سبب نزولها (١): ما أخرجه جويبر، بسنده عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: لما نزلت: ﴿لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ ...﴾ الآية، أتى رجل من الأنصار إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن لي سبعة مماليك، وإني قد أعتقت لكل باب منها مملوكًا، فنزلت فيه هذه الآية: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ ...﴾ الآية.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن أبي حاتم، عن زيد بن أسلم، أن هذه الآية نزلت في ثلاثة نفر، كانوا في الجاهلية يقولون: لا إله إلا الله، زيد بن عمرو بن نفيل، وأبي ذر الغفاري، وسلمان الفارسي.
التفسير وأوجه القراءة
١٧ - ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾ والشياطين، وابتعدوا عنها، وتحرجوا ﴿أَنْ يَعْبُدُوها﴾ بدل اشتمال من الشيطان، فإن عبادة غير الله عبادة للشيطان، إذ هو الآمر بها، والمزين لها. قال في «كشف الأسرار»: كل من عبد شيئًا غير الله فهو طاغ، ومعبوده طاغوت. وفي «التأويلات النجمية»: طاغوت كل أحد نفسه، وإنما يجتنب الطاغوت من خالف هواه، وعانق رضى مولاه، ورجع إليه بالخروج عما سواه بالكلية، وقرأ الحسن: ﴿الطواغيت﴾ جمعًا. وفي «القاموس»: الطاغوت: اللات، والعزى، والكاهن، والشيطان، وكل رأس ضلال، والأصنام، وكل ما عبد من دون الله، ومردة أهل الكتاب، انتهى. وقال سهل (٢): الطاغوت: الدنيا، وأصلها الجهل، وفرعها المآكل والمشارب، وزينتها التفاخر، وثمرتها المعاصي، وميراثها القسوة والعقوبة، ويستعمل لفظ الطاغوت في الواحد والجمع، كما يفهم من «القاموس». قال في «بحر العلوم»: وفي قوله: ﴿أَنْ يَعْبُدُوها﴾ إشارة، إلى أن المراد بالطاغوت هاهنا الجمع.
﴿وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ سبحانه، وأقبلوا عليه معرضين عما سواه إقبالًا كليًا، قال في «البحر»: واعلم أن المراد باجتناب الطاغوت: الكفر بها، وبالإنابة إلى الله:
стр. 11272
الإيمان بالله، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى﴾. وقدم اجتناب الطاغوت على الإنابة إلى الله، كما قدم الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله، على وفق كلمة التوحيد «لا إله إلا الله»، حيث قدم نفي وجود الإلهية على إثبات الألوهية لله تعالى، فقوله: ﴿وَالَّذِينَ﴾ مبتدأ، وقوله: ﴿أَنْ يَعْبُدُوها﴾ بدل اشتمال من الطاغوت، وقوله: ﴿وَأَنابُوا﴾ معطوف على ﴿اجْتَنَبُوا﴾.
وجملة ﴿لَهُمُ الْبُشْرى﴾ خبر المبتدأ؛ أي (١): والذين اجتنبوا عبادة الطاغوت، ورجعوا إلى عبادة الله تعالى، وأقبلوا عليه معرضين عما سواه، لهم البشرى في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا، فالثناء عليهم بصالح أعمالهم، وعند نزول الموت، وعند الوضع في القبر، وأما في الآخرة فعند الخروج من القبر، وعند الوقوف للحساب، وعند جواز الصراط، وعند دخول الجنة، وفي الجنة، ففي كل موقف من هذه الموافق، تحصل لهم البشارة بنوع من الخير، والراحة، والروح، والريحان، وقيل: لهم البشرى بالثواب والرضوان الأكبر على ألسنة الرسل، بالوحي في الدنيا، أو على ألسنة الملائكة عند حضور الموت، وحين يحشرون، وبعد ذلك، وقال بعضهم: لهم البشرى بأنهم من أهل الهداية والفضل من الله، وهي الكرامة الكبرى.
والمعنى (٢): أي والذين اجتنبوا عبادة الأصنام، وأقبلوا إلى ربهم معرضين عما سواه، لهم البشرى، بالثواب العظيم من الله تعالى، على ألسنة رسله حين الموت، وحين يحشرون من قبورهم للحساب.
ثم مدحهم، بأنهم نقّاد في الدين، يميزون بين الحسن والأحسن، والفاضل والأفضل، فقال: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ﴾ والأصل عبادي بالياء، فحذفت
١٨ - ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ الحق من كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾؛ أي: محكمه، ويعملون به؛ أي: فبشر يا محمد عبادي الذين اجتنبوا عبادة
стр. 11273
الطاغوت، وأنابوا إلى ربهم، وسمعوا القول فاتبعوا أولاه بالقبول، بالنعيم المقيم في جنات النعيم، وفيه (١) تصريح بكون التبشير من لسان الرسول ﷺ ، وهو تبشير في الدنيا، وأما تبشير الملك فتبشير في الآخرة، كما قال: ﴿لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ﴾، وبالجملة فتبشير الآخرة مرتب على تبشير الدنيا. فمن استأهل الثاني استأهل الأول.
قال السدي (٢): يتبعون أحسن ما يؤمرون به، فيعملون بما فيه، وقيل: هو الرجل يسمع الحسن والقبيح، فيتحدث بالحسن، وينكف عن القبح فلا يتحدث، وقيل: يستمعون القرآن وغيره، فيتبعون القرآن، وقيل: يستمعون الرخص والعزائم فيتبعون العزائم ويتركون الرخص، وقيل: يأخذون بالعفو، ويتركون العقوبة، وقيل: إن الآية نزلت في عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، حين جاؤوا إلى أبي بكر الصديق ﵁، فسألوه فأخبرهم بإيمانه، فآمنوا، حكاه المهدوي في «التكملة». فيكون المعنى: يستمعون القول من أبي بكر، فيتبعون أحسنه، وهو قول: «لا إله إلا الله».
وفي «كشف الأسرار»: مثال هذا (٣) الأحسن في الدين أن ولي القتيل، إذا طالب بالدم فهو حسن، وإذا عفا ورضي بالدية فهو أحسن، ومن جزى السيئة بالسيئة مثلها فهو حسن، وإن عفا وغفر فهو أحسن، وإن وزن أو كال فهو حسن، وإن أرجح فهو أحسن، وإن اتزن وعدل فهو حسن، وإن طفف على نفسه فهو أحسن، وإن رد السلام فقال: وعليكم السلام فهو حسن، وإن قال عليكم السلام ورحمة الله فهو أحسن، وإن حج راكبًا فهو حسن، وإن فعله راجلًا فهو أحسن، وإن غسل أعضاءه في الوضوء مرة مرة فهو حسن، وإن غسلها ثلاثًا ثلاثًا فهو أحسن، وإن جزى من ظلمه بمثل مظلمته فهو حسن، وإن جازاه بحسنة فهو
стр. 11274
أحسن، وإن سجد أو ركع ساكتًا فهو جائز، وإن فعلهما مسبحًا فهو أحسن. ونظير هذه الآية قوله تعالى لموسى ﵇: ﴿فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها﴾، وقوله: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، انتهى ما في «الكشف».
وهذا (١) معنى ما قال بعضهم: يستمعون قول الله فيتبعون أحسنه، ويعملون بأفضله، وهو ما في القرآن من عفو، وصفح، واحتمال على أذى، ونحو ذلك، فالقرآن كله حسن، وإنما الأحسن بالنسبة إلى الآخذ والعامل، قال السيوطي ﵀ في «الإتقان» (٢): اختلف الناس، هل في القرآن شيء أفضل من شيء؟. فذهب الإمام أبو الحسن الأشعري ﵀، وبعض الأئمة الأعلام إلى المنع؛ لأن الجميع كلام الله تعالى، ولئلا يوهم التفضيل نقص المفضل عليه، وذهب آخرون من المحققين، وهو الحق: كلام الله في الله أفضل من كلامه في غيره، فـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ أفضل من ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ﴾؛ لأن فيه فضيلة الذكر، وهو كلام الله، وفضيلة المذكور، وهو اسم ذاته وتوحيده وصفاته الإيجابية والسلبية، وسورة ﴿تَبَّتْ﴾ فيها فضيلة الذكر فقط، وهو كلام الله تعالى، والأخبار الواردة في فضائل القرآن، وتخصيص بعض السور والآيات بالفضل، وكثرة الثواب في تلاوتها لا تُحصى.
قال الإمام الغزالي في «جوهر القرآن» (٣): كيف يكون بعض الآيات والسور أشرف من بعض، مع أن الكل كلام الله؟ فاعلم نوّرك الله بنور البصيرة، وقلّد صاحب الرسالة ﵇. فهو الذي أنزل عليه القرآن، وقال: ﴿يس (١)﴾ قلب القرآن، وفاتحة الكتاب أفضل سور القرآن، وآية الكرسي سيدة القرآن ﴿وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ تعدل ثلث القرآن». ومن توقف في تعديل الآيات، أول قوله ﷺ ، أفضل سورة وأعظم سورة، أراد في الأجر والثواب. لا أن بعض القرآن أفضل من بعض، فالكل في فضل الكلام واحد، والتفاوت في الأجر لا في كلام
стр. 11275
الله، من حيث هو كلام الله القديم، القائم بذاته.
واعلم (١): أن استماع القول عند العارفين، يجري في كل الأشياء. فالحق تعالى، يتكلم بكل لسان من العرش إلى الثرى، ولا يتحقق بحقيقة سماعه، إلا أهل الحقيقة، وعلامة سماعهم انقيادهم إلى كل عمل مقرب إلى الله من جهة التكليف، المتوجه على الأذن، من أمر أو نهي، كسماعه للعلم والذكر والثناء على الحق تعالى، والموعظة الحسنة، والقول الحسن، والتصامم عن سماع الغيبة والبهتان، والسوء من القول، والخوض في آيات الله، والرفث، والجدل، وسماع القيان، وكل محرم وملاه حجر الشارع عليه سماعه، فإذا كان كذلك كان مفتوح الأذن إلى الله تعالى.
﴿أُولئِكَ﴾ المنعوتون بالمحاسن الجميلة، وهو مبتدأ، خبره قوله: ﴿الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ﴾ سبحانه للدين الحق، والاتصاف بمحاسنه؛ أي: هؤلاء الموصوفون بما ذكرهم، الذين وفقهم الله تعالى للرشاد وإصابة الصواب، لا الذين يعرضون عن سماع الحق، ويعبدون ما لا يضر ولا ينفع. ﴿وَأُولئِكَ﴾ المذكورون ﴿هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾؛ أي: أصحاب العقول السليمة، والفطر المستقيمة التي لا تطيع الهوى، ولا يغلبها الوهم، المستحقون للهداية لا غيرهم، فتختار خير الأمرين في دينها ودنياها.
وفي الكلام (٢): دلالة على أن الهداية تحصل بفضل الله تعالى، وقبول النفس لها، يعني: أن لكسب العبد مدخلًا فيها بحسب جري العادة، وفيه إشارة إلى أن أولئك القوم، هم الذين عبروا عن قشور الأشياء، ووصلوا إلى لباب حقائقها.
١٩ - ثم بيّن أضداد المذكورين أولًا، وسجل عليهم الحرمان من الهداية، فقال: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ﴾ ووجب ﴿عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ﴾ وقضاؤه ﴿أَفَأَنْتَ﴾ يا محمد ﴿تُنْقِذُ﴾ وتخرج ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ وهذا بيان لأحوال عبدة الطاغوت بعد بيان أحوال
стр. 11276
المجتنبين عنها، والهمزة للاستفهام الإنكاري (١) داخلة على محذوف دل عليه السياق، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، و ﴿مَنْ﴾ شرطية و ﴿حَقَّ﴾ بمعنى: وجب، وثبت، وكلمة العذاب قوله تعالى لإبليس: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)﴾، وكررت الهمزة في الجزاء لتأكيد الإنكار، والفاء فيه فاء الجزاء، ثم وضع موضع الضمير ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ لمزيد تشديد الإنكار والاستبعاد، والتنبيه على أن المحكوم عليه بالعذاب، بمنزلة الواقع في النار، وأن اجتهاده ﷺ في دعائهم إلى الإيمان سعي في إنقاذهم من النار؛ أي: تخليصهم، فإن الإنقاذ: التخليص من الورطة، كما في «المفردات».
