الأبدان.
والمعنى: أي هو الذي يظهر قدرته لخلقه بما يشاهدونه في العالم العلويّ والسفلي من الآيات العظام، الدالة على كمال خالقها وقدرة مبدعها وتفرّده بالألوهية، كما قال:
وفي كلِّ شيءٍ لهُ آيةٌ ... تدلُّ على أنَّه واحدُ
ثم خصص من هذه الآيات ما هم في أشد الحاجة إليه، وهو المطر فقال: ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾؛ أي: وهو الذي ينزل لكم المطر الذي يخرج به من الزرع والثمار ما تشاهدونه مما هو مختلف الألوان والطعوم والروائح والأشكال، مما أبدعته يد القدرة ووشته بأبدع الحلي والمناظر.
وقرأ الجمهور: ﴿يُنَزِّلُ﴾ بالتشديد من نزل المضاعف، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: بالتخفيف، من أنزل الرباعي.
﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ﴾ ويتعظ ويعتبر بتلك الآيات الباهرة، فيستدل بها على التوحيد وصدق الوعد والوعيد ﴿إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾ ويرجع إلى طاعة الله وتوحيده عن الإنكار به، ويتفكَّر فيما أودعه في تضاعيف مصنوعاته من شواهد قدرته الكاملة، ونعمته الشاملة، الظاهرة والباطنة، الموجبة لتخصيص العبادة به تعالى، ومن ليس كذلك وهو المعاند، فهو بمعزل من التذكر والاتعاظ.
والخلاصة: أن دلائل التوحيد مركوزة في العقول، لا يحجبها إلا الاشتغال بعبادة غير الله، فإذا أناب العبد إلى ربه .. زال الغِطاء وظفر بالفوز، وظهرت له سبيل النجاة.
١٤ - ولما ذكر ما نصبه من الأدلة على التوحيد .. أمر عباده بدعائه وإخلاص الدين له، فقال: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ﴾ والفاء: فيه للإفصاح؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم أن التذكر خاص بمن ينيب، وأردتم بيان ما هو اللازم لكم فأقول لكم: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ﴾ سبحانه أيها المؤمنون، واعبدوه وحده حال كونكم ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾؛ أي: مخلصين له دينكم وطاعتكم وعبادتكم التي أمركم بها، من الشرك، والالتفات إلى ما سواه بموجب إنابتكم إليه، وإيمانكم به، وخالفوا
стр. 11447
المشركين في مسلكهم ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ إخلاصكم وغاظهم إنابتكم إلى ربكم، ولا تلتفتوا إلى كراهتهم لذلك، ودعوهم يموتوا بغيظهم ويهلكوا بحسرتهم.
وقد ثبت في "الصحيح" عن عبد الله بن الزبير - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله ﷺ كان يقول عقب الصلوات المكتوبة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون".
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ادعوا الله ﵎ وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء قلب غافل لاهٍ".
١٥ - وبعد أن ذكر من صفات كبريائه إظهاره للآيات وإنزاله للأرزاق .. ذكر ثلاث صفات أخرى تدل على جلاله وعظمته، فقال:
١ - ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾؛ أي: هو سبحانه أرفع الموجودات وأعظمها شأنًا؛ لأن كل شيء محتاج إليه، وهو مستغن عما عداه، وأنه أزلي أبدي، ليس لوجوده أول ولا آخر، وأنه العالم بكل شيء.
٢ - ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ وارتفاع رفيع الدرجات على أنه خبر ثان عن المبتدأ المتقدم؛ أي: هو الذي يريكم آياته وهو رفيع الدرجات، وكذلك قوله:
٣ - ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ خبر ثالث، ويجوز أن يكونا خبرين لمبتدأ محذوف، والرفيع: صفة مشبهة، أضيفت إلى فاعلها بعد النقل إلى فعل بالضم، كما هو المشهور، وتفسيره بالرافع؛ ليكون من إضافة اسم الفاعل إلى المفعول، بعيد في الاستعمال كما في "الإرشاد".
والمعني: رفيع الصفات والأفعال عن كل ما لا يليق به ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ العظيم أي: مالك العرش وخالقه ومدبره، فهو مستول على معالم الأجسام، وأعظمها العرش، كما هو مستول على عالم الأرواح، وهي مسخرة له، وإلى ذلك أشار بقوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ﴾ وذلك يقتضي علو شأنه وعظم سلطانه، ومن كان كذلك .. فهو الذي يحق له العبادة ويجب له الإخلاص، وجملة قوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ
стр. 11448
مِنْ أَمْرِهِ﴾ في محل رفع على أنها خبر رابع للمبتدأ المتقدم، أو هي خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: وسبحانه وتعالى يلقي الوحي بقضائه وإرادته ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ الذين يصطفيهم لرسالته، وتبليغ أحكامه إلى من يريد من خلقه، وسمي الوحي روحًا؛ لأن القلوب تحيا به من موت الكفر، كما تحيا الأبدان بالروح.
والمعنى (١): ينزل الوحي الجاري من القلوب منزلة الروح من الأجساد، فكما أن الروح سبب لحياة الأجسام، كذلك الوحي سبب لحياة القلوب، فإن حياة القلوب إنما هي بالمعارف الإلهية الحاصلة بالوحي، فاستعير الروح للوحي؛ لأنه يحيى به القلب بخروجه من الجهل والحيرة إلى المعرفة والطمأنينة، وقوله: ﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يُلْقِي﴾، و ﴿مِنْ﴾ بمعنى الباء، أو لابتداء الغاية، ويجوز أن يكون متعلقًا بمحذوف على أنه حال من الروح؛ أي: حال كونه ناشئًا، ومبتدأ من أمره تعالى.
وقوله: ﴿لِيُنْذِرَ﴾: غاية للإلقاء؛ أي: لينذر الله تعالى، أو الملقى عليه أو الروح، والإنذار: دعوة إبلاغ مع تخويف.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿لِيُنْذِرَ﴾ مبنيًا للفاعل ونصب اليوم، والفاعل: هو الله سبحانه، أو الرسول، أو من يشاء، والمنذر به: محذوف تقديره: لينذر العذاب الواقع ﴿يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ وقرأ أبي وجماعة: كذلك، إلا أنهم رفعوا ﴿يَوْمَ﴾ على الفاعلية مجازًا، وقرأ اليماني فيما ذكر صاحب "اللوامح": ﴿ليُنذَر﴾ مبنيًا للمفعول، ﴿يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ الرفع، وقرأ ابن عباس والحسن واليماني: فيما ذكر ابن خالويه ﴿لتنذر﴾ بالتاء، فقالوا: الفاعل: ضمير الروح؛ لأنها تؤنث أو فيه ضمير المخاطب وهو الرسول، وقرىء: ﴿التَّلَاقِ﴾ و ﴿اْلتَّنَادِ﴾ بياء وبغير ياء، و ﴿يَوْمَ التَّلَاقِ﴾: هو يوم القيامة، سمي بذلك؛ لأنه تتلاقى فيه الأرواح والأجساد، وأهل السموات وأهل الأرض، والعابدون والمعبودون، والعاملون والأعمال، والأولون والأخرون، والظالمون والمظلومون، وأهل النار مع الزبانية.
стр. 11449
والمعنى: لينذر الله سبحانه، أو الرسول الموحى إليه الناس العذاب يوم القيامة.
١٦ - وقوله: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ﴾: بدل من ﴿يَوْمَ التَّلَاقِ﴾؛ أي: لينذر الرسول الناس عذاب يوم هم خارجون من قبورهم، أو ظاهرون لا يسترهم شيء من جبل أو أكمة أو بناء؛ لكون الأرض يومئذ مستويةً، ولا عليهم ثياب، إنما هم عراة مكشوفون كما في الحديث: "يحشرون حفاةً عراةً غرلًا"؛ أي: لينذر الناس عذاب يوم يلتقي فيه العابدون والمعبودون يوم هم ظاهرون، لا يكنهم شيء ولا يسترهم شيء ﴿لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ﴾ سبحانه ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: من أعيانهم وأعمالهم الجلية والخفية السابقة واللاحقة ﴿شَيْءٌ﴾ ما مع كثرتهم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾ وكانوا في الدنيا يتوهمون أنهم إذا استتروا بالحيطان والحجب .. فإن الله لا يراهم ويخفى عليه أعمالهم، فهم يومئذ لا يتوّهمون ذلك أصلًا، وهذه الجملة مستأنفة، مبنية لبروزهم، ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من ضمير ﴿بَارِزُونَ﴾ ويجوز أن تكون خبرًا ثانيًا للمبتدأ؛ أي: لا يخفى عليه سبحانه شيء منهم، ولا من أعمالهم التي عملوها في الدنيا، فيعلم ما فعله كل منهم، فيجازيه بحسب ما قدمت يداه، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.
ثم ذكر ما يقال عند بروز الخلق للحساب والجزاء فقال: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ يعني: يوم القيامة، جملة مستأنفة واقعة في جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا يقال عند بروز الخلائق في ذلك اليوم؟ فقيل: يقال: لمن الملك اليوم؛ يعني يوم القيامة، فلا يجيبه أحد، فيجيب تعالى نفسه فيقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ وقيل: ينادي مناد: لمن الملك اليوم؟ فيجيب ذلك المنادي بعينه ويقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ أو يجيبه أهل المحشر مؤمنهم وكافرهم؛ لحصول العلم الضروري بالوحدانية للكافر أيضًا، لكن الكافر يقوله صغارًا وهوانًا وعلى سبيل التحسر والندامة، والمؤمن ابتهاجًا وتلذذًا.
