاف في الكاف، وقرأ حمزة: ﴿أمهاتكم﴾ بكسر بالهمزة، والميم، وقرأ الكسائي: بكسر الهمزة، وفتح الميم،

стр. 11237

وقرأ الباقون: بضم الهمزة، وفتح الميم. والإشارة بقوله: ﴿ذلِكُمُ﴾ إليه ، باعتبار أفعاله المذكورة، ومحله الرفع على الابتداء؛ أي: ذلكم العظيم الشأن الذي عدّت أفعاله ﴿اللَّهُ﴾ المعبود بحق، خبر المبتدأ، وقوله: ﴿رَبُّكُمْ﴾ خبر آخر له؛ أي: مربيكم فيما ذكر من الأطوار، وفيما بعدها، ومالكم المستحق لتخصيص العبادة به، وفي «التأويلات النجمية»؛ أي: أنا خلقتكم، وأنا صورتكم، وأنا الذي أسبغت عليكم أنعامي، وخصصتكم بجميع إكرامي، وغرقتكم في بحار أفضالي، وعرّفتكم استحقاق شهود جمالي وجلالي، وهديتكم إلى توحيدي، وأدعوكم إلى وحدانيتي، فما لكم لا تنطقون إلي بالكلية؟ وما لكم لا تطلبون مني ولا تطلبونني وقد بشرتكم بقولي: ألا من طلبني وجدني، ومن كان لي كنت له، ومن كنت له يكون له ما كان لي، انتهى. ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾ على الإطلاق في الدنيا والآخرة، ليس لغيره شركة في ذلك بوجه من الوجوه، وهو خبر ثالث، وقوله: ﴿لا إِلهَ إِلَّا هُوَ﴾ خبر رابع؛ أي: لا معبود إلا هو، كما أنه لا مقصود إلا هو ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾؛ أي: فكيف تنصرفون عن عبادته، وتنقلبون عنها إلى عبادة غيره، ومن أي وجه تصرفون، وتردون عن ملازمة بابه، بالعبودية إلى باب عاجز مثلكم من الخلق؛ أي: كيف تصرفون، وتعدلون عن عبادته تعالى، إلى عبادة الأوثان، مع وفور موجباتها ودواعيها، وانتفاء الصارف عنها بالكلية إلى عبادة غيره. والخلاصة: كيف تعبدون معه تعالى سواه؟ أين ذهبت عقولكم، وكيف ضاعت أحلامكم؟!. ٧ - ولما ذكر الله سبحانه النعم، التي أنعم بها على عباده، وبيّن لهم من بديع صنعه وعجيب فعله، ما يوجب على كل عاقل أن يؤمن به .. عقّبه بقوله: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا﴾ به تعالى، بعد مشاهدة ما ذكر من فنون نعمائه، ومعرفة شؤونه العظيمة، الموجبة للإيمان والشكر، والخطاب لأهل مكة، كما في «الوسيط»، والظاهر: التعميم لكل الناس، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ وعن جميع العالمين؛ أي: فاعلموا أنه

стр. 11238

تعالى، غني عن إيمانكم وشكركم؛ أي: غير محتاج إليكم، ولا إلى إيمانكم، ولا إلى عبادتكم له، فإنه الغني المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله. ﴿وَ﴾ مع كون كفر الكافر لا يضره، كما أنه لا ينفعه إيمان المؤمن، فهو أيضًا ﴿لا يَرْضى لِعِبادِهِ﴾؛ أي: لأحد من عباده ﴿الْكُفْرَ﴾؛ أي: لا يحبه، ولا يأمر به، وإن تعلقت به إرادته تعالى من بعضهم؛ أي: عدم رضاه بكفر عباده، لأجل منفعتهم ودفع مضرتهم رحمة عليهم، لا لتضرره تعالى به، وإنما قال: ﴿لِعِبادِهِ﴾ ولم يقل: لكم، لتعميم الحكم للمؤمنين والكافرين، وتعليله بكونهم عباده. واعلم (١): أن الرضا ترك السخط، والله تعالى لا يترك السخط في حق الكافر؛ لأنه لسخطه عليه أعد له جهنم، ولا يلزم منه عدم الإرادة، إذ ليس في الإرادة ما في الرضا من نوع استحسان، فالله تعالى مريد الخير والشر، ولكن لا يرضى بالكفر والفسوق، فإن الرضا إنما يتعلق بالحسن من الأفعال دون القبيح، وعليه أهل السنة، وكذا أهل الاعتزال، وفي «الخازن»: الرضا عبارة عن مدح الشيء، والثناء عليه بفعله، والله تعالى لا يمدح الكفر، ولا يثني عليه، ولا يكون في ملكه إلا ما أراد، وقد لا يرضى به، ولا يمدح عليه، وقد بان الفرق بين الإرادة والرضا، انتهى. والمعنى: أي لا يُحب لعباده الكفر، ولا يأمر به؛ لأنه مانع من ارتقاء النفوس البشرية، بجعلها ذليلة خاضعة للأرباب المتعددة والمعبودات الحقيرة، من الخشب والنصب، وممن يأكل الطعام ويمشي في الأسواق. ثم لما ذكر سبحانه: أنه لا يرضى لعباده الكفر، بيّن أنه يرضى لهم الشكر، فقال: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا﴾؛ أي: وإن تؤمنوا به تعالى، وتوحدوه، يدل عليه، ذكره في مقابلة الكفر. ﴿يَرْضَهُ لَكُمْ﴾؛ أي: يرض الشكر، ويحبه عنكم، ويثيبكم عليه، وإنما رضي لهم سبحانه الشكر؛ لأنه سبب سعادتهم في الدنيا والآخرة، ولأنه على مقتضى السنن القويم والصراط المستقيم العادل، كما قال: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ

стр. 11239

لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾. وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة (١): ﴿يرضه﴾ بضم الهاء مختلسة، وقرأ أبو عمرو، وحمزة في بعض الروايات ساكنة الهاء للتخفيف، وقرأ نافع في بعض الروايات، وابن عامر، والكسائي، وابن ذكوان، والدوري مضمومة الهاء مشبعة. ثم ذكر سبحانه: أن كل إنسان يوم القيامة يجازى بما قدم من عمل، ولا يضيره عمل غيره، فقال: ﴿وَلا تَزِرُ﴾؛ أي: لا تحمل ﴿وازِرَةٌ﴾؛ أي: نفس حاملة للوزر والإثم ﴿وِزْرَ﴾؛ أي: حمل، وذنب نفس ﴿أُخْرى﴾؛ أي: غيرها، وهذا بيان لعدم سراية كفر الكافر إلى غيره أصلًا؛ أي: ولا تحمل أي نفس أوزار نفس أخرى، بل كل مطالب بعمل نفسه خيرًا كان أو شرًا. ثم بيّن أن جزاء المرء في الآخرة، وفق ما عمل في الدنيا، فقال: ﴿ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ﴾؛ أي: ثم بعد موتكم إلى خالقكم، لا إلى غيره ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾؛ أي: رجوعكم بالبعث بعد الموت ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾؛ أي: فيخبركم عند ذلك ﴿بِما كُنْتُمْ﴾ في الدنيا ﴿تَعْمَلُونَ﴾ ـه من خير وشر، فيجازيكم على ذلك ثوابًا وعقابًا، وفيه تهديد شديد. وفي تفسير «أبي السعود» في غير هذا الموضع: عبّر (٢) عن إظهاره التنبئة، لما بينهما من الملابسة، في أنهما سببان للعلم، تنبيها على أنهم كانوا جاهلين بحال ما ارتكبوه، غافلين عن سوء عاقبته؛ أي: يظهر لكم على رؤوس الأشهاد، ويعلمكم أي شيء شنيع كنتم تعملونه في الدنيا على الاستمرار، ويرتب عليه ما يليق به من الجزاء، انتهى. وحاصل المعنى (٣): أي ثم بعد موتكم، مصيركم يوم القيامة إلى خالقكم، البصير بأمركم العليم بالسر والنجوى، فيخبركم بما كنتم تعملون في الدنيا، إذ لا

стр. 11240

تخفى عليه خافية في الأرض، ولا في السماء، ثم يجازى المحسن منكم بإحسانه، والمسيء بإساءته، فاحذروا أن تلقوا ربكم، وقد عملتم في الدنيا ما لا يرضاه، فتهلكوا. ثم بيّن أن هذه المجازاة، ليست بالعسيرة عليه سبحانه، فقال: ﴿إِنَّهُ﴾ تعالى، ﴿عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾؛ أي: بخطرات القلوب، فضلًا عن غيرها، وهذا تعليل للتنبئة؛ أي: مبالغ في العلم بمضمرات القلوب، فكيف بالأعمال الظاهرة؟ وأصله: عليم بمضمرات صاحبة الصدور، وهي القلب؛ أي: إنه تعالى محيي جميع أعمالكم حتى ما تضمره صدوركم، مما لا تدركه أعينكم، فكيف بما رأته العيون، وأدركته الأبصار؟ وفي الآية دليل على أن ضرر الكفر والطغيان يعود إلى نفس الكافر، كما أن نفع الشكر والإيمان يعود إلى نفس الشاكر، والله غني عن العالمين، كما في الأحاديث القدسية: «يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم - أي: على تقوى أتقى قلب رجل - ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم .. ما نقص ذلك من ملكي شيئًا»، وفي آخر الحديث: «فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه». جعلنا الله وإياكم من عباده الصالحين، الصادقين المخلصين في الأقوال والأفعال والأحوال، دون الفاسقين الكاذبين المرائين، آمين يا من يقبل اليسير ويعطي الكثير. ٨ - ثم بيّن سبحانه شأن الكافر بالنسبة إلى ربه، فقال: ﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ﴾؛ أي: أصاب الإنسان، ووصل إليه ﴿ضُرٌّ﴾؛ أي: سوء حال أي ضر كان، من مرض أو فقر أو خوف ﴿دَعا رَبَّهُ﴾ في كشف ذلك الضر، حال كونه ﴿مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾؛ أي: راجعًا إليه تعالى، مستغيثًا به في دفع ما نزل به، تاركًا لما كان يدعون، ويستغيث به من ميت أو حي أو صنم أو غير ذلك، والإنابة إلى الله: الرجوع إليه بالتوبة، وإخلاص العمل له. والنوب: رجوع الشيء مرة بعد أخرى، وهذا وصف للجنس بحال بعض أفراده، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ

стр. 11241

كَفَّارٌ﴾. وفيه (١) إشارة، إلى أن من طبيعة الإنسان، أنه إذا مسه ضرب خشع وخضع وإلى ربه فزع، وتملق بين يديه وتضرع. ﴿ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ﴾ وأعطاه ﴿نِعْمَةً﴾ عظيمة صادرة ﴿مِنْهُ﴾ تعالى، حاصلة من جنابه، وأزال عنه ضره، وكفاه أمره، وأصلح باله، وأحسن حاله ﴿نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ﴾؛ أي: نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه عنه ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل أن يخوله ما خوله، كقوله تعالى: ﴿مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾، وقيل: نسي الدعاء الذي كان يتضرع به، وتركه. أو نسي ربه الذي كان يدعوه، ويتضرع إليه إما بناء على أن ﴿مًا﴾ بمعنى: من كان في قوله تعالى: ﴿وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣)﴾، وإما إيذانًا بأن نسيانه، بلغ إلى حيث لا يعرف مدعوه ما هو، فضلًا عن أن يعرفه من هو، فيعود إلى رأس كفرانه، وينهمك في كبائر عصيانه، ويشرك بمعبوده، ويصر على جحوده، وذلك لكون دعائه المحسوس معلولًا بالضر الممسوس، لا ناشئًا عن الشوق إلى الله المأنوس. وهو معنى قوله: ﴿وَجَعَلَ﴾ ذلك الإنسان ﴿لِلَّهِ﴾ سبحانه ﴿أَنْدادًا﴾؛ أي: شركاء من الأصنام أو غيرها يستغيث بها، ويعبدها ﴿لِيُضِلَّ﴾ الناس بذلك ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ تعالى؛ أي: عن طريق الله التي هي الإسلام والتوحيد. وقرأ الجمهور: ﴿لِيُضِلَّ﴾ بضم الياء؛ أي: ما اكتفى بضلال نفسه حتى جعل غيره يضل. وقرأ (٢) ابن كثير، وأبو عمرو، وعيسى: بفتحها. ثم أمر الله سبحانه، رسوله ﷺ ، أن يهدد من كان متصفًا بتلك الصفة، فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد تهديدًا لذلك الضال المضل، وبيانًا لحاله ومآله: ﴿تَمَتَّعْ﴾؛ أي: عش في الدنيا ﴿بِكُفْرِكَ﴾؛ أي: في كفرك، واستمتع بزخارفها تمتعًا ﴿قَلِيلًا﴾ فمتاع الدنيا قليل وإن طالت، فهو صفة لمصدر محذوف، أو زمانًا قليلًا، فهو صفة زمان محذوف، فالأمر بالتمتع للتهديد، كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾.

