← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

الإيصاء من الموصي، وعلمه، وحققه ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ﴾؛ أي: إثم ذلك التبديل وذنبه ﴿عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾؛ أي: على من بدله وغيَّره أيًّا كان لا يعود إلا على المبدل. والموصي والموصى له بريئان منه؛ يعني برئت منه ذمة الموصي، وثبت له الأجر عند ربه. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿سميع﴾ لأقوال المبدلين والموصين ﴿عَلِيمٌ﴾ بنياتهم فيجازي كلًّا على وفق عمله، فيثيب الميت، ويعاقب المبدِّل، ولا يخفى ما في هذه الجملة من الوعيد الشديد للمبدلين، والوعد الحسن للموصين. ١٨٢ - ثم استثنى من إثم التبديل حالة ما إذا كان للإصلاح، وإزالة التنازع، فقال: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ﴾ قرأه شعبة وحمزة والكسائي ﴿مُوَصٍّ﴾ بفتح ﴿الواو﴾ وتشديد الصاد من وصَّى المضَعَّف، وقرأ الباقون: ﴿مُوصٍ﴾ من أوصى، وهما لغتان؛ أي: فمن علم من ميت موص ﴿جَنَفًا﴾؛ أي: خطأ في الوصية من غير عمد، وميلٍ عن الحق فيها جهلًا كأن يوصي لبعض ورثته، أو يوصي بماله كله خطأ، وقرأ الجمهور ﴿جَنَفًا﴾ بالجيم والنون، وقرأ علي شذوذًا ﴿حيفا﴾ بالحاء والياء ﴿أَوْ إِثْمًا﴾؛ أي: ميلًا عن الحق في الوصية عمدًا وعِلمًا ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ بعد موت الموصي معطوف على محذوف؛ تقديره: أي فتنازعت الورثة والموصى لهم في المال الموصى به، فتوسط بينهم من علم ذلك، وأصلح بينهم؛ أي: فعل ما فيه الصلاح بينهم بتبديل هذا الجنف أو الإثم برده الوصية إلى الثلث مثلًا. ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾؛ أي: فلا حرج ولا ذنب على هذا المصلح الذي أزال الجنف أو الإثم في هذا التبديل؛ لأنه تبديل باطل بحق، وإزالة مفسدة بمصلحة، فهو ليس بمبدل آثم، بل هو متوسط للإصلاح، وليس عليه إثم بخلاف الأول، وقلما يكون الإصلاح إلا بترك بعض الخصوم شيئًا مما يرونه حقًّا لهم، والظاهر (١) أن هذا المصلح هو الوصي والشاهد، ومن يتولى بعد موته ذلك من وال، أو ولي، أو من يأمر بالمعروف، فكل هؤلاء يدخل تحت قوله: ﴿فَمَنْ خَافَ﴾ إذا ظهرت لهم أمارات الجنف أو الإثم، ولا وجه لتخصيص الخائف بالوصي، ودلت (٢)

стр. 1157

الآية على جواز الصلح بين المتنازعين إذا خاف من يريد الصلح إفضاء تلك المنازعة إلى أمر محذور في الشرع ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ للميت إن أخطأ أو جار، أو للوصي إن بدل للإصلاح ﴿رَحِيمٌ﴾ للوصي حيث رخص له الرد إلى الثلث، والعدل والإصلاح؛ أي: فمن خالف وبدل لصلاح .. فإن الله يغفر له، ويثيبه على عمله. ومعنى الآية (١): أن الميت إذا أخطأ في وصيته، أو جار فيها متعمدًا .. فلا إثم على من علم ذلك أن يغيره، ويرده إلى الصلاح بعد موته، وهذا قول ابن عباس، وقتادة، والربيع. وقيل هذا (٢): في حال حياة الموصي، فالمعنى حينئذ: فمن حضر وصيته فرآه على خلاف الشرع، فنهاه عن ذلك، وحمله على الصلاح .. فلا إثم على هذا الموصي بما قال أولًا. وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: إن الرجل والمرأة ليعملان بطاعة الله ستين سنة، ثم يحضرهما الموت، فيضاران في الوصية، فتجب لهما النار"، ثم قرأ أبو هريرة: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾: إلى قوله: ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: أخرجه أبو داود والترمذي، قوله: فيضاران (٣) المضارة: إيصال الضرر إلى شخص، ومعنى المضارة: الوصية أن لا تمضي، أو ينقص بعضها، أو يوصي لغير أهلها، أو يحيف في الوصية، ونحو ذلك. الإعراب ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾. ﴿لَيْسَ﴾: فعل ماض ناقص. ﴿الْبِرَّ﴾: بالنصب خبر ﴿لَيْسَ﴾ مقدم على

стр. 1158

اسمها. ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿تُوَلُّوا﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أَنْ﴾. ﴿وُجُوهَكُمْ﴾. مفعول به ومضاف إليه. ﴿قِبَلَ﴾: منصوب على الظرفية المكانية. ﴿الْمَشْرِقِ﴾: مضاف إليه. ﴿وَالْمَغْرِبِ﴾: معطوف عليه، والجملة الفعلية صلة ﴿أَنْ﴾ المصدرية، ﴿أَنْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مرفوع على كونه اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخرًا عن خبرها؛ تقديره: ليس تولية وجوهكم قبل المشرق والمغرب البر كله، وجملة ﴿لَيْسَ﴾ مستأنفة استئنافًا نحويًّا لا محل لها من الإعراب. ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾. ﴿وَلَكِنَّ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿لكن﴾: حرف نصب واستدراك. ﴿الْبِرَّ﴾: اسمها. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع خبر ﴿لكن﴾، ولكنه على حذف مضاف كما سبق في محل التفسير. ﴿آمَنَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، والجملة الفعلية صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، والعائد ضمير الفاعل وجملة ﴿لكن﴾ معطوفة على جملة ﴿لَيْسَ﴾ على كونها مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. ﴿بِاللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿آمَنَ﴾. ﴿وَالْيَوْمِ﴾: معطوف على الجلالة ﴿الْآخِرِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ معطوفات على ﴿اليوم﴾. ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾. ﴿وَآتَى الْمَالَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿آتى المال﴾: فعل ومفعول أول، أو ثان مقدم على الأول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿آمَنَ﴾ على كونها صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة. ﴿عَلَى حُبِّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿آتَى﴾، أو بمحذوف حال من فاعل ﴿آتَى﴾. ﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾: مفعول ثانٍ، أو أول، ومضاف إليه. ﴿وَالْيَتَامَى﴾، وكذا ﴿وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ﴾: معطوفات على ﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾ ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾: جار ومجرور في محل النصب معطوف على ﴿ذَوِي﴾؛ أي (١): وآتى المال في الرقاب؛ أي: دفعه

стр. 1159

في فكها من الرق، أو الأسر؛ أي: لأجله وسببه، فضمن آتى بالنسبة لهذا المعطوف معنى دفع، فيكون متعديًا لواحد، كما عرفت في محل التفسير. ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾. ﴿وَأَقَامَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿أقام﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ ﴿الصَّلَاةَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿آمَنَ﴾ على كونها صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة. ﴿وَآتَى الْمَالَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، والجملة معطوفة أيضًا على جملة ﴿آمَنَ﴾. ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾. ﴿وَالْمُوفُونَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿الموفون﴾: معطوف على ﴿مَنْ آمَنَ﴾ على كونه خبر ﴿لكن﴾؛ أي: ولكن البر المؤمنون بما ذكر. ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ﴾: خبر لمبتدأ محذوف؛ تقديره: وهم الموفون ﴿بِعَهْدِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿الموفون﴾. ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان مجرد عن معنى الشرط في محل النصب على الظرفية. ﴿عَاهَدُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذا﴾، والظرف متعلق بـ ﴿الموفون﴾ والتقدير: والموفون بعهدهم وقت معاهدتهم مع الله، أو مع الناس. ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾. ﴿وَالصَّابِرِينَ﴾: الواو: استئنافية، ﴿الصابرين﴾: منصوب على المدح بفعل محذوف؛ تقديره: وأمدح الصابرين، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة. ﴿فِي الْبَأْسَاءِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿الصابرين﴾. ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾: معطوف على ﴿الْبَأْسَاءِ﴾. ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾. ظرف ومضاف إليه، والظرف معطوف على الجار والمجرور قبله على كونه متعلقًا بـ ﴿الصَّابِرِينَ﴾. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ. ﴿الَّذِينَ﴾: خبر، والجملة مستأنفة. ﴿صَدَقُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿وَأُولَئِكَ﴾: الواو: عاطفة، ﴿أولئك﴾: مبتدأ. ﴿هُمُ﴾: ضمير

стр. 1160

فصل. ﴿الْمُتَّقُونَ﴾: خبر، والجملة الإسمية معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾. ﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿يا﴾: حرف نداء، ﴿أي﴾: منادى نكرة مقصودة، ﴿ها﴾ حرف تنبيه زائدة. ﴿الَّذِينَ﴾: في محل الرفع صفة لـ ﴿أَيّ﴾، وجملة النداء مستأنفة. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل، ﴿كُتِبَ﴾: فعل ماضٍ مغيَّر الصيغة. ﴿عَلَيْكُمُ﴾: متعلق به. ﴿الْقِصَاصُ﴾: نائب فاعل، والجملة الفعلية جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿فِي الْقَتْلَى﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿كُتِبَ﴾. ﴿الْحُرُّ﴾: مبتدأ. ﴿بِالْحُرِّ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ؛ تقديره: الحر مأخوذ بالحر، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. ﴿وَالْعَبْدُ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿الْعَبْدُ﴾: مبتدأ. ﴿بِالْعَبْدِ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ؛ تقديره: العبد مأخوذ بالعبد، والجملة معطوفة على جملة قوله ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾. ﴿وَالْأُنْثَى﴾: مبتدأ. ﴿بِالْأُنْثَى﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ؛ تقديره: والأنثى مأخوذة بالأنثى، والجملة معطوفة على جملة قوله ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾. ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾. ﴿فَمَنْ﴾: ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر؛ تقديره: إذا عرفتم أن القصاص مكتوب عليكم، وأردتم بيان حكم ما إذا عفي عنه .. فأقول لكم ﴿من عفي له﴾، ﴿من﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما على الخلاف المذكور في محله، ويصح كونها موصولة. ﴿عُفِيَ﴾: فعل ماضٍ مغيَّر الصيغة في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية. ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿عُفِيَ﴾. ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال مقدم على صاحبها، وهو ﴿شَيْءٌ﴾؛ لأنه نعت نكرة قدمت عليها، فينصب حالًا. ﴿شَيْءٌ﴾: نائب فاعل لـ ﴿عُفِيَ﴾.

