← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 11306–11345 · переход к 11311.

стр. 11306

النبت يهيج هياجًا بالكسر وهيجًا وهيجانًا: يبس. وفي المصباح: وهاج البقل يهيج: اصفر. ﴿فَتَراهُ مُصْفَرًّا﴾ قال الراغب: الصفرة: لون من الألوان التي بين السواد والبياض، وهي إلى البياض أقرب، ولذلك قد يعبر بها عن السواد. ﴿حُطامًا﴾؛ أي: فتاتًا. وفي «المصباح»: حطم الشيء حطمًا من باب تعب، فهو حطم إذا تكسر، ويقال للدابة إذا أسنّت: حطمة، ويتعدى بالحركة فيقال: حطمته حطما من باب ضرب فانحطم، وحطمته بالتشديد مبالغة، وتحطم العود إذا تفتت من اليبس. ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ﴾ وأصل الشرح: بسط اللحم، ونحوه. يقال: شرحت اللحم، وشرحته. ومنه: شرح الصدر بنور إلهي وسكينة من جهته وروح، كما في «المفردات». وشرح الصدر للإسلام: الفرح به، والطمأنينة إليه، والنور البصيرة، والهدى. ﴿لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ والقسوة: جمود، وصلابة في القلب. يقال: قلب قاس؛ أي: لا يرق ولا يلين، وأصله من حجر قاس، والمقاساة: معالجة ذلك. ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ قال في «المفردات»: كل كلام يبلغ الإنسان من جهة السمع، أو الوحي في يقظته أو منامه، يقال له: حديث، وفي عرف العامة: الخبر والكلام، وأحسنيته لفصاحته وإعجازه. ﴿مُتَشابِهًا﴾؛ أي: يشبه بعضه بعضا في الحسن، والإحكام. ﴿مَثانِيَ﴾ جمع مثنى بضم الميم وفتح الثاء والنون المشددة على خلاف القياس. إذ قياسه مثنيات. أو جمع مثنى بالفتح مخففًا. وعلى الأول فهو من التثنية بمعنى التكرير والإعادة، وعلى الثاني مفعل بفتح الميم وإسكان الفاء من التثنية بمعنى التكرير أيضًا، بحذف الزوائد، أو جمع مثنى بضم الميم وإسكان الثاء وفتح النون، من أثنى الرباعي؛ أي: مثني عليه بالبلاغة والفصاحة حتى قال بعضهم لبعض: ألا سجدت لفصاحته، ويجوز أن يكون بكسر النون؛ أي: مثن عليّ بما هو أهله من صفاته العظمى، وفي «المفردات»: وسمي سور القرآن مثاني، لأنها تثنى على مرور الأيام، وتكرر، فلا تدرس ولا تنقطع دروس سائر

стр. 11307

الأشياء التي تضمحل وتبطل على مرور الأيام، وإنما تدرس الأوراق، كما روي أن عثمان ﵁ حرق مصحفين لكثرة قراءته فيهما. ويصح أن يقال للقرآن: مثاني لما يثنى ويتجدد حالًا فحالًا من فوائده، كما جاء في نعته، ولا تنقضي عجائبه، ويجوز أن يكون ذلك من الثناء، تنبيهًا على أنه أبدًا يظهر منه، ما يدعو إلى الثناء عليه، وعلى من يتلوه ويعلمه، ويعمل به، وعلى هذا الوجه وصفه بالكرم في قوله: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧)﴾، وبالمجد في قوله: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١)﴾. قال ابن بحر: لما كان القرآن مخالفًا لنظم البشر، ونثرهم حول أسماءه، بخلاف ما سموا به كلامهم على الجملة والتفصيل، فسمى جملته قرآنًا، كما سموا ديوانًا، وكما قالوا: قصيدةٌ وخطبةٌ ورسالةٌ، قال: سورة، وكما قالوا: بيت قال: آية، وكما سميت الأبيات لاتفاق أواخرها قوافي سمى الله القرآن لاتفاق خواتيم الآي فيه مثاني. ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ﴾؛ أي: تضطرب، وتتحرك، وتشمئز. يقال: اقشعر جلده: أخذته قشعريرة؛ أي: رعدة، كما في «القاموس»، والجلد: قشر البدن، كما في «المفردات»، ويقال: اقشعر جلده إذا تقبّض، وتجمع من الخوف، ووقف شعره كما مر، والمصدر: الاقشعرار، والقشعريرة أيضًا، ووزن اقشعر افعلل، ووزن القشعريرة: فَعْلَليلة، اهـ «سمين». ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ﴾ يقال: اتقى فلان بكذا، إذا جعله وقايةً لنفسه، والتركيب يدل على دفع شيء عن شيء يضره. ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ تقدم معنى العوج في الكهف، وأن العوج بالكسر مختص بالمعاني دون الأعيان، والسر فيه فارجع إليه هناك، وقيل: المراد بالعوج: الشك، واللبس. قال: وَقَدْ أَتَاكَ يَقِيْنٌ غَيْرُ ذِيْ عِوَجٍ ... مِنَ الإِلَهِ وَقَوْلٌ غَيْرُ مَكْذُوْبِ ﴿مُتَشاكِسُونَ﴾؛ أي: متنازعون مختلفون. قال الزمخشري: التشاكس، والتشاخس: الاختلاف. تقول: تشاكست أحواله، وتشاخست أسبابه، وفي «المختار»: رجل شكس بوزن فلس؛ أي: صعب الخلق، وقوم شُكس بوزن قفل، وبابه: سلم. وحكى الفراء: رجل شكس بكسر الكاف، وهو القياسُ. وفي

стр. 11308

«الصحاح»: رجل شكس بالتسكين؛ أي: صعب الخلق، وقوم شكس مثل: رجل صدق وقوم صدق، وقد شكس بالكسر من باب سلم شكاسة. وفي «السمين»: والتشاكس: التخالف، وأصله سوء الخلق، وعسره. وهو سبب التخالف، والتشاجر. وفي «القرطبي» ﴿مُتَشاكِسُونَ﴾ من شكس يشكس شكسًا، بوزن قفل، فهو شكس مثل: عسر يعسر عسرًا فهو عسر. يقال: رجل شكس، وشرس، وضرس. ﴿وَرَجُلًا﴾ والرجل: ذكر من بني آدم جاوز حد الصغر. ﴿سَلَمًا﴾ بفتحتين، وكقتل، وكفسق: مصدر من سلم له من كذا. ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ وضرب المثل: تشبيه حال عجيبة بأخرى، وجعلها مثلًا لها. ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ﴾ قال الفراء: الميت بالتشديد: من لم يمت وسيموت، والميت بالتخفيف: من فارقته الروح. ولذلك لم يخفف في الآية. قال الخليل: أنشد أبو عمرو: إِنْ تَسْأَلْنِي تَفْسِيْرَ مَيْتٍ وَمَيِّتِ ... فَدُونَكَ قَدْ فَسَّرْتُ إِنْ كُنْتَ تَعْقِلُ فَمَنْ كَانَ ذَا رُوْحٍ فَذَلِكَ مَيِّتٌ ... وَمَا الْمَيْتُ إِلّا مَنْ إِلَى الْقَبْرِ يُحْمَلُ البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: المبالغة في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾، ففي تشبيه الشيطان بالطاغوت، وجوه ثلاثة من المبالغة. ١ - تسميته بالمصدر، كأنه نفس الطغيان. ٢ - بناؤه على فعلوت، وهي صيغة مبالغة كالرحموت، وهي الرحمة الواسعة، والملكوت، وهو الملك الواسع. ٣ - تقديم لامه على عينه، ليفيد اختصاصه بهذه التسمية. ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ﴾. فوضع الظاهر

стр. 11309

موضع ضميرهم، تشريفًا لهم بالإضافة، ودلالة على أن مدار اتصافهم بالاجتناب والإنابة: كونهم نقادًا في الدين، يميزون الحق من الباطل، ويؤثرون الأفضل فالأفضل، اهـ من «الإرشاد». ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ أوقع الظاهر وهو ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ موقع المضمر؛ لأن حقه: أفأنت تنقذه، وفيه أيضًا مجاز مرسل، علاقته السببية، فقد أطلق المسبب وأراد السبب؛ لأن الضلال سبب لدخول النار، والمعنى: أفأنت تهديه بدعائك له إلى الإيمان، فتنقذه من النار، وفيه أيضًا تكرير همزة الاستفهام الإنكاري، فالأولى لإفادته، والثانية لتأكيده لطول الكلام، ولولا طوله لم يجز الإتيان بها؛ لأنه لا يصلح في العربية أن يؤتى بألف الاستفهام في اسم الشرط، وبأخرى في الجزاء، وقيل: الاتقاء بالوجه، كناية عن عدم ما يتقي به، إذ الاتقاء بالوجه لا وجه له على حد قوله: وَلَا عَيْبَ فِيْهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُم ومنها: الإتيان بصيغة الماضي في قوله: ﴿وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ﴾ للدلالة على تحقق وقوع القول، وفيه أيضًا وضع الظاهر موضع المضمر، تسجيلًا عليهم بالظلم، والإشعار بعلة الأمر في قوله: ﴿ذُوقُوا ...﴾ إلخ، اهـ «أبو السعود». ومنها: الإتيان بصيغة المضارع في قوله: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا﴾ لاستحضار الصورة الماضية. ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾ لدلالة السياق عليه حذف خبره، تقديره: كمن طبع الله على قلبه. وفيها أيضًا الاستفهام الإنكاري. ومنها: وصف الواحد بالجمع في قوله: ﴿مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ﴾. فإنه وصف الواحد وهو الكتاب بالجمع، وهو المثاني باعتبار تفاصيله؛ لأن الكتاب جملة ذات تفاصيل، فإنه يقال: القرآن أسباع، وأخماس، وسور، وآيات، وأقاصيص وأحكام، ومواعظ مكررات، كما مر.

