و ﴿الواو﴾: حالية، أو عاطفة، والجملة في محل النصب حال من ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾؛ أي: وفي الله تعالى جزاء عمل كل نفس حال كونه عالمًا بما عملت، أو معطوفة على جملة ﴿وُفِّيَتْ﴾، ﴿بِمَا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَعْلَمُ﴾؛ وجملة ﴿يَفْعَلُونَ﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة.
﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾.
﴿وَسِيقَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿سِيقَ الَّذِينَ﴾: فعل ونائب فاعل، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾: صلة الموصول. ﴿إِلَى جَهَنَّمَ﴾: متعلق بسيق. ﴿زُمَرًا﴾: حال من الموصول، والجملة الفعلية: معطوفة على جملة ﴿وُفِّيَتْ﴾ مسوقة لتفصيل توفية الحقوق. ﴿حَتَّى﴾ ابتدائية، أو حرف جر وغاية، ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿جَاءُوهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة: في محل الخفض مضاف إليه لـ ﴿إِذَا﴾ على كونها فعل شرط لها. ﴿فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة: جواب ﴿إِذَا﴾، لا محل لها من الإعراب، والظرف: متعلق بالجواب، وجملة ﴿إِذَا﴾: مستأنفة، أو مجرورة بـ ﴿حَتَّى﴾ والجار والمجرور: متعلق بـ ﴿سيق﴾؛ أي: وسيق الذين كفروا إلى جهنم، إلى فتح أبوابها وقت مجيئهم إياها، والأول أولى.
﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢)﴾.
﴿وَقَالَ﴾: فعل ماض، ﴿لَهُم﴾: متعلق به، ﴿خَزَنَتُهَا﴾: فاعل، والجملة: معطوفة على جملة ﴿فُتِحَتْ﴾. ﴿أَلَمْ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التقريري ﴿لَمْ﴾: حرف جزم ﴿يَأْتِكُمْ﴾: فعل مضارع ومفعول به مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾. ﴿رُسُلٌ﴾: فاعل ﴿مِنْكُمْ﴾: صفة لـ ﴿رُسُلٌ﴾، والجملة الاستفهامية: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿يَتْلُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق به. ﴿آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: في محل الرفع صفة ثانية لـ ﴿رُسُلٌ﴾، ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، معطوف على ﴿يَتْلُونَ﴾، ﴿لِقَاءَ يَوْمِكُمْ﴾: مفعول ثان ومضاف إليه. ﴿هَذَا﴾: نعت لـ ﴿يَوْمِكُمْ﴾ أو بدل منه أو عطف بيان له. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة:
стр. 11412
مستأنفة. ﴿بَلَى﴾: حرف جواب لإثبات النفي؛ أي: بلى أتونا وتلوا علينا. ﴿وَلَكِنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة على الجواب المحذوف، ﴿لَكِنْ﴾: حرف استدراك مهملة. ﴿حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾: فعل وفاعل معطوف على الجواب المحذوف. ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾: متعلق بـ ﴿حَقَّتْ﴾. ﴿قِيلَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة. ﴿ادْخُلُوا ...﴾ إلى آخر الآية، نائب فاعل محكي ومقول له، والجملة: مستأنفة، وإن شئت قلت: ﴿ادْخُلُوا﴾: فعل أمر وفاعل، ﴿أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾: مفعول به، على السعة، والجملة: في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿قِيلَ﴾، ﴿خَالِدِينَ﴾: حال مقدرة من فاعل ﴿ادْخُلُوا﴾. ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾. ﴿فَبِئْسَ﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية. ﴿بئس﴾: فعل ماض لإنشاء الذم. ﴿مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾: فاعل ومضاف إليه، والمخصوص بالذم، محذوف، تقديره: هي، وجملة الذم: مستأنفة.
﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾.
﴿وَسِيقَ الَّذِينَ﴾: فعل ونائب فاعل معطوف على ﴿سيق﴾ الأول، ﴿اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به. ﴿إِلَى الْجَنَّةِ﴾: متعلق بـ ﴿سيق﴾، ﴿زُمَرًا﴾: حال من فاعل ﴿اتَّقَوْا﴾ وجملة ﴿اتَّقَوْا﴾: صلة الموصول، ﴿حَتَّى﴾: حرف ابتداء، أو حرف جر وغاية ﴿إذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان متعلق بالجواب المحذوف. ﴿جَاءُوهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة: في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها، على كونها فعل شرط لها. ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾: فعل مغير ونائب فاعل، معطوف على ﴿جَاءُوهَا﴾، وجواب ﴿إِذَا﴾: محذوف دلالةً على أنه شىء لا يكتنه ولا يحيط به الوصف، تقديره: حتى إذا جاؤوها، وفتحت أبوابها .. رأوا بهجتها، وجملة ﴿إِذَا﴾: مستأنفة، أو مجرورة بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى، والتقدير: وسيق الذين اتقوا إلى الجنة، إلى رؤيتهم بهجتها وقت مجيئها، وفتح أبوابها، والجار والمجرور: متعلق بـ ﴿سِيقَ﴾، ﴿وَقَالَ﴾: فعل ماض، ﴿لَهُم﴾: متعلق به، ﴿خَزَنَتُهَا﴾: فاعل والجملة: معطوفة على جواب ﴿إِذَا﴾ المحذوف، وقيل: ﴿الواو﴾: في ﴿وَفُتِحَتْ﴾: زائدة في جواب ﴿إِذَا﴾.
﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٧٤)﴾.
стр. 11413
﴿سَلَامٌ﴾: مبتدأ، ﴿عَلَيْكُمْ﴾: خبره، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿طِبْتُمْ﴾: فعل ماض وفاعل، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿فَادْخُلُوهَا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة تفريعية، ﴿ادْخُلُوهَا﴾: فعل أمر وفاعل ومفعول به، معطوف على ﴿طِبْتُمْ﴾. ﴿خَالِدِينَ﴾: حال من فاعل ﴿ادخلوا﴾. ﴿وَقَالُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على مقدر، تقديره: فدخلوها وقالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ ﴿الَّذِي﴾: صفة للجلالة. ﴿صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر، ومفعولان، والجملة: صلة الموصول، ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر ومفعولان معطوف على ﴿صَدَقَنَا﴾. ﴿نَتَبَوَّأُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر، والجملة: في محل النصب حال من مفعول ﴿وَأَوْرَثَنَا﴾ الأول. ﴿مِنَ الْجَنَّةِ﴾: متعلق بمحذوف حال من ﴿حيث﴾ المذكورة بعده. ﴿حَيْثُ﴾: ظرف مكان متعلق بـ ﴿نَتَبَوَّأُ﴾، أو مفعول به لـ ﴿نَتَبَوَّأُ﴾؛ أي: نتبوأ أيَّ مكان شئنًا حال كونه من الجنة، ﴿نَشَاءُ﴾ فعل مضارع مرفوع بالضمة والفاعل مستتر تقديره نحن والجملة في محل جر بالإضافة. ﴿فنَعْمَ﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية. ﴿نعم﴾: فعل ماض من أفعال المدح ﴿أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾: فاعل، والجملة: مستأنفة، والمخصوص بالمدح: محذوف، تقديره: هي أي الجنة في محل رفع مبتدأ وجملة ﴿نعم﴾ في محل رفع خبر؛ أي: الجنة.
﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾.
﴿وَتَرَى﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿تَرَى الْمَلَائِكَةَ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة: مستأنفة، و ﴿ترى﴾ بصرية. ﴿حَافِّينَ﴾: حال من ﴿الْمَلَائِكَةَ﴾ ﴿مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿حَافِّينَ﴾، وجملة ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾: حال ثانية من ﴿الْمَلَائِكَةَ﴾، ﴿وَقُضِيَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة أو استئنافية، ﴿قُضِيَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ﴿بَيْنَهُمْ﴾: ظرف نائب عن الفاعل أو متعلق بـ ﴿قُضِيَ﴾، ونائب الفاعل: مصدر مفهوم من الفعل؛ أي: قضي القضاء. ﴿بِالْحَقِّ﴾: حال من المصدر المحذوف الواقع نائب فاعل، ولك أن تعلق الظرف بـ ﴿قضي﴾. و ﴿بِالْحَقِّ﴾: نائب فاعل، وجملة ﴿قضي﴾: معطوفة على جملة ﴿ترى﴾، أو مستأنفة، ﴿وَقِيلَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾:
стр. 11414
نائب فاعل محكي لـ ﴿قيل﴾ والجملة معطوفة على جملة ﴿قضي﴾ وإن شئت ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ مبتدأ أو خبر ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ صفة للجلالة، والجملة الاسمية في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿قِيلَ﴾.
التصريف ومفردات اللغة
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ الإسراف: تجاوز الحد في كل ما يفعله المرء، وكثر استعماله في إنفاق المال وتبذيره، والمراد هنا: الإفراط في المعاصي. قال الراغب: السرف: تجاوز الحد في كل ما يفعله الإنسان، وإن كان ذلك في الإنفاق أشهر، وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾: يتناول الإسراف في الأموال وفي غيرها. انتهى.
﴿لَا تَقْنَطُوا﴾؛ أي: لا تيأسوا، من قنط يقنط بكسر النون، من باب جلس، وبفتحها من باب طرب وسلم، وقرىء: بضمها شاذًا من باب دخل، وفي "المختار": القنوط: اليأس، وبابه: جلس ودخل وطرب وسَلم، فهو قنوط وقنط وقانط. اهـ. وفي "المفردات": القنوط: اليأس من الخير. ﴿مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ والرحمة من الله: الإنعام والإعطاء والتفضل.
﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ من الإنابة، وهو: الرجوع إلى الله بالطاعة، فيه إعلال بالنقل والتسكين والقلب، أصله: أنوبوا، نقلت حركة الواو إلى النون فسكنت الواو إثر كسرة، فقلبت ياءً حرف مد فصار ﴿أنيبوا﴾. ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ من الإِسلام وهو: الانقياد والإخلاص له.
﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ صيغة المبالغة فيهما راجعة إلى كثرة الذنوب، وكثرة المغفور والمرحوم. اهـ من "الروح". ﴿أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وهو القرآن، فإن ما أنزل إلينا من ربنا كتب كثيرة، أحسنها القرآن. اهـ. شيخنا.
﴿يَا حَسْرَتَا﴾ بالألف بدلًا عن ياء المتكلم، إذ أصله: يا حسرتي، تقول العرب: يا حسرتي يا لهفي، ويا حسرتا ويا لهفا، ويا حسرتاي ويا لهفاي، بالجمع بين العوض والمعوّض، تقول هذه الكلمة في نداء الاستغاثة، كما في "كشف الأسرار". وقد أوضحنا إعراب هذه الكلمة أي إيضاح في رسالتنا "هدية أولي العلم
стр. 11415
والإنصاف في إعراب المنادى المضاف" فراجعها إن شئت. والحسرة: الغم على ما فاته، والندم عليه، كأنه انحسر الجهل عنه الذي حمله على ما ارتكبه، وقال بعضهم: الحسرة: أن تأسف النفس أسفًا، تبقى منه حسيرًا؛ أي: منقطعةً، وقال الخازن: الحسرة: الاغتمام والحزن على ما فات. اهـ.
﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ﴾ قال الراغب: الإفراط: أن يسرف في المتقدم، والتفريط: أن يقصر فيما هو المراد، فإن الفرط المتقدم.
﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾؛ أي: في عبادته وطاعته، والجنب والجانب: كلاهما بمعنى جهة الشيء المحسوسة، وإطلاق الجنب على الطاعة مجاز بالاستعارة، كما سيأتي في مبحثه إن شاء الله تعالى، يقال هو في جنب فلان وفي جانبه؛ أي: في جهته وناحيته، ثم اتسع فيه، فقيل: فرط في جنبه؛ أي: في حقه، اهـ "سمين". وقال الراغب: أصل الجنب: الجارحة، جمعه جنوب، ثم استعير في الناحية التي تليها، كاستعارة سائر الجوارح لذلك، نحو اليمين والشمال، وقوله: ﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾؛ أي: في أمره وحده الذي حده لنا. ﴿لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾؛ أي: من المستهزين بدين الله تعالى وأهله. ﴿كَرَّةً﴾؛ أي: رجعةً إلى الدنيا، يقال: كر عليه عطف، وعنه رجع، والكرة: المرة والحملة، كما في "القاموس".
﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ المفازة: إما مصدر ميمي أو اسم مكان، وعلى كل حال أصله مفوزة، بوزن مفعلة، نقلت حركة الواو إلى الفاء، ثم قلبت ألفًا؛ لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها الآن، فصار مفازة.
﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾؛ أي: قيم بالحفظ والحراسة، فيتولى التصرف بحسب الحكمة والمصلحة.
﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: مفاتيح، لفظ فارسي معرب، واحده إقليد، معرب إكليد، وهو في الفارسي بمعنى: المفتاح في العربي، وإن كان شائعًا بين الناس بمعنى الفعل، جمع جمعًا شاذًا، كالمذاكير، جمع ذكر، وإلا فحقه أن يجمع على أقاليد، وهو إما جمع مقلاد بوزن مفعال، فالياء فيه: منقلبة عن الألف في المفرد، أو جمع مقليد، ولا قلب فيه، أو لا واحد له من لفظه، كأساطير وأخواته، ويقال أيضًا: إقليد وأقاليد.
стр. 11416
﴿لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ في "المصباح": حبط العمل يحبط، من باب تعب، حبطًا بالسكون وحبوطًا: فسد وهدر، وحبط يحبط من باب ضرب لغةً، وقرىء بها في الشواذ، وحبط دم فلان حبطًا، من باب تعب: هدر، وأحبطت العمل والدم بالألف: أهدرته. اهـ.
﴿تَأْمُرُونِّي﴾ أصله: تأمرونني، بإظهار النونين، ثم أدغمت أولاهما، وهي علم الرفع في الثانية، وهو للوقاية، وقد قرأ ابن عامر: على الأصل؛ أي: بإظهارهما، ونافع: بحذف الثانية، فإنها تحذف كثيرًا.
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ القدر: التعظيم، كما في "القاموس". فالمعنى: ما عظموا الله حق تعظيمه، حيث جعلوا له شريكًا، ويقال: قدر الشيء قدره: من التقدير، كما في "المختار". وقال الراغب في "المفردات": ما عرفوا كنهه.
﴿قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ القبضة: المرة من القبض؛ أطلقت بمعنى القبضة، وهي: المقدار المقبوض بالكف، تسميةً بالمصدر، أو بتقدير ذات قبضته، وفي "المفردات": القبض: التناول بجميع الكف، نحو قبض السيف وغيره، ويستعار القبض لتحصيل الشيء، وإن لم يكن فيه مراعاة الكف، كقولك: قبضت الدار من فلان؛ أي: حزتها.
﴿مَطْوِيَّاتٌ﴾: جمع مطوية، اسم مفعول من طوى الثلاثي، أصله: مطوُيات، اجتمعت الواو الثانية والياء، وسبقت إحداهما ساكنة، فقلبت الواو ياءً، وأدغمت في الياء، ثم كسرت الواو، مناسبة الياء. ﴿فَصَعِقَ﴾ يقال: صعق الرجل: إذا فزع فأغمي عليه، وربما مات منه، ثم استعمل في الموت كثيرًا، كما في "المشارق". ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ والكتاب في الأصل: اسم للصحيفة مع المكتوب فيه.
﴿قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ أصله: قوام، قلبت الواو ياءً؛ لوقوعها بعد كسرة وقبل ألف. ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ﴾ أصله: جيء بوزن فعل، مبني للمجهول، استثقلت الكسرة على الياء حيث ينتقل من ضمة إلى كسرة، فحذفت حركة الياء فسكنت، ثم حركت الفاء بالكسر؛ لمناسبة الياء، فقيل جيء؛ لان الياء صارت حرف مدّ لما سكنت إثر كسرة، ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾ جمع شهيد، ككرماء جمع كريم، وشرفاء جمع شريف.
стр. 11417
﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ وأصل ﴿سيق﴾: سوق بوزن فعل، مبني للمجهول، استثقلت الكسرة على الواو فنقلت إلى فاء الكلمة فسكنت الواو بعد كسرة، فقلبت ياءً حرف مد، والسوق: الحث على السير بعنف وإزعاج، علامةً على الإهانة والاحتقار، والزمر: الأفواج المتفرقة بعضها في إثر بعض، والزمر: جمع زمرة، وهي الجمع القليل، ومنه قيل شاة زمرة: قليلة الشعر، واشتقاقها من الزمر؛ وهو الصوت، إذ الجماعة لا تخلو عنه. ﴿خَزَنَتُهَا﴾ واحدهم خازن، نحو سدنة وسادن.
﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ أصله: طيب، بوزن فعل من باب باع، قلبت الياء ألفًا؛ لتحركها بعد فتح، ثم أسند الفعل إلى ضمير الرفع المتحرك، فصار اللفظ: طابتم، فالتقي الساكنان فحذفت الألف فصار طبتم، فاحتيج إلى معرفة عين الفعل المحذوفة، هل هي واو أو ياء؟ فحذفت حركة الفاء، وعوض عنها شكلة مجانسة لتلك العين المحذوفا، التي هي ياء، والمجانس لها هو الكسرة، فقيل ﴿طِبْتُمْ﴾ بوزن فلتم، بكسر الفاء. ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ يقال بوأت له مكانًا: سويته وهيأته.
﴿حَافِّينَ﴾؛ أي: محدقين محيطين بالعرش، مصطفين بحافته وجوانبه. اهـ "خازن". وعبارة السمين: قوله: حافين: جمع حاف، وهو المحدث بالشيء، من حففت بالشيء: إذا أحطت به، وهو مأخوذ من الحفاف وهو الجانب، وقال الفراء، وتبعه الزمخشري: لا واحد لـ ﴿حَافِّينَ﴾ من لفظه، وكأنهما رأيا أن الواحد لا يكون حافًا، إذ الحفوف هو الإحداق بالشيء والإحاطة به، وهذا لا يتحقق إلا في جمع. اهـ. وأصله: حاففين، أدغمت عينه في لامه، فقيل: حافين.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
واعلم: أنه قال علماء البيان: اشتمل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ على سبعة فنون من علمي البيان والبديع، نلخصها فيما يأتي.
١ - إقباله تعالى على عباده، وفي ذلك منتهى الاطمئنان لهم، لمحو ما سبق
стр. 11418
من الذنوب والأوضار، والإشعار بأن أمامهم مندوحة من الوقت لاستدراك ما فرّط، ورأب ما انصدع.
٢ - نداؤهم، وفي ذلك من التودد إليهم، والتلطف بهم ما يهيب بذوي المسكة من العقول منهم إلى المبادرة بالإنابة، والرجوع بالتوبة.
٣ - إضافتهم إليه إضافة تشريف لهم.
٤ - إضافة الرحمة إلى لفظ الجلالة، الجامع لجميع الأسماء والصفات، إشعارًا بأنها هي الأصل في معاملته لعباده.
٥ - إعادة الظاهر بلفظه في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾.
٦ - الالتفات من التكلم إلى الغيبة في قوله: ﴿مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ لتخصيص الرحمة بالاسم الكريم، والأصل لا تقنطوا من رحمتي.
٧ - الاتيان بالجملة المعرّفة الطرفين، المؤكدة بأن وضمير الفصل والصفتين الموضوعتين للمبالغة.
﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ فهذه سبعة فنون كاملة في آية واحدة.
ومنها: إطلاق الخاص، وإرادة العام في قوله: ﴿أَسْرَفُوا﴾ لأن الإسراف في الأصل: خاص بالإفراط في صرف المال، والمراد: ما يعم الإسراف في الأموال وغيرها.
ومنها: إطلاق العموم بمعنى الخصوص في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾؛ لأن الشرك ليس بداخل في الآية.
ومنها: التنكير لإفادة التقليل في قوله: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ لأن المراد بها بعض الأنفس، وهي الكافر؛ لأنها التي تقول ذلك، وقيل للتكثير والتعميم؛ ليشيع في كل النفوس.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ حيث شبهت الطاعة بالجنب بمعنى الجهة المحسوسة، بجامع تعلق كل بصاحبه، فالطاعة
стр. 11419
لها تعلق بالله، كما أن الجهة لها تعلق بصاحبها.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: مفاتيح خيراتهما، ومعادن بركاتهما، فشبّه الخيرات والبركات بخزائن، واستعار لها لفظ المقاليد بمعنى المفاتيح.
ومعنى الآية: خزائن رحمته وفضله بيده سبحانه.
ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ مثّل عظمته وكمال قدرته، وحقارة الأجرام العظام، التي تتحير فيها الأوهام بالنسبة لقدرته تعالى بمن قبض شيئًا عظيمًا بكفه، وطوى السموات بيمينه، بطريق الاستعارة التمثيلية، قال في "تلخيص البيان": وفي الآية استعارة، ومعنى ذلك أن الأرض في مقدوره، كالذي يقبض عليه القابض، فتستولي عليه كفه، ويحوزه ملكه ولا يشاركه غيره، والسموات مجموعات في ملكه، مضمومات بيمينه.
ومنها: توافق الفواصل في الحرف الأخير، وهو نهاية في الروعة والجمال، في قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (٧٠)﴾.
ومنها: الاتيان بصيغة الماضي في قوله: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ إشعارًا بتحقق وقوعه.
ومنها: تقديم المعمول على عامله؛ لإفادة القصر في قوله: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾.
ومنها: عطف المسبب على السبب في قوله: ﴿لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ فإن عطف الخسران على الحبوط، من عطف المسبب على السبب.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿بِنُورِ رَبِّهَا﴾ فإنه شبه العدل بالنور، بجامع الإظهار في كل، فإن العدل يظهر الحقوق، كما أن النور يظهر ما خفي في الظلام، فاستعار اسم المشبّه به للمشبه على طريقة الاستعارة التصريحية.
стр. 11420
ومنها: إبهام القائل في قوله: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾؛ لتهويل المقول.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم بالصواب
* * *
стр. 11421
مجمل موضوعات هذه السورة الكريمة
اشتملت هذه السورة على المقاصد التالية:
١ - وصف الكتاب الكريم.
٢ - الأمر بعبادة الله وحده، والنعي على المشركين في عبادتهم للأوثان والأصنام.
٣ - إقامة الأدلة على وحدانية الله.
٤ - طبيعة المشرك في السرّاء والضراء.
٥ - ضرب الأمثال في القرآن، وفائدة ذلك.
٦ - تمني المشركين الفداء حين يرون العذاب.
٧ - الوعد بغفران ذنوب من أسرفوا على أنفسهم إذا تابوا.
٨ - ما يرى على وجوه أهل النار من الكآبة والحزن.
٩ - ذكر أحوال يوم القيامة.
