← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 11341–11380 · переход к 11346.

стр. 11341

بالحق يوم تجمعهم لفصل القضاء فيما كانوا فيه يختلفون في الدنيا، من القول فيك، وفي عظمتك وسلطانك، فتقضي بيننا وبين المشركين الذين إذا ذكر الله وحده .. اشمأزت قلوبهم، وإذا ذكر من دونه .. استبشروا وفرحوا، فتجازي المحسن بإحسانه، وتعاقب المسيء بإساءَتِهِ، فإنه بذلك يظهر من هو المحق ومن هو المبطل، ويرتفع عنده خلاف المختلفين، وتخاصم المتخاصمين. أخرج مسلم وأبو داود والبيهقي في "الأسماء والصفات" عن عائشة - رضي الله تعالى عنهما - قالت: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل .. افتتح صلاته: "اللهم ربّ جبريل وميكائيل واسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحقّ بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم". ٤٧ - ثمّ لما حكى الله سبحانه عن الكفار ما حكاه من الاشمئزاز عند ذكر الله، والاستبشار عند ذكر الأصنام .. ذكر ما يدل على شدة عذابهم، وعظيم عقوبتهم، فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنفسهم بالشرك والمعاصي ﴿مَا فِي الْأَرْضِ﴾ من الأموال والذخائر حال كونه ﴿جَمِيعًا﴾ حال من ﴿مَا﴾ الموصولة؛ أي (١): لو أن لهم جميع ما في الدنيا من الأموال والذخائر. ﴿و﴾ ملكوا ﴿مِثْلَهُ﴾؛ أي: مثل ما في الأرض، ﴿مَعَهُ﴾؛ أي: مع ما في الأرض ﴿لَافْتَدَوْا بِهِ﴾؛ أي: لجعلوا كل ذلك فداءً لأنفسهم. ﴿مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ﴾؛ أي: من العذاب الشديد المعد لهم، ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ لكن لا مال يوم القيامة، ولو كان لم يقبل الافتداء به، وهذا وعيد شديد، وإقناط لهم من الخلاص، والظرف متعلق بـ ﴿افْتَدَوْا﴾، كما في "الجمل". وفي "التأويلات النجمية": يشير سبحانه إلى أن هذه الجملة لا تقبل يوم القيامة لدفع العذاب، واليوم هاهنا تقبل ذرّة من الخير، ولقمة من الصدقة، وكلمة من التوبة والاستغفار، كما أنهم لو تابوا وبكوا في الآخرة بالدماء .. لا يرحم بكاؤهم، وبدمعة واحدة اليوم يمحى كثيرٌ من ذنوبهم. والمعنى (٢): أي ولو أن هؤلاء المشركين ملكوا كل ما في الأرض من

стр. 11342

الأموال، وملكوا مثله معه، وقبل ذلك منهم يوم القيامة .. لافتدوا به أنفسهم من أهوال ذلك العذاب الشديد، الذي سيعذبون به، وقد تقدم إيضاح هذا في سورة آل عمران. ٤٨ - ﴿وَبَدَا لَهُمْ﴾؛ أي: وظهر لهم في ذلك اليوم الرهيب ﴿مِنَ﴾ عذاب ﴿اللَّهِ﴾ سبحانه وفنون العقوبات. ﴿مَا لَمْ يَكُونُوا﴾ في الدنيا. ﴿يَحْتَسِبُونَ﴾ به ويظنونه؛ أي: بدا لهم يوم القيامة من فنون العذاب، ما لم يكن في حسابهم وظنهم في الدنيا أنه نازل بهم يومئذ؛ أي: وظهر لهم من عذاب الله، الذي أعدّه لهم ما لم يكن في حسبانهم، ولم يحدّثوا به أنفسهم، وفي هذا وعيد عظيم لهم، وتهديد بالغ غايةً لا غاية وراءها، قال مجاهد: عملوا أعمالًا توهموا أنها حسنات، فإذا هي سيئات، وعن سفيان الثوري: أنه قرأها فقال: ويل لأهل الرياء، ويل لأهل الرياء من هذه الآية. ﴿وَبَدَا لَهُمْ﴾؛ أي: ظهر لهم في ذلك اليوم حين تعرض عليهم صحائف أعمالهم. ﴿سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ في الدنيا؛ أي: ظهر لهم جميع ما اجترحوه من السيئات، وارتكبوه من الآثام، وعلموا أنهم مجازون على النقير والقطمير ﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾؛ أي: نزل وأصاب وأحاط بهم ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾؛ أي: وبال استهزائهم، وجزاء مكرهم، وكانوا يستهزئون بالكتاب، ويسخرون من المسلمين، ويهزؤون بالبعث والعذاب، ونحو ذلك؛ أي: أحاط بهم العذاب من كل الجوانب، وأيقنوا أنهم مواقعوه لا محالة؛ لاستهزائهم بما كانوا ينذرهم به الرسول ﷺ . ٤٩ - قوله: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ﴾ المراد بالإنسان هنا (١): الجنس، باعتبار بعض أفراده أو غالبها، وقيل: المراد به: الكفار فقط، والأول أولى، ولا يمنع حمله على الجنس خصوص سبَبِه؛ لأن الاعتبار بعموم اللفظ وفاءً بحق النظم القرآني، ووفاءً بمدلوله، و ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أنّ المشركين ليشمئزّون عن ذكر الله وحده، ويستبشرون بذكر الآلهة، وأردت بيان حالهم فيما إذا أصابهم الضر .. فأقول لك. إن شأن غالب نوع الإنسان أنه إذا مسه ﴿ضُرٌّ﴾ من مرض أو فقر أو غيرهما، ﴿دَعَانَا﴾ وتضرع إلينا في رفعه ودفعه؛ أي: دعوا لدفعه من اشمأزوا عن ذكره، وهو الله ، فيا

стр. 11343

عجبًا لحالهم مع الله سبحانه لمناقضتهم وتعكيسهم في التسبب، حيث جعلوا الكفر سببًا في الالتجاء إلى الله، بأن أقاموه مقام الإيمان مع أن الواجب أن يجعل الإيمان سببًا فيه، وإنما أتى هنا بـ ﴿الفاء﴾ في قوله: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ﴾، وعطف بـ ﴿الواو﴾ في أول السورة في قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ﴾؛ لأن ما هنا كلام مرتب على ما قبله؛ لأنه ترتب على قوله: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ﴾ إلخ، وأما ما في أول السورة فلم يترتب على ما قبله، وإنما هو ذكر كلامٍ اقتضى عطفه على ما قبله بالواو لمناسبة ما قبله. ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ﴾؛ أي: أعطيناه ﴿نِعْمَةً﴾ صادرة ﴿مِنَّا﴾ تفضلًا وإحسانًا، فإن التخويل مختص بما كان بطريق التفضل، لا يطلق على ما أعطي بطريق الجزاء، أي: إذا أعطيناه مالًا أو عافيةً في البدن تفضلًا منا ﴿قَالَ﴾ ذلك الإنسان ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ﴾؛ أي: إنما أوتيت هذه النعمة والضمير للنعمة، إن قلنا ﴿ما﴾ كافة في ﴿إِنَّمَا﴾ وتذكير (١) الضمير: نظرًا لكونها بمعنى الفضل أو الإنعام أو الشيء، أو لـ ﴿ما﴾ إن قلنا إنها موصولة، والأول أولى. ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾؛ أي: بسبب علم منى بوجوه المكاسب، أو على علم منى بأني ساعطاه، لما لي من الفضل والاستحقاق، أو على علم من الله سبحانه باستحقاقي وبفضلي، أو ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾؛ أي: على خير علمه الله منى، فإن كانت النعمة سعةً في المال .. قال: إنما حصل هذا بكسبي واجتهادي، وإن كات صحةً .. قال: إنما حصلت هذه الصحة بسبب العلاج الفلاني، وقوله: ﴿بَلْ هِيَ﴾؛ أي: تلك النعمة ﴿فِتْنَةٌ﴾ ومحنة وابتلاء لذلك الإنسان، أيشكر أم يكفر، رد لما قاله ذلك الإنسان، أي: ليس ذلك الذي أعطيناك لما ذكرت، بل هو محنة لك، واختبار لحالك أتشكر أم تكفر، قال الفراء: أنث الضمير في قوله: ﴿هِيَ﴾؛ لتأنيث الفتنة، ولو قال: بل هو فتنة .. لجاز، وقال النحاس: بل عطيته فتنة، وقيل: تأنيث الضمير: باعتبار لفظ الفتنة، وتذكير الأوّل في قوله: ﴿أُوتِيتُهُ﴾ باعتبار معناها ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾؛ أي: أكثر الناس وهم الكفار ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنّ التخويل والإعطاء والبسط استدراج وامتحان. والمعنى (٢): أي إن أمر المشرك عجيب، يدعو إلى الدهشة والحيرة، فإذا هو

стр. 11344

أصيب بضر من فقر أو مرض .. جأر إلى الله، واستعان به لكشف ذلك الضرّ عنه، وإذا تغيرت الحال، ونال شيئًا من الرخاء، أو زال عنه ما به من العلة .. قال: إنما أوتيت هذا لعلمي بوجوه المكاسب، وجدّي واجتهادي، أو لذهابي إلى الأطباء واهتمامي بالعلاج، فلم أدخر دواء نافعًا إلا بذلت نفيس المال للحصول عليه. وهذا منه تناقض عجيب، ففي الحال الأولى يستغيث بربه، وفي الحال الثانية ينسب السلامة إلى نفسه، ويقطع صلتها عن المنعم بها، الذي أوجدها وأرادها، وفي الحق أن ما أعطيه من النعم، إنما هو فتنة واختبار لحاله، أيشكر أم يكفر، أيطيع أم يعصي، ولكن أكثرهم لا يعلمون أن ذلك استدراج من الله، وامتحان لم، ومن ثم يقولون ما يقولون، ويدعون من الدعاء ما لا يفقهون. ٥٠ - ثم بين أن هذه مقالة ليست وليدة أفكارهم، بل سبقهم بها كثير ممن قبلهم، فقال: ﴿قَدْ قَالَهَا﴾؛ أي: قد قال (١): تلك الكلمة أو الجملة، وهي قوله: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: قد قال الذين من قبل قومك يا محمد مثل هذه المقالة، وهم قارون وقومه، حيث قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ وهم راضون به؛ يعني لما رضي قوم قارون بمقالته .. جمعوا معه، وقال بعضهم: يجوز أن يكون المراد بالذين من قبلهم: جميع من تقدمنا من الخيار والشرار، فيجوز أن يوجد في الأمم المتقدمة من يقول تلك الكلمة غير قارون أيضًا، ممن أبطرته النعمة، واغترّ بظاهرها. ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ﴾؛ أي: فما دفع عن أولئك القائلين من الأمم المتقدمة ﴿مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من متاع الدنيا، ويجمعون منه شيئًا من عذاب الله تعالى؛ يعني أن النعمة لم تدفع عنهم النقمة والعذاب ولم ينفعهم ذلك، ويجوز أن تكون ﴿ما﴾ في قوله: ﴿فَمَا أَغْنَى﴾: نافية، كما فسرناها، وأن تكون استفهامية؛ أي: أيّ شيء أغنى عنهم ذلك. ٥١ - ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾؛ أي: جزاء سيئات كسبهم، أو أصابهم سيئات هي جزاء كسبهم، وسمّي الجزاء سيئات؛ لوقوعه في مقابلة سيئاتهم، فهو من باب المشاكلة، كقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾، ففيه رمز إلى أن جميع أعمالهم من قبيل السيئات.