стр. 11310

وفائدة التكرير: فيه ترسيخ الكلام في الأذهان، فإن النفوس تمل عادة من الوعظ والتنبيه، وتسأم النصيحة بادىء الأمر، ففي تكرير النصح والموعظة تعويد لها على استساغة ذلك، والعمل به، وقد ثبت: أن رسول الله ﷺ كان يكرر عليهم ما يعظ وينصح به، ثلاثًا وسبعًا أحيانًا، ليركز ذلك في نفوسهم، والمعلم النابه لا يفتأ يردد ما يلقيه على طلابه من دروس، حتى يصبح مستساغًا إليهم، هشًا في نفوسهم، بعد أن كان صعبًا ممجوجًا. ومنها: التهكم في قوله: ﴿فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ﴾؛ لأن الذوق إنما يكون في المطعوم الحالي، فعبر عن إيصال الصغار والعذاب إليهم بالإذاقة، تهكمًا بهم. ومنها: ضرب المثل في قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ ...﴾ الآية. وهو نوع من التشبيه، فقد شبه حال من يعبد آلهة شتى بمملوك اشترك فيه شركاء، شجر بينهم خلاف شديد وخصام مبين، وهم يتجاذبونه، ويتعاورونه في شتى آرابهم، ومتباين أهوائهم، فهو يقف متحيرًا لا يدري لأيهم ينحاز؟، ولأيهم ينصاع، وأيهم أجدر بأن يطيعه؟. وحال من يعبد إلهًا واحدًا، فهو متوفر على خدمته، يلبي كل حاجاته، ويصيخ سمعًا لكل ما ينتدبه إليه، ويطلبه منه. ومنها: تنكير ﴿رجل﴾ في الموضعين للإفراد؛ أي: فردًا من الأشخاص لفرد من الأشخاص. ومنها: تخصيص الرجل؛ لأنه أفطن لما يجرى عليه من الضر والنفع؛ لأن المرأة والصبي قد يغفلان عن ذلك. ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا﴾. ومنها: الاعتراض بجملة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ في قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ فإن جملة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ اعتراضية، لاعتراضها بين الكلامين، المرتبط أحدهما بالآخر، فإن قوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ إضراب انتقالي، مرتبط بقوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا﴾، فإنه انتقال من بيان عدم الاستواء على الوجه المذكور، إلى بيان أن أكثرهم لا يعلمون ذلك، مع كمال ظهوره، فيبقون

стр. 11311

في ورطة الشرك والضلال، لفرط جهالتهم. ومنها: التمهيد بقوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾، فإنه تمهيد لما يعقبه من الخصام يوم القيامة. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع (١). والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب * * *

стр. 11312

شعرٌ إِنَّمَا الدُّنْيَا كَبَيْتٍ ... نَسْجُهُ مِنْ عَنْكَبُوت وَكُلُّ ذِيْ غَيْبَةٍ يَؤوْبُ ... وَغَائِبُ الْمَوْتِ لا يَؤُوْبُ إِذَا رَأَيْتَ لَحِيْنَا ... كُنْ سَاتِرًا حَلِيْمَا يَا مَنْ يُقَبِّحُ سَطْرِيْ ... لِمْ لاَ تَمُرُّ كَرِيْمَا آخرُ الْعَبْدُ ذُو ضَجَرٍ وَالرَّبُّ ذُو قَدَرٍ ... وَالدَّهْرُ ذُوْ دُوَلٍ وَالرِّزْقُ مَقْسُومُ وَالْخَيْرُ أَجْمَعُ فِيْمَا اخْتَارَ خَالِقُنَا ... وَفِيْ اخْتِيَارِ سِوَاهُ اللَّوْمُ وَالشُّومُ آخرُ رَأيْتُ أَخَا الدُّنْيَا وَإِنْ كَانَ ثَاوِيَا ... أَخَا سَفَرٍ يُسْرَى بِهِ وَهْوَ لَا يَدْرِيْ آخرُ السِّبَاقَ السِّبَاقَ قَوْلًا وَفِعْلًا ... حَذِّرِ النَّفْسَ حَسْرَةَ الْمَسْبُوقِ

стр. 11313

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن تأليف الشيخ العلامة محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الهرري الشافعي المدرس بدار الحديث الخيرية في مكة المكرمة إشراف ومراجعة الدكتور هاشم محمد علي بن حسين مهدي خبير الدراسات برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة «المجلد الخامس والعشرون»

стр. 11314

حقوق الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى ١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م دار طوق النجاة بيروت - لبنان

стр. 11315

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن [٢٥]

стр. 11316

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 11317

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الكبير المتعال، واسع الكرم والجود والفضل والنَّوال، وأشهد أن لا إله إلَّا الله، وحده لا شريك له، ذو الجلال والإكرام، وأَشهد أن سيّدنا محمدًا عبده ورسوله، المرسل رحمةً للأنام، والصلاة والسلام الأتمّان الأكملان عليه، ﷺ وعلى آله وأصحابه الكرام، والتابعين لهم وكل من تمسّك بدين الهدى والسلام، واهتدى بهدي القرآن. أمّا بعد: فلما فرغت من تفسير الجزء الثالث والعشرين من القرآن الكريم بمعونة الله .. تفرغت للشروع في تفسير الجزء الرابع والعشرين منه، قاصدًا الشروع فيه بتوفيق الله ، فقلت مستمدًا من الله تعالى التوقيق والهداية لأصوب الطرق وأرجح الأقاويل في تفسير كتابه، وقولي هذا: قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٣٢) وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥) أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ (٣٧) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨) قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٤٠) إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١) اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ

стр. 11318

شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤) وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥) قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦) وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤٨) فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٩) قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١) أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنَّ الله سبحانه (١) لما ذكِر فيما سلف بعض هنات المشركين، وبعض قبائحهم، وأعقبه بمثل يشرح حالهم .. أردف ذلك بنوع آخر منها، وهو أنَّهم يكذبون فيثبتون لله ولدًا، ويثبتون له شركاء، ويكذبون القائل المحقّ، فيكذبون محمدًا ﷺ بعد قيام الأدلة القاطعة على صدقه، وبعد أن ذكر وعيد هؤلاء، أعقبه بوعد الذي جاء بالصدق ووعد المصدّقين له، فذكر أن الله يؤتيهم من فضله الثواب، ويمنع عنهم العقاب. قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ....﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر فيما سلف أنه يؤتي المؤمنين ما يشاؤون في الجنة، ويكفر سيئاتهم .. أردف ذلك ببيان أنه يكفيهم في الدنيا ما أهمّهم، ولا يضرهم ما يخوّفونهم به من غضب الأوثان والأصنام، فإن الأمور كلها بيده تعالى، فمن يضلله فلا هادي له، ومن يهده فلا مضلّ له، وهو ذو العزّة المنتقم الجبّار.

стр. 11319

ثم ذكر أن قول المشركين يخالف فعلهم، فحين تسألهم من خلق السموات والأرض يقولون: الله، وهم مع ذلك يعبدون غيره، ثمّ سألهم سؤال تعجيز: هل ما تعبدونه من صنم أو وثن يستطيع أن يكشف ضرًّا أراده الله بأحدٍ، أو يمنع خيرًا قدّره الله لأحد؟ إذًا فالله حسبي وعليه أتوكّل. وبعد أن أعيت رسوله الحيلة في أمرهم، أمره الله سبحانه أن يقول لهم: اعملوا كما تشاؤون، وعلى نحو ما تحبّون، إنّي عامل على طريقتي، ويوم الحساب ترون المحقّ من المبطل، ومن سيحلّ به العذاب المقيم الذي سيخزيه يوم يقوم الناس لربّ العالمين. قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله سبحانه لمّا ذكر محاجّة الرسول ﷺ إياهم بالأدلّة القاطعة، والبراهين الساطعة على وحدانيته تعالى (١) .. سلّاه على إصرارهم على الكفر الذي كان يعظم عليه وقعه، كما قال: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ وقال: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ وأزال عن قلبه الخوف، فأعلمه أنه أنزل عليه الكتاب بالحق، وأنه ليس عليه إلّا إبلاغه، فمن اهتدى فنفع ذلك عائد إليه، ومن ضلّ فضير ضلاله عليه، وما وكل عليهم ليجبرهم على الهدى. ثمّ ذكر أنّه تعالى يقبض الأرواح حين انقضاء آجالها، ويقطع صلتها بها، ظاهرًا وباطنًا، أو ظاهرًا فقط حين النوم، فيمسك الأولى ولا يردّها إلى البدن، ويرسل الثانية إلى البدن حين اليقظة، وفي ذلك دلائل على القدرة لمن يتفكر ويتدبر. ثُمَّ أبان أنّ هذه الأصنام التي اتخذت شفعاء لا تملك لنفسها شيئًا، ولا تعقل شيئًا، فكيف تشفع؟ وبعدئذ ذكر مقابحهم ومعايبهم، وأنه إذا قيل: لا إله إلّا الله وحده .. ظهرت آثار النفرة في وجوههم، وإذا ذكرت الأصنام .. ظهرت علامات الفرح والسرور فيها، وهذا منتهى الجهل والحمق الشديد.

стр. 11320

قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ....﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنَّ الله لمَّا ذكر حبّ المشركين للشرك، ونفرتهم من التوحيد .. أمر رسوله ﷺ بالالتجاء إليه، لما قاساه في أمر دعوتهم من شديد مكابرتهم وعنادهم، تسلية له ﷺ ، وبيانًا بأنّ سعيه مشكور، وجدّه معلوم لديه، وتعليمًا لعباده أن يلجؤوا إليه حين الشدّة، ويدعوه بأسمائه الحسنى. ثمّ ذكر أحوالهم يوم القيامة حين يرون الشدائد والأهوال، وما ينتظرهم من العذاب. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه لما قبلها: أن الله لما حكى عن المشركين بعض هنواتهم الفاسدة .. حكى عنهم هناةً أخرى، هي: أنهم حين الوقوع في الضرّ من فقر وضرّ يفزعون إلى الله تعالى، ويلجؤون إليه، علمًا منهم أنه لا دافع له إلَّا هو، وإذا نالتهم بعض النعم من فضله .. زعموا أن ذلك بكسبهم وحسن صنيعهم وجميل تدبيرهم، وفي الحقيقة أنّ ما أُوتوه إنما هو فتنة لهم، واختبار لحالهم، ليعلم أيشكرون على ما حباهم به من النعم أم يكفرون؟ ولكن أكثرهم لا يعلمون ذلك، وما هذه المقالة ببدع منهم، بل قالها كثير قبلهم، فلم ينفعهم ذلك شيئًا. ثمَّ ذكر أن بسط الرزق وتقتيره بيد الله، يبسطه تارةً ويقبضه أخرى، وليس ذلك لسعة الحيلة وحسن التدبير وحدهما، فإنا نرى كثيرًا من العقلاء وأرباب التدبير للمال وحسن تصريفه في ضيق شديد، وكثيرًا من الجهلاء والحمقى في بحبوحة من العيش، ورغد عظيم منه. أسباب النزول قول تعالى: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ....﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر، قال لي رجل: قالوا للنبيّ ﷺ : لتكفّنّ عن شتم آلهتنا أو لنأمرنّها فلتخيلنك، فنزلت: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ...﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن المنذر عن مجاهد: أنها نزلت في قراءة النبي ﷺ سورة النجم عند الكعبة، وفرحهم عند ذر الآلهة.