стр. 11242

ثم علل ذلك بقوله: ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ في الآخرة﴾؛ أي: من ملازميها، والمعذبين فيها على الدوام، وهو تعليل لقلة التمتع، وفيه من الإقناط من النجاة ما لا يخفى كأنه قيل: وإذ قد أبيت قبول ما أمرت به، من الإيمان والطاعة، فمن حقك أن تؤمر بتركه لتذوق عقوبته. والمعنى (١): أي وإذا أصاب الكافر بلاء في جسده، أو شدة في معيشته، أو خوف على حياته .. استغاث بربه الذي خلقه، ورغب إليه في كشف ما نزل به، تائبا إليه مما كان عليه من قبل ذلك من الكفر به، وإشراك الآلهة والأوثان في عبادته، ثم إذا منحه نعمة منه فأزال ما به من ضر، وأبدله بالسقم صحة وبالشدة رخاء .. ترك دعاءه الذي كان يدعوه من قبل، أن يكشف ما كان به من ضر، فجعل لله شركاء، وأضل الناس، ومنعهم من توحيده والإقرار به، والدخول في الإسلام له، ثم أوعده، وهدده فقال: ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا ...﴾ إلخ؛ أي: قل أيها (٢) الرسول لمن فعل ذلك: تمتع بما أنت فيه من زخرف الدنيا ولذاتها، منصرفًا عن النظر إلى أدلة التوحيد، التي أوجدها الله سبحانه في الأكوان، وجعلها في نفس الإنسان زمنًا قليلًا إلى أن تستوفي أجلك، وتأتيك منيتك، ثم أنت بعد ذلك من أصحاب النار المخلدين فيها أبدًا. ٩ - ثم لما ذكر سبحانه صفات المشركين، وتمسكهم بغير الله عند اندفاع المكروهات عنهم .. ذكر صفات المؤمنين، فقال: ﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ﴾ إلخ، وهذا إلى آخره، من تمام الكلام المأمور به رسول الله ﷺ ، و ﴿أَمَّنْ﴾ بالتشديد، على أن أصله: أم من هو قانت، وهي إما متصلة حذف معادلها، والمعنى: قل له يا محمد: أأنت أيها المشرك أحسن حالًا ومآلًا، أم من هو قانت وعابد لربه، قائم بأداء الطاعات ﴿آناءَ اللَّيْلِ﴾ ودائب على وظائف العبادات في ساعات الليل أوله، وآخره، ووسطه التي تكون فيها العبادة أشق على النفوس، وأبعد عن

стр. 11243

الرياء، فتكون أقرب إلى القبول، وقوله: ﴿ساجِدًا﴾ حال (١) من ضمير ﴿قانِتٌ﴾؛ أي: حال كونه ساجدًا في صلاته ﴿وَقائِمًا﴾ فيها، وتقديم السجود على القيام، لكونه أدخل في معنى العبادة، والواو للجمع بين الصفتين، فالمعنى: ﴿قانِتٌ﴾؛ أي: قائم طويل القيام في الصلاة، كما يشعر به ﴿آناءَ اللَّيْلِ﴾؛ لأنه إذا قام في ساعات الليل، فقد أطال القيام بخلاف من قام في جزء من الليل، والمراد بالسجود والقيام: الصلاة، عبّر عنها بهما لكونهما أعظم أركانها، والاستفهام على كونها متصلة للتقرير. ولا شك أن الجواب لا يحتاج إلى بيان، وإما منقطعة فتقدّر ببل الإضرابية وهمزة الاستفهام الإنكاري، والمعنى: بل أمن هو قانت مطيع لربه ساجدًا وقائمًا كالكافر المقول له: تمتع بكفرك قليلًا؛ أي: لا يستويان، بل هو في الجنة والكافر في النار. وقرأ ابن كثير ونافع، وحمزة، والأعمش، وعيسى، وشيبة، والحسن في رواية (٢): ﴿أمن﴾ بتخفيف الميم، والظاهر: أن الهمزة لاستفهام التقرير، ومقابله محذوف لفهم المعنى، والتقدير: أهذا القانت خير، أم الكافر المخاطب بقوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾، ويدل عليه قوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾، وقرأ باقي السبعة، والحسن، وقتادة، والأعرج، وأبو جعفر: أمن بتشديد الميم، وهي ﴿أم﴾ أدغمت ميمها في ميم ﴿من﴾، فاحتملت ﴿أم﴾ أن تكون متصلة ومعادلها محذوف قبلها، تقديره: أهذا الكافر خير، أم من هو قانت، واحتملت أن تكون منقطعة تقدر ببل والهمزة، والتقدير: بل أم من هو قانت صفته كذا، كمن ليس كذلك. وقرأ الجمهور ﴿ساجِدًا وَقائِمًا﴾ بالنصب على الحال، والضحاك برفعهما إما على النعت لقانت، وإما على أنه خبر بعد خبر. وقوله: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾ حال أخرى (٣) على الترادف، أو التداخل أو استئناف، كأنه قيل: ما باله يفعل القنوت في الصلاة؟ فقيل: هو يحذر عذاب الآخرة لإيمانه بالبعث. ﴿وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾؛ أي: المغفرة أو الجنة، لا أنه يحذر

стр. 11244

ضر الدنيا ويرجو خيرها فقط كالكافر؛ أي: حالة كونه يخاف عذاب الآخرة ويرجو جنة ربه، فينجو مما يخافه ويفوز بما يرجوه، ودلت الآية على أن المؤمن يجب أن يكون بين الخوف والرجاء، يرجو رحمة ربه لعمله، ويخاف عذابه لتقصيره في عمله، ثم الرجاء إذا جاوز حده يكون آمنا، والخوف إذا جاوز حده يكون يائسا، وكل منهما كفر، فوجب أن يعتدل كما قال ﷺ : «لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا»، وما اجتمعا في قلب رجل إلا فاز. ثم أمر الله سبحانه رسوله ﷺ ، أن يقول لهم قولًا آخر، يتبين به الحق من الباطل، فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد بيانًا للحق، وتنبيهًا على شرف العلم والعمل: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ حقائق الأعمال، فيعملون بموجب علمهم، كالقانت المذكور ﴿وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ما ذكر، فيعملون بمقتضى جهلهم وضلالهم، كالكافر المذكور، أو الذين (١) يعلمون أن ما وعد الله به من البعث والثواب والعقاب حق، والذين لا يعلمون ذلك، أو الذين يعلمون ما أنزل الله على رسله والذين لا يعلمون ذلك، أو المراد: العلماء، والجهال، ومعلوم عند كل من له عقل، أنه لا استواء بين العلم والجهل، ولا بين العالم والجاهل، وقال الزجاج؛ أي: كما لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، كذلك لا يستوي المطيع والعاصي. وقيل: المراد بالذين يعلمون: هم العاملون بعلمهم، فإنهم المنتفعون به؛ لأن من لم يعمل بمنزلة من لم يعلم، والاستفهام فيه للتنبيه على كون الأولين في أعلى معارج الخير، وكون الآخرين في أقصى مدارج الشر، وفي «بحر العلوم»: الفعل منزل منزلة اللازم، ولم يقدر له مفعول؛ لأن المقدر كالمذكور. والمعنى: لا يستوي من يوجد فيه حقيقة العلم ومن لم يوجد. وعبارة المراغي هنا (٢): أي قل أيها الرسول لقومك: هل يستوي الذين يعلمون ما لهم في طاعة ربهم من الثواب، وما عليهم في معصيتهم إياه من عقاب، والذين لا يعلمون ذلك؟ فهم يخبطون خبط عشواء، لا يرجون بحسن

стр. 11245

أعمالهم خيرًا، ولا يخافون من سيئها شرًا، وجاء هذا الكلام بأسلوب الاستفهام، للدلالة على أن الأولين بلغوا أعلى معارج الخير، وأن الآخرين درجوا في دركات الشر، ولا يخفى ذلك على منصف ولا مكابر. ثم بيّن أن ما سلف إنما يفهمه كل ذي لب، فأمثال هؤلاء على قلوبهم غشاوة لا يفقهون موعظة، ولا تنفع فيهم التذكرة، فقال: ﴿إِنَّما يَتَذَكَّرُ﴾ ويتعظ، ويتدبر، ويتفكر ﴿أُولُوا الْأَلْبابِ﴾؛ أي أصحاب العقول الكاملة، السالمة من الشك والشرك، وهم المؤمنون، لا الكفار، وقرىء: ﴿يذكر﴾ بإدغام تاء ﴿يَتَذَكَّرُ﴾ في الذال، وهذا كلام (١) مستقل، غير داخل في الكلام المأمور به، وارد من جهته تعالى؛ أي: إنما يتعظ بهذه البيانات الواضحة، أصحاب العقول الخالصة من شوائب الخلل والوهم، وهؤلاء بمعزل عن ذلك، قيل: قضية اللب الاتعاظ بالآيات، ومن لم يتعظ فكأنه لا لب له، ومَثَلهُ مَثَلُ البهائم. والخلاصة: أنه إنما يعلم الفرق بين هذا وذاك، من له لب وعقل يتدبر به، وقيل لبعض العلماء (٢): إنكم تقولون: العلم أفضل من المال، ثم نرى العلماء يجتمعون عند أبواب الملوك؛ ولا نرى الملوك مجتمعين عند أبواب العلماء، فأجاب: بأن هذا أيضًا يدل على فضيلة العلم. لأن العلماء علموا ما في المال من المنافع فطلبوه، والجهال لم يعرفوا ما في العلم من المنافع فتركوه. ١٠ - ولما نفى الله سبحانه المساواة، بين من يعلم ومن لا يعلم، وبيّن أنه إنما يتذكر أولو الألباب .. أمر رسوله ﷺ بأن يأمر المؤمنين من عباده بالثبات على تقواه، والإيمان به. فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لعبادي المؤمنين: ﴿يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وصدقوا بتوحيد الله ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ بامتثال مأموراته، واجتناب منهياته، وإخلاص الإيمان له، ونفي الشركاء عنه؛ أي: قل لهم: قولي هذا بعينه؛ أي:

стр. 11246

قل لهم: ربكم يقول: أطيعوا ربكم في الصغير والكبير من الأمور، وفيه تشريف لهم بإضافتهم إلى ضمير الجلالة، فإنه أصله: يا عبادي بالياء، حذفت اكتفاءً بالكسرة. والمعنى: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾؛ أي: دوموا، واثبتوا على تقوى ربكم؛ لأن بالإيمان حصلت التقوى عن الكفر والشرك، أو اتقوا عذابه وغضبه باكتساب طاعته، واجتناب معصيته، أو اتقوا به عما سواه، حتى تخلصوا من نار القطيعة، وتفوزوا بوصاله ونعيم جماله. ثم لما أمر الله سبحانه المؤمنين بالتقوى، بيّن لهم ما في هذه التقوى من الفوائد، فقال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾؛ أي: للذين عملوا الأعمال الحسنة على وجه الإخلاص. خبر مقدم ﴿فِي هذِهِ الدُّنْيا﴾ متعلق بأحسنوا ﴿حَسَنَةٌ﴾ عظيمة ومثوبة كبيرة في الآخرة، لا يعرف كنهها، مبتدأ مؤخر. وهي الجنة، والشهود؛ لأن جزاء الإحسان الإحسان، والإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك، فالمحسن هو المشاهد، وبمشاهدة الله يغيب ما سوى الله تعالى، فلا يبقى إلا هو، وذلك حقيقة الإخلاص، وأما غير المحسن، فعلى خطر لبقائه مع ما سوى الله تعالى، فلا يأمن من الشرك والرياء القبيح، ومن كان عمله قبيحًا لم يكن جزاؤه حسنًا، وقيل: ﴿فِي هذِهِ الدُّنْيا﴾ متعلق بـ ﴿حَسَنَةٌ﴾ على أنه بيان لمكانها، فيكون المعنى: للذين أحسنوا في العمل حسنة في الدنيا بالصحة، والعافية، والظفر، والغنيمة، والأول أولى. وحاصل المعنى: أي لمن أحسن في هذه الدار، وعمل صالح الأعمال، وزكى نفسه فيها، حسنة من صحة وعافية، ونجاح في الأعمال، التي يزاولها كفاء ما يتحلى به، من تمسك بآداب الدين واتباع فضائله، وحسنة في الآخرة، فيتمتع بجنات النعيم ورضوان الله عنه ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾. ثم لما كان بعض العباد قد يتعسر عليه فعل الطاعات، والإحسان في وطنه، أرشد الله سبحانه، من كان كذلك إلى الهجرة من مكة إلى المدينة،

стр. 11247

وصبّرهم على مفارقة الأوطان، فقال: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾ فمن (١) تعسر عليه التوفر على التقوى، والإحسان في وطنه. فليهاجر إلى حيث يتمكن فيه من ذلك، كما هو سنة الأنبياء، والمرسلين، والصالحين، فإنه لا عذر له في التفريط أصلًا؛ أي: إنكم إذا لم تتمكنوا من التوفر على الإحسان والتقوى، وصرف الهمم إلى العبادة في البلد الذي أنتم فيه، فتحولوا عنه إلى بلاد تستطيعون فيها ذلك، واجعلوا أسوتكم الأنبياء والصالحين، فقد فعل كثير منهم ذلك، وفيه حث على الهجرة من البلد الذي يظهر فيه المعاصي، وقد ورد: «إن من فر بدينه من أرض إلى أرض وجبت له الجنة»، وإنما قال: «بدينه» احترازًا عن الفرار بسبب الدنيا ولأجلها، خصوصًا إذا كان المهاجر إليه أعصى من المهاجر منه، وقيل المراد بالأرض هنا: أرض الجنة، رغّبهم في سعتها وسعة نعيمها، كما في قوله: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾. والأول أولى. ثم ذكر ما لهم من رفيع المنزلة، وعظيم الأجر على ذلك. فقال: ﴿إِنَّما يُوَفَّى﴾ ويعطى ﴿الصَّابِرُونَ﴾ الذين صبروا على دينهم فلم يتركوه للأذى، وحافظوا على حدوده، ولم يفرطوا في مراعاة حقوقه، لما اعتراهم في ذلك من فنون الآلام، والبلايا التي من جملتها مهاجرة الأهل، ومفارقة الأوطان، والمعنى: يعطون ﴿أَجْرَهُمْ﴾ بمقابلة ما كابدوا من الصبر ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾؛ أي: بحيث لا يحصى، ولا يحصر؛ أي: يوفيهم الله، ويعطيهم أجرهم وافيًا كاملًا في مقابلة صبرهم بغير حساب؛ أي (٢): بما لا يقدر على حصره حاصر، ولا يستطيع حسابه حاسب. قال عطاء: بما لا يهتدي إليه عقل، ولا وصف، وقال مقاتل: أجرهم الجنة، وأرزاقهم فيها بغير حساب. والحاصل: أن الآية تدل (٣) على أن ثواب الصابرين وأجرهم لا نهاية له؛ لأن كل شيء يدخل تحت الحساب فهو متناه، وما كان لا يدخل تحت الحساب.

стр. 11248

فهو غير متناه، وهذه فضيلة عظيمة، ومثوبة جليلة تقتضي أن على كل راغب في ثواب الله تعالى، وطامع فيما عنده من الخير، أن يتوفر على الصبر، ويزم نفسه بزمامه، ويقيدها بقيده، فإن الجزع لا يرد قضاء قد نزل ولا يجلب خيرًا قد سلب، ولا يدفع مكروهًا قد وقع، وإذا تصور العاقل هذا حق تصوره، وتعقله حق تعقله، علم أن الصابر على ما نزل به قد فاز بهذا الأجر العظيم، وظفر بهذا الجزاء الخطير، وغير الصابر قد نزل به القضاء شاء أم أبى، ومع ذلك فاته من الأجر ما لا يقادر قدره، ولا يبلغ مداه، فضم إلى مصيبته مصيبةً أخرى، ولم يظفر بغير الجزع، وفي الحديث: «أنه تنصب الموازين يوم القيامة لأهل الصلاة والصدقة والحج، فيوفون بها أجورهم، ولا تنصب لأهل البلاء، بل يصب عليهم الأجر صبًا، حتى يتمنى أهل المعافاة في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض، مما يذهب به أهل البلاء من الفضل». وعن الحسين بن علي ﵄ قال: سمعت جدي رسول الله ﷺ يقول: «أد الفرائض تكن من أعبد الناس، وعليك بالقنوع تكن من أغنى الناس، يا بني إن في الجنة شجرة يقال لها: شجرة البلوى يؤتى بأهل البلاء، فلا ينصب لهم ميزان، ولا ينشر لهم ديوان، يصب عليهم الأجر صبًا». ثم تلا هذه الآية ﴿إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾. وسئل النبي ﷺ أي الناس أشد بلاءً؟ قال: «الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه». فإن كان في دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه ذا رقة هوّن عليه، فما زال كذلك حتى يمشي على الأرض كمن ليس له ذنب، وقال ﷺ : «إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة لم يبلغها بعمله .. ابتلاه الله في جسده أو في ماله أو في ولده، ثم صبر على ذلك حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من الله»، وإن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله ، إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي، فله الرضى، ومن سخط فله السخط، وقال يوسف بن الحسين: ليس بصابر من يتجرع المصيبة، ويبدي فيها الكراهة، بل الصابر من يتلذذ بصبره، حتى يبلغ به إلى مقام الرضا. ١١ - وروى مقاتل: أن كفار قريش، قالوا للنبي ﷺ : ما يحملك على الذي أتيتنا به، ألا تنظر إلى ملة آبائك وسادات قومك، يعبدون اللات والعزى، فتأخذ بتلك

стр. 11249

الملة. فقال تعالى له: ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﷺ لهؤلاء المشركين: ﴿إِنِّي أُمِرْتُ﴾ من جانبه تعالى بـ ﴿أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ﴾ سبحانه، وحده، حال كوني ﴿مُخْلِصًا لَهُ﴾ تعالى ﴿الدِّينَ﴾؛ أي: العبادة من الشرك والرياء، بأن يكون المقصود من العبادة هو المعبود بالحق، لا غير. والمعنى (١): أي قل أيها الرسول لمشركي قومك: إن الله سبحانه، أمرني أن أعبده مفردًا له الطاعة، دون كل ما تدعون من دونه من الآلهة والأنداد، وفي هذا نعي لهم، على تماديهم في عبادة الأوثان، والكلام عليه من وادي قولهم: إياك أعني واسمعي يا جارة. ١٢ - ﴿وَأُمِرْتُ﴾ بذلك ﴿لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ من هذه الأمة؛ أي: لأجل أن أكون مقدمهم في الدنيا والآخرة؛ لأن السبق في الدين، إنما هو بالإخلاص فيه، فمن أخلص عد سابقا، فإذا كان الرسول، متصفا بالإخلاص قبل إخلاص أمته .. فقد سبقهم في الدارين، إذ لا يدرك المسبوق مرتبة السابق، ألا ترى إلى الأصحاب مع من جاء بعدهم، والظاهر (٢): أن اللام زائدة، فيكون كقوله تعالى: ﴿أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾، فالمعنى: وأمرت أن أكون أول من أسلم من أهل زماني؛ لأن كل نبي يتقدم أهل زمانه في الإسلام والدعاء إلى خلاف دين الآباء، وإن كان قبله مسلمون، قال بعضهم: الإخلاص: أن يكون جميع الحركات في السر والعلن لله تعالى وحده، لا يمازجه شيء. وقال الزمخشري: فإن قلت (٣): كيف عطف ﴿أُمِرْتُ﴾ على ﴿أُمِرْتُ﴾ وهما واحد؟. قلت: ليسا بواحد لاختلاف جهتيهما، وذلك أن الأمر بالإخلاص وتكليفه شيء، والأمر به لتحرز به قصب السبق في الدين شيء آخر، وإذا اختلف وجها الشيء وصفتاه، ينزل بذلك منزلة شيئين مختلفين، انتهى.