والمعنى: أأنت يا محمد مالك أمر الناس، فمن حق وثبت عليه من الكفار عدلًا في علم الله تعالى، كلمة العذاب، فأنت تنقذه من النار بهدايتك ودعوتك؛ أي: لا تقدر أن تهديه، وتنقذه من النار، فالآية جملة واحدة من شرط وجزاء، وفيه (٢) إشارة إلى، أن من حق عليه في القسمة الأولى، أن يكون مظهرًا لصفات قهره إلى الأبد لا تنفعه شفاعة الشافعين، ولا يخرجه من جهنم وسخط الله وطرده وبعده جميع الأنبياء والمرسلين، وإنما الشفاعة للمؤمنين بدليل قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها﴾.
ومعنى الآية (٣): التسلية لرسول الله ﷺ ؛ لأنه كان حريصًا على إيمان قومه، فأعلمه الله تعالى، أن من سبق عليه القضاء وحقت عليه كلمة الله، لا يقدر رسول الله ﷺ أن ينقذه من النار، بأن يجعله مؤمنًا، قال عطاء: يريد: أبا لهب، وولده، ومن تخلف من عشيرة النبي ﷺ عن الإيمان، وفي الآية تنزيل لمن يستحق العذاب منزلة من قد صار فيه، وتنزيل دعائه إلى الإيمان، منزلة الإخراج له من عذاب النار.
والمعنى (٤): أي أأنت مالك شؤون الناس ومصرف أمورهم، فمن حقت
стр. 11277
عليه كلمة العذاب لعدم أهليته للكمال، وتدسيته نفسه بولوغها في الآثام والمعاصي، فأنت تنقذه من النار، كلا ليس أمرهم إليك بل أمرهم إلى ربهم، يجازيهم بحكمته وعدله.
٢٠ - ولما ذكر سبحانه فيما سبق، أن لأهل الشقاوة ظللًا من النار من فوقهم، ومن تحتهم ظللًا، استدرك عنهم من كان من أهل السعادة، فقال: ﴿لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ اليوم باجتنابهم عن الشرك والمعاصي، والزلات، والشهوات، وعبادة الهوى، والركون إلى غير المولى سبحانه، فقد أنقذهم الله تعالى في القسمة الأولى، من أن يحق عليهم كلمة العذاب، وحق لهم أن يكونوا مظهر صفات لطفه، وفضله إلى الأبد، بأن يكون ﴿لَهُمْ غُرَفٌ﴾؛ أي: عُلالي متفاوتة بحسب مقاماتهم في التفوى، جمع غرفة، وهي علّيّة من البناء، وسمي منازل الجنة غرفًا، كما في «المفردات»، لعلوها وارتفاعها ﴿مِنْ فَوْقِها﴾؛ أي: من فوق تلك الغرف ﴿غُرَفٌ﴾؛ أي: علالي أخر؛ أي: لهم علالي ومنازل بعضها فوق بعض، بيّن (١) أن لهم درجات عالية في جنات النعيم، بمقابلة ما للكفرة من دركات سافلة في الجحيم ﴿مَبْنِيَّةٌ﴾ تلك الغرف، الموصوفة بناء المنازل على الأرض الرصانة والإحكام، وإن كانت منازل الدنيا ليست بشيء بالنسبة إليها. وفي «بحر العلوم»: ﴿مَبْنِيَّةٌ﴾ بنيت من زبرجد وياقوت ودر، وغير ذلك من الجواهر، وفيه إشارة بأنها مبنية بأيدي أعمال العاملين، وأحوال السالكين ﴿تَجْرِي﴾ وتسيل ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾؛ أي: من تحت تلك الغرف المنخفضة والمرتفعة ﴿الْأَنْهارُ﴾ الأربعة من غير تفاوت بين العلو والسفل، وفي ذلك كمال لبهجتها، وزيادة لرونقها، وانتصاب ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ على المصدرية المؤكدة لمضمون الجملة قبلها؛ لأن قوله: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ﴾ في معنى الوعد؛ أي: وعدهم الله سبحانه تلك الغرف والمنازل وعدًا، وجملة قوله: ﴿لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ﴾ مقررة للوعد؛ أي: لا يخلف الله ما وعد الفريقين من الخير والشر، والخلف: نقض العهد، وهو على الله محال، والميعاد بمعنى الوعد.
стр. 11278
والمعنى (١): أي لكن الذين اتقوا ربهم بأداء فرائضه، واجتناب محارمه لهم في الجنة غرف؛ أي: طباق فوق طباق، مبنيات محكمات تجري من تحتها الأنهار الأربعة، الجارية في الجنة الماء، واللبن، والخمر، والعسل المصفى، ثم أكد حصول ذلك لهم بقوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ﴾؛ أي: وعد الله هؤلاء المتقين بذلك، ووعده الحق، فهو لا يخلف ما وعدهم، بل يفي بوعده.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن أهل الجنة يتراؤون أهل الغرف من فوقهم، كما يتراؤون الكوكب الدرّي، الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم»، فقالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء، لا يبلغها غيرهم؟ قال: «بلى، والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين» متفق عليه. قوله: «الغابر»؛ أي: الباقي في ناحية المشرق أو المغرب.
وفي الآية دقيقة شريفة (٢): وهي أنه تعالى، لم يذكر في آيات الوعيد البتة، مثل هذا التأكيد، وذلك يدل على أن جانب الوعد أرجح من جانب الوعيد، أما قوله تعالى: ﴿ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ ليس تصريحا بجانب الوعيد، بل هو كلام عام، يتناول الوعد والوعيد، فثبت أن ترجيح الوعد حق، خلافًا للمعتزلة.
٢١ - ولما ذكر سبحانه الآخرة، ووصفها بوصف يوجب الرغبة فيها والشوق إليها .. أتبعه بذكر الدنيا، ووصفها بوصف يوجب الرغبة عنها، والنفرة منها، فذكر تمثيلًا لها في سرعة زوالها، وقرب اضمحلالها، مع ما في ذلك من ذكر نوع من أنواع قدرته الباهرة، وصنعه البديع، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾؛ أي: ألم تعلم يا محمد، أو أيها المخاطب، أو ألم تر أيها الناظر، والاستفهام فيه تقريريّ، والرؤية إما بصرية أو قلبية، والخطاب إما للنبي ﷺ أو عام، وهو أولى؛ أي: ألم تعلم أيها المخاطب ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ﴾؛ أي: من
стр. 11279
السحاب ﴿ماءً﴾؛ أي: مطرًا ﴿فَسَلَكَهُ﴾؛ أي: فسلك ذلك الماء، وأدخله في الأرض؛ أي: أدخل ذلك الماء النازل من السماء في الأرض، وأسكنه فيها، وجعله ﴿يَنابِيعَ﴾؛ أي: عيونًا، وركايًا، ومجاري كائنات ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ كالعروق في الأجساد. قال الشعبي: كل ماء في الأرض فمن السماء نزل. والمعنى (١): أدخل الماء النازل من السماء في الأرض، وجعله فيها عيونًا جارية، أو جعله في ينابيع؛ أي: في أمكنة ينبع منها الماء، فهو على الوجه الثاني منصوب بنزع الخافض، قال مقاتل: فجعله عيونًا، وركايًا في الأرض. ونصب ﴿يَنابِيعَ﴾ إما على الظرفية، أو على الحال، أو على أنه مفعول ثان، لجعل المقدر.
﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ﴾؛ أي: يخرج بذلك الماء من الأرض، وكلمة (٢) ﴿ثُمَّ﴾ للتراخي في الرتبة، أو الزمان ﴿زَرْعًا﴾؛ أي: نباتًا ﴿مُخْتَلِفًا﴾؛ أي: متنوعًا ﴿أَلْوانُهُ﴾؛ أي: صفاته، وكيفياته من الطعوم والروائح، من أصفر وأخضر وأبيض وأحمر وأغبر وأسود، من المر والحالي والطيّب، وغيره، قال في «المفردات»: اللون معروف، وينطوي على الأبيض، والأسود، وغيرهما، وقد يعبر بالألوان عن الأجناس والأنواع؛ أي: مختلفًا أجناسه من بر، وشعير، وأرز، وذرة، أو أنواعه كأنواع الحنطة، والشعير، والذرة. ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ ذلك الزرع النابت بالماء، وييبس، يقال: هاج النبت إذا تم جفافه؛ لأنه إذا تم جفافه حان له أن يثور من منبته. ﴿فَتَراهُ﴾؛ أي: فتبصر أيها المخاطب ذلك النبت من يبسه ﴿مُصْفَرًّا﴾ بعد خضرته، ونضرته؛ أي: تراه ذا صفرة، والصفرة: لون بين البياض والسواد، كما سيأتي في مبحث اللغة، ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ﴾؛ أي: يجعل الله سبحانه ذلك النبت اليابس ﴿حُطامًا﴾؛ أي: فتاتًا متكسرًا، كأن لم يغن بالأمس، يقال: تحطم العود إذا تفتت من اليبس، ولكون هذه الحالة من الآثار القوية، علّقت بجعل الله تعالى كالإخراج، وعبّر هنا بلفظ ﴿يَجْعَلُهُ﴾، وفي الحديد بلفظ (يكون) موافقةً في كل منهما لما قبله، اهـ من «فتح الرحمن».
стр. 11280
وقرأ الجمهور (١): ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ﴾ بالرفع عطفًا على ما قبله، وقرأ أبو بشر: بالنصب بإضمار ﴿أن﴾، ولا وجه لذلك.
﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ المذكور مفصلًا ﴿لَذِكْرى﴾؛ أي: لتذكيرًا عظيمًا ﴿لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾؛ أي: لأصحاب العقول الخالصة من شوائب الخلل، وتنبيهًا لهم على حقيقة الحال، يتذكرون بذلك، أن حال الحياة الدنيا في سرعة التقضي والإنصرام، كما يشاهدونه من حال الحطام كل عام، فلا يغترون ببهجتها، ولا يفتنون بفتنها.
قال في «كشف الأسرار»: الإشارة في هذه إلى أن الإنسان يكون طفلًا، ثم شابًا ثم كهلًا، ثم شيخًا ثم يصير إلى أرذل العمر، ثم آخره يحترم، ويقال: إن الزرع ما لم يؤخذ منه الحب الذي هو المقصود منه، لا يكون له قيمة، كذلك الإنسان ما لم يخل من نفسه، لا يكون له قدر ولا قيمة، انتهى.
فالمعنى (٢): إنك أيها الرسول لتشاهد الماء، وقد نزل من السماء، فجرى عيونًا في الأرض، فسُقيت به أنواع مختلفة، من النبات من بر إلى شعير إلى أرز إلى نحو ذلك، ثم نضجت وجفت وصارت مصفرة بعد خضرة ونضرة، ثم صارت فتاتًا متكسرةً، فما أشبه حال الدنيا بحالها، فهي سريعة التقضي، وشيكة الزوال، فليعتبر بذلك أولو الحجا، وليعلموا أن الدنيا كسوق قام ثم انفض، ولا يغتروا ببهجتها، ولا يفتنوا بزخرفها، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥)﴾.
٢٢ - ثم لما ذكر سبحانه، أن في ذلك لذكرى لأولي الألباب، ذكر شرح الصدر للإسلام؛ لأن الانتفاع الكامل لا يحصل إلا به، فقال: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾ والهمزة (٣) فيه للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف دل عليه
стр. 11281
السياق، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، و ﴿مِنْ﴾ شرطية، جوابها قوله: ﴿فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ أو موصولة خبرها محذوف، دل عليه قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ﴾. والتقدير: أكل الناس سواء، فمن وسّع الله صدره للإسلام فقبله، واهتدى بهديه ﴿فَهُوَ﴾ بسبب ذلك الشرح ﴿عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ يفيض عليه كمن قسا قلبه لسوء اختياره، فصار في ظلمات الضلالة، وبليات الجهالة، والمراد بشرح الصدر: خلقه متسع الصدر مستعدًا للإسلام، فبقي على الفطرة الأصلية، ولم يتغير بالعوارض المكتسبة القادمة فيها، فهو بسبب ذلك، مستقر على نور عظيم من ربه، والمراد بالنور: اللطف الإلهي الفائض عليه عند مشاهدة الآيات التكوينية والتنزيلية، والتوفيق للاهتداء بها إلى الحق؛ أي: كمن قسا قلبه، وحرّج صدره، بسبب تبديل فطرة الله بسوء اختياره، واستولت عليه ظلمات الغي، والضلالة، فأعرض عن تلك الآيات بالكلية، حتى لا يتذكر بها، ولا يغتنمها كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾. يعني ليس من هو على نور، كمن هو على ظلمة، فلا يستويان كما لا يستوي النور والظلمة، والعلم والجهل.