وهذا يسمى سؤال التقرير، فإن قلت: كيف خص ذلك بيوم مخصوص، والملك لله في جميع الأيام والأوقات.
قلت: هو وإن كان لله في جميع الأيام، إلا أنه سبحانه ملك عباده في الدنيا،
стр. 11450
ثم تكون دعاويهم منقطعة يوم القيامة، لا يدعي مدع مُلكًا ومِلكًا يومئذ، ولذا قال : ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾.
والمعنى على الأول: أي يقول الرب تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ فلا يجيبه أحد، فيجيب سبحانه، فيقول ﴿لِلَّهِ﴾؛ أي: هو ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ﴾ في ذاته وصفاته وأفعاله، الذي لا مثل له ولا ند ﴿الْقَهَّارِ﴾ لكل شيء سواه بقدرته، الغالب بعزته.
١٧ - وبعد أن ذكر صفات قهره في ذلك اليوم .. أردفها ببيان صفات عدله وفضله، فقال: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ من تمام الجواب على القول: بأن المجيب هو الله سبحانه، وأما على القول بأن المجيب هم العباد كلهم أو بعضهم، فهو مستأنف لبيان ما يقوله الله سبحانه بعد جوابهم؛ أي: يقول الله سبحانه في هذا اليوم الرهيب: تجزى كل نفس من النفوس المكلفة، برةً أو فاجرةً بما كسبت من خير أو شر، لا ظلم اليوم على أحد منهم بنقص ثواب، أو زيادة عذاب.
والمعنى: أي اليوم يثاب كل عامل بعمله فيلاقي أجره، ففاعل الخير يجزى الخير، وفاعل الشر يجزى بما يستحق، ولا يبخس أحد ما استوجبه من أجر عمله في الدنيا، فينقص منه إن كان محسنًا، ولا يحمل على مسيء إثم ذنب لم يعمله.
روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، فيما يحكيه عن ربه : "يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظَّالموا" إلى أن قال: "يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا .. فليحمد الله ﵎، ومن وجد غير ذلك .. فلا يلومن إلا نفسه".
ثم بين سبحانه أنه يصل إلى الخلق في ذلك اليوم ما يستحقون بلا إبطاءٍ، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾؛ أي: إن الله سريع حسابه لعباده على أعمالهم التي عملوها في الدنيا، فيحاسب الخلائق كلهم كما يحاسب نفسًا واحدة، لإحاطة علمه بكل شيء، فلا يعزب عنه مثقال ذرة، ويصل إليهم ما يستحقونه سريعًا، فالجملة: تعليل لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ﴾ إلخ. فإن كون ذلك اليوم بعينه يوم التلاق ويوم البروز، ربما يوهم استبعاد وقوع الكل فيه.
стр. 11451
أخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - قال: يجمع الله الخلق كلهم يوم القيامة بصعيد واحد، بأرض بيضاء، كأنها سبيكة فضة، لم يعصَ الله فيها قط، فأول ما يتكلم أن ينادي مناد: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ إلى قوله: ﴿الْحِسَابِ﴾، ونحو الآية قوله ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾. وقال: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾.
١٨ - ﴿وَأَنْذِرْهُمْ﴾؛ أي: وخوف يا محمد مشركي قومك ﴿يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾؛ أي: عذاب يوم القيامة، ليقلعوا عن قبيح أعمالهم وذميم معتقداتهم التي يستحقون عليها شديد العذاب و ﴿يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾: منصوب على أنه مفعول به لـ ﴿أنذرهم﴾؛ لأنه المنذر به، و ﴿الْآزِفَةِ﴾: فاعلة من أزف الأمر على وزن علم، إذا قرب، والمراد: القيامة، ولذا أنث، ونظيره: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧)﴾؛ أي: قربت القيامة، وسميت بالآزفة؛ لأزوفها، وهو القرب؛ لأن كل آت قريب، وإن استبعد اليائس أمده.
وفي الحديث: "بعثت أنا والساعة كهاتين، إن كادت لتسبقني" والإشارة بهاتين: إلى السباسة والوسطى؛ يعني أن ما بيني وبين الساعة بالنسبة إلى ما مضى من الزمان، مقدار فضل الوسطى على السبابة، شبه القرب الزماني بالقرب المساحي؛ لتصوير غاية قرب الساعة.
وجملة قوله: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾: بدل من ﴿يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ فإن القلوب ترتفع عن أماكنها من شدة الفزع، فتكون عند الحناجر، جمع حنجرة، وهي: الحلقوم؛ أي: وأنذرهم يوم الآزفة، إذ تزول القلوب عن أماكنها، وترتفع من شدة الفزع إلى الحلقوم، فتلتصق بها، فلا تعود إلى أماكنها، فيستروحوا ويتنفّسوا ولا تخرج فيستريحوا بالموت، وقيل: ينتفخ السحر؛ أي: الرئة؛ خوفًا، فيرتفع القلب إلى الحنجرة حال كون أصحاب تلك القلوب ﴿كَاظِمِينَ﴾؛ أي: مغمومين يتردد الغيظ في أجوافهم، فلا يمكنهم أن ينطقوا ويظهروا خوفهم، فهو حال من أصحاب القلوب على المعنى، إذ الأصل إذ قلوبهم لدى حناجرهم، بناء على أن التعريف اللامي بدل من التعريف الإضافي، يقال: كظم غيظه: إذا ردّ غضبه وحبسه في نفسه بالصبر وعدم إظهار الأثر.
والمعنى: حال كونهم كاظمين صابرين على الغم والكربة، ساكتين حال
стр. 11452
امتلائهم بهما؛ يعني لا يمكنهم أن ينطقوا ويصرّحوا بما عندهم من الحزن والخوف من شدة الكربة وغلبة الغمّ عليهم، فقوله: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾: تقرير للخوف الشديد، وقوله: ﴿كَاظِمِينَ﴾: تقرير للعجز عن الكلام، فإن الملهوف إذا قدر على الكلام، وبث الشكوى .. حصل له نوع خفة وسكون، وإذا لم يقدر عظم اضطرابه واشتدّ حاله.
والخلاصة: أن ذلك اليوم يعظم فيه الخوف، حتى يخيل أن القلوب قد شخصت من الصدور، وتعلقت بالحلوق، فيرومون ردّها إلى مواضعها من صدورهم، فلا هي ترجع، ولا هي تخرج من أبدانهم، فيموتوا.
ثم بين أنه لا ينفع الكافرين في ذلك اليوم أحد، فقال: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ﴾؛ أي: ما للكافرين في ذلك اليوم ﴿مِنْ حَمِيمٍ﴾؛ أي: قريب مشفق ﴿وَلَا﴾ من ﴿شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾؛ أي (١): ولا من شفيع مشفع على معنى نفي الشفاعة والطاعة معًا، وعلى أن يطاع مجاز عن يجاب وتقبل شفاعته؛ لأن المطيع في الحقيقة يكون أسفل حالًا من المطاع، وليس في الوجود من هو أعلى حالًا من الله تعالى، حتى يكون مطاعًا له تعالى، وفي الآية بيان أن لا شفاعة في حق الكفار؛ لأنها وردت في ذمهم، وإنما قال: ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ موضع للكافرين، وإن كان أعم منهم ومن غيرهم من العصاة بحسب الظاهر، تسجيلًا لهم بالظلم، ودلالة على اختصاص انتفاء كل واحد من الحميم والشفيع المشفع بهم، فثبت أن لعصاة المسلمين حميمًا وشفيعًا، وهو النبي ﷺ وسائر الأنبياء والمرسلين والأولياء المقربين والملائكة أجمعين.
والمعنى (٢): أي ليس للذين ظلموا أنفسهم بالشرك بالله قريب ينفعهم، ولا شفيع تقبل شفاعته لهم، بل تقطّعت بهم الأسباب من كل خير.
١٩ - ثم وصف سبحانه شمول علمه بكل شيء وإن كان في غاية الخفاء، فقال: ﴿يَعْلَمُ﴾ سبحانه ﴿خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾؛ أي: النظرة الخائنة للأعين، وإسناد الخيانة إلى النظرة مجاز؛ لأن الخائن هو الناظر، أو المعنى: يعلم سبحانه خائنة الأعين؛ أي: خيانة الأعين واستراقها النظر على أنها مصدر كالعافية، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزَالُ
стр. 11453
تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾؛ أي: خيانة منهم، والخيانة: مخالفة الحق، بنقض العهد في السر، ونقيضها الأمانة، والمراد هنا: استراق النظر إلى غير المَحْرم، كفعل أهل الريب والنظرة الثانية إليه.
وفي الخبر: "يا ابن آدم، لك النظرة الأولى معفوة" لوقوعها مفاجأةً دون الثانية، لكونها مقارنة للقصد وهي منْ قبيل زنى النظر، وذلك لأن النظر سهم مسموم من سهام إبليس، والنظرة تزرع في القلب شهوة وكفى بها فتنةً.
والمعنى: أي يعلم ربكم ما خانت أعين عباده، وما نظرت به إلى ما لا يحل، كما يفعل أهل الريب.
قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -: في الآية هي الرجل يكون في القوم، فتمر بهم المرأة، فيريهم أنه يغض بصره عنها، وإذا غضوا .. نظر إليها، وإذا نظروا .. غض بصره عنها، وقد اطلع الله من قلبه أنه ود أن ينظر إلى عورتها. أخرجه ابن أبي شيبة وابن المنذر.