стр. 11250

١٣ - ﴿قُلْ﴾ يا محمد لمشركي قومك: ﴿إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ وخالفته بترك الإخلاص، والميل إلى ما أنتم عليه من الشرك ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾؛ أي: أخاف من عذاب يوم القيامة، وهو يوم عظيم، لعظمة ما فيه من الدواهي والأهوال، بحسب عظم المعصية وسوء الحال، وفيه زجر عن المعصية بطريق المبالغة؛ لأنه ﵇، مع جلالة قدره، إذا خاف على تقدير العصيان، فغيره من الأمة أولى بذلك الخوف. قال أكثر المفسرين (١): المعنى إني أخاف إن عصيت ربي، بإجابة المشركين إلى ما دعوني إليه، من عبادة غير الله عذاب يوم القيامة، عظيم الشأن والأهوال، وقال أبو حمزة اليماني، وابن المسيّب: هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾، وفي هذه الآية دليل على أن الأمر للوجوب؛ لأن قبله ﴿إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ﴾، فالمراد: عصيان هذا الأمر، وفي هذا من التعريض بهم ما لا يخفى. ١٤ - ثم كرر الأمر مرة أخرى، بالإخلاص في الطاعة، للتهديد والوعيد، فقال: ﴿قُلِ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين: ﴿اللَّهَ﴾ سبحانه، نصب بقوله: ﴿أَعْبُدُ﴾ على ما أمرت به لا غيره، لا استقلالًا، ولا اشتراكًا، والتقديم مشعر بالاختصاص حالة كوني ﴿مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ وعبادتي من كل شائبة شرك، وشك، ورياء، وسمعة. فإن قلت (٢): ما فائدة التكرار في قوله: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١)﴾، وفي قوله: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤)﴾؟. قلت: هذا ليس بتكرار؛ لأن: الأول: الإخبار بأنه مأمور من جهة الله تعالى، بالإتيان بالعبادة والإخلاص. والثاني: أنه إخبار بأنه أمر أن يخص الله تعالى، وحده بالعبادة، ولا يعبد

стр. 11251

أحدًا غيره، مخلصًا له دينه؛ لأن قوله: ﴿أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ﴾ لا يفيد الحصر، وقوله: ﴿اللَّهَ أَعْبُدُ﴾ يفيد الحصر. والمعنى: الله أعبد ولا أعبد أحدًا غيره. والحاصل: أنه سبحانه أمر رسوله ﷺ (١): أولًا: بأن يخبرهم بأنه مأمور بالعبادة والإخلاص فيها. وثانيًا: بأن يخبرهم بأنه مأمور، بأن يكون أول من أسلم وأطاع وانقاد. وثالثًا: بأن يخبرهم بخوفه من العذاب، على تقدير العصيان. ١٥ - ورابعًا: بأن يخبرهم، بأنه امتثل الأمر وانقاد وعبد الله تعالى، وأخلص له الدين، على أبلغ وجه وآكده، إظهارا لتصلبه في الدين، وحسمًا لأطماعهم الفارغة، وتمهيدًا لتهديدهم بقوله: ﴿فَاعْبُدُوا ...﴾ إلخ؛ أي: قد امتثلت أنا ما أمرت به، فاعبدوا يا معشر المشركين ﴿ما شِئْتُمْ﴾ قال في «الإرشاد»: وفيه من الدلالة على شدة الغضب عليهم ما لا يخفى، كأنهم لما لم ينتهوا عما نهوا عنه، أمروا به كي يحل بهم العقاب. ولما قال المشركون: خسرت يا محمد، حيث خالفت دين آبائك، قال تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهم: ﴿إِنَّ الْخاسِرِينَ﴾؛ أي: الكاملين في الخسران، الذي هو عبارة عن إضاعة ما يهمه، وإتلاف ما لا بد منه، هم ﴿الَّذِينَ﴾ فالجملة من الموصول، والصلة خبر ﴿إِنَّ﴾ ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بالضلال واختيار الكفر لها؛ أي: أضاعوها، وأتلفوها إتلاف البضاعة، فقوله: ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ مفعول ﴿خَسِرُوا﴾. ﴿وَأَهْلِيهِمْ﴾ بالضلال، واختيار الكفر لهم أيضًا ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ يوم يدخلون النار بدل الجنة، حيث عرّضوهما للعذاب السرمدي، وأوقعوهما في هلكة لا هلكة وراءها. ﴿أَلا﴾ انتبهوا، واستمعوا ﴿ذلِكَ﴾ الخسران ﴿هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ﴾؛ أي: الظاهر الجلي، حيث استبدلوا بالجنة نارًا، وبالدرجات دركات، كما في «كشف الأسرار»، وفي «التأويلات النجمية»: الخاسر في الحقيقة، من خسر دنياه بمتابعة

стр. 11252

الهوى، وخسر عقباه بارتكاب ما نهى عنه، وخسر مولاه بتولي غيره. والمعنى (١): أي قل لهم أيها الرسول: إن الخسران الذي لا خسران بعده، هو خسران النفس، وإضاعتها بالضلال، وخسران الأتباع الذين أضلوهم، وأوقعوهم في العذاب السرمدي يوم القيامة، إذ أوقعوهم في هلكة ما بعدها هلكة، ألا هو الخسران المبين، الظاهر لكمال هوله، وفظاعة شأنه. ١٦ - ثم فصل ذلك الخسران، وبينه بعد إبهامه، تهويلًا وتعظيمًا لأمره فقال: ﴿لَهُمْ﴾ خبر مقدم، والضمير للخاسرين ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ حال من ﴿ظُلَلٌ﴾ وهو مبتدأ مؤخر ﴿مِنَ النَّارِ﴾ صفة لـ ﴿ظُلَلٌ﴾، والظل: جمع ظلة كغرف وغرفة، كما سيأتي، وهي في الأصل: سحابة تظل، والمراد هنا (٢): طباق وسرادقات من النار ودخانها، وسميت النار ظلة لغلظها وكثافتها، ولأنها تمنع من النظر إلى ما فوقهم، والمعنى: للخاسرين ظلل وطبقات من النار، ودركات كثيرة متراكبة بعضها فوق بعض، حال كون تلك الظلل من فوقهم ﴿وَمِنْ تَحْتِهِمْ﴾ أيضًا ﴿ظُلَلٌ﴾ والمراد: إحاطة النار بهم من جميع جوانبهم، كما قال تعالى: ﴿أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها﴾. ونحو الآية قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾، وقوله: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾. والمعنى: أي لهم من فوقهم أطباق من النار، تلتهب عليهم، ومن تحتهم ظلل؛ أي: أطباق من النار، وسمي ما تحتهم ظللا لأنها تظلل من تحتها من أهل النار؛ لأن طبقات النار، كان في كل طبقة منها طائفة من طوائف الكفار، كما قال السدي: هي لمن تحتهم ظلل، وهكذا حتى ينتهي إلى القعر والدرك الأسفل، الذي هو للمنافقين. فالظلل لمن تحتهم، وهي فرش لهم، وكما قال في «الأسئلة المقحمة»: كيف يسمى ما هو الأسفل ظللًا والظلل ما يكون فوقًا؟ والجواب: لأنها تظلل من تحتها.

стр. 11253

وفي (١) ذلك إشعار بشدة حالهم في النار، وتهكم بهم؛ لأن الظلة إنما هي للاستظلال والتبرد، خصوصًا في الأراضي الحارة كأرض الحجاز، فإذا كانت من النار نفسها كانت أحر، ومن تحتها أغم. ﴿ذَلِكَ﴾ العذاب الفظيع هو الذي ﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ﴾ سبحانه ﴿بِهِ﴾ بذلك العذاب ﴿عِبادَهُ﴾ في القرآن ليؤمنوا، ويحذرهم إياه بآيات الوعيد، ليجتنبوا ما يوقعهم فيه، وفي «الوسيط»: يخوف الله به عباده المؤمنين، يعني: أن ما ذكر من العذاب معد للكفار، وهو تخويف للمؤمنين ليخافوه، فيتقوه بالطاعة والتوحيد، وهو معنى قوله: ﴿يَاعِبَادِ﴾ بحذف الياء، وأصله يا عبادي بالياء ﴿فَاتَّقُونِ﴾ ولا تتعرضوا لما يوجب سخطي؛ أي: اتقوا هذه المعاصي، الموجبة لمثل هذا العذاب على الكفار. ووجه تخصيص العباد بالمؤمنين (٢): أن الغالب في القرآن إطلاق لفظ العباد عليهم، وقيل: هو للكفار وأهل المعاصي، وقيل: هو عام للمسلمين والكفار. وهذه عظة من الله تعالى، بالغة منطوية على غاية اللطف والرحمة، وفيه إشارة، إلى أن الله تعالى، خلق جهنم سوطًا يسوق به عباده إلى الجنة، إذ ليس تحت الوجود إلا ما هو مشتمل على الحكمة والمصلحة، فمن خاف بتخويف الله تعالى إياه، من هذا الخسران .. فهو عبده عبدًا حقيقيًا، ومستأهل لشرف الإضافة إليه. ومعنى قوله: ﴿ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾؛ أي (٣): إنما يقص عليكم ربكم خبر ما سيكون، لا محالة، ليزدجر عباده عن المحارم والآثام، ومعنى قوله: ﴿يا عِبادِ فَاتَّقُونِ﴾؛ أي: يا عبادي بالغوا في الخوف والحذر والتقوى، ولا تتعرضوا لما يوجب سخطي. وهذه منة منه تعالى، منطوية على نهاية اللطف والرحمة. الإعراب ﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ

стр. 11254

اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢)﴾. ﴿تَنْزِيلُ﴾: مبتدأ، ﴿الْكِتابِ﴾: مضاف إليه. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: خبر، والجملة مستأنفة استئنافًا نحويًا. ﴿الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾: نعتان للجلالة، ويجوز أن يكون ﴿تَنْزِيلُ﴾: خبرًا لمبتدأ محذوف؛ أي: هذا تنزيل الكتاب؛ أي: هذا القرآن هو الكتاب المنزل، ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ متعلق بالمصدر، أو بمحذوف خبر بعد خبر. ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، ﴿أَنْزَلْنا﴾: فعل، وفاعل. ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلق به، ﴿الْكِتابَ﴾: مفعول به. ﴿بِالْحَقِّ﴾: حال من الفاعل؛ أي: ملتبسين بالحق، أو من المفعول؛ أي: ملتبسًا بالحق. والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة. ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ﴾: الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت إنزالنا عليك الكتاب، وأردت بيان ما هو اللازم لك .. فأقول: اعبد الله مخلصًا له الدين. ﴿اعبد الله﴾ فعل أمر، وفاعل مستتر، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿مُخْلِصًا﴾: حال من فاعل اعبد، ﴿لَهُ﴾: متعلق بـ ﴿مُخْلِصًا﴾، و ﴿الدِّينَ﴾: مفعول ﴿مُخْلِصًا﴾ ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ (٣)﴾. ﴿أَلا﴾: حرف استفتاح وتنبيه، ﴿لِلَّهِ﴾: خبر مقدم، ﴿الدِّينُ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿الْخالِصُ﴾: صفة لـ ﴿الدِّينُ﴾، والجملة الاسمية مستأنفة، مقررة لما قبلها. ﴿وَالَّذِينَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿اتَّخَذُوا﴾ صلة الموصول، ﴿مِنْ دُونِهِ﴾: مفعول ثان لـ ﴿اتَّخَذُوا﴾، أو حال من الفاعل، ﴿أَوْلِياءَ﴾: مفعول أول، ﴿ما﴾ نافية، ﴿نَعْبُدُهُمْ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب، مقول لقول محذوف، هو خبر المبتدأ، والتقدير: والذين اتخذوا من دونه أولياء، يقولون ما نعبدهم، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿أَلا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ﴾: اللام: لام