١٠ - وصف ذهاب أهل النار إلى المحشر، وما يشاهدونه من الأهوال.
١١ - وصف ذهاب أهل الجنة وما يشاهدونه فيها من النعيم المقيم.
١٢ - بعد فصل القضاء يقول أهل الجنة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
والله أعلم
* * *
стр. 11422
سورة غافر
سورة غافر، وتسمى سورة المؤمن وسورة الطول، مكية نزلت بعد الزمر قاله ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة وقتادة، وقال ابن عباس وقتادة: إلا آيتين نزلتا بالمدينة، وهما قوله: ﴿يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ والتي بعدها، وقال الزجاج: وذكر أن الحواميم كلها نزلت بمكة. وآيها: خمس وثمانون، وقيل: اثنتان وثمانون آية. وكلماتها: ألف ومئة وتسع وتسعون. وحروفها: أربعة آلاف وتسع مئة وستون حرفًا.
الناسخ والمنسوخ فيها: وقال أبو عبد الله محمد بن حزم: سورة المؤمن كلها محكم، غير آيتين:
أولاهما: قوله: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ الآية (٥٥). نسخ الأمر بالصبر بآية السيف.
والآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ الآية (٧٧)، نسخت أيضًا بآية السيف، انتهى.
تسميتها: سميت سورة غافر؛ لأن الله سبحانه ذكر هذا الوصف الجليل، الذي هو من صفات الله الحسنى في مطلع السورة الكريمة ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ وكرر ذكر المغفرة في دعوة الرجل المؤمن: ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾. وتسمى سورة المؤمن لذكر قصة مؤمن آل فرعون فيها.
المناسبة لما قبلها:
١ - أنه (١) ذكر في سابقتها ما يؤول إليه حال الكافر وحال المؤمن، وذكر هنا أنه غافر الذنب؛ ليكون ذلك استدعاءً للكافر إلى الإيمان، والإقلاع عن الكفر.
٢ - أنه ذكر في كل منهما أحوال يوم القيامة، وأحوال الكفار فيه، وهم في
стр. 11423
المحشر، وهم في النار.
وقال أبو حيان (١): مناسبة أول هذه السورة لآخر الزمر: أنه تعالى لما ذكر ما يؤول إليه حال الكافرين وحال المؤمنين .. ذكر هنا أنه تعالى غافر الذنب وقابل التوب؛ ليكون ذلك استدعاءً للكافر إلى الإيمان، وإلى الإقلاع عما هو فيه، وأن باب التوبة مفتوح، وذكر شدة عقابه وصيرورة العالم كلهم إليه؛ ليرتدع عما هو فيه، وأن رجوعه إلى ربه فيجازيه بما يعمل من خير أو شر. انتهى.
فضلها: ومن فضائلها:
ما أخرجه (٢) محمد بن نصر وابن مردويه عن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله أعطاني السبع الطوال مكان التوراة، وأعطاني الراءات إلى الطواسين مكان الإنجيل، وأعطاني ما بين الطواسين إلى الحواميم مكان الزبور، وفضّلني بالحواميم والمفصل ما قرأهن نبي قبلي".
وأخرج أبو عبيد في "فضائله" عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: إن لكل شيء لبابًا، ان لباب القرآن آل حم.
وأخرج أبو عبيد وابن الضريس وابن المنذر والحاكم والبيهقي في "الشعب" عن ابن مسعود قال: الحواميم ديباج القرآن.
وأخرج أبو عبيد ومحمد بن نصر وابن المنذر عنه قال: إذا وقعت في آل حم .. وقعت في روضات دمثات، أتأنق فيهن.
وأخرج أبو الشيخ وأبونعيم والديلميّ عن أنس - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله ﷺ : "الحواميم ديباج القرآن".
وأخرج البيهقي في "الشعب" عن خليل بن مرة أن رسول الله ﷺ قال: "الحواميم سبع، وأبواب النار سبع، تجيء كل حم منها تقف على باب من هذه الأبواب، تقول: اللهم، لا تدخل من هذا الباب من كان يؤمن بي ويقرؤني".
وأخرج أبو عبيد وابن سعد ومحمد بن نصر وابن مردويه والبيهقي في
стр. 11424
"الشعب" عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ حم المؤمن إلى ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ وآية الكرسي حين يصبح .. حفظ بهما حتى يمسي، ومن قرأهما حين يمسي .. حفظ بهما حتى يصبح.
وعن ابن مسعود ﵁ قال (١): إن مثل صاحب القرآن كمثل رجل انطلق يرتاد لأهله منزلًا، فمر بأثر غيث، فبينما هو يسير فيه ويتعجّب منه؛ إذ هبط على روضات دمثات، فقال: عجبت من الغيث الأول، فهذا أعجب منه وأعجب، فقيل له: إن مثل الغيث الأول مثل عظم القرآن، وإن مثل هذه الروضات الدمثات مثل آل حم في القرآن، وقال سعيد بن ابن إبراهيم: كل آل حم تسمى العرائس.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "لكل شيء ثمرة، وإن ثمرة القرآن ذوات حم، هن روضات حسان مخصبات متجاورات، فمن أحبّ أن يرتع في رياض الجنة .. فليقرأ الحواميم".
وعنه أيضًا: "مثل الحواميم في القرآن، كمثل الحبرات في الثياب". ذكرهما الثعلبيّ، اهـ "قرطبي". وقال الجوهري وأبو عبيد: وآل حم سور في القرآن، فأما قول العامة: الحواميم فليس من كلام العرب، وقال أبو عبيد: الحواميم سور في القرآن على غير قياس، قال: والأولى أن تجمع بذوات حم.
فتلخص من مجموع هذه الأخبار (٢): أن هذه السور السبع تسمى الحواميم، وتسمى آل حم، وتسمى ذوات حم، فلها جموع ثلاثة، خلافًا لمن أنكر الأول منها. تأمل.
وقال محمد بن القاسم الأنباري (٣): العرب تقول: وقع في الحواميم وفي آل حميم، أنشد أبو عبيدة:
حَلفْتُ بِالسَّبْعِ اللَّوَاتِيْ طُوِّلَتْ ... وَبِمِئِيْنَ بَعْدَهَا قَدْ أُمِئِيَتْ
وَبِمَثَانٍ ثُنيَتْ فَكُرِّرَتْ ... وَبِاالطَّوَاسِيْنِ اْللَّوَاتِيْ ثُلِّثَتْ
وَبِالْحَوَامِيْمِ اللَّوَاتِيْ سُبِّعَتْ ... وَبِاْلْمُفَصَّلِ اللَّوَاتِيْ فُصِّلَتْ
стр. 11425
فمن قال وقع في آل حميم .. جعل حاميم اسمًا لكلهن، ومن قال: وقع في الحواميم جعل حم، كأنه حرف واحد بمنزلة قابيل وهابيل، وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي: قال: من الخطأ أن تقول: قرأت الحواميم، وليس من كلام العرب، والصواب أن تقول: قرأت آل حاميم.
والله أعلم
* * *
المناسبة
لقد قدمنا لك بيان المناسبة بين أول هذه السورة وآخر سابقتها، وأما قوله تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا ...﴾ الآيات، فمناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما (١) بين أن القرآن كتاب أنزله لهداية الناس، وسعادتهم في دنياهم وآخرتهم، إذا هم عملوا بهديه .. ذكر أحوال من يجادل فيه لغرض إبطاله، وإخفاء نوره، ثم أرشد رسوله أن لا يغتر بأحوال أولئك المجادلين، وتركهم سالمين في أبدانهم وأموالهم، يتصرفون في البلاد للتجارة لسعة الرزق، والتمتع بزخرف الدنيا، فإنه سيأخذهم أخذ عزيز مقتدر، كما فعل بأمثالهم من الأمم الماضية، ممن كذبوا رسلهم، فحل بهم البوار في الدنيا، وسينزل بهم النكال في الآخرة، في جهنم وبئس القرار.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما أبان ما أظهره المشركون للمؤمنين من العداوة ومجادلتهم للرسل بالباطل؛ لإطفاء نور دعوتهم .. أردف ذلك ببيان أن أشرف المخلوقات، وهم الملائكة الذين يحملون العرش، والحافون حول العرش، يحبون المؤمنين، ويطلبون لهم ولآبائهم وأزواجهم وذريّاتهم المغفرة من ربهم، فلا تبال أيها الرسول بهؤلاء المشركين، ولا تقم لهم وزنًا، وكفاك نصرة حملة العرش والحافين حوله.
وعبارة أبي حيان: مناسبتها لما قبلها (٢): أنه تعالى لما ذكر جدال الكفار في آيات الله وعصيانهم .. ذكر طاعة هؤلاء المصطفين من خلقه، وهم حملة العرش ومن حوله، وهم الحافون به من الملائكة. انتهى.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر فيما سلف أحوال المشركين المجادلين في آيات الله .. أردف ذلك ببيان أنهم يوم القيامة يعترفون بذنوبهم، وباستحقاقهم ما سيحل بهم من النكال والوبال، ويسألون الرجوع
стр. 11428
إلى الدنيا ليتلافوا ما فرط منهم، وبعد أن هددهم أعقب ذلك بما يدل على كمال قدرته وحكمته، بإظهاره للآيات، وإنزاله للأرزاق، وأنه أرفع الموجودات؛ لأنه مستغن عن كل ما سواه، وكل ما سواه محتاج إليه، وأنه ينزل الوحي على من يشاء من عباده؛ لينذر بالعذاب يوم الحساب والجزاء.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أنه سبحانه لما ذكر فيما سلف أن الأنبياء ينذرون الناس بيوم التلاق .. أعقب ذلك بذكر أوصاف هائلة، تصطك منها المسامع، وتشيب من هولها الولدان لهذا اليوم المهيب.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها: أنه سبحانه لما بالغ في تخويف الكفار بعذاب الآخرة .. أردفه بتخويفهم بعذاب الدنيا، فطلب إليهم أن ينظروا إلى من قبلهم، ممن كانوا أشد منهم قوة، فأخذهم أخذ عزيز مقتدر، إذ كذبوا رسلهم حين جاؤوهم بالبينات.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (١): ما أخرجه ابن أبي حاتم عن السدي عن أبي مالك: أنها نزلت في الحارث بن قيس السهمي.
التفسير وأوجه القراءة
١ - ﴿حم (١)﴾: اسم (٢) للسورة، ومحله الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي: هذه السورة مسماة بحم، نزلت منزلة الحاضر المشار إليه؛ لكونها على شرف الذكر والحضور.
وعن ابن عباس ﵄: حمَ اسم الله الأعظم، وعنه قال: ﴿حم (١)﴾ اسم الله الأعظم، وعنه قال: ﴿آلر﴾ و ﴿حم (١)﴾ و ﴿نَ﴾: حروف، اسمه الرحمن مقطعة، وقيل الحاء: افتتاح أسمائه حليم وحميد وحي وحكيم وحنَّان،
стр. 11429
والميم: افتتاح أسمائه ملك ومجيد ومنان، وقيل: ﴿حم (١)﴾ معناه: حم بضم الحاء؛ أي: قضي وبين ما هو كائن إلى يوم القيامة.