وقال الشوكاني: ﴿خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ (١): هي مسارقة النظر إلى ما لا يحل النظر إليه، وهذه الجملة خبر آخر لقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ﴾؛ قال المؤرخ: فيه تقديم وتأخير؛ أي: يعلم الأعين الخائنة، وقال قتادة: ﴿خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾: الغمز بالعين فيما لا يحب الله، وقال الضحاك: هو قول الإنسان: ما رأيت وقد رأى، ورأيت وما رأى، وقال سفيان: هي النظرة بعد النظرة، والأول: أولى، وبه قال مجاهد. اهـ.
﴿و﴾ يعلم سبحانه ﴿مَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ والقلوب من الضمائر وتسره من معاصي الله؛ أي: لا يخفى عليه شيء من أمورهم، حتى ما يحدّثون به أنفسهم، وتضمره قلوبهم خيرًا كان أو شرًا، فقوله: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ في قوة التعليل للأمر بالإنذار.
٢٠ - ﴿وَاللَّهُ﴾ : ﴿يَقْضِي﴾؛ أي: يحكم ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بالصدق والعدل في حق كل محسن ومسيء، فيجازي كل أحد بما يستحقه من خير أو شر، ففيه تشديد لخوف المكلف.
والمعنى (٢): أي والله يحكم بالعدل في الذي خانته الأعين بنظرها، وأخفته
стр. 11454
الصدور من النوايا، فيجزي الذين أغمضوا أبصارهم وصرفوها عن محارمه حذار الموقف بين يديه بالحسنى، ويجزي الذين رددوا النظر وعزمت قلوبهم على مواقعة الفواحش جزاءهم الذي أوعدهم به في دار الدنيا.
﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ﴾؛ أي: يعبدونهم ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ تعالى، وهم الأصنام والأوثان ﴿لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾؛ لأنهم لا يعلمون شيئًا، ولا يقدرون على شيء. وفي "الإرشاد": هذا تهكم بهم؛ لأن الجماد لا يقال في حقه: يقضي ولا يقضي.
والمعنى: أي والأوثان والآلهة التي يعبدها هؤلاء المشركون من قومك، لا يقضون بشيء؛ لأنهم لا يعلمون شيئًا ولا يقدرون على شيء، فاعبدوا الذي يقدر على كل شيء، ولا يخفى عليه شيء.
وقرأ الجمهور (١): ﴿يَدْعُونَ﴾ بياء الغيبة؛ لتناسب ضمائر الغيبة قيل: يعني: يدعو الظالمون، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم، وقرأ نافع وشيبة وهشام: بالفوقية على الخطاب لهم؛ أي: قل لهم يا محمد والذين تدعون من دونه ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿هُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالهم ﴿العَلِيمُ﴾ بأحوالهم وأفعالهم، فلا يخفى عليه من المسموعات والمبصرات خافية؛ أي: إنه تعالى هو السميع لما تنطق به الألسنة، البصير بما تفعلون من الأفعال، وهو محيط بكل شيء ومحصيه عليكم، فيجازيكم عليه جميعًا يوم الجزاء، ولا يخفى ما في هذا من الوعيد لهم على ما يقولون ويفعلون، والتعريض بحال ما يدعون من دون الله تعالى، وهذا تقرير (٢) لعلمه تعالى بخائنة الأعين، وقضائه بالحق، فإن من يسمع ما يقولون ويبصر ما يفعلون، إذا قضى .. قضى بالحق، ووعيد لهم على ما يفعلون ويقولون، وتعريض بحال ما يدعون من دونه، فإنهم عارون عن التلبس بهاتين الصفتين، فكيف يكونون معبودين؟
٢١ - ثم إنه لما بالغ في تخويف الكفار بأحوال الآخرة .. أردفه بالتخويف بأحوال الدنيا، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ و ﴿الهمزة﴾: فيه: للاستفهام التوبيخي، داخلة على محذوف، و ﴿الواو﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أغفلوا عن شدة
стр. 11455
بأس الله، ولم يسيروا في نواحي الأرض وأرجائها ﴿فَيَنْظُرُوا﴾ يجوز أن يكون مجزومًا بالعطف على ﴿يَسِيرُوا﴾ وأن يكون منصوبًا على أنه جواب الاستفهام ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: كيف كان حال من قبلهم، ومآلهم من الأمم المكذبة لرسلهم، كعاد وثمود وأضرابهم، وكانت ديارهم ممر تجار قريش ﴿كَانُوا﴾؛ أي: كان الذين من قبلهم ﴿هُمْ أَشَدَّ﴾ وأكثر ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: من مشركي مكة ﴿قُوَّةً﴾؛ أي: قدرةً وتمكنًا من التصرفات.
وإنما (١) جيء بضمير الفصل مع أن حقه التوسط بين معرفتين كقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾؛ لمضاهاة أفعل من للمعرفة في امتناع دخول اللام عليه.
وقرأ الجمهور: ﴿أَشَدُّ مِنْهُمْ﴾ بالغيبة، وقرأ ابن عامر ﴿أشد منكم﴾ على الالتفات.
﴿و﴾ أكثر ﴿آثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ مثل: القلاع الحصينة والمدن المتينة ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ سبحانه؛ أي: عاقبهم وأهلكهم ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾؛ أي: بسبب كفرهم وتكذيبهم ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ﴾؛ أي: للأمم المكذبة ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: من عذاب الله تعالى ﴿مِنْ وَاقٍ﴾ يقيهم وحافظ يحفظهم ودافع يدفع عنهم العذاب. وقرأ ابن كثير: ﴿واقي﴾ بالياء في الوقف
٢٢ - ﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: ما ذكر من الأخذ ﴿بِأَنَّهُمْ﴾؛ أي: بسبب أنهم ﴿كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾؛ أي: بالمعجزات أو بالأحكام الظاهرة والحجج الواضحة ﴿فَكَفَرُوا﴾ بما جاؤوهم به وكذّبوا رسلهم ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ تعالى أخذًا عاجلًا ﴿إِنَّهُ﴾ تعالى ﴿قَوِيٌّ﴾؛ أي: متمكن مما يريد غاية التمكن ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لأهل الشرك، لا يعتبر عقاب دون عقابه، فهؤلاء المشركون من أهل مكة قد شاهدوا مصارعهم وآثار هلاكهم، فباي وجه أمنوا أن يصيبهم مثل ما أصابهم من العذاب، أو المعنى: أنه قوي على الانتقام من الأعداء للأولياء، شديد العقاب في الانتقام من الأعداء. وفي "فتح الرحمن": قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ ...﴾ الآية. فإن قلت: لم قال هنا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ بضمير الجمع، وفي التغابن: بإفراده، حيث قال هناك: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا ....﴾ الآية؟
стр. 11456
قلت: جمع الضمير هنا؛ موافقة لما قبله في قوله: ﴿كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ وأفرده ثم؛ لأنه ضمير الشأن، زيد توصلًا إلى دخول ﴿أن﴾ على ﴿كان﴾.
والحال: أن الله سبحانه (١) حذّر هؤلاء المشركين مما حل بمن قبلهم من الأمم التي كانت أقوى منهم وأعظم آثارًا، كعاد وثمود، والسعيد من وعظ بغيره، فقال واعظًا ومذكّرًا: ألم يسر هؤلاء المشركون بالله في البلاد، فيروا عاقبة الذي كانوا من قبلهم من الأمم ممن سلكوا سبيلهم في الكفر وتكذيب الرسل، وقد كانوا أشدّ منهم بطشًا، وأبقى في الأرض أثرًا، فلم تنفعهم شدة قواهم وعظيم آثارهم إذ جاء أمر الله، فأخذوا بما أجرموا من المعاصي، واكتسبوا من الآثام، فأبيدوا جميعًا، وصارت مساكنهم خاويةً بما ظلموا، وما كان لهم من عذاب الله من حافظ يدفعه عنهم.
فائدة: وفي "شرح الأسماء" للزورقي: القوي هو الذي لا يلحقه ضعف في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فلا يمسّه نصب ولا تعب، ولا يدركه قصور ولا عجز في نقض ولا إبرام، ومن عرف أن الله تعالى هو القوي .. رجع إليه عن حوله وقوته، وخاصيته: ظهور القوة في الوجود، فما تلاه ذو همة ضعيفة إلا وجد القوة، ولا ذو جسم ضعيف إلا كان له ذلك، ولو ذكره مظلوم بقصد إهلاك الظالم ألف مرة .. كان له ذلك، وكفي أمره.
الإعراب
﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (٤)﴾.
﴿حمَ (١)﴾ تقدم القول في إعراب فواتح السور، وأيسر ما فيها: أنها خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هذه السورة حم؛ أي: مسماة بـ ﴿حم (١)﴾، والخبر؛ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة، منع من ظهورها اشتغال المحل بسكون الوقف على قراءة السكون، أو ضمة ظاهرة في آخره على قراءة الزهري، والجملة: مستأنفة
стр. 11457
استئنافًا نحويًا. ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾: مبتدأ. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: جار ومجرور، خبره، والجملة: مستأنفة استئنافًا بيانيًا. ﴿الْعَزِيزِ﴾: صفة أولى للجلالة. ﴿الْعَلِيمِ﴾: صفة ثانية لها. ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾: صفة ثالثة. ﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾: معطوف على ﴿غَافِرِ﴾. فإن قلت: لم زيدت الواو في هذه الصفة دون باقيها؟ قلت: زيدت هنا لإفادة الجمع بين رحمتي: مغفرة الذنب وقبول التوب. ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾: صفة رابعة. ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾: صفة خامسة. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿إلَهَ﴾: اسمها، وخبرها: محذوف، تقديره: موجود. ﴿إلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿هُو﴾: بدل من الضمير المستكن في خبر ﴿لَا﴾، والجملة الاسمية: مستأنفة، أو حال لازمة من لفظ الجلالة. ﴿إليه﴾: خبر مقدم، ﴿الْمَصِيرُ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة: في محل النصب حال من ضمير ﴿هُوَ﴾، أو مستأنفة. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿يُجَادِلُ﴾ فعل مضارع. ﴿فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾: متعلق به. ﴿إلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿الَّذِينَ﴾: فاعل، والجملة: مستأنفة، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾: صلة الموصول. ﴿فَلَا﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أن المجادلين في آيات الله كفار .. فلا يغررك إمهالهم وتقلبهم في أسفارهم للتجارة المربحة، فإنهم مأخوذون بكفرهم. ﴿لَا﴾: ناهية جازمة. ﴿يَغرُرْكَ﴾: فعل مضارع ومفعول به، مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية. ﴿تَقَلُّبُهُمْ﴾: فاعل. ﴿فِي الْبِلَادِ﴾: متعلق بـ ﴿تَقَلُّبُهُمْ﴾ والجملة الفعلية: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة.
