← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 11376–11415 · переход к 11381.

стр. 11376

عرفانية. والمعنى: تراهم يا محمد، أو أيها المخاطب حال كونهم مسودّي الوجوه، أو تراهم مسودّي الوجوه بما ينالهم من الشدة، أو بما يتخيّل من ظلمة الجهل والكفر سوادًا مخالفًا لسائر أنواع السواد، هو سواد يدل على الجهل بالله، والكفر به، والكذب عليه. وقرىء ﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ بنصبهما فـ ﴿وُجُوهُهُمْ﴾: بدل بعض من كل، وقرأ أبي: ﴿أجوههم﴾ بإبدال الواو همزة. وفي "التأويلات النجمية": يشير إلى أن يوم القيامة تكون الوجوه بلون القلب، فالقلوب الكاذبة لما كانت مسودة بسواد الكذب، وظلمة الكفر .. تلونت وجوههم بلون القلوب. انتهى. والاستفهام في قوله: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى﴾؛ أي: مقام ومنزل، ﴿لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ عن الإيمان والطاعة، للتقرير؛ أي: لهم مقام ومنزل في نار جهنم، خالدين مخلدين فيها أبد الآباد، وهو إشارة إلى قوله: ﴿وَاسْتَكْبَرْتَ﴾. والكبر: هو بطر الحق، وغمط الناس، كما ثبت في الحديث الصحيح. ومعنى الآية (١): أي وترى أيها الرسول يوم القيامة وجوه الذين كذبوا على الله، فزعموا أن له ولدًا، وأن له شريكًا، وعبدوا آلهةً من دونه، مجللةً بالسواد، لما أحاط بها من الكآبة والحزن الذي علاها، والغم الذي لحقها. ثم علل هذا وأكده بقوله: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾؛ أي: أليست النار كافيةً لهم سجنًا وموئلًا، ولهم فيا الخزي والهوان بسبب تكبرهم وإبائهم عن الانقياد للحق، وعن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ : "يحشر المتكبرون يوم القيامة كالذر، يلحقهم الصغار، حتى يؤتى بهم إلى سجن جهنم". ٦١ - ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ﴾ من عذاب جهنم ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الشرك والمعاصي حال كونهم متلبسين ﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾ وظفرهم بالمطلوب الذي هو النعيم المقيم، والمفازة (٢): مصدر ميمي بمعنى الفوز، كما سيأتي، والفوز: الظفر

стр. 11377

بالمطلوب مع السلامة من المكروه، و ﴿الباء﴾: متعلقة بمحذوف هو حال من الموصول، مفيدة لمفازة تنجيتهم من العذاب لنيل الثواب؛ أي: ينجيهم الله سبحانه من مثوى المتكبرين، حال كونهم متلبسين بفوزهم بمطلوبهم الذي هو الجنة. وروي عن النبي ﷺ تفسير هذه الآية من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "يحشر الله مع كل امرىءٍ عمله، فيكون عمل المؤمن معه في أحسن صورة وأطيب ريح، فكلما كان رعب أو خوف .. قال له: لا ترع، فما أنت بالمراد به، ولا أنت المعني به، فإذا كثر ذلك عليه .. قال: فما أحسنك، فمن أنت؟ فيقول: أما تعرفني، أنا عملك الصالح، حملتني على ثقلي، فوالله لأحملنك ولأدفعنّ عنك، فهي التي قال الله: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١)﴾. ثم بين هذه المفازة بقوله: ﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ والجملة: حال أخرى من الموصول، مفيدة لكون نجاتهم وفوزهم بالجنة غير مسبوقة بمساس العذاب والحزن؛ أي: ينجيهم الله سبحانه من مثوى المتكبرين، حال كونهم متلبسين بفوزهم بمطلوبهم الذي هو الجنة، وحالة كونهم غير مسبوقين بمساس السوء والعذاب في أبدانهم، وبمساس الحزن والغمّ في قلوبهم أي: لا يمسهم (١) أذى جهنم، ولا يحزنون على ما فاتهم من مآب الدنيا، إذ هم قد صاروا إلى ما هو خير منه؛ نعيم مقيم في جنات تجري من تحتها الأنهار، ورضوان من الله أكبر. وخلاصة ذلك: أنهم أمِنوا من كل فزع، وبعدوا من كل شرّ، وفازوا بكل خير ومسرة. وقرأ الجمهور (٢): ﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾ على الإفراد، والسلمي والحسن والأعرج والأعمش وحمزة والكسائي وأبو بكر: على الجمع، من حيث إن النجاة أنواع والأسباب مختلفة، وقال أبو علي: المصادر تجمع إذا اختلفت أجناسها، كقوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾، وقال الفراء: كلا القراءتين صواب، تقول قد تبين أمر الناس، وأمور الناس.

стр. 11378

٦٢ - ﴿اللَّهُ﴾ ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ومبدع كل مخلوق من خير وشر، وإيمان وكفر، لكن لا بالجبر، بل بمباشرة الكاسب لأسبابها. قال في "التأويلات النجمية": دخل أفعال العباد وأكسابهم في هذه الجملة، ولا يدخل هو وكلامه فيها؛ لأن المخاطب لا يدخل تحت الخطاب، ولأنه تعالى يخلق الأشياء بكلامه، وهو كلمة ﴿كن﴾ الموجودة في الدنيا والآخرة، كائنًا ما كان، من غير فرق بين شيء وشيء. ﴿وَهُوَ﴾ سبحانه ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ يتولى التصرف فيه كيفما يشاء؛ أي: الأشياء كلها موكولة إليه تعالى، فهو القائم بحفظها وتدبيرها من غير مشارك له، والوكيل (١): هو القائم على الأمر، الزعيم بإكماله، والله تعالى هو المستكفل بمصالح عباده، والكافي لهم في كل أمر، ومن عرف أنه الوكيل .. اكتفى به في كل أمره، فلم يدبر معه، ولم يعتمد إلا عليه. وخاصية هذا الاسم: نفي الجوائح والمصائب، فمن خاف ريحًا أو صاعقة أو نحوهما فليكثر من ذكره، فإنه يصرف عنه، ويفتح له أبواب الخير والرزق. والمعنى: أي وهو سبحانه القائم على كل الأشياء، يتولاها بحراسته وحفظه بحسب ما تقتضيه المصلحة، فهي محتاجة إليه في بقائها، كما هي محتاجة إليه في وجودها. ٦٣ - ثم فصل ذلك بعض التفصيل، فقال: ﴿لَهُ﴾ سبحانه وحده لا لغيره ﴿مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ جمع مقليد، أو مقلاد، كما سيأتي. وهو المفتاح؛ أي: له تعالى وحده مفاتيح خزائن العالم العلوي والسفلي، لا يتمكن من التصرف فيها غيره؛ أي: هو حافظ الخزائن ومدبّرها ومالك مفاتيحها، فله التصرف في كل شيء مخزون فيها. والخلاصة: هو القادر عليهما، والحافظ لهما. وقال قتادة ومقاتل: له مفاتيح السموات والأرض، بالرزق والرحمة، وقال الكلبي: له خزائن السموات بالمطر، وخزائن الأرض بالنبات، وروي أنه سأل

стр. 11379

عثمان ﵁ رسول الله ﷺ عن تفسير قوله تعالى: ﴿مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، فقال: "يا عثمان، ما سألني عنها أحد قبلك، مقاليد السموات والأرض: "لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله وبحمده، وأستغفر الله الذي لا إله إلا هو، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، بيده الخير، يحيى ويميت، وهو على كل شيء قدير". والمعنى على هذا: إن لِلَّه هذه الكلمات، يوحد بها ويمجد بها، وهي مفاتيح خير السموات والأرض، من تكلم بها .. أصابَهُ خيرهما، أخرجه أبو يعلى وابن أبي حاتم وابن مردويه. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ - سبحانه - التنزيلية والتكوينية، المنصوبة في الآفاق والأنفس، الناطقة بكونه تعالى خالقًا للأشياء كلها، وكونه مالكًا مقاليد السموات والأرض بأسرها. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ خسرانًا (١) لا خسران وراءه؛ لأنهم اختاروا العقوبة على الثواب، وفتحوا أبواب نفوسهم بمفتاح الكفر والنفاق، نسأل الله سبحانه أن يجعلنا ممن ربحت تجارته، لا ممن خسرت صفقته. قال البيضاوي (٢): وهذا كلام متصل بقوله: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ وما بينهما: اعتراض للدلالة على أنه مهيمن على العباد، مطلع على أفعالهم، مجاز عليها، وتغيير النظم للأشعار بأن العمدة في فلاح المؤمنين فضل الله، وفي هلاك الكافرين بأن خسروا أنفسهم، وللتصريح بالوعد، والتعريض بالوعيد قضية للكرم، أو بما يليه، والمراد بآيات الله، دلائل قدرته واستبداده بأمر السموات والأرض، أو كلمات توحيده وتمجيده، وتخصيص الخسار بهم؛ لأن غيرهم ذو حظ من الرحمة والثواب. انتهى. ٦٤ - والهمزة في قوله: ﴿قُلْ﴾ أيها الرسول ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ للاستفهام الإنكاري (٣) التوبيخي، داخلة على محذوف، كنظائره فيما سبق، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على المحذوف، و ﴿غَيْرَ اللَّهِ﴾: منصوب بـ ﴿أَعْبُدُ﴾، و ﴿أَعْبُدُ﴾: معمول لـ ﴿تَأْمُرُونِّي﴾ على تقدير أن المصدرية، فلما حذفت .. بطل عملها،

стр. 11380

والتقدير: قل يا محمد لمشركي قومك، الداعين لك إلى عبادة الأصنام، القائلين لك: هو دين آبائك: أتدعونني إلى عبادة الأصنام بعد مشاهدة هذه الآيات، وتأمرونني أن أعبد غير الله أيها الجاهلون، ويجوز أن يكون ﴿غير﴾ منصوبًا بفعل مقدر؛ أي: فتلزمونني غير الله؛ أي: عبادة غير الله، أو أعبد غير الله أعبد، ويجوز أن يكون ﴿غير﴾ منصوبًا بـ ﴿تَأْمُرُونِّي﴾، و ﴿أَعْبُدُ﴾ بدل اشتمال منه، وأن مضمرة معه أيضًا، أمره الله سبحانه أن يقول هذا للكفار، لما دعوه إلى ما هم عليه من عبادة الأصنام، وقالوا: هو دين آبائك. وقرأ الجمهور (١): ﴿تَأْمُرُونِّي﴾ بإدغام النون في نون الوقاية، وسكون الياء وفتحها ابن كثير، وقرأ ابن عامر: ﴿تأمرونني﴾ بنونين على الأصل. ونافع: ﴿تأمروني﴾ بنون واحدة مكسورة وفتح الياء، قال ابن عطية: وهذا على حذف النون الواحدة، وهي الموطئة لياء المتكلم، ولا يجوز حذف النون الأولى، وهو لحن؛ لأنها علامة رفع الفعل. انتهى. وفي المسألة خلاف: منهم من يقول: المحذوفة نون الرفع، ومنهم من يقول: نون الوقاية، وليس بلحن؛ لأن التركيب متفق عليه. والخلاف جرى في أيهما حذف، ونختار أنها نون الرفع، ولما كان الأمر بعبادة غير الله لا يصدر إلا من غبي جاهل .. ناداهم بالوصف المقتضي ذلك، فقال: ﴿أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾. والمعنى (٢): أي قل أيها الرسول الكريم لمشركي قومك، الداعين لك إلى عبادة الأصنام، والقائلين لك: هو دين آبائك: أفتأمروني أيها الجاهلون بعد مشاهدتي الآيات الدالة على تفرده بالألوهية، أن أعبد غيره، والعبادة لا تصلح لشيء سواه. روي عن ابن عباس ﵄ أن قريشًا دعت رسول الله ﷺ أن يعطوه مالًا فيكون أغنى رجل بمكة، ويزوجوه ما أراد من النساء، ويطَؤُوون عقبه؛ أي: يغطون دعوته ويزيلونها، وقالوا: هذا لك يا محمد، وتكف عن شتم آلهتنا، ولا تذكرها بسوء، قال: حتى انظر ما يأتيني من ربي، فنزل: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ إلى آخر السورة، ونزل: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي﴾.