وقرأ الجمهور (١): بفتح الحاء مشبعًا، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر: بإمالته إمالةً محضةً، وقرأ أبو عمرو ونافع في رواية ورش: بإمالته بين بين، وقرأ الجمهور: ﴿حم (١)﴾ بسكون الميم، كسائر الحروف المقطعة، وقرأ الزهري: بضمها، على أنه خبر مبتدأ مضمر، أو مبتدأ، والخبر ما بعده، وقرأ عيسى بن عمر الثقفي: بفتحها، على أنه منصوب بفعل مقدر؛ أي: اقرأ حم، وإنما منعت من الصرف للعلمية والتأنيث، أو للعلمية وشبه المعجمة، وذلك أنه ليس في الأوزان العربية وزن فاعيل، بخلاف الأعجمية، نحو قابيل وهابيل، أو على أنها حركة بناء تخفيفًا، كأين وكيف، وعلة البناء فيه: الشبه الوضعي، وقرأ أبو السمال: بكسرها لالتقاء الساكنين، أو بتقدير القسم، وقرأ الجمهور: بوصل الحاء بالميم، وقرأ أبو جعفر؛ بقطعها.
وعبارة "المراغي" هنا: ﴿حم (١)﴾ تقدم الكلام في أمثال هذه الحروف المقطعة في أوائل السور بما يغني عن إعادته هنا، وقد اخترنا هناك أن أحسن الآراء في ذلك: أنها كلمات يراد بها التنبيه في أول الكلام، نحو ﴿ألا﴾ و ﴿يا﴾ وينطق بأسمائها، فيقال: حاميم بتفخيم الألف وتسكين الميم، ويجمع على حواميم وحواميمات، وأنكر ذلك الجوالقي والحريري وابن الجوزي، وقالوا: لا يقال ذلك، بل يقال: آل حم، ويؤيد ذلك أن صاحب "الصحاح": نقل عن الفراء أن قول العامة: الحواميم ليس من كلام العرب، وحديث ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - وقد تقدم: إذا وقعت في آل حم .. فقد وقعت في روضات دمثات، أتأنق فيهن، وعلى هذا قول الكميت بن زيد في الهاشميات:
وَجَدْنَا لَكُمْ فِيْ آلِ حَم آيَةً ... تَأَوَّلَهَا منَّا تَقِيٌّ وَمُعْرِبُ
يريد بذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. انتهى.
وقال الشوكاني: وقد اختلف في معناه، فقيل هو اسم من أسماء الله تعالى،
стр. 11430
وقيل: اسم من أسماء القرآن، وقال الضحاك والكسائي: معناه قضي ووقع ما هو كائن إلى يوم القيامة. وجعلاه بمعنى حم؛ أي: قضي ووقع، وقيل: معناه حم أمر الله؛ أي: قرب نصره لأوليائه، وانتقامه من أعدائه، وهذا تكلف لا موجب له، وتعسف لا مُلجِىء إليه، والحق أن هذه الفاتحة لهذه السورة وأمثالها من المتشابه الذي استأثر الله سبحانه بعلم معناه، كما قدمنا تحقيقه في أول سورة البقرة. انتهى.
٢ - ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ هو خبر لـ ﴿حم (١)﴾ على تقدير أنه مبتدأ؛ أي: سورة حم الكتاب المنزل ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ إلخ. فالمصدر بمعنى اسم المفعول، أو خبر لمبتدأ محذوف، أو هو مبتدأ وخبره ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ والمصدر على معناه، وهذا أولى الوجوه؛ أي: تنزيل هذا الكتاب الكريم كائن من الله تعالى، لا كما يقول الكفار ﴿الْعَزِيزِ﴾؛ أي: الغالب القاهر على ما أراد ﴿الْعَلِيمِ﴾ بكل المعلومات، ولعل تخصيص هذين الوصفين لما في القرآن من الإعجاز وأنواع العلم الدالين على القدرة الكاملة والعلم البالغ، وفي "فتح الرحمن": العزيز الذي لا مثل له، العليم بكل المعلومات، أو الكثير العلم بخلقه، وبما يقولونه ويفعلونه.
والمعنى: أي هذا القرآن تنزيل من الله الغالب، القاهر في ملكه، الكثير العلم بخلقه وبما يقولون وما يفعلون، وفي هذا إيماء إلى أنه ليس بمتقول ولا مما يجوز أن يكذب به
٣ - ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ صفة أخرى للجلالة، والإضافة حقيقيّة؛ لأنه لم يرد به زمان مخصوص؛ لأن صفات الله تعالى أزلية منزهة عن التجدد والتقيد بزمان دون زمان، وإن كان تعلقها حادثًا بحسب حدوث المتعلقات كالذنب في هذا المقام، واسم الفاعل يجوز أن يراد به الاستمرار، بخلاف الصفة المشبهة، والغافر: الساتر، والذنب: الإثم، يستعمل في كل فعل يضرّ في عقباه، اعتبارًا بذنب الشيء؛ أي: آخره، ولم يقل: غافر الذنوب بالجمع، إرادةً للجنس، كما في الحمد لله.
والمعنى: ساتر جميع الذنوب، صغائرها وكبائرها، بتوبة وبدونها، ولا يفضح صاحبها يوم القيامة، كما يقتضيه مقام المدح العظيم ﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ والقابل في الأصل: هو الذي يستقبل الدلو من البئر فيأخذها، والقابلة: التي تقبل الولد عند الولادة، والتوب مصدر، كالتوبة: وهو ترك الذنوب على أحد الوجوه، وهو أبلغ وجوه الاعتذار، فإن الاعتذار على ثلاثة أوجه، إما أن يقول المعتذر: لم أفعل، أو يقول: فعلت لأجل كذا، أو فعلت وأسأت، وأقلعت، ولا رابع لذلك، وهذا
стр. 11431
الثالث هو التوبة، والتوبة في الشرع: هي ترك الذنب لقبحه، والندم على ما فرط منه، والعزيمة على ترك المعاودة، وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال بالإعادة، فمتى اجتمعت هذه الأربعة .. فقد كملت شرائط التوبة، فالتوبة هي الرجوع عما كان مذمومًا في الشرع إلى ما هو محمود في الدين، والاستغفار: عبارة عن طلب المغفرة بعد رؤية قبح المعصية والإعراض عنها، فالتوبة مقدمة على الاستغفار، والاستغفار لا يكون توبة بالإجماع، ما لم يقل معه: تبت وأسأت ولا أعود إليه أبدًا، فاغفر لى يارب.
وتوسيط الواو بين الغافر والقابل؛ لإفادة الجمع بين محو الذنوب وقبول التوبة في موصوف واحد بالنسبة إلى طائفة هي طائفة المذنبين التائبين، فالمغفرة بمحو الذنوب بالتوبة، والقبول بجعل تلك التوبة طاعة مقبولًا يثاب عليها، فقبول التوبة كناية عن أنه تعالى يكتب تلك التوبة للتائب طاعة من الطاعات، وإلا لما قبلها؛ لأنه لا يقبل إلا ما كان طاعة، أو لتغاير الوصفين، إذ ربما يتوهم الاتحاد، بأن يذكر الثاني لمجرد الإيضاح والتفسير، أو لتغاير موقع الفعلين ومتعلقهما؛ لأن الغفر: هو الستر مع بقاء الذنب، وذلك لمن لم يتب من أصحاب الكبائر، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، والقبول بالنسبة إلى التائبين عنها.
وفي "الأسئلة المقحمة": قدم المغفرة على التوبة؛ ردًا على المعتزلة، ليعلم أنه تعالى ربما يغفر من غير توبة ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾؛ أي: مشدد العقاب لمن مات على الشرك، فهو اسم فاعل، كما قبله، فصح جعله نعتًا للمعرفة، حيث يراد به الدوام والثبوت، وليس بصفة مشبهة، حتى تكون الإضافة لفظية، بأن يكون من إضافة الصفة إلى فاعلها، ولئن سلم .. فالمراد الشديد عقابه باللام فحذفت للازدواج مع ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ في الخلو عن الألف واللام ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾؛ أي: صاحب الفضل والإحسان على من آمن به بترك العقاب المستحق، وذي الغنى على من لم يؤمن به، والطول بالفتح: الفضل، يقال: لفلان على فلان طول؛ أي: زيادة وفضل، وأصل هذه الكلمة من الطول الذي هو خلاف القصر؛ لأنه إذا كان طويلًا .. ففيه كمال وزيادة، كما أنه إذا كان قصيرًا .. ففيه قصور ونقصان، وسمي الغني أيضًا طولًا؛ لأنه ينال به من المرادات ما لا ينال عند الفقر، كما أنه بالطول ينال ما لا ينال بالقصر، كذا في "تفسير الإِمام" في سورة النساء، والمراد هنا:
стр. 11432
الفضل بترك العقاب المستحق، وإيراد صفة واحدة في جانب الغضب بين صفات الرحمة: دليل سبقها ورجحانها.
والمعنى: أي وهو سبحانه الإله الذي يغفر ما سلف من الذنوب، ويقبل التوبة في مستأنف الأزمنة لمن تاب وخضع، وهو شديد العقاب لمن تمرد وطغى وآثر الحياة الدنيا، وعثا عن أوامر الله وبغى، المتفضل على عباده، المتطول عليهم بما هم فيه من المنن والنعم، التي لا يطيقون القيام بشكرها، ولا شكر واحدة منها، كما قال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾.
وذكر: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾؛ لترغيب عباده العاصين، وذكر: ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ لترهيبهم، وفي مجموع هذا الحث على فعل المراد من تنزيل الكتاب، وهو التوحيد والإيمان بالبعث، والإخلاص لله في العمل، والإقبال عليه، وقد جمع القرآن هذين الوصفين في مواضع كثيرة منه، كقوله: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤ ٩)﴾ ﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ ليبقى العبد بين الخوف والرجاء ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ سبحانه، فيجب الإقبال الكلي على طاعته في أوامره ونواهيه ﴿إِلَيْهِ﴾ تعالى فحسب، لا إلى غيره، لا استقلالًا ولا اشتراكًا ﴿الْمَصِيرُ﴾؛ أي: المرجع والمآب؛ أي: رجوع الخلق إليه سبحانه في الآخرة، فيجازي كلا من المطيع والعاصي.
٤ - ثم لما ذكر أن القرآن كتاب الله، أنزله ليهتدى به في الدين .. ذكر أحوال من يجادل فيه بقصد إبطاله، فقال: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾؛ أي: ما يخاصم وينازع في دفع آيات الله وإبطالها. وتكذيبها؛ أي: ما يخاصم في آيات الله تعالى التنزيلية، أو التكوينية بالطعن فيها، بأن يقول في حقها سحرًا أو شعرًا أو أساطير الأولين أو نحو ذلك، وباستعمال المقدمات الباطلة لإدحاضه وإزالته وإبطاله، لقوله تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ فحمل المطلق هنا على المقيد هناك، وأريد بالجدال المذكور هنا: الجدال بالباطل، أما الجدال لاستيضاح الحق ورفع اللبس، والبحث عن الراجح والمرجوح، وعن المحكم والمتشابه، ودفع ما يتعلق به المبطلون من متشابهات القرآن، وردهم بالجدال إلى المحكم .. فهو من أعظم ما يتقرب به المتقربون، ومن أفضل الطاعات، كالجهاد في سبيل الله تعالى.
стр. 11433
﴿إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بها، وأما الذين آمنوا .. فلا يخطر ببالهم شائبة شبهة منها، فضلًا عن الطعن فيها، ولما حكم على المجادلين في آيات الله بالكفر .. نهى رسوله ﷺ عن أن يغتر بشيء من حظوظهم الدنيوية، فقال: ﴿فَلَا يَغْرُرْكَ﴾ يا محمد ﴿تَقَلُّبُهُمْ﴾؛ أي: تنقلهم ﴿فِي الْبِلَادِ﴾ للتجارات النافقة، والمكاسب المربحة، سالمين غانمين بمراداتهم، فإنهم يمهلون ولا يهلون، و ﴿الفاء﴾: في قوله: ﴿فَلَا يَغْرُرْكَ﴾: واقعة في جواب شرط محذوف، والغرة: غفلة في اليقظة، والتقلب: التنقل في البلاد والتصرف فيها بالتجارة.