стр. 11255

كي، ﴿يقربونا﴾: فعل مضارع، وفاعل، ومفعول به منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأن أصله: يقربوننا. والجملة الفعلية مع أن المضمرة، في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: إلا لتقريبهم إيانا إلى الله سبحانه، الجار والمجرور متعلق بنعبدهم، والاستثناء من أعم الأحوال؛ أي: ما نعبدهم لحال من الأحوال إلا لتقريبهم إيانا إلى الله تعالى. ﴿زُلْفى﴾ مصدر مؤكد، ليقربونا من غير لفظه، ولكنه ملاق لعامله في المعنى. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿يَحْكُمُ﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. ﴿بَيْنَهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿يَحْكُمُ﴾، ﴿فِي ما﴾: متعلق بـ ﴿يَحْكُمُ﴾ أيضًا، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، ﴿فِيهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَخْتَلِفُونَ﴾، وجملة ﴿يَخْتَلِفُونَ﴾ خبرهم، والجملة الاسمية صلة ﴿ما﴾ الموصولة. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿لا يَهْدِي﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. ﴿مِنْ﴾ اسم موصول، في محل النصب مفعول ﴿يَهْدِي﴾، ﴿هُوَ كاذِبٌ﴾ مبتدأ وخبر، ﴿كَفَّارٌ﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية صلة ﴿مِنْ﴾ الموصولة. ﴿لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٤) خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥)﴾. ﴿لَوْ﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿أَرادَ اللَّهُ﴾: فعل، وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾، ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿يَتَّخِذَ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر، منصوب بأن المصدرية ﴿وَلَدًا﴾: مفعول به، وجملة ﴿أَنْ﴾ المصدرية مع صلتها، في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ ﴿أَرادَ﴾، تقديره: لو أراد الله سبحانه، اتخاذه ولدًا لنفسه. ﴿لَاصْطَفى﴾ اللام: رابطة لجواب ﴿لَوْ﴾، ﴿اصطفى﴾: فعل، وفاعل مستتر، يعود على ﴿اللَّهُ﴾، ﴿مِمَّا﴾: متعلق بـ ﴿اصطفى﴾، وجملة ﴿اصطفى﴾ جواب ﴿لَوْ﴾: الشرطية، لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿يَخْلُقُ﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر

стр. 11256

يعود على الله، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، والعائد محذوف تقديره: مما يخلقه. ﴿ما يَشاءُ﴾: ما اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿اصطفى﴾، وجملة ﴿يَشاءُ﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: ما يشاؤه، ﴿سُبْحانَهُ﴾ منصوب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف وجوبًا، تقديره: سبحوه سبحانًا، أو أسبحه سبحانًا. والجملة مستأنفة. ﴿هُوَ اللَّهُ﴾: مبتدأ، وخبر، والجملة مستأنفة. ﴿الْواحِدُ الْقَهَّارُ﴾: نعتان للجلالة، ﴿خَلَقَ السَّماواتِ﴾: فعل، وفاعل مستتر، ومفعول به. والجملة مستأنفة. ﴿وَالْأَرْضَ﴾ معطوف على السموات، ﴿بِالْحَقِّ﴾: حال من الفاعل أو من المفعول، ﴿يُكَوِّرُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله. ﴿اللَّيْلَ﴾: مفعول به، ﴿عَلَى النَّهارِ﴾: متعلق بـ ﴿يُكَوِّرُ﴾، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿خَلَقَ﴾، أو مستأنفة مسوقة لبيان كيفية تصرفه. ﴿وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ معطوفة على نظيرتها. ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر، ومفعول به معطوف على ﴿خَلَقَ السَّماواتِ﴾، ﴿وَالْقَمَرَ﴾: معطوف على الشمس. ﴿كُلٌّ﴾: مبتدأ، وسوّغ الابتداء بالنكرة قصد العموم، وجملة ﴿يَجْرِي﴾: خبره، ﴿لِأَجَلٍ﴾ متعلق بـ ﴿يَجْرِي﴾، ﴿مُسَمًّى﴾: نعت ﴿لِأَجَلٍ﴾. والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿أَلا﴾: حرف استفتاح، ﴿هُوَ الْعَزِيزُ﴾: مبتدأ وخبر. ﴿الْغَفَّارُ﴾: خبر ثان. والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾. ﴿خَلَقَكُمْ﴾: فعل، وفاعل مستتر، ومفعول به، والجملة مستأنفة. ﴿مِنْ نَفْسٍ﴾ متعلق بخلق، ﴿واحِدَةٍ﴾: صفة ﴿نَفْسٍ﴾، ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب، وسيأتي سر العطف بها في البلاغة. ﴿جَعَلَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر، معطوف على ﴿خَلَقَكُمْ﴾، ﴿مِنْها﴾: متعلق بـ ﴿جَعَلَ﴾، ﴿زَوْجَها﴾: مفعول به، ﴿وَأَنْزَلَ﴾: معطوف على خلقكم، ﴿لَكُمْ﴾ حال من ثمانية أزواج، ﴿مِنَ الْأَنْعامِ﴾

стр. 11257

متعلق بـ ﴿أَنْزَلَ﴾، ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ﴾: مفعول به. ﴿يَخْلُقُكُمْ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر، ومفعول به، والجملة مستأنفة أو حال من فاعل ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾. ﴿فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿يَخْلُقُكُمْ﴾، ﴿خَلْقًا﴾: منصوب على المفعولية المطلقة، ﴿مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾: صفة لـ ﴿خَلْقًا﴾ أو متعلق بـ ﴿يَخْلُقُكُمْ﴾، فيكون المصدر لمجرد التأكيد. ﴿فِي ظُلُماتٍ﴾ جار ومجرور، بدل من الجار والمجرور في قوله: ﴿فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾، أو متعلق بـ ﴿خَلْقٍ﴾ المجرور قبله، ﴿ثَلاثٍ﴾: صفة ﴿ظُلُماتٍ﴾، ﴿ذلِكُمُ﴾: مبتدأ، ﴿اللَّهُ﴾: خبر أول، والجملة مستأنفة. ﴿رَبُّكُمْ﴾: خبر ثان، ﴿لَهُ﴾: خبر مقدم. ﴿الْمُلْكُ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل الرفع، خبر ثالث لاسم الإشارة، وجملة ﴿لا إِلهَ إِلَّا هُوَ﴾ خبر رابع له، وقد تقدم إعراب كلمة الشهادة مفصلًا مرارًا، فلا حاجة إلى إعادته. ﴿فَأَنَّى﴾: الفاء: استئنافية. ﴿أنى﴾: اسم استفهام بمعنى كيف، في محل النصب على الحال، مبني على السكون، والعامل فيه ﴿تُصْرَفُونَ﴾، ﴿تُصْرَفُونَ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعل. والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧)﴾. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط. ﴿تَكْفُرُوا﴾: فعل، وفاعل مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية، على كونه فعل شرط لها، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾: الفاء: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا، ﴿إن الله﴾: ناصب واسمه، ﴿غَنِيٌّ﴾: خبره. ﴿عَنْكُمْ﴾: متعلق به، وجملة ﴿إِنْ﴾ في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية، على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿وَلا﴾: ﴿الواو﴾: حالية. ﴿لا﴾: نافية، ﴿يَرْضى﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر، ﴿لِعِبادِهِ﴾ متعلق بـ ﴿يَرْضى﴾، ﴿الْكُفْرَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب، حال من الضمير المستكن في ﴿غَنِيٌّ﴾. ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا﴾: فعل، وفاعل مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها،

стр. 11258

﴿يَرْضَهُ﴾: فعل مضارع، ومفعول به، وفاعل مستتر يعود على ﴿اللَّهَ﴾، مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونه جوابًا لها، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿إِنْ﴾ الأولى. ﴿لَكُمْ﴾ متعلقان به ﴿وَلا تَزِرُ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لا﴾: نافية. ﴿تَزِرُ﴾: فعل مضارع، ﴿وازِرَةٌ﴾: فاعل ﴿وِزْرَ أُخْرى﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية. ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وتراخ، ﴿إِلى رَبِّكُمْ﴾. خبر مقدم، ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾: الفاء: عاطفة، ﴿ينبئكم﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر، ومفعول به، معطوف على الجملة الاسمية قبلها، ﴿بِما﴾ متعلق بـ ﴿ينبئكم﴾، ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾ خبره، وجملة كان صلة لما الموصولة. ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه. ﴿عَلِيمٌ﴾: خبره، بِذاتِ الصُّدُورِ متعلق بـ ﴿عَلِيمٌ﴾. وجملة ﴿إِنْ﴾ مستأنفة، مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ (٨)﴾. ﴿وَإِذا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿إِذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿مَسَّ الْإِنْسانَ﴾: فعل، ومفعول به. ﴿ضُرٌّ﴾: فاعل، والجملة في محل الجر، مضاف إليه لـ ﴿إِذا﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿دَعا رَبَّهُ﴾: فعل، وفاعل مستتر، ومفعول به، والجملة جواب ﴿إِذا﴾، لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إِذا﴾ مستأنفة. ﴿مُنِيبًا﴾: حال من فاعل ﴿دَعا﴾، ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿مُنِيبًا﴾، ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب مع تراخ، ﴿إِذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿خَوَّلَهُ﴾: فعل، وفاعل مستتر، ومفعول به، والجملة في محل الخفض فعل شرط لـ ﴿إِذا﴾. ﴿نِعْمَةً﴾: مفعول ثان، ﴿مِنْهُ﴾: صفة لـ ﴿نِعْمَةً﴾، ﴿نَسِيَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على الإنسان، والجملة جواب ﴿إِذا﴾، لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إِذا﴾ معطوفة على جملة ﴿إِذا﴾ الأولى. ﴿ما﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول نسي. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على

стр. 11259

الإنسان. ﴿يَدْعُوا﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر، ﴿إِلَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿يَدْعُوا﴾، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: متعلق به أيضًا، أو حال من فاعل ﴿يَدْعُوا﴾، وجملة ﴿يَدْعُوا﴾: خبر ﴿كَانَ﴾، وجملة ﴿كانَ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، ويصح أن تكون ﴿ما﴾ مصدرية؛ أي: نسي كونه داعيًا. ﴿وَجَعَلَ﴾: فعل، وفاعل مستتر يعود على الإنسان، معطوف على ﴿نَسِيَ﴾، ﴿لِلَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿جَعَلَ﴾ على كونه مفعولًا ثانيًا له، ﴿أَنْدادًا﴾: مفعول أول لـ ﴿جَعَلَ﴾، ﴿لِيُضِلَّ﴾: اللام لام كي، ﴿يضل﴾: فعل، وفاعل مستتر يعود على الإنسان، منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يضل﴾، وجملة ﴿لِيُضِلَّ﴾: في تأويل مصدر مجرور باللام، ومفعول الإضلال محذوف؛ أي: لإضلاله الناس، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿جَعَلَ﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ، والجملة مستأنفة. ﴿تَمَتَّعْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على الإنسان، والجملة في محل النصب، مقول لـ ﴿قُلْ﴾، ﴿بِكُفْرِكَ﴾ متعلق بـ ﴿تَمَتَّعْ﴾ أو حال من فاعل تمتع؛ أي: ملتبسًا بكفرك، ﴿قَلِيلًا﴾: صفة لمصدر محذوف؛ أي: تمتعًا قليلًا، أو زمان محذوف؛ أي: زمانًا قليلًا. ﴿إِنَّكَ﴾: ناصب واسمه، ﴿مِنْ أَصْحابِ﴾: خبره، ﴿النَّارِ﴾ مضاف إليه، وجملة إن مستأنفة، مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وَقائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾. ﴿أَمَّنْ﴾ ﴿أم﴾: متصلة، ومعادلها محذوف، ﴿من﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ، ﴿هُوَ قانِتٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة صلة ﴿من﴾ الموصولة، وخبر ﴿من﴾ الموصولة محذوف والتقدير: أهذا الكافر خير، أم الذي هو قانت خير، أو منقطعة، بمعنى: بل، وهمزة الاستفهام الإنكاري. و ﴿من﴾: مبتدأ، والخبر محذوف أيضًا، تقديره: بل أمن هو قانت كهذا الكافر لا، والجملة مستأنفة. ﴿آناءَ اللَّيْلِ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿قانِتٌ﴾، ﴿ساجِدًا﴾: حال من الضمير المستكن في ﴿قانِتٌ﴾، ﴿وَقائِمًا﴾: معطوف على ﴿ساجِدًا﴾، وجملة ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾: حال ثالثة، وجملة ﴿وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾: عطف على جملة ﴿يَحْذَرُ﴾. ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (٩) قُلْ