стр. 11345

والمعنى: أنهم ظنوا أن ما آتيناهم لكرامتهم علينا، ولم يكن كذلك؛ لأنهم وقعوا في العذاب ولم تنفعهم أموالهم، وهذا كما قال اليهود: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾. والمعنى (١): أي قد زعم مثل هذا الزعم، وادعى مثل هذه الدعوى كثير ممن سبقهم من الأمم، فلم يغن عنهم شيئًا ما كانوا يكسبون من متاع الدنيا، ويجمعون من حطامها، حين جاءهم أمر ربهم على تكذيبهم رسله، واستهزائهم بهم. ثم بين ما سلف بقوله: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾؛ أي: فحل بهم جزاء سيئات ما كسبوا من الأعمال، فعوجلوا بالخزي في الدنيا، كالخسف الذي لحق قارون، والصاعقة التي نزلت بقوم لوط، وسيصيبهم النكال الدائم في الآخرة، ثم أوعد سبحانه مشركي قومه ﷺ على ما سينالهم في الدنيا والآخرة، فقال: ﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنفسهم بالشرك ﴿مِنْ هَؤُلَاءِ﴾ المشركين المعاصرين لك يا محمد؛ أي: أفوطوا في الظلم والعتو، و ﴿مِنْ﴾ للبيان، أو للتبعيض. ﴿سَيُصِيبُهُمْ﴾؛ أي: سيحل بهم، ﴿سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ من الكفر والمعاصي، كما أصاب أولئك، و ﴿السين﴾: للتأكيد، وقد أصابهم في الدنيا ما أصابهم من القحط والقتل والأسر والقهر؛ أي: والذين كفروا بالله من قومك، وظلموا أنفسهم سيصيبهم أيضًا وبال السيئات التي اكتسبوها، كما أصاب الذين من قبلهم، فأصابهم القحط سبع سنين متوالية، وقتل صناديدهم يوم بدر، وأسر منهم العدد الكثير. ﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ الله تعالى؛ أي: وما هم بفائتين الله هربًا يوم القيامة، بل مرجعهم إليه، ويصنع بهم ما شاء من العقوبة؛ يعني يدركهم العذاب، ولا ينجون منه بالهرب. ٥٢ - ثم أقام سبحانه الدليل على عظيم قدرته، وبديع حكمته، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ و ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التوبيخي، داخلة على محذوف معلوم من السياف، و ﴿الواو﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير (٢): أقالوا تلك الكلمة؛ يعني قوله: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾؛ أي: أقالوا ذلك ولم يعلموا، أو أغفلوا عن فضل الله ولم يعلموا ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ ويوسّعه ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أن يوسّع عليه، ليختبره أيشكر أم يكفر. ﴿وَيَقْدِرُ﴾ الرزق ويقبضه عمن يشاء القبض

стр. 11346

عنه، ويضيّقه عليه، ليمتحنه أيصبر أم يقنط؛ أي: يبسط ويقبض من غير أن يكون لأحد مدخل ما في ذلك، حيث حبس عنهم الرزق سبع سنين، ثم بسط لهم سبعًا، روي: أنهم أكلوا في سنين القحط الجيف والجلود والعظام والعلهز، وهو: الوبر: بأن يخلط الدم بأوبار الإبل، ويشوى على النار، وصار الواحد منهم يرى ما بينه وبين السماء كالدخان من الجوع، فلم ينفعهم ذلك، حيث أصرّوا على الكفر والعناد. والمعنى (١): أي أو لم ير هؤلاء المشركون أن الله هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء تارةً، ويضيق على من يريد أخرى، كما يشاهد من اختلاف الناس في سعة الرزق وضيقه، وليس ذلك لجهل في الكاسب أو علم لديه، فربما كان العاقل القادر ضيق الرزق، والجاهل أو المريض ذا سعةٍ وبسطةٍ في المال. فائدة: ويرد بهذه الآية على من يرى الغنى من الكيس، والفقر من العجز، أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: "أتدري لم رزقت الأحمق" قال: يا رب لا، قال: "ليعلم العاقل أن طلب الرزق ليس بالاحتيال، فالكل بيد الله تعالى" ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُور﴾ وبه ظهر فساد قول ابن الراوندي: كَمْ عَاقِلٍ عَاقِلٍ أَعْيَتْ مَذَاهِبُهُ ... وَجَاهِلٍ جَاهِلٍ تَلْقَاهُ مَرْزُوْقَا هَذَا الَّذِيْ تَرَكَ الأَوْهَامَ حَائِرَةً ... وَصَيَّرَ الْعَالِمَ النِّحْرِيْرَ زِنْدِيْقَا أي: كافرًا نافيًا للصانع العدل الحكيم، قائلًا: لو كان له الوجود .. لما كان الأمر كذلك، ولقد أحسن من قال: كَمْ مِنْ أَدِيْبٍ فَهِمٍ عَقْلُهُ ... مُسْتَكْمِلِ الْعَقْلِ مُقِلٍّ عَدِيْمِ وَمِنْ جَهُوْلٍ مُكْثِرٍ مَالُهُ ... ذَلِكَ تَقْدِيْرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيْمِ يعني: أن من نظر إلى التقدير .. علم أن الأمور الجارية على أهل العالم كلها على وفق الحكمة، وعلى مقتضى السلمة، ففيه إرشاد إلى إثبات الصانع الحكيم، لا إلى نفي وجوده. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المذكور من البسط والقبض ﴿لَآيَاتٍ﴾ دالةً على أن الحوادث كافةً من الله تعالى بوسطٍ عاديٍّ، أو غيره؛ أي: لدلالات ﴿لِقَوْمٍ

стр. 11347

يُؤْمِنُونَ﴾ بالله تعالى، ويقرّون بوحدانيته، وهم الذين يعلمون أن الذي يفعل ذلك هو الله لا سواه، وإنما خص المؤمنين بذلك؛ لأنهم المنتفعون بالآيات، المتفكّرون فيها، والمستدلون بها على مدلولاتها. الإعراب ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٣٢)﴾. ﴿فَمَنْ﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية، أو فصيحة، كما مر في بحث التفسير. ﴿مَنْ﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، ومعناه النفي؛ أي: لا أحد ﴿أَظْلَمُ﴾ خبره، والجملة: مستأنفة. ﴿مِمَّنْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَظْلَمُ﴾. ﴿كَذَبَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر، والجملة: صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة. ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿كَذَبَ﴾، ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾: معطوف على ﴿كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، مجرد عن معنى الشرط، في محل النصب على الظرفية، مبني على السكون، والظرف: متعلق بـ ﴿كَذَبَ﴾. ﴿جَاءَهُ﴾: فعل ومفعول به وفاعل مستتر يعود على الصدق، والجملة الفعلية: في محل الجر مضاف إليه. ﴿إِذْ﴾. ﴿أَلَيْسَ﴾ ﴿الهمزة﴾: للإستفهام التقريري. ﴿لَيْسَ﴾ فعل ماض ناقص، ﴿فِي جَهَنَّمَ﴾: خبرها مقدم على اسمها. ﴿مَثْوًى﴾: اسمها مؤخر. ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾: صفة لـ ﴿مَثْوًى﴾، أو متعلق بـ ﴿مَثْوًى﴾؛ لأنه اسم مكان من ثوى؛ أي: أقام، وجملة ﴿لَيْسَ﴾: جملة استئنافية لا محل لها من الإعراب. ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤)﴾. ﴿وَالَّذِي﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿الَّذِي﴾: مبتدأ، وجملة ﴿جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾: صلة الموصول. ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ معطوف على الصلة و ﴿الَّذِي﴾: جنس، المراد به بالنسبة للصلة الأولى: محمد ﷺ ، وبالنسبة للصلة الثانية: المؤمنون، ولذلك روعي معنى: ﴿الَّذِي﴾ في: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ ثان، ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل. ﴿الْمُتَّقُونَ﴾: خبر ﴿أُولَئِكَ﴾. وجملة المبتدأ الثاني مع خبره: خبر للمبتدأ الأول، وجملة الأول: مستأنفة. ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم. ﴿مَا﴾: اسم موصول

стр. 11348

في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية: خبر ثان لـ ﴿الَّذِي﴾. ﴿يَشَاءُونَ﴾: فعل وفاعل، صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة والعائد: محذوف، تقديره: لهم ما يشاؤونه ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من العائد المحذوف؛ أي: لهم ما يشاؤونه حال كونه مدّخرًا لهم عند ربهم. ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ، ﴿جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾: خبر ومضاف إليه، والجملة الاسمية: حال ثانية من العائد المذكور؛ أي: حال كون ذلك جزاء المحسنين. ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥)﴾. ﴿لِيُكَفِّرَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف جرّ وتعليل. ﴿يُكَفِّرَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، والجملة الفعلية: في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿اللام﴾ الجار والمجرور: متعلق بمحذوف تقديره: يسر لهم ذلك لتكفير الله عنهم، أو متعلق بـ ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ و ﴿اللام﴾: للعاقبة؛ أي: الذين أحسنوا؛ لتكون عاقبتهم التكفير ﴿عَنْهُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يُكَفِّرَ﴾، ﴿أَسْوَأَ﴾ مفعول به. ﴿الَّذِي﴾ مضاف إليه. ﴿عَمِلُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة وليس المراد هنا باسم التفضيل معناه على بابه، وإنما هي من إضافة الشيء إلى بعضه من غير تفضيل. ﴿وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي﴾ عطف على ما تقدم ﴿أَجْرَهُمْ﴾ مفعول به ثانٍ لـ ﴿يَجْزِيَ﴾، وجملة ﴿كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: صلة الموصول، والعائد: محذوف تقديره: بأحسن الذي كانوا يعملونه، واسم التفضيل في قوله: ﴿أَسْوَأَ﴾ و ﴿أَحْسَنِ﴾: ليس على بابه، لئلا يلزم علينا أنه يكفّر عنهم أقبح السيئات فقط، ويجزيهم أفضل الحسنات فقط، كما مرّ في بحث التفسير. ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ (٣٧)﴾. ﴿أَلَيْسَ﴾: ﴿الهمزة﴾: فيه للاستفهام التقريري. ﴿لَيْسَ اللَّهُ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿بِكَافٍ﴾: ﴿الباء﴾: زائدة، ﴿كَافٍ﴾: خبر ﴿لَيْسَ﴾، ﴿عَبْدَهُ﴾: مفعول ﴿بِكَافٍ﴾، والمراد به: النبي ﷺ أو الجنس عامة، كما مر، وجملة ﴿لَيْسَ﴾: إنشائية، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ﴾: ﴿الواو﴾: حالية، أو استئنافية.

стр. 11349

﴿يُخَوِّفُونَكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به. ﴿بِالَّذِينَ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية: في محل النصب حال من ﴿عَبْدَهُ﴾: إن كان المراد به النبي ﷺ ، والمعنى: أليس الله كافيك حال تخويفهم إيّاك، أو مستأنفة مسوقة لتفنيد ما يعمدون إليه من التخويف بالأصنام، إن كان المراد بالعبد الجنس. ﴿مِنْ دُونِهِ﴾: جار ومجرور، صلة ﴿الَّذِينَ﴾. ﴿وَمِنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿مِنْ﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر: جملة الشرط، أو الجواب، أو هما. ﴿يُضْلِلِ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية، على كونه فعل شرط لها. ﴿اللَّهُ﴾: فاعل. ﴿فَمَا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب الشرط، ﴿مَا﴾ تميمية، أو حجازية. ﴿لَهُ﴾: خبر مقدم أو خبر ﴿مَا﴾ مقدم. ﴿مِنْ﴾: زائدة، ﴿هَادٍ﴾: مبتدأ مؤخر، أو اسمها مؤخر، والجملة الاسمية: في محل الجزم بـ ﴿مِنْ﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مِنْ﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿وَمَنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿من﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر: جملة الشرط، أو الجواب، أو هما. ﴿يَهْدِ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿مِنْ﴾ الشرطية، على كونه فعل شرط لها. ﴿فَمَا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب، ﴿ما﴾: حجازية، ﴿لَهُ﴾: خبرها مقدم، ﴿مِنْ﴾ زائدة، ﴿مُضِلٍّ﴾: اسمها مؤخر، والجملة الاسمية: في محل الجزم بـ ﴿مِنْ﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مِنْ﴾ الشرطية: معطوفة على جملة ﴿مَنْ﴾ الأولى. ﴿أَلَيْسَ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التقريري، ﴿لَيْسَ اللَّهُ﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿بِعَزِيزٍ﴾: خبر ﴿لَيْسَ﴾: و ﴿الباء﴾ زائدة ﴿ذِي انْتِقَامٍ﴾ صفة لـ ﴿عَزِيزٍ﴾ تابع لِلَفْظِهِ وجملة ﴿لَيْسَ﴾ جملة استئنافية لا محل لها من الإعراب. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. ﴿وَلَئِنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿إن﴾: حرف شرط جازم. ﴿سَأَلْتَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية، على كونها فعل شرط لها. ﴿مَنْ﴾: اسم استفهام، في محل الرفع مبتدأ. ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، ﴿وَالْأَرْضَ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر ﴿مَنْ﴾ الاستفهامية، والجملة الاسمية: في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿سَأَل﴾ المعلقة عن العمل فيه بالاستفهام. ﴿لَيَقُولُنَّ﴾