والمعنى: فإذا علمت يا محمد أنهم محكوم عليهم بالكفر .. فلا يغررك إمهالهم وإقبالهم في دنياهم، وتقلبهم في بلاد الشام واليمن للتجارات المربحة، وهي رحلة الشتاء والصيف.
وقرأ الجمهور: ﴿فَلَا يَغْرُرْكَ﴾ بالفك، وهي لغة أهل الحجاز، وقرأ زيد بن علي وعبيد بن عمير: ﴿فلا يغرك﴾ بالإدغام مفتوح الراء، وهي لغة تميم.
ومعنى الآية: أي ما يخاصم في القرآن بالطعن فيه وتكذيبه، كقولهم مرة: أنه شعر، وأخرى: أنه سحر، وثالثة: أنه أساطير الأولين، إلى أشباه ذلك من سخيف المقال، إلا الذين جحدوا به وأعرضوا عن الحق مع ظهوره، وهذا النوع من الجدل هو المذموم، وإليه الإشارة بقوله ﷺ : "لا تماروا في القرآن، فإن المراء فيه كفر". أما الجدل لتقرير الحق، وإيضاح الملتبس، وكشف المعضل، واستنباط المعاني، ورد أهل الزيغ بها، ورفع اللبس، ودفع ما يتعلق به المبطلون من متشابهات القرآن .. فهو وظيفة الأنبياء، ومنه قوله تعالى عن قوم نوح لنوح ﴿يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله تعالى عنه - قال: هاجرت إلى رسول الله ﷺ يومًا، فسمعت أصوات رجلين اختلفا في آية، فخرج يعرف في وجهه الغضب فقال: "إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب". رواه مسلم.
وقال أبو العالية: آيتان ما أشدهما علي ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية. وقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾.
ولما حكم سبحانه على المجادلين في آيات الله بالكفر .. نهى رسوله ﷺ أن
стр. 11434
ولما حكم سبحانه على المجادلين في آيات الله بالكفر .. نهى رسوله ﷺ أن يغتر بشيء من حظوظهم الدنيوية، فقال: ﴿فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾؛ أي: فلا يغررك ما يفعلونه من التجارة النافعة في البلاد، وما يحصلون عليه من المكاسب في رحلة الشتاء في اليمن، ورحلة الصيف في الشام، ثم يرجعون سالمين غانمين، فإنهم معاقبون عما قليل، وهم وإن أمهلوا .. فإنهم لا يهملون، قال الزجاج: لا يغررك سلامتهم بعد كفرهم، فإن عاقبتهم الهلاك.
وقال في "عين المعاني": فلا يغررك أيها المغرور، والمراد غيره ﷺ خطاب للمقلدين من المسلمين. انتهى.
وفي هذا تسلية له ﷺ ، ووعيد لهم،
٥ - ثم قال مسليًا رسول الله ﷺ على تكذيب من كذبه من قومه، بأن له أسوةً في سلفه الأنبياء، فان أقوامهم كذبوهم، وما آمن منهم إلا قليل، فقال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾؛ أي: قبل قريش ﴿قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ﴾؛ أي: القبائل من الكفار الذين تحزبوا على الرسل وعادوهم وحاربوهم ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾؛ أي: من بعد قوم نوح، مثل عاد وثمود وأضرابهم، وبدأ بقوم نوح إذ كان أول رسول في الأرض؛ أي: لأن آدم إنما أرسل إلى أولاده.
أي: كذبت (١) قوم نوح والأمم الذين تحزبوا على أنبيائهم بالتكذيب، فحلت بهم نقمتنا بعد بلوغ أمدهم، كما هي سنتنا في أمثالهم من المكذبين، كعاد وثمود ومن بعدهم، وكانوا في جدلهم على مثل الذي عليه قومك. ﴿وَهَمَّتْ﴾؛ أي: قصدت وعزمت ﴿كُلُّ أُمَّةٍ﴾ من تلك الأمم المكذبة أن يوقعوا الشر ﴿بِرَسُولِهِمْ﴾ الذي أرسل إليهم، والهم كما سيأتي: تصميم القلب على فعل شيء قبل أن يفعل من خير أو شر، قال في "الأسئلة المقحمة": لم يقل: برسولها؛ لأنه أراد بالأمة هاهنا الرجال دون النساء، وبذلك فسروه، وقال في "عين المعاني": برسولهم تغليب للرجال ﴿لِيَأْخُذُوهُ﴾؛ أي: ليأسروه ويحبسوه فيعذبوه أو يقتلوه، من الأخذ بمعنى الأسر.
وفيه (٢): إشارة إلى أن كل عصر يكون فيه صاحب ولاية لا بد له من أرباب
стр. 11435
الجحود والإنكار وأهل الاعتراض، كما كانوا في عهد كل نبي ورسول، وقال قتادة والسدي: ليقتلوه، والأخذ قد يرد بمعنى الإهلاك، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ والعرب تسمي الأسير الأخيذ.
وقرأ الجمهور: ﴿بِرَسُولِهِمْ﴾، وقرأ عبد الله: ﴿برسولها﴾، عاد الضمير إلى لفظ أمة.
والمعنى: أي وحرصت كل أمة على تعذيب رسولهم بحبسه وإصابة ما أرادوا منه ﴿وَجَادَلُوا﴾؛ أي: وخاصموا رسولهم ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ من القول الذي لا أصل ولا حقيقة له أصلًا. قال في "فتح الرحمن": الباطل: ما كان فائت المعنى من كل وجه، مع وجود الصورة، إما لانعدام الأهلية، أو لانعدام المحلية، كبيع الخمر وبيع الصبي، انتهى. ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾؛ أي: ليزيلوا بذلك الباطل، الحق الذي لا محيد عنه، كما فعل هؤلاء المشركون من قومك؛ أي: وخاصموا رسولهم بالباطل، بإيراد الشبه التي لا حقيقة لها، كقولهم: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ ليبطلوا به الحق الذي جاء به من عند الله تعالى، وليطفئوا النور الذي أوتيه.
قال يحيى بن سلام: جادلوا الأنبياء بالشرك؛ ليبطلوا الإيمان ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ بالإهلاك جزاء لهمّهم بالأخذ ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾؛ أي: عقابي الذي عاقبتهم به، فإن آثار دمارهم ترونها حين تمرون على ديارهم عبرة للناظرين، ولآخذنّ هؤلاء أيضًا لاتحادهم في الطريقة، واشتراكهم في الجريمة.
والاستفهام فيه (١) استفهام تعجيب من استئصالهم، واستعظام لما حل بهم، وليس استفهامًا عن كيفية عقابهم، واجتزأ بالكسر عن ياء الإضافة؛ لأنها فاصلة، والأصل: عقابي.
والمعنى (٢): فأهلكتهم واستأصلت شأفتهم، فلم أبق منهم ديارًا ولا نافخ نار، وصاروا كأمس الدابر، وإنكم لتمرون على ديارهم مصبحين وممسين، كما قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾
٦ - وهكذا سأفعل بقومك إن هم أصروا على الكفر والجدل في آيات الله، وإلى ذلك أشار بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ
стр. 11436
الأمم المكذبة، المتحزبة على رسلهم، المجادلة بالباطل لإدحاض الحق به .. وجب أيضًا ﴿عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من قومك؛ أي: كفروا ربك، وتحزبوا عليك، وهموا بما لم ينالوا، فالموصول عبارة عن كفار قومه ﷺ ، وهم قريش، لا عن الأمم المهلكة.
وقوله: ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ في حيز النصب بحذف لام التعليل، وإيصال الفعل؛ أي: كذلك حقت كلمة العذاب على الذين كفروا من قومك؛ لأنهم مستحقو أشد العقوبات وأفظعها، التي هي عذاب النار، وملازموها أبدًا لكونهم كفارًا معاندين، متحزبين على الرسول ﷺ ، كدأب من قبلهم من الأمم المهلكة، فهم لسائر فنون العقوبات أشد استحقاقًا، وأحق استيجابًا، فعلة واحدة تجمعهم، وهي أنهم أصحاب النار.
والمعنى (١): أي وكما حق على الأمم التي كذبت رسلها، وقصصت عليك خبرها، أن يحل بها عقابي .. وجبت كلمة ربك على الذين كفروا بالله من قومك؛ لأن الأسباب واحدة، والعلة متحدة، وهي كفرهم وعنادهم للحق، واهتمامهم بإطفاء نور الله الذي بثه في الأرجاء، لإصلاح نظم العالم وسعادته في دينه ودنياه، وارتقاء النفوس البشرية، والسمو بها عن الاستخذاء إلى شجر أو حجر أو حيوان، طمعًا في خير يرجى منه، وشفاعة تنفع عند الله تعالى.
وقيل: هو؛ أعني قوله: ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ في محل الرفع على أنه بدل من ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ بدل الكل.
والمعنى عليه: أي مثل ذلك الوجوب وجب على الكفرة المهلكة كونهم من أصحاب النار؛ أي: كما وجب إهلاكهم في الدنيا بعذاب الاستئصال، كذلك وجب تعذيبهم بعذاب النار في الآخرة، فالتشبيه واقع بين حالتيهم، والجامع للطرفين: إيجاب العذاب، ومحل الكاف على كلا التقديرين، النصب، على أنه نعت لمصدر محذوف، وفي الآية إشارة إلى أن الإصرار مؤد إلى الأخذ والانتقام في الدنيا والآخرة، فعلى العاقل أن يرجع إلى الله، ويتوب ويتعظ بغيره، قبل أن يتعظ الغير به، عصمنا الله تعالى وإياكم من أسباب سخطه.
стр. 11437
به، عصمنا الله تعالى وإياكم من أسباب سخطه.
وفي مصحف عبد الله (١): ﴿وكذلك سبقت﴾ وهو تفسير معنى، لا قراءة، وقرأ ابن هرمز وشيبة وابن القعقاع ونافع وابن عامر: ﴿كلمات﴾ على الجمع، وأبو رجاء وقتادة وباقي السبعة: على الإفراد.
٧ - ثم ذكر أحوال حملة العرش ومن حوله، فقال: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ والموصول: مبتدأ، ﴿وَمَنْ حَوْلَهُ﴾: معطوف على ﴿الَّذِينَ﴾: وخبر المبتدأ: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ وهذا هو الظاهر، وقيل: يجوز أن تكون من في محل نصب عطفًا على ﴿الْعَرْشَ﴾، والأول أولى. ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: ينزهونه تعالى عن كل ما لا يليق بشأنه الجليل، متلبسين بحمده على نعمائه التي لا تتناهى ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾؛ أي: بربهم إيمانًا حقيقًا بحالهم، والتصريح به مع إغناء ما قبله عن ذكره، لإظهار فضيلة الإيمان، وإبراز شرف أهله، وقد قيل: أوصاف الأشراف أشراف الأوصاف.