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٥) وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٦)﴾.
﴿كَذَّبَتْ﴾: فعل ماض. ﴿قَبْلَهُمْ﴾: ظرف متعلق بمحذوف حال من ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾. ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾: فاعل. ﴿وَالْأَحْزَابُ﴾: معطوف على ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: حال من ﴿الْأَحْزَابُ﴾، والجملة الفعلية: مستأنفة. ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿كَذَّبَتْ﴾. ﴿بِرَسُولِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿همت﴾. ﴿لِيَأْخُذُوهُ﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل، ﴿يأخذوه﴾: فعل وفاعل ومفعول به منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، والجملة الفعلية مع أن المضمرة: في تأويل مصدر مجرور باللام، الجار والمجرور: متعلق بـ ﴿همت﴾؛ أي: وهمت كل أمة برسولها إيقاعه
стр. 11458
في الشر لأخذهم إياه وقتله. ﴿وَجَادَلُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿همت﴾ ﴿بِالْبَاطِلِ﴾: متعلق بـ ﴿جادلوا﴾. ﴿لِيُدْحِضُوا﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل. ﴿يدحضوا﴾: فعل مضارع وفاعل منصوب بأن مضمرة بعد لام كي. ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يدحضوا﴾. ﴿الْحَقَّ﴾: مفعول به، والجملة في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿اللام﴾ الجار والمجرور متعلق بـ ﴿جادلوا﴾؛ أي: جادلوا بالباطل لدحضهم الحق بالباطل. ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿أخذتهم﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿جادلوا﴾، ﴿فَكَيْفَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿كيف﴾: اسم استفهام في محل النصب خبر كان مقدم عليها وجوبًا. ﴿كاَنَ﴾: فعل ماض ناقص. ﴿عِقَاب﴾: اسم كان مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة؛ اجتزاء عنها بالكسرة، وهو مضاف وياء المتكلم المحذوفة في محل الجر مضاف إليه، وجملة ﴿كاَنَ﴾: معطوفة على جملة ﴿أخذتهم﴾. ﴿وَكَذَلِكَ﴾: الواو: استئنافية. ﴿كَذَلِكَ﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف، تقديره: حقًا مثل ما حق قضاءه، وحكمه بالتعذيب على الأمم المكذبة المذكورة ﴿حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾، ﴿حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة ﴿عَلَى الَّذِينَ﴾: متعلق بـ ﴿حَقَّتْ﴾، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾: صلة الموصول. ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾: ناصب واسمه وخبره، وجملة ﴿أنّ﴾: في تأويل مصدر مرفوع على كونه بدلًا من ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾: بدل كل من كل؛ أي: حق على الذين كفروا كونهم من أصحاب النار.
﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾.
﴿اَلَذِينَ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ﴾ صلة الموصول. ﴿وَمَنْ حَوْلَهُ﴾: معطوف على الموصول، ﴿حَوْلَهُ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، وجملة ﴿يُسَبِّحُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: مستأنفة. ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه حال من فاعل ﴿يُسَبِّحُونَ﴾؛ أي: ملابسين بحمده تعالى. ﴿وَيُؤْمِنُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿يُسَبِّحُونَ﴾، ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يومنون﴾، ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف أيضًا على ﴿يُسَبِّحُونَ﴾: ﴿لِلَّذِينَ﴾: متعلق بـ ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾، ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿رَبَّنَا﴾: منادى مضاف
стр. 11459
منصوب حذف منه حرف النداء للتخفيف، وجملة النداء: في محل النصب مقول لقول محذوف، وقع حالًا من فاعل ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾؛ أي: حال كونهم قائلين ﴿رَبَّنَا﴾، ﴿وَسِعْتَ﴾: فعل وفاعل، ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾: مفعول به. ﴿رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾: تمييزان محولان من فاعل ﴿وَسِعْتَ﴾؛ أي: وسعت رحمتك وعلمك كل شيء، والجملة الفعلية: في محل النصب مقول لذلك القول المحذوف. ﴿فَاغفِر﴾: (الفاء): فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا كانت رحمتك واسعةً، وعلمك واسعًا .. فنقول لك: ﴿اغفر﴾، (اغفر): فعل دعاء وفاعل مستتر، ﴿لِلَّذِينَ﴾: متعلق به، والجملة الدعائية: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة: في محل النصب مقول للقول المحذوف، وجملة ﴿تَابُوا﴾: صلة الموصول. ﴿وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿تَابُواْ﴾، ﴿وَقِهِمْ﴾: فعل دعاء وفاعل مستتر ومفعول به أول معطوف على ﴿فَاغفِر﴾. ﴿عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾: مفعول ثان.
﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨)﴾.
﴿رَبَّنَا﴾: منادى مضاف حذف منه حرف النداء، كرره للمبالغة في الجؤار. ﴿وَأَدْخِلْهُمْ﴾: فعل دعاء وفاعل مستتر يعود على الله ومفعول أول. ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾: مفعول ثان، والجملة: معطوفة على جملة ﴿قِهِمْ﴾ ﴿الَّتِي﴾: صفة لـ ﴿جَنَّاتِ﴾. ﴿وَعَدتهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به صلة ﴿الَّتِي﴾، والعائد: محذوف، تقديره: إياها. ﴿وَمَن﴾، في قوله: ﴿وَمَنْ صَلَحَ﴾: اسم موصول في محل النصب معطوف على ضمير ﴿أدخِلْهُم﴾ أو على ضمير ﴿وَعَدْتَهُمْ﴾ والأول: أرجح، كما قاله الفراء. ﴿صَلَحَ﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على ﴿مَنْ﴾، صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة. ﴿مِنْ آبَائِهِمْ﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿صَلَحَ﴾. ﴿وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾: معطوفان على ﴿آبَائِهِمْ﴾. ﴿إنَّكَ﴾: ناصب واسمه. ﴿أَنْتَ﴾: ضمير فصل. ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾: في محل النصب مقول للقول المحذوف.
﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)﴾.
стр. 11460
﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾: فعل دعاء وفاعل مستتر ومفعولان معطوف على ﴿وَأَدْخِلْهُمْ﴾. ﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَن﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر: جملة الشرط أو الجواب أو هما. ﴿تَقِ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر مجزوم بـ ﴿مِنَ﴾ الشرطية، على كونها فعل شرط لها. ﴿السَّيِّئَاتِ﴾: مفعول به. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ﴿يَوْمَ﴾: منصوب على الظرفية الزمانية متعلق بـ ﴿تَقِ﴾. ﴿يَوْمَ﴾: مضاف. ﴿إذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، في محل الجر مضاف إليه، مبني بسكون مقدر، منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة التخلص من التقاء الساكنين. ﴿فَقَد﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية وجوبًا. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿رَحِمْتَهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول في محل الجزم بـ ﴿مِنَ﴾ الشرطية، على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية: مقول للقول المحذوف. ﴿وَذَلِكَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ، ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل. ﴿الْفَوْزُ﴾: خبر. ﴿الْعَظِيمُ﴾: صفة لـ ﴿الْفَوْزُ﴾ والجملة الاسمية: في محل النصب معطوفة على ما قبلها، على كونها مقولًا للقول المحذوف.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠) قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١)﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: ناصب واسمه. ﴿كَفَرُوا﴾: صلة الموصول. ﴿يُنَادَوْنَ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعل، والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾: مستأنفة. ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، أو لام قسم. ﴿مقت الله﴾: مبتدأ، ومضاف إليه، وهو من إضافة المصدر لفاعله، والمعفول به محذوف؛ أي: إياكم. ﴿أَكبَرُ﴾: خبر المبتدأ. ﴿مِنْ مَقْتِكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿أَكبَرُ﴾ ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾: مفعول ﴿مَقْتِكُمْ﴾: وهو من إضافة المصدر إلى فاعله، والجملة الاسمية: في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿يُنَادَوْنَ﴾ أو جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم: في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿يُنَادَوْنَ﴾. ﴿إذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، متعلق بـ ﴿مقت الله﴾. ﴿تُدْعَوْنَ﴾: فعل مضارع ونائب فاعل، والجملة: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذْ﴾. ﴿إِلَى الْإِيمَانِ﴾: متعلق بـ ﴿تُدْعَوْنَ﴾. ﴿فَتَكْفُرُونَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿تكفرون﴾: فعل وفاعل
стр. 11461
معطوف على ﴿تُدْعَوْنَ﴾. ﴿قَالُواْ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿رَبَّنَا﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَمَتَّنَا﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة: في محل النصب مقول قالوا على كونها جواب النداء. ﴿اثْنَتَيْنِ﴾: منصوب على المفعولية المطلقة؛ لأنه مما ناب فيه العدد عن المصدر؛ أي: إماتتين اثنتين. ﴿وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ﴾ منصوب على المفعولية المطلقة أيضًا؛ أي: إحياءَتين اثنتين. ﴿فَاعْتَرَفْنَا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿اعترفنا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿أحييتنا﴾، ﴿بِذُنُوبِنَا﴾: متعلق به. ﴿فَهَل﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿هل﴾: حرف استفهام. ﴿إِلَى خُرُوجٍ﴾: خبر مقدم. ﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾: ﴿من﴾ حرف جر زائد. ﴿سَبِيلٍ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية: معطوفة على جملة ﴿اعترفنا﴾ على كونها مقول ﴿قَالُوا﴾.
﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾.
﴿ذَلكُم﴾: مبتدأ، ﴿بِأَنَّهُ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة: مستأنفة. ﴿أنه﴾: ناصب واسمه، ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿دُعِيَ اللَّهُ﴾: فعل ماض ونائب فاعل، ﴿وَحْدَهُ﴾: حال من الجلالة، والجملة الفعلة: في محل الجر مضاف إليه، على كونها فعل شرط لها، وجملة ﴿كَفَرْتُمْ﴾: جواب ﴿إِذَا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إِذَا﴾: من فعل شرطها وجوابها: في محل الرفع خبر ﴿أن﴾: وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر مجرور بالباء، والتقدير: ذلكم كائن بسبب كفرانكم توحيد الله تعالى وقت دعائه. ﴿وَإِن﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إنْ﴾: حرف شرط، ﴿يُشْرَكْ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط له. ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿يشُرَك﴾، ﴿تُؤْمنُواْ﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿إذا﴾، ﴿فالحكم﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة؛ لأن هذا الكلام من جملة ما يقال لهم. ﴿الحكم﴾: مبتدأ. ﴿لله﴾: خبره، ﴿الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾: صفتان للجلالة، والجملة معطوفة على جملة قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ ...﴾ إلخ؛ لأنها من جملة ما يقال لهم في الآخرة.
﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (١٣)
стр. 11462
فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (١٤) رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥)﴾.
﴿هُوَ اْلَذِى﴾: مبتدأ وخبر ﴿يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾: فعل وفاعل ومفعولان؛ لأنه من رأي البصرية، تعدى بالهمزة إلى مفعولين، والجملة: صلة الموصول، والجملة الاسمية: مستأنفة مسوقة لتعليل كون الحكم لله تعالى. ﴿وَيُنَزِّلُ﴾: فعل مضارع، وفاعله: ضمير يعود على الموصول، والجملة: معطوفة على جملة ﴿يُرِيكُمْ﴾. ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: متعلق بـ ﴿ينزل﴾ وكذلك ﴿لَكمُ﴾. ﴿رِزْقًا﴾: مفعول به. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿يَتَذَكَّرُ﴾: فعل مضارع. ﴿إلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿مَنْ﴾ اسم موصول في محل الرفع فاعل، والجملة الفعلية: معطوفة على الجملة الاسمية أو حال من ضمير المخاطبين، وجملة ﴿يُنِيبُ﴾: صلة الموصول، ﴿فَادْعُوا اللَّهَ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم أن التذكر خاص بمن ينيب، وأردتم بيان ما هو اللازم لكم .. فأقول لكم ﴿ادْعُوا اللَّهَ﴾. ﴿ادْعُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ولفظ الجلالة مفعول به. ﴿مُخْلِصِينَ﴾: حال من فاعل ﴿ادعوا﴾. ﴿لَه﴾: متعلق بـ ﴿مُخْلِصِينَ﴾. ﴿الدِّينَ﴾: مفعول ﴿مُخْلِصِينَ﴾ والجملة الفعلية: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة: مستأنفة. ﴿وَلَوْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لو﴾: حرف شرط. ﴿كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾: فعل وفاعل ومفعوله محذوف، تقديره: إخلاصكم أو دعوتكم، والجملة: فعل شرط لـ ﴿لو﴾ وجوابها محذوف دل عليه السياق، تقديره: ولو كره الكافرون فادعوه: وجملة ﴿لو﴾ الشرطية: معطوفة على جملة شرط محذوف، تقديرها: إن رضي الكافرون دعوتكم .. فادعوه وإن كره الكافرون .. فادعوه والجملة المحذوفة: في محل النصب حال من فاعل: فادعوا؛ أي: ﴿فَادْعُوُه﴾ حال كونكم سواء عليكم رضاؤهم وكراهتهم. ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هو سبحانه رفيع الدرجات، والجملة: مستأنفة. ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾: خبر ثان، وجملة ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾ خبر ثالث ﴿يُلْقِي﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله. ﴿الرُّوحَ﴾: مفعول به، والمراد بـ ﴿الرُّوحَ﴾ هنا: الوحي ﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾: حال من ﴿الرُّوحَ﴾؛ أي: حال كونه ناشئًا ﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾. ﴿عَلَى مَنْ﴾: متعلق بـ ﴿يُلْقِي﴾، وجملة ﴿يَشَاءُ﴾: صلة ﴿مَن﴾ الموصولة، والعائد: محذوف، تقديره: على من يشاؤه
стр. 11463
﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾: حال من العائد المحذوف. ﴿لِيُنْذِرَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل. ﴿ينذر﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله، أو على الرسول، ﴿يَوْمَ التَّلَاقِ﴾: مفعول به على التوسع ومضاف إليه، والجملة الفعلية مع أن المضمرة، في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿اللام﴾ تقديره: لإنذاره الناس عذاب ﴿يَوْمَ التَّلَاقِ﴾. والجار والمجرور: متعلق بـ ﴿يُلْقِي﴾.
﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦) الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٧)﴾.
﴿يَوْمَ﴾: بدل من ﴿يَوْمَ التَّلَاقِ﴾: بدل كل من كل منصوب على المفعولية. ﴿هُمْ بَارِزُونَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية: في محل الجر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليه. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يَخْفَى﴾: فعل مضارع. ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: متعلق به، ﴿مِنْهُمْ﴾: حال من ﴿شَيْءٌ﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها. ﴿شَيْءٌ﴾: فاعل ﴿يَخْفَى﴾. والجملة الفعلية: في محل النصب حال من ضمير ﴿بَارِزُونَ﴾. ﴿لِمَنِ﴾ ﴿اللام﴾: حرف جر. ﴿من﴾: اسم استفهام في محل الجر بـ ﴿اللام﴾ الجار والمجرور: خبر مقدم. ﴿الْمُلْكُ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿الْيَوْمَ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿الْمُلْكُ﴾ والجملة من المبتدأ والخبر: في محل النصب مقول لقول محذوف تقديره: يقول الرب سبحانه لهم ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ وجملة القول المحذوف: مستأنفة، أو حال من الجلالة؛ أي: لا يخفي على الله منهم شيء حال كون الله قائلًا لهم: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ ﴿لِلَّهِ﴾: خبر لمبتدأ محذوف تقديره: الملك كائن لله سبحانه. ﴿الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾: صفتان للجلالة، والجملة الاسمية: مقول لقول محذوف، تقديره: ويقول الرب أيضًا في الجواب: الملك ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ وجملة القول المحذوف: معطوفة على القول المحذوف قبله، وقال الزمخشري: ينادي منادٍ فيقول: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ فيجيبه أهل المحشر: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾. ﴿الْيَوْمَ﴾: منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿تُجْزَى﴾، ﴿تُجْزَى﴾: فعل مضارع مغير الصيغة ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾: نائب فاعل، والجملة الفعلية من تتمة المقول للقول المحذوف سابقًا. ﴿بِمَا﴾: ﴿الباء﴾: حرف جر وسبب. ﴿ما﴾: موصولة أو مصدرية، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تُجْزَى﴾. ﴿كَسَبَتْ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر، والجملة: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد: محذوف، تقديره: بما كسبته أو لـ ﴿ما﴾ المصدرية؛ أي: بكسبها, ولكنه على تقدير مضاف؛ أي: جزاء ما
стр. 11464
كسبته. ﴿لا﴾: نافية للجنس. ﴿ظُلْمَ﴾: اسمها. ﴿الْيَوْمَ﴾: ظرف متعلق بمحذوف خبر ﴿لَا﴾، تقديره: لا ظلم كائن اليوم، وجملة ﴿لَا﴾: من اسمها وخبرها من تتمة القول المحذوف. ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: ناصب واسمه وخبره، وجملة ﴿إِنَّ﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل عدم الظلم؛ أي: إنه تعالى لا يشغله حساب عن حساب، فهو سريع في حسابه، عادل في حكمه.
﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨)﴾.
﴿وَأَنْذِرْهُمْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿أنذرهم﴾: فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول أول. ﴿يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾: مفعول ثان، والجملة الفعلية: مستأنفة. ﴿إِذِ﴾: بدل من ﴿يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾: بدل كل من كل. ﴿الْقُلُوبُ﴾: مبتدأ ﴿لَدَى﴾: منصوب على الظرفية بفتحة مقدرة. ﴿الْحَنَاجِرِ﴾: مضاف إليه، والظرف: متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، تقديره: إذ القلوب مرتفعة لدى الحناجر، والجملة الاسمية: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذِ﴾، ﴿كَاظِمِينَ﴾: حال من الضمير المستكن في الخبر، وعوملت ﴿الْقُلُوبُ﴾ في جمعها بالياء والنون معاملة أصحابها؛ أي: حال كون أصحابها ﴿كَاظِمِينَ﴾. ﴿مَا﴾: نافية، تميمية أو حجازية. ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾: خبر مقدم أو خبر لـ ﴿مَا﴾ الحجازية مقدم على اسمها. ﴿مِنْ﴾: زائدة، ﴿حَمِيمٍ﴾: مبتدأ مؤخر أو اسمها مؤخر. ﴿وَلَا شَفِيعٍ﴾: معطوف على ﴿حَمِيمٍ﴾ وجملة ﴿يُطَاعُ﴾: صفة لـ ﴿شَفِيعٍ﴾ والجملة الاسمية: في محل النصب حال من أصحاب ﴿الْقُلُوبُ﴾ أيضًا، وقوله: ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ إظهار في مقام الإضمار؛ أي: حالة كونهم عادمي ﴿حَمِيمٍ﴾ ينفعهم وعادمي ﴿شَفِيعٍ﴾ يقبل في حقهم.
﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠)﴾.
﴿يَعْلَمُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله، ﴿خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾: مفعول به، وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي: الأعين الخائنة، والجملة الفعلية: خبر رابع للمبتدأ المحذوف الذي أخبر عنه بـ ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾ وما بعده، أو هو خبر من أخبار ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ﴾ أو حال لازمة من ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. ﴿وَمَا﴾: اسم
стр. 11465
موصول في محل النصب معطوف على ﴿خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾. ﴿تُخْفِي الصُّدُورُ﴾: فعل وفاعل، والجملة: صلة الموصول، والعائد: محذوف، تقديره: تخفيه الصدور ﴿وَاللَّهُ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، أو استئنافية. ﴿اللهُ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَقْضِي﴾: خبره. ﴿بِالْحَقِّ﴾: متعلق بـ ﴿يَقْضِي﴾ أو حال من فاعل ﴿يَقْضِي﴾. والجملة الاسمية مستأنفة، أو معطوفة على جملة ﴿يَعْلَمُ﴾ عطف اسمية على فعلية. ﴿وَالَّذِينَ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَدْعُونَ﴾: صلة الموصول، والعائد: محذوف، تقديره: يدعونهم. ﴿مِنْ دُونِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَدْعُونَ﴾، وجملة ﴿لَا يَقْضُونَ﴾: خبر المبتدأ. ﴿بِشَيْءٍ﴾: متعلق بـ ﴿يَقْضُونَ﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه. ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل. ﴿السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾: خبران لـ ﴿إِنَّ﴾. وجملة ﴿إِنَّ﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٢١)﴾.
﴿أَوَلَمْ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التوبيخي، داخلة على محذوف، و ﴿الواو﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أغفلوا عن انتقام الله سبحانه من الأمم المكذبة للرسل، ولم يسيروا في الأرض، والجملة المحذوفة، جملة إنشائية، لا محل لها من الإعراب. ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وجزم. ﴿يَسِيرُوا﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾، و ﴿الواو﴾: فاعل ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق به. ﴿فَيَنْظُرُوا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿ينظروا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿يَسِيرُوا﴾. ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام في محل النصب خبر مقدم لـ ﴿كَانَ﴾. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص. ﴿عَاقِبَةُ الَّذِينَ﴾: اسمها، وجملة ﴿كَانَ﴾: في محل النصب ساد مسد مفعول ﴿ينظروا﴾: معلق عنها باسم الاستفهام. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ﴿كَانُوا﴾: وجملة ﴿كَانَ﴾: صلة الموصول. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿هُمْ﴾ ضمير فصل ﴿أَشَدَّ﴾: خبر ﴿كَانَ﴾. ﴿مِنْهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿أَشَدَّ﴾، ﴿قُوَّةً﴾: تمييز محول عن اسم ﴿كَانَ﴾، ﴿وَآثَارًا﴾: معطوف على ﴿قُوَّةً﴾. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: صفة لـ ﴿آثارا﴾، وجملة ﴿كَانَ﴾: مستأنفة، وجاز دخول ضمير الفصل بين معرفة ونكرة، وهو لا يقع إلا بين معرفتين؛ لأن النكرة هنا وهي ﴿أَشَدَّ﴾ بمثابة المعرفة من حيث امتناع دخول أل عليها؛ لأن اسم التفضيل
стр. 11466
المقرون بـ ﴿مِنَ﴾ لا تدخل عليه أل. ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿أخذهم الله﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة: معطوفة على جملة ﴿كَانُوا﴾. ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿أخذهم﴾ ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص. ﴿لَهُمْ﴾: خبر كان مقدم. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿وَاقٍ﴾. ﴿مِنَ﴾: زائدة ﴿وَاقٍ﴾: اسم ﴿كَانَ﴾ مؤخر، وجملة ﴿كَانَ﴾: معطوفة على جملة ﴿أخذ﴾.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٢)﴾.
﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ. ﴿بِأَنَّهُمْ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: مستأنفة. ﴿أنهم﴾: ناصب واسمه. ﴿كَانَتْ﴾: فعل ناقص واسمها ضمير يعود على الرسل. ﴿تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ﴾: فعل ومفعول به وفاعل. ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾: متعلق بـ ﴿تَأْتِيهِمْ﴾ والجملة الفعلية: خبر ﴿كان﴾ وجملة ﴿كَانَ﴾: في محل الرفع خبر ﴿أَن﴾، وجملة ﴿أن﴾: في تأويل مصدر مجرور بالياء، والتقدير: ذلك الأخذ والعذاب كائن بسبب إتيان رسلهم بالبينات وكفرهم بها. ﴿فَكَفَرُوا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿كفروا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿كَانَتْ﴾. ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾: معطوف على ﴿كَفَرُوا﴾، ﴿إِنَّهُ قَوِيٌّ﴾: ناصب واسمه وخبره الأول، ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: خبر ثان لها، وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
التصريف ومفردات اللغة
﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ والغافر: الساتر، والذنب: الإثم، يستعمل في كل فعل يضرّ في عقباه، اعتبارًا بذنب الشيء؛ أي: آخره.
﴿قابل التوب﴾ والقابل: هو الذي يستقبل الدلو من البئر فيأخذها, والقابلة: التي تقبل الولد عند الولادة، وقبلتُ عذره وتوبته وغير ذلك، والتوب: مصدر، كالتوبة وهو ترك الذنب على أحد الوجوه كما مر. وفي "المختار": التوبة: الرجوع عن الذنب، وبابه: قال، يقال: تاب يتوب توبًا وتوبة أيضًا, وقال الأخفش: والتوب: جمع توبة، كدوم ودومة، اهـ.
﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ والطول: الفضل والزيادة والإنعام الواسع، وفي "الصحاح": والطول بالفتح: المن, يقال منه: طال يطول - من باب قال - إذا امتن عليه. وقال
стр. 11467
الماوردي: الفرق بين المن والفضل: أن المن عفو عن ذنب، والتفضل إحسان غير مستحق، والطَّول: مأخوذ من الطَّول، كأنه طال بإنعامه على غيره، وقيل: لأنه طالت مدة إنعامه. اهـ.
﴿الْمَصِيرُ﴾: المرجع، وأصله: المصير، بوزن المفعل بكسر العين؛ لأنه من يفعِل المكسور العين، نقلت حركة الياء إلى الصاد فسكنت إثر كسرة فصارت حرف مد.
﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ الجدال: المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة، وأصله: من جدلت الحبل، أحكمت فتله، فإن المتجادلين يفتل كل واحد الآخر عن رأيه.
﴿فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾ والغرة: غفلة في اليقظة، قال في "المفردات": التقلب: التصرف، وقال الراغب: البلد: المكان المحدود، المتأثر باجتماع قطانه وإقامتهم فيه، وجمعه: بلاد وبلدان.
﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ﴾ قصدت، والهم: عقد القلب على فعل شيء قبل أن يفعل من خير أو شر.
﴿لِيَأْخُذُوهُ﴾ من الأخذ بمعنى الأسر، والأخيذ: الأسير؛ أي: ليأسروه ويحبسوه. كما مر.
﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾؛ أي: ليزيلوا الحق. ﴿حَقَّتْ﴾؛ أي: وجبت. ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾؛ أي: حكمه بالإهلاك. ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ أمر من وقى يقي وقايةً، وهي حفظ الشيء مما يؤذيه ويضره، وفيه إعلالان، حذف فاء الكلمة وهي الواو، إذ قياس مضارعه: يوقي، حذفت الواو التي هي فاء الكلمة؛ لوقوعها بين عدوّتَيها الياء والكسرة، وحذف لام الكلمة؛ لبناء الأمر على ما يجزم به مضارعه، فلم يبق إلا عين الكلمة. ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ﴾ أصله: توقي، حذفت فاء الكلمة التي هي الواو للعلة السابقة، ثم حذفت لام الكلمة وهي الياء للجازم، فلم يبق من الكلمة إلا عينها فصار الفعل على وزن "تع".
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ﴾ من المناداة، وهي وكذا النداء: الدعوة ورفع الصوت، أصله: يناديون، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، فالتقى ساكنان،
стр. 11468
فحذفت الألف دالة عليها.
﴿لَمَقْتُ اللَّهِ﴾ والمقت: البغض الشديد لمن يراه متعاطيًا لقبيح، والبغض: نفار النفس من الشيء ترغب عنه، وهو ضد الحب، وهو انجذاب النفس إلى الشيء الذي ترغب فيه، ومقت الله: غضبه وسخطه، وهو مصدر مضاف إلى فاعله، وحذف مفعوله؛ أي: مقت الله أنفسكم الأمارة بالسوء. ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ﴾ أصله: تدعوون، تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا، ثم حذفت لالتقاء الساكنين.