стр. 11260

يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ (١٠)﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر، يعود على محمد ﷺ ، والجملة مستأنفة. ﴿هَلْ﴾: حرف للاستفهام الإنكاري، ﴿يَسْتَوِي الَّذِينَ﴾: فعل، وفاعل، والجملة مقول لـ ﴿قُلْ﴾، وجملة ﴿يَعْلَمُونَ﴾: صلة الموصول، ﴿وَالَّذِينَ﴾: معطوف على الموصول الأول، وجملة ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾: صلة الموصول، والاستفهام إنكاري؛ أي: لا يستويان، وفي الآية تنزيل المتعدي منزلة القاصر. ﴿إِنَّما﴾: أداة حصر، ﴿يَتَذَكَّرُ﴾: فعل مضارع، ﴿أُولُوا الْأَلْبابِ﴾: فاعل، ومضاف إليه، والجملة مستأنفة. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر، والجملة مستأنفة. ﴿يا عِبادِ﴾: منادى مضاف. ﴿الَّذِينَ﴾: صفة للمنادي وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾، وجملة ﴿آمَنُوا﴾: صلة ﴿الَّذِينَ﴾، ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾: فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة في محل النصب مقول قُلْ: على كونها جواب النداء. ﴿لِلَّذِينَ﴾: جار ومجرور خبر مقدم، وجملة ﴿أَحْسَنُوا﴾: صلة الموصول، ﴿فِي هذِهِ﴾: متعلق بـ ﴿أَحْسَنُوا﴾، ﴿الدُّنْيا﴾: بدل من اسم الإشارة. ﴿حَسَنَةٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿إِنَّما﴾: أداة حصر، ﴿يُوَفَّى الصَّابِرُونَ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعل، ﴿أَجْرَهُمْ﴾: مفعول به ثان، ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ حال من الأجر، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣)﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ، والجملة مستأنفة. ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه، ﴿أُمِرْتُ﴾: فعل مغير، ونائب فاعل، والجملة في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ والتقدير: إني مأمور، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿أن﴾: حرف نصب ومصدر، ﴿أَعْبُدَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أن﴾،

стр. 11261

وفاعله ضمير يعود على محمد ﷺ ، ﴿اللَّهَ﴾ مفعول به، وجملة ﴿أن﴾: المصدرية مع صلتها، في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض؛ أي: أمرت بعبادة الله تعالى، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أُمِرْتُ﴾. ﴿مُخْلِصًا﴾ حال من فاعل ﴿أَعْبُدَ﴾. ﴿لَهُ﴾: متعلق بـ ﴿مُخْلِصًا﴾. ﴿الدِّينَ﴾: مفعول به لـ ﴿مُخْلِصًا﴾. ﴿وَأُمِرْتُ﴾: فعل، ونائب فاعل، معطوف على أمرت الأول، ﴿لِأَنْ أَكُونَ﴾: اللام: حرف جر بمعنى الباء، ﴿أن﴾: حرف نصب، ﴿أَكُونَ﴾: فعل مضارع ناقص، منصوب بـ ﴿أن﴾، واسمها ضمير يعود على محمد ﷺ ، ﴿أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ خبرها، والجملة في تأويل مصدر مجرور باللام؛ أي: وأمرت بكوني أول المسلمين من هذه الأمة. ﴿قُلْ﴾ فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ، والجملة مستأنفة. ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿أَخافُ﴾ خبره، وجملة ﴿إن﴾: في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿إن﴾: حرف شرط، ﴿عَصَيْتُ﴾: فعل، وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، وجوابها محذوف تقديره: إن عصيت ربي، أخاف عذابه، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية معترضة بين الفعل ومفعوله على كونها مقولًا لـ ﴿قُلْ﴾، ﴿عَذابَ﴾: مفعول أخاف، ﴿يَوْمٍ﴾: مضاف إليه، ﴿عَظِيمٍ﴾: صفة ﴿يَوْمٍ﴾. ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١٥) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ (١٦)﴾. ﴿قُلِ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر، والجملة مستأنفة. ﴿اللَّهَ﴾: مفعول مقدم، ﴿أَعْبُدُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلِ﴾. ﴿مُخْلِصًا﴾: حال من فاعل أعبد، ﴿لَهُ﴾: متعلق بـ ﴿مُخْلِصًا﴾، ﴿دِينِي﴾: مفعول ﴿مُخْلِصًا﴾، ومضاف إليه. ﴿فَاعْبُدُوا﴾: الفاء: عاطفة، أو فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم عبادتي الله، وأردتم بيان ما أقول لكم .. فأقول لكم: اعبدوا. ﴿أعبدوا﴾: فعل أمر، وفاعل مبني على حذف النون. ﴿ما﴾: اسم موصول في محل النصب مفعوله، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب

стр. 11262

مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿شِئْتُمْ﴾: فعل، وفاعل صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: ما شئتموه. ﴿مِنْ دُونِهِ﴾: جار ومجرور، حال من العائد المحذوف. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ، والجملة مستأنفة. ﴿إِنَّ الْخاسِرِينَ﴾: ناصب واسمه. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: فعل، وفاعل، ومفعول به صلة الموصول. ﴿وَأَهْلِيهِمْ﴾: معطوف على أنفسهم، ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ ظرف متعلق بـ ﴿خَسِرُوا﴾ أو حال من أهليهم، يعني: أزواجهم وخدمهم. ﴿أَلا﴾: حرف استفتاح، ﴿ذلِكَ﴾: مبتدأ، ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل، ﴿الْخُسْرانُ﴾: خبر، ﴿الْمُبِينُ﴾: صفة لـ ﴿الْخُسْرانُ﴾، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم. ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾: حال من ﴿ظُلَلٌ﴾، و ﴿ظُلَلٌ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿مِنَ النَّارِ﴾ صفة لـ ﴿ظُلَلٌ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قُلِ﴾. ﴿وَمِنْ تَحْتِهِمْ﴾: خبر مقدم، ﴿ظُلَلٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة معطوفة على الجملة الاسمية قبلها. ﴿ذلِكَ﴾: مبتدأ، ﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ﴾ فعل، وفاعل، ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يُخَوِّفُ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع، خبر عن اسم الإشارة، والجملة الاسمية مستأنفة، أو في محل النصب مقول ﴿قُلِ﴾. ﴿عِبادَهُ﴾ مفعول به لـ ﴿يُخَوِّفُ﴾، ﴿يا﴾: حرف نداء، ﴿عباد﴾: منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة، اجتزاء عنها بالكسرة، وجملة النداء إما مستأنفة أو مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿فَاتَّقُونِ﴾: الفاء: زائدة لتأكيد الربط بين النداء وجوابه، ﴿اتقون﴾: فعل أمر، وفاعل مبني على حذف النون، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بكسرة نون الوقاية في محل النصب مفعول به، والجملة الفعلية جواب النداء، لا محل لها من الإعراب، أو في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. التصريف ومفردات اللغة ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ﴾ ﴿أَلا﴾ (١): من حروف التنبيه، وهي: ها، وألا،

стр. 11263

وأما، والفرق بين أما، وألا: أن أما: للحال أو للماضي، وألا: للاستقبال، تقول: أما إن زيدا عاقل، تريد أنه عاقل في الحال، ولا تقول: ألا، وتقول: ألا إن زيدا لا يخاف؛ أي: في المستقبل، ولا تقول: أما، والفرق بينهما وبين ها، أنهما لا يدخلان إلا أول الكلام على الجملة بخلاف ها، فتدخل على الضمير وأسماء الإشارة، وإن لم تكن في أول الكلام، وتدخل أما على القسم كثيرا، وألا كثيرا على النداء، إذا تقرر هذا، فهل تكون هنا للاستقبال، مع أن كون الدين لله هو في كل زمان؟ والجواب: أن المراد هنا الاستقبال، بالنسبة لمن يعتنقون الدين الخالص على أنهما يتعاوران؛ أي: تأتي ألا لمجرد الاستفتاح، ولا يكون التنبيه مقصودًا. ﴿زُلْفى﴾؛ أي: تقريبًا. فهو مصدر مؤكد على غير لفظ العامل، ملاق له في المعنى. وعبارة «السمين»: زلفى مصدر مؤكد على غير العامل، ولكنه ملاق لعامله في المعنى، والتقدير: ليزلفوننا زلفى؛ أي: ليقربونا قربى، وجوز أبو البقاء أن يكون حالًا مؤكدة، انتهى. ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ﴾ التكوير في الأصل: اللف، واللي، من كار العمامة على رأسه، وكورها، وفي تكويرهما أوجه، كما قاله الزمخشري: ١ - جعلهما خلفة، يذهب هذا ويغشي مكانه هذا، فكأنما ألبسه، ولف عليه كما يلف اللباس على اللابس. ٢ - كون كل منهما يغيّب الآخر إذا طرأ عليه، فشبه في تغييبه إياه بشيء ظاهر، لف عليه ما غيّبه من مطامح الأبصار. ٣ - إن هذا يكر على هذا كرورًا متتابعًا، فشبه ذلك، بتتابع أكوار العمامة بعضها على إثر بعض، وهو أوفق للاشتقاق، من أشياء قد ذكرت، وقال الراغب: كور الشيء: إدارته، وضم بعضه إلى بعض ككور العمامة، وقوله: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ إشارة إلى جريان الشمس في مطالعها وانتقاص الليل والنهار، وازديادهما، اهـ.