стр. 11321

التفسير وأوجه القراءة ٣٢ - ثمّ بيّن ، حالى كل فريق من المختصمين، فقال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾ و (الفاء): فاء الفصيحة؛ أو استئنافية، والاستفهام فيه، للإنكار، والتقدير: إذا عرفت أنه يقع التخاصم بين المحق والمبطل يوم القيامة، وأردت بيان حالهما .. فأقول لك: لا أحد أشدّ ظلمًا من الكاذبين، وأقبح افتراءً من المفترين ممن كذب على الله سبحانه، فزعم أنّ له ولدًا أو شريكًا أو صاحبةً، وفي "بحر العلوم": فيه دلالة بينة على أن الاختصام واقعٌ يوم القيامة بين الظالمين والمظلومين. والمعنى: أظلم كل ظالم من الكاذبين من افترى على الله سبحانه، بأن أضاف إليه الشرك والولد. ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾ وهو الحق؛ أي: بالأمر الذي هو عين الحقّ ونفس الصدق، وهو كل ما جاء به النبي ﷺ من التوحيد، والأوامر والنواهي والبعث والنشور والثواب والعقاب. ﴿إِذْ جَاءَهُ﴾ ذلك الصدق على لسان الرسول ﷺ ؛ أي: فاجأَه بالتكذيب ساعة مجيئه، وأوّل ما سمعه من غير تدبّر فيه ولا تأمّل. والمعنى: أي لا أحد من الكاذبين يبلغ ظلمهُ ظلم من افترى على الله الكذب، فجعل معه آلهة أخرى، أو ادَّعى أنّ الملائكة بنات الله، وهو أيضًا كذّب بالحق الذي جاء به رسوله ﷺ ، من دعاء الناس إلى التوحيد، وأمرهم بالقيام بفرائض الشرع، ونهيهم عن محرّماته، وإخبارهم بالبعث والنشور، وفي قوله: ﴿إِذْ جَاءَهُ﴾ بيان بأنهم كذّبوا به من غير وقفة ولا إعمال روية في التمييز بين الحقّ والباطل، كما يفعل أهل النصفة فيما يسمعون. وبعد أن ذكر حالهم .. أردفه بذكر وعيدهم على طريق الاستفهام الإنكاري، فقال: ﴿أَلَيْسَ﴾ لهؤلاء المفترين على الله سبحانه، المكذبين بالصدق حين جاءهم، ﴿فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى﴾؛ أي: منزل ومسكن في نار جهنم، وقوله: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ إظهار في مقام الإضمار. والاستفهام (١) في ﴿أَلَيْسَ﴾ إنكاري، وإنكار النفي نفي له، ونفي النفي إثبات.

стр. 11322

والمعنى: إن جهنّم منزل ومقام للكاذبين المكذبين، المذكورين وغيرهم من الكفار، جزاءً لكفرهم وتكذيبهم. ٣٣ - ثمَّ ذكر سبحانه فريق المؤمنين المصدِّقين، فقال: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ مبتدأ، والموصول عبارة عن رسول الله ﷺ ومن تبعه من المؤمنين، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٤٩)﴾ فإنّ المراد موسى ﵇ وقومه، وخبر المبتدأ: قوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بالصدق والتصديق، ﴿هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾؛ أي: المنعوتون بالتقوى التي هي أجلُّ الرغائب وعنوان النجاة، فقال الإِمام السهيلي (١) ﵀: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ رسول الله ﷺ ، والذي صدّق به، أبو بكر الصديق، وقال مجاهد: الذي جاء بالصدق: رسول الله ﷺ ، والذي صدّق به عليُّ بن أبي طالب، وقال السدي: الذي جاء بالصدق: جبريل، والذي صدّق به: رسول الله ﷺ ، وقال قتادة ومقاتل وابن زيد: الذي جاء بالصدق: النبيُّ ﷺ ، والذي صدّق به: المؤمنون، وقال النخعي: الذي جاء بالصدق وصدّق به هم المؤمنون الذين يجيئون بالقرآن يوم القيامة، وقيل: إن ذلك عام في كل من دعا إلى توحيد الله، وأرشد إلى ما شرعه لعباده، واختار هذا القول ابن جرير، وهو الذي اختاره من هذه الأقوال، ويؤيده قراءة ابن مسعود: والذين جاؤوا بالصدق وصدقوا به ولفظ ﴿الَّذِي﴾ كما وقع في قراءة الجمهور، وإن كان مفردًا فمعناه: الجمع؛ لأنه يراد به الجنس، كما يفيده قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾. ودلّت الآية (٢) على أنّ النبي ﷺ يصدّق أيضًا بما جاء به من عند الله، ويتلقاه بالقبول، كما قال الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ ومن هنا قال بعضهم: إن النبي ﷺ مرسل إلى نفسه أيضًا، وقرأ أبو صالح: ﴿وصدَقَ به﴾ مخفّفًا؛ أي: صدق به الناس. ٣٤ - ثمّ ذكر سبحانه ما لهؤلاء الصادقين المصدِّقين في الآخرة، بقوله: ﴿لَهُمْ﴾؛ أي: لهؤلاء المتقين بمقابلة محاسن أعمالهم في الدنيا. ﴿مَا يَشَاءُونَ﴾ في الآخرة مدّخرًا لهم، ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: كل ما يشاؤونه من جلب المنافع، ودفع المضارّ في الآخرة لا في الجنة فقط، لما أنّ بعض ما يشاؤونه من تكفير السيئات، والأمن

стр. 11323

من الفزع الأكبر، وسائر أهوال يوم القيامة، إنما يقع قبل دخول الجنة، ويقال أجمع العبارات لنعيم الجنة قوله: ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ وأجمع العبارات لعذاب الآخرة قوله: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾. وفي "التأويلات النَّجمية": ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾؛ لأنهم تقرّبوا إلى الله تعالى بالاتّقاء به عما سواه، فأوجب الله سبحانه في ذمة كرمه أن يتقرّب إليهم بإعطاء ما يشاؤون من عنده، بحسب حسن استعدادهم. ﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: حصول ما يشاؤونه، وهو مبتدأ، خبره: ﴿جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: ثواب الذين أحسنوا أعمالهم، بأن عملوها على مشاهدة الحق، وقد ثبت في "الصحيح" عن رسول الله ﷺ أن: "الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه .. فإنه يراك". ٣٥ - ثم بين سبحانه ما هو الغاية مما لهم عند ربهم، فقال: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ﴾ سبحانه ويستر، ﴿عَنْهُمْ أَسْوَأَ﴾ وأقبح وأفحش العمل ﴿الَّذِي عَمِلُوا﴾، من الذنوب والسيئات، فإن ذلك هو أعظم ما يرجونه من دفع الضرر عنهم؛ لأنَّ الله سبحانه إذا غفر لهم ما هو الأسوأ من أعمالهم .. غفر لهم ما دونه بطريق الأولى، و (اللام) (١): إما متعلقة بـ ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾؛ يعني الذين أحسنوا رجاء أن يكفّر الله عنهم، أو بالجزاء؛ يعني جزاهم كي يكفّر عنهم، كذا في "كشف الأسرار". وقال أبو السعود ﵀: (اللام): متعلق بقوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ﴾، باعتبار فحواه الذي هو الوعد؛ أي: وعدهم الله تعالى جميع ما يشاؤونه من زوال المضار وحصول المسارّ؛ ليكفر عنهم بموجب الوعد أسوأ الذي عملوا، دفعًا لمضارهم، أو بمحذوف تقديره: يسّر لهم ذلك ليكفر. وقرأ الجمهور (٢): ﴿أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾، والظاهر أنه اسم تفضيل، وقيل: إنّ أفعل هنا ليس للتفضيل، وهو كقولك: الأشجّ أعدل بني مروان؛ أي: عادل، فكذلك هذا؛ أي: سيّىء الذي عملوا، ويدل على هذا التأويل قراءة ابن مقسم وحامد بن يحيي عن ابن كثير: ﴿أسواء﴾ هنا وفي حم السجدة بألف بين الواو والهمزة بزنة أجمال، جمع سوء، ولا تفضيل فيه.

стр. 11324

والمعنى (١): لهم من الكرامة عند ربهم ما تشتهيه أنفسهم، وتقرّ به أعينهم، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وذلك جزاء من أحسن عملًا، فأخلص لربه في السرّ والنجوى، وراقبه في أقواله وأفعاله، وعلم أنه محاسب على النقير والقطمير والجليل والحقير. ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ وذلك أعظم ما يرجونه من دفع الضرّ عنهم، والنفس: إذا علمت زوال المكروه عنها .. كان لها في ذلك سرور ولذّة تعدل السرور واللذة بجلب المنافع لها. ولما ذكر سبحانه ما يدلّ على دفع المضارّ عنهم .. ذكر ما يدلّ على جلب أعظم المنافع إليهم، فقال: ﴿وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ﴾؛ أي: ويعطيهم ثوابهم ﴿بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: على حسن ما كانوا يعملونه؛ أي: ويثيبهم بمحاسن أعمالهم ولا يجزيهم بمساوئها، فهو معطوف على ﴿يُكَفِّرَ﴾، والظاهر: أنّ الأسوأ والأحسن بمعنى السيء والحسن، فأفعل التفضيل ليس (٢) على بابه، فبهذا الاعتبار عمّ الأسوأ جميع معاصيهم، والأحسن جميع حسناتهم، ولولا هذا التاوبل .. لاقتضى النظم أنه يكفّر عنهم أقبح السيئات فقط، ويجزيهم على أفضل الحسنات فقط، هذا مراده، والله أعلم بمعاني كتابه. اهـ شيخنا، وقال مقاتل: يجزيهم بالمحاسن من أعمالهم ولا يجزيهم بالمساوىء، وقدّم تكفير السيئات على إعطاء الثواب؛ لأنّ دفع المضارّ أهمُّ من جلب المسارّ، وفي ذكر تكفير الأسوأ؛ إشارة إلى استعظامم للمعصية مطلقًا، لشدّة خوفهم من الله تعالى، وإلى أنّ الحسن الذي يعملونه هو الأحسن عند الله تعالى لحسن إخلاصهم فيه. واعلم (٣): أنّ سبب اِلتكفير والأجر الأحسن هو الصدق، وهو من المواهب لا من المكاسب في الحقيقة، وإن كان حصول أثره منوطًا بفعل العبد، ويجري في القول والفعل والوعد والعزم. والصدق: وديعة الله في عباده، ليس للنفس فيه نصيب؛ لأنّ الصدق سبيل إلى الحق، وأبى الله أن يكون لصاحب النفس إليه سبيل.