стр. 1161

﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾. ﴿فَاتِّبَاعٌ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية وجوبًا، أو رابطة الخبر بالمبتدأ جوازًا إن كانت ﴿من﴾ موصولة ﴿اتباع﴾: خبر لمحذوف جوازًا؛ تقديره: فالواجب اتباع. ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: متعلق بـ ﴿اتِّبَاعٌ﴾، والجملة الإسمية في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿وَأَدَاءٌ﴾: معطوف على ﴿اتباع﴾. ﴿إِلَيْهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أداء﴾. ﴿بِإِحْسَانٍ﴾: متعلق أيضًا بـ ﴿أداء﴾، ويجوز أن يكون حالًا من الهاء كما ذكره العكبري. ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ. ﴿تَخْفِيفٌ﴾ خبر، والجملة مستأنفة. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿تَخْفِيفٌ﴾. ﴿وَرَحْمَةٌ﴾: معطوف على ﴿تَخْفِيفٌ﴾. ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ﴿فَمَنِ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر؛ تقديره: إذا عرفتم حكم ما إذا عفي عن القصاص، وأردتم بيان حكم من اعتدى بعد ذلك .. فأقول لكم: ﴿من اعتدى﴾: ﴿من﴾: اسم شرط جازم، أو موصولة في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط على الراجح، أو الجملة الآتية إن كانت موصولة. ﴿اعْتَدَى﴾: فعل ماضٍ في محل الجزم بـ ﴿من﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿اعْتَدَى﴾. ﴿فَلَهُ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية، ﴿له﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿عَذَابٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿أَلِيمٌ﴾: صفة له، والجملة الإسمية في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، أو خبر ﴿من﴾ الموصولة، وجملة ﴿من﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾. ﴿وَلَكُمْ﴾ الواو: استئنافية، ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿فِي الْقِصَاصِ﴾: جار ومجرور متعلق بما تعلق به الجار والمجرور قبله. ﴿حَيَاةٌ﴾:

стр. 1162

مبتدأ مؤخر سوغ الابتداء بالنكرة .. تقدم الخبر الظرفي عليه، والجملة الإسمية مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. وقال أبو حيان (١): وهذه الجملة مبتدأ وخبر، و ﴿فِي الْقِصَاصِ﴾: متعلق بما تعلق به قوله ﴿لكم﴾، وهو في موضع الخبر، وتقديم هذا الخبر مسوغ؛ لجواز الابتداء بالنكرة، والمعنى: أنه يكون لكم في القصاص حياةٌ. انتهى. ﴿يَا أُولِي﴾: ﴿يا﴾: حرف نداء، ﴿أُولِي﴾: منادى مضاف بالياء المحذوفة. ﴿الْأَلْبَابِ﴾: مضاف إليه. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: ﴿لعل﴾: حرف نصب وتعليل بمعنى كي، و ﴿الكاف﴾: اسمها، وجملة ﴿تَتَّقُونَ﴾ خبرها، وجملة ﴿لعل﴾ في محل الجر بلام التعليل المقدرة المتعلقة بمعلول محذوف؛ تقديره: وإنما شرعنا لكم القصاص لكي تتقون القتل والاعتداء. ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾. ﴿كُتِبَ﴾: فعل ماضٍ مغير الصيغة. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان مجرد عن معنى الشرط، أو شرطية وجوابها معلوم مما قبلها. ﴿حَضَرَ﴾: فعل ماضٍ. ﴿أَحَدَكُمُ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿الْمَوْتُ﴾: فاعل ﴿حَضَرَ﴾، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذا﴾، والظرف متعلق بـ ﴿كُتِبَ﴾؛ تقديره: كتب عليكم أن يوصي أحدكم وقت حضور الموت له ﴿إِنْ تَرَكَ﴾ ﴿إِنْ﴾: حرف شرط. ﴿تَرَكَ﴾: فعل ماضٍ في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾: على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿أَحَدَكُمُ﴾. ﴿خَيْرًا﴾: مفعول به، وجواب ﴿إِنْ﴾ معلوم مما قبلها؛ تقديره: إن ترك خيرًا .. كتب عليكم الوصية، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية جملة معترضة لا محل لها من الإعراب؛ لاعتراضها بين الفعل ونائبه. ﴿الْوَصِيَّةُ﴾: نائب فاعل لـ ﴿كُتِبَ﴾، وجملة ﴿كُتِبَ﴾ من الفعل المغيّر ونائب فاعله. مستأنفة استئنافًا نحويًّا لا محل لها من

стр. 1163

الإعراب. ﴿لِلْوَالِدَيْنِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿الْوَصِيَّةُ﴾ لأنه اسم مصدر لأوصى. ﴿وَالْأَقْرَبِينَ﴾: معطوف على الوالدين. ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿الْوَصِيَّةُ﴾: أيضًا، أو بمحذوف حال من ﴿الْوَصِيَّةُ﴾؛ تقديره: حالة كونها متلبسة بالمعروف، لا جور فيها. ﴿حَقًّا﴾: منصوب على المفعولية المطلقة بعامل محذوف؛ تقديره: حق ذلك الإيصاء حقًّا، ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف؛ أي: كتبًا حقًّا، أو إيصاء حقًّا. ﴿عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿حَقًّا﴾. ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١)﴾. ﴿فَمَنْ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر؛ تقديره: إذا عرفتم أنه كتب عليكم الإيصاء، وأردتم بيان حكم من بدله .. فأقول لكم ﴿من﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط على الراجح كما مر مرارًا ﴿بَدَّلَهُ﴾: فعل ومفعول في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه فعل الشرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾ ﴿بعد﴾: منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿بَدَّلَ﴾. ﴿ما﴾ مصدرية، أو موصولة في محل الجر مضاف إليه. ﴿سَمِعَهُ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾ والجملة صلة ﴿ما﴾ المصدرية، و ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه؛ تقديره: فمن بدل ذلك الإيصاء بعد سماعه ذلك الإيصاء، أو صلة ﴿ما﴾ الموصولة؛ تقديره: فمن بدل ذلك الإيصاء بعد الإيصاء الذي سمعه ﴿فَإِنَّمَا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية وجوبًا ﴿إنما﴾: أداة حصر. ﴿إِثْمُهُ﴾: مبتدأ ومضاف إليه. ﴿عَلَى الَّذِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة: مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. ﴿يُبَدِّلُونَهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿إنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿سَمِيعٌ﴾: خبر أول. ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر ثانٍ وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.

стр. 1164

﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)﴾. ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر؛ تقديره: إذا عرفتم أن من بدله آثم، وأردتم بيان حكم من خاف من موص جنفًا .. فأقول لكم: ﴿من خاف﴾ ﴿مَنْ﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط. ﴿خَافَ﴾: فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾ ﴿مِنْ مُوصٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿خاف﴾ ﴿جَنَفًا﴾: مفعول به. ﴿أَوْ إِثْمًا﴾: معطوف عليه. ﴿فَأَصْلَحَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿أصلح﴾: فعل ماضٍ في محل الجزم، معطوف على خاف، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿بَيْنَهُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بأصلح. ﴿فَلَا﴾: ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية وجوبًا ﴿لا﴾: نافية تعمل عمل إن. ﴿إِثْمَ﴾: في محل النصب اسمها. ﴿عَلَيْهِ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ﴿لا﴾، وجملة ﴿لا﴾ من اسمها وخبرها في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾. ﴿إنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿غَفُورٌ﴾: خبر أول لها. ﴿رَحِيمٌ﴾: خبر ثان لها، وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. التصريف ومفردات اللغة ﴿قِبَلَ الْمَشْرِقِ﴾: قِبَل ظرف مكان، تقول: زيد قِبَلَك؛ أي: في المكان الذي هو مقابلك، وقد يتوسع فيه، فيكون بمعنى العندية المعنوية، تقول: لي قبل زيد دين؛ أي: عنده. ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ وفي "السمين" (١): في هذه الجملة أربعة أوجه:

стр. 1165

أحدهما: أن ﴿البر﴾، اسم فاعل مِنْ بَرَّ يَبَرُّ، من باب فرح، والأصل بَرِرَ - بكسر الراء الأولى - بوزن بَطِن وفَرِح، فلما أريد الإدغام .. نقلت كسرة الراء إلى الباء بعد سلب حركتها، فعلى هذا لا يحتاج الكلام إلى حذف وتأويل، فكأنه قيل: ولكن الشخص البرّ من آمن، ويؤيد هذا القراءة الشاذة بصيغة اسم الفاعل الصريح. الثاني: أن الكلام على حذف مضاف من الأول؛ تقديره: ولكن ذا البرِّ مَنْ آمن. الثالث: أن الكلام على حذف مضاف من الثاني؛ تقديره: ولكن البرَّ برُّ مَنْ آمن. الرابع: أن المصدر الذي هو البر - بالكسر - بمعنى اسم الفاعل الصريح الذي هو ﴿البار﴾، ويؤيده القراءة، الشاذة أيضًا. ﴿عَلَى حُبِّهِ﴾ والحب: مصدر حَبه يحِبه - بفتح الباء وكسر الحاء - حبًّا لغة في أحبه يُحِبه بضم الياء وكسر الحاء، ويجوز أن يكون مصدرًا للرباعي على حذف الزوائد، ويجوز أن يكون اسم مصدر لأحب الرباعي، ومصدره الأحباب. ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ (١) والرقاب: جمع رقبة، والرقبة مؤخر العنق، واشتقاقها من المراقبة، وذلك أن مكانها من البدن مكان الرقيب المشرف على القوم، ولهذا المعنى يقال: أعتق الله رقبته، ولا يقال أعتق الله عنقه؛ لأنها لما سميت رقبة كانت كأنها تراقب العذاب، ومن هذا يقال للتي لا يعيش لها ولد: رقوب لأجل مراعاتها موت ولدها. قال في "المنتخب": وفِعال جمعٌ يطَّرد في فَعَلَة سواء كانت اسمًا نحو رقبة ورقاب، أو صفة نحو حسنة وحسان، وقد يعبر بالرقبة عن الشخص بجملته. ﴿فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ اسمان مشتقان من ﴿البُؤس﴾ بضم الباء و ﴿الضُر﴾