وقال بعضهم (٢): أشار بالإيمان إلى أنهم في مرتبة الإدراك بالبصائر، محجوبون عن إدراكه تعالى بالأبصار، كحال البشر ما داموا في موطن الدنيا، وأما في الجنة .. فقيل: لا يراه الملائكة، وقيل: يراه منهم جبريل خاصة مرةً واحدة، ويراه المؤمنون من البشر في الدنيا بالبصائر، وفي الآخرة بالأبصار؛ لأن قوله ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ قد استثني منه المؤمنون، فبقي على عمومه في الملائكة والجن، وذلك لأن استعداد الرؤية إنما هو لمؤمني البشر؛ لكمالهم الجامع ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ استغفارهم: شفاعتهم وحملهم على التوبة، وإلهامهم ما يوجب المغفرة، وفيه إشعار بأنهم يطلعون على ذنوب بني آدم، وتنبيه على أن المشاركة في الإيمان توجب النصح والشفقة، وإن تخالفت الأجناس؛ لأنها أقوى المناسبات وأتمها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾.
وقال أبو حيان: فإن قلت: ما فائدة قوله: ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، ولا يخفى على أحد أن حملة العرش ومن حوله من الملائكة الذين يسبحون بحمده مؤمنون؟
قلت: فائدته: إظهار شرف الإيمان وفضله، والترغيب فيه، كما وصف
стр. 11438
الأنبياء في غير موضع من كتابه بالصلاح لذلك. انتهى.
والمعنى (١): إن الملائكة الذين يحملون عرش ربهم، والملائكة الذين هم حوله، ينزهون الله تعالى متلبسين بحمده على نعمه، ويقرون بأن لا إله إلا هو، ولا يستكبرون عن عبادته، ويسألون أن يغفر لمن أقروا بمثل ما أقروا به، من توحيد الله، والبراءة من كل معبود سواه.
ونحن نؤمن بما جاء في الكتاب الكريم، من حمل الملائكة للعرش، ولا نبحث عن كيفيته، ولا عن عدد الحاملين له، فإن ذلك من الشؤون التي لم يفصلها لنا الكتاب ولا السنة المتواترة، فنكل أمر علمها إلى ربنا، وعلينا التسليم بما جاء في كتابه، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الحمل يراد به التدبير والحفظ، وأن الحفيف والطواف بالعرش يراد به القرب من ذي العرش سبحانه، ومكانة الملائكة لديه وتوسطهم في نفاذ أمره.
ثم بين سبحانه كيفية استغفارهم للمؤمنين، فقال حاكيًا عنهم: ﴿رَبَّنَا﴾ فهو على (٢) تقدير القول على أنه بيان لاستغفارهم؛ أي: يقولون: ربنا، أو على أنه حال؛ أي: يستغفرون للذين آمنوا قائلين: ربنا ﴿وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ نصب كل من ﴿رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ على التمييز المحول عن الفاعل؛ أي: وسعت رحمتك وعلمك كل شيء من خلقك، والمراد: أن رحمتك تسع ذنوبهم وخطاياهم، وعلمك يحيط بجميع أعمالهم وأقوالهم وحركاتهم وسكناتهم، وتقديم الرحمة على العلم، وإن كان العلم أشمل وأقدم تعلقًا من الرحمة؛ لأنها المقصودة بالذات هاهنا، وفي "عين المعاني": ملأت كل شيء نعمةً وعلمًا به، قال بعضهم: دخل في عموم الآية الشيطان ونحوه؛ لأن كل موجود له رحمة دنيوية ألبتة، وأقلها الوجود، وللشيطان إنظار إلى يوم الدين، ويكون من الرحمة الدنيوية إلى غير ذلك. ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ عن الشرك والمعاصي ﴿وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾؛ أي: تمسكوا بدينك بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه. و ﴿الفاء﴾ فيه: لترتيب الدعاء على ما قبلها من سعة الرحمة والعلم، فما بعد ﴿الفاء﴾ مسبب عن كل واحد من الرحمة والعلم، إذ المعنى: فاغفر للذين علمت منهم التوبة من
стр. 11439
الكفر والمعاصي، واتباع سبيل الإيمان والطاعة.
وفيه: إشارة إلى أن الملائكة لا يستغفرون إلا لمن تاب ورجع عن اتباع الهوى، واتبع بصدق الطلب وصفاء النية سبيل الحق تعالى. ﴿وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾؛ أي: واحفظهم من عذاب جهنم، وهو تصريح بعد إشعار للتأكيد، وذلك لأن معنى الغفران: إسقاط العذاب، وفيه إشارة إلى أنه بمجرد التوبة لا تحصل النجاة، فلا بدّ من الثبات عليها، وتخليص العمل من شوب الرياء والسمعة، وتصفية القلب عن الأهواء والبدع.
والمعنى (١): فاصفح عن المسيئين إذا تابوا، وأقلعوا عن ذنوبهم، واتبعوا ما أمرتهم به من فعل الخيرات، وترك المنكرات، واجعل بينهم وبين عذاب الجحيم وقاية، بأن تلزمهم الاستقامة، وتتم نعمتك عليهم، فإنك وعدت من كان كذلك بالبعد عن هذا العذاب، ولا يبدل القول لديك، قال مطرف بن عبد الله: وجدنا أنصح عباد الله لعباد الله الملائكة، ووجدنا أغش عباد الله لعباد الله الشيطان، وتلا هذه الآية.
قيل (٢): هذا الاستغفار في مقابلة قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ فلما صدر هذا منهم أولًا .. تداركوه بالاستغفار لمن تكلموا فيهم، وهو كالتنبيه لغيرهم، على أنه يجب على من تكلم في أحد بشيء يكرهه، أن يستغفر له، وعلى كل مَنْ آذى غيره، أن يَجْبُرَهُ بإيصال نفع إليه، ذكره في "المراح".
٨ - ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ﴾ عطف على ﴿وَقِهِمْ﴾ وتوسيط النداء بينهما للمبالغة في الجؤار، وهو رفع الصوت بالدعاء والتضرع والاستغاثة ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾؛ أي: بساتين إقامةٍ وخلودٍ ﴿الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ إياها، وقد وعد الله تعالى بأن يدخل من قال: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، جنات عدن، إما ابتداءً، أو بعد أن يعذبهم بقدر عصيانهم.
وروي: أن عمر بن الخطاب ﵁ قال لكعب الأحبار: ما جنات عدن؟ قال: قصور من ذهب في الجنة، يدخلها النبيون وأئمة العدل، فعلى هذا
стр. 11440
يكون ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾: موضع أهل الخصوص لا أهل العموم، ومثلها: الفردوس، إذ لكل مقام عمل يخص به، فإذا كان العمل أخص وأرفع .. كان المقام أرقى وأعلى.
وقرأ الجمهور (١): ﴿جَنَّاتِ﴾ جمعًا، وزيد بن علي والأعمش ﴿جنة عدن﴾ بالإفراد، وكذا في مصحف عبد الله.
﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ في محل النصب عطفًا على الضمير في ﴿وَأَدْخِلْهُمْ﴾.
والمعنى: وأدخل معم من صلح من هؤلاء صلاحًا مصححًا لدخول الجنة في الجملة، وإن كان دون صلاح أصولهم، وذلك ليتم سرورهم، ويتضاعف ابتهاجهم، وفيه إشارة إلى أن بركة الرجل التائب تصل إلى آبائه وأزواجه وذرياته؛ لينالوا بها الجنة ونعيمها.
وقرأ ابن أبي عبلة: ﴿صلح﴾ بضم اللام، يقال: صلح فهو صليح، وصلح فهو صالح، وقرأ عيسى: ﴿وذريتهم﴾ بالإفراد، والجمهور: بالجمع.
والمعنى (٢): أي ربنا وأدخلهم الجنات التي وعدتهم إياها على ألسنة رسلك، وأدخل معهم في الجنة الصالحين من الآباء والأزواج والذرية؛ لتقر بهم أعينهم، فإن الاجتماع بالأهل والعشيرة في موضع السرور، يكون أكمل للبهجة وأتم للانس.
قال سعيد بن جبير: يدخل المؤمن الجنة فيقول: يا رب، أين أبي وجدي وأمي، وأين ولدي وولد ولدي. وأين زوجاتي؟ فيقال: إنهم لم يعملوا كعملك، فيقول: يا رب كنت أعمل لي ولهم؟ فيقال: أدخلوهم الجنة، ثم تلا: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ ويقرب من هذه الآية قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان يوم القيامة .. نودي في أطفال المسلمين: أن اخرجوا من قبوركم، فيخرجون من قبورهم، فينادى فيهم: أن امضوا إلى الجنة زمرًا، فيقولون: يا ربنا، ووالدينا معنا، فينادى فيهم الثانية: أن امضوا إلى الجنة زمرًا، فيقولون: ووالدينا معنا، فيبتسم
стр. 11441
الرب تعالى، فيقول: ووالديكم معكم، فيثب كل طفل إلى أبويه، فيأخذون بأيديهم، فيدخلونهم الجنة، فهم أعرف بآبائهم وأمهاتهم يومئذ من أولادكم الذين في بيوتكم".
﴿إِنَّكَ﴾ يا ربنا ﴿أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب الذي لا يمتنع عليه مقدور ما ﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة الباهرة، من الأمور التي من جملتها إنجاز الوعد والوفاء به
٩ - ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾؛ أي (١): واحفظهم عما يسوْءُهم يوم القيامة، وادفع عنهم العقوبات؛ لأن جزاء سيئة سيئة، فتسميتها سيئة. إما لأن السيئة اسم للملزوم، وهو الأعمال السيئة، فأطلق على اللازم، وهو جزاؤها، أو المعنى: قهم جزاء السيئات، على حذف المضاف، على أن ﴿السَّيِّئَاتِ﴾ بمعنى الأعمال السيئة، وهو تعميم بعد تخصيص، لقوله: ﴿وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ أو عذاب القبر وموقف القيامة والحساب والسؤال والصراط ونحوها، أو مخصوص بمن صلح من الأتباع، والأول دعاء للأصول، قال أبو السعود: والضمير في ﴿وَقِهِمْ﴾: راجع للمعطوف، وهو الآباء والأزواج والذرية.
﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ﴾؛ أي: ومن تصرف عنه سوء عاقبة ما ارتكب من السيئات ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: يوم القيامة ﴿فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ ونجيته من عذابك؛ لأن (٢) المعافى من العذاب مرحوم، ويجوز أن يكون المراد بـ ﴿السَّيِّئَاتِ﴾ الأولى: المعاصي في الدنيا، فمعنى قوله: ﴿وَمَنْ تَقِ ....﴾ إلخ؛ أي: ومن تقه المعاصي في الدنيا .. فقد رحمته في الآخرة، كأنهم طلبوا لهم السبب بعدما سألوا المسبب ﴿وَذَلِكَ﴾ المذكور من الرحمة والوقاية ﴿هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ الذي لا فوز أجمل منه، والظفر الجسيم الذي لا مطمع وراءه لطامع؛ إذ وجدوا بأعمال منقطعة نعيمًا لا ينقطع، وبأفعال قليلة ملكًا لا تصل العقول إلى كنه جلاله.