стр. 11350

و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، مؤكدة للأولى. ﴿يَقُولُنَّ﴾: فعل مضارع معرب لعدم مباشرة نون التوكيد له مرفوع، وعلامة رفعه ثبات النون المحذوفة؛ لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة للالتقاء الساكنين، في محل الرفع فاعل. ﴿اللَّهُ﴾: خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو الله، أو مبتدأ والخبر: محذوف؛ أي: الله خلقها، والجملة الاسمية: في محل النصب مقول ﴿لَيَقُولُنَّ﴾: وجملة ﴿يَقُولُنَّ﴾: جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مع جوابها: مستأنفة، وجواب الشرط: محذوف، دلّ عليه جواب القسم، جريًا على القاعدة المشهورة فيما إذا اجتمع شرط وقسم، والتقدير: إن سألتهم من خلق السموات والأرض .. يقولوا: الله، وجملة الشرط: معترضة بين القسم وجوابه. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد - صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلم -، والجملة: مستأنفة. ﴿أَفَرَأَيْتُمْ﴾: ﴿الهمزة﴾: فيه للاستفهام التوبيخي، و ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا لم يكن خالق سواه تعالى .. فأقول لكم: أخبروني عن آلهتكم التي تعبدونها، أنه إن أرادني الله بضرّ إلخ. ﴿رَأَيْتُمْ﴾: فعل وفاعل، بمعنى أخبروني. ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول أول لـ ﴿رَأَيْتُمْ﴾. ﴿تَدْعُونَ﴾: فعل وفاعل وصلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، والعائد: محذوف تقديره: ما تدعونه ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: حال من العائد المحذوف، وجملة ﴿رَأَيْتُمْ﴾: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة. ويجوز أن تكون ﴿الهمزة﴾ للاستفهام التوبيخي، داخلة على محذوف، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أفكّرتم ما أقررتم به، فرأيتم ما تدعون من دون الله ... إلخ. ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم ﴿أَرَادَنِيَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل ونون وقاية، ومفعول به في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، ﴿بِضُرٍّ﴾: متعلق بـ ﴿أَرَادَنِيَ﴾، وجواب ﴿إِنْ﴾ الشرطية: محذوف، تقديره: إن أرادني الله بضر .. فهل يكشفن عني ضرّه، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية: معترضة بين الفعل ومفعوله، لا محل لها من الإعراب. ﴿هَلْ﴾: حرف استفهام، ﴿هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية: في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿رَأَيْتُمْ﴾ علق عنها بالاستفهام،

стр. 11351

﴿أَوْ أَرَادَنِي﴾: فعل وفاعل مستتر ونون وقاية ومفعول به معطوف على ﴿أَرَادَنِي﴾ الأول. ﴿بِرَحْمَةٍ﴾: متعلق بـ ﴿أَرَادَنِي﴾. ﴿هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾: مبتدأ وخبر في محل النصب معطوف على ﴿هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ على كونها مفعولًا ثانيًا لـ ﴿رَأَيْتُمْ﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة: مستأنفة. ﴿حَسْبِيَ﴾ مبتدأ ﴿اللَّهُ﴾: خبر، أو بالعكس، والجملة: مقول لـ ﴿قُلْ﴾، و ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿يَتَوَكَّلُ﴾. ﴿يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾: فعل مضارع وفاعل، والجملة في محل النصب معطوفة على الجملة الاسمية. ﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٤٠)﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر، والجملة: مستأنفة. ﴿يَا قَوْمِ﴾: منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بالكسرة، وجملة النداء: في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿اعْمَلُوا﴾: فعل أمر وفاعل. ﴿عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾: حال من فاعل ﴿اعْمَلُوا﴾، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾ على كونها جواب النداء. ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾: ناصب واسمه وخبره، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿فَسَوْفَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿سَوْفَ﴾: حرف تنفيس. ﴿تَعْلَمُونَ﴾: فعل وفاعل، وجملة العلم: معطوفة على جملة ﴿اعْمَلُوا﴾: على كونها مقولًا لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿تَعْلَمُونَ﴾. ﴿يَأْتِيهِ عَذَابٌ﴾: فعل ومفعول وفاعل صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة. ﴿يُخْزِيهِ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به صفة لـ ﴿عَذَابٌ﴾. ﴿وَيَحِلُّ﴾: فعل مضارع. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَحِلُّ﴾، ﴿عَذَابٌ﴾: فاعل. ﴿مُقِيمٌ﴾: صفة ﴿عَذَابٌ﴾، والجملة: معطوفة على جملة ﴿يَأْتِيهِ﴾ على كونها صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة. ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١)﴾. ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، ﴿أَنْزَلْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَيْكَ﴾: متعلق به، ﴿الْكِتَابَ﴾: مفعول به، ﴿لِلنَّاسِ﴾: متعلق بـ ﴿أَنْزَلْنَا﴾، ﴿بِالْحَقِّ﴾: حال من فاعل ﴿أَنْزَلْنَا﴾؛ أي: حالة كوننا متلبسين بالحق، أو من المفعول؛ أي: حالة كونه متلبسًا

стр. 11352

بالحق، وجملة ﴿أَنْزَلْنَا﴾: في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة، ﴿فَمَنِ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿مَنِ﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر: جملة الشرط، أو الجواب، أو هما. ﴿اهْتَدَى﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿مَنْ﴾ في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لا. ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب وجوبًا، ﴿لِنَفْسِهِ﴾: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: فهدايته لنفسه، والجملة الاسمية: في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ الشرطية، على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية: معطوفة على جملة ﴿إن﴾. ﴿وَمَنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿مَنْ﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر: جملة الشرط على الخلاف السابق. ﴿ضَلَّ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾، على كونه فعل شرط لها. ﴿فَإِنَّمَا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب جوازًا، ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر. ﴿يَضِلُّ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿عَلَيْهَا﴾ متعلق بـ ﴿يَضِلُّ﴾، والجملة الفعلية: في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وإنما جزمت المضارع المحل لا اللفظ؛ مشاكلة للماضي الواقع شرطًا، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية: معطوفة على جملة ﴿مَنْ﴾ الأولى. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿ما﴾: نافية حجازية، ﴿أَنْتَ﴾: في محل الرفع اسمها. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿وَكِيلٍ﴾، و ﴿بِوَكِيلٍ﴾: خبر لـ ﴿ما﴾ الحجازية منصوب بفتحة مقدرة، و ﴿الباء﴾: زائدة، والجملة الاسمية: معطوفة على جملة قوله: ﴿فَإِنَّمَا يَضِلُّ﴾ على كونها جوابًا لـ ﴿مَن﴾ الشرطية، وجمع ضمير ﴿عَلَيْهِمْ﴾ نظرًا لمعنى ﴿مَنْ﴾ الشرطية. ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)﴾. ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على ﴿اللَّهُ﴾، مفعول به، والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: مستأنفة. ﴿حِينَ مَوْتِهَا﴾: متعلق بـ ﴿يَتَوَفَّى﴾ ﴿وَالَّتِي﴾: معطوف على ﴿الْأَنْفُسَ﴾، وجملة ﴿لَمْ تَمُتْ﴾: صلة التي الموصولة. ﴿فِي مَنَامِهَا﴾: جار ومجرور متعلق ﴿يَتَوَفَّى﴾ والمعنى: الله يتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها؛ أي: يتوفّاها حين تتام ﴿فَيُمْسِكُ﴾. ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿يُمْسِكُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود

стр. 11353

على ﴿اللَّهُ﴾. ﴿الَّتِي﴾: مفعول به لـ ﴿يُمْسِكُ﴾. ﴿قَضَى﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿اللَّهُ﴾. ﴿عَلَيْهَا﴾: متعلق بـ ﴿قَضَى﴾. ﴿الْمَوْتَ﴾: مفعول به لـ ﴿قَضَى﴾ وجملة ﴿قَضَى﴾: صلة الموصول. ﴿وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به، معطوف على ﴿يُمْسِكُ﴾. ﴿إِلَى أَجَلٍ﴾ متعلق بـ ﴿يرسل﴾ أو بـ ﴿يُمْسِكُ﴾. ﴿مُسَمًّى﴾: نعت لـ ﴿أَجَلٍ﴾. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب، ﴿فِي ذَلِكَ﴾: خبر مقدم لها. ﴿لَآيَاتٍ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء. ﴿آيَاتٍ﴾: اسمها مؤخر. ﴿لِقَوْمٍ﴾: صفة ﴿لَآيَاتٍ﴾ وجملة ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾: صفة لـ ﴿قَوْمٍ﴾ وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة. ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣)﴾. ﴿أَمِ﴾: منقطعة، بمعنى بل الإضرابية، وهمزةِ الاستفهام الانكاري. ﴿اتَّخَذُوا﴾: فعل ماض وفاعل. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور، متعلق به على كونه مفعولًا ثانيًا له ﴿شُفَعَاءَ﴾: مفعول أول له، والجملة: مستأنفة. ﴿قُلْ﴾ فعل أمر وفاعل مستتر، والجملة: مستأنفة ﴿أَوَلَوْ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، تقديره: أيشفعون، ﴿وَلَوْ﴾: ﴿الواو﴾: حالية، ﴿لَوْ﴾: حرف شرط مهمل، بمعنى قد. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾ خبر ﴿كَانُ﴾، ﴿شَيْئًا﴾: مفعول به، أو مفعول مطلق، كما مر مرارًا. ﴿وَلَا يَعْقِلُونَ﴾: معطوف على ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾. و ﴿لَوْ﴾: مهملة لا جواب لها؛ أي: أيشفعون حال كونهم لا يملكون شيئًا ولا يعقلون شيئًا، ويجوز أن تكون ﴿الواو﴾: عاطفة، و ﴿لَوْ﴾ على معناها، وجوابها، محذوف، تقديره: تتخذونهم شفعاء، وجملة ﴿لَوْ﴾ معطوفة على تلك المحذوفة. ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤) وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر، والجملة: مستأنفة. ﴿لِلَّهِ﴾: خبر مقدم، ﴿الشَّفَاعَةُ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿جَمِيعًا﴾: حال من ﴿الشَّفَاعَةُ﴾ على رأي سيبويه، أو