﴿أَمَتَّنَا﴾ من أمات الرباعي، أصله: أموت، تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا، فصار أمات، ثم أسند الفعل إلى تاء الفاعل فسكن آخره، وهو التاء لام الكلمة، فالتقى ساكنان: الألف وآخر الفعل، فحذفت الألف لبقاء دالها، فصار أمتْتَنا، فأدغمت التاء الأولى التي هي لام الكلمة في تاء الفاعل فصارت ﴿أَمَتَّنَا﴾.
﴿إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾ فيه إعلال بالقلب، أصله: دعو، قلبت الواو ياء لتطرفها إثر كسرة.
﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ أصله: العليو، اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما ساكنةً فقلبت الواو ياءً وأدغمت فيها الياء.
﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾ فيه إعلال بالنقل والتسكين والقلب، أصله: ينوب، نقلت حركة الواو إلى النون فسكنت الواو إثر كسرة فقلبت ياءً حرف مد. ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾ والرفيع: إما صفة مشبهة أضيفت إلى فاعلها بعد النقل إلى فعل بالضم، كما هو المشهور بمعنى عظيم الصفات، أو صيغة مبالغة محولة عن اسم الفاعل، فيصح فيه الوجهان. كما في "السمين".
﴿يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ التلاقي: مصدر تلاقى الخماسي، وقياسه: أن يكون ما قبل آخره مضمومًا، لكنه كسر لمناسبة الياء. ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ﴾ يقال: برز بروزًا: خرج إلى البراز؛ أي: الفضاء، كتبرز وظهر بعد الخفاء كبرز بالكسر. ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ﴾ أصله: تجزى، بوزن تفعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها.
﴿يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ هو يوم القيامة، سميت بذلك لأزوفها؛ أي: لقربها من أزف الرحيل؛ أي: قرب. وفي "المصباح": أزف الرحيل أزفًا من باب تعب وأزوفًا: دنا وقرب، وأزفت الآزفة: القيامة. وفي "الأساس": أزف الرحيل: دنا وعجل، ومنه
стр. 11469
أقبل يمشي الأزفى بوزن الجمزى، وكأنه من الوزيف، و ﴿الهمزة﴾: بدل عن واو. وفي "الروح": الآزفة فاعلة من أزف الأمر على وزن علم: إذا قرب، والمراد: القيامة، ولذا أنث، ونظيره: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧)﴾؛ أي: قربت القيامة، وسميت بالآزفة لأزوفها، وهو القرب, لأن كل آت قريب، وإن استبعد اليائس أمده.
﴿لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ جمع حنجرة، وهي الحلقوم، وفي "القاموس": والحنجور: السِقط الصغير, وقارورة للذريرة، والحلقوم كالحنجرة، والحناجر جمعه. ﴿كَاظِمِينَ﴾ يقال: كظم غيظه؛ أي: رد غضبه وحبسه في نفسه بالصبر وعدم إظهار الأثر. ﴿وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ فيه إعلال بالنقل والتسكين والقلب، أصله: يطوع، نقلت حركة الواو إلى الطاء فسكنت، لكنها قلبت ألفًا لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها الآن.
﴿خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ فيه إعلال بالقلب، أصله: خاونة؛ لأنه من خان يخون، واوي العين، قلبت الواو في الوصف همزةً حملًا له في الإعلال على فعله خان، حيث أعل بقلب الواو عينه ألفًا لتحركها بعد فتح، ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ﴾: أصله يدعوون بواوين: الأولى لام الكلمة، والثانية واو الجماعة، فاستثقلت الضمة على الواو لام الكلمة فحذفت، فلما سكنت .. التقى ساكنان، فحذفت لام الكلمة وبقيت واو الجماعة، فوزنه يَفعون. ﴿لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ أصله: يقضيون، استثقلت الضمة على الياء، فحذفت، فلما سكنت .. التقى ساكنان فحذفت الياء، ثم ضمت الضاد لمناسبة الواو.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الطباق بين ﴿الذَّنْبِ﴾ و ﴿التَّوْبِ﴾، وبين ﴿أَمَتَّنَا﴾ ﴿وَأَحْيَيْتَنَا﴾.
ومنها: الحصر في قوله: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
ومنها: المقابلة في قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ فقد قابل بين التوحيد والإشراك، والكفر والإيمان.
стр. 11470
ومنها: إيراد ﴿إِذَا﴾ وصيغتي الماضي في الشرطية الأولى، و ﴿إِنَّ﴾ وصيغتي المضارع في الشرطية الثانية؛ للدلالة على كمال سوء حالهم، كما في "أبي السعود".
ومنها: الإتيان بصيغة المضارع في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ ...﴾ إلخ. في كلا الفعلين للدلالة على تجدد الإراءة والتنزيل واستمرارهما، كما في "أبي السعود".
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ فإنه من إطلاق المسبب وإرادة السبب؛ لأنه أطلق الرزق وأراد المطر؛ لأن الماء سبب في جميع الرزق.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ﴾ فإنه كناية عن الوحي؛ لأنه كالروح للجسد، فهو مجاز مرسل، علاقته: السببية، وجعله الزمخشري استعارة تصريحية، وليس ببعيد.
ومنها: الإسجال بغير مغالطة في قوله: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ وهو فن طريف من فنون البلاغة، وهو أن يقصد المتكلم غرضًا من ممدوح، فيأتي بألفاظ تقرر بلوغه ذلك الغرض إسجالًا منه على الممدوح به، وبيان ذلك: أن يذكر شرطًا يلزم من وقوعه وقوع ذلك الغرض، ثم يخبر بوقوعه وإن لم يكن قد وقع بعد ليقع المشروط، اهـ "درويش".
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ﴾؛ لأن المراد بالإماتتين الإثنتين: خلقهم أمواتًا أولًا، وإماتتهم عند انقضاء آجالهم ثانيًا، وقد أوضح ذلك بقوله في آية أخرى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ ففي تسمية خلقهم أمواتًا إماتة مجاز مرسل؛ لأنه باعتبار ما كان، اهـ "درويش".
ومنها: الاستفهام بمعنى اليأس في قوله تعالى: ﴿هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ ففي هذا الاستفهام يأس مقنط، واستحالة مفرطة، كأنهم لفرط ما يكابدونه يتمنون الخروج من هذا الأسى المطبق من الهول المستحكم.
ومنها: تنكير ﴿خُرُوجٍ﴾ للدلالة على أي خروج كان، سواء أكان سريعًا أم بطيئًا، وإنما يقولون ذلك تعللًا وتحيرًا.
стр. 11471
ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ لتجسيد الهول في ذلك اليوم الذي تكون فيه مشارفتهم للنار، فعند ذلك ترفع قلوبهم عن مقارها فتلصق بحناجرهم، فلا هي تخرج فيموتوا ويستريحوا, ولا هي ترجع إلى مواطنها فيتنفسوا الصعداء ويتروّحوا, ولكنها معترضة كالشَّجا.
ومنها: عكس الظاهر في قوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ إذ لا شفيع لهم أصلًا، فضلًا عن أن يكون مطاعًا، وكان الظاهر أن يقال: ولا يطاع فيهم شفيع.
ومنها: الإسناد المجازي في قوله: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾؛ لأن إسناد الخيانة إلى النظرة مجاز؛ لأن الخائن هو الناظر.
ومنها: التهكم في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾؛ لأن هذا تهكم بهم؛ لأن الجماد لا يقال فيه: يقضي ولا يقضي.
ومنها: الاستفهام التوبيخي في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا ...﴾ إلخ. وفيه تهديد للمشركين بذكر عاقبة من كانوا قبلهم من الأمم المكذبة للرسل.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
لما قبلها: أن الله سبحانه لما سلى (١) رسوله ﷺ بذكر عاقبة الكفار الذين كذبوا الرسل قبله، بمشاهدة آثارهم .. سلاه أيضًا بذكر قصص موسى مع فرعون مع ما أوتي من الحجج الباهرة، كذبه فرعون وقومه، وأمروا بقتل أبناء بني إسرائيل، وأمر فرعون بقتل موسى خوفًا أن يبدل دينهم، أو يعيث في الأرض فسادًا، فتعوذ موسى بربه ورب بني إسرائيل من كل جبار متكبر، لا يؤمن بالجزاء والحساب.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن ذلك المؤمن لما سمع رأي فرعون في موسى، وتصميمه على قتله، وإقامة البراهين على صحة رأيه، وأنه لا سبيل إلى العدول عن ذلك .. أعاد النصح مرةً أخرى لقومه، لعلهم يرعوون عن غيهم، ويتوبون إلى رشدهم، فذكرهم بأس الله سبحانه وسننه في المكذبين للرسل، وضرب لهم الأمثال بما حل بالأحزاب من قبلهم، كقوم نوح وعاد وثمود، ثم ذكرهم بأهوال يوم القيامة، يوم لا عاصم من عذاب الله، ثم أعقب ذلك بتذكيرهم بما فعل آباؤهم الأولون مع يوسف من قبل، من تكذيبهم برسالته ورسالة من بعده، فأحل الله بهم من البأس ما صاروا به مثلًا في الأخرين، وكان لسان حاله يقول: هاأناذا قد أسمعت ونصحت فما قصرت، والأمر إليكم فيما تفعلون. اهـ.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر فيما سلف تكبر فرعون وجبروته .. أبان هنا أنه بلغ من عتوِّه وتمرده وافترائه في تكذيب موسى ﵊ أن أمر وزيره هامان أن يبني له قصرًا شامخًا من الآجر؛ ليصعد به إلى السماء ليطلع إلى إله موسى ﵊، ومقصده من ذلك الاستهزاء به، ونفي رسالته، وأكد ذلك بالتصريح بقوله: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ ثم أرشد إلى أن هذا وأمثاله صنيع المكذبين الضالين، وأن عاقبة تكذيبهم الهلاك والخسران.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما حكى (٢) عن موسى أنه ما زاد حين سمع مقالة فرعون الداعية إلى قتله على أن استعاذ بالله من شره .. أردف ذلك ببيان أن الله
стр. 11474
قيض له من يدافع عنه من آل فرعون أنفسهم، ويذب عنه على أكمل الوجوه وأحسنها، ويبالغ في تسكين تلك الفتنة، ويجتهد في إزالة ذلك الشر.