واعلم (١): أنه لا نور ولا سعادة لمسلم، إلا بالعلم والمعرفة، ولكل واحد من المؤمنين معرفة تختص به، وإنما تتفاوت درجاتهم بحسب تفاوت معارفهم، والإيمان والمعارف أنوار، فمنهم من يضيء نوره جميع الجهات، ومنهم من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه، فإيمان آحاد العوام نوره كنور الشمع، وبعضهم نوره كنور السراج، وإيمان الصديقين نوره كنور القمر، والنجوم على تفاوتها، وأما الأنبياء فنور إيمانهم كنور الشمس وأزيد، فكما ينكشف في نورها كل الآفاق مع اتساعها، ولا ينكشف في نور الشمع إلا زاوية ضيقة من البيت، كذلك يتفاوت انشراح الصدور بالمعارف، وانكشاف سعة الملكوت لقلوب المؤمنين، ولهذا جاء في الحديث: أنه يقال يوم القيامة: أخرجوا من النار من في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، ونصف مثقال، وربع مثقال، ففيه تنبيه على تفاوت درجات الإيمان،
стр. 11282
وبقدره تظهر الأنوار يوم القيامة في المواقف، خصوصًا عند المرور على الصراط.
والمعنى (١): أي أفمن دخل نور الإسلام قلبه، وانشرح صدره له، لما رأى فيه من البدائع والعجائب، المهيئة للحكمة الممهدة لقبول الحق، والموصلة إلى الرشاد، كمن طبع على قلبه لغفلته وجهالته، وقد روي: أن علامة ذلك الانشراح الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل حلول الموت.
والخلاصة: هل يستوي من أنار الله بصيرته، ومن هو قاسي القلب بعيد عن الحق؟. ونحو الآية قوله: ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها﴾.
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود، قال: تلا النبي ﷺ هذه الآية، فقلنا: يا نبي الله، كيف انشراح صدره؟ قال: «إذا دخل النور القلب، انشرح وانفسح»، قلنا: فما علامة ذلك يا رسول الله؟ قال: «الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والتأهب للموت قبل نزول الموت». وأخرج الترمذي عن ابن عمر، أن رجلا قال: يا رسول الله، أي المؤمنين أكيس؟ قال: «أكثرهم ذكرا للموت، وأحسنهم له استعدادا، وإذا دخل النور في القلب انفسح واستوسع»، فقالوا: ما آية ذلك يا نبي الله؟ قال: «الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت».
ثم ذكر ما يدل على المحذوف الذي قدّر في الجملة السابقة، فقال: ﴿فَوَيْلٌ﴾ شديد، وهلاك عظيم، وخسران مبين، كائن وثابت ﴿لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾؛ أي: للذين قست، وغلظت قلوبهم ﴿مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ سبحانه؛ أي: من أجل ذكره الذي حقه أن تنشرح له الصدور، وتطمئن به القلوب؛ أي: إذا ذكر الله تعالى عندهم، وآياته اشمأزوا من أجله، وازدادت قلوبهم قساوة، كقوله تعالى:
стр. 11283
﴿فَزادَتْهُمْ رِجْسًا﴾.
فإن قلت (١): كيف يقسو القلب عن ذكر الله، وهو سبب لحصول النور والهداية؟.
قلت: إنهم كلما تلي ذكر الله على الذين يكذبون به .. قست قلوبهم عن الإيمان به، قيل: إن النفس إذا كانت خبيثة الجوهر، كدرة العنصر بعيدة عن قبول الحق، فإن سماعها لذكر الله لا يزيدها إلا قسوة، وكدورة، كحر الشمس، يلين الشمع ويعقد الملح، فكذلك القرآن يلين المؤمنين عند سماعه، ولا يزيد الكافرين إلا قسوةً، قال مالك بن دينار: ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب، وما غضب الله تعالى على قوم إلا نزع منهم الرحمة، وقرىء ﴿عن ذكر الله﴾؛ أي: فويل للذين غلظت قلوبهم عن قبول ذكر الله، وقال الزجاج، والفراء: ﴿مِنْ﴾ في القراءة المشهورة بمعنى، عن أي: عن ذكر الله، يقال: أتخمت عن طعام: أكلته، ومن طعام أكلته، وهذا الأخير أوضح، وأولى، كما قاله الشوكاني، وقال الله ، لموسى ﵇ في مناجاته: يا موسى لا تطل في الدنيا أملك فيقسو قلبك، والقلب القاسي مني بعيد، وكن خلق الثياب، جديد القلب، تخف على أهل الأرض، وتعرف في أهل السماء، وفي الحديث: تورث القسوة في القلب ثلاث خصال حب الطعام، وحب النوم، وحب الراحة. وفي الحديث أيضًا: «أفضلكم عند الله أطولكم جوعًا وتفكرًا، وأبغضكم إلى الله كل أكول شروب نؤوم، كلوا واشربوا في أنصاف البطون، فإنه جزء من النبوة».
﴿أُولئِكَ﴾ البعداء الموصوفون، بما ذكر من قساوة القلب ﴿فِي ضَلالٍ﴾ بعيد عن الحق ﴿مُبِينٍ﴾ ظاهر كونه ضلالًا للناظر بأدنى نظر.
واعلم (٢): أنّ الآية عامة فيمن شرح صدره للإسلام، بخلق الإيمان فيه، وقيل: نزلت في حمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب ﵄، وأبي لهب، وولده، فحمزة وعلي ممن شرح الله صدرهما للإسلام، وأبو لهب
стр. 11284
وولده من الذين قست قلوبهم، فالرحمة للمشروح صدره، والغضب للقاسي قلبه.
٢٣ - ثم ذكر سبحانه بعض أوصاف كتابه العزيز، فقال: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ هو القرآن الكريم الذي لا نهاية لحسنه، ولا غاية لجمال نظمه وملاحة معانيه، وهو أحسن مما نزل على جميع الأنبياء والمرسلين، وأكمله وأكثره أحكامًا، وأيضا أحسن الحديث لفصاحته وإعجازه، وأيضا لأنه كلام الله، وهو قديم، وكلام غيره مخلوق محدث، وأيضًا لكونه صدقًا كله إلى غير ذلك، سمي حديثًا لأن النبي ﷺ كان يحدث به قومه، ويخبرهم بما ينزل عليه منه، فلا يدل على حدوث القرآن، فإن الحديث في عرف العامة: الخبر، والكلام. والمعنى: إن فيه مندوحةً عن سائر الأحاديث، وعبر بنزل دون أنزل إشعارًا بأنه متكرر النزول بحسب الوقائع.
﴿كِتابًا﴾ بدل من ﴿أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾، ويحتمل أن يكون حالًا منه ﴿مُتَشابِهًا﴾ معانيه في الصحة، والحسن، والإحكام، والابتناء على الحق والصدق، واستتباع منافع الخلق في المعاد والمعاش، وتناسب ألفاظه في الفصاحة، وتجاوب نظمه في الإعجاز، وبلوغه إلى أعلى درجات البلاغة، وقال قتادة: يشبه بعضه بعضًا في الآي، والحروف، وقيل: يشبه كتب الله المنزلة على أنبيائه. ﴿مَثانِيَ﴾ صفة أخرى لكتابًا؛ أي: تثنى فيه القصص، وتتكرر فيه المواعظ والأحكام، وقيل: يثنى في التلاوة، فلا يمل سامعه، ولا يسأم قارئه.
وقرأ الجمهور (١): ﴿مَثانِيَ﴾ بفتح الياء، وهشام، وابن عامر، وأبو بشر بسكون الياء، فاحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف، واحتمل أن يكون منصوبًا، وسكنت الياء على قول من سكن الياء، في كل الأحوال، لانكسار ما قبلها استثقالًا للحركة عليها، ووصف (٢) الواحد، وهو الكتاب بالجمع، وهو المثاني باعتبار تفاصيله، كما يقال: القرآن سور وآيات، والإنسان عروق وعظام وأعصاب، وهو جمع مثنى بضم الميم وتشديد النون، بمعنى مردد ومكرر، لما
стр. 11285
ثني من قصصه، وأنبائه، وأحكامه، وأوامره، ونواهيه، ووعده، ووعيده، ومواعظه، أو لأنه ثني في التلاوة فلا يمل، كما جاء في نعته: لا يخلق على كثرة التردد؛ أي: لا يزول رونقه، ولذة قراءته، واستماعه من كثرة ترداده على ألسنة التالين، وتكراره على آذان المستمعين، وأذهان المتفكرين، على خلاف ما عليه كلام المخلوق، وفي القصيدة البردية:
فَلا تُعَدُّ وَلا تُحْصَى عَجَائِبُهَا ... وَلا تُسَامُ عَلَى الإِكْثَارِ بالسَّأَمِ
أي: لا تقابل آيات القرآن مع الإكثار بالملال.
وقوله: ﴿تَقْشَعِرُّ﴾؛ أي: تتقبض، وتتجمع؛ أي: تضطرب، وترتعد ﴿مِنْهُ﴾؛ أي: من استماعه ﴿جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ﴾ ويخافون ﴿رَبَّهُمْ﴾؛ أي: عذابه عند استماع وعيده، كلام مستأنف، مسوق لبيان آثاره الظاهرة في سامعيه، بعد بيان أوصافه في نفسه، وتقرير كونه أحسن الحديث، يقال: اقشعر جلده: أخذته قشعريرة؛ أي: رعدة، كما في «القاموس». والجلد: قشر البدن كما في «المفردات». وقال بعضهم: أصل الاقشعرار تغير، كالرعدة يحدث في جلد الإنسان عند الوجل والخوف. وفي «الإرشاد»: الاقشعرار: التقبض. يقال: اقشعر الجلد إذا تقبض تقبضًا شديدًا، وتركيبه من القشع، وهو الأديم اليابس، قد ضم إليه الراء ليكون باعثًا ودالًا على معنى زاد، يقال: اقشعر جلده ووقف شعره إذا عرض له خوف شديد، من منكر حائل وهمه بغتةً.
والمراد: إما بيان إفراط خشيتهم بطريق التمثيل والتصوير، أو بيان حصول تلك الحالة وعروضها لهم بطريق التحقيق، وهو الظاهر، إذ هو موجود عند الخشية محسوس يدركه الإنسان من نفسه، وهو يحصل من التأثر القلبي فلا ينكر.
والمعنى: إنهم إذا سمعوا بالقرآن، وقوارع آيات وعيده أصابتهم هيبة وخشية، تقشعر منها جلودهم؛ أي: يعلوها أي: يعلوها قشعريرة ورعدة.
﴿ثُمَّ﴾ إذا ذكروا رحمة الله سبحانه، وعموم مغفرته عند سماع وعده ﴿تَلِينُ
стр. 11286
جُلُودُهُمْ﴾؛ أي: لانت أبدانهم ﴿وَقُلُوبُهُمْ﴾؛ أي: نفوسهم ﴿إِلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ، واللين: ضد الخشونة، ويستعمل ذلك في الأجسام، ثم يستعار للخلق ولغيره من المعاني، والجلود: عبارة عن الأبدان والقلوب عن النفوس؛ أي: ثم إذا ذكروا رحمة الله، وعموم مغفرته لانت أبدانهم، واطمأنت قلوبهم إلى ذكر الله ووعده للمؤمنين، وزال عنها ما كان بها من الخشية، والقشعريرة، بسبب سماع وعيده، بأن تبدلت خشيتهم رجاء، ورهبتهم رغبة، وتعدية اللين بـ ﴿إِلى﴾ لتضمنه معنى السكون والاطمئنان، كأنه قيل: تسكن وتطمئن إلى ذكر الله، لينة غير منقبضة، راجية غير خاشعة، أو تلين ساكنة مطمئنة إلى ذكر الله، على أن المتضمن بالكسر يقع حالًا من المتضمن بالفتح، وإنما أطلق ﴿ذِكْرِ اللَّهِ﴾، ولم يصرح بالرحمة إيذانًا بأنها أول ما يخطر بالبال عند ذكره تعالى.
فإن قلت (١): لم ذكرت الجلود وحدها أولًا، ثم قرنت بها القلوب ثانيًا؟.