١٠ - ولما ذكر سبحانه حال أصحاب النار، وأنها حقت عليهم كلمة العذاب، وأنهم أصحاب النار .. ذكر أحوالهم بعد دخول النار، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالله ورسله ﴿يُنَادَوْنَ﴾؛ أي: تناديهم الملائكة، وهم خزنة جهنم من مكان بعيد، تنبيهًا على بعدهم عن الحق: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ﴾ جواب قسم محذوف، والمقت: البغض
стр. 11442
الشديد لمن يراه متعاطيًا لقبيح، والبغض: نفار النفس من الشيء، ترغب عنه، وهو ضد الحب، وهو انجذاب النفس إلى الشيء الذي ترغب فيه، ومقت الله: غضبه وسخطه، وهو مصدر مضاف إلى فاعله، وحذف مفعوله؛ لدلالة المقت الثاني عليه، والمعنى: والله لمقت الله أنفسكم الأمارة بالسوء ﴿أَكبَرُ﴾ وأشد ﴿مِنْ مَقْتِكُمْ﴾ وبغضكم ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ الأمارة بالسوء، وذلك أن الكفار يمقتون في جهنم أنفسهم الأمارة بالسوء، التي وقعوا بها فيما وقعوا فيه من العذاب المخلد باتباع هواها؛ أي: يغضبون عليها حتى يأكلوا أناملهم، ويبغضونها أشد البغض، وينكرونها أشد الإنكار، ويظهرون ذلك على رؤوس الأشهاد، فعند ذلك تناديهم الملائكة من مكان بعيد.
والظرف في قوله: ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ﴾ في الدنيا من جهة الأنبياء ﴿إِلَى الْإِيمَانِ﴾ فتأبون قبوله ﴿فَتَكْفُرُونَ﴾ بالله تعالى وتوحيده، اتباعًا لأنفسكم، ومسارعة إلى هواها .. متعلق بالمقت الأول، ولا يقدح فيه وجود الخبر في "العين"؛ لأنَّ في الظروف اتساعًا.
والمعنى: إن الذين كفروا تناديهم الملائكة يوم القيامة، وهم يتلظون النار، ويذوقون العذاب، فيمقتون أنفسهم، ويبغضونها أشد البغض، بسبب ما أسلفوا من سيء الأعمال التي كانت سبب دخولهم في النار، والله إن مقت الله إياكم في الدنيا حين تدعون إلى الإيمان، فتكفرون، أشد من مقتكم أنفسكم اليوم، وأنتم على هذه الحال.
وقال الأخفش: ﴿اللام﴾ في قوله: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ﴾: لام الابتداء، دخلت على معمول خبر ﴿إنَّ﴾. وقيل: الظرف في قوله: ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ﴾: متعلق بمحذوف، تقديره: اذكروا إذ تدعون في الدنيا.
والخلاصة (١): أن مقت الله لأهل الضلال حين عرض عليهم الايمان في الدنيا فتركوه، وأبو أن يقبلوه، أكبر مما مقتوا أنفسهم حين عاينوا عذابه يوم القيامة. قاله قتادة ومجاهد والحسن البصري وابن جرير.
стр. 11443
١١ - ثم ذكر ما يقولونه حين ينادون بهذا النداء، فقال: ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قالت الكفرة حين خوطبوا بهذا الخطاب: ﴿رَبَّنَا﴾؛ أي: يا ربنا ويا مالك أمرنا ﴿أَمَتَنَا﴾ إماتتين ﴿اثْنَتَيْنِ﴾؛ أي: جعلتنا نطفًا لا حياة لنا في أصلاب آبائنا، وجعلتنا أمواتًا بانقضاء آجالنا ﴿وَأَحْيَيْتَنَا﴾ إحياءَتين ﴿اثْنَتَيْنِ﴾؛ أي: إحياءةً بنفخ الروح فينا في بطن أمهاتنا، وإحياءةً بالبعث من قبورنا، ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾. ووجه هذا القول: أن الموت قد يطلق على عادم الحياة من الأصل، ولا يلزم منه أن لا عذاب في القبر، ولا حياة ولا موت، فإنهم إنما لم يذكروها؛ لأن حياة القبر ليست كحياة الدنيا، ولا كحياة الآخرة، كما في "الأسئلة المقحمة". وقد ذهب إلى هذا المعنى جمهور السلف.
وقيل المعنى (١): أمتنا إماتتين اثنتين: مرةً بقبض أرواحنا، ومرةً بعدما سألنا منكر ونكير في القبور، وأحيَيتنا إحياءَتين اثنتين مرة عند سؤال منكر ونكير في القبور ومرةً عند البعث، وهذا أنسب بحالهم، فإنَّ مقصودهم تعديد أوقات البلاء، وهي أربعة: الموتة الأولى، والحياة في القبر، والموتة الثانية، والحياة في القيامة، فهذه الأربعة أوقات المحنة؛ فأما الحياة في الدنيا، فليست من أقسام أوقات البلاء، فلهذا السبب لم يذكروها.
وقال ابن زيد: المراد بالآية: أنهم خلقهم في ظهر آدم، واستخرجهم وأحياهم وأخذ عليهم الميثاق، ثم أماتهم ثم أحياهم في الدنيا ثم أماتهم.
وحاصل المعنى على القول الأول: أي قالوا: ربنا خلقتنا أمواتًا، وأمتنا حين انقضاء آجالنا، وأحييتنا أولًا بنفخ الأرواح فينا، ونحن في الأرحام، وأحييتنا بإعادة أرواحنا إلى أبداننا حين البعث. نقله ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس وابن مسعود - رضي الله تعالى عنهما -، وجعلوا ذلك نظير قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا ...﴾ الآية.
ثم ذكر سبحانه اعترافهم بعد أن صاروا في النار بما كذبوا به في الدنيا، فقال حاكيًا عنهم: ﴿فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾ التي أسلفناها في الدنيا من تكذيب الرسل،
стр. 11444
والإشراك بالله وترك توحيده، فاعترفوا حيث لا ينفعهم الاعتراف، وندموا حيث لا ينفعهم الندم، وقد جعلوا اعترافهم هذا مقدمة لقولهم: ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ﴾ لنا من النار ورجوع لنا إلى الدنيا ﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾؛ أي: من طريق؛ أي: فهل أنت معيدنا إلى الدنيا لنعمل غير الذي كنا نعمل؟ فإنك قادر على ذلك، وهذا أسلوب يستعمل في التخاطب حين اليأس، قالوه تحيرًا أو تعللًا: عسى أن يتاح لهم الفرج، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢)﴾ وقوله: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾
١٢ - فما كان جوابهم عما طلبوا إلا الرفض البات مع ذكر السبب، فقال: ﴿ذَلِكُمْ﴾ الذي أنتم فيه من العذاب، وهو مبتدأ، خبره قوله: ﴿بِأَنَّهُ﴾؛ أي: بسبب أن الشأن ﴿إِذَا دُعِيَ اللَّهُ﴾ في الدنيا؛ أي: عبد ﴿وَحْدَهُ﴾ أي: حال كونه منفردًا، فهو في موضع الحال من الجلالة .. ﴿كَفَرْتُمْ﴾ بتوحيده؛ أي: ذلكم الذي أنتم فيه من العذاب كائن بسبب أنه إذا دعي الله في الدنيا وحده دون غيره .. كفرتم به وتركتم توحيده ﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ﴾ غيره من الأصنام أو غيرها ﴿تُؤْمِنُوا﴾ بالإشراك به، وتجيبوا الداعي إليه، فبين سبحانه لهم السبب الباعث على عدم إجابتهم إلى الخروج من النار، وهذه الجملة علة لمحذوف، تقديره: فأجيبوا بأنه لا سبيل إلى رجوعكم إلى الدنيا، ولا إلى خروجكم من النار؛ لأن طباعكم لا تقبل الحق بل تنفيه؛ لأنكم كنتم فيها إذا دعي الله وحده ... كفرتم وأنكرتم أن تكون الألوهية له خاصةً، وإن أشرك به مشرك صدقتموه وآمنتم بقوله، فأنتم هكذا تكونون لو رددتم إلى الدنيا، كما قال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
ثم ذكر ما ترتب على أعمالهم التي عملوها وما ضرّوا بها إلا أنفسهم، فقال: ﴿فَالْحُكْمُ﴾ حينئذ ﴿لِلَّهِ﴾ وحده دون غيره الذي لا يحكم إلا الحق، وهو الذي حكم عليكم بالخلود في النار وعدم الخروج منها ﴿الْعَلِيِّ﴾؛ أي: المتعالي عن أن يكون له مماثل في ذاته ولا في صفاته ﴿الْكَبِيرِ﴾ الذي كبر عن أن يكون له مثل أو صاحبة أو ولد أو شريك، إذ ليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وقد حكم بأنه لا مغفرة للمشرك ولا نهاية لعقوبته، فلا سبيل لكم إلى الخروج من النار أبدًا، إذ أشركتم به سواه.
стр. 11445
وكأن الحرورية أخذوا قولهم: لا حكم إلا لله من هذه الآية (١)، وقيل للخوارج: حرورية؛ لتجليتهم بحروراء واجتماعهم فيها، وهي كحلولاء، وقد تقصر، قرية بالكوفة، والخوارج: قوم من زهاد الكوفة خرجوا عن طاعة علي ﵁ عند التحكيم بينه وبين معاوية، وذلك أنه لما طالت محاربة على ومعاوية .. اتفق الفريقان على التحكيم إلى أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص ﵄ في أمر الخلافة، وعلي ﵁ ارتضى بما يريانه، فقال القوم المذكور: إن الحكم إلا لله، فقال علي ﵁: كلمة حق أريد بها باطل، وكانوا اثني عشر ألف رجلٍ أنكروا الخلافة، واجتمعوا ونصبوا راية الخلاف، وسفكوا الداء وقطعوا السبيل،، فخرج إليهم علي ﵁ وأمرهم بالرجوع فأبوا إلا القتال فقاتلهم بالنهروان، هي كزعفران، بليدة قديمة بالقرب من بغداد، فقتلهم واستأصلهم ولم ينج منهم إلا قليل، وهم الذي قال ﷺ في حقهم: "يخرج قوم من أمتي في في آخر الزمان، يحقر أحدكم صلاته في جنب صلاتهم، وصومه في جنب صومهم، ولكن لا يجاوز إيمانهم تراقيهم".
والحاصل: أن الخوارج من الفرق الضالة لفسادهم في الاعتقاد، وبإنكار الحق وفساد الاعتقاد، ساء حال أكثر العباد في أكثر البلاد، خصوصًا في هذه الأعصار، فعلى العاقل أن يجيب دعوة الله ودعوة رسوله قولًا وعملًا وحالًا واعتقادًا، حتى يفوز بالمرام، ويدخل دار السلام، ولا يكون كالذين أرادوا أن يتداركوا الحال بعد مضي الفرصة.
١٣ - ثم ذكر سبحانه ما يدل على كبريائه وعظمته، فقال: ﴿هُوَ﴾ الإله ﴿الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾؛ أي: دلائل قدرته وشواهد وحدته في الأنفس والآفاق، رعايةً لمصالح أديانكم، وفيه إشارة إلى أن ليس للإنسان أن يرى ببصيرته حقائق الأشياء، إلا بإراءة الحق تعالى إياه.
﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾؛ أي: سبب رزق، وهو المطر مراعاةً لمصالح أبدانكم، فإن آيات الحق بالنسبة إلى حياة الأديان بمنزلة الأرزاق بالنسبة إلى حياة
стр. 11446
الأبدان.
والمعنى: أي هو الذي يظهر قدرته لخلقه بما يشاهدونه في العالم العلويّ والسفلي من الآيات العظام، الدالة على كمال خالقها وقدرة مبدعها وتفرّده بالألوهية، كما قال:
وفي كلِّ شيءٍ لهُ آيةٌ ... تدلُّ على أنَّه واحدُ
ثم خصص من هذه الآيات ما هم في أشد الحاجة إليه، وهو المطر فقال: ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾؛ أي: وهو الذي ينزل لكم المطر الذي يخرج به من الزرع والثمار ما تشاهدونه مما هو مختلف الألوان والطعوم والروائح والأشكال، مما أبدعته يد القدرة ووشته بأبدع الحلي والمناظر.