стр. 11325

٣٦ - قال النبي ﷺ لمعاذ ﵁: "يا معاذ، أخلص دينك يكفك القليل من العمل". ولما قالت قريش: لئن لم تنته يا محمد عن تعييب آلهتنا .. لنسلّطنّها عليك فتصيبك بخبل وتعتريك بسوء .. أنزل الله سبحانه قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾. قرأ الجمهور (١): ﴿عَبْدَهُ﴾، بالإفراد، والمراد به: النبي ﷺ ، أو الجنس، ويدخل فيه رسول الله ﷺ دخولًا أوّليًّا، وقرأ حمزة والكسائي وأبو جعفر ومجاهد وابن وثّاب وطلحة والأعمش: ﴿عباده﴾ بالجمع والمراد بهم: الأنبياء أو المؤمنون أو الجميع، واختار أبو عبيد قراءة الجمهور؛ لقوله عقبه: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ﴾. وقرىء ﴿بكافي عبده﴾ على الإضافة، و ﴿يكافي عباده﴾ مع نصب ﴿عباده﴾، بصيغة المضارع. والهمزة فيه للاستفهام التقريري؛ لأنّه أدخلت همزة الإنكار على كلمة النفي، فأفادت معنى إثبات الكفاية وتقريرها، وكونها للتقرير معناه: طلب الإقرار بما بعد النفي، وكونها للنفي معناه: نفي النفي الذي دخل عليه، ونفي النفي إثبات، فمآل المعنيين واحد، اهـ "كرخي". والكفاية: ما فيه سدّ الخلّة وبلوغ المراد في الأمر؛ أي: هو تعالى كافٍ عبده محمدًا ﷺ أمر من يعاديه، وناصره عليه، وفيه تسلية له ﷺ . وقيل: المراد بالعبد والعباد: ما يعمّ المسلم والكافر، قال الجرجاني: إنّ الله كاف عبده المؤمن، وعبده الكافر، هذا بالثواب، وهذا بالعقاب اهـ. والمعنى (٢): أي الله وحده هو الذي يدفع عن عباده الآفات، ويزيل عنهم المصائب والويلات، ويعطيهم جميع المشتهيات، والمراد أنه يكفي من عبَدَه، وتوكّل عليه، وأتى بالكلام على طريق الإنكار للإشارة إلى كفايته تعالى على أبلغ وجه، كأنها من الظهور بحيث لا يتيسّر لأحد أن ينكرها. ثمّ رتّب على ذلك ما هو كالنتيجة لما سلف، فقال: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ﴾؛ أي: يخوفك المشركون يا محمد، ﴿بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾؛ أي: بالأوثان التي اتخذوها آلهة من دون الله تعالى، ويقولون: إنّك تعيبها، وإنها لتصيبك بسوء كالهلاك أو

стр. 11326

الجنون أو فساد الأعضاء، وقال بعض المفسرين: إنّ هذه الآية؛ أعني: قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ نزلت مرة في حق النبي ﷺ ، ومرة في شأن خالد بن الوليد ﵁ كسورة الفاتحة حيث نزلت مرةً بمكة ومرةً بالمدينة. أي (١): ويخوّفك المشركون بغير الله تعالى من الأوثان والأصنام عبثًا وباطلًا، لأنّ كل نفع أو ضرّ فلا يصل إلّا بإرادته تعالى، وقد روي أنهم خوّفوا النبي ﷺ مضرّة الأوثان، فقالوا: أتسبّ آلهتنا، لئن لم تكفّ عن ذكرها .. لتخبلنّك أو تصيبنّك بسوءٍ، وقال قتادة: مشى خالد بن الوليد إلى العزّى ليكسرها بالفأْس، فقال له سادنها: أحذّركها يا خالد، فإن لها شدّة لا يقوم لها شيء، فعمد خالد إلى العزى فهشم أنفها حتى كسرها بالفأس، وفي الآية إيماء إلى أنّه سبحانه يكفي نبيّه ﷺ دينه ودنياه، ويكفي أتباعه أيضًا، ويكفيهم شرّ الكافرين، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾، وقوله تعالى: حكايةً عن إبراهيم: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾. ثم بيّن شديد جهلهم لتوعّدهم بما لا يضرّ ولا ينفع فقال: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾؛ أي: ومن يجعله الله ضالًا عن الطريق القويم والفهم المستقيم، حتى غفل عن كفايته تعالى وعصمته للنبي ﷺ ، وخوفه بما لا ينفع ولا يضرّ أصلًا. ﴿فَمَا لَهُ﴾؛ أي: لذلك الضالّ ﴿مِنْ هَادٍ﴾، يهديه إلى خير ما، ٣٧ - ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ﴾ سبحانه؛ أي: ومن يرشده إلى الصراط المستقيم ﴿فَمَا لَهُ﴾؛ أي: لذلك الهادي ﴿مِنْ مُضِلٍّ﴾ يصرفه عن مقصده أو يصيبه بسوء يخلّ بسلوكه طريق الهدى، إذ لا رادّ لفعله. ولا معارض لإرادته. والمعنى: أي ومن يضلله الله لتدسيته نفسه، وحبّه للإثم والفسوق ومعصية الرسول .. فما له من هاد يهديه إلى الرشاد، ويخلّصه من الضلال ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ﴾؛ أي: ومن يوفّقه الله إلى أسباب السعادة بتزكية نفسه، وتحبيبها إلى صالح العمل .. فلا مضلّ له يصرفه عن مقصده، أو يصيبه بسوء يغيّر سلوكه، إذ لا معقّب لحكمه، ولا معارض لإرادته. وفي "التأويلات النجمية": فيه إشارة إلى أن رؤية الخير والشر من غير الله تعالى ضلالة، والتخويف بمن دون الله غاية الجهالة.

стр. 11327

والاستفهام في قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ﴾ سبحانه ﴿بِعَزِيزٍ﴾؛ أي: بغالب منيع يعزّ من يعبده ﴿ذِي انْتِقَامٍ﴾ من أعدائه لأوليائه .. للتقرير (١)؛ لأن الاستفهام إذا دخل على النفي .. أفاد تحقيقًا وتقريرًا، كما مرّ. والمعنى: أنَّ الله عزيز لا يغالب، ومنيع لا ينازع ولا يمانع، وذو انتقام وعقوبة ينتقم من عصاته بما يصبّه عليهم من عذابه، وما ينزله بهم من سوط عقابه، فهو الذي لا يضام من استند إلى جنابه، أو لجأ إلى بابه. ٣٨ - ثمّ أقام الدليل على غفلتهم وشديد جهلهم في عبادتهم للأصنام والأوثان، مع تفرّده تعالى بالخالقية لكل شيء، وعدم خلقها شيئًا، فقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ يا محمد؛ أي: وعزّتي وجلالي، لئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين الذين يخوّفونك بآلهتهم، فقلت لهم: ﴿مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾؛ أي: من اخترع هذين الجنسين المعبّر عنهما بالعالم .. ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ هؤلاء الكفرة في الجواب خلقهنّ ﴿اللَّهُ﴾ ؛ لوضوح الدليل على اختصاصه بالخالقية. و ﴿اللام﴾ الأولى: توطئة وتمهيد للقسم، والثانية تأكيد له، وهو سادّ مسدّ جوابين. وفي هذا (٢) أعظم دليل على أنهم كانوا في غفلة شديدة، وجهالة عظيمة؛ لأنهم إذا علموا أنَّ الخالق لهم ولما يعبدون من دون الله هو الله سبحانه فكيف استَحْيَنَتْ عقولهم عبادة غير خالق الكل وتشريك مخلوق مع خالقه في العبادة؟ وقد كانوا يذكرون بحسن العقول، وكمال الإدراك، والفطنة التافة، ولكنهم لمَّا قلدوا أسلافهم، وأحسنوا الظن بهم .. هجروا ما يقتضيه العقل، وعملوا بما هو محض الجهل. وفي "التأويلات النجمية": يشير إلى إنّ الإيمان الفطري مركوز في جبلة الإنسان من يوم الميثاق، إذ أشهدهم الله على أنفسهم، فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ كما قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾. وقال ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة"، فلا يزال يوجد في الإنسان وإن كان كافرًا أثر ذلك الإقرار، ولكنّه غير نافع إلَّا مع الإيمان الكسبيّ بالله وملائكته وكتبه ورسله وبما جاؤوا به. انتهى.

стр. 11328

ثمّ أمر الله سبحانه رسوله أن يبكّتهم ويوبِّخهم بعد هذا الاعتراف، فقال: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد تبكيتًا وتوبيخًا لهم: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ﴾؛ أي: أخبروني، جعل الرؤية وهو العلم الذي هو سبب الإخبار مجازًا عن الإخبار، ﴿مَا تَدْعُونَ﴾؛ أي: تعبدون، و ﴿مَا﴾: عبارة عن الآلهة، ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ سبحانه، ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ والضرّ: سوء الحال أيًّا كان، من مرض وضيق معيشة وشدّة وبلاء، و ﴿الهمزة﴾ في ﴿أَفَرَأَيْتُمْ﴾: للاستفهام الإنكاريّ، داخلة على محذوف، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أفكّرتم ما أقررتم فرأيتم ... إلخ. والظاهر (١): أن ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا لم يكن خالق سواه تعالى .. فأخبروني عن آلهتكم التي تعبدونها، أنَّه إن أرادني الله بضرّ .. هل من كاشفات ضُرّه، ﴿أَوْ﴾ أنه إن ﴿أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ﴾؛ أي: بنفع من صحةٍ أو غنًى أو غير ذلك من المنافع، ﴿هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾؛ أي: أخبروني عن آلهتكم هذه، هل تقدر على كشف ما أراده الله بي من الضر، أو منع ما أراده الله لي من الخير، وإذا لم تكن لها قدرة على شيء .. فلا ينبغي التعويل عليها، ولا الكدُّ في عبادتها، بل نعبد الإله القادر الذي تكون عبادته كافية في جلب السرّاء ودفع الضراء، والضرّ: سوء الحال أيًّا كان من مرضٍ وضيق معيشةٍ وشدةٍ؛ والكشف: الإظهار والإزالة ورفع شيء عما يواريه ويغطيه. وحاصل المعنى (٢): أي إذا حققتم وأيقنتم أن خالق العالم العلويّ والسفلي هو الله تعالى .. فأخبروني أنّ آلهتكم إن أرادني الله بضرّ هل هنّ يكشفن عنّي ذلك الضرر والبلاء ويدفعنه عنّي؛ أي: لا تقدر على دفعه وإزالته، أو أرادني برحمة ونفعٍ من المنافع، هل من ممسكات رحمته فيمنعنها عنّي؟ أي: لا تقدر على إمساك تلك الرحمة ومنعها، وتعليق إرادة الضُّرِّ والرحمة بنفسه ﷺ للردّ في نحورهم، حيث كانوا خوّفوه مضرّة الأوثان، ولما فيه من الإيذان بإمحاض النصح، وإنما قال: ﴿كَاشِفَاتُ﴾ و ﴿مُمْسِكَاتُ﴾ إبانةً لكمال ضعفها، وإشعارًا بأنوثتها، كما قال: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ وهم كانوا يصفونها بالأُنوثة، مثل العزى