стр. 11381

إلى قوله: ﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. وعنه أيضًا: أن المشركين من جهلهم، دعوا رسول الله ﷺ إلى عبادة آلهتهم، وهم يعبدون معه إلهه. ٦٥ - ثم بين أنه حذّر وأنذر عباده من الشرك، بلسان جميع الأنبياء، فقال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ أيها الرسول ﴿وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾؛ أي: من الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام. ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ﴾ فرضًا، وإفراد (١) الخطاب، باعتبار كل واحد من الأنبياء، كأنه قيل: أوحي إليك وإلى كل واحد من الأنبياء هذا الكلام، وهو: لئن أشركت ﴿لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾؛ أي: ليبطلن ثواب عملك، وإن كنت كريمًا علي. ﴿وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ في صفقتك، بسبب حبوط عملك، و ﴿اللام﴾: الأولى: موطئة للقسم، والأخريان: للجواب، وهو كلام وارد على طريقة الفرض، لتهِييج الرسل، وإقناط الكفرة، والإيذان بغاية شناعة الإشراك وقبحه، وكونه بحيث ينهى عنه من لا يكاد يمكن أن يباشره، فكيف بمن عداه؟! وعطف الخسران على الحبوط من عطف المسبب على السبب، قال التفتازاني: فالمخاطب هو النبي ﷺ ، وعدم إشراكِه مقطوع به، لكن جيء بلفظ الماضي إبرازًا للإشراك في معرض الحاصل على سبيل الفرض والتقدير، تعريضًا لمن صدر عنهم الإشراك، بأنه قد حبطت أعمالهم، وكانوا من الخاسرين. وقال في "كشف الأسرار": هذا خطاب مع الرسول ﷺ ، والمراد به غيره، وقال ابن عباس ﵄: هذا أدب من الله لنبيه ﷺ ، وتهديد لغيره؛ لأن الله تعالى قد عصمه من الشرك، ومداهنة الكفار، قال في "فتح الرحمن": إن قلت: كيف قال ذلك مع أن الموحى إليهم جمع، ولما أوحى إلى من قبله لم يكن في الوحي إليهم خطابه؟. قلت: معناه: ولقد أوحي إلى كل واحد منك ومنهم: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ﴾، أو فيه إضمار نائب الفاعل، تقديره: ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك التوحيد، ثم ابتدأ فقال: و ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ﴾، أو فيه تقديم وتأخير، تقديره: ولقد أوحي إليك: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ﴾ وكذلك أوحي إلى الذين من قبلك اهـ "فتح الرحمن".

стр. 11382

وقال الشوكاني: هذا الكلام (١) من باب التعريض لغير الرسل؛ لأن الله سبحانه قد عصمهم من الشرك، ووجه إيراده على هذا الوجه: التحذير والإنذار للعباد من الشرك؛ لأنه إذا كان موجبًا لإحباط عمل الأنبياء على الفرض والتقدير .. فهو محبط لعمل غيرهم من أممهم بطريق الأولى، وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: ولقد أوحي إليك: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ﴾ وأوحي إلى الذين من قبلك كذلك، قال مقاتل؛ أي: أوحي إليك وإلى الأنبياء قبلك بالتوحيد، والتوحيد: محذوف، ثم قال: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ﴾ يا محمد ﴿لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾، وهو خطاب للنبي ﷺ خاصة. انتهى. وفي "التأويلات النجمية": يشير إلى أن الإنسان ولو كان نبيًا، لئن وكل إلى نفسه .. ليفتحن بمفتاح الشرك والرياء أبواب خزائن قهر الله على نفسه، وليحبطن عمله، بأن يلاحظ غير الله بنظر المحبة، ويثبت معه في الإبداع سواه. ومعنى الآية (٢): أي ولقد نزل عليك الوحي من ربك، بأنه إذا حصل منك إشراك به، بعبادة صنم أو وثن .. ليبطلنّ كل عمل لك من أعمال الخير، كصلة رحم وبر ببائس فقير، ولا تنالنَّ به ثوابًا ولا جزاءً، ولتكونن ممن خسروا حظوظهم في الدنيا والآخرة، وأوحي إلى الرسل من قبلك بمثل هذا. وقرأ الجمهور: ﴿لَيَحْبَطَنَّ﴾ بالبناء للفاعل ﴿عَمَلُكَ﴾ رفع به، وقرىء: ﴿لُيحبِطن﴾ بضم الياء من أحبط علمه ﴿عملَك﴾ بالنصب؛ أي: ليحبطن الله عملك، أو الإشراك عملك، وقرىء ﴿لنُحبطن﴾ بالنون ﴿عملك﴾ بالنصب، فاحذر أن تشرك بالله شيئًا، فتهلك، وهذا كلام سيق على سبيل الفرض والتقدير، لتهييج المخاطب المعصوم، وللإيذان بشناعة الإشراك وقبحه، حتى لينهى عنه من لا يكاد يفعله، فكيف بغيره؟ والحكم بحبوط عمل المشرك في الآخرة، مقيّد بما إذا مات وهو كذلك، بدليل قوله في الآية الأخرى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. ٦٦ - ثم رد عليهم ما أمروه به من عبادة الأصنام، وأمره بعبادته وحده، فقال: ﴿بَلِ

стр. 11383

اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ و ﴿الفاء﴾ فيه واقعة في جواب الشرط المحذوف، تقديره؛ لا تعبد ما أمرك الكفار بعبادته، بل إن عبدت فاعبد الله دون ما سواه من الأنداد والأوثان، فحذف الشرط، وأقيم المفعول مقامه، ووجه الرد: ما يفيده التقديم من القصر، قال الزجاج: و ﴿الفاء﴾ في ﴿فَاعْبُدْ﴾ للمجازاة، وقال الأخفش: زائدة، وقال عطاء ومقاتل: معنى ﴿فَاعْبُدْ﴾: وحد؛ لأن عبادته لا تصح إلا بتوحيده. ﴿وَكُنْ﴾ يا محمد ﴿مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ربك على إنعامه عليك بما هداك إليه من التوحيد والعبادة والدعاء إلى دينه، وكذا النبوة والرسالة الحاصلتان بفضله وكرمه، لا بسعيك وعملك. وقرأ عيسى: ﴿بل اللهُ﴾ بالرفع، والجمهور: بالنصب. واعلم: أن الشكر على ثلاث درجات (١): الأولى: الشكر على المحابِّ، وقد شاركت المسلمين في هذا الشكر اليهود والنصارى والمجوس. والثانية: الشكر على المكارهِ، وهذا الشاكر أول من يدعى إلى الجنة؛ لأن الجنة حفت بالمكاره. والثالثة: أن لا يشهد غير المنعم، فلا يشهد النعمة ولا الشدة، وهذا الشهود والتلذذ به أعلى اللذات؛ لأنه في مقام السر، فالعاقل يجتهد في الإقبال على الله والتوجه إليه، من غير التفات إلى يمين وشمال. ٦٧ - ثم أكد ما سلف بقوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾؛ أي: ما عظموه حق تعظيمه، حيث جعلوا له شريكًا، وأمروا رسوله ﷺ بأن يكون مثلهم في الشرك، قال أبو حيان؛ أي: ما عظموه حق تعظيمه، وما قدروه في أنفسهم حق تقديره؛ إذ أشركوا معه غيره، وساووا بينه وبين الحجر والخشب في العبادة، وهو العظيم الذي لا أعظم منه، القادر على كل شيء، المالك لكل شيء، وكل شيء تحت قهره وقدره، ولما (٢) كان العظيم من الأشياء إذا عرفه الإنسان حق معرفته، وقدّره في نفسه حق تقديره، وعظمه حق تعظيمه. قيل: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾.

стр. 11384

وقرأ الأعمش (١): ﴿حق قدَره﴾ بفتح الدال، وقرأ الحسن وعيسى وأبو نوفل وأبو حيوة: ﴿وما قدَّروا﴾ بتشديد الدال، ﴿حق قدره﴾ بفتح الدال؛ أي: ما عظموه حقيقة تعظيمه، والضمير في ﴿قَدَرُوا﴾: قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -: إلى كفار قريش، كانت هذه الآية كلها محاورةً لهم، وردًّا عليهم، وقيل: نزلت في قوم من اليهود تكلموا في صفات الله وجلاله، فألحدوا وجسموا، وجاؤوا بكل تخليط. روى البخاري عن ابن مسعود ﵁ قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا محمد: إنا نجد في كتابنا أن الله يجعل السموات على إِصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيقول: أنا الملك، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية. وأخرج الشيخان والنسائي وابن ماجه في جماعة آخرين عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما -: أن رسول الله ﷺ : قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ وهو يقول هكذا بيده يحركها، يقبل بها ويدبر، يمجد الرب نفسه: أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الملك، أنا العزيز، أنا الكريم، فرجف برسول الله ﷺ المنبر، حتى قلنا: ليَخِرَّنَّ به. وفي "التأويلات النجمية" (٢): ما عرفوا الله حق معرفته، وما وصفوه حق وصفه، وما عظموه حق تعظيمه، فمن وصفه بتمثيل أو جنح إلى تعطيل. فقد حاد عن الألسنة المثلى، وانحرف عن الطريقة الحسنى، وصفوا الحق بالأعضاء، وتوهموا في نعته الأجزاء، فـ ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. انتهى. ثم نبههم سبحانه على عظمته وجلالة شأنه، فقال: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا﴾: حال لفظًا، وتأكيد معنى، ولذا قال أهل التفسير: تأكيد الأرض بالجميع؛ لأن المراد بها الأرضون السبع، أو جميع أبعاضها البادية والغائرة؛ أي: الظاهرة وغير

стр. 11385

الظاهرة من باطنها وظاهرها ووسطها، وقوله: ﴿وَالْأَرْضُ﴾: مبتدأ، خبره، قوله: ﴿قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ والجملة الاسمية: حال من لفظ الجلالة في قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ﴾؛ أي: ما قدروا الله وعظموه حق قدره وعظمته؛ أي: ما عظموه التعظيم اللائق به تعالى، حيث عبدوا معه غيره، حالة كون جميع الأرض مقبوضة، ومملوكة يوم القيامة؛ أي: في ملكه (١) وتصرّفه من غير منازع، يتصرف فيها تصرف الملاك في ملكهم، وأنها؛ أي: جميع الأرضين، وإن عظمن .. فما هنّ بالنسبة إلى قدرته تعالى، إلا قبضة واحدة، ففيه تنبيه على غاية عظمته، وكمال قدرته، وحقارة الأفعال العظام بالنسبة إلى قدرته، ودلالة على أن تخريب العالم أهون شيء عليه على طريقة التمثيل والتخييل، من غير اعتبار القبضة حقيقةً ولا مجازًا على ما في "الإرشاد" ونحوه. وقيل: القبضة (٢) المرة من القبض بالكف، والكلام حينئذ على حذف مضاف. والمعنى: والأرضون جميعًا قبضته؛ أي: ذوات قبضته يقبضهنّ قبضة واحدة؛ يعني أن الأرضين مع عظمهن وبسطهنّ، لا يبلغن إلا قبضة واحدة من قبضاته، كأنه يقبضها قبضة واحدة بكف واحد، وإذا أريد معنى القبضة فظاهر؛ لأن المعنى أن الأرضين بجملتها مقدار ما يقبضه بكف واحدة؛ أي: ما عظموه حق تعظيمه، والحال أنه متصف بهذه الصفة، الدالة على كمال القدرة، التي هي غاية العظمة والجلال، فالأرض مع سعتها وبسطها في قبضة الرحمن يوم القيامة. وقرأ الجمهور: برفع ﴿قَبْضَتُهُ﴾ على أنها خبر المبتدأ، وقرأ الحسن: بنصبها، ووجهه ابن خالويه بأنه على الظرفية؛ أي في قبضته، وقدم الأرض لمباشرتهم لها ومعرفتهم بحقيقتها، ولما كان في دار الدنيا من يدعي الملك والقهر والعظمة والقدرة دون دار الآخرة فالأمر فيها لله وحده ظاهرًا وباطنًا .. قال ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ اهـ "خطيب". وفي "القرطبي": إنما خص يوم القيامة بالذكر، وإن كانت قدرته عامة وشاملة لدار الدنيا أيضًا؛ لأن الدعاوى تنقطع ذلك اليوم، كما قال: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾. انتهى.