стр. 11264

﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها﴾ إن قلت: كيف (١) عطف بـ ﴿ثُمَّ﴾ مع أن خلق حواء من آدم سابق على خلقنا منه؟ أجيب: بأن ﴿ثُمَّ﴾ هنا للترتيب في الإخبار، لا في الإيجاد، أو المعطوف متعلق بمعنى واحد، فـ ﴿ثُمَّ﴾ عاطفة لا على ﴿خَلَقَكُمْ﴾، فمعناه: خلقكم من نفس أفردت بالإيجاد، ثم شفعت بزوج، أو هو معطوف على ﴿خَلَقَكُمْ﴾ لكن المراد بـ ﴿خلقهم﴾: خلقهم يوم أخذ الميثاق دفعة، لا على هذا الخلق الذي هم فيه الآن بالتوالد والتناسل، وذلك لأن الله تعالى، خلق آدم ﵇ ثم أخرج أولاده من ظهره كالذر، وأخذ عليهم الميثاق، ثم ردهم إلى ظهره ثم خلق منه حواء، اهـ كرخى. ﴿سُبْحانَهُ﴾ مصدر (٢) من سبح إذا بعد؛ أي: تنزه تعالى بالذات عن ذلك الاتخاذ، وعما نسبوا إليه من الأولاد والأولياء، وعلم للتسبيح مقول على ألسنة العباد؛ أي: أسبحه تسبيحًا لائقًا به، أو سبحوه تسبيحًا حقيقًا بشأنه. ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ﴾ ويقال لها: الأزواج الثمانية؛ لأن ذكر كل واحد من هذه الأنواع زوج بأنثاه، وأنثاه زوج بذكره، فيكون مجموع الأزواج ثمانية بهذا الاعتبار، من الضأن: اثنين، ومن المعز: اثنين، ومن الإبل: اثنين، ومن البقر: اثنين. والخيل، والبغال، والحمير خارجة من الأنعام، قال في «بحر العلوم»: الواحد إذا كان وحده فهو فرد، وإذا كان معه غيره، من جنسه، سمي كل واحد منهما زوجًا، فهما زوجان، بدليل قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾، وعند الحساب: الزوج خلاف الفرد، كالأربعة والثمانية في خلاف الثلاثة والسبعة. ﴿فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾؛ أي: في أرحامهن. جمع أم، زيدت الهاء فيه كما زيدت في أهراق من أراق. ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾؛ أي: فكيف تصرفون، وتردون عن ملازمة بابه بالعبودية، إلى باب عاجز مثلكم من الخلق. ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ أصله: يرضاه على أن الضمير عائد إلى الشكر، حذف الألف علامة للجزم. وهو باختلاس ضمة الهاء، عند أهل المدينة وعاصم وحمزة، وبإسكان الهاء، عند أبي

стр. 11265

عمرو، وبإشباع ضمة الهاء عند الباقين. لأنها صارت بخلاف الألف موصولة بمتحرك. ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ والوزر: الحمل الثقيل، ووزره: حمله، والمعنى: ولا تحمل نفس حاملة للوزر حمل نفس أخرى من الذنب والمعصية. ﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ﴾ قال الراغب: المس يقال في كل ما ينال الإنسان من أذى، والضر يقابل بالسراء والنعماء، والضرر بالنفع. ﴿ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ﴾ من التخول، وهو التعهد؛ أي: المحافظة والمراعاة؛ أي: جعله خائل مال من قولهم: فلان خائل ماله إذا كان متعهدا له حسن القيام به. ومن شأن الغني الجواد، أن يراعي أحوال الفقراء. أو من الخول، وهو الافتخار؛ لأن الغني يكون متكبرًا طويل الذيل؛ أي: جعله يخول؛ أي: يختال ويفتخر بالنعمة. ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدادًا﴾ جمع ند، وهو يقال لما يشارك في الجوهر فقط، كما في «المفردات»، وقال في «بحر العلوم»: هو المثل المخالف؛ أي: أمثالًا يعتقد أنها قادرة على مخالفة الله سبحانه، ومضادته. ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الذي هو التوحيد، والسبيل من الطرق ما هو معتاد السلوك، استعير للتوحيد، لأنه موصل إلى الله تعالى ورضاه، قرىء: ﴿ليضل﴾ بفتح الياء؛ أي: ليزداد ضلالًا أو يثبت عليه، وإلا فأصل الضلال غير متأخر عن الجعل المذكور، واللام: لام العاقبة، فإن النتيجة قد تكون غرضا في الفعل، وقد تكون غير غرض، والضلال والإضلال ليسا بغرضين، بل نتيجة الجعل وعاقبته. ﴿آناءَ اللَّيْلِ﴾ جمع إني بكسر الهمزة والقصر كمعي وأمعاء، اهـ شيخنا. وفي «المصباح»: الآناء على أفعال هي الأوقات، وفي واحدها لغتان: أنى مثل: معى بكسر الهمزة والقصر، وأنى بفتح الهمزة والنون، وهو الساعة، وقيل: مفردها إنْيٌ وإنْوٌ، بكسر الهمزة وسكون النون فيهما، يقال: مضى أنوان وأنيان من الليل؛ أي: ساعتان.

стр. 11266

﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ وفي «بحر العلوم»: الفعل منزل منزلة اللازم، ولم يقدر له مفعول؛ لأن المقدر كالمذكور كما سبق، والمعنى: لا يستوي من يوجد فيه حقيقة العلم ومن لا يوجد. ﴿إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ﴾ قال في «المفردات»: توفيةُ الشيء: بذلُه وافيًا كاملًا، واستيفاؤه: تناوله وافيًا. والمعنى: يعطون أجرهم وافيًا بمقابلة ما كابدوا من العسر. ﴿إِنَّ الْخاسِرِينَ﴾؛ أي: الكاملين في الخسران الذي هو عبارة عن إضاعة ما يهمه، وإتلاف ما لا بد منه. وفي «المفردات»: الخسران: انتقاص رأس المال، يستعمل في المال، والجاه، والصحة، والسلامة، والعقل، والإيمان، والثواب، وهو الذي جعل الله سبحانه الخسران. ﴿وَأَهْلِيهِمْ﴾ أصله: أهلين لهم، فحذفت النون للإضافة، واللام للتخفيف، جمع أهل، وأهل الرجل: عشيرته، وذوو قرابته، كما في «القاموس». ويفسر بالأزواج، والأولاد، والعبيد والإماء، وبالأقارب، وبالأصحاب، وبالمجموع كما في «شرح المشارق لابن الملك». ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ﴾ والظلل: جمع ظلة كغرف جمع غرفة، وهي سحابة، تظل، وشيء كهيئة الصفة، وفي «كشف الأسرار»: الظلة: ما أظلك من فوقك. ﴿إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾؛ أي (١): أصحاب العقول الخالصة من شوائب الخلل، والوهم، وفي «المفردات»: الألباب: جمع لب، واللب: العقل الخالص من الشوائب، وسمي بذلك لكونه خالص ما في الإنسان من قواه، كاللباب من الشيء، وقيل: هو ما زكا من العقل، فكل لب عقل، وليس كل عقل لبًا، ولذا علّق الله سبحانه الأحكام، التي لا تدركه إلا العقول الذكية، بأولي الألباب، نحو قوله: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ﴾، ونحو ذلك من الآيات، انتهى.

стр. 11267

البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الإظهار في موضع الإضمار في قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ﴾ بعد قوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾ لتعظيمه، ومزيد الاعتناء بشأنه، ولا تكرار فيه؛ لأن الأول في بيان شأن المنزل، وكونه من عند الله، وهذا في بيان شأن المنزل إليه، وما يجب عليه. ومنها: الإتيان بـ ﴿أَلا﴾ التي للتنبيه والاستفتاح في قوله: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ﴾ إشعارًا بأهمية ما بعدها، وطلبًا للإصغاء إليه. ومنها: التأكيد بالمصدر الملاقي لعامله في المعنى في قوله: ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى﴾؛ أي: قربى. ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾؛ لأن الأصل يحكم بينهم وبين المسلمين، فحذف المقابل إيجازا للكلام، أو اكتفاء بالمذكور. ومنها: الطباق بين ﴿تكفروا، وتشكروا﴾ وبين ﴿يرجو، ويحذر﴾ وبين ﴿فوقهم، وتحتهم﴾ وبين ﴿ضر، ونعمة﴾. ومنها: أسلوب التدريج في قوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ﴾. فإنه عبر (١) عن الأزواج بالإنزال؛ لأنها تكونت بالنبات، والنبات بالماء المنزل، وهذا يسمى التدريج، ومنه: قوله تعالى: ﴿قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباسًا﴾ الآية. ومنها: الجناس المغاير في قوله: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾، وفي قوله: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾، وفي قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾. ومنها: الإيجاز بالحذف، لدلالة السياق عليه، في قوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ

стр. 11268

آناءَ اللَّيْلِ﴾؛ أي: كمن هو كافر جاحد بربه. ومنها: الأمر بالذي يراد به التهديد في قوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾، وفيه إشعار بأن الكفر نوع تشبه لا سند له، وإقناط للكافرين من التمتع في الآخرة، ولذلك علله بقوله: ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ﴾ على سبيل الاستئناف للمبالغة، اهـ «بيضاوي». ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ﴾؛ أي: لا يستوي القانت والكافر. ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾؛ لأن السبيل حقيقة في الطريق المعتاد سلوكه، فاستعير للتوحيد بجامع الإيصال إلى المقصود في كل؛ لأن التوحيد موصل إلى الله تعالى، وإلى رضاه، كما أن السبيل الحقيقي يوصل إلى المقصد. ومنها: الإضافة للتشريف في قوله: ﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. والإضافة للملك، والخلق في قوله: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾. ومنها: التهويل في قوله: ﴿أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ﴾ ففيه تهويل زاجر، فقد جعل الجملة مستأنفة، وصدرها بحرف التنبيه، ووسط ضمير الفصل بين المبتدأ والخبر، وعرّف الخسران كأنه مما تعورف أمره، واشتهر هوله، ووصفه بالمبين، فجعل خسرانهم غايةً في الفظاعة ونهاية في الشناعة. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 11269

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨) أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (٢٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٢١) أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣) أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٥) فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦) وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٩) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر وعيده (١) لعبدة الأصنام .. أردف ذلك بوعد من اجتنبوا عبادتها، وابتعدوا عن الشرك، ليكون الوعد مقترنا بالوعيد، ويحصل بذلك كمال الترغيب والترهيب. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ...﴾ الآية، مناسبة

стр. 11270

هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه لما وصف الآخرة بصفات توجب الرغبة فيها، ومزيد الشوق إليها .. أعقب ذلك بذكر صفات للدنيا، توجب النفرة منها، كسرعة زوالها وتقضيها وشيكًا تحذيرًا من الاغترار بزهرتها، والركون إلى لذتها. فمثَّل حالها بحال نبات، يسقى بماء المطر، فيخرج به زرع مختلف الأصناف والأنواع، وبعد قليل تراه يجف ويصير فتاتًا متكسرًا. فما أسرع زواله، وأيسر تقضّيه. قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما بالغ في ذكر ما يدل على وجوب الإقبال على طاعته سبحانه، والإعراض عن الدنيا .. أردف ذلك ببيان أنه لا ينتفع بهذا إلا من شرح الله صدره، ونوّر قلبه، وأشعر نفسه حب العمل به، ثم أعقبه بذكر أن من أضله الله، فلا هادي له، وأن من يتقي بيديه المخاوف، صيانة لوجهه عن النار، ليس حاله كحال من هو آمن، لا يفكر في مآل أمره، وعاقبة عمله. وبعدئذٍ، ذكر أن هؤلاء المشركين، ليسوا بدعًا في الأمم، فلقد كذب كثير قبلهم، فأتاهم العذاب بغتة من حيث لا يشعرون، فأصيبوا في الدنيا بالذل، والصغار، والقتل، والخسف، ولعذاب الآخرة أشد نكالًا ووبالًا، ثم ذكر أن القرآن قد ضرب الأمثال للناس، بلسان عربي مبين، لعلهم يرعوون، ويزدجرون. قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر الحكمة في ضرب الأمثال للناس، وهي أن تكون عظة، وذكرى لهم، ليتقوا ربهم، ويرعووا عن غيّهم وضلالهم .. أردفه بذكر مثل يرشد إلى فساد مذهب المشركين، وقبح طريقتهم، ووضوح بطلانها، ثم أعقبه ببيان أن الناس جميعًا سيموتون، ثم يعرضون على ربهم، وهناك يستبين المحق والمبطل، والضال والمهتدي، فلا داعي إلى الجدل والخلاف بينك ﵁ وبينهم. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ...﴾ الآية،