стр. 1166

بضم الضاد وألفهما للتأنيث، و ﴿البؤس﴾ بالضم و ﴿البأساء﴾ بالمد: الفقر، يقال: بَئِس الرجل - بكسر الهمزة - يبأَس بالفتح على القياس، ويئِس بالكسر على الشذوذ بؤسًا، وبئيسًا، وبؤوسًا، وبؤس إذا اشتدت حاجته وافتقر ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ يقال: بَؤُسَ الرجل - من باب كَرُم - بأْسًا بسكون الهمزة إذا شجع. ﴿الْقِصَاصُ﴾: مصدر قاصّ يُقاصّ مُقَاصَّةً وقِصَاصًا، نحو قاتل يقاتل مقاتلةً وقتالًا، والقصاص: مقابلة الشيء بمثله، ومنه قتل من قُتِل بالمقتول. ﴿فِي الْقَتْلَى﴾: جمع ﴿قتيل﴾ بمعنى: ﴿مقتول﴾ يستوي فيه المذكر والمؤنث، كجَرْحَى جمع (جريح)، وفعلى ينقاس في جمع فعيل بمعنى مفعول. ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾: ﴿الْحُرُّ﴾: معروف، تقول: حر الغلام يحر حرية - من باب منع - إذا عتق، يجمع على أحرار كمر وأمرار، وهو غير مقيس، والأنثى حرة، وتجمع على حرائر. ﴿الأنثى﴾: معروف، وهي فعلى، والألف فيه للتأنيث، وهو مقابل الذكر الذي هو مقابل المرأة، ويقال للخصيتين: أنثيان، وهذا البناء لا تكون ألفه إلا للتأنيث، ولا تكون للإلحاق؛ لفقد فعلل في كلامهم. ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ﴾ و (الأداء): اسم مصدر بمعنى التأدية، يقال: أديت الدين - أداء وتأدية - إذا قضيته. ﴿أولوا الألباب﴾: ﴿أولو﴾ هو من الأسماء التي هي في الرفع بالواو، وفي الجر والنصب بالياء، ومعنى ﴿أولو﴾: ﴿أصحاب﴾، ومفرده من غير لفظه؛ وهو (ذو) بمعنى صاحب. ﴿الْأَلْبَابِ﴾: جمع لُبّ؛ وهو العقل الخالي من الهوى، سمي بذلك؛ إما لبنائه من قولهم: ألب بالمكان ولب به إذا أقام، وإما من اللباب؛ وهو الخالص، وهذا الجمع مطرد، أعني أن يجمع فعل ما على أفعال. ﴿الْوَصِيَّةُ﴾ والوصية: تبرع مضاف لما بعد الموت، وهي: إما مصدر سماعي، أو اسم مصدر لوصى توصيةً ووصية، أو أوصى إيصاءً ووصيةً. ﴿جَنَفًا﴾ الجنف: الجور، وهو مصدر لجنف بكسر النون - من باب فَرِح - يَجْنَف جَنَفًا، فهو جَنِف وجانف، ويقال: أجنف الرجل إذا جاء بالجنف، كما يقال: ألاَمَ الرجل إذا أتى بما يلام عليه، وأخَسَّ الرجل إذا أتى بخسيس.

стр. 1167

البلاغة ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ جعل البر نفس من آمن على طريق المبالغة، وهذا معهود في كلام البلغاء، كقولهم السَّخاءُ حاتم، والشِّعرُ زهير؛ أي: إن السخاءَ سخاءُ حاتمٍ، والشعرَ شعرُ زهير. ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ فيه إيجاز بالحذف؛ أي: وفي فك الرقاب؛ أي: في فداء الأسرى والمكاتبين، وفي لفظ ﴿الرقاب﴾ مجاز مرسل حيث أطلق الرقبة، وأراد به النفس، وهو من إطلاق الجزء وإرادة الكل. ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ﴾ منصوب على الاختصاص؛ أي: وأخص الصابرين بالذكر، وإنما لم يؤت به مرفوعًا كقوله: والموفون بأن يقال: والصابرون تنبيهًا على فضيلة الصبر، وهو في الحقيقة معطوف على ما قبله من حيث المعنى. قال أبو علي: إذا ذكرت صفات للمدح أو الذم، وخولف الإعراب في بعضها .. فذلك تفنن، ويسمى قطعًا؛ لأن تغيير المألوف يدل على زيادة ترغيب في استماع المذكور، ومزيد اهتمام بشأنه. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾: مبتدأ وخبر، وأتى بخبر ﴿أُولَئِكَ﴾ الأول موصولًا، وصل بفعل ماضٍ، إشعارًا بتحقق اتصافهم بالصدق، وإن ذلك قد وقع منهم واستقر، وأتى بخبر ﴿أُولَئِكَ﴾ الثاني موصولًا، وصل بجملة اسمية ليدل على الثبوت، وأنه ليس متجددًا، بل صار كالسجية لهم، ومراعاة للفاصلة أيضًا. ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ ﴿الْمُتَّقِينَ﴾ من باب الإلهاب والتهييج. ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ قال أبو السعود: فيه بيان لمحاسن الحكم المذكور على وجه بديع لا تنال غايته، حيث جعل الشيء؛ وهو القصاص محلًّا لضده؛ وهو الحياة، ونكر الحياة ليدل على أن في هذا الجنس نوعًا من الحياة عظيمًا، لا يبلغه الوصف. وبَيْنَ قوله: ﴿اتباع﴾ و ﴿أداء﴾ وكذا بين قوله: ﴿الحر﴾ و ﴿العبد﴾ الطباق.

стр. 1168

﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ﴾؛ أي: علم؛ وهو مجاز مرسل، والعلاقة السببية، وهو أن الإنسان لا يخاف شيئًا حتى يعلم أنه مما يخاف منه، فهو من باب التعبير عن السبب بالمسبب. والله أعلم * * *

стр. 1169

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥) وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦) أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)﴾. المناسبة مناسبة (١) هذه الآيات لما قبلها: أنه تعالى أخبر أولًا بكتب القصاص؛ وهو إتلاف النفوس، وهو من أشق التكاليف، فيجب على القاتل إسلام نفسه للقتل، ثم أخبر ثانيًا بكتب الوصية، وهو إخراج المال الذي هو عديل الروح، ثم انتقل ثالثًا إلى كتب الصيام؛ وهو منهك للبدن مضعف له، مانع وقاطع ما ألفه الإنسان من الغذاء بالنهار؛ فابتدأ بالأشق ثم بالأشقّ بعده ثم بالشاق، فهذا انتقال فيما كتبه الله على عباده في هذه الآية، وكان فيما قبل ذلك قد ذكر أركان الإسلام ثلاثة الإيمان والصلاة والزكاة فأتى بهذا الركن الرابع؛ وهو الصوم، ونادى

стр. 1170

المؤمنين عند إعلامهم بهذا المكتوب الثالث الذي هو الصيام؛ لينبههم على استماع ما يلقى إليهم من هذا التكليف، ولم يحتج إلى نداء في المكتوب الثاني؛ لانسلاكه مع الأول في نظام واحد؛ وهو حضور الموت بقصاص أو غيره، وتباين هذا التكليف الثالث منها. أسباب النزول قوله (١) تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ...﴾ الآية، أخرج ابن سعد في "طبقاته" عن مجاهد قال: هذه الآية نزلت في مولاي قيس بن السائب: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾: فأفطر وأطعم لكل يوم مسكينًا. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي ...﴾ الآية، عن الصلت بن حكيم بن معاوية بن حيدة، عن أبيه، عن جده قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فقال: أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه، فسكت عنه؛ فأنزل الله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ ...﴾ الآية. وأخرج عبد الرزاق عن الحسن قال: سأل أصحاب محمد ﷺ النبي ﷺ أين ربنا؟ فأنزل الله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ...﴾ الآية. مرسل، وله طرق أخرى. وأخرج ابن عساكر عن علي قال: قال رسول الله ﷺ :"لا تعجزوا عن الدعاء فإن الله أنزل علي: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ " فقال رجل: يا رسول الله، ربنا يسمع الدعاء، أم كيف ذلك؟ فأنزل الله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي ...﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾. روى البخاري ﵀ عن البراء ﵁ قال: كان أصحاب

стр. 1171

محمد ﷺ إذا كان الرجل صائمًا، فحضر الإفطار، فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وأن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائمًا، فلما حضر الإفطار أتى امرأته، فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا ولكن أنطلق، فأطلب لك، وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه، فقالت: خيبة لك، فلما انتصف النهار أُغشي عليه، فذكر ذلك للنبي ﷺ فنزلت هذه الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ ففرحوا بها فرحًا شديدًا، ونزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾. وفي لفظ له في كتاب "التفسير": لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله وكان رجال يخونون أنفسهم؛ فأنزل الله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية. وظاهر الروايتين التغاير، لكن لا مانع من أن تكون نزلت في هؤلاء وفي هؤلاء. وروى أبو داود، وأحمد، والحاكم من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل ﵁ قال: كانوا يأكلون ويشربون، ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا امتنعوا، ثم إن رجلًا من الأنصار - يقال له: قيس بن صرمة - صلى العشاء، ثم نام، فلم يأكل، ولم يشرب حتى أصبح، فأصبح مجهودًا، وكان عمر قد أصاب من النساء بعد ما نام، فأتى النبي ﷺ ، فذكر ذلك له، فأنزل الله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ هذا الحديث مشهور عن ابن أبي ليلى، عن معاذ لكنه لم يسمع من معاذ، وله شواهد كما أخرجه البخاري عن البراء. وأخرجه أحمد، وابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه قال: كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فأمسى، فنام .. حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد، فرجع عمر من عند النبي ﷺ ، وقد سمر عنده، فأراد امرأته، فقالت: إني قد نمت، قال: ما نمت، ووقع عليها، وصنع كعب مثل ذلك، فغدا عمر إلى النبي ﷺ فأخبره، فنزلت الآية.