стр. 11386

وقوله: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ﴾ مبتدأ ﴿مَطْوِيَّاتٌ﴾ خبره ﴿بِيَمِينِهِ﴾ متعلق بـ ﴿مَطْوِيَّاتٌ﴾؛ أي: مجموعات وملفوفات ومدرجات بيمينه تعالى يوم القيامة؛ أي: والسموات على سعتها وعظمها مطويات بيمينه، من طويت الشيء طيًّا؛ أي: أدرجته إدراجًا. وعن ابن عباس ﵄ قال: ما السموات السبع والأرضون السبع في يد الله، إلا كخردلة في يد أحدكم. والمعنى: أن الأرض جميعًا تحت ملكه يوم القيامة، يتصرف فيها كيف يشاء، ولا يتصرف فيها سواه، والسموات مطويات طي السجل للكتب، بقدرته التي لا يتعاصى معها شيء، وفي هذا رمز إلى أن ما يشركونه معه في الأرض أو في السماء مقهور تحت سلطانه جل شأنه، روى البخاري عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يقبض الله الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض". وقال سفيان بن عيينة: كل ما وصف الله به نفسه في كتابه، فتفسيره تلاوته، والسكوت عليه، وقال ابن كثير: وقد وردت أحاديث متعلقة بهذه الآية، والطريق فيها وفي أمثالها مذهب السلف، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تحريف. وقال بعضهم: المعنى: والأرض جميعًا قبضته تعالى، يقبضها بشماله يوم القيامة، والسموات مطويات يطويها بيمينه، بدليل مقابلة السماء بالأرض، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يقبض الله السموات بيمينه، والأرضين بيده الأخرى، ثم يهزهن ويقول: أنا الملك أين ملوك الأرض". وفيه إشعار بطلاق اسم الشمال على اليد الأخرى، وهما صفتان ثابتتان لله تعالى، نثبتهما ونعتقدهما بلا تكييف ولا تمثيل، وخص يوم القيامة بالذكر، وإن كانت قدرته شاملة؛ لأن الدعاوى تنقطع فيه، كما قال تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ كما مر. وقرأ الجمهور (١): ﴿مَطْوِيَّاتٌ﴾ بالرفع، على أنها خبر المبتدأ، والجملة في محل نصب على الحال، كالتي قبلها، وقرأ عيسى والجحدري؛ بنصب ﴿مطويات﴾،

стр. 11387

ووجه ذلك: أن ﴿السموات﴾ معطوفة على ﴿وَالْأَرْضُ﴾، وتكون ﴿قَبْضَتُهُ﴾ خبرًا عن ﴿الأرضُ﴾ ﴿وَالسَّمَاوَاتُ﴾ وتكون ﴿مَطْوِيَّاتٌ﴾ حالًا أو تكون ﴿مطويات﴾ منصوبة بفعل مقدر، و ﴿بِيَمِينِهِ﴾ الخبر. ثم نزه سبحانه نفسه فقال: ﴿سُبْحَانَهُ﴾؛ أي: تنزيهًا له تعالى عن كل ما ينسبونه إليه من الصاحبة والولد، ﴿وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾؛ أي: وترفع عن شركة ما يشركونه به من المعبودات التي يعبدونها ويجعلونها شركاء له، مع هذه القدرة العظيمة، والحكمة الباهرة، أي: ما أبعد وما أعلى من هذه قدرته وعظمته عن إشراكهم، أو عما يشركونه به من الشركاء، فما على الأول مصدرية، وعلى الثاني موصولة. ٦٨ - ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾؛ أي: نفخ إسرافيل في الصور النفخة الأولى، التي هي للإماتة، فالمراد بها: النخفة الأولى، بقرينة النفخة الآتية، التي هي للبعث، والنفخ: نفخ الريح في الشيء، يقال: نفخ بفمه: أخرج منه الريح. والنفخ في القرآن على خمسة أوجه (١): الأول: نفخ جبرائيل ﵇ في حبيب مريم ﵍، كما قال تعالى: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾؛ أي: نفخ جبرائيل في الجيب بأمرنا، فسبحان من أحبل رحم امرأة، وأوجد فيها ولدًا بنفخ جبرائيل. والثاني: نفخ عيسى ﵇ في الطين، كما قال تعالى: ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وهو الخفاش، فسبحان من حول الطين طيرًا بنفخ عيسى ﵇. والثالث: نفخ الله تعالى في طين آدم ﵇، كما قال تعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾؛ أي: أمرت الروح بالدخول فيه، والتعلق به، فسبحان من أنطق لحمًا، وأبصر شحمًا، وأسمع عظمًا، وأحيا جسدًا بروح منه. والرابع: نفخ ذي القرنين الحديد في النار، كما قال تعالى حكاية عنه: ﴿قَالَ انْفُخُوا﴾ الآية، فسبحان من حول قطعة حديد نارًا بنفخ ذي القرنين.

стр. 11388

والخامس: نفخ إسرافيل ﵇ في الصور، كما قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ فسبحان من أخرج الأرواح من الأبدان بنفخ واحد، كما يطفأ السراج بنفخ واحد، وتوقد النار بنفخ واحد، وسبحان من ردّ الأرواح إلى الأبدان بنفخ واحد، وهذا كله دليل على قدرته التامة العامة. والصور: قرن من نور، ألقمه الله تعالى إسرافيل، وهو أقرب الخلق إلى الله تعالى، وله جناح بالمشرق وجناح بالمغرب، والعرش على كاهله، وإن قدميه قد خرجتا من الأرض السفلى، حتى بعدتا عنها مسيرة مائة عام، على ما رواه وهب، وعظم دائرة القرن، مثل ما بين السماء والأرض، وفي "الدرة الفاخرة" للإمام الغزالي: الصور: قرن من نور، له أربع عشرة دائرة، الدائرة الواحدة كاستدارة السماء والاْرض، فيه ثقب بعدد أرواح الخلائق، وباقي ما يتعلق بالنفخ والصور قد سبق في سورة الكهف والنمل، فارجع. وقرأ الجمهور (١): الصور، بسكون الواو، وقرأ قتادة وزيد بن علي: بفتحها، جمع صورة، قال ابن عطية: والصور هنا: القرن، ولا يتصور هنا غير هذا المعنى، ومن يقول: الصور: جمع صورة، فإنما يتوجه قوله في نفخة البعث، انتهى. ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: خرَّ (٢) وسقط ومات جميع من في السموات السبع، وجميع من في الأرضين السبعة؛ أي: خروا أمواتًا من الفزع وشدة الصوت. وقرىء: ﴿فصُعق﴾ بضم الصاد، والاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ متصل وهم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ﵈، فإنهم يموتون من بعد، قال السدي: وضم بعضهم إليهم ثمانية من حملة العرش، فيكون المجموع اثني عشر ملكًا، وآخرهم موتًا ملك الموت، وروى النقاش: أنه جبريل، كما جاء في الخبر: "إن الله تعالى يقول حينئذ: يا ملك الموت، خذ نفس إسرافيل، ثم يقول من بقي، فيقول: بقي جبريل وميكائيل وملك الموت، فيقول خذ نفس ميكائيل، حتى يبقى ملك الموت وجبرائيل، فيقول تعالى: مت يا ملك الموت، فيموت، ثم

стр. 11389

يقول يا جبرائيل من بقي، فيقول: تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام، وجهك الدائم الباقي وجبرائيل الميت الفاني، فيقول: يا جبرائيل لا بد من موتك، فيقع ساجدًا يخفق بجناحيه، فيموت، فلا يبقى في الملك والملكوت حي من إنس وجن، وملك وغيرهم، إلا الله الواحد القهار". وقال بعض المفسرين: المستثنى الحور والولدان وخزنة الجنة والنار وما فيهما؛ لأنهما وما فيهما خلقًا للبقاء، والموت لقهر المكلّفين، ونقلهم من دار إلى دار، ولا تكليف على أهل الجنة، فتركوا على حالهم بلا موت، وهذا الخطاب بالصعق: متعلق بعالم الدنيا، والجنة والنار عالمان بانفرادهما، خلقا للبقاء، فهما بمعزل عما خلق للفناء، فلم يدخل أهلهما في الآية، فتكون آية الاستثناء مفسرة لقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَه﴾ و ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ وغيرهما من الآيات، فلا تناقض. انتهى. قلت: وليس في القرآن ولا في صحيح الأخبار ما يدل على تعيين من استثناهم الله تعالى من الصعق والفزع، ومن ثم قال قتادة: لا ندري من هم. فإن قلت (١): فما الفرق بين الصعق الذي في هذه الآية، وبين الفزع الذي في آية النمل، وهي قوله تعالى ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾؟ قلت: لا شك أن الصعق بمعنى الموت غير الفزع، وكذا بمعنى الغشي، إذ ليس كل من له فزع مغشيًا عليه، هذا ما تيسر لي في هذا المقام، والله أعلم باسرار كتابه. ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ﴾؛ أي: في الصور نفخة ﴿أُخْرَى﴾؛ أي: غير الأولى، وهي النفخة الثانية، وهي نفخة البعث، ﴿فَإِذَا هُمْ﴾؛ أي: جميع الخلائق ﴿قِيَامٌ﴾ جمع قائم؛ أي (٢): قائمون من قبورهم على أرجلهم أو متوقفون، فالقيام بمعنى الوقوف والجمود في مكانهم لتحيرهم ﴿يَنْظُرُونَ﴾؛ أي يقلبون أبصارهم في الجوانب كالمبهوتين أو ينتظرون ماذا يُفعلُ بهم وقيل: ينظرون إلى السماء، كيف غيرت،

стр. 11390

وإلى الأرض كيف بدلت، وإلى الداعي كيف يدعوهم إلى الحساب، وإلى الآباء والأمهات كيف ذهبت شفقتهم عنهم، واشتغلوا بأنفسهم، وإلى خصمائهم ماذا يفعلون بهم. وقرأ الجمهور: ﴿قِيَامٌ﴾ بالرفع على أنه خبر و ﴿يَنْظُرُونَ﴾، في محل النصب على الحال وقرأ زيد بن علي بالنصب على أنه حال، والخبر ﴿يَنْظُرُونَ﴾ والعامل في الحال ما عمل في ﴿إِذَا﴾ الفجائية، قال الكسائي: كما تقول: خرجت فإذا زيد جالسًا. قال في "المدارك" (١): دلت الآية على أن النفخة اثنتان، الأولى: للموت والثانية: للبعث، والجمهور على أنها ثلاث، الأولى للفزع، كما قال: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ﴾، والثانية: للموت، والثالثة: للإعادة، انتهى. فإن كانت النفخة اثنتين يكون معنى ﴿فَصَعِقَ﴾: خروا أمواتًا، وإن كانت ثلاثًا يكون معناه: مغشيًا عليهم، فتكون هذه النفخة؛ أي: الثالثة بعد نفخة الإحياء يوم القيامة، كما ذهب إليه البعض، هذا والذي (٢) يظهر من "خريدة العجائب" أن نفخة الفزع هي أول النفخات، فإنه إذا وقعت أشراط الساعة، ومضت .. أمر الله صاحب الصور أن ينفخ نفخة الفزع، ويديمها ويطولها فلا يبرح كذا عامًا يزداد الصوت كل يوم شدةً، فيفزع الخلائق، وينحازون إلى أمهات الأمصار، وتعطل الرعاة السوائم، وتأتي الوحوش والسباع، وهي مذعورة من هول الصيحة، فتختلط بالناس، ويؤول الأمر إلى تغير الأرض والسماء عما هما عليه، وبين نفخة الفزع والنفخة الثانية أربعون سنة، ثم تقع النفخة الثانية والثالثة، وبينهما أربعون سنة، أو شهرًا أو يومًا أو ساعة. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما بين النفختين أربعون، قالوا: أربعون يومًا" قال أبو هريرة: أبيت، قالوا: أربعون شهرًا، قال أبو هريرة: أبيت، قالوا: أربعون سنةً، قال: أبيت، ثم ينزل من السماء ماء فينبتون، كما ينبت البقل، وليس من الإنسان شيء إلا يبلى، إلا عظم واحد، وهو عجيب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة، متفق عليه.