قلت: لتقدم الخشية التي هي من عوارض القلوب، فكأنه قيل: تقشعر جلودهم من آيات الوعيد، وتخشى قلوبهم من أول وهلة، فإذا ذكروا الله، ومبنى أمره على الرأفة والرحمة، استبدلوا بالخشية رجاء في قلوبهم، والقشعريرة لينا في جلودهم، فالجملتان إشارة إلى الخوف والرجاء أو القبض والبسط.
والمعنى (٢): أي الله أنزل أحسن الحديث قرآنًا كريمًا يشبه بعضه بعضًا، في الصدق والبيان والوعظ والحكمة، كما تتشابه أجزاء الماء والهواء، وأجزاء النبات والزهر، تثني وتردد قصصه وأنباءه، وأوامره ونواهيه، ووعده ووعيده إذا تليت منه آيات العذاب اقشعرت الجلود، ووجلت القلوب، وإذا تليت آيات الرحمة والوعد لانت الجلود، وسكنت القلوب، واطمأنت النفوس، قال الزجاج: إذا ذكرت آيات العذاب، اقشعرت جلود الخائفين لله، وقال العباس بن عبد المطلب: قال النبي ﷺ : «من اقشعر جلده من خشية الله، تحاتت عنه ذنوبه، كما يتحات عن الشجرة اليابسة ورقها»، وقال ابن عمر: وقد رأى ساقطا من
стр. 11287
سماع القرآن فقال: إنا لنخشى الله، وما نسقط هؤلاء يدخل الشيطان في جوف أحدهم، وقالت أسماء بنت أبي بكر: كان أصحاب رسول الله ﷺ تدمع أعينهم، وتقشعر جلودهم عند سماع القرآن، قيل لها: إن قومًا اليوم إذا سمعوا القرآن، خر أحدهم مغشيًا عليه، فقالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وقال ابن سيرين: بيننا وبين هؤلاء الذين يصرعون عند قراءة القرآن، أن يجعل أحدهم على حائط باسطا رجليه، ثم يقرأ عليه القرآن كله، فإن رمى بنفسه فهو صادق والإشارة في قوله ﴿ذلِكَ﴾ إلى الكتاب الموصوف بتلك الصفات، و ﴿هُدَى اللَّهِ﴾ خبره؛ أي: ذلك الكتاب الذي شرح أحواله هدى الله سبحانه ﴿يَهْدِي بِهِ﴾؛ أي: بذلك الكتاب ﴿مَنْ يَشاءُ﴾ أن يهديه من المؤمنين المتقين كما قال: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ لصرف مقدوره إلى الاهتداء، بتأمله فيما في تضاعيفه من الشواهد الخفية، ودلائل كونه من عند الله تعالى، أو إلى ذينك الوصفين من الاقشعرار واللين؛ أي: ذلك المذكور أثر هداية الله تعالى؛ أي: ذلك الخوف من عذاب الله، والرجاء في رحمته علامة هداية الله، وتوفيقه للإيمان.
﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾؛ أي: يخلق فيه الضلالة لصرف قدرته إلى مباديها، وإعراضه عما يرشده إلى الحق بالكلية، وعدم تأثره بوعده ووعيده أصلًا ﴿فَما لَهُ﴾؛ أي: لذلك الضال ﴿مِنْ هادٍ﴾ يهديه إلى الحق، ويخلصه من ورطة الضلال. وفي «التأويلات النجمية»: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ بأن يكله إلى نفسه وعقله، ويحرمه من الإيمان بالأنبياء ومتابعتهم، وقرأ الجمهور: ﴿مِنْ هادٍ﴾ بغير ياء. وقرأ ابن كثير، وابن محيصن بالياء.
٢٤ - والهمزة (١) في قوله: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ﴾ للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف معلوم من السياق، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، و ﴿مَنْ﴾ موصولة، والخبر محذوف، والتقدير: أكل الناس سواء، فمن شأنه وهو الكافر أن يتقي نفسه، ويحفظها بوجهه الذي هو أشرف أعضائه. ﴿سُوءَ الْعَذابِ﴾؛ أي:
стр. 11288
العذاب السيء الشديد ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ لكون يده التي بها كان في الدنيا يتقي المكاره، والمخاوف مغلولة إلى عنقه كمن هو آمن من العذاب لا يعتريه مكروه، ولا يحتاج إلى الاتقاء بوجه من الوجوه؛ أي: لا يستويان، فإن الأول في النار، والثاني في الجنة، قال الزجاج: المعنى: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب، كمن يدخل الجنة، قال عطاء، وابن زيد: يُرمى به مكتوفًا في النار، فأول شيء تمس النار منه وجهه، وقال مجاهد: يجر على وجهه في النار، وقال الأخفش: المعنى: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب أفضل أمّن سعد.
ثم ذكر ما ينال الكفار والعاصين، من الإهانة في ذلك اليوم. فقال: ﴿وَقِيلَ﴾ تهكمًا واستهزاءً ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾؛ أي: تقول الخزنة لمن ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي: ﴿ذُوقُوا﴾؛ أي: باشروا ﴿ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾؛ أي: وبال ما كسبت في الدنيا، ودسيتم به أنفسكم، حتى أوقعتموها في الهاوية النار الحامية، وجملة ﴿قِيلَ﴾ معطوفة على جملة ﴿يَتَّقِي﴾، وصيغة الماضي للدلالة على التحقيق، ووضع المظهر موضع المضمر للتسجيل عليهم بالظلم، والإشعار بعلة الأمر في قوله: ﴿ذُوقُوا﴾.
وعبارة «المراح» هنا: وتقدير (١) الكلام: أكل الناس سواء، فمن يجعل وجهه قائما مقام الدرقة، يقي به نفسه العذاب الشديد يوم القيامة، وتقول لهم خزنة النار: ذوقوا عذاب ما كنتم تكسبونه في الدنيا، كمن هو آمن من العذاب؛ أي: لا يستويان.
قيل (٢): يلقى الكافر في النار مغلولة يداه إلى عنقه، وفي عنقه صخرة من كبريت، مثل الجبل العظيم، فتشتعل النار فيها وهي في عنقه، فحرها على وجهه، لا يطيق دفعها عنه، للأغلال التي في يديه وعنقه، قيل: نزلت هذه الآية في أبي جهل، وأضرابه.
٢٥ - ثم أخبر سبحانه عن حال من قبلهم من الكفار، فقال: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ
стр. 11289
قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: من قبل الكفار المعاصرين لمحمد ﷺ ، من الأمم السابقة؛ أي: كذبوا أنبياءهم كما كذبك قومك ﴿فَأَتاهُمُ الْعَذابُ﴾ المقدر لكل أمة منهم ﴿مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾؛ أي: من الجهة التي لا يحتسبون، ولا يخطر ببالهم إتيان العذاب والشر، منها بيناهم آمنون رافهون، إذ فوجئوا من مأمنهم. فمعنى: من حيث لا يشعرون آتاهم العذاب، وهم آمنون في أنفسهم غافلون عن العذاب، وقيل: معناه: لا يعرفون له مدفعًا ولا مردًا. وفي «التأويلات النجمية»؛ أي: أتاهم العذاب في صورة الصحة والنعمة، والسرور وهم لا يشعرون أنه العذاب، وأشد العذاب ما يكون غير متوقع
٢٦ - ﴿فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: أذاق الله سبحانه، الذين من قبلهم ﴿الْخِزْيَ﴾؛ أي: الذل والهوان والصغار، يعني: أحسوا به إحساس الذائق المطعوم ﴿فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ بيان لمكان إذاقة الخزي، وذلك الخزي كالمسخ، والخسف، والغرق، والقتل، والسبي، والإجلاء، ونحو ذلك من فنون النكال، وهو العذاب الأدنى ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ﴾ المعد لهم ﴿أَكْبَرُ﴾ وأشد وأنكى من عذاب الدنيا، لعظمه ودوامه ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: لو كانوا ممن يعلم الأشياء، ويتفكر فيها، ويعمل بمقتضى علمه، لعلموا (١) ذلك، واعتبروا به، وما عصوا الله ورسوله، وخلصوا أنفسهم من العذاب، فعلى العاقل أن يرجع إلى ربه بالتوبة والإنابة، كي يتخلص من عذاب الدنيا والآخرة، وعبارة «أبي السعود»: لو كانوا يصدقون، ويوقنون بعذاب الآخرة، ما كذبوا رسلهم في الدنيا، اهـ. وعن الشبلي ﵀ قال: قرأت أربعة آلاف حديث، ثم اخترت منها واحدًا، وعملت به، وخليت ما سواه، لأني تأملته فوجدت خلاصي ونجاتي فيه، وكان علم الأولين والآخرين مندرجًا فيه، وذلك أن رسول الله ﷺ قال لبعض أصحابه: «اعمل لدنياك بقدر مقامك فيها، واعمل لآخرتك بقدر بقائك فيها، واعمل لله بقدر حاجتك إليه، واعمل للنار بقدر صبرك عليها»، فإذا كان الصبر على النار غير ممكن للإنسان الضعيف .. فليسلك طريق النجاة، المبعدة عن النار، الموصلة إلى الجنات، وأعلى الدرجات.
стр. 11290
٢٧ - ثم بيّن أن فيما قصه القرآن عليهم من الأمثال، والمواعظ، عبرة لهم لو كانوا يعقلون، فقال: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لقد بيّنا، وأوضحنا ﴿لِلنَّاسِ﴾؛ أي: لأهل مكة، والمراد (١) بالناس: أهل مكة، كما في «الوسيط»، ويعضّده ما قاله بعضهم: من أن الخطاب بقوله: ﴿يا أيها الناس﴾ في كل ما وقع في القرآن لأهل مكة، والظاهر: التعميم لهم، ولمن جاء بعدهم إلى يوم القيامة؛ أي: أوضحنا وبيّنا لهم ﴿فِي هذَا الْقُرْآنِ﴾ الكريم الحكيم ﴿مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾؛ أي: كل صفة غريبة عجيبة، هي في غرابتها وحسنها كالمثل السائر، وقصصنا عليهم كل قصة عجيبة الشأن، كقصة الأولين وقصة المبعوثين يوم القيامة، وغير ذلك. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ به، ويتعظون
٢٨ - وقوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾؛ أي: نزل بلغة العرب، حال مؤكدة من ﴿هذَا الْقُرْآنِ﴾ على أن مدار التأكيد هو الوصف؛ أي: المؤكد في الحقيقة هو الوصف، ومفهومه. وبعضهم جعل القرآن توطئة للحال التي هي عربيًا، والحال الموطئة اسم جامد، موصوف بصفة هي الحال في الحقيقة، ويجوز أن ينتصب على المدح؛ أي: أريد بهذا القرآن قرآنًا عربيًا ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾؛ أي: لا اختلاف فيه بوجه من الوجوه، ولا تناقض، ولا عيب، ولا خلل، والفرق (٢) بينه بالفتح وبينه بالكسر: أن كل ما ينتصب كالحائط، والجدار، والعود فهو عوج بفتح العين، وكل ما كان في المعاني والأعيان الغير المنتصبة فهو بكسرها، ولذا قال أهل التفسير: لم يقل مستقيمًا أو غير معوج مع أنه أخصر لفائدتين:
إحداهما: نفي أن يكون فيه عوج ما بوجه من الوجوه لما قال: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾.
والثانية: أن لفظ العوج مختص بالمعاني دون الأعيان، وقيل: غير ذي لبس، وقيل: غير ذي لحن، وقيل: غير ذي شك. كما قال الشاعر:
وَقَدْ أَتَاكَ يَقِيْنٌ غَيْرُ ذِيْ عِوَجٍ ... مِنْ الإِلَهِ وَقَوْلٌ غَيْرُ مَكْذُوْبِ
стр. 11291
وقال ابن عباس ﵄: غير ذي عوج؛ أي: غير مخلوق، وذلك لأن كونه مقروءًا بالألسنة، ومسموعًا بالآذان، ومكتوبًا في الأوراق، ومحفوظًا في الصدور لا يقتضي مخلوقيته، إذ المراد: كلام الله القديم القائم بذاته. وفي حقائق البقلي: قرآنًا قديمًا ظهر من الحق على لسان حبيبه، لا يتغير بتغير الزمان، ولا يرهقه غبار الحدثان، لا تعوجه الحروف، ولا تحيط به الظروف، وفي «بحر الحقائق»: صراطًا مستقيمًا إلى حضرتنا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾؛ أي: لكي يتقوا بالقرآن عما نهاهم الله تعالى، علة أخرى مترتبة على الأولى، فإن المصلحة في ضرب الأمثال هو التذكر والاتعاظ بها أولًا، ثم تحصيل التقوى، والمعنى: لعلهم يعملون عمل أهل التقوى في المحافظة على حدود الله تعالى في القرآن، والاعتبار بأمثاله.