стр. 11354

من الضمير المستقر في الخبر على مذهب الجمهور، والجملة الاسمية: في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿لَهُ﴾: خبر مقدم. ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿مُلْكُ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾، ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب وتراخ، ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿تُرْجَعُونَ﴾، و ﴿تُرْجَعُونَ﴾: فعل ونائب فاعل معطوف على محذوف معلوم من السياق، تقديره: يتصرف فيكم في الدنيا كيف يشاء، ثم إليه ترجعون في الآخرة. ﴿وَإِذَا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿ذُكِرَ اللَّهُ﴾: فعل ونائب فاعل. ﴿وَحْدَهُ﴾: حال من الجلالة؛ أي: حالة كونه منفردًا في الذكر دون الشركاء، ومنصوب على المصدر عند الخليل وسيبويه؛ أي: ذُكَر ذِكْر انفراد، والجملة الفعلية: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذَا﴾ على كونها فعل شرط لها. ﴿اشْمَأَزَّتْ﴾: فعل ماض. ﴿قُلُوبُ﴾: فاعل، ﴿الَّذِينَ﴾: مضاف إليه، والجملة الفعلية: جواب ﴿إِذَا﴾، لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إِذَا﴾: مستأنفة، وجملة ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾: صلة الموصول. ﴿بِالْآخِرَةِ﴾: متعلق بـ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾، ﴿وَإِذَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿وَإِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿ذُكِرَ الَّذِينَ﴾: فعل ونائب فاعل، فعل شرط لـ ﴿إِذَا﴾. ﴿مِنْ دُونِهِ﴾: جار ومجرور، صلة الموصول، ﴿إِذَا﴾: فجائية، خلف عن ﴿الفاء﴾ الرابطة، حرف لا محل لها من الإعراب، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية: جواب ﴿إِذَا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إِذَا﴾: معطوفة على جملة ﴿إِذَا﴾ الأولى. ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦)﴾. ﴿قُلِ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿اللَّهُمَّ﴾: منادى مفرد العلم في محل النصب على المفعولية، مبني على الضم، والميم المشددة: عوض عن حرف النداء، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قُلِ﴾. ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ﴾: منادى ثان، حذف منه حرف النداء، مضاف إلى ما بعده، منصوب؛ أي: يا فاطر السموات، ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، وجملة النداء: معطوفة بعاطف مقدر على جملة النداء الأول، على كونها مقولًا لـ ﴿قُلِ﴾، وهناك أعاريب أخرى، سيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى. وكذلك ﴿عَالِمَ الْغَيْبِ

стр. 11355

وَالشَّهَادَةِ﴾: منادى مضاف حذف منه حرف النداء، معطوف على النداء الأول ومضاف إليه. ﴿أَنْتَ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿تَحْكُمُ﴾: خبره، والجملة الاسمية: في محل النصب مقول ﴿قُلِ﴾. ﴿بَيْنَ عِبَادِكَ﴾: متعلق بـ ﴿تَحْكُمُ﴾، ﴿فِي مَا﴾: متعلق بـ ﴿تَحْكُمُ﴾ أيضًا. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَخْتَلِفُونَ﴾: خبر ﴿كَانُوا﴾، ﴿فِيهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَخْتَلِفُونَ﴾، وجملة ﴿كَانُ﴾ من اسمها وخبرها: صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة. فائدة في ﴿اللَّهُمَّ﴾: مذهب الخليل وسيبويه: أن هذا الاسم لا يوصف؛ لأنه صار عندهم مع الميم بمنزلة الصوت؛ أي: غير متمكن في الاستعمال. وذهب المبرد والزجاج: إلى جواز وصفه بمرفوع على اللفظ، ومنصوب على المحل، وجعل ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: صفة له. قال أبو حيان: والصحيح مذهب سيبويه؛ لأنه لم يسمع مثل اللهم الرحمن الرحيم ارحمنا، والآية ونحوها محتملة للنداء. وقال ابن هشام: وإنما قال في ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إنه على تقدير (يا)، ولم يجعله صفة على المحل؛ لأنّ عنده أن اسم الله لما اتصلت به الميم المعوضة عن حرف النداء .. أشبه الأصوات، فلم يجز نعته؛ أي: فقد صار مثل هلا، إذ الميم بمنزلة صوت مضموم إلى اسم الله، مع بقائهما على معنييهما. ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤٨)﴾. ﴿وَلَوْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿لَوْ﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿أَنَّ﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿لِلَّذِينَ﴾: جار ومجرور، خبر مقدم لـ ﴿أَنَّ﴾ وجملة ﴿ظَلَمُوا﴾: صلة الموصول، ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب، اسم ﴿أَنَّ﴾ مؤخر عن خبرها. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: جار ومجرور صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، ﴿جَمِيعًا﴾: حال من اسم ﴿أَنَّ﴾، ﴿وَمِثْلَهُ﴾: معطوف على ﴿مَا﴾، ﴿مَعَهُ﴾: ظرف متعلق بمحذوف حال من ﴿مِثْلَهُ﴾؛ أي: حال كون ذلك المثل منضمًا إلى ﴿مَا فِي الْأَرْضِ﴾، وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية، لفعل محذوف، هو فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾، تقديره: ولو ثبت كون ما في الأرض للذين ظلموا، ومثله معه .. لافتدوا به من سوء

стр. 11356

العذاب. ﴿لَافْتَدَوْا﴾: ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لَوْ﴾ الشرطية، ﴿افْتَدَوْا﴾: فعل وفاعل، ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿افْتَدَوْا﴾. و ﴿مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ﴾: متعلق به أيضًا. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: ظرف متعلق به أيضًا، أو حال من فاعل ﴿افْتَدَوْا﴾؛ أي: حال كونهم في ذلك اليوم العصيب، والجملة الفعلية: جواب ﴿لو﴾ الشرطية، لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية؛ مستأنفة. ﴿وَبَدَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿بَدَا﴾: فعل ماض، ﴿لَهُمْ﴾: متعلق به، ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: حال من فاعل ﴿بَدَا﴾. ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل الرفع فاعل، والجملة الفعلية: معطوفة على جملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية. ﴿لَمْ يَكُونُوا﴾: جازم وفعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَحْتَسِبُونَ﴾: في محل النصب خبر ﴿يَكُونُوا﴾؛ أي: لم يكونوا محتسبين، وجملة ﴿يَكُونُوا﴾: صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة. ﴿بَدَا﴾: فعل ماض. ﴿لَمْ﴾: متعلق به. ﴿سَيِّئَاتُ مَا﴾: فاعل، ومضاف إليه، والجملة الفعلية: معطوفة على ما قبلها، ولك أن تجعل الكلامين مستأنفًا مسوقًا لإِبراز وعيدهم في أبلغ ما يكون الوعيد والتهديد. ﴿كَسَبُوا﴾: فعل وفاعل، صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، والعائد: محذوف، تقديره: سيئات ما كسبوه. ﴿وَحَاقَ﴾: فعل ماض، معطوف على ﴿بَدَا﴾، ﴿بِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿حَاقَ﴾، ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل الرفع فاعل ﴿وَحَاقَ﴾. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾، وجملة ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾: خبر ﴿كَانُوا﴾، وجملة ﴿كَانُوا﴾: صلة الموصول. ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٩)﴾. ﴿فَإِذَا﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أن المشركين ليشمأزّون عن ذكر الله وحده، ويستبشرون بذكر آلهتهم، وأردت بيان حالهم فيما إذا أصابهم الضرّ .. فأقول لك: إن شأن غالب نوع الإنسان، أنّه إذا مسّه ضرّ إلخ. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿مَسَّ﴾: فعل ماض. ﴿الْإِنْسَانَ﴾: مفعول به. ﴿ضُرٌّ﴾: فاعل، والجملة الفعلية: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذَا﴾ على كونها فعل شرط لها. ﴿دَعَانَا﴾: فعل ومفعول به وفاعل مستتر يعود على الإنسان، والجملة الفعلية: جواب ﴿إِذَا﴾، لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إِذَا﴾: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا

стр. 11357

المقدرة: مستأنفة. ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وتراخ. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يسسّقبل من الزمان. ﴿خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً﴾: فعل وفاعل، ومفعولان. ﴿مِنَّا﴾: صفة لـ ﴿نِعْمَةً﴾، والجملة الفعلية، في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذَا﴾، والظرف: متعلق بالجواب. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر، والجملة: جواب ﴿إِذَا﴾ وجملة ﴿إِذَا﴾: معطوفة على جملة ﴿إِذَا﴾ الأولى. ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر ﴿أُوتِيتُهُ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعل ومفعول ثان، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿عَلَى﴾ ﴿عِلْمٍ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من تاء المتكلم في ﴿أُوتِيتُهُ﴾، حالة كوني عالمًا أني سأعطاه، لما أتمتع به من جدارةٍ واستحقاق. ﴿بَلْ﴾: حرف إضراب للإضراب الانتقالي. ﴿هِيَ فِتْنَةٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾: ناصب واسمه. وجملة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾: خبره، والجملة الاستدراكية: معطوفة على الجملة الإضرابية، ويصح أن تكون حالية. ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١)﴾. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿قَالَهَا﴾: فعل ومفعول. ﴿الَّذِينَ﴾: فاعل، و ﴿الهاء﴾: عائدة على مقالتهم، وهي ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾؛ لأنها كلمة. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: صلة الموصول، والجملة الفعلية: مستأنفة. ﴿فَمَا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿مَا﴾: نافية. ﴿أَغْنَى﴾: فعل ماض. ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلق به ﴿مَا﴾: فاعل، والجملة الفعلية: معطوفة على جملة ﴿قَدْ قَالَهَا﴾. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَكْسِبُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿كَانُوا﴾: صلة الموصول. ﴿فَأَصَابَهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿أَصَابَهُمْ﴾: فعل ومفعول ﴿سَيِّئَاتُ﴾: فاعل، و ﴿مَا﴾: مضاف إليه، والجملة الفعلية: معطوفة على جملة قوله: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ﴾. ﴿كَسَبُوا﴾: فعل وفاعل صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، والعائد: محذوف؛ أي سيئات ما كسبوه. ﴿وَالَّذِينَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿ظَلَمُوا﴾: صلة الموصول. ﴿مِنْ هَؤُلَاءِ﴾: جار ومجرور حال من واو ﴿ظَلَمُوا﴾. ﴿سَيُصِيبُهُمْ﴾: فعل ومفعول به، ﴿سَيِّئَاتُ﴾: فاعل. و ﴿مَا﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية، في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: معطوفة على جملة قوله: ﴿قَدْ قَالَهَا﴾، وجملة ﴿كَسَبُوا﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: حالية، ﴿ما﴾: نافية حجازية. ﴿هُمْ﴾: اسمها. ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾:

стр. 11358

خبرها، و ﴿الباء﴾: زائدة، والجملة: في محل النصب حال من مفعول ﴿سَيُصِيبُهُمْ﴾. ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾. ﴿أَوَلَمْ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، و ﴿الواو﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، تقديره: أقالوها ولم يعلموا؟ والجملة المحذوفة: مستأنفة. ﴿لَمْ يَعْلَمُوا﴾: جازم وفعل وفاعل، والجملة معطوفة: على تلك المحذوفة. ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾: خبره. وجملة ﴿أَنَّ﴾: في تأويل مصدر سادّ مسدّ مفعولي ﴿يَعْلَمُوا﴾. ﴿لِمَنْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَبْسُطُ﴾، وجملة ﴿يَشَاءُ﴾ صلة لـ ﴿مَنْ﴾ الموصولة، ﴿وَيَقْدِرُ﴾: معطوفة على جملة ﴿يَبْسُطُ﴾. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب، ﴿فِي ذَلِكَ﴾: خبرها مقدّم. ﴿لَآيَاتٍ﴾: اسمها مؤخر، و ﴿اللام﴾: حرف ابتداء. ﴿لِقَوْمٍ﴾ صفة ﴿لَآيَاتٍ﴾. وجملة ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: صفة لـ ﴿قَوْمٍ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة. التصريف ومفردات اللغة ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ أصله: مثوي بوزن مفعل، قلبت الياء ألفًا؛ لتحركها بعد فتح، مشتق من ثوى بالمكان: إذا أقام به، يثوى ثويًا وثواءً، مثل مضى يمضي مضيًا ومضاءً، ولو كان من أثوى الرباعي .. لكان مثوًى بضم الميم، وهذا يدل على أن ثوى هي اللغة الفصحى. وحكى أبو عبيدة: أثوى، اهـ "قرطبي" بزيادةٍ. ومعنى المثوى: المقام والمستقر. والمعنى: أنّ جهنم منزل ومقام للكاذبين المكذبين المذكورين وغيرهم من الكفار جزاءً لكفرهم وتكذيبهم. ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾؛ أي: يكفيه وعيد المشركين وكيدهم، والكفاية: ما فيه سد الخلة، وبلوغ المراد في الأمر. ﴿يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ مكانتكم: اسم مكان من مادة كان، ووزنه