стр. 11391

قال الإِمام الغزالي ﵀: اختلف الناس في أمد المدة التي بين النفختين، فاستقر جمهورهم على أنها أربعون سنة، وحدّثني من لا أشك في علمه: أن أمد ذلك لا يعلمه إلا الله تعالى؛ لأنه من أسرار الربوبية، فإذا أراد الله إحياء الخلق يفتح خزانة من خزائن العرش، فيها بحر الحياة، فتمطر به الأرض، فإذا هو كمنيّ الرجال، بعد أن كانت عطشى فتحيى وتهتز، ولا يزال المطر عليها حتى يعمها، ويكون الماء فوقها أربعين ذراعًا، فإذا الأجسام تنبت من عجيب الذنب، وهو أول ما يخلق من الإنسان، بدىء منه، ومنه يعود، وهو عظم على قدر الحمصة، وليس له مخ، فإذا نبت كما نبت البقل .. تشتبك بعضها في بعض، فإذا رأس هذا على منكب هذا، ويد هذا على جنب هذا، وفخذ هذا على حجر، هذا لكثرة البشر، والصبي صبي والكهل كهل، والشيخ شيخ، والشاب شابّ، ثم تهب ريح من تحت العرش، فيها نار، فتنسف ذلك عن الأرض وتبقى الأرض بارزة مستوية، كأنها صحيفة واحدة، ثم يحيي الله سبحانه إسرافيل، فينفخ في الصور من صخرة بيت المقدس، فتخرج الأرواح لها دوي كدوي النحل، فتملأ الخافقين، ثم تذهب كل نفس إلى جثتها بإعلام الله تعالى، حتى الوحش والطير وكل ذي روح، فإذا الكل قيام ينظرون، ثم يفعل بهم ما يشاء . قلت: ولكن ليس فيما نقلنا من ذلك نص صريح، ولا حديث صحيح، كأنه من الإسرائيليات. والله أعلم. ٦٩ - ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ﴾؛ أي: صارت عَرجَات القيامة مشرقةً ومضيئةً، وذلك حين ينزل الله إلى كرسيه لفصل القضاء بين عباده؛ أي: أضاءت إضاءةً عظيمةً، حتى تميل إلى الحمرة، والمراد بالأرض: الأرض الجديدة التي يوجدها الله تعالى ذلك الوقت، ليحشر الناس عليها، وليس المراد بها أرض الدنيا؛ لقوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ﴾ ﴿بِنُورِ رَبِّهَا﴾؛ أي: عدل ربها؛ أي: بما أقام فيها من العدل، استعير له النور؛ لأنه يزين البقاع، ويظهر الحقوق، كما يسمى الظلم ظلمةً، وفي الحديث: "الظلم ظلمات يوم القيامة" يعني شدائده؛ يعني الظلم سبب لشدائد صاحبه، ولكون المراد بالنور العدل، أضيف الاسم الجليل إلى ضمير الأرض، فإن تلك الإضافة إنما تحسن إذا أريد به تزين الأرض بما ينشر فيها من الحكم والعدل، أو المعنى: أشرقت بنورٍ خلقه الله في الأرض يوم القيامة، بلا توسط أجسام مضيئة، كما في

стр. 11392

الدنيا، يعني: يشرق بذلك النور وجه الأرض المبدلة، بلا شمس ولا قمر ولا غيرهما من الأجرام المنيرة، ولكون المعنى ذلك أضيف النور إلى الاسم الجليل، وفي الحديث الصحيح: "يحشر الناس على أرض بيضاء عفراء، كقرصة النقي، ليس بها علم أحد". قرأ الجمهور: ﴿أشرقت﴾ مبنيًا للفاعل؛ أي: أضاءت، وقرأ ابن عباس وأبو الجوزاء وعبيد بن عمير: على البناء للمفعول، من شرقت بالضوء: تشرق إذا امتلأت به. ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾؛ أي: وضع الكتاب للحساب والجزاء، من وضع المحاسب كتاب المحاسبة بين يديه، أو صحائف الأعمال في أيدي العمال في الأيمان والشمائل، فآخذ بيمينه، وآخذ بشماله، واكتفي باسم الجنس عن الجمع، إذ لكل أحد كتاب على حدة، وقيل: المعنى: وضع الكتاب في الأرض بعدما كان في السماء، قال بعضهم: هذا على إطلاقه غير صحيح؛ لأن كتاب الأبرار في عليين، وكتاب الفجار في سجين، فالذي في السماء يوضع في الأرض حتى اللوح المحفوظ، وأما ما في الأرض فعلى حاله. ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ﴾؛ أي: جيء بهم إلى الموقف، فسئلوا عمّا أجابتهم به أممهم، ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾ الذين يشهدون على الأمم من أمة محمد ﷺ ، كما في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ وقيل: الشهداء للأمم، وعليهم من الحفظة والمؤمنين، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١)﴾ وقيل: المراد بالشهداء: الذين استشهدوا في سبيل الله، فيشهدون يوم القيامة لمن ذب عن دين الله تعالى، وفيه (١) إشارة إلى أن النبيين والشهداء إذا دعوا للقضاء والحكومة والمحاسبة فكيف يكون حال الأمم، وأهل المعاصي والذنوب. ﴿وَقُضِيَ﴾؛ أي: حكم ﴿بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: بين العباد ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بالعدل ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾؛ أي: والحال أنهم لا ينقصون من ثوابهم، ولا يزاد على ما يستحقونه من عقابهم؛ أي: لا يظلمون بنقص ثواب، وزيادة عقاب على ما جرى به

стр. 11393

الوعد والوعيد، ٧٠ - وكما فتح الآية بإثبات العدل .. ختمها بنفي الظلم، فقال ﴿وَوُفِّيَتْ﴾؛ أي: وفرت وأعطيت ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ من النفوس المكلفة ﴿مَا عَمِلَتْ﴾؛ أي: جزاء ما عملت من الخير والشر، والطاعة والمعصية. ﴿وَهُوَ﴾ تعالى ﴿أَعْلَمُ﴾ منهم ومن الشهداء ﴿بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ في الدنيا، لا يحتاج إلى كاتب ولا حاسب وشاهد، إذ هو خالق الأفعال، فلا يفوته شيء من أفعالهم، وإنما ﴿وضع الكتاب وجيءَ بالنبيين والشهداء﴾؛ لتكميل الحجة، وقطع المعذرة، قال ابن عباس ﵄: إذا كان يوم القيامة .. بدّل الله الأرض غير الأرض، وزاد في عرضها وطولها كذا وكذا، فإذا استقر عليها أقدام الخلائق، برهم وفاجرهم أسمعهم الله تعالى كلامه، يقول: "إن كتابي كانوا يكتبون ما أظهرتم، ولم يكن لهم علم بما أسررتم، فأنا عالم بما أظهرتم وبما أسررتم، ومحاسبكم اليوم على ما أظهرتم وعلى ما أسررتم، ثم أغفر لمن أشاء منكم". ٧١ - ثم ذكر سبحانه تفصيل ما ذكره من توفية كل نفس ما كسبت فقال: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مع إمامهم ومعبوداتهم ﴿إِلَى جَهَنَّمَ﴾ حال كونهم ﴿زُمَرًا﴾؛ أي: جماعة جماعةً متفرقةً بعضها إثر بعض؛ أي: سيقوا إليها بعد إقامة الحساب بأمر يسير من قبلنا، وذلك بالعنف والإهانة، حال كونهم أفواجًا متفرقة بعضها في إثر بعض، مترتبةً حسب ترتب طبقاتهم في الضلالة والشرارة، وتتلقاهم جهنم بالعبوسة، كما تلقوا الأوامر والنواهي والآمرين والناهين بمثل ذلك، ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾؛ أي: جاؤوا جهنم وقربوا إليها، و ﴿حَتَّى﴾ هذه (١) هي الابتدائية، التي تبتدِىء الجمل بعدها كما في "أبي السعود"، وجواب ﴿إِذَا﴾ قوله: ﴿فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾؛ أي: فتحت أبواب جهنم السبعة؛ ليدخلوها، كما قال تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ وفائدة (٢) إغلاقها إلى وقت مجيئهم: تهويل شأنها، وإيقاد حرّها، قال في "أسئلة الحكم": أهل النار يجدونها مغلقة الأبواب، كما هي حال السجون في الدنيا، فيقفون هنالك، حتى يفتح لهم إهانةً وتوبيخًا. يقول الفقير: هذا من قبيل العذاب الروحاني، وهو أشد من العذاب الجسماني، فليس وقوفهم عند الأبواب أولى لهم من تعجيل العذاب، يؤيده أن

стр. 11394

الكافر حين يطول قيامه في شدة وزحمة وهول، يقول: يا رب أرحني ولو كان بالنار، وفيه إشارة إلى الأوصاف الذميمة النفسانية السبعة، وهي الكبر والبخل والحرص والشهوة والحسد والغضب والحقد، فإنها أبواب جهنم، وكل من يدخل فيها لا بدّ له من أن يدخل من باب من أبوابها، فلا بد من تزكيتها وتخلية النفس عنها. ﴿وَقَالَ لَهُمْ﴾؛ أي: للذين كفروا ﴿خَزَنَتُهَا﴾؛ أي: خزنة جهنم وزبانيتها وحرّاسها تقريعًا، وتوبيخًا لهم، وزيادة في الإيلام والتوجيع، واحدها خازن، وهو حافظ الخزانة وما فيها، والمراد: حفظة جهنم وزبانيتها، وهم الملائكة الموكّلون بتعذيب أهلها ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾ أيها الكفرة ﴿رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾؛ أي: من جنسكم، آدميون مثلكم؛ ليسهل عليكم مراجعتهم وفهم كلامهم. وقرىء: ﴿نذر﴾، كما في "المراح" ﴿يَتْلُونَ﴾؛ أي: يتلو أولئك الرسل، ويقرؤون ﴿عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾ التي أنزلها عليهم؛ لتبليغها إليكم ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ﴾؛ أي: يخوفونكم ﴿لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾؛ أي: لقاء وقتكم هذا، وهو وقت دخولهم النار، لا يوم القيامة، وذلك لأن الإضافة اللامية تفيد الاختصاص، ولا اختصاص ليوم القيامة بالكفار، وقد جاء استعمال اليوم والأيام مستفيضًا في أوقات الشدة، فلذلك حمل على الوقت. وفيه دليل على أنه لا تكليف قبل الشرع، من حيث أنهم علّلوا توبيخهم بإتيان الرسل وتبليغ الكتب، فأجابوا بالاعتراف، ولم يقدروا على الجدل الذي كانوا يتعلّلون به في الدنيا؛ لانكشاف الأمر وظهوره، ولهذا ﴿قَالُوا بَلَى﴾ قد أتونا، وتلوا علينا، وأنذرونا، فأقرّوا في وقت لا ينفعهم الإقرار والاعتراف ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ﴾ ووجبت ﴿كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ وهي قوله تعالى لإبليس: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)﴾ وقد كنا ممن تبع إبليس، فكذبنا الرسل، وقلنا ما نزل الله من شيء، إن أنتم إلا تكذبون. ومعنى الآية: أي وسيق الكافرون بربهم، المشركون به الأصنام والأوثان، إلى جهنم سوقًا عنيفًا، أفواجًا متفرقةً بعضها في إثر بعض، بحسب ترتب طبقاتهم في الضلال والشرُّ، بزجرٍ وتهديدٍ ووعيدٍ، كما يساق المجرمون في الدنيا إلى السجون جماعاتٍ جماعات، مع الإهانة والتحقير على ضروب شتى، ونحو الآية قوله: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣)﴾؛ أي: يدفعون إليها دفعًا. ﴿إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾؛ أي: حتى إذا وصلوا إليها .. فتحت لهم

стр. 11395

أبوابها سريعًا؛ ليدخلوها، كأبواب السجون، لا تزال مغلقة حتى يأتي أرباب الجرائم، الذين يسجنون فيها، فتفتح؛ ليدخلوها، فإذا دخلوها .. أغلقت عليهم. ثم ذكر سؤال الخزنة لهم على طريق التوبيخ والإهانة، فقال: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ إلخ؛ أي: ألم يأتكم رسل من جنسكم، تفهمون ما ينبئونكم به من طاعة ربكم، والاعتراف بوحدانيته، وترك الشرك به، ويسهل عليكم مراجعتهم حين يقيمون عليكم الحجج والبراهين، مبينين صدق ما دعوكم إليه، وينذرونكم أهوال هذا اليوم، فأجابوهم معترفين، ولم يقدروا على الجدل الذي كانوا يتعللون به في الدنيا، لوضوح السبل أمامهم، ولا سبيل حينئذ إلى الإنكار والجحود، قالوا: بلى، قد أتانا رسل ربنا، فأنذرونا وأقاموا الحجج والبراهين، ولكنا كذبناهم وخالفناهم، لما سبق لنا من الشقوة والضلالة، فعدلنا بسوء اختيارنا عن الحق إلى الباطل، وفعلنا الشر دون الخير، وعبدنا ما لا يضر ولا ينفع، وتركنا عبادة الواحد القهار، ونحو الآية قوله: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩)﴾. ٧٢ - وبعد أن اعترفوا هذا الاعتراف ﴿قِيلَ﴾ لهم؛ أي: قالت لهم الملائكة الموكلون بعذابهم ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ التي قد فتحت لكم، فتدخلوها حالة كونكم ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾؛ أي: ماكثين فيها أبدا؛ أي: مقدرًا خلودكم فيها مدة لا نهاية لها، ولا خروج لكم منها، ولا زوال لكم عنها. وفيه (١): إشارة إلى أن الحكمة الإلهية اقتضت إظهارًا لصفة القهر، أن يخلق النار، ويخلق لها أهلًا، كما أنه تعالى خلق الجنة، وخلق لها أهلًا، إظهارًا لصفة اللطف، فلهذه الحكمة قيل: في الأزل قهرًا وقسرًا: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾، وهي الصفات الذميمة السبع التي مرّ ذكرها، خالدين فيها، بحيث لا يمكن الخروج من هذه الصفات الذميمة بتبديلها، كما يخرج المتقون منها. ﴿فَبِئْسَ﴾ وقبح ﴿مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾؛ أي: منزل المتكبرين عن الإيمان والطاعة والحق، والمخصوص بالذم