والمعنى: وعزتي وجلالي، قد بينا (١) لهؤلاء المشركين بالله، أمثال القرون الخالية، تخويفا لهم، وتحذيرا ليتعظوا، ويزدجروا، ويقلعوا عما هم عليه، مقيمون من الكفر بربهم، بكلام عربي لا لبس فيه، ولا اختلاف ليفهموا ما فيه من مواعظ، ويعتبروا بما فيه من حكم، فيتقوا ما حذرهم فيه من بأسه وسطوته، وينيبوا إليه، ويفردوه بالعبادة، ويتبرؤوا من الآلهة والأنداد.
٢٩ - ثم أورد سبحانه مثلًا من تلك الأمثال، فقال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾؛ أي: بيّن الله تمثيل حالةٍ عجيبة، بأخرى مثلها، ثم بيّن المثل، فقال: ﴿رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ﴾ والمراد (٢) بضرب المثل هنا: تطبيق حالة عجيبة بأخرى مثلها، كما مر في أوائل سورة يس. و ﴿مَثَلًا﴾ مفعول ثان لضرب، و ﴿رَجُلًا﴾ مفعوله الأول، أخر عن الثاني للتشويق إليه، وليتصل به ما هو من تتمته التي هي العمدة في التمثيل. و ﴿فِيهِ﴾ خبر مقدم لقوله: ﴿شُرَكاءُ﴾، والجملة في حيز النصب على الوصفية لرجلا، ومعنى ﴿مُتَشاكِسُونَ﴾؛ أي: مختلفون عسروا الأخلاق سيئوها. والمعنى: جعل الله تعالى للمشرك مثلا، حسبما يقود إليه مذهبه من ادعاء كل من معبوديه
стр. 11292
عبوديته، عبدًا يتشارك فيه جماعة يتجاذبونه، ويتعاورونه في مهماتهم المتباينة في تحسره، وتوزع قلبه. ﴿وَرَجُلًا﴾؛ أي: وجعل للموحد مثلا رجلًا ﴿سَلَمًا﴾؛ أي: خالصًا ﴿لِرَجُلٍ﴾ فردٍ وسيدٍ واحدٍ، ليس لغيره عليه سبيل أصلًا، فالتنكير في كل منهما للإفراد؛ أي: فردًا من الأشخاص لفرد من الأشخاص، والسلم: بفتحتين وكقتل وفسق مصدر من سلم له كذا؛ أي: خلص له واختص به كما سيأتي، وُصف به مبالغةً كرجل عدل؛ أي: سالمًا أو ذو سلامة واختصاص به، والرجل ذكر من بني آدم جاوز حد الصغر، وتخصيص الرجل لأنه أنطق، وأفطن وأعرف لما يجرى عليه من الضر والنفع، لأن المرأة والصبي قد يغفلان عن ذلك.
والاستفهام في قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ﴾ للإنكار؛ أي: ما يستوي الرجلان المذكوران المشترك والمختص ﴿مَثَلًا﴾؛ أي: من جهة الصفة والحال، نصب على التمييز، والوحدة حيث لم يقل: مثلين لبيان الجنس وإرادته، فيعم؛ أي: هل يستوي حالهما وصفاتهما، يعني: لا يستويان.
والحاصل: أن الكافر كالعبد الأول، في كونه حيران متفرق البال؛ لأنه يعبد آلهة مختلفة؛ أي: أصنامًا لا يجيء منها خير، بل يكون سببًا لوقوعه في أسفل سافلين، كما أن العبد يخدم ملاكا متعاسرين، مختلفي الأهوية، لا يصل إليه منهم منفعة أصلًا. والمؤمن كالعبد الثاني، في انضباط أحواله واجتماع باله، حيث يعبد ربًا واحدًا يوصله إلى أعلى عليين، كما أن العبد يخدم سيدًا واحدًا يرضى عنه، ويصل إليه بالعطاء الجزيل.
وقرأ عبد الله، وابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، والزهري، والحسن بخلاف عنه، والجحدري، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب (١): ﴿سالما﴾ بالألف وكسر اللام، اسم فاعل من سلم؛ أي: خالصًا عن الشركة، واختار هذه القراءة أبو عبيد، وقرأ الأعرج، وأبو جعفر، وشيبة، وأبو رجاء، وطلحة، والحسن: بخلاف عنه، وباقي السبعة ﴿سلما﴾ بفتح السين وسكون
стр. 11293
اللام، وهذه أيضًا مصدر وصف به، مبالغة في الخلوص من الشركة، وقرىء ﴿ورجل سالم﴾ برفعهما، وقال الزمخشري؛ أي: وهناك رجل سالم لرجل، انتهى. فجعل الخبر ﴿هناك﴾، وقرىء ﴿هل يستويان مثلين﴾، فطابق حال الرجلين، ذكره أبو حيان.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ حيث خصمهم، كما قال مقاتل؛ أي: قطعهم بالخصومة، وغلبهم، وأظهر الحجة عليهم، ببيان عدم الاستواء بطريق ضرب المثل، وقال الشوكاني: وجملة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ تقرير لما قبلها، من نفي الاستواء، وللإيذان للموحدين، بما في توحيدهم لله من النعمة العظيمة، المستحقة لتخصيص الحمد به.
ثم أضرب سبحانه، عن نفي الاستواء، المفهوم من الاستفهام الإنكاري، إلى بيان أن أكثر الناس، وهم المشركون، لا يعلمون ذلك مع كمال ظهوره، فيبقون في ورطة الشرك، والضلال من فرط جهلهم، فقال: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ﴾ وهم المشركون ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ عدم استوائهما مع ظهوره، ووضوحه لفرط جهالتهم، أو لا يعلمون أن الحمد له لا لغيره، فيشركوا به سواه.
وعبارة «المراح» في معنى الآية: أي (١): واضرب يا أشرف الرسل لقومك مثلا، وقل لهم: ما تقولون في رجل مملوك، قد اشترك فيه شركاء بينهم تنازع، فكل واحد منهم يدعي أنه عبده، فهم يتجاذبونه في حوائجهم، وهو متحير في أمره، فكلما أرضى أحدهم غضب الباقون، وإذا احتاج في مهم إليهم، فكل واحد منهم يرده إلى الآخر، فهو يبقى متحيرًا لا يعرف أيهم أولى بأن يطلب رضاه، وأيهم يعينه في حاجاته، فهو بهذا السبب يلقى منهم التعب العظيم، وفي رجل آخر له مخدوم واحد، يخدمه على سبيل الإخلاص، وذلك السيد يعينه على حاجاته، فإن أطاعه عرف له، وإن أخطأ صفح عن خطئه، فأي هذين العبدين أحسن حالًا، وأحمد شأنا، وأقل تعبًا؟ وهذا مثل ضربه الله للكافر، الذي يعبد
стр. 11294
آلهة شتى، والمؤمن الذي يعبد الله وحده، انتهى. وقوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا﴾؛ أي: هل تستوي صفتاهما، وحالاهما؟ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾؛ أي: بعد أن بطل القول بإثبات الشركاء والأنداد، وثبت أن لا إله إلا هو ثبت أن الحمد لله لا لغيره ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ﴾؛ أي: أكثر الناس لا يعلمون اختصاص الحمد بالله، فيشركوا به غيره.
وفي الآية (١): إشارة إلى بيان عدم الاستواء، بين الذي يتجاذبه شغل الدنيا، وشغل العيال، وغير ذلك من الأشياء المختلفة، والخواطر المتفرقة، وبين الذي هو خالص لله، ليس للخلق فيه نصيب، ولا للدنيا نصيب. وهو من الآخرة غريب، وإلى الله قريب منيب.
والحاصل: أن الراغب في الدنيا شغلته أمور مختلفة، فلا يتفرغ لعبادة ربه، وإذا كان في العبادة يكون قلبه مشغولًا بالدنيا، والزاهد قد تفرّغ من جميع أشغال الدنيا، فهو يعبد ربه خوفًا وطمعًا، والعارف قد تفرغ من الكونين، فهو يعبد ربه شوقًا إلى لقائه، فلا استواء بين البطّالين والطالبين، وبين المنقطعين والواصلين الحمد لله، والثناء له خاصةً. فعلى العاقل الرجوع إلى الله، والعمل بما في القرآن، والاعتبار بأمثاله حتى يكون من الذين يعلمون حقيقة الحال.
٣٠ - ولما لم يلتفتوا إلى الحق، ولم ينتفعوا بضرب المثل .. أخبر سبحانه بأن مصير الجميع إلى الله تعالى، وأنهم يختصمون يوم القيامة بين يديه تعالى، وهو الحاكم العادل، وهناك يتميز المحق من المبطل، فقال: ﴿إِنَّكَ﴾ يا محمد ﴿مَيِّتٌ﴾؛ أي: ستموت لا محالة ﴿وَإِنَّهُمْ﴾؛ أي: وكفار مكة الذين يتربصون بك الموت ﴿مَيِّتُونَ﴾؛ أي: سيموتون؛ أي: إنكم جميعًا بصدد الموت، والموت يعمكم، ولا معنى للتربص والشماتة، بل هو عين الجهالة.
وقرأ الجمهور: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ بالتشديد، وهي تُشعر بالثبوت واللزوم كالحي، وقرأ ابن محيصن، وابن الزبير، وابن أبي إسحاق، وعيسى بن عمر، واليماني، وابن غوث، وابن أبي عبلة ﴿مائت ومائتون﴾. وهي تُشعر
стр. 11295
بحدوث الصفة. قال الفراء والكسائي: الميت بالتشديد: من لم يمت وسيموت، والميت بالتخفيف: من قد مات وفارقته الروح، قال قتادة: نُعيت إلى النبي ﷺ نفسه، ونعيت إليهم أنفسهم.
٣١ - ووجه هذا الإخبار الإعلام للصحابة بأنه ﷺ سيموت، فقد كان بعضهم يعتقد أنه لا يموت، مع كونه توطئة وتمهيدًا لما بعده، حيث قال:
﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ﴾؛ أي: إنك، وإياهم على تغليب ضمير المخاطب، على ضمير الغائب. وأكد بـ ﴿إن﴾ وإن كان الاختصام مما لا ينكر، لتنزيل المخاطبين منزلة من يبالغ في إنكار الاختصام لانهماكهم في الغفلة عنه ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: عند مالك أمركم ﴿تَخْتَصِمُونَ﴾؛ أي: تخاصمهم يا محمد، فتحتج أنت عليهم، بأنك بلغتهم ما أرسلت به إليهم من الأحكام والمواعظ، واجتهدت في الدعوة إلى الحق، حق الاجتهاد، وهم قد لجوا في المكابرة والعناد، ويعتذرون بما لا طائل تحته، وبما لا يدفع عنهم لومًا ولا تقريعًا، ويقول التابعون للرؤساء: أطعناكم فأضللتمونا، ويقول السادة: أغوانا الشيطان، وآباؤنا الأولون، وفي «بحر العلوم»: الوجه الوجيه: أن يراد الاختصام العام، وأن يخاصم الناس بعضهم بعضا، مؤمنًا أو كافرًا، فيما جرى بينهم في الدنيا بدلائل:
منها: قوله ﷺ : «أول من يختصم يوم القيامة الرجل والمرأة، والله ما يتكلم لسانها، ولكن يداها تشهدان، ورجلاها عليها بما كانت تعيّب لزوجها، وتشهد عليه يداه ورجلاه بما كان يؤذيها».
وعن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «من كان عنده مظلمة لأخيه، من عرض أو مال، فليتحلله اليوم قبل أن لا يكون دينار، ولا درهم، إن كان له عمل صالح، أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات، أخذ من سيئات صاحبه فحمّلت عليه»، رواه البخاري.
وعن أبي هريرة قال: إن رسول الله ﷺ قال: «أتدرون من المفلس»؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال رسول الله ﷺ : «إن المفلس، من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت
стр. 11296
عليه، ثم طُرح في النار»، أخرجه مسلم.
فإن قلت: قال في آية أخرى: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾، وبينهما معارضة.