стр. 11329

واللات ومناة، فكأنه قال: كيف أشركتم به تعالى هذه الأشياء الجماديّة البعيدة من الحياة والعلم والقدرة والقوّة والتمكّن من الخلق؟ هلّا استحييتم من ذلك؟ وجواب هذا الاستخبار محذوف، تقديره: فإنهم سيقولون لا تقدر على شيء من ذلك. وقرأ الجمهور (١): ﴿كَاشِفَاتُ﴾ و ﴿مُمْسِكَاتُ﴾ على الإضافة، وقرأ شيبة والأعرج وعمرو بن عبيد وعيسى بخلاف عنه وأبو عمرو وأبو بكر: بتنوينهما، ونصب ما بعدهما، واختار أبو عبيد وأبو حاتم قراءة أبي عمرو؛ لأنّ ﴿كَاشِفَاتُ﴾ اسم فاعل في معنى الاستقبال، وما كان كذلك فتنوينه أجود، وبها قرأ الحسن وعاصم. قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية .. سألهم النبيّ ﷺ فسكتوا، وقال غيره: قالوا لا تدفع شيئًا من قدر الله، ولكنها تشفع، فنزل قوله: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهم ﴿حَسْبِيَ اللَّهُ﴾؛ أي: الله كافيّ في جميع أموري من جلب نفع أو دفع ضرّ، فلا أخاف شيئًا من أصنامكم التي تخوّفونني بها ﴿عَلَيْهِ﴾ لا على غيره أصلًا ﴿يَتَوَكَّلُ﴾ ويعتمد ﴿الْمُتَوَكِّلُونَ﴾؛ أي: المعتمدون لعلمهم بأنّ ما سواه تحت ملكوته تعالى، وفيه إشارة إلى أن من تحول عن الكافي إلى غير الكافي .. لم يتمّ أمره، فلا بدّ من التوكّل على رب العباد، والتسليم له والانقياد، وفي الحديث: "من أحبّ أن يكون أقوى الناس .. فليتوكّل على الله، ومن أحبت أن يكون أغنى الناس .. فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يديه، ومن أحبّ أن يكون أكرم الناس .. فليتق الله . وفي الحديث الصحيح: "احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت .. فاسأل الله، وإذا استعنت .. فاستعن بالله، واعلم أنّ الناس لو اجتمعوا على أن يضرّوك بشيء لم يكتبه الله عليك .. لم يضرُّوك، ولو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك .. لم ينفعوك، رفعت الأقلام، وجفّت الصحف، واعلم أنَّ في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا، وأنَّ النصر مع الصبر، وأنَّ الفرج مع الكرب، وأنّ مع العسر يسرا".

стр. 11330

ونحو الآية قول هود ﵇: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ حين قال له قومه: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾. فالعصمة من الله تعالى. حكي: أن سفينة مولى رسول الله ﷺ ، أخطأ الجيش بأرض الروم، وأسر، فانطلق هاربًا يلتمس الجيش، فإذا بأسدٍ فقال له: يا أبا الحارث، أنا سفينة مولى رسول الله ﷺ ، فكان مرادي كيت وكيت، فأقبل الأسد يتبصبص حتى قام إلى جنبه، فركب عليه، فكان كلما سمع صوتًا أهوى إليه فلم يزل كذلك حتى بلغ الجيش، ثم رجع الأسد. وفيه إشارات: منها: أن الحيوان المفترس لا يقدر على الإضرار إذا كان المرء في عصمة الله، فكيف الجماد؟ ومنها: أنَّ طاعة الله تعالى والتوكل عليه سبب النجاة من المهالك. ومنها: أنَّ الاستشفاع برسول الله والتقرب إليه بالإيمان والتوحيد والعمل بسنّته، يهدي إلى سواء الصراط، كما هدى سفينة ﵁. فعلى العاقل إخلاص التوحيد، والإعراض عما سواه تعالى، فإنّه تعالى كاف لعبده في كل حال من الأحوال، وفي كل أمر من الأمور. ٣٩ - ولمَّا أورد عليهم الحجة التي لا دافع لها .. أمر رسوله أن يقول لهم على وجه التهديد بقوله: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿يَا قَوْمِ﴾ ـي ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾؛ أي: على حالتكم التي أنتم عليها من العداوة التي تمكنتم فيها، فإن (١) المكانة تستعار من العين للمعنى، كما استعير هنا، وحيث: للزمان مع كونهما للمكان. وقرأ أبو بكر: ﴿مكاناتكم﴾ بالجمع. ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾ على مكانتي وحالتي التي أنا عليها، وتمكنت منها، ولا يزيد حالي إلا قوةً ونصرةً وحذف ذلك للعلم به مما قبله. ٤٠ - ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ﴾ بسوء أعماله، و ﴿مَنْ﴾ مفعول ﴿تَعْلَمُونَ﴾. ﴿عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ ويذلّه

стр. 11331

ويهينه في الدنيا، فيظهر عند ذلك أنّه المبطل، وخصمه المحقّ. والمراد بهذا العذاب، عذاب الدنيا، وما حلّ بهم من القتل والأسر والقهر والذلّة وخزي أعدائه، دليل على غلبته، فقد نصره الله سبحانه، وعذَّب أعداءه، وأخزاهم يوم بدر. ثم ذكر عذاب الآخرة فقال: ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ﴾؛ أي: ينزل عليه من أفعاله من الحلول بمعنى النزول، ﴿عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾؛ أي: دائم إلى الأبد، لا يفارقه ولا ينقطع عنه، وهو عذاب النار. يعني: أنتم الهالكون؛ بسبب كونكم على البطلان، ونحن الناجون؛ بسبب كوننا على الحق، فسوف ينكشف ربحنا وخسرانكم، وسوف تظهر زيادتنا ونقصانكم، وسوف يغالبكم الله، ولا جواب لكم، ويعذّبكم ولا شفيع لكم، ويدمّر عليكم ولا صريخ. والمعنى (١): اعملوا على ما أنتم تعتقدون في أنفسكم من القوّة والشدّة واجتهدوا في أنواع مكركم وكيدكم، فإني عامل أيضًا في تقرير ديني، والسعي في نشره بين الناس، فسوف تعلمون أنّ العذاب والخزي في الدنيا يصيبني أو يصيبكم، فيظهر حينئذ أيُّنا المبطل، أنا أو أنتم، ويحل علي العذاب المقيم الدائم في الآخرة أو عليكم. ٤١ - ثمّ لمّا كان يعظم على رسول الله ﷺ إصرارهم على الكفر .. أخبره بأنه لم يكلّف إلَّا بالبيان، لا بأنه يهدي من ضلّ فقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾؛ أي؛ القرآن ﴿لِلنَّاسِ﴾؛ أي: لأجل نفعهم واهتدائهم به، فإنه مناط لمصالحهم في المعاش والمعاد، وفيه بيان ما كُلّفوا به، و ﴿بِالْحَقِّ﴾ إما حال من فاعل ﴿أَنْزَلْنَا﴾؛ أي: حال كوننا محقّين في إنزاله، أو من مفعوله؛ أي: حال كون ذلك الكتاب متلبسًا بالحق والصدق؛ أي: كل ما فيه حقٌّ وصواب لا ريب فيه، موجب للعمل به حتمًا. ﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ بأن عمل بما فيه ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾؛ أي: إنما نفع به نفسه ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ بأن لم يعمل بما فيه ﴿فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ لما أن وبال ضلاله مقصور عليها ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾؛ أي: بمكلف بهدايتهم مخاطب، بل ليس عليك إلا البلاغ،

стр. 11332

وقد فعلت؛ أي: وما وكلت عليهم لتجبرهم على الهدى، وما وظيفتك إلا البلاغ، وقد بلّغت أيّ بلاغ، وفي "فتح الرحمن" قوله: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ﴾ قاله هنا بحذف فإنما يهتدي المذكور في يونس والإسراء، اكتفاءً بما ذكره بقوله قبل: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾، انتهى. وفي الآية (١): إشارة إلى أنّ القرآن مذكّر جوار الحق للناس الذين نسوا الله وجواره، فمن تذكّر بتذكيره، واتَّعظ بوعظه، واهتدى بهدايته .. كانت فوائد الهداية راجعةً إلى نفسه، بأن تنوّرت بنور الهداية، فانمحى عنها آثار ظلمات صفاتها الحيوانيّة السبعية الشيطانية الموجبة لدخول النار. ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ فإنه يوكله إلى نفسه وطبيعته، فتغلب عليه الصفات الذميمة، فيكون حطب النار. ﴿وَمَا أَنْتَ﴾ يا محمد عليهم بوكيل تحفظهم من النار، إذا كان في استعدادهم الوقوع فيها. وحاصل معنى الآية (٢): إنّا أنزلنا إليك يا محمد القرآن بالحقّ؛ لتبلّغه للإنس والجنّ مبشّرًا برحمة الله، ومنذرًا بعقابه، وفيه مناط مصالحهم في معاشهم ومعادهم، والهادي لهم إلى الصراط المستقيم. ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ﴾؛ أي: فمن عمل بما فيه واتّبعه .. فإنما بغى الخير لنفسه، إذ أكسبها رضا خالقها، وفاز بالجنة ونجا من النار. ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾؛ أي: ومن حاد عن البيان الذي بيناه لك، فضل عن المحجة .. فإنما يجور على نفسه، وإليها يسوق العطب والهلاك؛ لأنّه يكسبها سخط الله، وأليم عقابه في دركات الجحيم. ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ ﴿وَمَا أَنْتَ﴾ أيّها الرسول ﴿عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾؛ أي: برقيب على من أرسلت عليهم ترقب أعمالهم، وتحفظ عليهم أفعالهم، إنّما عليك البلاغ وعلينا الحساب، ونحو الآية قوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ وقوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾. وهذه الآيات منسوخة بآية السيف (٣)، فقد أمر الله رسوله ﷺ بعد هذا أن يقاتلهم حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويعملوا بأحكام الإِسلام. ٤٢ - ثمّ ذكر نوعًا من أنواع قدرته البالغة، وصنعته العجيبة، فقال:

стр. 11333

﴿اللَّهُ﴾ : ﴿يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾؛ أي (١): يقبض الأرواح الإنسانية عن الأبدان، بأن يقطع تعلّقها عنها، وتصرُّفها فيها ظاهرًا وباطنًا، وذلك عند الموت، فيزول الحسّ والحركة عن الأبدان، وتبقى كالخشب اليابس، ويذهب العقل والإيمان والمعرفة مع الأرواح؛ أي: يقبض الأنفس التي بها الحياة، والأنفس التي بها الإدراك جميعًا. ﴿حِينَ مَوْتِهَا﴾؛ أي: حين موت أبدانها وأجسادها، فالكلام على حذف مضاف، كما في "الوسيط". والموت: زوال القوّة الحسّاسة. كما أنّ الحياة وجود هذه القوة، ومنه سمِّي الحيوان حيوانًا، ومبدأ هذه القوّة هو الروح الحيواني، الذي محلّه الدماغ، كما أنّ محلّ الروح الإنساني القلب الصنوبري، ولا يلزم من ذلك تحيزه فيه، وإن كانت الأرواح البشرية متحيزة عند أهل السنة، ثمّ إنّ الإنسان ما دام حيًّا فهو إنسان بالحقيقة، فإذا مات .. فهو إنسان بالمجاز؛ لأنَّ إنسانيته في الحقيقة إنما كانت بتعلُّق الروح الإنسانيّ وقد فأرقه. ﴿و﴾ يتوفى الأنفس ﴿الَّتِي لَمْ تَمُتْ﴾؛ أي: ويقبض الأرواح المدركة التي لم تمت أجسادها. ﴿فِي مَنَامِهَا﴾؛ أي: حين نومها، بأن يقطع تعلُّقها عن الأبدان، وتصرّفها فيها ظاهرًا وباطنًا، فالنائم يتنفّس ويتحرّك ببقاء الروح الحيوانيّ، ولا يعقل ولا يميّز بزوال الروح الإنساني. وقوله: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ راجع إلى قوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾؛ أي: فيمسك الله الأنفس التي قضى وحكم عليها موت أجسادها عنده، ولا يردُّها إلى أجسادها، وذلك الإمساك إنما هو في عالم البرزخ، التي تكون الأرواح فيه بعد المفارقة من النشأة الدنيوية، وهو غير البرزخ بين الأرواح المجرّدة والأجسام التي قبل النشأة الدنيويّة، ويسمّى عالم المثال؛ أي: يمسك أنفس الإماتة عنده، ولا يردها إلى البدن، وأسند القبض إليه تعالى؛ لأنّه الآمر للملائكة القابضين، وفي "زهرة الرياض" التوفي من الله تعالى: الأمر بخروج الروح من البدن، ولو اجتمعت الملائكة .. لم يقدروا على إخراجها، فالله يأمرها بالخروج، كما أمرها بالدخول، ومن الملائكة المعالجة. وقوله: ﴿وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى ...﴾ إلخ، راجع إلى قوله: ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا

стр. 11334

مَنَامِهَا﴾؛ أي: ويرسل أنفس الإدراك، وهي النائمة إلى أبدانها عند اليقظة، والنّزول من عالم المثال المقيّد، ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾؛ أي: إلى وقت معلوم، وهو الوقت المضروب لموتها، وهو غاية لجنس الإرسال؛ أي: لا لشخصه، حتى يرد لزوم أن لا يقع نوم بعد اليقظة الأولى، فتوفي الأنفس في حال النوم بإزالة الإدراك، وخلق الغفلة، والآفة في محل الإدراك، وتوفيها في حالة النوم بخلق الموت، وإزالة الحس بالكلية، فيمسك التي قضى عليها الموت، بأن لا يخلق فيها الإدراك، ويرسل الأخرى بأن يعيد إليها الإحساس، اهـ "جمل". وقرأ الجمهور: ﴿قَضَى عَلَيْهَا﴾ مبنيًّا للفاعل، ﴿الْمَوْتَ﴾ نصبًا، وقرأ ابن وثاب والأعمش وطلحة وعيسى وحمزة والكسائي: مبنيًّا للمفعول، ﴿الْمَوْتَ﴾ رفعًا. وعبارة النسفي هنا: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ وتوفّيها: إماتتها.، وهو: أن يسلب ما هي به حيّة حسّاسة درّاكة. ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾؛ أي: ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها؛ أي: يتوفّاها حين تنام تشبيهًا للنائمين بالموتى، حيث لا يميِّزون ولا يتصرفون، كما أنّ الموتى كذلك، ومنه قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ ﴿فَيُمْسِكُ﴾ الأنفس ﴿الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ الحقيقيّ؛ أي: لا يردُّها في وقتها حيّةً. ﴿وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى﴾ النائمة ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾؛ أي: إلى وقت ضربه لموتها، وقيل: ﴿يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾؛ أي: يستوفيها ويقبضها، وهي الأنفس التي تكون معها الحياة والحركة، ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها، وهي أنفس التمييز. قالوا: فالتي تتوفّى في المنام، هي نفس التمييز لا نفس الحياة، إذْ لو زالت .. زال معها النفَس، بفتح الفاء، والنائم يتنفس، ولكل إنسان نفسان، إحداهما: نفس الحياة، وهي التي تفارقه عند الموت، والأخرى: نفس التمييز، وهي التي تفارقه إذا نام، اهـ. وقال سعيد بن جبير: إن الله يقبض أرواح الأموات إذا ماتوا، وأرواح الأحياء إذا ناموا، فتتعارف ما شاء الله أن تتعارف. وعبارة المراغي: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾؛ أي (١): الله هو الذي

стр. 11335

يقبض الأنفس حين انقضاء آجالها بالموت، ويقطع تعلّقها بالأجساد تعلق المتصرّف فيه، ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾؛ أي: ويتوفى الأنفس التي لم يحضر أجلها، فيقبضها من التصرّف في الأجساد مع بقاء الأرواح متصلة بها. ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ فلا يردّها إلى الأجساد، ﴿وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾؛ أي: ويرسل النائمة إلى الأجساد حين اليقظة إلى أجل مسمى، وهو وقت الموت. روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "إنّ في ابن آدم نفسًا وروحًا، بينهما مثل شعاع الشمس، فالنفس التي هي بها العقل والتمييز، والروح هي التي بها النفَس - بفتح الفاء والتحرُّك - فيتوفيان عند الموت، وتتوفى النفس وحدها حين النوم. وأخرج أحمد والبخاريّ وأبو داود وابن أبي شيبة عن أبي قتادة: أنّ النبي ﷺ قال لهم ليلة الوادي: "إن الله تعالى قبض أرواحكم حين شاء، وردّها عليكم حين شاء". ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المذكور من توفي الأنفس مائتة ونائمة، وإمساكها وإرسالها إلى أجل مسمّى. ﴿لَآيَاتٍ﴾ عجيبة، دالّة على كمال قدرته تعالى، وحكمته وشمول رحمته ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في كيفية تعلق الأرواح بالأبدان، وتوفيها (١) عنها تارةً بالكلية، كما عند الموت وإمساكها باقية بعد الموت لا تفنى بفناء الأبدان، وأخرى عن ظواهرها فقط، كما عند النوم، وإرسالها حينًا بعد حين إلى انقضاء آجالها، وانقطاع أنفاسها؛ أي: لآيات عظيمة دالة على قدرته لقوم يُجيلون فيه أفكارهم فيعتبرون. ٤٣ - ثمّ أنكر سبحانه على المشركين اتخاذ الأصنام شفعاء، فقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا﴾ فـ ﴿أَمِ﴾ منقطعة تقدر ببل الإضرابية، وهمزة الاستفهام الإنكاري؛ أي: أبل اتخذ هؤلاء المشركون من أهل مكة ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ سبحانه؛ أي: من دون إذنه تعالى ﴿شُفَعَاءَ﴾ تشفع لهم عنده تعالى في جلب منفعة أو دفع مضرّة، هي الأصنام، جمع شفيع، وهو من يطلب الخير من الغير للغير.

стр. 11336

واجمال المعنى: أنّه لا ينبغي لهم ذلك إذ لا يخطر على بال عاقل فائدة لهذا، ومن ثم أمر رسوله ﷺ أن يتهكم بهم، ويحمقهم على ما يفعلون، فقال: ﴿قُلْ﴾ لهم أيها الرسول ﴿أَ﴾ تتخّذونهم شفعاء كما تزعمون، ﴿وَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ﴾ لكم ﴿شَيْئًا﴾ من حوائجكم ﴿وَلَا يَعْقِلُونَ﴾ أنكم تعبدونهم، فـ ﴿الهمزة﴾ (١): لإنكار الواقع واستقباحه. والتوبيخ عليه، دالة على محذوف كما قدّرنا، و ﴿الواو﴾: عاطفة على ذلك المحذوف؛ أي: أيشفعون ولو كانوا إلخ، وجواب ﴿لَوْ﴾: محذوف، تقديره: تتخذونهم؛ أي: وإن كانوا بهذه المنزلة تتخذونهم شفعاء. ومعنى (٢) ﴿لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا﴾: أنهم غير مالكين لشيء من الأشياء، وتدخل الشفاعة في ذلك دخولًا أوليًا، ولا يعقلون شيئًا من الأشياء؛ لأنها جمادات لا عقل لها، وجمعهم بالواو والنون جمع العقلاء؛ لاعتقاد الكفار فيهم أنهم يعقلون. والمعنى: قل لهم يا محمد: أفتتخذون الأصنام شفعاء ولو كانوا لا يملكون شيئًا ولا يعقلونه، فضلًا عن أن يملكوا الشفاعة عند الله سبحانه، ويعقلوا أنكم تعبدونهم. وفي "التأويلات النجمية" يشير إلى أن اتخاذ الأشياء للعبادة أو للشفاعة بالهوى والطبع، لا بأمر الله تعالى ووفق الشرع يكون ضلالةً على ضلالة، وأن المقبول من العبادة والشفاعة ما يكون بأمر الله ومتابعة نبيّه ﷺ على وفق الشرع. ٤٤ - ثم أمر سبحانه رسوله أن يخبرهم أن الشفاعة لله وحده، فقال: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد، بعد تبكيتهم وتجهيلهم بما ذكر تحقيقًا للحق؛ ﴿لِلَّهِ﴾ سبحانه، لا لغيره ﴿الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ نصب على الحال من الشفاعة، فليس لأحد منها شيء إلا أن يكون بإذنه لمن ارتضى، كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِه﴾ وقوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ وأكد الشفاعة بما يؤكد به الاثنان فصاعدًا؛ لأنها مصدر يطلق على الواحد والاثنين والجماعة. والخلاصة (٣): أنه تعالى مالك الشفاعة كلها، لا يستطيع أحد أن يشفع لديه

стр. 11337

إلا أن يكون المشفوع له مرتضى، والشفيع مأذونًا له، وكلاهما مفقود هاهنا. قال البقلي: بين أنه تعالى، مرجع الكل: الشافع والمشفوع فيه، حتى يرجع العبد العارف إليه بالكلّية، ولا يلتفت إلى أحد سواه، فلا يصل إليه أحد إلا به تعالى. ونِعْمَ ما قالت رابعة العدوية - رحمها الله تعالى -: محبّة الله تعالى ما أبقت محبة غيره، ومحبّة الرسول ﷺ مندرجة في محبة الله تعالى. وفي "فتح الرحمن": إن قلت: كيف قال ذلك مع أن للأنبياء والعلماء والشهداء والأطفال شفاعة؟ قلت: معناه: أن أحدًا لا يملكها إلا بتحليلها من الله تعالى، كما قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾. ثمّ بين العلة في أن الشفاعة جميعًا له تعالى، فقال: ﴿لَهُ﴾ تعالى، وحده ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: له السلطان في السموات والأرض، وكل من فيهما ملك له، ومنه ما تعبدون من دونه، فاعبدوا مالك الملك كله، الذي لا يتصرّف أحد في شيء منه إلَّا بإذنه ورضاه، وفيه إشارة (١) إلى أن الله تعالى هو المالك حقيقةً، فإن ما سواه عبد ولا ملك للعبد، ولو ملّكه مولاه، وإنما هو عارية عنده، والعارية مردودة إلى مالكها. ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ﴾ تعالى لا إلى غيره ﴿تُرْجَعُونَ﴾ يوم القيامة؛ أي: إليه مصيركم بعد البعث لا إلى أحد سواه، لا استقلالًا ولا اشتراكًا، فيفعل يومئذ ما يريد، وهو معاقبكم على إشراككم به سواه، إن أنتم متم على هذه الحال. وفي "الكواشي": يحيى أعمالكم، ثم إلى حسابه ترجعون؛ أي: تردّون فيجازيكم، فاحذروا سخطه، واتّقوا عذابه، فيا ربح الموحّدين يومئذ، ويا خسارة المشركين. وخلاصة ذلك: اعبدوا من يقدر على نفعكم في الدنيا، وعلى ضرّكم فيها، وفي الآخرة بعد مماتكم يجازيكم بما قدّمتم من عمل خيرًا كان أو شرًّا، ولا يخفى ما في هذا من التهديد والوعيد، الذي تقشعر منه الجلود خشيةً. واعلم: أن افتخار الخلق في الدنيا بعشرة، ولا ينفع ذلك يوم القيامة:

стр. 11338

الأول: المال، فلو نفع المال لأحدٍ .. لنفع قارون، قال الله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾. والثاني: الولد، فلو نفع الولد لأحد .. لنفع إبراهيم ﵇ أباه آزر، قال تعالى: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾. والثالث: الجمال، فلو نفع الجمال .. لنفع أهل الروم؛ لأنّ لهم تسعة أعشار الجمال، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾. والرابع: الشفاعة، فلو نفعت الشفاعة .. لنفع الرسول ﷺ من أحبّ إيمانه، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ كأنه قال: أنت شفيعي في الجنايات، لا شريكي في الهدايات. والخامس: الحيلة، فلو نفعت الحيلة .. لنفع الكفار مكرهم، قال تعالى: ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾. والسادس: الفصاحة، فلو نفعت الفصاحة .. لنفعت العرب، قال تعالى: ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾. والسابع: العزّ، فلو نفع العزّ .. لنفع أبا جهل، قال تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾. والثامن: الأصدقاء، فلو نفع الأصدقاء .. لنفعوا الفسّاق، قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِين (٦٧)﴾. والتاسع: الأتباع، فلو نفع التبع .. لنفع الرؤساء، قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾. والعاشر: الحسب، فلو نفع الحسب .. لنفع يعقوب اليهود؛ لأنهم أولاد يعقوب، قال تعالى: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. فإذا عرفت هذه الأمور المذكورة .. فارجع يا أخي إلى الله تعالى من الأسباب الغير النافعة، وذلك بكمال الإيمان والتقوى. ٤٥ - ثم ذكر سبحانه هفوة من هفواتهم التي تصدر منهم، وتدل على غفلة عظيمة، وتناقض بين الاعتراف بالألوهية، والإنكار لها، فقال: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ﴾ سبحانه

стр. 11339

حال كونه ﴿وَحْدَهُ﴾؛ أي: منفردًا، دون آلهة المشركين، وانتصاب ﴿وَحْدَهُ﴾ على الحال عند يونس، وعلى المصدر عند الخليل وسيبويه، والعامل في ﴿إِذَا﴾: جوابها، وهو قوله: ﴿اشْمَأَزَّتْ﴾؛ أي: انقبضت ونفرت وذعرت وأنكرت ﴿قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾؛ أي: قلوب الذين لا يصدّقون بيوم القيامة. ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾؛ أي: من الله تعالى؛ يعني الأوثان فرادى، أو مع ذكر الله. ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾؛ أي: يفرحون ويظهر في وجوههم البشر، وهو أثر السرور لفرط افتتانهم بها ونسيانهم الحق، والاشمئزاز (١): أن يمتلىء القلب غيظًا وغمًا، ينقبض عنهما أديم الوجه، كما يرى في وجه العابس المحزون، وهو غاية ما يمكن من الانقباض، ففيه مبالغة في بيان حالهم القبيحة، والاستبشار: أن يمتلىء القلب سرورًا، فتنبسط له بشرة الوجه، وهو غاية ما يمكن من الانبساط، ففيه مبالغة أيضًا في بيان حالهم القبيحة، والعامل في ﴿إِذَا﴾ الشرطية: هو العامل في ﴿إِذَا﴾ المفاجأة على القول بأنها ظرف، تقديره: وقت ذكر الذين من دونه، فاجَؤُوا وقت الاستبشار. والمعنى (٢): أي إنه إذا قيل: لا إله في الكون إلا الله وحده .. نفرت قلوب أولئك المشركين، الذين لا يؤمنون بالبعث والمعاد بعد الموت، وإذا ذكرت الآلهة التي يدعونها من دون الله تعالى، فقيل: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى .. استبشروا وفرحوا لفرط افتتانهم بهنّ، ونسيانهم حق الله تعالى. قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - في الآية: ﴿اشْمَأَزَّتْ﴾: قست ونفرت قلوب هؤلاء الأربعة الذين لا يؤمنون بالآخرة، أبو جهل بن هشام والوليد بن عتبة وصفوان وأبي بن خلف، ونحو الآية قوله تعالى حكايةً عنهم: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾. واعلم (٣): أن هؤلاء المشركين كأمثال الصبيان، فكما أنهم يفرحون بالأفراس الطينية، والأسود الخشبية، وبمذاكرة ما هو لهو ولعب، فكذا أهل الأوثان، لكون نظرهم مقصورًا على الصور والأشباح، فكل قلب لا يعرف الله، فإنه لا يأنس بذكر الله، ولا يسكن إليه، ولا يفرح به، فلا يكون مسكن الحق.

стр. 11340

قال السيد الألوسي في "تفسيره" ناعيًا حال المسلمين اليوم: وقد رأينا (١) كثيرًا من الناس على نحو هذه الصفة، التي وصف الله تعالى بها المشركين، يهشون لذكر أموات يستغيثون بهم، ويطلبون منهم، ويطربون من سماع حكايات كاذبة عنهم، توافق أهواءهم ومعتقداتم فيهم، ويعظمون من يحكم لهم ذلك، وينقبضون من ذكر الله تعالى وحده، ونسبة الاستقلال بالتصرف إليه ، وسرد ما يدل على عظمته وجلاله، وينفرون ممن يفعل ذلك كل النفرة، وينسبونه إلى ما يكره، وقد قلت يومًا لرجل يستغيث في شدة ببعض الأموات، وينادي: يا فلان أغثني، فقلت له: قل يا الله، فقد قال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ فغضب وبلغني أنّه قال: فلان منكر على الأولياء، وسمعت من بعضهم أنه قال: الولي أسرع إجابة من الله ، وهذا من الكفر بمكان، نسأل الله تعالى أن يعصمنا من الزيغ والطغيان. انتهى. ٤٦ - فعلى العاقل أن لا ينقطع عن الذكر، ويستبشر به، فالله تعالى معه معينه، ولما لم يقبل المتمردون من الكفار ما جاءهم به النبي ﷺ من الدعاء إلى الخير، وصمموا على كفرهم .. أمره الله سبحانه أن يرد الأمر إليه، فقال: ﴿قُلِ﴾ محمد: ﴿اللَّهُمَّ﴾ والميم فيه عوض عن حرف النداء، والمعنى: قل يا محمد: يا الله يا ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ نصب بالنداء؛ أي: يا خالق السموات والأرض على أسلوب بديع ﴿عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾؛ أي: يا عالم كل ما غاب عن العباد وكل ما شهدوه؛ أي: التجىء يا محمد إليه تعالى بالدعاء حين تحيّرت في أمر الدعوة، وضجرت من شدة شكيمتهم في المكابرة والعناد، فإنه القادر على الأشياء بجملتها، والعالم بأحوالها برمتها. ﴿أَنْتَ﴾ وحدك ﴿تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ﴾؛ أي: بيني وبين قومي، وكذا بين سائر العباد ﴿فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾؛ أي: فيما يختلفون فيه من أمر الدين؛ أي: تحكم حكمًا يسلمه كل مكابر، ويخضع له كل معاند، وهو العذاب الدنيوي أو الأخروي، والثاني أنسب بما بعد الآية. والمعنى: أي قل يا محمد: يا الله، يا مبدع السموات والأرض، ويا عالم ما غاب عنّا، وما تشهده العيون والأبصار، أنت تحكم بين عبادك، فتفصل بينهم

стр. 11341

بالحق يوم تجمعهم لفصل القضاء فيما كانوا فيه يختلفون في الدنيا، من القول فيك، وفي عظمتك وسلطانك، فتقضي بيننا وبين المشركين الذين إذا ذكر الله وحده .. اشمأزت قلوبهم، وإذا ذكر من دونه .. استبشروا وفرحوا، فتجازي المحسن بإحسانه، وتعاقب المسيء بإساءَتِهِ، فإنه بذلك يظهر من هو المحق ومن هو المبطل، ويرتفع عنده خلاف المختلفين، وتخاصم المتخاصمين. أخرج مسلم وأبو داود والبيهقي في "الأسماء والصفات" عن عائشة - رضي الله تعالى عنهما - قالت: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل .. افتتح صلاته: "اللهم ربّ جبريل وميكائيل واسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحقّ بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم". ٤٧ - ثمّ لما حكى الله سبحانه عن الكفار ما حكاه من الاشمئزاز عند ذكر الله، والاستبشار عند ذكر الأصنام .. ذكر ما يدل على شدة عذابهم، وعظيم عقوبتهم، فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنفسهم بالشرك والمعاصي ﴿مَا فِي الْأَرْضِ﴾ من الأموال والذخائر حال كونه ﴿جَمِيعًا﴾ حال من ﴿مَا﴾ الموصولة؛ أي (١): لو أن لهم جميع ما في الدنيا من الأموال والذخائر. ﴿و﴾ ملكوا ﴿مِثْلَهُ﴾؛ أي: مثل ما في الأرض، ﴿مَعَهُ﴾؛ أي: مع ما في الأرض ﴿لَافْتَدَوْا بِهِ﴾؛ أي: لجعلوا كل ذلك فداءً لأنفسهم. ﴿مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ﴾؛ أي: من العذاب الشديد المعد لهم، ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ لكن لا مال يوم القيامة، ولو كان لم يقبل الافتداء به، وهذا وعيد شديد، وإقناط لهم من الخلاص، والظرف متعلق بـ ﴿افْتَدَوْا﴾، كما في "الجمل". وفي "التأويلات النجمية": يشير سبحانه إلى أن هذه الجملة لا تقبل يوم القيامة لدفع العذاب، واليوم هاهنا تقبل ذرّة من الخير، ولقمة من الصدقة، وكلمة من التوبة والاستغفار، كما أنهم لو تابوا وبكوا في الآخرة بالدماء .. لا يرحم بكاؤهم، وبدمعة واحدة اليوم يمحى كثيرٌ من ذنوبهم. والمعنى (٢): أي ولو أن هؤلاء المشركين ملكوا كل ما في الأرض من