стр. 11396

محذوف وجوبًا، تقديره: بئس مثواهم جهنم. والمعنى: أي فبئس المصير، وبئس المقيل لكم، بسبب تكبّركم في الدنيا، وإبائكم عن اتباع الحق، فهو الذي صيّركم إلى ما أنتم فيه، فبئس الحال وبئس المآل. و ﴿اللام﴾: فيه للجنس، ولا يقدح ما فيه من الإشعار بأن كون مثواهم جهنم، لتكبرهم عن الحق، مع أن دخولهم النار بسبق كلمة العذاب عليهم، فإنها إنما حقت عليهم بناءً على تكبرهم وكفرهم، فتكبرهم وسائر مقابحهم مسببة عن ذلك السبق، وفيه (١) إشارة إلى أن العصاة صنفان، صنف منهم متكبرون، وهم المصرون متابعو إبليس، فلهم الخلود في النار، وصنف منهم متواضعون، وهم التائبون متابعو آدم، فلهم النجاة، وبهذا الدليل ثبت أن ليس ذنب أكبر بعد الشرك من الكبر، بل الشرك أيضًا يتولد من الكبر، كما قال تعالى: ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. ٧٣ - ولما ذكر فيما تقدم حال الذين كفروا وسوقهم إلى جهنم .. ذكر هنا حال المتقين، وسوقهم إلى الجنة، فقال: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ﴾؛ أي: ساقتهم الملائكة سوق إعزاز وتشريف وتكريم بلا تعب ولا نصب، بل بروح وطرب للإسراع إلى دار الكرامة، وذلك قبل الحساب، أو بعده يسيرًا أو شديدًا، وهو الموافق لما قبل الآية من قوله: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ حال كونهم ﴿زُمَرًا﴾؛ أي: جماعات متفاوتين حسب تفاوت مراتبهم في الفضل وعلو الطبقة، والمراد: المتقون عن الشرك، فهؤلاء عوام أهل الجنة، وفوق هؤلاء من قال الله تعالى فيهم: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وفوقهم من قال فيهم: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾. والمعنى (٢): أي وسيق المتقون إلى الجنة جماعة إثر جماعة على النجائب، وفودًا إلى الجنة، المقربون فالأبرار ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، كل طائفة منهم مع من يشاكلهم، الأنبياء مع الأنبياء، والصدّيقون مع أشكالهم، والشهداء مع أضرابهم، والعلماء مع أقرانهم.

стр. 11397

والمراد بالسوق هنا: الإسراع بهم إلى دار الكرامة والرضوان، كما يفعل بمن يكرم من الوافدين على بعض الملوك، وبالسوق المتقدم: طردهم إلى العذاب والهوان، كما يفعل بالأسير إذا سيق إلى الحبس أو القتل، فشتان ما بين السوقين. ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾؛ أي: الجنة ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ وقرأ الكوفيون: ﴿وَفُتِحَتْ﴾ بالتخفيف؛ أي: والحال أنه قد فتحت أبوابها الثمانية قبل مجيئهم؛ لئلا يصيبهم وصب الانتظار، مع أن دار الفرح والسرور لا تغلق للأضياف والوافدين باب الكرم، فـ ﴿الواو﴾: واو الحال، وجواب ﴿إذا﴾ محذوف دل عليه السياق، والتقدير؛ أي: حتى إذا وصلوا إليها، وقد فتحت لهم أبوابها قبل مجيئهم، كما تفتح الخدم باب المنزل للضيف قبل قدومه، وتقف منتظرةً حضوره فرحًا بمقدمه، فرحوا بما أفاء الله به عليهم من النعيم، وبما شاهدوا مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فإن قلت (١): يرد على كون أبواب الجنان مفتحةً لهم قبل مجيئهم إليها، قوله ﷺ : "أنا أول من يستفتح باب الجنة". قلت: قد حصل الفتح المقدم على الوصول بدعوته ﷺ الاستفتاح، ولو لم يكن دعاؤه قد سبق .. لما فتحت، ثم تبقى الأبواب بدعائه مفتوحةً ببركة دعائه المقدم على ذلك، وفي الحديث: "أنا أول من يقرع باب الجنة، والجنة محرمة على جميع الأمم، حتى أدخلها أنا وأمتي، الأول فالأول". وقيل: تقدير الجواب: حتى إذا جاؤوها، وقد فتحت أبوابها .. كان ما كان مما يقصر عنه البيان. وفي "الخازن": فإن قلت (٢): قال في أهل النار: ﴿فُتِحَتْ﴾ بغير واو، وهنا زاد حرف ﴿الواو﴾ فما الفرق بين الموضعين؟ قلت: فيه وجوه: أحدها: أنها زائدة عند الأخفش والكوفيين، وهو خطأ عند البصريين؛ لأن

стр. 11398

الواو من حروف المعاني، فلا تزاد عندهم، وزيدت الواو على القول بزيادتها للإيذان بأنها كانت مفتحةً قبل مجيئهم إليها، وحذفت الواو في الآية الأولى؛ لبيان أن أبواب جهنم كانت مغلقة قبل مجيئهم إليها، والحكمة في ذلك: أن الجنة إذا جاؤوها، ووجدوا أبوابها مفتحة .. حصل لهم السرور والفرح بذلك، وأهل النار إذا رأوها مغلقة .. كان ذلك نوع ذل وهوان لهم. والثاني: أنها واو الحال، بتقدير: قد؛ أي: حتى إذا جاؤوها وقد فتحت، أبوابها فرحوا بها، كما مر في حلنا. والثالث: أنها واو الثمانية، زيدت هنا لبيان أن أبواب الجنة ثمانية، ونقصت فيما سبق؛ لأن أبواب جهنم سبعة، والعرب تعطف فيما فوق السبعة، تقول ستة سبعة وثمانية وتسعة، وفيه أن واو الثمانية غير مطردة مقصورة على السماع. فإن قلت: على هذا إن قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ شرط، فأين جوابه؟ قلت: فيه وجوه: أحدها: أنه محذوف، والمقصود أن يدل على أنه بلغ من الكمال إلى حيث لا يمكن ذكره، ولا يحتاج إلى ذكره. والثاني: أن الجواب هو قوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ بجعل ﴿الواو﴾ فيه زائدةً. والثالث: الجواب محذوف دل عليه قوله: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ والتقدير: حتى إذا جاؤوها، وفتحت أبوابها، وقال لهم خزنتها: سلام عليكم، طبتم فادخلوها خالدين، دخلوها، فحذف دخلوها لدلالة الكلام عليه. قلت: والأوضح الأخصر: أن تكون ﴿الواو﴾ في قوله: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ عاطفة على جواب محذوف، دل عليه السياق، والتقدير: حتى إذا جاؤوها فرحوا بمجرد رؤيتها، وفتحت لهم أبوابها ازديادًا في سرورهم، وقال لهم خزنتها: سلام علكيم إلخ. تكرمةً لهم، والله أعلم بمراده في كتابه. فائدة: في ذكر أحاديث مناسبة للآية:

стр. 11399

منها: ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ما منكم أحد يتوضأ، فيسبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد عبده ورسوله .. إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء" أخرجه مسلم وغيره. وروي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على ضوء أشد كوكب دري في السماء إضاءة". وأخرج الشيخان وغيرهما عن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: "في الجنة ثمانية أبواب، منها: باب يسمى الريان، لا يدخله إلا الصائمون". وقد ثبت كون أبواب الجنة ثمانية بالأحاديث الصحيحة، منها: ما ذكر آنفًا، ومنها: قوله ﷺ : "إن للجنة لثمانية أبواب، ما منها بابان إلا بينهما يسير الراكب سبعين عامًا، وما بين كل مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين سنة". وفي رواية: "كما بين مكة وبصرى". وكون أبواب جهنم سبعة فمذكور بقوله تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾. ثم أخبر سبحانه أن خزنة الجنة يسلمون على المؤمنين، فقال: ﴿وَقَالَ لَهُمْ﴾؛ أي: للمتقين عند دخولهم الجنة ﴿خَزَنَتُهَا﴾؛ أي: حفظة الجنة، رضوان وغيره من الملائكة: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ من جميع المكاره والآلام، فلا يعتريكم مكروه، وهذا لعوام أهل الجنة، وأما خواصهم، فيقول الله لهم: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾. فإن السلام في الجنة من وجوه: فالسلام الأول: وإن كان سلام الله، ولكن بالواسطة. والثاني: سلام خاص بلا واسطة بعد دخولهم الجنة ﴿طِبْتُمْ﴾ نفسًا بما أتيح لكم من النعيم المقيم، وقد يكون المعنى: طبتم في الدنيا، فلم تدنسوا أنفسكم بالشرك والمعاصي، وطاب سعيكم وطاب جزاؤكم ﴿فَادْخُلُوهَا﴾؛ أي: الجنة حالة كونكم ﴿خَالِدِينَ﴾ فيها؛ أي: ماكثين فيها أبدًا، لا زوال ولا فناء ولا تحول عنها. و ﴿الفاء﴾: للدلالة على أن طيبهم سبب لدخولهم وخلودهم، سواء كان طيبًا بعفو أو بتعذيب، إذ كل منهما مطهر، وإنما طهر ظاهرهم؛ لحسن إقرارهم

стр. 11400

وأعمالهم البدنية، وباطنهم؛ لحسن نياتهم وعقائدهم. وعن علي بن أبي طالب ﵁ إذا سيقوا إلى الجنة فإذا انتهوا إليها .. وجدوا عند بابها شجرة، يخرج من تحتها عينان، فيغتسل المؤمن من أحدهما فيطهر ظاهره، ويشرب من الأخرى فيطهر باطنه، وتتلقاهم الملائكة على أبواب الجنة، يقولون: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾. ٧٤ - ﴿وَقَالُوا﴾؛ أي: وقال المؤمنون إذا عاينوا ذلك النعيم المقيم، والعطاء العظيم في الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ بالبعث والثواب بالجنة؛ أي: صدقنا وأعطانا ما وعدنا به على ألسنة رسله الكرام، كما دعوا بذلك في الدنيا، وقالوا: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وقالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ معطوف على الصلة؛ أي (١): أورثنا وأعطانا أرض الجنة، يريدون المكان الذي استقروا فيه من أرض الجنة، على الاستعارة، وإيراثها: إعطاؤها وتمليكها، مخلفةً عليهم من أعمالهم، أو تمكينهم من التصرف فيما فيها تمكين الوارث فيما يرثه، كأنها صارت من غيرهم إليهم، فملكوها وتصرفوا فيها، وقيل: إنهم ورثوا الأرض التي كانت لأهل النار، لو كانوا مؤمنين، قاله أكثر المفسرين، وقيل: إنها أرض الدنيا، وعلى هذا: ففي الكلام تقديم وتأخير، وقيل: أورثنا من آدم؛ لأنها كانت في أول الأمر له لقوله تعالى: ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ فلما عادت إلى أولاده .. كان ذلك إرثًا لهم منه. اهـ شيخنا. حالة كوننا ﴿نَتَبَوَّأُ﴾ ونتخذ ﴿مِنَ الْجَنَّةِ﴾ منازل ﴿حَيْثُ نَشَاءُ﴾؛ أي: يتبوأ كل واحد منا في أي مكان أراده من جنته الواسعة، لا من جنة غيره، على أن فيها مقاماتٍ معنوية، لا يتمانع واردوها، كما قال في "التفسير الكبير": قال حكماء الإِسلام: الجنة نوعان: جسمانية، وروحانية، فالجنات الجسمانية: لا تحتمل المشاركة، وأما الروحانية: فحصولها لواحد لا يمنع حصولها لآخر، انتهى. وقيل: معنى ﴿حَيْثُ نَشَاءُ﴾ أن أمة محمد ﷺ يدخلون الجنة قبل الأمم،

стр. 11401

فينزلون فيها حيث شاؤوا؛ أي: يتخير كل واحد منهم أين ينزل تكرمةً له، وإن كان لا يختار إلا ما قسم له، وأما بقية الأمم، فيدخلون بعد أمة محمد ﷺ ، فينزلون فيما فضل عنهم، اهـ "خازن" و"خطيب". والمعنى (١): أي وجعلنا نتصرف في أرض الجنة تصرف الوارث فيما يرث، فنتخذ منها مباءةً ومسكنًا حيث شئنا، قال تعالى: ﴿فَنِعْمَ﴾ وحسن ﴿أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾؛ أي ثواب المطيعين في الدنيا الجنة في العقبى، وقيل: من تمام قول أهل الجنة، والمعنى عليه؛ أي: فنعم الأجر أجرنا على عملنا، وثوابنا الذي أعطيتنا، والمخصوص بالمدح الجنة. ٧٥ - ولما ذكر ما أعطيه المؤمنون من الدرجات .. أتبعه بذكر أهل الكرامات الذين لا شاغل لهم عن العبادات، وبيان مستقرهم في الجنة، وهم الملائكة، فقال صارفًا الخطاب لأشرف الخلق؛ لأنه لا يقوم بحق هذه الرؤية غيره: ﴿وَتَرَى﴾ يا محمد في ذلك اليوم ﴿الْمَلَائِكَةَ﴾؛ أي: القائمين بجميع ما عليهم من الحقوق، حالة كونهم ﴿حَافِّينَ﴾؛ أي: محدقين ﴿مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾؛ أي: حوله، و ﴿مِن﴾: مزيدة، أو لابتداء الحفوف، يقال: حفوا حوله حفوفًا: طافوا به واستداروا حوله، ومنه الآية؛ أي: تراهم يا محمد أو أيها المخاطب، الملائكة حالة كونهم محيطين بجوانب العرش، التي يمكن الحفوف بها، فيسمع لحفوفهم صوت التسبيح والتمجيد والتقديس، وإدخال ﴿مِن﴾: يفهم أنهم مع كثرتهم إلى حد لا يحصيه إلا الله، لا يملؤون حوله، وهذا أولى من قول البيضاوي: إن ﴿مِن﴾ زائدة. اهـ "خطيب"؛ أي: فهي ابتدائية، كما حكاه البيضاوي أيضًا، حالة كونهم ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ الجملة: حال ثانية، أو مقيدة (٢) للأولى؛ أي: ينزهونه تعالى عما لا يليق به حال كونهم متلبسين بحمده، ذاكرين له بوصفي جلاله وإكرامه، تلذذًا به، يعني: يقولون: سبحان الله وبحمده، تلذذًا لا تعبدًا وتكليفًا؛ لأن التكليف يزول في ذلك اليوم، وذلك يشعر بأن ثوابهم هو عين ذلك التسبيح، وأفهم أن منتهى درجات العلّيين، ولذاتهم، الاستغراق في صفاته تعالى، اهـ "كرخي".