стр. 11359

مفعلة، أصله: مكونة نقلت حركة الواو إلى الكاف، ثم أبدلت ألفًا؛ لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها الآن، وقيل: إن الميم أصلية، فهي من مادّة مكن وعليه فهو مصدر ميمي. ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ أصله. يتوفي، قلبت ياؤه ألفًا؛ لتحركها بعد فتح. ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ﴾ أصله: تموت بوزن تفعل، نقلت حركة الواو إلى الميم، فسكنت إثر ضمة فصارت حرف مد، ثم دخل الجازم على الفعل فسكن آخره، فصار اللفظ تموت، فالتقى ساكنان، فحذفت الواو، فوزنه تفل، ويقال توفاه الله: قبض روحه، كما في "القاموس". والأنفس: جمع نفس بسكون الفاء، وهي النفس الناطقة المسماة عند أهل الشرع بالروح الإضافي الإنساني السلطاني فسميت نفسًا باعتبار تعلقها بالبدن، وانصياعها بأحكامه، والتلبس بغواشيه، وروحًا باعتبار تجردها في نفسها، ورجوعها إلى الله تعالى، فالنفس: ناسوتية سفلية، والروح: لاهوتية علوية. ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ والموت: زوال القوة الحساسة، كما أن الحياة وجود هذه القوة، ومنه سمي الحيوان حيوانًا، ومبدأ هذه القوة هو الروح الحيواني، الذي محله الدماغ، كما أن محل الروح الإنساني القلب الصنوبري، ولا يلزم من ذلك تحيزه فيه، وإن كانت الأرواح البشرية متحيزة عند أهل السنة. اهـ من "الروح". والمنام والنوم واحد، وهو استرخاء أعصاب الدماغ برطبات البخار الصاعد إليه، وقيل: النوم؛ هو أن يتوفى الله النفس من غير موت، كما في الآية، وقيل: النوم: موت خفيف، والموت: نوم ثقيل، وهذه التعريفات كلها صحيح بنظرات مختلفة. اهـ. منه ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ إمساك الشيء: التعلق به وحفظه، والقضاء: الحكم. ﴿شُفَعَاءَ﴾ جمع شفيع، والشفع: ضم الشيء إلى مثله، والشفاعة: الانضمام إلى آخر مسائلًا عنه، وأكثر ما يستعمل في انضمام من هو أعلى رتبةً إلى من هو أدنى، ومنه الشفاعة يوم القيامة. ﴿اشْمَأَزَّتْ﴾ من الشمز، والشمز: نفور النفس مما تكره، وتَشمّز وجهه:

стр. 11360

تقبض، والاشمئزاز؛ هو أن يمتلىء القلب غيظًا وغمًا، ينقبض منه أديم الوجه، وهو غاية ما يمكن من الانقباض، ففيه مبالغة في بيان حالهم القبيحة، كما مر. ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾؛ أي: يفرحون ويظهر في وجوههم البشر، وهو أثر السرور لفرط افتتانهم بها، ونسيانهم الحق، والاستبشار: هو أن يمتلىء القلب سرورًا حتى تنبسط له بشرة الوجه، ويتهلل، ففيه مبالغة أيضًا في بيان حالهم القبيحة. ﴿لَافْتَدَوْا﴾ أصله: لافتديوا، قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم حذفت الألف لالتقاء الساكنين، يقال افتدى: إذا بذل المال عن نفسه، فإن الفداء: حفظ الإنسان من النائبة بما يبذله عنه؛ أي: لجعلوا كل ذلك فديةً لأنفسهم من العذاب الشديد، لكن لا مال يوم القيامة، كما مر. ﴿وَبَدَا لَهُمْ﴾ فيه إعلال بالقلب، أصله: بدو، بوزن فعل، قلبت واوه ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ﴾ فيه من مباحث الصرف الادغام، أصله: مسس، أدغمت السين في السين. ﴿دَعَانَا﴾ أصله: دعونا، قلبت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها. ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ﴾ أصله: أؤتي، أبدلت الهمزة الثانية واوًا حرف مد مجانسًا لحركة الأولى، وسكنت الياء، فصارت حرف مد لتطرفها إثر كسرة. ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾؛ أي: محنة وابتلاء له، أيشكر أم يكفر، تقول فتنت الذهب: إذا أدخلته النار لتنظر ما جودته وتختبره. ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ﴾ أصله: أغني بوزن أفعل؛ لأنه رباعي، فقلبت الياء ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها. ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ أصله: فأصوبهم، بوزن أفعل، نقلت حركة الواو إلى الصاد، ثم قلبت ألفًا؛ لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها الآن. ﴿سَيُصِيبُهُمْ﴾ فيه إعلال بالنقل والتسكين والقلب، أصله: سيصوبهم، نقلت حركة الواو إلى الصاد، فسكنت إثر كسرة، ثم قلبت ياءً حرف مد، وقوله:

стр. 11361

﴿سَيِّئَاتُ﴾ أصله سوءات بوزن فيعلات، قلبت الواو ياء، وأدغمت فيها الياء، لما اجتمعتا، وسبقت إحداهما ساكنةً. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الطباق بين قوله: ﴿مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾ وقوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾. ومنها: الجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل في صلة الموصول الثاني؛ أعني قوله: ﴿بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ دون الأول، أعني قوله: ﴿أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ للإيذان باستمرارهم على الأعمال الصالحة بخلاف السيئة، كذا في "الإرشاد". ومنها: الاستفهام التقريري في قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ حيث أدخل همزة الإنكار على كلمة النفي. فأفادت معنى إثبات الكفاية وتقريرها، فصار الاستفهام تقريريًا، وكذا الحكم في قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾. ومنها: الطباق بين قوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ﴾ وبين قوله: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ وقوله: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾. ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿يُضْلِلِ﴾ و ﴿مُضِلٍّ﴾ وقوله: ﴿يَهْدِ اللَّهُ﴾ و ﴿هَادٍ﴾. ومنها: الطباق بين قوله: ﴿بِضُرٍّ﴾ وقوله: ﴿بِرَحْمَةٍ﴾، وفي قوله: ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ وقوله: ﴿أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ﴾. ومنها: الجناس المغاير في قوله: ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾. ومنها: المجاز في قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ﴾ حيث جعل الرؤية، وهو العلم الذي هو سبب الإخبار مجازًا عن الإخبار، كما في "الروح". ومنها: التهديد في قوله: ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾؛ لأنه أمر تهديد. ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ حيث استعار اسم

стр. 11362

المكان للحال، فشبهت الحال بالمكان القارّ فيه، ووجه الشبه: ثباتهم في تلك الحال ثبات المتمكن في مكانه. ومنها: المقابلة في قوله: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾. ومنها: المجاز بالحذف في قوله: ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾؛ أي: على مكانتي. ومنها: المجاز في الإسناد في قوله: ﴿عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾؛ أي مقيم فيه صاحبه، كما في "الشهاب". ومنها: الطباق بين الإمساك والإرسال في قوله: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ وقوله: ﴿وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى ...﴾. ومنها: المقابلة الرائعة في قوله: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ...﴾ الآية. فقد قابل بين الله والأصنام، وبين السرور والإشمئزاز. ومنها: الطباق في قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾. وكذلك بين الغيب والشهادة في قوله: ﴿عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 11363

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٥٩) وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١) اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣) قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦) وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (٧٠) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٧٤) وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾.

стр. 11364

المناسبة قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا .....﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما (١) أوعد الكافرين فيما سلف أردفه بذكر رحمته وفضله على عباده المؤمنين، بغفران ذنوبهم إذا هم تابوا وأنابوا إليه، وأخلصوا له العمل، ليكون في ذلك مطمع لهؤلاء الضالين، ومنبهة لهم من ضلالهم. وعبارة "أبي حيان" هنا (٢): ومناسبتها لما قبلها: أنه تعالى لما شدّد على الكفار، وذكر ما أعدّ لهم من العذاب، وأنهم لو كان لأحدهم ما في الأرض ومثله معه .. لافتدى به من عذاب الله .. ذكر ما في إحسانه من غفران الذنوب، إذا آمن العبد ورجع إلى الله، وكثيرًا تأتي آيات الرحمة مع آيات النقمة، ليرجو العبد ويخاف، وهذه الآية عامة في كل كافر يتوب، ومؤمن عاص يتوب، تمحو الذنب توبته، وقال عبد الله وعليّ وابن عمر: هذه أرجى آية في كتاب الله تعالى انتهى. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما أوعد المشركين فيما سلف بما سيكون لم من الأهوال يوم القيامة، ووعد المتقين بما يمنحهم من الفوز والنعيم في ذلك اليوم .. أردف ذلك ذكر حالٍ لكل منهما تبدو للعيان، ويشاهدها كل إنسان يوم العرض والحساب. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما (٣) بسط الوعد والوعيد يوم القيامة لأهل التوحيد وأهل الشرك .. عاد إلى ذكر دلائل الألوهية والوحدانية، ثم انتقل إلى النعي على الكافرين في أمرهم لرسوله بعبادة الأوثان والأصنام، ثم بين أن الأنبياء جميعًا أوحي إليهم أن لا يعبدوا إلا الله وحده، وأن لا يشركوا به سواه، وأنهم إن فعلوا غير ذلك .. حبطت أعمالهم وكانوا من الخاسرين، ثم كرر النعي عليهم مرةً أخرى، بأنهم لم يعرفوا الله حق معرفته، إذ لو عرفوه .. لما جعلوا هذه المخلوقات الخسيسة مشاركةً له في العبودية.

стр. 11365

قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر عظمته، بأنه خالق كل شيء وهو الوكيل على كل شيء، وبيده مقاليد السموات والأرض .. أردف ذلك بذكر دلائل أخرى، تدل على كمال قدرته، وعظيم لسلطانه، فذكر مقدمات يوم القيامة، من نفخ الصور النفخة الأولى، التي يموت بها أهل الأرض جميعًا، ثم النفخة الثانية، التي يقوم بها الناس جميعًا من قبورهم، ثم ذكر الفصل بينهم للجزاء والحساب، فتوفى كل نفس جزاءً ما عملت من خير أو شر، وهو سبحانه العلم بأفعالهم جميعًا. قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر أحوال يوم القيامة على سبيل الإجمال، بقوله: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ .. فصل ذلك، فذكر ما يحل بالأشقياء من الأهوال، وما يلقونه من التأنيب والتوبيخ من خزنة جهنم على طريق السؤال والجواب التهكمي، وهو أشد وقعًا على الأبي العيوف، الذي تأبى نفسه الهوان والاحتقار. قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه (١) لما ذكر أحوال الأشقياء، وما يلاقونه يوم القيامة من الأهوال .. أردفها بذكر أحوال السعداء، وما يلاقونه إذ ذاك من النديم، وما يقال لهم وما يقولون، ثم أخبر بأن ملائكته محدقون حول العرش، يسبّحون بحمد ربهم، ويعظّمونه، وينزهونه عن النقائص، وأنه سيقضي بين الخلائق بالعدل، وأن أولئك المتقين سيقولون: الحمد لله رب العالمين، على ما تفضّل به علينا وأنعم. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا ...﴾ الآية، سبب نزولها (٢): ما تقدم في سورة الفرقان من حديث الشيخين، وما أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح، عن ابن عباس ﵄ قال: أنزلت هذه الآية في مشركي أهل مكة.