стр. 11271

سبب نزولها (١): ما أخرجه جويبر، بسنده عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: لما نزلت: ﴿لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ ...﴾ الآية، أتى رجل من الأنصار إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن لي سبعة مماليك، وإني قد أعتقت لكل باب منها مملوكًا، فنزلت فيه هذه الآية: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ ...﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن أبي حاتم، عن زيد بن أسلم، أن هذه الآية نزلت في ثلاثة نفر، كانوا في الجاهلية يقولون: لا إله إلا الله، زيد بن عمرو بن نفيل، وأبي ذر الغفاري، وسلمان الفارسي. التفسير وأوجه القراءة ١٧ - ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾ والشياطين، وابتعدوا عنها، وتحرجوا ﴿أَنْ يَعْبُدُوها﴾ بدل اشتمال من الشيطان، فإن عبادة غير الله عبادة للشيطان، إذ هو الآمر بها، والمزين لها. قال في «كشف الأسرار»: كل من عبد شيئًا غير الله فهو طاغ، ومعبوده طاغوت. وفي «التأويلات النجمية»: طاغوت كل أحد نفسه، وإنما يجتنب الطاغوت من خالف هواه، وعانق رضى مولاه، ورجع إليه بالخروج عما سواه بالكلية، وقرأ الحسن: ﴿الطواغيت﴾ جمعًا. وفي «القاموس»: الطاغوت: اللات، والعزى، والكاهن، والشيطان، وكل رأس ضلال، والأصنام، وكل ما عبد من دون الله، ومردة أهل الكتاب، انتهى. وقال سهل (٢): الطاغوت: الدنيا، وأصلها الجهل، وفرعها المآكل والمشارب، وزينتها التفاخر، وثمرتها المعاصي، وميراثها القسوة والعقوبة، ويستعمل لفظ الطاغوت في الواحد والجمع، كما يفهم من «القاموس». قال في «بحر العلوم»: وفي قوله: ﴿أَنْ يَعْبُدُوها﴾ إشارة، إلى أن المراد بالطاغوت هاهنا الجمع. ﴿وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ سبحانه، وأقبلوا عليه معرضين عما سواه إقبالًا كليًا، قال في «البحر»: واعلم أن المراد باجتناب الطاغوت: الكفر بها، وبالإنابة إلى الله:

стр. 11272

الإيمان بالله، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى﴾. وقدم اجتناب الطاغوت على الإنابة إلى الله، كما قدم الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله، على وفق كلمة التوحيد «لا إله إلا الله»، حيث قدم نفي وجود الإلهية على إثبات الألوهية لله تعالى، فقوله: ﴿وَالَّذِينَ﴾ مبتدأ، وقوله: ﴿أَنْ يَعْبُدُوها﴾ بدل اشتمال من الطاغوت، وقوله: ﴿وَأَنابُوا﴾ معطوف على ﴿اجْتَنَبُوا﴾. وجملة ﴿لَهُمُ الْبُشْرى﴾ خبر المبتدأ؛ أي (١): والذين اجتنبوا عبادة الطاغوت، ورجعوا إلى عبادة الله تعالى، وأقبلوا عليه معرضين عما سواه، لهم البشرى في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا، فالثناء عليهم بصالح أعمالهم، وعند نزول الموت، وعند الوضع في القبر، وأما في الآخرة فعند الخروج من القبر، وعند الوقوف للحساب، وعند جواز الصراط، وعند دخول الجنة، وفي الجنة، ففي كل موقف من هذه الموافق، تحصل لهم البشارة بنوع من الخير، والراحة، والروح، والريحان، وقيل: لهم البشرى بالثواب والرضوان الأكبر على ألسنة الرسل، بالوحي في الدنيا، أو على ألسنة الملائكة عند حضور الموت، وحين يحشرون، وبعد ذلك، وقال بعضهم: لهم البشرى بأنهم من أهل الهداية والفضل من الله، وهي الكرامة الكبرى. والمعنى (٢): أي والذين اجتنبوا عبادة الأصنام، وأقبلوا إلى ربهم معرضين عما سواه، لهم البشرى، بالثواب العظيم من الله تعالى، على ألسنة رسله حين الموت، وحين يحشرون من قبورهم للحساب. ثم مدحهم، بأنهم نقّاد في الدين، يميزون بين الحسن والأحسن، والفاضل والأفضل، فقال: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ﴾ والأصل عبادي بالياء، فحذفت ١٨ - ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ الحق من كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾؛ أي: محكمه، ويعملون به؛ أي: فبشر يا محمد عبادي الذين اجتنبوا عبادة

стр. 11273

الطاغوت، وأنابوا إلى ربهم، وسمعوا القول فاتبعوا أولاه بالقبول، بالنعيم المقيم في جنات النعيم، وفيه (١) تصريح بكون التبشير من لسان الرسول ﷺ ، وهو تبشير في الدنيا، وأما تبشير الملك فتبشير في الآخرة، كما قال: ﴿لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ﴾، وبالجملة فتبشير الآخرة مرتب على تبشير الدنيا. فمن استأهل الثاني استأهل الأول. قال السدي (٢): يتبعون أحسن ما يؤمرون به، فيعملون بما فيه، وقيل: هو الرجل يسمع الحسن والقبيح، فيتحدث بالحسن، وينكف عن القبح فلا يتحدث، وقيل: يستمعون القرآن وغيره، فيتبعون القرآن، وقيل: يستمعون الرخص والعزائم فيتبعون العزائم ويتركون الرخص، وقيل: يأخذون بالعفو، ويتركون العقوبة، وقيل: إن الآية نزلت في عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، حين جاؤوا إلى أبي بكر الصديق ﵁، فسألوه فأخبرهم بإيمانه، فآمنوا، حكاه المهدوي في «التكملة». فيكون المعنى: يستمعون القول من أبي بكر، فيتبعون أحسنه، وهو قول: «لا إله إلا الله». وفي «كشف الأسرار»: مثال هذا (٣) الأحسن في الدين أن ولي القتيل، إذا طالب بالدم فهو حسن، وإذا عفا ورضي بالدية فهو أحسن، ومن جزى السيئة بالسيئة مثلها فهو حسن، وإن عفا وغفر فهو أحسن، وإن وزن أو كال فهو حسن، وإن أرجح فهو أحسن، وإن اتزن وعدل فهو حسن، وإن طفف على نفسه فهو أحسن، وإن رد السلام فقال: وعليكم السلام فهو حسن، وإن قال عليكم السلام ورحمة الله فهو أحسن، وإن حج راكبًا فهو حسن، وإن فعله راجلًا فهو أحسن، وإن غسل أعضاءه في الوضوء مرة مرة فهو حسن، وإن غسلها ثلاثًا ثلاثًا فهو أحسن، وإن جزى من ظلمه بمثل مظلمته فهو حسن، وإن جازاه بحسنة فهو

стр. 11274

أحسن، وإن سجد أو ركع ساكتًا فهو جائز، وإن فعلهما مسبحًا فهو أحسن. ونظير هذه الآية قوله تعالى لموسى ﵇: ﴿فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها﴾، وقوله: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، انتهى ما في «الكشف». وهذا (١) معنى ما قال بعضهم: يستمعون قول الله فيتبعون أحسنه، ويعملون بأفضله، وهو ما في القرآن من عفو، وصفح، واحتمال على أذى، ونحو ذلك، فالقرآن كله حسن، وإنما الأحسن بالنسبة إلى الآخذ والعامل، قال السيوطي ﵀ في «الإتقان» (٢): اختلف الناس، هل في القرآن شيء أفضل من شيء؟. فذهب الإمام أبو الحسن الأشعري ﵀، وبعض الأئمة الأعلام إلى المنع؛ لأن الجميع كلام الله تعالى، ولئلا يوهم التفضيل نقص المفضل عليه، وذهب آخرون من المحققين، وهو الحق: كلام الله في الله أفضل من كلامه في غيره، فـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ أفضل من ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ﴾؛ لأن فيه فضيلة الذكر، وهو كلام الله، وفضيلة المذكور، وهو اسم ذاته وتوحيده وصفاته الإيجابية والسلبية، وسورة ﴿تَبَّتْ﴾ فيها فضيلة الذكر فقط، وهو كلام الله تعالى، والأخبار الواردة في فضائل القرآن، وتخصيص بعض السور والآيات بالفضل، وكثرة الثواب في تلاوتها لا تُحصى. قال الإمام الغزالي في «جوهر القرآن» (٣): كيف يكون بعض الآيات والسور أشرف من بعض، مع أن الكل كلام الله؟ فاعلم نوّرك الله بنور البصيرة، وقلّد صاحب الرسالة ﵇. فهو الذي أنزل عليه القرآن، وقال: ﴿يس (١)﴾ قلب القرآن، وفاتحة الكتاب أفضل سور القرآن، وآية الكرسي سيدة القرآن ﴿وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ تعدل ثلث القرآن». ومن توقف في تعديل الآيات، أول قوله ﷺ ، أفضل سورة وأعظم سورة، أراد في الأجر والثواب. لا أن بعض القرآن أفضل من بعض، فالكل في فضل الكلام واحد، والتفاوت في الأجر لا في كلام

стр. 11275

الله، من حيث هو كلام الله القديم، القائم بذاته. واعلم (١): أن استماع القول عند العارفين، يجري في كل الأشياء. فالحق تعالى، يتكلم بكل لسان من العرش إلى الثرى، ولا يتحقق بحقيقة سماعه، إلا أهل الحقيقة، وعلامة سماعهم انقيادهم إلى كل عمل مقرب إلى الله من جهة التكليف، المتوجه على الأذن، من أمر أو نهي، كسماعه للعلم والذكر والثناء على الحق تعالى، والموعظة الحسنة، والقول الحسن، والتصامم عن سماع الغيبة والبهتان، والسوء من القول، والخوض في آيات الله، والرفث، والجدل، وسماع القيان، وكل محرم وملاه حجر الشارع عليه سماعه، فإذا كان كذلك كان مفتوح الأذن إلى الله تعالى. ﴿أُولئِكَ﴾ المنعوتون بالمحاسن الجميلة، وهو مبتدأ، خبره قوله: ﴿الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ﴾ سبحانه للدين الحق، والاتصاف بمحاسنه؛ أي: هؤلاء الموصوفون بما ذكرهم، الذين وفقهم الله تعالى للرشاد وإصابة الصواب، لا الذين يعرضون عن سماع الحق، ويعبدون ما لا يضر ولا ينفع. ﴿وَأُولئِكَ﴾ المذكورون ﴿هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾؛ أي: أصحاب العقول السليمة، والفطر المستقيمة التي لا تطيع الهوى، ولا يغلبها الوهم، المستحقون للهداية لا غيرهم، فتختار خير الأمرين في دينها ودنياها. وفي الكلام (٢): دلالة على أن الهداية تحصل بفضل الله تعالى، وقبول النفس لها، يعني: أن لكسب العبد مدخلًا فيها بحسب جري العادة، وفيه إشارة إلى أن أولئك القوم، هم الذين عبروا عن قشور الأشياء، ووصلوا إلى لباب حقائقها. ١٩ - ثم بيّن أضداد المذكورين أولًا، وسجل عليهم الحرمان من الهداية، فقال: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ﴾ ووجب ﴿عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ﴾ وقضاؤه ﴿أَفَأَنْتَ﴾ يا محمد ﴿تُنْقِذُ﴾ وتخرج ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ وهذا بيان لأحوال عبدة الطاغوت بعد بيان أحوال
следующие страницы →