стр. 11402

والمعنى (١): أي ترى يا محمد، أو أيها الرائي، الملائكة محيطين بجوانب العرش، قائمين بجميع ما يطلب منهم، فيسمع لحفوفهم صوت التسبيح والتقديس، ويصلون حول العرش شكرًا لربهم، وتنزيهًا له عن كل نقص. ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: حكم بين العباد ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بالعدل، بإدخال بعضهم الجنة، وبعضهم النار، أعاذنا الله منها، أو بين الملائكة، بإقامتهم في منازلهم على حسب تفاضلهم في درجاتهم، والأول أولى. ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: على ما قضى بيننا بالحق، وأنزل كلا منا منزلته التي هي حقه، والقائلون (٢): هم المؤمنون، حمدوا الله على قضائه بينهم، وبين أهل النار بالحق، وقيل: القائلون: هم الملائكة، حمدوا الله تعالى على عدله في الحكم، وقضائه بين عباده بالحق، والمقصود من هذا الإبهام: التنبيه على أن خاتمة كلام العقلاء في الثناء على حضرة ذي الجلال والكبرياء، ليس إلا أن يقولوا: الحمد لله رب العالمين. والمعنى: أي وختمت خاتمة القضاء بينهم، بالشكر للذي بدأ خلقهم، وصورهم فأحسن صورهم، ومن له ملك السموات والأرض وما بينهما من المخلوقات، التي لا يعلم عددها إلا هو، وقد بدأ سبحانه هذه الآية بالحمد، وختمها بالحمد للتنبيه إلى تحميده، في بداية كل أمر ونهايته. وقال قتادة: افتتع الخلق بالحمد في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ واختتم بالحمد في قوله ﵎ ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾. وعلم مما ذكر: أنهم يقدمون التسبيح على التحميد، فالتسبيح: عبارة عن إقرارهم بكونه تعالى موصوفًا بصفات الإكرام، ثم إن جوانب العرش ملاصقة لجوانب الجنة، فالمؤمنون والملائكة يصيرون متوافقين على الاستغراق في تحميد الله تعالى وتمجيده وتسبيحه، فكان ذلك سببًا لمزيد التذاذهم، والله تعالى أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

стр. 11403

الإعراب ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤)﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد - صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم -، والجملة: مستأنفة مسوقة لبيان: أن الإنابة مطلوبة؛ لأن الفسحة عظيمة للمسرف. ﴿يَا عِبَادِيَ﴾: منادى مضاف إلى ياء المتكلم المفتوحة، وقرىء ﴿يا عباد﴾ بحذفها. ﴿الَّذِينَ﴾ نعت لـ ﴿عِبَادِيَ﴾. ﴿أَسْرَفُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿أَسْرَفُوا﴾ ﴿لَا﴾: ناهية. ﴿تَقْنَطُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية. ﴿مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿تَقْنَطُوا﴾، والجملة الفعلية: في محل النصب وقول ﴿قُلْ﴾ على كونها جواب النداء. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، ﴿يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على ﴿اللَّهَ﴾، ومفعول به، ﴿جَمِيعًا﴾: حال من ﴿الذُّنُوبَ﴾، والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل النهي عن القنوط. ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه، ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل، أو مبتدأ ﴿الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ خبران لـ ﴿إنَّ﴾ أو لـ ﴿هُوَ﴾، والجملة: خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل غفران الله الذنوب جميعًا. ﴿وَأَنِيبُوا﴾: فعل أمر وفاعل. ﴿إِلَى رَبِّكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿أَنِيبُوا﴾، والجملة: معطوفة على جملة قوله: ﴿لَا تَقْنَطُوا﴾. ﴿وَأَسْلِمُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿وَأَنِيبُوا﴾، ﴿لَهُ﴾: متعلق بـ ﴿أَسْلِمُوا﴾. ﴿مِنْ قَبْلِ﴾: جار ومجرور حال من واو الفاعل في الفعلين، ﴿أن﴾ حرف مصدر ﴿أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ فعل ومفعول وفاعل، منصوب بـ ﴿أن﴾ المصدرية وجملة ﴿أن﴾ المصدرية في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه؛ أي: من قبل إتيان العذاب إياكم. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب مع التراخي. ﴿لَا﴾: نافية، ﴿تُنْصَرُونَ﴾: فعل مغير ونائب فاعل، والجملة: معطوفة على جملة ﴿أَنْ يَأْتِيَكُمُ﴾: على كونها مضافًا إليه للظرف؛ أي: من قبل إتيان العذاب إياكم، ثم عدم نصركم. ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥)﴾.

стр. 11404

﴿وَاتَّبِعُوا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿اتبعوا﴾: فعل أمر وفاعل معطوف على ﴿أَنِيبُوا﴾. ﴿أَحْسَنَ﴾: مفعول به، وهو مضاف و ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل الجر مضاف إليه ﴿أُنْزِلَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله: ضمير يعود على ﴿مَا﴾ ﴿إِلَيْكُمْ﴾: متعلق به ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿أُنْزِلَ﴾ أيضًا، والجملة: صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة. ﴿مِنْ قَبْلِ﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿اتَّبِعُوا﴾، وجملة ﴿أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾: في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه. ﴿بَغْتَةً﴾: حال من ﴿الْعَذَابُ﴾؛ أي: باغتًا. ﴿وَأَنْتُمْ﴾ ﴿الواو﴾: حالية. ﴿أنتم﴾: مبتدأ، وجملة ﴿لَا تَشْعُرُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية: في محل النصب حال من ضمير المخاطبين. ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧)﴾. ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾: فعل وفاعل، منصوب بـ ﴿أَن﴾ المصدرية، والجملة: في تأويل مصدر منصوب على أنه مفعول لأجله، ولكنه على تقدير مضاف، والتقدير: واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم، كراهية قول نفس، أو مخافة قول نفس. ﴿يَا حَسْرَتَا﴾: ﴿يا﴾: حرف نداء، ﴿حَسْرَتَا﴾: منادى مضاف، منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، المنقلبة ألفًا للتخفيف ﴿حسرة﴾ مضاف، وياء المتكلم المنقلبة ألفًا للتخفيف؛ في محل الجر مضاف إليه، وجملة النداء: في محل النصب مقول لـ ﴿تَقُولَ﴾. ﴿عَلَى﴾ حرف جر ﴿مَا﴾: مصدرية. ﴿فَرَّطْتُ﴾: فعل وفاعل، ﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿فَرَّطتُ﴾، وجملة ﴿فَرَّطْتُ﴾: صلة ﴿مَا﴾ المصدرية ﴿مَا﴾ مع صلتها: في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿عَلَى﴾ تقديره: على تفريطي في جنب الله، الجار والمجرور: متعلق بـ ﴿حسرتى﴾. ﴿وَإِنْ كُنْتُ﴾: ﴿الواو﴾: حالية ﴿إن﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها: ضمير الشأن، تقديره: وإنه ﴿كُنْتُ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿من الساخرين﴾: جار ومجرور خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾: في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ المخففة، وجملة ﴿إن﴾ المخففة: في محل النصب حال من فاعل ﴿فَرَّطْتُ﴾؛ أي: حال كوني من الخاسرين. ﴿أَوْ﴾: حرف عطف وتفصيل. ﴿تَقُولَ﴾: معطوف على ﴿تَقُولَ﴾ الأول، منصوب بـ ﴿أَن﴾ المصدرية، وفاعله: ضمير مستتر يعود على ﴿نَفْسٌ﴾. ﴿لَوْ﴾: حرف شرط. ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه. ﴿هَدَانِي﴾: فعل وفاعل مستتر

стр. 11405

ونون وقاية ومفعول به، والجملة الفعلية: في محل الوفع خبر ﴿أنَّ﴾ وجملة ﴿أنَّ﴾: في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية لفعل محذوف، وقع شرطًا لـ ﴿لو﴾ الشرطية، والتقدير: لو ثبت هداية الله إياي .. ﴿لَكُنْتُ﴾: ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لَّوْ﴾ الشرطية. ﴿كنت﴾ فعل ناقص واسمه. ﴿مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾: خبره، وجملة ﴿كان﴾: جواب ﴿لَّوْ﴾ الشرطية، لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَّوْ﴾ الشرطية: في محل النصب مقول ﴿تَقُولَ﴾. ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٥٩)﴾. ﴿أَوْ تَقُولَ﴾: معطوف على ﴿تَقُولَ﴾ الأول ﴿حِينَ﴾: منصوب على الظرفية الزمانية، متعلق بـ ﴿تَقُولَ﴾، ﴿تَرَى الْعَذَابَ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به، ورأى هنا: بصرية، تتعدى لمفعول واحد، والجملة الفعلية: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿حِينَ﴾. ﴿لَوْ﴾ حرف تمنٍّ، ﴿أَنَّ﴾: حرف نصب، ﴿لِي﴾: خبرها مقدم على اسمها. ﴿كَرَّةً﴾: اسمها مؤخر، وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لفعل محذوف، تقديره: أتمنى كون كرة لي إلى الدنيا. ﴿فَأَكُونَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿أَكُونَ﴾: فعل مضارع ناقص منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد ﴿الفاء﴾ العاطفة على اسم خالص؛ لأنها عطفت مصدرًا مؤولًا على اسم خالص، واسمها: ضمير يعود على ﴿نَفْسٌ﴾. ﴿مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾: خبرها، وجملة ﴿أَنَّ﴾: في تأويل مصدر معطوف على ﴿كَرَّةً﴾؛ أي: لو أن لي كرة فكوني من المحسنين، أو ﴿الفاء﴾: عاطفة سببية ﴿أَكُونَ﴾ فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد ﴿الفاء﴾ السببية الواقعة في جواب التمنى، وجملة ﴿أَكُونَ﴾: في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الجملة التي قبلها من غير سابك لإصلاح المعنى، تقديره: أتمنى كون كرة لي، فكوني من المحسنين. والفرق بين الوجهين: أنه على الأول يكون من جملة المتمني، ويكون إضمار ﴿أَنْ﴾ جائزًا، لا واجبًا، وعلى الثاني: يكون مترتبًا على التمني، ويكون إضمار ﴿أَنْ﴾ واجبًا. اهـ شيخنا. ﴿بَلَى﴾: حرف جواب، ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿جَاءَتْكَ آيَاتِي﴾: فعل ومفعول به وفاعل، والجملة الفعلية: جملة جوابية، لا محل لها من الإعراب. ﴿فَكَذَّبْتَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿كذبت﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿جَاءَتْكَ﴾. ﴿بِهَا﴾: متعلق