стр. 11366

وأخرج الحاكم والطبراني عن ابن عمر ﵄ قال: كنا نقول ما لمفتتن توبة إذا ترك دينه بعد إسلامه ومعرفته، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة .. أنزل فيهم ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا ...﴾ الآية. وأخرج الطبراني بسند فيه ضعف، عن ابن عباس ﵄ قال: بعث رسول الله ﷺ إلى وحشي قاتل حمزة، يدعوه إلى الإِسلام، فأرسل إليه: كيف تدعوني، وأنت تزعم أن من قتل، أو زنى، أو أشرك .. ﴿يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩)﴾ وأنا صنعت ذلك، فهل تجد لى من رخصة، فأنزل الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ الآية. فقال وحشي: هذا شرط شديد، فلعلّي لا أقدر على هذا، فأنزل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ فقال وحشيّ: هذا أرى بعده مشيئة، فلا أدري أيغفر لي أم لا، فهل غير هذا، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ...﴾ الآية. فقال وحشي: هذا نعم فأسلم. قوله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ ...﴾ الآية، سيأتى سبب نزولها في سورة الكافرون، وأخرج البيهقي في "الدلائل" عن الحسن البصري قال. قال المشركون للنبي ﷺ : أتضلل آباءك وأجدادك يا محمد، فأنزل الله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه الترمذي وصححه عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: مر يهودي بالنبي ﷺ ، فقال: كيف تقول يا أبا القاسم: إذا وضع الله السموات على ذه، والأرضين على ذه، والماء على ذه، والجبال على ذه، فأنزل الله سبحانه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ...﴾ الآية. والحديث في "الصحيح" بلفظ: فتلا، دون فأنزل. وأخرج أحمد بسنده، عن علقمة عن عبد الله قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ من أهل الكتاب، فقال: يا أبا القاسم، أبلغك أنَّ الله يحمل الخلائق على إصبع، والسموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجده، فأنزل الله : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ والحديث رجاله رجال الصحيح.

стр. 11367

وأخرج ابن المنذر عن الربيع بن أنس قال: لما نزلت آية: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ... قالوا: يا رسول الله، هذا الكرسي هكذا، فكيف العرش، فأنزل الله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ﴾ الآية. قال الحافظ السيوطي في "الإتقان" ج ١ ص ٣٤: الحديث في "الصحيح" بلفظ: فتلا رسول الله ﷺ وهو أصوب، فإنَّ الآية مكية. وأقول: لفظ تلا، الواقع في "الصحيح": لا ينافي أنها نزلت، ثم تلاها الرسول ﷺ ، وأما كونها مكيةً، فإن ثبت نزولها؛ أعني هذه الآية بمكة .. فلا مانع من نزولها مرتين، وإن لم يثبت نزولها بمكة بالسند الصحيح .. فقد تكون السورة مكية، إلا آية. والله أعلم. التفسير وأوجه القراءة ٥٣ - ولما ذكر سبحانه ما ذكره من الوعيد .. عقّبة بذكر سعة رحمته، وعظيم مغفرته، وأمر رسوله ﷺ أن يبشرهم بذلك، فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد، تبشيرًا لعبادي بسعة رحمتي: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ وأفرطوا وجاوزوا الحد في الجناية. ﴿عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ بالانهماك في المعاصي، وارتكاب الكبائر والفواحش: ﴿لَا تَقْنَطُوا﴾ ولا تيأسوا ﴿مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ سبحانه ومغفرته، فهو يغفر الذنوب جميعًا لمن تاب إليه، ولجأ إلى جنابه، وإن كثرت ذنوبه، وكانت كزبد البحر. وقرأ الجمهور: ﴿يَا عِبَادِيَ﴾ بإثبات الياء وصلًا ووقفًا. وروى أبو بكر عن عاصم: أنه يقف بغير ياء، وقرأ الجمهور: ﴿تَقْنَطُوا﴾ بفتح النون، وقرأ أبو عمرو والكسائي: بكسرها، وتعدية (١) الإسراف بـ ﴿عَلَى﴾؛ لتضمين معنى الجناية، قال البيضاوي ومن وافقه: إضافة العبادة تخصّصه بالمؤمن على ما هو عرف القرآن، يقول الفقير: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ ينادى على خلافه؛ لأن العباد فسر هناك ببختنصر وقومه، وكانوا كفارًا بالاتفاق، إلا أن يدعى الفرق بين الإضافة بالواسطة وبغيرها، وقال في "الوسيط": المفسرون كلهم قالوا: إن هذه الآية نزلت في قوم خافوا إن أسلموا أن لا يغفر لهم ما جنوا من الذنوب العظام، كالشرك، وقتل النفس والزنا ومعاداة النبي ﷺ والقتال معه،

стр. 11368

فأنزل الله هذه الآية، ورآها أصحابه من أوسع الآيات في مغفرة الذنوب. انتهى. وعلى كل تقدير، فخصوص السبب لا ينافي عموم اللفظ، فدخل فيه كل مسرف. واعلم (١): أن هذه الآية أرجى آيةٍ في كتاب الله سبحانه؛ لاشتمالها على أعظم بشارة، فإنه أولًا أضاف العباد إلى نفسه، لقصد تشريفهم ومزيد تبشيرهم، ثم وصفهم بالإسراف في المعاصي، والاستكثار من الذنوب، ثم عقّب ذلك بالنهي عن القنوط من الرحمة لهؤلاء المستكثرين من الذنوب، فالنهي عن القنوط للمذنبين غير المسرفين، من باب الأولى، وبفحوى الخطاب. وبعد أن نهاهم عن القنوط .. أخبرهم بما يدفع ذلك ويرفعه، فيحل الرجاء مكانه، وجاء بما لا يبقى بعده شك، ولا يخالج القلب عند سماعه ظن، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾؛ أي: أفراد جنس الذنوب حال كونها، ﴿جَمِيعًا﴾ فالألف واللام فيه: لاستغراق أفراد الجنس؛ أي: إن الله سبحانه يغفر كل ذنب، كائنًا ما كان، إلا ما أخرجه النص القرآني، وهو الشرك بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. فيا لها من بشارةٍ ترتاح لها قلوب المؤمنين، المحسنين ظنهم بربهم، الصادقين في رجائه، الخالعين ثياب القنوط، البعيدين عن سوء الظن بمن لا يتعاظمه ذنب، ولا يبخل بمغفرته ورحمته على عباده، المتوجهين إليه في طلب العفو، الملتجئين به في مغفرة ذنوبهم. ثم ذكر علة ذلك، فقال: ﴿إِنَّهُ﴾ سبحانه ﴿هُوَ﴾ وحده ﴿الْغَفُورُ﴾ بمحو ما يوجب العقاب عمن تاب ﴿الرَّحِيمُ﴾ بالتفضّل بالثواب له؛ أي: كثير المغفرة والرحمة، عظيمهما وبليغهما واسعهما، وصيغة (٢) المبالغة: راجعة إلى كثرة الذنوب، وكثرة المغفور والمرحوم. فمن أبى هذا الفضل العظيم، والعطاء الجسيم، وظن أن تقْنيط عباد الله، وتَأْيِيْسهم من رحمته، أولى بهم مما بشرهم الله به .. فقد ركب أعظم الشطط، وغلط أقبح الغلط، فإن التبشير هو الذي جاءت به نصوص الكتاب، وهو المسلك

стр. 11369

الذي سلكه رسول الله ﷺ ، كما صح عنه من قوله: "يسروا ولا تعسّروا وبشّروا ولا تنفّروا". وروى أحمد عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ : قال: "ما أحب أن لى الدنيا وما فيها بهذه الآية": ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ إلى آخر الآية، فقال رجل: يا رسول الله، فمن أشرك، فسكت رسول الله ﷺ ، ثم قال: "ألا ومن أشرك" ثلاثَ مرات. وروى أحمد أيضًا عن عمرو بن عنبسمة ﵁ قال: جاء إلى النبي ﷺ شيخ كبير، يتوكأ على عصًا له، فقال: يا رسول الله، إن لي غدراتٍ وفجرات، فهل يغفر لي؟ فقال ﷺ : "ألست تشهد أن لا إله إلا الله"؟ قال: بلى، وأشهد أنه رسول الله، فقال ﷺ : "قد غفر لك غدراتك وفجراتك". وروى البخاري عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ أن ناسًا من أهل الشرك، كانوا قد قتلوا وزنوا فأكثروا، فأتوا محمدًا ﷺ ، فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزل: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ ونزل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ والمراد من الآية الأولى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا ...﴾ الآية. فهذه الأحاديث كلها دالة على أن المراد: أنه يغفر جميع ذلك مع التوبة، والإخلاص في العمل، ولا يقنطنّ عبد من رحمة الله، فإن باب الرحمة واسع، كما قال : ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾، وقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. وروى الطبراني من طريق الشعبي عن سنيد بن شكل، أنه قال: سمعت ابن مسعود يقول: إن أعظم آيةٍ في كتاب الله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وإن أجمع آيةٍ في القرآن بخير وشر: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾، وإن أكثر آيةٍ في القرآن فرجًا في سورة الغرف: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ وإن أشد آيةٍ في كتاب الله تفويضًا: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ فقال له مسروق: صدقت.

стр. 11370

فإن قلت (١): حمل هذه الآية على ظاهرها يكون إغراء بالمعاصي، وإطلاقًا في الإقدام عليها، وذلك لا يمكن. قلت: المراد منها: على أنه لا يجوز أن يظن العاصي أنّه لا مخلص له من العذاب، فإن من اعتقد ذلك .. فهو قانط من رحمة الله تعالى، إذ لا أحد من العصاة إلا ومتى تاب .. زال عقابه، وصار من أهل المغفرة والرحمة، فمعنى أن الله يغفر الذنوب جميعًا؛ أي: إذا تاب، وصحت التوبة .. غفرت ذنوبه، ومن مات قبل أن يتوب .. فهو موكول إلى مشيئة الله تعالى، فإن شاء .. غفر له، وعفا عنه، وإن شاء .. عذّبه بقدر ذنوبه، ثم يدخله الجنة بفضله ورحمته، فالتوبة واجبة على كل أحد، وخوف العذاب مطلوب، فلعل الله تعالى يغفر مطلقًا، ولعله يعذّب ثم يعفو بعد ذلك، والله أعلم. قال الشوكاني (٢): وأما ما يزعمه جماعة من المفسرين، من تقيد هذه الآية بالتوبة، وأنها لا تغفر إلا ذنوب التائبين، وزعموا أنهم قالوا ذلك: للجمع بين الآيات .. فهو جمع بين الضب والنون، وبين الملاح والحادي، ولو كانت هذه البشارة العظيمة مقيدة بالتوبة .. لم يكن لها كثير موقع، فإن التوبة من المشرك يغفر الله له بها ما فعله من الشرك بإجماع المسلمين، وقد قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾. فلو كانت التوبة قيدًا في المغفرة لم يكن للتنصيص على الشرك فائدة، وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ انتهى. وقال البروسوي في "الروح": واعلم (٣): أن أهل السنة لم يشترطوا التوبة في غفران الذنوب مطلقًا؛ أي: سواء كانت كبائر أو صغائر، سوى الشرك. ودل عليه آثار كثيرة. روي: أن الله تعالى يقول يوم القيامة لبعض عصاة المؤمنين: "سترتها عليك في الدنيا"؛ أي: الذنوب "وأنا أغفرها لك اليوم" فهذا وأمثاله يدل على المغفرة بلا توبة. والفرق بين الشرك وسائر المعصية: هو أن الكافر لا يطلب العفو والمغفرة