وقرأ الجمهور: ﴿يُنَزِّلُ﴾ بالتشديد من نزل المضاعف، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: بالتخفيف، من أنزل الرباعي.
﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ﴾ ويتعظ ويعتبر بتلك الآيات الباهرة، فيستدل بها على التوحيد وصدق الوعد والوعيد ﴿إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾ ويرجع إلى طاعة الله وتوحيده عن الإنكار به، ويتفكَّر فيما أودعه في تضاعيف مصنوعاته من شواهد قدرته الكاملة، ونعمته الشاملة، الظاهرة والباطنة، الموجبة لتخصيص العبادة به تعالى، ومن ليس كذلك وهو المعاند، فهو بمعزل من التذكر والاتعاظ.
والخلاصة: أن دلائل التوحيد مركوزة في العقول، لا يحجبها إلا الاشتغال بعبادة غير الله، فإذا أناب العبد إلى ربه .. زال الغِطاء وظفر بالفوز، وظهرت له سبيل النجاة.
١٤ - ولما ذكر ما نصبه من الأدلة على التوحيد .. أمر عباده بدعائه وإخلاص الدين له، فقال: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ﴾ والفاء: فيه للإفصاح؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم أن التذكر خاص بمن ينيب، وأردتم بيان ما هو اللازم لكم فأقول لكم: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ﴾ سبحانه أيها المؤمنون، واعبدوه وحده حال كونكم ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾؛ أي: مخلصين له دينكم وطاعتكم وعبادتكم التي أمركم بها، من الشرك، والالتفات إلى ما سواه بموجب إنابتكم إليه، وإيمانكم به، وخالفوا
стр. 11447
المشركين في مسلكهم ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ إخلاصكم وغاظهم إنابتكم إلى ربكم، ولا تلتفتوا إلى كراهتهم لذلك، ودعوهم يموتوا بغيظهم ويهلكوا بحسرتهم.
وقد ثبت في "الصحيح" عن عبد الله بن الزبير - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله ﷺ كان يقول عقب الصلوات المكتوبة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون".
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ادعوا الله ﵎ وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء قلب غافل لاهٍ".
١٥ - وبعد أن ذكر من صفات كبريائه إظهاره للآيات وإنزاله للأرزاق .. ذكر ثلاث صفات أخرى تدل على جلاله وعظمته، فقال:
١ - ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾؛ أي: هو سبحانه أرفع الموجودات وأعظمها شأنًا؛ لأن كل شيء محتاج إليه، وهو مستغن عما عداه، وأنه أزلي أبدي، ليس لوجوده أول ولا آخر، وأنه العالم بكل شيء.
٢ - ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ وارتفاع رفيع الدرجات على أنه خبر ثان عن المبتدأ المتقدم؛ أي: هو الذي يريكم آياته وهو رفيع الدرجات، وكذلك قوله:
٣ - ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ خبر ثالث، ويجوز أن يكونا خبرين لمبتدأ محذوف، والرفيع: صفة مشبهة، أضيفت إلى فاعلها بعد النقل إلى فعل بالضم، كما هو المشهور، وتفسيره بالرافع؛ ليكون من إضافة اسم الفاعل إلى المفعول، بعيد في الاستعمال كما في "الإرشاد".
والمعني: رفيع الصفات والأفعال عن كل ما لا يليق به ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ العظيم أي: مالك العرش وخالقه ومدبره، فهو مستول على معالم الأجسام، وأعظمها العرش، كما هو مستول على عالم الأرواح، وهي مسخرة له، وإلى ذلك أشار بقوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ﴾ وذلك يقتضي علو شأنه وعظم سلطانه، ومن كان كذلك .. فهو الذي يحق له العبادة ويجب له الإخلاص، وجملة قوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ
стр. 11448
مِنْ أَمْرِهِ﴾ في محل رفع على أنها خبر رابع للمبتدأ المتقدم، أو هي خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: وسبحانه وتعالى يلقي الوحي بقضائه وإرادته ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ الذين يصطفيهم لرسالته، وتبليغ أحكامه إلى من يريد من خلقه، وسمي الوحي روحًا؛ لأن القلوب تحيا به من موت الكفر، كما تحيا الأبدان بالروح.
والمعنى (١): ينزل الوحي الجاري من القلوب منزلة الروح من الأجساد، فكما أن الروح سبب لحياة الأجسام، كذلك الوحي سبب لحياة القلوب، فإن حياة القلوب إنما هي بالمعارف الإلهية الحاصلة بالوحي، فاستعير الروح للوحي؛ لأنه يحيى به القلب بخروجه من الجهل والحيرة إلى المعرفة والطمأنينة، وقوله: ﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يُلْقِي﴾، و ﴿مِنْ﴾ بمعنى الباء، أو لابتداء الغاية، ويجوز أن يكون متعلقًا بمحذوف على أنه حال من الروح؛ أي: حال كونه ناشئًا، ومبتدأ من أمره تعالى.
وقوله: ﴿لِيُنْذِرَ﴾: غاية للإلقاء؛ أي: لينذر الله تعالى، أو الملقى عليه أو الروح، والإنذار: دعوة إبلاغ مع تخويف.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿لِيُنْذِرَ﴾ مبنيًا للفاعل ونصب اليوم، والفاعل: هو الله سبحانه، أو الرسول، أو من يشاء، والمنذر به: محذوف تقديره: لينذر العذاب الواقع ﴿يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ وقرأ أبي وجماعة: كذلك، إلا أنهم رفعوا ﴿يَوْمَ﴾ على الفاعلية مجازًا، وقرأ اليماني فيما ذكر صاحب "اللوامح": ﴿ليُنذَر﴾ مبنيًا للمفعول، ﴿يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ الرفع، وقرأ ابن عباس والحسن واليماني: فيما ذكر ابن خالويه ﴿لتنذر﴾ بالتاء، فقالوا: الفاعل: ضمير الروح؛ لأنها تؤنث أو فيه ضمير المخاطب وهو الرسول، وقرىء: ﴿التَّلَاقِ﴾ و ﴿اْلتَّنَادِ﴾ بياء وبغير ياء، و ﴿يَوْمَ التَّلَاقِ﴾: هو يوم القيامة، سمي بذلك؛ لأنه تتلاقى فيه الأرواح والأجساد، وأهل السموات وأهل الأرض، والعابدون والمعبودون، والعاملون والأعمال، والأولون والأخرون، والظالمون والمظلومون، وأهل النار مع الزبانية.
стр. 11449
والمعنى: لينذر الله سبحانه، أو الرسول الموحى إليه الناس العذاب يوم القيامة.
١٦ - وقوله: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ﴾: بدل من ﴿يَوْمَ التَّلَاقِ﴾؛ أي: لينذر الرسول الناس عذاب يوم هم خارجون من قبورهم، أو ظاهرون لا يسترهم شيء من جبل أو أكمة أو بناء؛ لكون الأرض يومئذ مستويةً، ولا عليهم ثياب، إنما هم عراة مكشوفون كما في الحديث: "يحشرون حفاةً عراةً غرلًا"؛ أي: لينذر الناس عذاب يوم يلتقي فيه العابدون والمعبودون يوم هم ظاهرون، لا يكنهم شيء ولا يسترهم شيء ﴿لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ﴾ سبحانه ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: من أعيانهم وأعمالهم الجلية والخفية السابقة واللاحقة ﴿شَيْءٌ﴾ ما مع كثرتهم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾ وكانوا في الدنيا يتوهمون أنهم إذا استتروا بالحيطان والحجب .. فإن الله لا يراهم ويخفى عليه أعمالهم، فهم يومئذ لا يتوّهمون ذلك أصلًا، وهذه الجملة مستأنفة، مبنية لبروزهم، ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من ضمير ﴿بَارِزُونَ﴾ ويجوز أن تكون خبرًا ثانيًا للمبتدأ؛ أي: لا يخفى عليه سبحانه شيء منهم، ولا من أعمالهم التي عملوها في الدنيا، فيعلم ما فعله كل منهم، فيجازيه بحسب ما قدمت يداه، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.
ثم ذكر ما يقال عند بروز الخلق للحساب والجزاء فقال: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ يعني: يوم القيامة، جملة مستأنفة واقعة في جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا يقال عند بروز الخلائق في ذلك اليوم؟ فقيل: يقال: لمن الملك اليوم؛ يعني يوم القيامة، فلا يجيبه أحد، فيجيب تعالى نفسه فيقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ وقيل: ينادي مناد: لمن الملك اليوم؟ فيجيب ذلك المنادي بعينه ويقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ أو يجيبه أهل المحشر مؤمنهم وكافرهم؛ لحصول العلم الضروري بالوحدانية للكافر أيضًا، لكن الكافر يقوله صغارًا وهوانًا وعلى سبيل التحسر والندامة، والمؤمن ابتهاجًا وتلذذًا.
وهذا يسمى سؤال التقرير، فإن قلت: كيف خص ذلك بيوم مخصوص، والملك لله في جميع الأيام والأوقات.
قلت: هو وإن كان لله في جميع الأيام، إلا أنه سبحانه ملك عباده في الدنيا،
стр. 11450
ثم تكون دعاويهم منقطعة يوم القيامة، لا يدعي مدع مُلكًا ومِلكًا يومئذ، ولذا قال : ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾.
والمعنى على الأول: أي يقول الرب تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ فلا يجيبه أحد، فيجيب سبحانه، فيقول ﴿لِلَّهِ﴾؛ أي: هو ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ﴾ في ذاته وصفاته وأفعاله، الذي لا مثل له ولا ند ﴿الْقَهَّارِ﴾ لكل شيء سواه بقدرته، الغالب بعزته.
١٧ - وبعد أن ذكر صفات قهره في ذلك اليوم .. أردفها ببيان صفات عدله وفضله، فقال: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ من تمام الجواب على القول: بأن المجيب هو الله سبحانه، وأما على القول بأن المجيب هم العباد كلهم أو بعضهم، فهو مستأنف لبيان ما يقوله الله سبحانه بعد جوابهم؛ أي: يقول الله سبحانه في هذا اليوم الرهيب: تجزى كل نفس من النفوس المكلفة، برةً أو فاجرةً بما كسبت من خير أو شر، لا ظلم اليوم على أحد منهم بنقص ثواب، أو زيادة عذاب.
والمعنى: أي اليوم يثاب كل عامل بعمله فيلاقي أجره، ففاعل الخير يجزى الخير، وفاعل الشر يجزى بما يستحق، ولا يبخس أحد ما استوجبه من أجر عمله في الدنيا، فينقص منه إن كان محسنًا، ولا يحمل على مسيء إثم ذنب لم يعمله.
روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، فيما يحكيه عن ربه : "يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظَّالموا" إلى أن قال: "يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا .. فليحمد الله ﵎، ومن وجد غير ذلك .. فلا يلومن إلا نفسه".
ثم بين سبحانه أنه يصل إلى الخلق في ذلك اليوم ما يستحقون بلا إبطاءٍ، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾؛ أي: إن الله سريع حسابه لعباده على أعمالهم التي عملوها في الدنيا، فيحاسب الخلائق كلهم كما يحاسب نفسًا واحدة، لإحاطة علمه بكل شيء، فلا يعزب عنه مثقال ذرة، ويصل إليهم ما يستحقونه سريعًا، فالجملة: تعليل لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ﴾ إلخ. فإن كون ذلك اليوم بعينه يوم التلاق ويوم البروز، ربما يوهم استبعاد وقوع الكل فيه.