стр. 11406

به. ﴿وَاسْتَكْبَرْتَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿كذبت﴾، ﴿وَكُنْتَ﴾: فعل ناقص واسمه ﴿مِنَ الْكَافِرِينَ﴾: خبره، وجملة ﴿كان﴾: معطوفة على جملة ﴿كذبت﴾. فائدة: ألف الفصل تزاد بعد واو الجماعة، مخافة التباسها بواو النسق، مثل: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾، ومثل ﴿كَفَرُواْ﴾، و ﴿رُدُّواْ﴾ ألا ترى أنهم لو لم يدخلوا الألف بعد الواو، ثم اتصلت بكلام بعدها .. ظنّ القارىء أنها كفر، ورد، فحيزت الواو لما قبلها بألف الوصل، ولما فعلوا ذلك في الأفعال التي تنقطع واوها من الحروف قبلها، نحو ساروا، وجاؤوا فعلوا ذلك في الأفعال التي تتصل واوها بالحروف قبلها. نحو كانوا وباتوا؛ ليكون حكم هذه الواو في كل موضع حكمًا واحدًا، اهـ "إعراب القرآن". ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠)﴾. ﴿وَيَوْمَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: ظرف زمان متعلق بـ ﴿تَرَى﴾. ﴿تَرَى الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على محمد، أو على أي مخاطب، ومفعول به، والجملة الفعلية: مستأنفة. ﴿كَذَبُوا﴾: فعل وفاعل، صلة الموصول. ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿كَذَبُوا﴾. ﴿وُجُوهُهُمْ﴾: مبتدأ. ﴿مُسْوَدَّةٌ﴾: خبر، والجملة الاسمية: في محل النصب حال من الموصول. ﴿أَلَيْسَ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التقريري؛ لأنها دخلت على النفي، ونفي النفي: إثبات، فصار تقريريًا. ﴿فِي جَهَنَّمَ﴾: خبر ﴿ليس﴾: مقدم. ﴿مَثْوًى﴾: اسمها مؤخر. ﴿لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾: صفة لـ ﴿مَثْوًى﴾، وجملة ﴿ليس﴾: جملة إنشائية، لا محل لها من الإعراب، مسوقة لتعليل اسوداد وجوههم، كأنه قال: لأن لهم في جهنم مقرًا ومقامًا. اهـ شيخنا. ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١)﴾. ﴿وَيُنَجِّي﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة: مستأنفة. ﴿اتَّقَوْا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿يُنَجِّي﴾، ﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾: فعل ومفعول به وفاعل، والجملة الفعلية: مفسرة للمفازة، لا محل لها من الإعراب، كأنه قيل: ما مفازتهم؟ فقيل: لا يمسهم السوء. ﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لا﴾: نافية ﴿هُمْ﴾: مبتدأ وجملة

стр. 11407

﴿يَحْزَنُونَ﴾: خبره، والجملة: معطوفة على جملة ﴿لَا يَمَسُّهُمُ﴾ على كونها مفسرة، ويمكن أن تكون حالًا من الذين اتقوا، و ﴿الواو﴾: حينئذ واو الحال، وأجاز الزمخشري أن تكون مستأنفة. ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾. ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾: خبر ومضاف إليه، والجملة الاسمية: مستأنفة. ﴿وَهُوَ﴾: مبتدأ، ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾: متعلق بـ ﴿وَكِيل﴾، و ﴿وَكِيل﴾: خبر ﴿هُوَ﴾، والجملة: مستأنفة ﴿لَهُ﴾: خبر مقدم. ﴿مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، والجملة مستأنفة أيضًا. ﴿وَالَّذِينَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿الذين﴾: مبتدأ أول، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾: صلة الموصول، ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿كَفَرُوا﴾. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ ثان، ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل. ﴿الْخَاسِرُونَ﴾: خبر للمبتدأ الثاني، وجملة المتبدأ الثاني، مع خبره: خبر المبتدأ الأول، وجملة المبتدأ الأول مع خبره معطوفة على جملة قوله: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ عطف أحد المتقابلين على الآخر، ولا يمنع من هذا العطف كون المعطوف جملةً اسمية، والمعطوف عليه جملة فعليه. ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤)﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر، والجملة: مستأنفة. ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: قل يا محمد، لمشركي قومك: أتدعونني إلى عبادة آلهتهكم، فتأمرونني أن أعبد غير الله ﴿غيرَ اللهِ﴾: مفعول مقدم لـ ﴿أَعْبُدُ﴾، ﴿تَأْمُرُونِّي﴾: فعل وفاعل ونون وقاية ومفعول به مرفوع، وعلامة رفعة النون المدغمة في نون الوقاية، والجملة الفعلية: معطوفة على تلك المحذوفة، على كونها معترضة بين الفعل ومفعوله، والجملة المحذوفة: مقول لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿أَعْبُدُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر، وجملة ﴿أَعْبُدُ﴾: في تأويل مصدر بأن المصدرية المقدرة، منصوب على كونه مفعولًا ثانيًا لـ ﴿تَأْمُرُونِّي﴾، والتقدير: أتدعونني إلى عبادة آلهتكم، فتأمرونني عبادة غير الله سبحانه. ﴿أَيُّهَا﴾: ﴿أي﴾: منادى نكرة مقصودة،

стр. 11408

و ﴿الهاء﴾: حرف تنبيه زائد تعويضًا عما فات؛ أي: من الإضافة. ﴿الْجَاهِلُونَ﴾: صفة لـ ﴿أي﴾: أو بدل منه، أو عطف بيان له، وجملة النداء: في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾ وفي المقام أوجه كثيرة من الإعراب، أعرضنا عنها خوفًا للإطالة. ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾. ﴿وَلَقَدْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿أُوحِيَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة. ﴿إِلَيْكَ﴾: جار ومجرور في محل الرفع نائب الفاعل، وقيل: نائب الفاعل محذوف، يدل عليه سياق الكلام؛ أي: أوحي إليك التوحيد. ﴿وَإِلَى الَّذِينَ﴾: معطوف على ﴿إِلَيْكَ﴾. ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾: صلة الموصول، والجملة الفعلية: جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم: مستأنفة. ﴿لَئِنْ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، مبني على الفتح. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿أَشْرَكْتَ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إِن﴾ الشرطية، على كونه فعل شرط لها، وجواب ﴿إن﴾ الشرطية محذوف دل عليه جواب القسم، تقديره: يحبط عملك، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية: معترضة لا محل لها من الإعراب، لاعتراضها بين القسم وجوابه. ﴿لَيَحْبَطَنَّ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم موكدة للأولى. ﴿يَحْبَطَنَّ﴾: فعل مضارع في محل الرفع؛ لتجرده عن الناصب والجازم، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، ونون التوكيد: حرف لا محل له من الإعراب. ﴿عَمَلُكَ﴾: فاعل، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وهذا القسم مع جوابه: جواب للقسم الأول. ﴿وَلَتَكُونَنَّ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم. ﴿تَكُونَنَّ﴾: فعل مضارع ناقص في محل الرفع؛ لتجرده عن الناصب والجازم، مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، واسمها ضمير مستتر يعود على محمد. ﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: خبرها، وجملة ﴿تَكُونَنَّ﴾: معطوفة على جملة ﴿يَحْبَطَنَّ﴾. ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾. ﴿بَلِ﴾: حرف عطف وإضراب، ولفظ الجلالة ﴿اللَّهَ﴾ مفعول لفعل محذوف. ﴿الفاء﴾: واقعة في جواب الشرط المحذوف، تقديره: لا تعبد ما أمرك الكفار

стр. 11409

بعبادته، بل إن عبدت فاعبد الله دون ما سواه من الأنداد والأوثان، ﴿اعْبُدْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد، مبني على السكون، والجملة الفعلية: في محل الجزم بالشرط المحذوف، وجملة الشرط: معطوفة على جملة النهي المحذوف، كما قدرناه آنفًا، وقال الأخفش: ﴿الفاء﴾: زائدة، كما مر البسط فيه في مبحث التفسير. ﴿وَكُنْ﴾: فعل أمر ناقص معطوف على ﴿اعْبُدْ﴾، واسمه: ضمير مستتر يعود على محمد، ﴿مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾: خبره. ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿ما﴾: نافية. ﴿قَدَرُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة مستأنفة. ﴿حَقَّ قَدْرِهِ﴾: منصوب على المفعولية المطلقة؛ أي: ما علموا كنهه، وما عرفوه حق معرفته. ﴿وَالْأَرْضُ﴾: ﴿الواو﴾: حالية. ﴿الْأَرْضُ﴾: مبتدأ، ﴿جَمِيعًا﴾: حال من ﴿الْأَرْضُ﴾ ﴿قَبْضَتُهُ﴾: خبر المبتدأ ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: متعلق بـ ﴿قَبْضَتُهُ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب حال من لفظ الجلالة؛ أي: ما عظموه حق عظمته، والحال أنه موصوف بهذه القدرة الباهرة. ﴿وَالسَّمَاوَاتُ﴾: مبتدأ، ﴿مَطْوِيَّاتٌ﴾: خبر ﴿بِيَمِينِهِ﴾: متعلق بـ ﴿مَطْوِيَّاتٌ﴾ والجملة: في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿وَالْأَرْضُ﴾. ﴿سُبْحَانَهُ﴾: مفعول مطلق لفعل محذوف وجوبًا، تقديره: أسبحه سبحانًا، وجملة التسبيح: مستأنفة. ﴿وَتَعَالَى﴾: فعل ماض، وفاعله: ضمير مستتر يعود على الله. ﴿عَمَّا﴾: متعلق بـ ﴿تَعَالَى﴾، والجملة: معطوفة على جملة التسبيح، وجملة ﴿يُشْرِكُونَ﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة؛ أي: عما يشركونه به، أو لـ ﴿ما﴾ المصدرية؛ أي: عن إشراكهم. ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾. ﴿وَنُفِخَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿نفخ﴾: فعل ماض مغير الصيغة. ﴿فِي الصُّورِ﴾: جار ومجرور في محل الرفع نائب فاعل، والجملة: مستأنفة. ﴿فَصَعِقَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿صعق﴾: فعل ماض. ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل الرفع

стр. 11410

فاعل، والجملة: معطوفة على جملة ﴿نفخ﴾. ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: صلة لـ ﴿مَن﴾ الموصولة، ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل النصب على الاستثناء. ﴿شَاءَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة ﴿مَن﴾ الموصولة، والعائد: محذوف؛ أي: إلا من شاء الله بقاءَهُ. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب. ﴿نُفِخَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة. ﴿فِيهِ﴾: متعلق بـ ﴿نُفِخَ﴾. ﴿أُخْرَى﴾: نائب فاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿نفخ في الصور﴾. ﴿فَإِذَا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿إذا﴾: حرف فجأة، مبني على السكون. ﴿هُمْ﴾: مبتدأ. ﴿قِيَامٌ﴾: خبر، وجملة ﴿يَنْظُرُونَ﴾: خبر ثان أو صفة لـ ﴿قِيَامٌ﴾، والجملة الاسمية: معطوفة على جملة قوله ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ عطف اسمية على فعلية؛ لأنها في تأويل الفعل؛ أي: ثم نفخ فيه أخرى، ففاجأهم القيام من قبورهم. ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩)﴾. ﴿وَأَشْرَقَتِ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿ثُمَّ نُفِخَ﴾، ﴿بِنُورِ رَبِّهَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَشرقت﴾ ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿وُضِعَ الْكِتَابُ﴾: فعل ونائب فاعل معطوف على ﴿أَشْرَقَتِ﴾، ﴿وَجِيءَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ﴿بِالنَّبِيِّينَ﴾: نائب فاعل، ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾: معطوف عليه، والجملة الفعلية: معطوفة على ما قبلها. ﴿وَقُضِيَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿قضي﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ﴿بَيْنَهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿قضي﴾. ﴿بِالْحَقِّ﴾: جار ومجرور في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿قُضِيَ﴾، ويجوز العكس، ﴿وَهُمْ﴾: ﴿الواو﴾: حالية. ﴿هم﴾: مبتدأ، وجملة ﴿لَا يُظْلَمُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية في محل النصب حال من ضمير ﴿بَيْنَهُمْ﴾. ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (٧٠)﴾. ﴿وَوُفِّيَتْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿وُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾: فعل ونائب فاعل معطوف على ﴿قُضِيَ﴾، ﴿مَا﴾: اسم موصول بمعنى الذي، في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿وُفِّيَتْ﴾، وجملة ﴿عَمِلَتْ﴾: صلته، والعائد: محذوف؛ أي: جزاء ما عملته، ولك أن تجعل ﴿مَا﴾: مصدرية؛ أي: عملهم، ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ﴾: مبتدأ وخبر،