стр. 11342

الأموال، وملكوا مثله معه، وقبل ذلك منهم يوم القيامة .. لافتدوا به أنفسهم من أهوال ذلك العذاب الشديد، الذي سيعذبون به، وقد تقدم إيضاح هذا في سورة آل عمران. ٤٨ - ﴿وَبَدَا لَهُمْ﴾؛ أي: وظهر لهم في ذلك اليوم الرهيب ﴿مِنَ﴾ عذاب ﴿اللَّهِ﴾ سبحانه وفنون العقوبات. ﴿مَا لَمْ يَكُونُوا﴾ في الدنيا. ﴿يَحْتَسِبُونَ﴾ به ويظنونه؛ أي: بدا لهم يوم القيامة من فنون العذاب، ما لم يكن في حسابهم وظنهم في الدنيا أنه نازل بهم يومئذ؛ أي: وظهر لهم من عذاب الله، الذي أعدّه لهم ما لم يكن في حسبانهم، ولم يحدّثوا به أنفسهم، وفي هذا وعيد عظيم لهم، وتهديد بالغ غايةً لا غاية وراءها، قال مجاهد: عملوا أعمالًا توهموا أنها حسنات، فإذا هي سيئات، وعن سفيان الثوري: أنه قرأها فقال: ويل لأهل الرياء، ويل لأهل الرياء من هذه الآية. ﴿وَبَدَا لَهُمْ﴾؛ أي: ظهر لهم في ذلك اليوم حين تعرض عليهم صحائف أعمالهم. ﴿سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ في الدنيا؛ أي: ظهر لهم جميع ما اجترحوه من السيئات، وارتكبوه من الآثام، وعلموا أنهم مجازون على النقير والقطمير ﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾؛ أي: نزل وأصاب وأحاط بهم ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾؛ أي: وبال استهزائهم، وجزاء مكرهم، وكانوا يستهزئون بالكتاب، ويسخرون من المسلمين، ويهزؤون بالبعث والعذاب، ونحو ذلك؛ أي: أحاط بهم العذاب من كل الجوانب، وأيقنوا أنهم مواقعوه لا محالة؛ لاستهزائهم بما كانوا ينذرهم به الرسول ﷺ . ٤٩ - قوله: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ﴾ المراد بالإنسان هنا (١): الجنس، باعتبار بعض أفراده أو غالبها، وقيل: المراد به: الكفار فقط، والأول أولى، ولا يمنع حمله على الجنس خصوص سبَبِه؛ لأن الاعتبار بعموم اللفظ وفاءً بحق النظم القرآني، ووفاءً بمدلوله، و ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أنّ المشركين ليشمئزّون عن ذكر الله وحده، ويستبشرون بذكر الآلهة، وأردت بيان حالهم فيما إذا أصابهم الضر .. فأقول لك. إن شأن غالب نوع الإنسان أنه إذا مسه ﴿ضُرٌّ﴾ من مرض أو فقر أو غيرهما، ﴿دَعَانَا﴾ وتضرع إلينا في رفعه ودفعه؛ أي: دعوا لدفعه من اشمأزوا عن ذكره، وهو الله ، فيا

стр. 11343

عجبًا لحالهم مع الله سبحانه لمناقضتهم وتعكيسهم في التسبب، حيث جعلوا الكفر سببًا في الالتجاء إلى الله، بأن أقاموه مقام الإيمان مع أن الواجب أن يجعل الإيمان سببًا فيه، وإنما أتى هنا بـ ﴿الفاء﴾ في قوله: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ﴾، وعطف بـ ﴿الواو﴾ في أول السورة في قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ﴾؛ لأن ما هنا كلام مرتب على ما قبله؛ لأنه ترتب على قوله: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ﴾ إلخ، وأما ما في أول السورة فلم يترتب على ما قبله، وإنما هو ذكر كلامٍ اقتضى عطفه على ما قبله بالواو لمناسبة ما قبله. ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ﴾؛ أي: أعطيناه ﴿نِعْمَةً﴾ صادرة ﴿مِنَّا﴾ تفضلًا وإحسانًا، فإن التخويل مختص بما كان بطريق التفضل، لا يطلق على ما أعطي بطريق الجزاء، أي: إذا أعطيناه مالًا أو عافيةً في البدن تفضلًا منا ﴿قَالَ﴾ ذلك الإنسان ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ﴾؛ أي: إنما أوتيت هذه النعمة والضمير للنعمة، إن قلنا ﴿ما﴾ كافة في ﴿إِنَّمَا﴾ وتذكير (١) الضمير: نظرًا لكونها بمعنى الفضل أو الإنعام أو الشيء، أو لـ ﴿ما﴾ إن قلنا إنها موصولة، والأول أولى. ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾؛ أي: بسبب علم منى بوجوه المكاسب، أو على علم منى بأني ساعطاه، لما لي من الفضل والاستحقاق، أو على علم من الله سبحانه باستحقاقي وبفضلي، أو ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾؛ أي: على خير علمه الله منى، فإن كانت النعمة سعةً في المال .. قال: إنما حصل هذا بكسبي واجتهادي، وإن كات صحةً .. قال: إنما حصلت هذه الصحة بسبب العلاج الفلاني، وقوله: ﴿بَلْ هِيَ﴾؛ أي: تلك النعمة ﴿فِتْنَةٌ﴾ ومحنة وابتلاء لذلك الإنسان، أيشكر أم يكفر، رد لما قاله ذلك الإنسان، أي: ليس ذلك الذي أعطيناك لما ذكرت، بل هو محنة لك، واختبار لحالك أتشكر أم تكفر، قال الفراء: أنث الضمير في قوله: ﴿هِيَ﴾؛ لتأنيث الفتنة، ولو قال: بل هو فتنة .. لجاز، وقال النحاس: بل عطيته فتنة، وقيل: تأنيث الضمير: باعتبار لفظ الفتنة، وتذكير الأوّل في قوله: ﴿أُوتِيتُهُ﴾ باعتبار معناها ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾؛ أي: أكثر الناس وهم الكفار ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنّ التخويل والإعطاء والبسط استدراج وامتحان. والمعنى (٢): أي إن أمر المشرك عجيب، يدعو إلى الدهشة والحيرة، فإذا هو

стр. 11344

أصيب بضر من فقر أو مرض .. جأر إلى الله، واستعان به لكشف ذلك الضرّ عنه، وإذا تغيرت الحال، ونال شيئًا من الرخاء، أو زال عنه ما به من العلة .. قال: إنما أوتيت هذا لعلمي بوجوه المكاسب، وجدّي واجتهادي، أو لذهابي إلى الأطباء واهتمامي بالعلاج، فلم أدخر دواء نافعًا إلا بذلت نفيس المال للحصول عليه. وهذا منه تناقض عجيب، ففي الحال الأولى يستغيث بربه، وفي الحال الثانية ينسب السلامة إلى نفسه، ويقطع صلتها عن المنعم بها، الذي أوجدها وأرادها، وفي الحق أن ما أعطيه من النعم، إنما هو فتنة واختبار لحاله، أيشكر أم يكفر، أيطيع أم يعصي، ولكن أكثرهم لا يعلمون أن ذلك استدراج من الله، وامتحان لم، ومن ثم يقولون ما يقولون، ويدعون من الدعاء ما لا يفقهون. ٥٠ - ثم بين أن هذه مقالة ليست وليدة أفكارهم، بل سبقهم بها كثير ممن قبلهم، فقال: ﴿قَدْ قَالَهَا﴾؛ أي: قد قال (١): تلك الكلمة أو الجملة، وهي قوله: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: قد قال الذين من قبل قومك يا محمد مثل هذه المقالة، وهم قارون وقومه، حيث قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ وهم راضون به؛ يعني لما رضي قوم قارون بمقالته .. جمعوا معه، وقال بعضهم: يجوز أن يكون المراد بالذين من قبلهم: جميع من تقدمنا من الخيار والشرار، فيجوز أن يوجد في الأمم المتقدمة من يقول تلك الكلمة غير قارون أيضًا، ممن أبطرته النعمة، واغترّ بظاهرها. ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ﴾؛ أي: فما دفع عن أولئك القائلين من الأمم المتقدمة ﴿مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من متاع الدنيا، ويجمعون منه شيئًا من عذاب الله تعالى؛ يعني أن النعمة لم تدفع عنهم النقمة والعذاب ولم ينفعهم ذلك، ويجوز أن تكون ﴿ما﴾ في قوله: ﴿فَمَا أَغْنَى﴾: نافية، كما فسرناها، وأن تكون استفهامية؛ أي: أيّ شيء أغنى عنهم ذلك. ٥١ - ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾؛ أي: جزاء سيئات كسبهم، أو أصابهم سيئات هي جزاء كسبهم، وسمّي الجزاء سيئات؛ لوقوعه في مقابلة سيئاتهم، فهو من باب المشاكلة، كقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾، ففيه رمز إلى أن جميع أعمالهم من قبيل السيئات.

стр. 11345

والمعنى: أنهم ظنوا أن ما آتيناهم لكرامتهم علينا، ولم يكن كذلك؛ لأنهم وقعوا في العذاب ولم تنفعهم أموالهم، وهذا كما قال اليهود: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾. والمعنى (١): أي قد زعم مثل هذا الزعم، وادعى مثل هذه الدعوى كثير ممن سبقهم من الأمم، فلم يغن عنهم شيئًا ما كانوا يكسبون من متاع الدنيا، ويجمعون من حطامها، حين جاءهم أمر ربهم على تكذيبهم رسله، واستهزائهم بهم. ثم بين ما سلف بقوله: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾؛ أي: فحل بهم جزاء سيئات ما كسبوا من الأعمال، فعوجلوا بالخزي في الدنيا، كالخسف الذي لحق قارون، والصاعقة التي نزلت بقوم لوط، وسيصيبهم النكال الدائم في الآخرة، ثم أوعد سبحانه مشركي قومه ﷺ على ما سينالهم في الدنيا والآخرة، فقال: ﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنفسهم بالشرك ﴿مِنْ هَؤُلَاءِ﴾ المشركين المعاصرين لك يا محمد؛ أي: أفوطوا في الظلم والعتو، و ﴿مِنْ﴾ للبيان، أو للتبعيض. ﴿سَيُصِيبُهُمْ﴾؛ أي: سيحل بهم، ﴿سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ من الكفر والمعاصي، كما أصاب أولئك، و ﴿السين﴾: للتأكيد، وقد أصابهم في الدنيا ما أصابهم من القحط والقتل والأسر والقهر؛ أي: والذين كفروا بالله من قومك، وظلموا أنفسهم سيصيبهم أيضًا وبال السيئات التي اكتسبوها، كما أصاب الذين من قبلهم، فأصابهم القحط سبع سنين متوالية، وقتل صناديدهم يوم بدر، وأسر منهم العدد الكثير. ﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ الله تعالى؛ أي: وما هم بفائتين الله هربًا يوم القيامة، بل مرجعهم إليه، ويصنع بهم ما شاء من العقوبة؛ يعني يدركهم العذاب، ولا ينجون منه بالهرب. ٥٢ - ثم أقام سبحانه الدليل على عظيم قدرته، وبديع حكمته، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ و ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التوبيخي، داخلة على محذوف معلوم من السياف، و ﴿الواو﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير (٢): أقالوا تلك الكلمة؛ يعني قوله: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾؛ أي: أقالوا ذلك ولم يعلموا، أو أغفلوا عن فضل الله ولم يعلموا ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ ويوسّعه ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أن يوسّع عليه، ليختبره أيشكر أم يكفر. ﴿وَيَقْدِرُ﴾ الرزق ويقبضه عمن يشاء القبض
следующие страницы →