стр. 1172

قوله تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ روى البخاري عن سهل بن سعيد قال: أنزلت ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ ولم ينزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله بعد ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فعلموا أنما يعني الليل والنهار. قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ ..﴾ الآية، أخرج ابن جرير عن قتادة قال: كان الرجل إذا اعتكف، فخرج من المسجد: جامع إن شاء، فنزلت: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. التفسير وأوجه القراءة ١٨٣ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وصدَّقوا بما جاء به محمد ﷺ ، وناداهم بالإيمان تنبيهًا لهم على استماع ما يلقى إليهم من هذا التكليف. ﴿كُتِبَ﴾؛ أي: فرض ﴿عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾؛ أي: صيام شهر رمضان ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾؛ أي: كتب عليكم كتابته على الذين سبقوا من قبلكم من الأنبياء وأممهم، من لدن آدم إلى عهدكم هذا، لكن لا كصومنا من كل وجه، فالتشبيه في الفرضية لا الكيفية والثواب. والمعنى: أن الصوم عبادة قديمة؛ أي: في الزمن الأول ما أخلى الله أمة لم يفرضه عليهم كما فرضه عليكم، وأنتم متعبدون بالصيام في أيام كما تَعَبَّد من كان قبلكم به. وحكمة ذكر التشبيه: التأكيد في الأمر والتسلي بمن كان قبلنا، وذلك لأن الصوم عبادة شاقة، والشيء الشاق إذا عمَّ سهل عمله. والصومُ لغةً: الإمساك عن الشيء، ولو عن الكلام كما في قول مريم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾؛ أي: صمت، وشرعًا: الإمساك عن المفطرات من الأكل والشرب وغيرهما في وقت مخصوص، وهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية مخصوصة؛ وهي نية التقرب إلى الله تعالى. قال (١) الراغب: للصوم

стр. 1173

فائدتان: رياضة الإنسان نفسه عما تدعوه إليه من الشهوات، والاقتداء بالملأ الأعلى على قدر الوسع. وقيل (١): إن صيام شهر رمضان كان واجبًا على النصارى كما فرض علينا، فصاموا رمضان زمانًا، فربما وقع في الحر الشديد والبرد الشديد، وكان يشق ذلك عليهم في أسفارهم ويضرهم في معايشهم، فاجتمع رأي علمائهم ورؤسائهم أن يجعلوه في فصل من السنة معتدل بين الصيف والشتاء، فجعلوه في فصل الربيع، ثم زادوا فيه عشرة أيام كفارةً لما صنعوا، فصاموا أربعين يومًا، ثم بعد زمان اشتكى ملكهم فمه، فجعل لله عليه إن هو برأ من وجعه أن يزيد في صومهم أسبوعًا، فبرأ، فزاد فيه أسبوعًا، ثم مات ذلك الملك بعد زمان ووليهم ملك آخر، فقال: ما شأن هذه الثلاثة أيام؟ أتموها خمسين يومًا، فأتموه، وقيل: أصابهم موتان، فقالوا: زيدوا في صيامكم، فزادوا عشرًا قبله وعشرًا بعده. وقيل: كان النصارى أولًا يصومون، فإذا أفطروا فلا يأكلون ولا يشربون ولا يطؤون إذا ناموا ثم انتبهوا، وكان ذلك في أول الإِسلام، ثم نسخ بسبب عمر وقيس بن صرمة كما مر. واختلف (٢) المفسرون في وجه التشبيه ما هو، فقيل: هو قدر الصوم ووقته، فإن الله كتب على اليهود والنصارى صوم رمضان، فغيروا، وقيل: هو الوجوب فإن الله وجب على الأمم الصيام، وقيل: هو الصفة؛ أي: ترك الأكل والشرب، ونحوهما في وقت، فعلى الأول معناه: أن الله كتب على هذه الأمة صوم رمضان كما كتبه على الذين من قبلهم، وعلى الثاني: أن الله أوجب على هذه الأمة الصيام كما أوجبه على الذين من قبلهم وعلى الثالث: أن الله سبحانه أوجب على هذه الأمة الإمساك عن المفطرات كما أوجبه على الذين من قبلهم. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾؛ أي: لكي تخافون عقاب الله بصومكم وترككم للشهوات، فالرغبة في المطعوم والمنكوح أشد من الرغبة في غيرهما، والاتقاء

стр. 1174

عنهما أشق، فإذا سهل عليكم اتقاء الله بتركهما .. كان اتقاء الله بترك غيرهما أسهل وأخف، وقيل: لعلكم تتقون المعاصي بالمحافظة على عبادة الصوم؛ فإنه يكسر الشهوة ويضعف دواعي المعاصي، كما ورد في الحديث "ومن لم يستطع - يعني الباءة - فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء"؛ أي: قاطع لشهوته كما تنقطع بالخصي، وقيل معناه: لعلكم تنتظمون في زمرة المتقين؛ لأن الصوم من شعارهم. ١٨٤ - صوموا ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾؛ أي: أيامًا مقدرات بعدد معلوم ثلاثين يومًا، وهي شهر رمضان، ويقال (١): إن فريضة رمضان نزلت في السنة الثانية من الهجرة، وذلك قبل غزوة بدر بشهر وأيام، وكانت غزوة بدر يوم الجمعة لسبع عشرة خلت من رمضان على رأس ثمانية عشر شهرًا من الهجرة، وشرط وجوبه الإطاقة بأن كان صحيحًا مقيمًا. ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ﴾ أيها الأمة المحمدية ﴿مَرِيضًا﴾ مرضًا يشق معه الصوم ويضره، أو يزيد بالصوم ولو في أثناء النهار ﴿أَوْ﴾ كان عازمًا ﴿عَلَى﴾ إتمام ﴿سَفَرٍ﴾ ومتلبسًا به ولو قصيرًا، فلا يبيح (٢) السفر الفطر إذا طرأ في أثناء النهار، وهذا سر التعبير بـ ﴿عَلَى﴾ السفر دون المرض؛ أي: فمن كان مريضًا أو عازمًا على إتمام السفر، ومتمكنًا منه بأن كان متلبسًا به وقت طلوع الفجر إن لم يشق معه الصوم، فإن المسافر يباح له الفطر، وإن لم يجهده الصوم، ولا فرق في السفر بين كونه برًّا أو بحرًا أو جوًا، والحق (٣) أن ما صدق عليه مسمى السفر؛ فهو الذي يباح عنده الفطر، وكذا ما صدق عليه مسمى المرض؛ فهو الذي يباح عنده الفطر، وقد وقع الإجماع على الفطر في سفر الطاعة، واختلفوا في الأسفار المباحة، والحق أن الرخصة ثابتة فيه، وكذا اختلفوا في سفر المعصية؛ أي: فمن كان منكم مريضًا أو مسافرًا، فأفطر في رمضان .. فعليه عدة؛ أي: فواجب عليه

стр. 1175

صيام عدد ما أفطر من رمضان للمرض أو للسفر ﴿مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾؛ أي: من أيام غير رمضان قضاءً عما أفطر في رمضان، وقرىء ﴿عدةً﴾ بالنصب؛ أي: فليصم عدة من أيام أخر، ولو مفرقًا. وعن أبي عبيدة بن الجراح ﵁ أنه قال: إن الله تعالى لم يرخص لكم في فطره وهو يريد أن يشق عليكم في قضائه إن شئت فَوَاتِر، وإن شئت فَفَرق، وروي أن رجلًا قال للنبي ﷺ : علي أيام من رمضان فيجزيني أن أقضيها متفرقة، فقال له: "أرأيت لو كان عليك دين فقضيته الدرهم والدرهمين أما كان يجزيك"؟ قال: نعم، قال: "فالله أحق أن يعفو ويصفح". وعن عائشة أن حمزة الأسلمي سأل النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، هل أصوم على السفر؟ فقال: "صم إن شئت، وأفطر إن شئت" وروى الشافعي أن عطاء قال لابن عباس: أقصر إلى عرفة؟ فقال: لا، فقال: إلى مر الظهران؟ فقال: لا، لكن أقصر إلى جدة وعسفان والطائف. قال مالك: بين مكة وجدة وعسفان أربعة برد. ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾؛ أي: يقدرون على الصوم بأن لم يكن لهم عذر مرضٍ ولا سفر؛ أي: القادرين على الصوم إن أفطروا ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾؛ أي: جزاء وضمان قدر ما يأكله مسكين واحد في يوم واحد، يعطيه للمسكين بدل كل يوم من رمضان؛ وهو مدٌّ من غالب قوت بلده. وقد اختلف أهل العلم في هذه الآية (١)، هل هي محكمة أو منسوخة؟ فقيل: إنها منسوخة، وإنما كانت رخصة عند ابتداء فرض الصيام؛ لأنه شق عليهم؛ لأنهم لم يتعودوا الصيام، فرخص لهم في الإفطار، فكان من أطعم كل يوم مسكينًا .. ترك الصوم وهو يطيقه، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وهذا قول الجمهور. وعن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَعَلَى

стр. 1176

الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ..﴾ كان من أراد أن يفطر ويفتدي فعل، حتى نزلت هذه الآية التي بعدها فنسختها، وفي رواية حتى نزلت هذه الآية ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. متفق عليه. وروي عن بعض أهل العلم أنها لم تنسخ، وأنها رخصة للشيوخ والعجائز خاصةً إذا كانوا لا يطيقون الصوم إلا بمشقة. والمعنى على هذا: وعلى الذين يقدرون على الصوم مع المشقة فدية. وعن عطاء أنه سمع ابن عباس ﵄ يقرأ: ﴿وعلى الذين يطوقونه فدية طعام مسكين﴾: قال ابن عباس ﵄: ليست بمنسوخة هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا، وهو حديث آحاد؛ أي لا يحتج به في إثبات القرآن الكريم. وقراءة (١) الجمهور: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ - بكسر الطاء وسكون الياء - من أطاق، وأصله: يطوقونه، نقلت الكسرة إلى الطاء، وانقلبت ﴿الواو﴾ ياء؛ لانكسار ما قبلها. وقرأ أحمد ﴿يطوقونه﴾ على الأصل من غير إعلال، من أطوق، كقولهم أطول في أطال. وقرأ ابن عباس ﴿يطَوّقونه﴾ بفتح الطاء مخففة وتشديد ﴿الواو﴾ المفتوحة؛ أي: يكلفونه. وروى ابن الأنباري عن ابن عباس ﴿يَطّيَقونه﴾ بفتح الياء وتشديد الطاء والياء المفتوحتين بمعنى: يطيقونه، وما عدا قراءة الجمهور شاذ لا يقرأ به. وقرأ أهل المدينة والشام: ﴿فديةُ طعامِ﴾ مضافًا إضافة بيانيةً؛ أي: بإضافة فدية إلى طعام، وعليها يتعين جمع المساكين، وأما على عدم الإضافة: فيصح الجمع والإفراد، فالقراءت ثلاث، وقرؤوا أيضًا: ﴿مساكين﴾ بالجمع، وقرأ ابن عباس: ﴿طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾؛ وهي قراءة أبي عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وكله في المتواتر. و ﴿الفدية﴾ الجزاء؛ وهو القدر الذي يبذله الإنسان يقي به نفسه من تقصيرٍ