قلت: إن في يوم القيامة ساعات كثيرة، وأحوالها مختلفة، مرة يختصمون، ومرة لا يختصمون، كما أنه قال: ﴿فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ﴾، وقال في آية أخرى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٧)﴾. يعني: في حال يتساءلون، وفي حال لا يتساءلون، وكما أنه قال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ (٣٩)﴾، وفي موضع آخر ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢)﴾، ونحو هذا كثير في القرآن.
فائدة: قال ابن مسعود ﵁: لما دنا فراق رسول الله ﷺ ، جمعنا في بيت أمنا عائشة ﵂ ثم نظر إلينا، فدمعت عيناه، وقال: «مرحبًا بكم، حياكم الله، رحمكم الله، أوصيكم بتقوى الله وطاعته، قد دنا الفراق، وحان المنقلب إلى الله تعالى، وإلى سدرة المنتهى، وجنة المأوى، يغسلني رجال أهل بيتي، ويكفنوني في ثيابي هذه إن شاؤوا، أو في حلة يمانية، فإذا غسلتموني وكفنتموني، ضعوني على سريري في بيتي هذا، على شفير لحدي، ثم اخرجوا عني ساعة، فأول من يصلي عليّ، حبيبي جبرائيل، ثم ميكائيل ثم إسرافيل ثم ملك الموت مع جنودهم، ثم ادخلوا عليّ فوجًا فوجًا، فصلوا عليّ»، فلما سمعوا فراقه صاحوا وبكوا، وقالوا: يا رسول الله، أنت رسول ربنا، وشمع جمعنا، وبرهان أمرنا، إذا ذهبت عنا فإلى من نرجع في أمورنا؟ قال: «تركتكم على المحجة البيضاء»؛ أي: على الطريق الواضح «ليلها كنهارها»؛ أي: في الوضوح «ولا يزيغ بعدها إلا هالك، وتركت لكم واعظين، ناطقًا وصامتًا، فالناطق القرآن، والصامت الموت، فإذا أشكل عليكم أمر، فارجعوا إلى القرآن والسنّة، وإذا قست قلوبكم، فليّنوها بالاعتبار في أحوال الموت»، فمرض رسول الله ﷺ من يومه ذلك، من صداع عرض له، وكان مريضًا ثمانية عشر يومًا، يعوده الناس، ثم مات يوم الإثنين، ما بعثه الله فيه، فغسله علي ﵁ وصب الماء - أي: ماء بئر غرس - الفضل بن عباس ﵄، ودفنوه ليلة الأربعاء وسط الليل، وقيل: ليلة الثلاثاء في حجرة
стр. 11297
عائشة ﵂. وفي الحديث: «من أصيب بمصيبة، فليذكر مصيبته بي، فإنها أفظع المصائب». وأنشد بعضهم:
اصْبِر لِكُلِّ مُصِيْبَةٍ وَتَجَلَّدِ ... وَاعْلَمْ بِأَنَّ الْمَرْءَ غَيَرُ مُخَلَّدِ
وَإِذَا اعْتَرَتْكَ وَسَاوِسٌ بِمُصِيْبَةٍ ... فَاذْكُرْ مُصَابَكَ بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدِ
الإعراب
﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ (١٧)﴾.
﴿وَالَّذِينَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ. ﴿اجْتَنَبُوا﴾: صلة الموصول. ﴿الطَّاغُوتَ﴾: مفعول به. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدر، ﴿يَعْبُدُوها﴾: فعل، وفاعل، ومفعول به، منصوب بأن المصدرية، والجملة في تأويل مصدر، منصوب على أنه بدل اشتمال، من ﴿الطَّاغُوتَ﴾، تقديره: والذين اجتنبوا الطاغوت عبادتها. ﴿وَأَنابُوا﴾: فعل، وفاعل، معطوف على الصلة ﴿إِلَى اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿أَنابُوا﴾، ﴿لَهُمُ﴾: خبر مقدم، ﴿الْبُشْرى﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل الرفع، خبر المبتدأ أعني: الموصول، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿فَبَشِّرْ﴾: الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت يا محمد ثبوت البشرى لهم، وأردت تبليغ البشارة إليهم .. فأقول لك: بشر عبادي؛ أي: بلّغ بشارتي إليهم. ﴿بشر﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ، ﴿عِبادِ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه، فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة، اتباعًا لرسم المصحف، وهو مضاف، والياء المحذوفة مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة.
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٨)﴾.
﴿الَّذِينَ﴾: في محل النصب صفة لـ ﴿عِبادِ﴾. ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾: فعل، وفاعل، ومفعول به صلة الموصول، ﴿فَيَتَّبِعُونَ﴾: الفاء: عاطفة. ﴿يتبعون
стр. 11298
أحسنه﴾: فعل، وفاعل، ومفعول به معطوف على الصلة، ﴿أُولئِكَ﴾: مبتدأ، ﴿الَّذِينَ﴾: خبره، والجملة مستأنفة. ﴿هَداهُمُ اللَّهُ﴾: فعل، ومفعول به، وفاعل، والجملة صلة الموصول والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿وَأُولئِكَ﴾: مبتدأ، ﴿هُمْ﴾: ضمير فصل، ﴿أُولُوا الْأَلْبابِ﴾: خبر المبتدأ. والجملة الاسمية معطوفة على الجملة التي قبلها.
﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ (٢٠)﴾.
﴿أَفَمَنْ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أأنت مالك أمرهم، فمن حق عليه كلمة العذاب، فأنت تنقذه، والجملة المحذوفة جملة إنشائية، لا محل لها من الإعراب، والأظهر في ﴿من﴾ كونها شرطية في محل رفع بالابتداء، والخبر الجواب الآتي، أو فعل الشرط، أو هما على الخلاف المذكور في محله. ﴿حَقَّ﴾: فعل ماض، في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية، على كونها فعل شرط لها. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق بحق، ﴿كَلِمَةُ الْعَذابِ﴾: فاعل، وذكّر الفعل لوجود الفاصل، أو لكون الفاعل مؤنثًا مجازيًا، ﴿أَفَأَنْتَ﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري، كررت لتأكيد الأولى، لطول الفصل، والفاء رابطة لجواب الشرط وجوبًا، لكون الجواب جملة اسمية، ﴿أنت﴾ مبتدأ، ﴿تُنْقِذُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ، والجملد الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية، على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية، معطوفة على تلك الجملة المحذوفة. والآية جملة واحدة، مركبة من شرط وجواب، معطوفة على جملة محذوفة. ﴿مَنْ﴾: من اسم موصول في محل النصب، مفعول تنقذ، ﴿فِي النَّارِ﴾: جار ومجرور صلة من الموصولة، وهو إظهار في مقام الإضمار، والأصل: فأنت تنقذه من النار. ﴿لكِنِ﴾: حرف عطف وإضراب، بمعنى بل، وليست للاستدراك؛ لأنه لم يسبقها نفي، فالكلام إضراب
стр. 11299
من موضوع إلى موضوع مغاير للأول. ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ، ﴿اتَّقَوْا﴾: فعل، وفاعل، صلة الموصول، ﴿رَبَّهُمْ﴾: مفعول به، ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم، ﴿غُرَفٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة في محل الرفع خبر عن الموصول، وجملة الموصول، معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿مِنْ فَوْقِها﴾: جار ومجرور خبر مقدم، ﴿غُرَفٌ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿مَبْنِيَّةٌ﴾: صفة غرف، والجملة في محل الرفع، صفة لـ ﴿غُرَفٌ﴾ الأولى، ﴿مَبْنِيَّةٌ﴾: صفة لـ ﴿غُرَفٌ﴾ الثانية، وجملة ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾: صفة ثانية لـ ﴿غُرَفٌ﴾ أو حال من ﴿غُرَفٌ﴾. ﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾: مصدر مؤكد لفعل محذوف، دل عليه قوله: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ﴾؛ لأنه في معنى: وعدهم الله ذلك، والجملة المحذوفة مستأنفة، مسوقة لتأكيد ما قبلها. ﴿لا﴾: نافية، ﴿يُخْلِفُ اللَّهُ﴾: فعل، وفاعل، ﴿الْمِيعادَ﴾: مفعول به، والجملة في محل النصب حال من لفظ الجلالة، لوجود شرط مجيء الحال، من المضاف إليه.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٢١)﴾.
﴿أَلَمْ﴾: الهمزة فيه للاستفهام التقريري، ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وجزم، ﴿تَرَ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ، أو أي مخاطب، والجملة مستأنفة مسوقة لتمثيل الحياة الدنيا، وسرعة زوالها. ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿أَنْزَلَ﴾: خبره، وجملة ﴿أَنَّ﴾: في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي تر، ﴿مِنَ السَّماءِ﴾: متعلق بـ ﴿أَنْزَلَ﴾، ﴿ماءً﴾: مفعول به، ﴿فَسَلَكَهُ﴾: الفاء: عاطفة، ﴿سلكه﴾: فعل، وفاعل يعود على الله، ومفعول به، معطوف على أنزل، ﴿يَنابِيعَ﴾: حال من مفعول سلكه. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق بـ ﴿سلك﴾ أو منصوب بنزع الخافض، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: صفة له، على أنه اسم مكان. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ. ﴿يُخْرِجُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر، معطوف على سلكه، ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يُخْرِجُ﴾، ﴿زَرْعًا﴾: مفعول به، ﴿مُخْتَلِفًا﴾ صفة ﴿زَرْعًا﴾، ﴿أَلْوانُهُ﴾: فاعل، مختلفًا، ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ، ﴿يَهِيجُ﴾: فعل مضارع، وفاعل
стр. 11300
مستتر يعود على زرع، معطوف على ﴿يُخْرِجُ﴾، ﴿فَتَراهُ﴾: الفاء: عاطفة، ﴿تراه﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر، ومفعول به، معطوف على ﴿يَهِيجُ﴾، ﴿مُصْفَرًّا﴾: حال من الضمير، لأن الرؤية بصرية. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف، ﴿يَجْعَلُهُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعول أول، ﴿حُطامًا﴾: مفعول ثان، معطوف على تراه، ﴿أَنَّ﴾: حرف نصب، ﴿فِي ذلِكَ﴾: خبر مقدم لها، ﴿لَذِكْرى﴾: اللام: حرف ابتداء، ﴿ذكرى﴾: اسمها مؤخر، ﴿لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿ذكرى﴾؛ لأنه بمعنى التذكرة، وجملة ﴿أَنَّ﴾ مستأنفة، مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٢)﴾.
﴿أَفَمَنْ﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف معلوم من السياق، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير أكل الناس سواء، فمن شرح الله صدره إلخ، والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿من﴾ اسم موصول في محل الرفع، مبتدأ، ﴿شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ﴾: فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة صلة الموصول، ﴿لِلْإِسْلامِ﴾: متعلق بـ ﴿شَرَحَ﴾، ﴿فَهُوَ﴾: الفاء، عاطفة، ﴿هو﴾: مبتدأ، ﴿عَلى نُورٍ﴾: خبره، والجملة الاسمية معطوفة على جملة الصلة، أعني: ﴿شَرَحَ﴾. ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾: صفة لـ ﴿نُورٍ﴾، وخبر المبتدأ محذوف، تقديره: كمن قسا قلبه، وحرج صدره، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة المحذوفة. ﴿فَوَيْلٌ﴾: الفاء: استئنافية، أو فصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت عدم استوائهما، وأردت بيان حكم القاسي .. فأقول لك: ويل للقاسية قلوبهم. ﴿ويل﴾: مبتدأ، سوّغ الابتداء به ما فيه من معنى الدعاء، ﴿لِلْقاسِيَةِ﴾ خبر المبتدأ. ﴿قُلُوبُهُمْ﴾: فاعل القاسية، ﴿مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿لِلْقاسِيَةِ﴾ ﴿مِنْ﴾: إما للتعليل؛ أي: من أجل ذكره. وقيل: ﴿مِنْ﴾ بمعنى: عن، والمعنى: غلظت عن قبول الذكر، والجملة الاسمية في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، أو مستأنفة. ﴿أُولئِكَ﴾: مبتدأ ﴿فِي ضَلالٍ﴾: خبر. ﴿مُبِينٍ﴾: صفة
стр. 11301
﴿ضَلالٍ﴾، والجملة مستأنفة.
﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٢٣)﴾.
﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ، ﴿نَزَّلَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على الله، ﴿أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع، خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿كِتابًا﴾ بدل من أحسن الحديث، ويجوز أن يكون حالًا منه. ﴿مُتَشابِهًا﴾: صفة لـ ﴿كِتابًا﴾، ﴿مَثانِيَ﴾: صفة ثانية له، ﴿تَقْشَعِرُّ﴾: فعل مضارع، ﴿مِنْهُ﴾: متعلق به، ﴿جُلُودُ الَّذِينَ﴾: فاعل، ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل النصب، صفة ثالثة لـ ﴿كِتابًا﴾. ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾: فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة صلة الموصول، ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب مع تراخ، ﴿تَلِينُ جُلُودُهُمْ﴾: فعل، وفاعل، معطوف على تقشعر، و ﴿قُلُوبُهُمْ﴾: معطوف على جلودهم، ﴿إِلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تَلِينُ﴾ ﴿ذلِكَ هُدَى اللَّهِ﴾: مبتدأ وخبر. والجملة مستأنفة. ﴿يَهْدِي﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على ﴿اللَّهُ﴾، ﴿بِهِ﴾: متعلق به، والجملة في محل النصب حال من لفظ الجلالة، ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب، مفعول ﴿يَهْدِي﴾، وجملة ﴿يَشاءُ﴾: صلة من الموصولة، والعائد محذوف تقديره: من يشاؤه. ﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿مَنْ﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جواب الشرط، أو الجواب أو هما، ﴿يُضْلِلِ اللَّهُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية، على كونه فعل شرط لها، ﴿فَما﴾: الفاء: رابطة الجواب، ﴿ما﴾: نافية، أو حجازية، ﴿لَهُ﴾: خبر مقدم، أو خبر ﴿ما﴾: مقدم على اسمها، ﴿مَنْ﴾: زائدة، ﴿هادٍ﴾: مبتدأ مؤخر أو اسمها مؤخر. والجملة الاسمية في محل الجزم بمن الشرطية على كونها جوابًا لها، والجملة الشرطية مستأنفة.
﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾.
﴿أَفَمَنْ﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، والفاء عاطفة
стр. 11302
على ذلك المحذوف، والتقدير: أكل الناس سواء، فمن يتقي بوجهه إلخ. والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿من﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ، وجملة ﴿يَتَّقِي بِوَجْهِهِ﴾: صلة الموصول، ﴿سُوءَ الْعَذابِ﴾: مفعول به، ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾: ظرف، متعلق بـ ﴿يَتَّقِي﴾، وخبر المبتدأ محذوف، تقديره: كمن أمن من العذاب، والجملة الاسمية معطوفة على تلك المحذوفة.
﴿وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٥) فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾.
﴿وَقِيلَ﴾: الواو: عاطفة، ﴿قِيلَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾: متعلق به، ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾: نائب فاعل محكي لـ ﴿قِيلَ﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿يَتَّقِي﴾، ويصح أن تكون جملة ﴿قِيلَ﴾: حالًا من فاعل ﴿يَتَّقِي﴾، وإن شئت قلت: ﴿ذُوقُوا﴾: فعل، وفاعل، ﴿ما﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به، ولكنه على تقدير مضاف، والجملة الفعلية في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿قِيلَ﴾، وجملة ﴿كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ﴾: فعل، وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: جار ومجرور صلة الموصول، ﴿فَأَتاهُمُ﴾: الفاء: عاطفة، ﴿أتاهم العذاب﴾: فعل، وفاعل، ومفعول، معطوف على كذّب، ﴿مِنْ حَيْثُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أتى﴾، وجملة ﴿لا يَشْعُرُونَ﴾: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿حَيْثُ﴾، ﴿فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ﴾: فعل ماض، ومفعول أول مقدم على الفاعل، وفاعل مؤخر، ﴿الْخِزْيَ﴾: مفعول ثان، والجملة معطوفة على جملة ﴿أتاهم﴾. ﴿فِي الْحَياةِ﴾: متعلق بـ ﴿أذاقهم﴾، ﴿الدُّنْيا﴾ صفة للحياة ﴿وَلَعَذابُ﴾ الواو: استئنافية، اللام: حرف ابتداء، ﴿عذاب الآخرة﴾: مبتدأ، ﴿أَكْبَرُ﴾ خبره، والجملة مستأنفة، أو معطوفة على مقدر تقديره: وهذا هو العذاب الأدنى. ﴿لَوْ﴾: حرف شرط، وجملة ﴿كانُوا يَعْلَمُونَ﴾: فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾، وجوابه محذوف تقديره: لو كانوا يعلمون شدة عذاب الآخرة .. لآمنوا بالله ورسوله، وجملة ﴿لَوْ﴾: الشرطية مستأنفة.
стр. 11303
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨)﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، واللام: موطئة للقسم، ﴿قد﴾: حرف تحقيق، ﴿ضَرَبْنا﴾: فعل، وفاعل، ﴿لِلنَّاسِ﴾ متعلق بـ ﴿ضَرَبْنا﴾ على أنه مفعول ثان لـ ﴿ضَرَبْنا﴾؛ لأنه بمعنى: جعلنا وبيّنا. ﴿فِي هذَا الْقُرْآنِ﴾: حال من كل مثل، أو متعلق بـ ﴿ضَرَبْنا﴾، ﴿مِنْ﴾: زائدة، ﴿كُلِّ مَثَلٍ﴾: مفعول أول لـ ﴿ضَرَبْنا﴾ أو ﴿مِنْ﴾: أصلية صفة لمفعول أول محذوف، تقديره: مثلًا كائنًا من كل مثل، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾: ناصب واسمه وجملة ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿لعل﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿قُرْآنًا﴾: حال موطئة من القرآن؛ لأنها ذكرت توطئة للنعت بالمشتق، لما كانت جامدة، والاعتماد فيها على الصفة. ﴿عَرَبِيًّا﴾: صفة لـ ﴿قُرْآنًا﴾، ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾: صفة ثانية لـ ﴿قُرْآنًا﴾، ومضاف إليه. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿يَتَّقُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿لعل﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٢٩)﴾.
﴿ضَرَبَ اللَّهُ﴾: فعل، وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿مَثَلًا﴾: مفعول ثان لـ ﴿ضَرَبَ﴾؛ لأنه بمعنى: جعل. ﴿رَجُلًا﴾: مفعوله الأول أخر عن الثاني، للتشويق إليه، وليتصل به، ما هو من تتمته، التي هي العمدة في التمثيل. ﴿فِيهِ﴾: خبر مقدم. ﴿شُرَكاءُ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿مُتَشاكِسُونَ﴾: صفة لـ ﴿شُرَكاءُ﴾، والجملة الاسمية صفة لـ ﴿رَجُلًا﴾. ﴿وَرَجُلًا﴾: معطوف على ﴿رَجُلًا﴾. ﴿سَلَمًا﴾: صفة ﴿رَجُلًا﴾، نعت بالمصدر على سبيل المبالغة على حد: مررت برجل عدل. ﴿لِرَجُلٍ﴾: متعلق بـ ﴿سَلَمًا﴾، ﴿هَلْ﴾: حرف للاستفهام الإنكاري، ﴿يَسْتَوِيانِ﴾: فعل، وفاعل، ﴿مَثَلًا﴾: تمييز محول عن الفاعل؛ أي: هل يستوي مثلهما؟. والجملة الفعلية، جملة إنشائية، لا محل لها من الإعراب. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: مبتدأ
стр. 11304
وخبر، والجملة الاسمية معترضة؛ لأن قوله ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾: إضراب انتقالي، مرتبط بقوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ﴾. ﴿بَلْ﴾: حرف عطف وإضراب، ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾: خبره، والجملة معطوفة على جملة ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ﴾.
﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾.
﴿إِنَّكَ﴾: ناصب واسمه، ﴿مَيِّتٌ﴾: خبره، والجملة مستأنفة. ﴿وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾: ناصب واسمه، وخبره، معطوف على ما قبله. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف للترتيب مع التراخي. ﴿إِنَّكُمْ﴾: ناصب واسمه، ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿تَخْتَصِمُونَ﴾، ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بمحذوف حال من اسم ﴿إن﴾، أو من فاعل ﴿تَخْتَصِمُونَ﴾: أو متعلق بـ ﴿تَخْتَصِمُونَ﴾، وجملة ﴿تَخْتَصِمُونَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ معطوفة على جملة ﴿إن﴾ الأولى. والله أعلم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾ والطاغوت: يطلق على الواحد والجمع، كما في «المختار»، ويذكر ويؤنث كما في «المصباح». قال الأخفش: الطاغوت: جمع ويجوز أن يكون مفردة مؤنثة؛ أي: تباعدوا عن الطاغوت، وكانوا منها على جانب فلم يعبدوها، وقال مجاهد وابن زيد: هو الشيطان. وقال الضحاك والسدي: هي الأوثان، وقيل: إنه الكاهن، وقيل: إنه اسم أعجمي مثل: طالوت، وجالوت، وهاروت، وماروت. وقيل: إنه اسم عربي مشتق من الطغيان، وعبارة الروح: قوله: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾ من الاجتناب، وهو الابتعاد يقال: اجتنبه إذا بعد عنه، والطاغوت: البالغ أقصى غاية الطغيان، وهو تجاوز الحد في العصيان، فلعوت من الطغيان بتقديم اللام على العين، لأن أصله: طغيوت، بني للمبالغة كالرحموت والعظموت، ثم وصف به للمبالغة في النعت، كأن عين الشيطان طغيان؛ لأن المراد به هو الشيطان، وتاؤه زائدة دون التأنيث، كما قال في «كشف الأسرار»: التاء ليست بأصلية، هي في الطاغوت كهي في الملكوت والجبروت، واللاهوت والناسوت والرحموت والرهبوت. قال
стр. 11305
الراغب: هو عبارة عن كل متعد، وكل معبود من دون الله. وفي «القاموس»: الطاغوت: اللات، والعزى، والكاهن، والشيطان، وكل رأس ضلال، والأصنام، وكل ما عبد من دون الله، ومردة أهل الكتاب، وقال في «كشف الأسرار»: كل من عبد شيئًا غير الله فهو طاغ، ومعبوده طاغوت. وفي «التأويلات النجمية»: طاغوت كل أحد نفسه، وإنما يتجنب الطاغوت من خالف هواه، وعانق رضى مولاه، ورجع إليه بالخروج عما سواه، رجوعًا كليًا.
﴿لَهُمْ غُرَفٌ﴾ جمع غرفة، وهي علية من البناء، وسمي منازل الجنة غرفًا، كما في «المفردات».
﴿فَسَلَكَهُ﴾؛ أي: أدخله ﴿يَنابِيعَ﴾ وفي زاده: الينابيع: جمع ينبوع، وهو إما الموضع الذي يجري فيه الماء من خلال الأرض، أو نفس الماء الجاري، والينبوع يفعول من نبع الماء إذا خرج، وسال. ومضارعه: ينبع بالحركات الثلاث في عين المضارع، فإن كان الينبوع بمعنى المنبع، كان نصب ينابيع على المصدر؛ أي: سلكه سلوكا في ينابيع، وأدخله إدخالًا فيها، على أن يكون ﴿يَنابِيعَ﴾ ظرفًا للمصدر المحذوف، فلما أقيم مقام المصدر، جعل انتصابه على المصدر، وإن كان بمعنى النابع كان انتصابه على الحال؛ أي: نابعات، اهـ. وفي «المختار»: نبع الماء إذا خرج، وبابه: قطع، ودخل، ونبع ينبع نبعانًا بفتح الباء لغة أيضًا، والينبوع: عين الماء، ومنه: قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾. والجمع ينابيع، اهـ. فما يقوله العامة وهو نبع مولد غير معروف، وإنما النبع مصدر، وشجر تتخذ منه السهام والقسي، يقال: فزعوا النبع بالنبع؛ أي: تلاقوا، وتطاعنوا، وما رأيت أصلب منه نبعًا؛ أي: أشد منه.