стр. 11411

و ﴿الواو﴾: حالية، أو عاطفة، والجملة في محل النصب حال من ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾؛ أي: وفي الله تعالى جزاء عمل كل نفس حال كونه عالمًا بما عملت، أو معطوفة على جملة ﴿وُفِّيَتْ﴾، ﴿بِمَا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَعْلَمُ﴾؛ وجملة ﴿يَفْعَلُونَ﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة. ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾. ﴿وَسِيقَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿سِيقَ الَّذِينَ﴾: فعل ونائب فاعل، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾: صلة الموصول. ﴿إِلَى جَهَنَّمَ﴾: متعلق بسيق. ﴿زُمَرًا﴾: حال من الموصول، والجملة الفعلية: معطوفة على جملة ﴿وُفِّيَتْ﴾ مسوقة لتفصيل توفية الحقوق. ﴿حَتَّى﴾ ابتدائية، أو حرف جر وغاية، ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿جَاءُوهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة: في محل الخفض مضاف إليه لـ ﴿إِذَا﴾ على كونها فعل شرط لها. ﴿فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة: جواب ﴿إِذَا﴾، لا محل لها من الإعراب، والظرف: متعلق بالجواب، وجملة ﴿إِذَا﴾: مستأنفة، أو مجرورة بـ ﴿حَتَّى﴾ والجار والمجرور: متعلق بـ ﴿سيق﴾؛ أي: وسيق الذين كفروا إلى جهنم، إلى فتح أبوابها وقت مجيئهم إياها، والأول أولى. ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢)﴾. ﴿وَقَالَ﴾: فعل ماض، ﴿لَهُم﴾: متعلق به، ﴿خَزَنَتُهَا﴾: فاعل، والجملة: معطوفة على جملة ﴿فُتِحَتْ﴾. ﴿أَلَمْ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التقريري ﴿لَمْ﴾: حرف جزم ﴿يَأْتِكُمْ﴾: فعل مضارع ومفعول به مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾. ﴿رُسُلٌ﴾: فاعل ﴿مِنْكُمْ﴾: صفة لـ ﴿رُسُلٌ﴾، والجملة الاستفهامية: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿يَتْلُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق به. ﴿آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: في محل الرفع صفة ثانية لـ ﴿رُسُلٌ﴾، ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، معطوف على ﴿يَتْلُونَ﴾، ﴿لِقَاءَ يَوْمِكُمْ﴾: مفعول ثان ومضاف إليه. ﴿هَذَا﴾: نعت لـ ﴿يَوْمِكُمْ﴾ أو بدل منه أو عطف بيان له. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة:

стр. 11412

مستأنفة. ﴿بَلَى﴾: حرف جواب لإثبات النفي؛ أي: بلى أتونا وتلوا علينا. ﴿وَلَكِنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة على الجواب المحذوف، ﴿لَكِنْ﴾: حرف استدراك مهملة. ﴿حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾: فعل وفاعل معطوف على الجواب المحذوف. ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾: متعلق بـ ﴿حَقَّتْ﴾. ﴿قِيلَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة. ﴿ادْخُلُوا ...﴾ إلى آخر الآية، نائب فاعل محكي ومقول له، والجملة: مستأنفة، وإن شئت قلت: ﴿ادْخُلُوا﴾: فعل أمر وفاعل، ﴿أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾: مفعول به، على السعة، والجملة: في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿قِيلَ﴾، ﴿خَالِدِينَ﴾: حال مقدرة من فاعل ﴿ادْخُلُوا﴾. ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾. ﴿فَبِئْسَ﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية. ﴿بئس﴾: فعل ماض لإنشاء الذم. ﴿مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾: فاعل ومضاف إليه، والمخصوص بالذم، محذوف، تقديره: هي، وجملة الذم: مستأنفة. ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾. ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ﴾: فعل ونائب فاعل معطوف على ﴿سيق﴾ الأول، ﴿اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به. ﴿إِلَى الْجَنَّةِ﴾: متعلق بـ ﴿سيق﴾، ﴿زُمَرًا﴾: حال من فاعل ﴿اتَّقَوْا﴾ وجملة ﴿اتَّقَوْا﴾: صلة الموصول، ﴿حَتَّى﴾: حرف ابتداء، أو حرف جر وغاية ﴿إذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان متعلق بالجواب المحذوف. ﴿جَاءُوهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة: في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها، على كونها فعل شرط لها. ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾: فعل مغير ونائب فاعل، معطوف على ﴿جَاءُوهَا﴾، وجواب ﴿إِذَا﴾: محذوف دلالةً على أنه شىء لا يكتنه ولا يحيط به الوصف، تقديره: حتى إذا جاؤوها، وفتحت أبوابها .. رأوا بهجتها، وجملة ﴿إِذَا﴾: مستأنفة، أو مجرورة بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى، والتقدير: وسيق الذين اتقوا إلى الجنة، إلى رؤيتهم بهجتها وقت مجيئها، وفتح أبوابها، والجار والمجرور: متعلق بـ ﴿سِيقَ﴾، ﴿وَقَالَ﴾: فعل ماض، ﴿لَهُم﴾: متعلق به، ﴿خَزَنَتُهَا﴾: فاعل والجملة: معطوفة على جواب ﴿إِذَا﴾ المحذوف، وقيل: ﴿الواو﴾: في ﴿وَفُتِحَتْ﴾: زائدة في جواب ﴿إِذَا﴾. ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٧٤)﴾.

стр. 11413

﴿سَلَامٌ﴾: مبتدأ، ﴿عَلَيْكُمْ﴾: خبره، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿طِبْتُمْ﴾: فعل ماض وفاعل، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿فَادْخُلُوهَا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة تفريعية، ﴿ادْخُلُوهَا﴾: فعل أمر وفاعل ومفعول به، معطوف على ﴿طِبْتُمْ﴾. ﴿خَالِدِينَ﴾: حال من فاعل ﴿ادخلوا﴾. ﴿وَقَالُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على مقدر، تقديره: فدخلوها وقالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ ﴿الَّذِي﴾: صفة للجلالة. ﴿صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر، ومفعولان، والجملة: صلة الموصول، ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر ومفعولان معطوف على ﴿صَدَقَنَا﴾. ﴿نَتَبَوَّأُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر، والجملة: في محل النصب حال من مفعول ﴿وَأَوْرَثَنَا﴾ الأول. ﴿مِنَ الْجَنَّةِ﴾: متعلق بمحذوف حال من ﴿حيث﴾ المذكورة بعده. ﴿حَيْثُ﴾: ظرف مكان متعلق بـ ﴿نَتَبَوَّأُ﴾، أو مفعول به لـ ﴿نَتَبَوَّأُ﴾؛ أي: نتبوأ أيَّ مكان شئنًا حال كونه من الجنة، ﴿نَشَاءُ﴾ فعل مضارع مرفوع بالضمة والفاعل مستتر تقديره نحن والجملة في محل جر بالإضافة. ﴿فنَعْمَ﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية. ﴿نعم﴾: فعل ماض من أفعال المدح ﴿أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾: فاعل، والجملة: مستأنفة، والمخصوص بالمدح: محذوف، تقديره: هي أي الجنة في محل رفع مبتدأ وجملة ﴿نعم﴾ في محل رفع خبر؛ أي: الجنة. ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾. ﴿وَتَرَى﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿تَرَى الْمَلَائِكَةَ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة: مستأنفة، و ﴿ترى﴾ بصرية. ﴿حَافِّينَ﴾: حال من ﴿الْمَلَائِكَةَ﴾ ﴿مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿حَافِّينَ﴾، وجملة ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾: حال ثانية من ﴿الْمَلَائِكَةَ﴾، ﴿وَقُضِيَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة أو استئنافية، ﴿قُضِيَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ﴿بَيْنَهُمْ﴾: ظرف نائب عن الفاعل أو متعلق بـ ﴿قُضِيَ﴾، ونائب الفاعل: مصدر مفهوم من الفعل؛ أي: قضي القضاء. ﴿بِالْحَقِّ﴾: حال من المصدر المحذوف الواقع نائب فاعل، ولك أن تعلق الظرف بـ ﴿قضي﴾. و ﴿بِالْحَقِّ﴾: نائب فاعل، وجملة ﴿قضي﴾: معطوفة على جملة ﴿ترى﴾، أو مستأنفة، ﴿وَقِيلَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾:

стр. 11414

نائب فاعل محكي لـ ﴿قيل﴾ والجملة معطوفة على جملة ﴿قضي﴾ وإن شئت ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ مبتدأ أو خبر ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ صفة للجلالة، والجملة الاسمية في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿قِيلَ﴾. التصريف ومفردات اللغة ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ الإسراف: تجاوز الحد في كل ما يفعله المرء، وكثر استعماله في إنفاق المال وتبذيره، والمراد هنا: الإفراط في المعاصي. قال الراغب: السرف: تجاوز الحد في كل ما يفعله الإنسان، وإن كان ذلك في الإنفاق أشهر، وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾: يتناول الإسراف في الأموال وفي غيرها. انتهى. ﴿لَا تَقْنَطُوا﴾؛ أي: لا تيأسوا، من قنط يقنط بكسر النون، من باب جلس، وبفتحها من باب طرب وسلم، وقرىء: بضمها شاذًا من باب دخل، وفي "المختار": القنوط: اليأس، وبابه: جلس ودخل وطرب وسَلم، فهو قنوط وقنط وقانط. اهـ. وفي "المفردات": القنوط: اليأس من الخير. ﴿مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ والرحمة من الله: الإنعام والإعطاء والتفضل. ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ من الإنابة، وهو: الرجوع إلى الله بالطاعة، فيه إعلال بالنقل والتسكين والقلب، أصله: أنوبوا، نقلت حركة الواو إلى النون فسكنت الواو إثر كسرة، فقلبت ياءً حرف مد فصار ﴿أنيبوا﴾. ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ من الإِسلام وهو: الانقياد والإخلاص له. ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ صيغة المبالغة فيهما راجعة إلى كثرة الذنوب، وكثرة المغفور والمرحوم. اهـ من "الروح". ﴿أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وهو القرآن، فإن ما أنزل إلينا من ربنا كتب كثيرة، أحسنها القرآن. اهـ. شيخنا. ﴿يَا حَسْرَتَا﴾ بالألف بدلًا عن ياء المتكلم، إذ أصله: يا حسرتي، تقول العرب: يا حسرتي يا لهفي، ويا حسرتا ويا لهفا، ويا حسرتاي ويا لهفاي، بالجمع بين العوض والمعوّض، تقول هذه الكلمة في نداء الاستغاثة، كما في "كشف الأسرار". وقد أوضحنا إعراب هذه الكلمة أي إيضاح في رسالتنا "هدية أولي العلم

стр. 11415

والإنصاف في إعراب المنادى المضاف" فراجعها إن شئت. والحسرة: الغم على ما فاته، والندم عليه، كأنه انحسر الجهل عنه الذي حمله على ما ارتكبه، وقال بعضهم: الحسرة: أن تأسف النفس أسفًا، تبقى منه حسيرًا؛ أي: منقطعةً، وقال الخازن: الحسرة: الاغتمام والحزن على ما فات. اهـ. ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ﴾ قال الراغب: الإفراط: أن يسرف في المتقدم، والتفريط: أن يقصر فيما هو المراد، فإن الفرط المتقدم. ﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾؛ أي: في عبادته وطاعته، والجنب والجانب: كلاهما بمعنى جهة الشيء المحسوسة، وإطلاق الجنب على الطاعة مجاز بالاستعارة، كما سيأتي في مبحثه إن شاء الله تعالى، يقال هو في جنب فلان وفي جانبه؛ أي: في جهته وناحيته، ثم اتسع فيه، فقيل: فرط في جنبه؛ أي: في حقه، اهـ "سمين". وقال الراغب: أصل الجنب: الجارحة، جمعه جنوب، ثم استعير في الناحية التي تليها، كاستعارة سائر الجوارح لذلك، نحو اليمين والشمال، وقوله: ﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾؛ أي: في أمره وحده الذي حده لنا. ﴿لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾؛ أي: من المستهزين بدين الله تعالى وأهله. ﴿كَرَّةً﴾؛ أي: رجعةً إلى الدنيا، يقال: كر عليه عطف، وعنه رجع، والكرة: المرة والحملة، كما في "القاموس". ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ المفازة: إما مصدر ميمي أو اسم مكان، وعلى كل حال أصله مفوزة، بوزن مفعلة، نقلت حركة الواو إلى الفاء، ثم قلبت ألفًا؛ لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها الآن، فصار مفازة. ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾؛ أي: قيم بالحفظ والحراسة، فيتولى التصرف بحسب الحكمة والمصلحة. ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: مفاتيح، لفظ فارسي معرب، واحده إقليد، معرب إكليد، وهو في الفارسي بمعنى: المفتاح في العربي، وإن كان شائعًا بين الناس بمعنى الفعل، جمع جمعًا شاذًا، كالمذاكير، جمع ذكر، وإلا فحقه أن يجمع على أقاليد، وهو إما جمع مقلاد بوزن مفعال، فالياء فيه: منقلبة عن الألف في المفرد، أو جمع مقليد، ولا قلب فيه، أو لا واحد له من لفظه، كأساطير وأخواته، ويقال أيضًا: إقليد وأقاليد.
следующие страницы →