стр. 1177

وقَعَ منه في عبادة ونحوها، وقد اختلفوا في مقدار الفدية، فقيل: كل يوم صاع من غير البر ونصف صاع منه، وقيل: مُدّ فقط؛ وهو قول فقهاء الحجاز، وقال ابن عباس ﵄: يعطي كل مسكين عشاءه وسحوره. ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ﴾؛ أي: تبرع ﴿خَيْرًا﴾ فزاد في الفدية على القدر الواجب، أو صام مع إخراج الفدية، أو أطعم مع المسكين مسكينًا آخر، وقرأ عيسى ابن عمرو، ويحيى بن ثابت، وحمزة، والكسائي ﴿يَطُّوْع﴾ مشددًا مع جزم الفعل على معنى يتطوع، وقرأ الباقون: بتخفيف الطاء على أنه فعل ماضٍ: ﴿فَهُوَ﴾؛ أي: فذلك التطوع ﴿خَيْرٌ لَهُ﴾ بالثواب، ﴿وَأَنْ تَصُومُوا﴾ أيها المرخصون لكم في الإفطار من المرضى والمسافرين والذين يقدرون على الصوم مع المشقة ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من الإفطار والفدية، أو تطوع الخير، أو منهما ومن التأخير للقضاء. وقرأ أبي: ﴿والصوم خير لكم﴾ وهي قراءة شاذة. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ما في الصوم من الفضيلة، ومن المعاني المورثة للتقوى، وبراءة الذمة، فإن العبادة كلما كانت أشق .. كانت أكثر ثوابًا، وجواب ﴿لو﴾ محذوف دل عليه ما قبله؛ تقديره: اخترتموه. وقد ورد في فضل الصوم أحاديث كثيرة. وأخرج (١) عبد بن حميد، وابن جرير، والدارقطني، وصححه عن ابن عباس أنه قال لأم ولد له حامل أو مرضعة: أنت بمنزلة الذين لا يطيقون الصوم، عليك الطعام، لا قضاء عليك. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والدارقطني عن ابن عمر أن إحدى بناته أرسلت إليه تسأله عن صوم رمضان، وهي حامل؟ قال: تفطر وتطعم كل يوم مسكينًا، وقد روي نحو هذا عن جماعة من التابعين. ١٨٥ - ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾؛ أي: تلك الأيام المعدودات التي فرضت صومها عليكم أيها المؤمنون؛ هي شهر رمضان الذي ابتدي فيه إنزال القرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في محل من تلك السماء يسمى:

стр. 1178

بيت العزة، ثم نزل جبريل بالقرآن على رسول الله ﷺ نجومًا في ثلاث وعشرين سنة - مدة النبوة - بحسب الحاجة يومًا بيوم، آية وآيتين وثلاثًا، وسورة، وقرأ الجمهور: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ بالرفع. وقرأه بالنصب شاذًا مجاهد وغيره، وفي "القرطبي" (١) ما نصه: قال ابن عباس: أنزل القرآن من اللوح المحفوظ جملة واحدة إلى الكتبة في سماء الدنيا، ثم نزل به جبريل ﵇ نجومًا؛ يعني: الآية والآيتين في إحدى وعشرين سنة. اهـ. أو المعنى: أنزل في شأنه القرآن، وهو قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، ورمضان مأخوذ من رمض الصائم يرمض إذا احترق جوفه من شدة العطش، و ﴿القرآن﴾ اسم لهذا الكتاب الذي أنزل على رسول الله ﷺ حالة كونه. ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾؛ أي: هاديًا للناس من الشرك والضلالة إلى التوحيد والإيمان ﴿و﴾ حالة كونه آيات ﴿بينات من الهدى﴾؛ أي: آيات واضحات من أمر الدين، من الحرام والحلال، والحدود والأحكام، فالهدى الأول: محمول على أصول الدين، والهدى الثاني: على فروع الدين ﴿و﴾ من ﴿الفرقان﴾؛ أي: ومن الفرق بين الحق والباطل، والمعنى: حالة كونها آيات واضحات كائنات مما يهدي إلى الحق، ومما يفرق بين الحق والباطل، وعطف ﴿الفرقان﴾ على ﴿الْهُدَى﴾ من عطف الخاص على العام، فكل أخص مما قبله ﴿الهدى﴾ صادق بالواضح وغيره كان معه دليل أم لا، والـ ﴿بينات﴾ من الهدى صادقة بوجود الحجج معها أم لا، ﴿وَالْفُرْقَانِ﴾ هو الآيات البينات التي معها حجج، ﴿فَمَنْ شَهِدَ﴾؛ أي: حضر ﴿مِنْكُمُ﴾ أيها المؤمنون هذا ﴿الشَّهْرَ﴾ يعني شهر رمضان ولم يكن في سفر، بل كان مقيمًا صحيحًا؛ أي: فمن كان حاضرًا مقيمًا غير مسافر، فأدركه الشهر ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾؛ أي: فليصم في هذا الشهر، فالخطاب للمكلف القادر غير المعذور. وقال جماعة من السلف والخلف (٢): أن من أدركه شهر رمضان مقيمًا غير مسافر .. لزمه صيامه سافر ذلك أو أقام؛ استدلالًا بهذه الآية. وقال الجمهور:

стр. 1179

إنه إذا سافر أفطر؛ لأن معنى الآية: إذا حضر الشهر من أوله إلى آخره، لا إذا حضر بعضه وسافر، فإنه لا يتحتم عليه إلا صوم ما حضره، وهذا هو الحق، وعليه دلت الأدلة الصحيحة من السنة، وقد كان يخرج ﷺ في رمضان فيفطر. وشهود الشهر (١): إما بالرؤية، وإما بالسماع، فإذا رأى إنسان هلال رمضان، وقد انفرد بتلك الرؤية، ورد الإِمام شهادته .. لزمه أن يصوم؛ لأنه قد حصل شهود الشهر في حقه فوجب عليه الصوم، وإذا شهد عدلان على رؤية الهلال .. حكم بهما في الصوم والفطر جميعًا، وإذا شهد عدل واحد على رؤية هلال شوال .. لا يحكم به، أما إذا شهد على هلال رمضان: فيحكم به احتياطًا لأمر الصوم؛ أي: يقبل قول الواحد في إثبات العبادة، ولا يقبل في الخروج منها إلا قول اثنين؛ لكي يصوموا ولا يفطروا احتياطًا. ﴿وَمَنْ كَانَ﴾ منكم ﴿مَرِيضًا﴾ في شهر رمضان، وإن كان مقيمًا ﴿أَوْ﴾ كائنًا ﴿عَلَى سَفَرٍ﴾ ومتلبسًا به وقت طلوع الفجر، وإن كان صحيحًا ﴿فَعِدَّةٌ﴾؛ أي: فعليه صيام قدر ما أفطر من رمضان ﴿مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾؛ أي: من أيام غير رمضان، وهذا الكلام تقدم مثله، وإنما كرره (٢)؛ لأن الله تعالى ذكر في الآية الأولى تخيير المريض والمسافر والمقيم الصحيح، ثم نسخ تخيير المقيم الصحيح بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فلو اقتصر على هذا .. لاحتمل أن يشمل النسخ الجميع، فأعاد بعد ذكر الناسخ الرخصة للمريض والمسافر؛ ليعلم أن الحكم باق على ما كان عليه. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾؛ أي: يريد الله التسهيل عليكم أيها المؤمنون بترخيص الإفطار لكم بعذر المرض والسفر ﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾؛ أي: ولم يرد التشديد عليكم بإيجاب الصوم في السفر والمرض، وقرىء بإسكان السينين في اليسر والعسر، وبضمهما.

стр. 1180

ولكون ذلك في معنى العلة عطف عليه قوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا﴾ بالتخفيف والتشديد ﴿الْعِدَّةَ﴾؛ أي: عدة صوم رمضان، والتقدير: وإنما (١) أرخص لكم في الإفطار للمرض والسفر ونحوهما من الأعذار؛ لإرادته بكم اليسر، وإنما أمركم بالقضاء لتكملوا عدة شهركم بتدارك ما فات منها بالقضاء ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾؛ أي: ولتذكروا الله بالتكبير وغيره عند انقضاء عبادتكم شكرًا ﴿عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾؛ أي: على هدايته إياكم إلى معالم دينكم وإرشاده إياكم إلى هذه العبادة. قال ابن عباس ﵄: حقٌّ على المسلمين إذا رأوا هلال شوال أن يكبروا، وقال الشافعي: وأحب إظهار التكبير في العيدين، وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق، وأبو يوسف، ومحمد. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ الله على رخصه بالمحافظة على ما أمركم الله به من أداء فرائضه، وترك محارمه، وحفظ حدوده. وإنما ختمت هذه الآية (٢) بترجي الشكر؛ لأن قبلها تيسيرًا وترخيصًا، فناسب ختمها بذلك، وختمت الآيتان قبلها بترجي التقوى، وهما قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾؛ لأن القصاص والصوم من أشق التكاليف، فناسب ختمها بذلك، وهذا مطرد في القرآن، فحيث ورد ترخيص عقب بترجي الشكر غالبًا، وحيث جاء عدم ترخيص عقب بترجي التقوى وشبهها، وهذا من محاسن علم البيان. ١٨٦ - ولما سأل الناس رسول الله ﷺ أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ نزل قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ﴾ يا محمد ﴿عِبَادِي عَنِّي﴾؛ أي: عن قربي أو بعدي ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾؛ أي: فقل لهم يا محمد: أني قريب منهم، بالعلم والإجابة والإنعام، والقرب هنا عبارة عن سماعه لدعائهم، وقال في "الكشاف": إنه تمثيل لحاله في سهولة إجابته لمن دعاه، وسرعة إنجاحه حاجة من سأله بمن قرب مكانه، فإذا دعي أسرعت تلبيته. ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾؛ أي: أسمع وأقبل دعاء عبدي الداعي

стр. 1181

إذا ﴿دَعَانِ﴾: وهذا تقرير للقرب ووعد للداعي بالإجابة. ثم إجابة الدعاء (١) وعد صدق من الله لا خلف فيه، غير أن إجابة الدعاء تخالف قضاء الحاجة، فإجابة الدعوة أن يقول العبد: يا رب، فيقول الله: لبيك عبدي، وهذا أمر موعود موجود لكل مؤمن، وقضاء الحاجة إعطاء المراد، وهذا قد يكون ناجزًا، وقد يكون بعد مدة، وقد يكون في الآخرة، وقد تكون الخيرة له في غيره. وقيل (٢): المراد من الدعاء التوبة من الذنوب؛ لأن التائب يدعو الله تعالى عند التوبة، وإجابة الدعاء هو قبول التوبة، وقيل: المراد من الدعاء العبادة، قال ﷺ :"الدعاء هو العبادة" ومما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾: وقرأ أبو عمرو، وقالون عن نافع: ﴿الداعي إذا دعاني﴾ بإثبات الياء فيهما مع الوصل، والباقون بحذفها على الوصل في الأولى، وعلى التخفيف في الثانية. ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾؛ أي: فليجيبوا إلى دعوتي إذا دعوتهم إلى الإيمان والطاعة، كما أني أجيبهم إذا دعوني لحوائجهم ومهماتهم، ولينقادوا لي وليستسلموا لأوامري، فالإجابة من العبد الطاعة، ومن الله الإثابة والعطاء ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾؛ أي: وليواظبوا على الإيمان بي وبرسولي، وهذا الترتيب يدل على أن العبد لا يصل إلى نور الإيمان وقوته إلا بتقدم الطاعات والعبادات ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ ويهتدون؛ أي: لكي يهتدوا إلى مصالح دينهم ودنياهم إذا استجابوا لي، وآمنوا بي وبرسولي. ثم إنه كانت الشريعة صدرَ الإِسلام أنَّ الرجل إذا أمسى .. حلَّ له الأكل والشرب والجماع إلى أن يصلي العشاء الآخرة، أو يرقد، فإذا صلاها، أو رقد ولم يفطر .. حَرُمَ عليه الطعام والشراب والنساء إلى القابلة، ثم إن عمر رضي الله