﴿زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوانُهُ﴾؛ أي: من أصفر، وأحمر، وأخضر، وأبيض، وشمل لفظ الزرع جميع ما يستنبت من مقتات وغيره، والزرع في الأصل: مصدر بمعنى الإنبات، عبّر به عن المزروع؛ أي: مزروعا. ﴿فَتَراهُ مُصْفَرًّا﴾؛ أي: زالت خضرته، ونضارته، اهـ من «النهر». ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾؛ أي: ييبس، ويتم جفافه؛ لأنه إذا تم جفافه حان له أن يثور وينتشر عن منابته، ويذهب. وفي «المختار»: وهاج
стр. 11306
النبت يهيج هياجًا بالكسر وهيجًا وهيجانًا: يبس. وفي المصباح: وهاج البقل يهيج: اصفر. ﴿فَتَراهُ مُصْفَرًّا﴾ قال الراغب: الصفرة: لون من الألوان التي بين السواد والبياض، وهي إلى البياض أقرب، ولذلك قد يعبر بها عن السواد. ﴿حُطامًا﴾؛ أي: فتاتًا. وفي «المصباح»: حطم الشيء حطمًا من باب تعب، فهو حطم إذا تكسر، ويقال للدابة إذا أسنّت: حطمة، ويتعدى بالحركة فيقال: حطمته حطما من باب ضرب فانحطم، وحطمته بالتشديد مبالغة، وتحطم العود إذا تفتت من اليبس.
﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ﴾ وأصل الشرح: بسط اللحم، ونحوه. يقال: شرحت اللحم، وشرحته. ومنه: شرح الصدر بنور إلهي وسكينة من جهته وروح، كما في «المفردات». وشرح الصدر للإسلام: الفرح به، والطمأنينة إليه، والنور البصيرة، والهدى.
﴿لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ والقسوة: جمود، وصلابة في القلب. يقال: قلب قاس؛ أي: لا يرق ولا يلين، وأصله من حجر قاس، والمقاساة: معالجة ذلك.
﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ قال في «المفردات»: كل كلام يبلغ الإنسان من جهة السمع، أو الوحي في يقظته أو منامه، يقال له: حديث، وفي عرف العامة: الخبر والكلام، وأحسنيته لفصاحته وإعجازه. ﴿مُتَشابِهًا﴾؛ أي: يشبه بعضه بعضا في الحسن، والإحكام.
﴿مَثانِيَ﴾ جمع مثنى بضم الميم وفتح الثاء والنون المشددة على خلاف القياس. إذ قياسه مثنيات. أو جمع مثنى بالفتح مخففًا. وعلى الأول فهو من التثنية بمعنى التكرير والإعادة، وعلى الثاني مفعل بفتح الميم وإسكان الفاء من التثنية بمعنى التكرير أيضًا، بحذف الزوائد، أو جمع مثنى بضم الميم وإسكان الثاء وفتح النون، من أثنى الرباعي؛ أي: مثني عليه بالبلاغة والفصاحة حتى قال بعضهم لبعض: ألا سجدت لفصاحته، ويجوز أن يكون بكسر النون؛ أي: مثن عليّ بما هو أهله من صفاته العظمى، وفي «المفردات»: وسمي سور القرآن مثاني، لأنها تثنى على مرور الأيام، وتكرر، فلا تدرس ولا تنقطع دروس سائر
стр. 11307
الأشياء التي تضمحل وتبطل على مرور الأيام، وإنما تدرس الأوراق، كما روي أن عثمان ﵁ حرق مصحفين لكثرة قراءته فيهما. ويصح أن يقال للقرآن: مثاني لما يثنى ويتجدد حالًا فحالًا من فوائده، كما جاء في نعته، ولا تنقضي عجائبه، ويجوز أن يكون ذلك من الثناء، تنبيهًا على أنه أبدًا يظهر منه، ما يدعو إلى الثناء عليه، وعلى من يتلوه ويعلمه، ويعمل به، وعلى هذا الوجه وصفه بالكرم في قوله: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧)﴾، وبالمجد في قوله: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١)﴾. قال ابن بحر: لما كان القرآن مخالفًا لنظم البشر، ونثرهم حول أسماءه، بخلاف ما سموا به كلامهم على الجملة والتفصيل، فسمى جملته قرآنًا، كما سموا ديوانًا، وكما قالوا: قصيدةٌ وخطبةٌ ورسالةٌ، قال: سورة، وكما قالوا: بيت قال: آية، وكما سميت الأبيات لاتفاق أواخرها قوافي سمى الله القرآن لاتفاق خواتيم الآي فيه مثاني.
﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ﴾؛ أي: تضطرب، وتتحرك، وتشمئز. يقال: اقشعر جلده: أخذته قشعريرة؛ أي: رعدة، كما في «القاموس»، والجلد: قشر البدن، كما في «المفردات»، ويقال: اقشعر جلده إذا تقبّض، وتجمع من الخوف، ووقف شعره كما مر، والمصدر: الاقشعرار، والقشعريرة أيضًا، ووزن اقشعر افعلل، ووزن القشعريرة: فَعْلَليلة، اهـ «سمين».
﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ﴾ يقال: اتقى فلان بكذا، إذا جعله وقايةً لنفسه، والتركيب يدل على دفع شيء عن شيء يضره. ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ تقدم معنى العوج في الكهف، وأن العوج بالكسر مختص بالمعاني دون الأعيان، والسر فيه فارجع إليه هناك، وقيل: المراد بالعوج: الشك، واللبس. قال:
وَقَدْ أَتَاكَ يَقِيْنٌ غَيْرُ ذِيْ عِوَجٍ ... مِنَ الإِلَهِ وَقَوْلٌ غَيْرُ مَكْذُوْبِ
﴿مُتَشاكِسُونَ﴾؛ أي: متنازعون مختلفون. قال الزمخشري: التشاكس، والتشاخس: الاختلاف. تقول: تشاكست أحواله، وتشاخست أسبابه، وفي «المختار»: رجل شكس بوزن فلس؛ أي: صعب الخلق، وقوم شُكس بوزن قفل، وبابه: سلم. وحكى الفراء: رجل شكس بكسر الكاف، وهو القياسُ. وفي
стр. 11308
«الصحاح»: رجل شكس بالتسكين؛ أي: صعب الخلق، وقوم شكس مثل: رجل صدق وقوم صدق، وقد شكس بالكسر من باب سلم شكاسة. وفي «السمين»: والتشاكس: التخالف، وأصله سوء الخلق، وعسره. وهو سبب التخالف، والتشاجر. وفي «القرطبي» ﴿مُتَشاكِسُونَ﴾ من شكس يشكس شكسًا، بوزن قفل، فهو شكس مثل: عسر يعسر عسرًا فهو عسر. يقال: رجل شكس، وشرس، وضرس.
﴿وَرَجُلًا﴾ والرجل: ذكر من بني آدم جاوز حد الصغر. ﴿سَلَمًا﴾ بفتحتين، وكقتل، وكفسق: مصدر من سلم له من كذا. ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ وضرب المثل: تشبيه حال عجيبة بأخرى، وجعلها مثلًا لها. ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ﴾ قال الفراء: الميت بالتشديد: من لم يمت وسيموت، والميت بالتخفيف: من فارقته الروح. ولذلك لم يخفف في الآية. قال الخليل: أنشد أبو عمرو:
إِنْ تَسْأَلْنِي تَفْسِيْرَ مَيْتٍ وَمَيِّتِ ... فَدُونَكَ قَدْ فَسَّرْتُ إِنْ كُنْتَ تَعْقِلُ
فَمَنْ كَانَ ذَا رُوْحٍ فَذَلِكَ مَيِّتٌ ... وَمَا الْمَيْتُ إِلّا مَنْ إِلَى الْقَبْرِ يُحْمَلُ
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: المبالغة في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾، ففي تشبيه الشيطان بالطاغوت، وجوه ثلاثة من المبالغة.
١ - تسميته بالمصدر، كأنه نفس الطغيان.
٢ - بناؤه على فعلوت، وهي صيغة مبالغة كالرحموت، وهي الرحمة الواسعة، والملكوت، وهو الملك الواسع.
٣ - تقديم لامه على عينه، ليفيد اختصاصه بهذه التسمية.
ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ﴾. فوضع الظاهر
стр. 11309
موضع ضميرهم، تشريفًا لهم بالإضافة، ودلالة على أن مدار اتصافهم بالاجتناب والإنابة: كونهم نقادًا في الدين، يميزون الحق من الباطل، ويؤثرون الأفضل فالأفضل، اهـ من «الإرشاد».
ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ أوقع الظاهر وهو ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ موقع المضمر؛ لأن حقه: أفأنت تنقذه، وفيه أيضًا مجاز مرسل، علاقته السببية، فقد أطلق المسبب وأراد السبب؛ لأن الضلال سبب لدخول النار، والمعنى: أفأنت تهديه بدعائك له إلى الإيمان، فتنقذه من النار، وفيه أيضًا تكرير همزة الاستفهام الإنكاري، فالأولى لإفادته، والثانية لتأكيده لطول الكلام، ولولا طوله لم يجز الإتيان بها؛ لأنه لا يصلح في العربية أن يؤتى بألف الاستفهام في اسم الشرط، وبأخرى في الجزاء، وقيل: الاتقاء بالوجه، كناية عن عدم ما يتقي به، إذ الاتقاء بالوجه لا وجه له على حد قوله:
وَلَا عَيْبَ فِيْهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُم
ومنها: الإتيان بصيغة الماضي في قوله: ﴿وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ﴾ للدلالة على تحقق وقوع القول، وفيه أيضًا وضع الظاهر موضع المضمر، تسجيلًا عليهم بالظلم، والإشعار بعلة الأمر في قوله: ﴿ذُوقُوا ...﴾ إلخ، اهـ «أبو السعود».
ومنها: الإتيان بصيغة المضارع في قوله: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا﴾ لاستحضار الصورة الماضية.
ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾ لدلالة السياق عليه حذف خبره، تقديره: كمن طبع الله على قلبه. وفيها أيضًا الاستفهام الإنكاري.
ومنها: وصف الواحد بالجمع في قوله: ﴿مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ﴾. فإنه وصف الواحد وهو الكتاب بالجمع، وهو المثاني باعتبار تفاصيله؛ لأن الكتاب جملة ذات تفاصيل، فإنه يقال: القرآن أسباع، وأخماس، وسور، وآيات، وأقاصيص وأحكام، ومواعظ مكررات، كما مر.
стр. 11310
وفائدة التكرير: فيه ترسيخ الكلام في الأذهان، فإن النفوس تمل عادة من الوعظ والتنبيه، وتسأم النصيحة بادىء الأمر، ففي تكرير النصح والموعظة تعويد لها على استساغة ذلك، والعمل به، وقد ثبت: أن رسول الله ﷺ كان يكرر عليهم ما يعظ وينصح به، ثلاثًا وسبعًا أحيانًا، ليركز ذلك في نفوسهم، والمعلم النابه لا يفتأ يردد ما يلقيه على طلابه من دروس، حتى يصبح مستساغًا إليهم، هشًا في نفوسهم، بعد أن كان صعبًا ممجوجًا.
ومنها: التهكم في قوله: ﴿فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ﴾؛ لأن الذوق إنما يكون في المطعوم الحالي، فعبر عن إيصال الصغار والعذاب إليهم بالإذاقة، تهكمًا بهم.
ومنها: ضرب المثل في قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ ...﴾ الآية. وهو نوع من التشبيه، فقد شبه حال من يعبد آلهة شتى بمملوك اشترك فيه شركاء، شجر بينهم خلاف شديد وخصام مبين، وهم يتجاذبونه، ويتعاورونه في شتى آرابهم، ومتباين أهوائهم، فهو يقف متحيرًا لا يدري لأيهم ينحاز؟، ولأيهم ينصاع، وأيهم أجدر بأن يطيعه؟. وحال من يعبد إلهًا واحدًا، فهو متوفر على خدمته، يلبي كل حاجاته، ويصيخ سمعًا لكل ما ينتدبه إليه، ويطلبه منه.
ومنها: تنكير ﴿رجل﴾ في الموضعين للإفراد؛ أي: فردًا من الأشخاص لفرد من الأشخاص.
ومنها: تخصيص الرجل؛ لأنه أفطن لما يجرى عليه من الضر والنفع؛ لأن المرأة والصبي قد يغفلان عن ذلك.
ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا﴾.
ومنها: الاعتراض بجملة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ في قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ فإن جملة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ اعتراضية، لاعتراضها بين الكلامين، المرتبط أحدهما بالآخر، فإن قوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ إضراب انتقالي، مرتبط بقوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا﴾، فإنه انتقال من بيان عدم الاستواء على الوجه المذكور، إلى بيان أن أكثرهم لا يعلمون ذلك، مع كمال ظهوره، فيبقون