стр. 11371

لمعاصيه، اهـ. ٥٤ - وبعد أن وعد سبحانه بالمغفرة أمر بشيئين: ١ - الإنابة إليه بقوله: ﴿وَأَنِيبُوا﴾ يا عبادي وارجعوا ﴿إِلَى رَبِّكُمْ﴾ سبحانه، بالتوبة من المعاصي ﴿وَأَسْلِمُوا﴾؛ أي: أخلصوا العمل ﴿لَهُ﴾؛ أي: لوجهه طلبًا لمرضاته، فإن السالم بمعنى الخالص، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ في الدنيا والآخرة ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾؛ أي: لا تمنعون من عذاب الله إن لم تتوبوا قبل نزوله، والظاهر من آخر الآية: أن الخطاب للكفار، فالمعنى: فارجعوا أيها الناس من الشرك إلى الإيمان، وأخلصوا له تعالى التوحيد. وفي "الأسئلة المقحمة": الفرق بين التوبة والإنابة: أن التائب يرجع إلى الله تعالى خوفًا من العقوبة، والمنيب يرجع حياءً منه، وشوقًا إليه، قال إبراهيم بن أدهم ﵀: إذا صدق العبد في توبته .. صار منيبًا؛ لأن الإنابة ثاني في درجة التوبة. وفي "التأويلات النجمية": التوبة لأهل البداية، وهي الرجوع من المعصية إلى الطاعة، والأوبة للمتوسط، وهي الرجوع من الدنيا إلى الآخرة، والإنابة لأهل النهاية، وهي الرجوع مما سوى الله إلى الله، بالفناء في الله تعالى، وقال الجنيد ﵀: معنى أنيبوا إلى الله: انقطعوا عن الكل بالكلية، فما يرجع إلينا بالحقيقة أحد، ولا للغير عليه أثر، وللأكوان على سره خطر، ومن كان لنا كان حرًا مما سوانا. اهـ. والظاهر: أن الله سبحانه جمع لعباده بين التبشير العظيم، والأمر بالإنابة إليه، والإخلاص له، والاستسلام لأمره والخضوع لحكمه. والمعنى (١): أيها الناس، أنيبوا إلى ربكم بالتوبة، وارجعوا إليه بالطاعة، واستجيبوا إلى ما دعاكم إليه من توحيده، وافراده بالألوهية، قبل أن يأتيكم العذاب، ثم لا تجدوا نصيرًا ولا معينًا من عذابه النازل بكم. ٢ - ٥٥ اتباع الأحسن بقوله: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾؛ أي: أحكم

стр. 11372

ومحكم ما أنزل إليكم ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ سبحانه، دون منسوخه ومتشابهه، أو عزائمه دون رخصه. وقيل: العفو دون الانتقام، وقيل: أحسن ما أنزل إليكم من أخبار الأمم الماضية، وقال الحسن: الزموا طاعته، واجتنبوا معصيته، فإن الذي أنزل عليكم من ثلاثة أوجه، ذكر القبيح لتجتنبوه، وذكر الأحسن لتؤثروه، وذكر الأوسط لئلا يكون عليكم جناح في الإقبال عليه، أو الإعراض عنه، وهو المباحات. وفي "فتح الرحمن" (١): إن قلت: كيف قال: ذلك مع أن القرآن كله حسن؟. قلت: معناه أحسن وحي، أو أحسن كتاب أنزل إليكم، وهو القرآن كله، أو أحسن القرآن آياته المحكمات، أو آياته التي تضمنت أمر طاعة، أو إحسان انتهى. أي: واتبعوا ما أمركم به ربكم في تنزيله، واجتنبوا ما نهاكم عنه فيه ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾؛ أي: البلاء والعقوبة ﴿بَغْتَةً﴾؛ أي: فجأة، ويجوز أن يكون المراد بالعذاب الآتي بغتة هو الموت؛ لأنه مفتاح العذاب الأخروي، وطريقه، ومتصل به ﴿وَأَنْتُمْ﴾ لغفلتكم؛ أي: والحال أنكم لغفلتكم ﴿لَا تَشْعُرُونَ﴾؛ أي: لا تدركون بالحواس مجيئه؛ لتتداركوا وتتأهّبوا؛ أي: من قبل أن يفاجئكم العذاب وأنتم غافلون عنه، لا تشعرون به، وقيل (٢): أراد أنهم يموتون بغتة فيقعون في العذاب، والأول أولى؛ لأنّ الذي يأتيهم بغتة هو العذاب في الدنيا بالقتل والأسر والقهر والخوف والجدب، لا عذاب الآخرة ولا الموت؛ لأنه لم يسند الإتيان إليه، ٥٦ - ولما خوّفهم بالعذاب .. ذكر علّة ذلك فقال: ١ - ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ مفعول لأجله (٣) للأفعال السابقة، التي هي الإنابة والإخلاص واتباع القرآن، والتنكير في ﴿نَفْسٌ﴾؛ لأن القائل بعض الأنفس، أو للتكثير والتعميم؛ ليشيع في كل النفوس. والمعنى: افعلوا ما ذكر من المأمورات؛ يعني أمرتكم به كراهية أن تقول كل

стр. 11373

نفس أو بعض الأنفس ﴿يَا حَسْرَتَا﴾ بالألف بدلًا من ياء الإضافة؛ إذ أصله يا حسرتي، تقول العرب: يا حسرتي يا لهفي، ويا حسرتا ويا لهفا، ويا حسرتاي ويا لهفاي، بالجمع بين العوضين، تقول هذه الكلمة في نداء الاستغاثة، كما في "كشف الأسرار" والحسرة: الغم على ما فاته، والندم عليه، كأنه انحسر الجهل عنه، الذي حمله على ما ارتكبه، وقال بعضهم الحسرة: أن تاسف النفس أسفًا تبقى منه حسيرة؛ أي: منقطعة. والمعنى: يا حسرتي ويا ندامتي احضري، فهذا أوان حضورك لأتعجب منك. وقرأ الجمهور (١): ﴿يَا حَسْرَتَا﴾ بالألف بدلًا من الياء المضاف إليها، والأصل: يا حسرتي، وقرأ أبو جعفر: ﴿يا حسرتي﴾ بالياء على الأصل، وقرأ ابن كثير: ﴿يا حسرتاه﴾ بهاء السكت وقفًا. ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ﴾؛ أي: على تفريطي وتقصيري، فـ ﴿مَا﴾ مصدرية. ﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾؛ أي: في جانبه وحقه، وهو طاعته وإقامة حقه، وسلوك طريقه، وقيل في أمره، وحدّه الذي حده لنا. ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ ﴿إنَّ﴾ هي (٢) المخففة، و ﴿اللام﴾: هي الفارقة، والسخر: الاستهزاء، ومحل الجملة: النصب على الحال، والمعنى: فرطت، والحال أني كنت في الدنيا من المستهزئين بدين الله، وأهله، قال قتادة: لم يكفهم ما ضيعوا من طاعة الله تعالى، حتى سخروا بأهل طاعته. والخلاصة (٣): بادروا إلى العمل، واحذروا أن تقول بعض الأنفس يا حسرتا على تقصيري في طاعة الله، وسخريتي واستهزائي بدين الله وكتابه وبرسوله وبالمؤمنين. ٢ - ٥٧ ﴿أَوْ تَقُولَ﴾ نفس ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي﴾ بالإرشاد إلى الحق، ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ من الشرك والمعاصي. والمعنى: أي أو تقول لو أن الله أرشدني إلى دينه وطاعته .. لكنت ممن اتقى

стр. 11374

الله، فترك الشرك والمعاصي، وفي الخبر: "ما من أحد من أهل النار يدخل النار حتى يرى مقعده من الجنة، فيقول: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ فيكون عليه حسرةً، وهذا من جملة ما يحتج به المشركون من الحجج الزائفة، ويتعلّلون به من العلل الباطلة، كما في قوله: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ فهي كلمة حق يريدون بها باطلًا. ٣ - ٥٨ ﴿أَوْ تَقُولَ﴾ نفس ﴿حِينَ تَرَى الْعَذَابَ﴾ عيانًا ومشاهدةً ﴿لَوْ﴾ للتمني ﴿أَنَّ لِي كَرَّةً﴾؛ أي: رجعة إلى الدنيا ﴿فَأَكُونَ﴾ بالنصب في جواب التمني؛ أي: أتمنى كون كرة ورجعة لى إلى الدنيا، فكوني ﴿مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ في العقيدة والعمل. وخلاصة ذلك: أنّ هذا المقصر تحسر على التفريط في الطاعة، وفقد الهداية، ثم تمنى الرجعة إلى الدنيا؛ لتدارك ما فات، وكلمة أو في مواضعها للدلالة على أنها لا تخلو النفس عن هذه الأقوال، تحيرًا وتعللًا بما لا طائل تحته، وندمًا حيث لا ينفع الندم، وقيل: إن قومًا يقولون هذا، وقومًا يقولون ذاك. ٥٩ - فأجابها سبحانه بقوله: ﴿بَلَى ...﴾ الخ. فإن قلت (١): كلمة ﴿بَلَى﴾ مختصة بإيجاب النفي، ولا نفي في واحدة من تلك المقالات. قلت: إنها رد للثانية، وكلمة ﴿لَوْ﴾ تتضمن النفي؛ لأنها لامتناع الثاني لامتناع الأول؛ أي: لو أن الله هداني .. لكنت من المتقين، ولكن ما هداني، فقال تعالى: بلى قد هديتك. ﴿قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي﴾ التنزيلية القرآنية، وهي سبب الهداية، وفصله عن قوله: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي﴾ لما أن تقديمه على الثالث يفرّق القرائن الثلاث التي دخلها ﴿أَوْ﴾، وتأخير ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي ...﴾ إلخ. يخل بالترتيب الوجودىّ؛ لأنه يتحسر بالتفريط عند تطاير الكتب، ثم يتعلل بفقد الهداية عند مشاهدة أحوال المتقين واغتباطهم، ثم يتمنّى الرجعة عند الاطلاع على النار، ورؤية العذاب، وتذكير (٢)

стр. 11375

الخطاب في قوله: ﴿جَاءَتْكَ﴾ و ﴿كَذَّبْتَ﴾ و ﴿اسْتَكْبَرْتَ﴾ و ﴿كُنْتَ﴾ باعتبار معنى النفس، وهو الإنسان؛ لأن النفس تطلق على المذكر والمؤنث، قال المبرّد: تقول العرب: نفس واحد؛ أي: إنسان واحد، وبفتح التاء في هذه المواضع قرأ الجمهور، وقرأ الجحدري وأبو حيوة ويحيى بن يعمر والزعفراني وابن مقسم ومسعود بن صالح والشافعي عن ابن كثير ومحمد بن عيسى باختياره ونصير والعبسي: بكسرها في جميعها، وهي قراءة أبي بكر الصديق وابنته عائشة وأم سلمة، ورويت عن ابن كثير، وروت القراءَتين أم سلمة عن النبي ﷺ ، وقرأ الحسن والأعرج والأعمش: ﴿جَاءَتْكَ﴾ بالهمزة من غير مد، وهو مقلوب من ﴿جاءتك﴾، قدمت لام الكلمة وأخرت العين، فسقطت الألف، كما سقطت في رمت ﴿فَكَذَّبْتَ بِهَا﴾؛ أي: قلت: إنها ليست من عند الله تعالى ﴿وَاسْتَكْبَرْتَ﴾؛ أي: تعظمت عن الإيمان بها ﴿وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ والجاحدين بها. والمعنى (١): أي إنه لا فائدة في شيء من تلك المقالات، فقد جاءتك آياتي في الدنيا على لسان رسولي الذي أرسلته إليك، وفي كتابي الذي يتلوه عليك، ويذكّرك بما فيه من وعد ووعيد، وتبشير وإنذار، فكذبت بها واستكبرت عن قبولها، وكنت ممن يعمل عمل الكافرين، ويستنّ بسنّتهم، ويتّبع مناهجهم. وفي "التأويلات النجمية": ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي﴾ من الأنبياء ومعجزاتهم، والكتب وحكمها ومواعظها وأسرارها وحقائقها ودقائقها وإشاراتها ﴿فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ﴾ عن اتباعها، والقيام بشرائطها ﴿وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: كافري النعمة، بما أنعم الله به عليك من نعمة وجود الأنبياء، وإنزال الكتب، وإظهار المعجزات. ٦٠ - ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ لرب العالمين ﴿تَرَى﴾ وتبصر أو تعلم يا محمد ﴿الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ﴾ بأن وصفوه بما لا يليق بشأنه، كاتخاذ الولد والصاحبة والشريك حال كونهم ﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ لما أحاط بهم من العذاب، وشاهدوه من غضب الله ونقمته، وقوله: ﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة: حال (٢) قد اكتفي فيها بالضمير عن الواو، على أن الرؤية بصرية، أو مفعول ثان لها على أنها