стр. 1182

عنه واقع أهله بعد صلاة العشاء الآخرة، فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه، فأتى النبي ﷺ وأخبره بما فعل، فقال ﵇: "ما كنت جديرًا بذلك"؛ فنزلت هذه الآية الآتية ناسخة لتلك الشريعة. ١٨٧ - ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾؛ أي: أبيح لكم أيها الصائمون ﴿لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾؛ أي: ليالي الصيام ﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾؛ أي: إلى حلائلكم من زوجة وأمة؛ أي: المجامعة مع نسائكم والإفضاء إليها بالمباشرة ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾؛ أي: النساء سكن وستر لكم عن الحرام، وهذا الكلام مستأنف سيق تعليلًا لما قبله من الإحلال ﴿وَأَنْتُمْ﴾ أيها الرجال ﴿لِبَاسٌ﴾ وستر ﴿لَهُنَّ﴾ عن الحرام. قيل (١): لا يسكن شيء إلى شيء كسكون أحد الزوجين إلى الآخر، وسمي كل واحد من الزوجين لباسًا؛ لتجردهما عن النوم واجتماعهما في ثوب واحد، وقيل: اللباس اسم لما يواري، فيكون كل واحد منهما سترًا لصاحبه عما لا يحل، كما جاء في الحديث: "من تزوج فقد أحرز ثلثي دينه". وإنما قدم (٢) قوله: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾ على قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ تنبيهًا على ظهور احتياج الرجل إلى المرأة، وعدم صبره عنها، ولأنه هو البادىء بطلب ذلك، فحاجة الرجل إليها أكثر، لما في الحديث: "لا خير في النساء ولا صبر عنهن، يغلبن كريمًا ويغلبهن لئيم، وأحب أن أكون كريمًا مغلوبًا، ولا أحب أن أكون لئيمًا غالبًا". وكني باللباس عن شدة المخالطة. ﴿عَلِمَ اللَّهُ﴾ ﴿أَنَّكُمْ كُنْتُمْ﴾ أيها الصائمون قبل هذا الإحلال لكم ﴿تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾؛ أي: تظلمون أنفسكم بالجماع في ليالي رمضان وتنقصون حظها من الخير، والاختيان من الخيانة كالاكتساب من الكسب، فيدل على زيادة الخيانة من حيث كثرة مقدمات الجماع؛ لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى غالبًا.

стр. 1183

ففي هذه الجملة إشارة إلى سبب النزول. ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: قبل توبتكم حين تبتم مما ارتكبتم من المحظور، ﴿وَعَفَا عَنْكُمْ﴾؛ أي: محا ذنوبكم وما فعلتموه قبل النسخ ولم يعاقبكم على خيانتكم ﴿فَالْآنَ﴾؛ أي: ففي هذا الزمن الحاضر الذي أحل الله لكم فيه الرفث إلى نسائكم ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾: جامعوهن في ليالي الصوم؛ فهو حلال لكم لنسخ التحريم، وهو أمر إباحة، وسميت الجماع مباشرة؛ لالتصاق بشرتيهما عنده. ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾؛ أي: واطلبوا بالمباشرة ما قدر الله وقسمه لكم، وأثبته في اللوح المحفوظ من الولد، وفيه إشارة إلى أنه ينبغي للمباشر أن يكون غرضه الولد، فإنه الحكمة من خلق الشهوة وشرع النكاح: لإقضاء الوطر والشهوة، وقيل: فيه إشارة إلى النهي عن العزل. قال الشافعي: لا يعزل الرجل عن المرأة إلا بإذنها، ولا بأس أن يعزل من الأمة. وقيل: معنى ذلك ابتغوا هذه المباشرة من الزوجة والمملوكة، فإن ذلك هو الذي كتب الله لكم؛ أي: قسم الله لكم ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ الليل كله من أوله ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾ ويتضح ﴿لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾؛ أيّ: كلوا واشربوا الليل كله من أوله إلى أن يتبين ويظهر لكم بياض النهار من سواد الليل حال كون الخيط الأبيض بعضًا ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ الصادق، وسمي الصبح الصادق فجرًا؛ لأنه يتفجر وينتشر منه النور. وهذا أمر إباحة، وسُمِّيَا (١) خيطين؛ لأن كل واحد منهما يبدو في الأفق ممتدًا كالخيط، قال الشاعر: فَلَمَّا أَضَاءَتْ لَنَا سَدْفَةٌ ... وَلاَحَ مِنَ الصُّبْحِ خَيْطٌ أَنَارَا السدف: اختلاط الظلام، وأسدف الفجر: أضاء. واعلم: أن الفجرَ الذي يُحرِّمُ على الصائم الطعامَ والشرابَ والجماعَ هو الفجر الصادق المستطير المنتشر في الأفق سريعًا، لا الفجر الكاذب المستطيل.

стр. 1184

فإن قلتَ: كيف شبه الصبح الصادق بالخيط والخيط مستطيل، والصبح الصادق ليس بمستطيل؟ قلت: إن القدر الذي يبدو من البياض؛ وهو أول الصبح يكون رقيقًا صغيرًا ثم ينتشر؛ فلهذا شبه بالخيط، والفرق بين الفجر الصادق والفجر الكاذب: أن الفجر الكاذب يبدو في الأفق فيرتفع مستطيلًا، ثم يضمحل ويذهب، ثم يبدو الفجر الصادق بعده منتشرًا في الأفق مستطيرًا. وروى مسلم عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال، ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير هكذا". وحكاه حماد بيديه. قال: يعني معترضًا. وفي رواية الترمذي: "لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال، ولا الفجر المستطيل، ولكن الفجر المستطير في الأفق". فإذا تحقق طلوع الفجر الثاني وهو الصادق .. حرم على الصائم الطعام والشراب، والجماع إلى غروب الشمس، وهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾؛ أي: ثم بعد تبين الفجر الصادق أتموا الصيام والإمساك عن المفطرات في جميع النهار إلى دخول أول الليل بغروب الشمس، وهذا أمر إيجابٍ في صوم الفرض، وبيان لآخر وقت الصوم، ولإخراج الليل عنه، فينتفي صوم الوصال، ولمّا بين الله تعالى أن الجماع يحرم على الصائم نهارًا، ويباح ليلًا، فكان يحتمل أن حكم الاعتكاف كذلك؛ لأنه يشارك الصوم في غالب أحكامه .. بين الله بتحريمه على المعتكف ليلًا ونهارًا بقوله: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾؛ أي: لا تجامعوهن ليلًا ولا نهارًا ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ﴾؛ أي: ماكثون ﴿فِي الْمَسَاجِدِ﴾ بنية الاعتكاف للتقرب إلى الله تعالى، ولا تقربوهن ما دمتم معتكفين فيها ليلًا ونهارًا حتى تفرغوا من الاعتكاف. ﴿تِلْكَ﴾ الأحكام المذكورة في آيات الصيام من أولها إلى هنا ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾؛ أي: أوامره وزواجره، وأحكامه التي شرعها لكم؛ فلا تخالفوا الأوامر منها ولَا تَقْرَبُوا الزواجر والممنوعات منها؛ أي: من تلك الحدود كالأكل والشرب والجماع في الصوم، والمباشرة في حال الاعتكاف،

стр. 1185

والنهي عن القربان بالنظر إلى الزواجر منها، وإلا فالحدود تطلق على الأوامر أيضًا والله أعلم. ﴿كَذَلِكَ﴾، أي: كما بين الله أوامره وزواجره في الصوم والاعتكاف ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾؛ أي: معالم دينه وأحكام شريعته من الأوامر والزواجر في غير الصوم ﴿لِلنَّاسِ﴾ كافة على لسان رسوله ﷺ بيانًا شافيًا وإيضاحًا وافيًا ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، أي: لكي يتقوا مخالفة الأوامر والنواهي، فينجوا من العذاب. قيل (١): نزلت هذه الآية في حق نفر من أصحاب النبي ﷺ : علي بن أبي طالب، وعمار بن ياسر وغيرهما، فكانوا معتكفين في المسجد، فيأتون إلى أهاليهم إذا احتاجوا، ويجامعون نساءهم ويغتسلون، فيرجعون إلى المسجد، فنهاهم الله عن ذلك. الإعراب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾. يا: حرف نداء. ﴿أي﴾: منادى نكرة مقصودة. ﴿ها﴾: حرف تنبيه زائد. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل الرفع، أو في محل النصب صفة لـ ﴿أي﴾، وجملة النداء مستأنفة. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿كُتِبَ﴾ فعل ماض مغيَّر الصيغة. ﴿عَلَيْكُمُ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿الصِّيَامُ﴾: نائب فاعل، والجملة جواب النداء، لا محل لها من الإعراب. ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. ﴿كَمَا﴾: ﴿الكاف﴾: حرف جر وتشبيه، ﴿ما﴾: مصدرية، أو موصولة في محل الجر بالكاف، ﴿كُتِبَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود

стр. 1186

على ﴿الصِّيَامُ﴾. ﴿عَلَى الَّذِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿كُتِبَ﴾، والجملة صلة لما المصدرية، لـ ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالكاف؛ تقديره: ككتبه على الذين ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، الجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لمصدر محذوف؛ تقديره: كتب عليكم الصيام كتبًا كائنًا ككتبه على الذين من قبلكم، أو الجملة صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد ضمير الغائب، والجار والمجرور متعلق بواجب الحذف حال من ﴿الصِّيَامُ﴾؛ تقديره: كتب عليكم الصيام حالة كونه كائنًا كالصيام الذي كتب على الذين من قبلكم. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بواجب الحذف؛ لوقوعه صلة الموصول؛ تقديره: كما كتب على الذين استقروا من قبلكم ﴿لَعَلَّكُمْ﴾. ﴿لعل﴾: حرف ترج وتعليل ونصب، و ﴿الكاف﴾ اسمها، وجملة ﴿تَتَّقُونَ﴾: خبرها؛ تقديره: لعلكم متقون، وجملة ﴿لعل﴾ في محل الجر بلام التعليل المقدرة. ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. ﴿أَيَّامًا﴾: منصوب على الظرفية الزمانية. ﴿مَعْدُودَاتٍ﴾: صفة لـ ﴿أَيَّامًا﴾، والظرف متعلق بمحذوف جوازًا؛ تقديره: صوموا أيامًا، والجملة المحذوفة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. ﴿فَمَن﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر؛ تقديره: إذا عرفتم وجوب الصيام عليكم، وأردتم بيان حكم من كان معذورًا بمرض أو سفر .. فأقول لكم: من كان ﴿من﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط على الراجح، أو جملة الجواب، أو هما. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص في محل الجزم بـ ﴿من﴾، واسمها ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿مِنكمُ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من اسم ﴿كَانَ﴾؛ تقديره: فمن كان حالة كونه كائنًا منكم. ﴿مَرِيضًا﴾: خبر ﴿كَانَ﴾ ﴿أَوْ﴾: حرف عطف وتقسيم. ﴿عَلَى﴾: حرف جر. ﴿سَفَرٍ﴾: مجرور بـ ﴿عَلَى﴾، الجار والمجرور متعلق بمحذوف معطوف على ﴿مَرِيضًا﴾؛ تقديره: فإن كان منكم مريضًا أو عازمًا على إتمام سفر. ﴿فَعِدَّةٌ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية وجوبًا؛ لكون الجواب جملة اسمية ﴿عدة﴾: مبتدأ، والخبر محذوف؛ تقديره: فصيام عدة

стр. 1187

واجب عليه، والجملة الإسمية في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب ﴿إذا﴾ المقدرة، وجملة ﴿إذا﴾ المقدرة مستأنفة. ﴿مِنْ أَيَّامٍ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿عدة﴾؛ تقديره: فعدة كائنة من أيام. ﴿أُخَرَ﴾: صفة لـ ﴿أَيَّامٍ﴾ مجرور بالفتحة؛ لأنه اسم لا ينصرف، والمانع له من الصرف: الوصف والعدل؛ لأنه معدول عن الآخر؛ لأن الأصل في فعلى صفة أن تستعمل في الجمع بالألف واللام. ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. ﴿وَعَلَى الَّذِينَ﴾ الواو: استئنافية. ﴿على الذين﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿يُطِيقُونَهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿فِدْيَةٌ﴾: مبتدأ مؤخر، وهو مضاف. ﴿طَعَامُ﴾: مضاف إليه، وهو مضاف. ﴿مِسْكِينٍ﴾: مضاف إليه إذا قرئ بلا تنوين، وأما على قراءة التنوين فـ ﴿طَعَامٍ﴾: بدل من ﴿فِدْيَةٌ﴾: بدل كل من كل؛ والتقدير: وفدية طعام مسكين واجب على الذين يطيقونه. ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾. ﴿فَمَن﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة بمعنى الواو. ﴿من﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط على الراجح. ﴿تَطَوَّعَ﴾: فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿من﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾. ﴿خَيْرًا﴾: منصوب بنزع الخافض؛ أي: بخير، أو صفة لمصدر محذوف؛ تقديره: تطوعًا خيرًا. ﴿فَهُوَ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية وجوبًا. ﴿هو﴾: مبتدأ. ﴿خَيْرٌ﴾: خبر. ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿خَيْرٌ﴾، والجملة الإسمية في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية معطوفة على جملة قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾. ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. ﴿وَأَنْ﴾ الواو: عاطفة. ﴿أن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿تَصُومُوا﴾: فعل

стр. 1188

وفاعل منصوب بـ ﴿أن﴾ المصدرية، والجملة من الفعل والفاعل صلة ﴿أن﴾ المصدرية، ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مرفوع على الابتداء؛ تقديره: وصومكم. ﴿خَيْرٌ﴾: خبر له. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿خَيْرٌ﴾، والجملة الإسمية معطوفة على جملة قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. ﴿إن﴾: حرف شرط، أو غائية لا جواب لها. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص، واسمه في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ ﴿تَعْلَمُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب، خبر ﴿كان﴾؛ تقديره: إن كنتم عالمين، ومفعول العلم محذوف، وجواب ﴿إن﴾ معلوم مما قبله إن قلنا شرطية لها جواب؛ تقديره: إن كنتم تعلمون خيريته .. فافعلوه، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾. ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾: خبر لمبتدأ محذوف جوازًا؛ تقديره: تلك الأيام المعدودات شهر رمضان، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. و ﴿شَهْرُ﴾ مضاف. ﴿رَمَضَانَ﴾: مضاف إليه مجرور بالفتحة للعلمية وزيادة الألف والنون. ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول في محل الرفع صفة لـ ﴿شَهْرُ﴾. ﴿أُنْزِلَ﴾ فعل ماض مغير الصيغة ﴿فِيهِ﴾ جار ومجرور متعلق بأنزل ﴿الْقُرْآنُ﴾: نائب فاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير فيه. ﴿هُدًى﴾: حال من ﴿الْقُرْآنُ﴾. ﴿لِلنَّاسِ﴾: متعلق بـ ﴿هُدًى﴾ ﴿وَبَيِّنَاتٍ﴾: معطوف على ﴿هُدًى﴾. ﴿مِنَ الْهُدَى﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿بينات﴾ تقديره: كائنات من الهدى. ﴿وَالْفُرْقَانِ﴾: معطوف على ﴿الْهُدَى﴾. ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. ﴿فَمَن﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر إذا عرفتم أن الأيام المعدودات شهر رمضان، وأردتم بيان حكم من شهده .. فأقول لكم: ﴿من﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط على

стр. 1189

الراجح. ﴿شَهِدَ﴾: في محل الجزم بـ ﴿من﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿مِنْكُمُ﴾: جار ومجرور، حال من فاعل ﴿شَهِدَ﴾؛ تقديره: حال كونه كائنًا منكم ﴿الشَّهْرَ﴾: منصوب على الظرفية الزمانية، والظرف متعلق بـ ﴿شَهِدَ﴾ ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية وجوبًا؛ لكون الجواب جملة طلبية. ﴿اللام﴾: لام الأمر. ﴿يصم﴾: فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، و ﴿الهاء﴾: مفعول به، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، والجملة الفعلية في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب ﴿إذا﴾ المقدرة، وجملة ﴿إذا﴾ المقدرة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا﴾. الواو: عاطفة. ﴿من﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط. ﴿كَانَ﴾: فعل ناقص في محل الجزم بـ ﴿من﴾، واسمها ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿مَرِيضًا﴾: خبرها. ﴿أَوْ﴾: حرف عطف وتقسيم ﴿عَلَى سَفَرٍ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف معطوف على ﴿مَرِيضًا﴾؛ تقديره: أو عازمًا على إتمام سفر. ﴿فَعِدَّةٌ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية. ﴿عدة﴾: مبتدأ، خبره محذوف؛ تقديره: فعدة ما أفطر واجب عليه. ﴿مِنْ أَيَّامٍ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿عدة﴾؛ تقديره: فعدة كائنة من أيام أخر. ﴿أُخَرَ﴾: صفة لـ ﴿أَيَّامٍ﴾ مجرور بالفتحة للوصفية والعدل، والجملة من المبتدأ والخبر المحذوف في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية، وجملة ﴿من﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿من شهد منكم الشهر﴾. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿بِكُمُ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿الْيُسْرَ﴾: مفعول به. ﴿وَلَا يُرِيدُ﴾: الواو: عاطفة. ﴿لا﴾ نافية. ﴿يُرِيدُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾. ﴿بِكُمُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُرِيدُ﴾. ﴿الْعُسْرَ﴾: مفعول به. ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾: الواو: عاطفة. ﴿لتكملوا﴾: ﴿اللام﴾: لام كي. ﴿تكملوا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام

стр. 1190

كي. ﴿الْعِدَّةَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بلام كي تقديره: ولإكمالكم العدة الجار والمجرور معطوف على علة محذوفة لمعلول محذوف؛ تقديره: وإنما أرخص لكم في الإفطار للمرض والسفر وأمركم بالقضاء؛ لإرادته بكم اليسر، ولإكمالكم عدة شهر رمضان. ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. ﴿وَلِتُكَبِّرُوا﴾ الواو: عاطفة. ﴿لتكبروا﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل. ﴿تكبِّروا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة جوازًا. ﴿اللَّهَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية صلة أن المصدرية، و ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بلام التعليل؛ تقديره: ولتكبيركم الله، والجار والمجرور معطوف على الجار والمجرور في قوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾. ﴿عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾: ﴿عَلَى﴾: حرف جر وتعليل. ﴿مَا﴾: مصدرية. ﴿هَدَاكُمْ﴾: فعل ومفعول به، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، والجملة الفعلية صلة ﴿مَا﴾ المصدرية، ﴿مَا﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿عَلَى﴾ التعليلية تقديره: لهدايته إياكم، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿كبروا﴾. ﴿وَلَعَلَّكُمْ﴾: الواو: عاطفة. ﴿لعل﴾: حرف ترج ونصب ﴿الكاف﴾: في محل النصب اسمها، وجملة ﴿تَشْكُرُونَ﴾: في محل الرفع خبرها تقديره: ولعلكم شاكرون، وجملة ﴿لعل﴾: في محل الجر معطوفة على جملة؛ قوله: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾؛ تقديره: ولتكبيركم إياه لهدايته إياكم، ولشكركم إياه على رخصته. ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾. ﴿وَإِذَا﴾: ﴿الواو﴾ اعتراضية. ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿سَأَلَكَ﴾: فعل ومفعول ﴿عِبَادِي﴾: فاعل ومضاف إليه. ﴿عَنِّي﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿سأل﴾، والجملة في محل الجر بإضافة ﴿إذا﴾ إليها على كونها

стр. 1191

فعل شرط لها، والظرف بمتعلق بالجواب ﴿فَإِنِّي﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إذا﴾ وجوبًا. ﴿إن﴾: حرف توكيد ونصب و ﴿الياء﴾: اسمها. ﴿قَرِيبٌ﴾: خبر أول لها، وجملة ﴿إن﴾ من اسمها وخبرها في محل النصب مقول لمحذوف هو جواب؛ تقديره: فقل لهم: إني قريب أجيب وجملة ﴿إذا﴾ جملة معترضة لا محل لها من الإعراب لاعتراضها بين مباحث الصيام. ﴿أُجِيبُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، والجملة في محل الرفع خبر ثان لـ ﴿إنَّي﴾؛ تقديره: مجيب. ﴿دَعْوَةَ﴾: مفعول به وهو مضاف. ﴿الدَّاعِ﴾: مضاف إليه مجرور وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء المحذوفة للتخفيف منع من ظهورها الثقل؛ لأنه اسم منقوص. ﴿إِذَا دَعَانِ﴾: ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان مجرد عن معنى الشرط في محل النصب على الظرفية. ﴿دَعَانِ﴾: ﴿دعا﴾: فعل ماض. و ﴿النون﴾: للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة للتخفيف في النصب مفعول به، وفاعله ضمير يعود إلى ﴿الدَّاعِ﴾، والجملة من الفعل والفاعل في محل الجر بإضافة ﴿إذَا﴾ إليها، والظرف متعلق بـ ﴿أُجِيبُ﴾؛ تقديره: أجيب دعوة الداعي وقت دعوته إياي. ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر؛ تقديره: إذا عرفت أني أجيب دعوتهم، وأردت بيان ما هو اللازم لهم .. فأقول لك: ﴿اللام﴾: لام الأمر. ﴿يستجيبوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بلام الأمر. ﴿لِي﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة. ﴿وَلْيُؤْمِنُوا﴾: الواو: عاطفة. ﴿اللام﴾: لام الأمر. ﴿يؤمنوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بلام الأمر. ﴿بِي﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة معطوفة على جملة ﴿يستجيبوا﴾. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾: ﴿لعل﴾: حرف نصب وتعليل. و ﴿الهاء﴾: اسمها، وجملة ﴿يَرْشُدُونَ﴾: خبرها؛ تقديره: لعلهم راشدون، وجملة ﴿لعل﴾: في محل الجر بلام التعليل المقدرة؛ تقديره: وليؤمنوا بي لرشادهم؛ أي: لنيل رشادهم وفوز هدايتهم. ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾.

стр. 1192

﴿أُحِلَّ﴾: فعل ماضٍ مغيَّر الصيغة. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾: ظرف ومضاف إليه، والظرف متعلق بـ ﴿أُحِلَّ﴾. ﴿الرَّفَثُ﴾: نائب فاعل، والجملة مستأنفة. ﴿إِلَى نِسَائِكُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿الرَّفَثُ﴾: ﴿هُنَّ﴾: مبتدأ. ﴿لِبَاسٌ﴾: خبر، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة ﴿لِبَاسٌ﴾. ﴿وَأَنْتُمْ﴾ الواو: عاطفة. ﴿أَنْتُمْ﴾: مبتدأ. ﴿لِبَاسٌ﴾: خبر، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾. ﴿لَهُنَّ﴾: جار ومجرور صفة ﴿لِبَاسٌ﴾. ﴿عَلِمَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿أنكم﴾: ﴿أنّ﴾: حرف نصب ومصدر و ﴿الكاف﴾ في محل النصب اسمها. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿تَخْتَانُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾: مفعول ومضاف إليه، والجملة من الفعل والفاعل في محل النصب خبر ﴿كان﴾؛ تقديره: مختانين أنفسكم، وجملة كان في محل الرفع خبر ﴿أن﴾ تقديره: أنكم مختانون أنفسكم، وجملة ﴿أنَّ﴾ من اسمها وخبرها في تأويل مصدر سادٍّ مسد مفعولي علم تقديره: علم الله اختيانكم؛ أي: خيانتكم أنفسكم. ﴿فَتَابَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿تاب﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة ﴿عَلِمَ﴾، أو معطوفة على محذوف؛ تقديره: فتبتم فتاب عليكم. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تاب﴾، ﴿وَعَفَا﴾: الواو: عاطفة. ﴿عَفَا﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة ﴿تاب﴾ ﴿عَنْكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿عَفَا﴾. ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. ﴿فَالْآنَ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر؛ تقديره: إذا عرفتم أن الله تاب عليكم وعفا عنكم، وأردتم بيان ما هو الأصلح لكم .. فأقول: الآن باشروهن. ﴿الآن﴾: ظرف للزمان الحاضر في محل النصب على الظرفية متعلق بـ ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾. ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿وَابْتَغُوا﴾: الواو: عاطفة. ﴿وَابْتَغُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾.

стр. 1193

﴿مَا﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول به. ﴿كَتَبَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف؛ تقديره: ما كتبه الله لكم. ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾. ﴿وَكُلُوا﴾: الواو: عاطفة. ﴿كلوا﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾. ﴿وَاشْرَبُوا﴾: الواو: عاطفة. ﴿اشربوا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية بمعنى ﴿إلى﴾. ﴿يَتَبَيَّنَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أن﴾ مضمرة وجوبًا بعد حتى بمعنى ﴿إلى﴾. ﴿لَكُمُ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿الْخَيْطُ﴾: فاعل. ﴿الْأَبْيَضُ﴾: صفة له. ﴿مِنَ الْخَيْطِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَتَبَيَّنَ﴾. ﴿الْأَسْوَدِ﴾: صفة للخيط. ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾: جار وجرور متعلق بمحذوف حال من ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾؛ تقديره: حالة كون الخيط الأبيض كائنًا من الفجر، وجملة ﴿يَتَبَيَّنَ﴾ صلة أن المضمرة، ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى ﴿إلى﴾؛ تقديره: إلى تبين الخيط الأبيض من الفجر من الخيط الأسود، الجار والمجرور تنازع فيه كلوا واشربوا. ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب. ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾. ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾: جار ومجرور معلق بـ ﴿أَتِمُّوا﴾. ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾: الواو: استئنافية. ﴿لا﴾: ناهية. ﴿تُبَاشِرُوهُنَّ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة. ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ﴾ الواو: حالية. ﴿أنتم﴾: مبتدأ. ﴿عَاكِفُونَ﴾: خبر، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿تُبَاشِرُوهُنَّ﴾. ﴿فِي الْمَسَاجِدِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿عَاكِفُونَ﴾. ﴿تِلْكَ﴾: مبتدأ. ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾: خبر ومضاف إليه، والجملة مستأنفة. ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف تقديره: تنبهوا فلا تقربوها ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَقْرَبُوهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول مجزوم بلا الناهية، والجملة معطوفة على ذلك المحذوف.

стр. 1194

﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. ﴿كَذَلِكَ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لمصدر محذوف؛ تقديره: بيانًا كائنًا كذلك. ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾: فعل وفاعل ومفعول به ومضاف إليه، والجملة مستأنفة. ﴿لِلنَّاسِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُبَيِّنُ﴾. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾: ﴿لعل﴾: حرف ترجٍّ ونصب، و ﴿الهاء﴾: اسمها، وجملة ﴿يَتَّقُونَ﴾: خبرها. وجملة ﴿لعل﴾: في محل الجربـ ﴿لام﴾ التعليل المقدرة المتعلقة بـ ﴿يُبَيِّنُ﴾. التصريف ومفردات اللغة ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ﴾ الفدية: مصدرُ فدى يفدي فِدْيةً وفِداءً، والهاء فيها لا تدل على المرة الواحدة، بل هي للتأنيث فقط، وطعام: اسم مصدر لأطعم يطعم إطعامًا وطعامًا، فهو هنا بمعنى الإطعام كالعطاء بمعنى الإعطاء، ويضعف (١) أن يكون الطعام هنا بمعنى المطعوم؛ لأنه أضافه إلى المسكين، وليس الطعام للمسكين قبل تملكه إياه، فلو حمل على ذلك .. لكان مجازًا؛ لأنه يكون تقديره: فعليه إخراج الطعام يصير للمساكين، ولو حملت الآية على هذا .. لم يمتنع؛ لأن حذف المضاف جائز، وتسمية الشيء بما يؤول إليه جائز. ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ والشهر (٢) لأهل اللغة فيه قولان: أشهرهما: أنه اسم لمدة الزمان الذي يكون مبدؤها الهلال ظاهرًا إلى أن يستتر، سمي بذلك لشهرته في حاجة الناس إليه من المعاملات. والثاني: قاله الزجاج اسم للهلال نفسه. و ﴿رَمَضَانَ﴾ علم لهذا الشهر المخصوص، وهو علم جنس، وفي تسميته رمضان أقوال: أحدها: أنه وافق مجيئه في الرمضاء، وهي شدة الحر، فسمي به كربيع لموافقته الربيع، وجمادى لجمود الماء فيه. وثانيها: أنه يرمض الذنوب؛ أي: يحرقها، بمعنى: يمحوها.

стр. 1195

وثالثها: أن القلوب ترمض؛ أي: تحترق فيه من الموعظة. ﴿الْقُرْآنُ﴾: في الأصل مصدر قرأت، ثم صار علمًا لما بين الدفتين، وهو من قرأ بالهمزة إذا جمع؛ لأنه يجمع السور والآيات والحكم والمواعظ، والجمهور على همزه، وقرأ ابن كثير من غير همز بنقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها، ثم حذفها. ﴿دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾؛ أي: دعاء الداعي لا خصوص المرة، فـ (فعلة) ليست هنا للمرة؛ لأن محل كونها للمرة إذا لم يبن المصدر عليها كضربة، وأما إذا بُني المصدر عليها كرحمة ودعوة: فلا تكون للمرة إلا بذكر الواحدة، كما هو مبين في محله. والياءان (١) من قوله: ﴿الدَّاعِ﴾ و ﴿دَعَانِ﴾ من الزوائد عند القراء، ومعنى ذلك أن الصحابة لم تثبت لها صورة في المصحف، فمن القراء من أسقطها تبعًا للرسم، وقفًا ووصلًا، ومنهم من يثبتها في الحالين، ومنهم من يثبتها وصلًا ويحذفها وقفًا. ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ السين والتاء فيه زائدان بمعنى: فليجيبوا لي، ويكون استفعل فيه بمعنى: أفعل الرباعي، وهو كثير في القرآن، كقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ﴾، ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾: إلا أن تعديته في القرآن باللام، وقد جاء في كلام العرب معدى بنفسه، قال الشاعر: وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يُجِيبُ إِلَى النِّدَا ... فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيْبُ أي: فلم يجبه، ونظيره من كلام العرب كاستحصد الزرع بمعنى: أحصد، واستعجل الشيء بمعنى: أعجل، واستقر بمعنى أقر، وكون استفعل بمعنى أفعل هو أحد المعاني التي ذكروها لـ (استفعل). ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ يقال: رَشِدَ (٢) رشدًا من باب تعب، ورشد يرشد من باب قتل، فهو راشد، والاسم الرشاد ويتعدى بالهمزة، والرشد والرشاد
следующие страницы →