стр. 11376

عرفانية. والمعنى: تراهم يا محمد، أو أيها المخاطب حال كونهم مسودّي الوجوه، أو تراهم مسودّي الوجوه بما ينالهم من الشدة، أو بما يتخيّل من ظلمة الجهل والكفر سوادًا مخالفًا لسائر أنواع السواد، هو سواد يدل على الجهل بالله، والكفر به، والكذب عليه. وقرىء ﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ بنصبهما فـ ﴿وُجُوهُهُمْ﴾: بدل بعض من كل، وقرأ أبي: ﴿أجوههم﴾ بإبدال الواو همزة. وفي "التأويلات النجمية": يشير إلى أن يوم القيامة تكون الوجوه بلون القلب، فالقلوب الكاذبة لما كانت مسودة بسواد الكذب، وظلمة الكفر .. تلونت وجوههم بلون القلوب. انتهى. والاستفهام في قوله: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى﴾؛ أي: مقام ومنزل، ﴿لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ عن الإيمان والطاعة، للتقرير؛ أي: لهم مقام ومنزل في نار جهنم، خالدين مخلدين فيها أبد الآباد، وهو إشارة إلى قوله: ﴿وَاسْتَكْبَرْتَ﴾. والكبر: هو بطر الحق، وغمط الناس، كما ثبت في الحديث الصحيح. ومعنى الآية (١): أي وترى أيها الرسول يوم القيامة وجوه الذين كذبوا على الله، فزعموا أن له ولدًا، وأن له شريكًا، وعبدوا آلهةً من دونه، مجللةً بالسواد، لما أحاط بها من الكآبة والحزن الذي علاها، والغم الذي لحقها. ثم علل هذا وأكده بقوله: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾؛ أي: أليست النار كافيةً لهم سجنًا وموئلًا، ولهم فيا الخزي والهوان بسبب تكبرهم وإبائهم عن الانقياد للحق، وعن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ : "يحشر المتكبرون يوم القيامة كالذر، يلحقهم الصغار، حتى يؤتى بهم إلى سجن جهنم". ٦١ - ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ﴾ من عذاب جهنم ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الشرك والمعاصي حال كونهم متلبسين ﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾ وظفرهم بالمطلوب الذي هو النعيم المقيم، والمفازة (٢): مصدر ميمي بمعنى الفوز، كما سيأتي، والفوز: الظفر

стр. 11377

بالمطلوب مع السلامة من المكروه، و ﴿الباء﴾: متعلقة بمحذوف هو حال من الموصول، مفيدة لمفازة تنجيتهم من العذاب لنيل الثواب؛ أي: ينجيهم الله سبحانه من مثوى المتكبرين، حال كونهم متلبسين بفوزهم بمطلوبهم الذي هو الجنة. وروي عن النبي ﷺ تفسير هذه الآية من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "يحشر الله مع كل امرىءٍ عمله، فيكون عمل المؤمن معه في أحسن صورة وأطيب ريح، فكلما كان رعب أو خوف .. قال له: لا ترع، فما أنت بالمراد به، ولا أنت المعني به، فإذا كثر ذلك عليه .. قال: فما أحسنك، فمن أنت؟ فيقول: أما تعرفني، أنا عملك الصالح، حملتني على ثقلي، فوالله لأحملنك ولأدفعنّ عنك، فهي التي قال الله: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١)﴾. ثم بين هذه المفازة بقوله: ﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ والجملة: حال أخرى من الموصول، مفيدة لكون نجاتهم وفوزهم بالجنة غير مسبوقة بمساس العذاب والحزن؛ أي: ينجيهم الله سبحانه من مثوى المتكبرين، حال كونهم متلبسين بفوزهم بمطلوبهم الذي هو الجنة، وحالة كونهم غير مسبوقين بمساس السوء والعذاب في أبدانهم، وبمساس الحزن والغمّ في قلوبهم أي: لا يمسهم (١) أذى جهنم، ولا يحزنون على ما فاتهم من مآب الدنيا، إذ هم قد صاروا إلى ما هو خير منه؛ نعيم مقيم في جنات تجري من تحتها الأنهار، ورضوان من الله أكبر. وخلاصة ذلك: أنهم أمِنوا من كل فزع، وبعدوا من كل شرّ، وفازوا بكل خير ومسرة. وقرأ الجمهور (٢): ﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾ على الإفراد، والسلمي والحسن والأعرج والأعمش وحمزة والكسائي وأبو بكر: على الجمع، من حيث إن النجاة أنواع والأسباب مختلفة، وقال أبو علي: المصادر تجمع إذا اختلفت أجناسها، كقوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾، وقال الفراء: كلا القراءتين صواب، تقول قد تبين أمر الناس، وأمور الناس.

стр. 11378

٦٢ - ﴿اللَّهُ﴾ ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ومبدع كل مخلوق من خير وشر، وإيمان وكفر، لكن لا بالجبر، بل بمباشرة الكاسب لأسبابها. قال في "التأويلات النجمية": دخل أفعال العباد وأكسابهم في هذه الجملة، ولا يدخل هو وكلامه فيها؛ لأن المخاطب لا يدخل تحت الخطاب، ولأنه تعالى يخلق الأشياء بكلامه، وهو كلمة ﴿كن﴾ الموجودة في الدنيا والآخرة، كائنًا ما كان، من غير فرق بين شيء وشيء. ﴿وَهُوَ﴾ سبحانه ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ يتولى التصرف فيه كيفما يشاء؛ أي: الأشياء كلها موكولة إليه تعالى، فهو القائم بحفظها وتدبيرها من غير مشارك له، والوكيل (١): هو القائم على الأمر، الزعيم بإكماله، والله تعالى هو المستكفل بمصالح عباده، والكافي لهم في كل أمر، ومن عرف أنه الوكيل .. اكتفى به في كل أمره، فلم يدبر معه، ولم يعتمد إلا عليه. وخاصية هذا الاسم: نفي الجوائح والمصائب، فمن خاف ريحًا أو صاعقة أو نحوهما فليكثر من ذكره، فإنه يصرف عنه، ويفتح له أبواب الخير والرزق. والمعنى: أي وهو سبحانه القائم على كل الأشياء، يتولاها بحراسته وحفظه بحسب ما تقتضيه المصلحة، فهي محتاجة إليه في بقائها، كما هي محتاجة إليه في وجودها. ٦٣ - ثم فصل ذلك بعض التفصيل، فقال: ﴿لَهُ﴾ سبحانه وحده لا لغيره ﴿مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ جمع مقليد، أو مقلاد، كما سيأتي. وهو المفتاح؛ أي: له تعالى وحده مفاتيح خزائن العالم العلوي والسفلي، لا يتمكن من التصرف فيها غيره؛ أي: هو حافظ الخزائن ومدبّرها ومالك مفاتيحها، فله التصرف في كل شيء مخزون فيها. والخلاصة: هو القادر عليهما، والحافظ لهما. وقال قتادة ومقاتل: له مفاتيح السموات والأرض، بالرزق والرحمة، وقال الكلبي: له خزائن السموات بالمطر، وخزائن الأرض بالنبات، وروي أنه سأل

стр. 11379

عثمان ﵁ رسول الله ﷺ عن تفسير قوله تعالى: ﴿مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، فقال: "يا عثمان، ما سألني عنها أحد قبلك، مقاليد السموات والأرض: "لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله وبحمده، وأستغفر الله الذي لا إله إلا هو، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، بيده الخير، يحيى ويميت، وهو على كل شيء قدير". والمعنى على هذا: إن لِلَّه هذه الكلمات، يوحد بها ويمجد بها، وهي مفاتيح خير السموات والأرض، من تكلم بها .. أصابَهُ خيرهما، أخرجه أبو يعلى وابن أبي حاتم وابن مردويه. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ - سبحانه - التنزيلية والتكوينية، المنصوبة في الآفاق والأنفس، الناطقة بكونه تعالى خالقًا للأشياء كلها، وكونه مالكًا مقاليد السموات والأرض بأسرها. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ خسرانًا (١) لا خسران وراءه؛ لأنهم اختاروا العقوبة على الثواب، وفتحوا أبواب نفوسهم بمفتاح الكفر والنفاق، نسأل الله سبحانه أن يجعلنا ممن ربحت تجارته، لا ممن خسرت صفقته. قال البيضاوي (٢): وهذا كلام متصل بقوله: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ وما بينهما: اعتراض للدلالة على أنه مهيمن على العباد، مطلع على أفعالهم، مجاز عليها، وتغيير النظم للأشعار بأن العمدة في فلاح المؤمنين فضل الله، وفي هلاك الكافرين بأن خسروا أنفسهم، وللتصريح بالوعد، والتعريض بالوعيد قضية للكرم، أو بما يليه، والمراد بآيات الله، دلائل قدرته واستبداده بأمر السموات والأرض، أو كلمات توحيده وتمجيده، وتخصيص الخسار بهم؛ لأن غيرهم ذو حظ من الرحمة والثواب. انتهى. ٦٤ - والهمزة في قوله: ﴿قُلْ﴾ أيها الرسول ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ للاستفهام الإنكاري (٣) التوبيخي، داخلة على محذوف، كنظائره فيما سبق، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على المحذوف، و ﴿غَيْرَ اللَّهِ﴾: منصوب بـ ﴿أَعْبُدُ﴾، و ﴿أَعْبُدُ﴾: معمول لـ ﴿تَأْمُرُونِّي﴾ على تقدير أن المصدرية، فلما حذفت .. بطل عملها،

стр. 11380

والتقدير: قل يا محمد لمشركي قومك، الداعين لك إلى عبادة الأصنام، القائلين لك: هو دين آبائك: أتدعونني إلى عبادة الأصنام بعد مشاهدة هذه الآيات، وتأمرونني أن أعبد غير الله أيها الجاهلون، ويجوز أن يكون ﴿غير﴾ منصوبًا بفعل مقدر؛ أي: فتلزمونني غير الله؛ أي: عبادة غير الله، أو أعبد غير الله أعبد، ويجوز أن يكون ﴿غير﴾ منصوبًا بـ ﴿تَأْمُرُونِّي﴾، و ﴿أَعْبُدُ﴾ بدل اشتمال منه، وأن مضمرة معه أيضًا، أمره الله سبحانه أن يقول هذا للكفار، لما دعوه إلى ما هم عليه من عبادة الأصنام، وقالوا: هو دين آبائك. وقرأ الجمهور (١): ﴿تَأْمُرُونِّي﴾ بإدغام النون في نون الوقاية، وسكون الياء وفتحها ابن كثير، وقرأ ابن عامر: ﴿تأمرونني﴾ بنونين على الأصل. ونافع: ﴿تأمروني﴾ بنون واحدة مكسورة وفتح الياء، قال ابن عطية: وهذا على حذف النون الواحدة، وهي الموطئة لياء المتكلم، ولا يجوز حذف النون الأولى، وهو لحن؛ لأنها علامة رفع الفعل. انتهى. وفي المسألة خلاف: منهم من يقول: المحذوفة نون الرفع، ومنهم من يقول: نون الوقاية، وليس بلحن؛ لأن التركيب متفق عليه. والخلاف جرى في أيهما حذف، ونختار أنها نون الرفع، ولما كان الأمر بعبادة غير الله لا يصدر إلا من غبي جاهل .. ناداهم بالوصف المقتضي ذلك، فقال: ﴿أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾. والمعنى (٢): أي قل أيها الرسول الكريم لمشركي قومك، الداعين لك إلى عبادة الأصنام، والقائلين لك: هو دين آبائك: أفتأمروني أيها الجاهلون بعد مشاهدتي الآيات الدالة على تفرده بالألوهية، أن أعبد غيره، والعبادة لا تصلح لشيء سواه. روي عن ابن عباس ﵄ أن قريشًا دعت رسول الله ﷺ أن يعطوه مالًا فيكون أغنى رجل بمكة، ويزوجوه ما أراد من النساء، ويطَؤُوون عقبه؛ أي: يغطون دعوته ويزيلونها، وقالوا: هذا لك يا محمد، وتكف عن شتم آلهتنا، ولا تذكرها بسوء، قال: حتى انظر ما يأتيني من ربي، فنزل: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ إلى آخر السورة، ونزل: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي﴾.
следующие страницы →