التفسير وأوجه القراءة
٢٣ - ثم ذكر سبحانه قصة موسى وفرعون ليعتبروا بها، فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى﴾؛ أي: وعزّتي وجلالي لقد أرسلنا موسى بن عمران حال كونه متلبسًا ومؤيدًا ﴿بِآيَاتِنَا﴾ وهي المعجزات التسع ﴿و﴾ بـ ﴿سُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾؛ أي: وبحجةٍ قاهرةٍ ظاهرة واضحة، وهي العصا، وأفردها بالذكر مع اندراجها تحت الآيات، تفخيمًا لشأنها، فهو من قبيل عطف الخاص على العام.
وقيل (١): هو التوراة.
٢٤ - ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ أعظم عمالقة مصر ﴿وَهَامَانَ﴾ وزيره وخصهما بالذكر؛ لأن الإرسال إليهما إرسال إلى القوم؛ لكونهم تحت تصرف الملك والوزير تابعين لهما، والناس على دين ملوكهم. ﴿وَقَارُونَ﴾ ابن عم موسى، خصه (٢) بالذكر؛ لكونه بمنزلة الملك من حيث كثرة أمواله وكنوزه، ولا شك أن الإرسال إلى قارون متأخر عن الإرسال إلى فرعون وهامان, لأنه كان إسرائيليًا ابن عم موسى، مؤمنًا في الأوائل، أعلم بني إسرائيل، حافظًا للتوراة، ثم تغير حاله بسبب الغنى، فنافق كالسامري، فصار ملحقًا بفرعون وهامان في الكفر والهلاك، فاحفظ هذا ﴿فَقَالُوا﴾؛ أي: قال هؤلاء الثلاثة وأتباعهم في حق ما أظهره موسى من المعجزات خصوصًا في أمر العصا: إنه ﴿سَاحِرٌ﴾ وقالوا فيما ادعاه ﵇ من رسالة رب العالمين: إنه ﴿كَذَّابٌ﴾ والكذاب: الذي عادته الكذب، بأن يكذب مرة بعد أخرى، ولم يقولوا: سحار؛ لأنهم كانوا يزعمون أنه ساحر، وأن سحرتهم أسحرُ منه، كما قالوا: ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢)﴾.
وفيه تسلية لرسول الله ﷺ ، وبيان عاقبة من هو أشد من قريش، بطشًا، وأقربهم زمانًا،
٢٥ - ولما عجزوا عن مقارعة الحجة بالحجة .. لجؤوا إلى استعمال القوة، ما هو دأب المحجوج المغلوب على أمره، وإلى هذا أشار بقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ موسى ﴿بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا﴾ وهو ما ظهر على يده من المعجزات القاهرة
стр. 11475
﴿قَالُوا﴾ لاستكمال شقاوتهم ﴿اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾؛ أي: تابعوه في الإيمان والتوحيد، والقائل فرعون وذوو الرأي من قومه، أو فرعون وحده؛ لأنه بمنزلة الكل، كما قال: سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم ﴿وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾؛ أي: أبقوا بناتهم أحياءً لخدماتنا فلا تقتلوهن.
والمعنى (١): أعيدوا عليهم القتل، وذلك أنه قد أمر بالقتل قُبيل ولادة موسى ﵇ بإخبار المنجمين بقرب ولادته، ففعله زمانًا طويلًا ثم كف عنه؛ مخافة أن تفنى بنو إسرائيل، وتقع الأعمال الشاقة على القبط، فلما بعث موسى وأحسّ فرعون بنبوته .. أعاد القتل غيظًا وحنقًا، ظنًا منهم أنه المولود الذي حكم المنجمون والكهنة بذهاب ملك فرعون على يده.
قال قتادة: هذا قتل غير القتل الأول, لأن فرعون كان قد أمسك عن قتل الولدان بعد ولادة موسى، فلما بعث الله موسى .. أعاد القتل على بني إسرائيل عقوبةً لهم، فكان يأمر بقتل الذكور وترك الإناث ليمتنعوا من الإيمان, ولئلا يكثر جمعهم ويشتدّ عضدهم بالذكور من أولادهم، لكن الله شغلهم عن ذلك بما أنزل عليهم من أنواع العذاب، كالضفادع والقمل والدم والطوفان إلى أن خرج بنو إسرائيل من مصر، وإلى هذا أشار سبحانه بقوله: ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ﴾ فرعون وقومه أو غيرهم؛ أي (٢): وما مكرهم وسوء صنيعهم بالأنبياء والمؤمنين ﴿إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾؛ أي: في ضياع وبطلان وخسران لا يغني عنهم شيئًا، وينفذ عليهم لا محالة القدر المقدور والقضاء المحتوم.
وفي "التأويلات النجمية": عزم على إهلاك موسى وقومه، واستعان على ذلك بجنده وخيله ورجله، إتمامًا لاستحقاقهم العذاب، ولكن من حفظ الحق تعالى كان كما قال: ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾؛ أي: في ازدياد ضلالتهم بربهم، يشير إلى أن من حفر بئرًا لولي من أوليائه .. ما يقع فيه إلا حافره، وبذلك أجرى الحق سنته. انتهى.
стр. 11476
والمعنى (١): أي وما مكر الكافرين وقصدهم وهو تقليل عدد بني إسرائيل لئلا ينصروا عليهم إلا ذاهب سدًى وباطلًا، فالناس لا يمتنعون من الإيمان, وإن فعل بهم ما فعل، وأن القدر المقدور لا محالة نافذ، والقضاء المحتوم لا بد واقع، والنصر حليف المؤمنين، كما وعد في كتابه المكنون ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾.
والخلاصة: أن ما أظهروه من الإبراق والإرعاد سيضمحل لا محالة، ويذهب هباءً أمام تلك القوة القاهرة، وسيكون النصر للمتقين.
٢٦ - ثم ذكر أنه ما كفاهم قتل البنين واستحياء البنات من بني إسرائيل، بل أرادوا أن يجتثوا هذه الشجرة من أصلها، كما أشار إلى ذلك سبحانه بقوله: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ﴾ اللعين لملئه: ﴿ذَرُونِي﴾؛ أي: اتركوني ﴿أَقْتُلْ مُوسَى﴾ إنما قال هذه لأنه كان في خاصة قومه من يمنعه من قتل موسى؛ مخافة أن ينزل بهم العذاب، أو كانوا يكفونه عن قتله؛ تهوينًا لأمره، واستصغارًا لشأنه؛ أي: أتركوني أقتله ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ الذي يزعم أنه أرسله إلينا، فليمنعه من القتل إن قدر على ذلك؛ أي: لا يهولنكم شأنه؛ لأنه لا رب له حقيقة، بل أنا ربكم الأعلى، وكان إذا هم بقتله .. كفوه، وقالوا له: ليس هذا بالذي يخاف منه، وهو أضعف ن ذلك شأنًا، وما هو إلا ساحر يصاوله ساحر مثله، وإنك إن قتلته .. أدخلت الشبهة في نفوس الناس، واعتقدوا أنك عجزت عن مقابلة الحجة بالحجة، وما يزالون به هكذا يحاورونه ويدارونه حتى يكف عن قتله.
وربما يكون قد قال ذلك تمويهًا على قومه، وإيهامًا أن حاشيته هم الذين يكفونه عن قتله، وما يكفّه عن ذلك إلا ما في نفسه من هول الفزع الذي استحوذ عليه، كما يرشد إلى ذلك قوله: ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ فإن ظاهره الاستعانة به بدعائه ربه سبحانه، كما يقال: ادع ناصرك فإني منتقم منك، وباطنه أن فرائصه كانت ترتعد من دعائه ربه، فلهذا تكلم بما تكلم به، مظهرًا أنه لا يبالي بدعائه ربه، كما يقول القائل ذروني أفعل كذا وما كان فليكن.
стр. 11477
ثم ذكر العلة التي لأجلها أراد أن يقتله، فقال: ﴿إِنِّي أَخَافُ﴾ إن لم أقتله ﴿أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾؛ أي: أن يغير ما أنتم عليه من الدين الذي هو عبارة عن عبادة فرعون وعبادة الأصنام لتقربهم إليه، ويدخلكم في دينه الذي هو عبادة الله وحده ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: في أرض مصر ﴿الْفَسَادَ﴾؛ أي: يوقع بين الناس ما يفسد دنياهم من التخالف والتجارب والتهارج، إن لم يقدر على تبديل دينكم بالكلية.
فمعنى (١): ﴿أو﴾ وقوع أحد الشيئين، جَعَلَ اللعين ظهور ما دعا إليه موسى ﵊ وانتشاره في الأرض واهتداء الناس به فسادًا، وليس الفساد إلا ما هو عليه هو ومن تابعه، وبدأ فرعون بذكر الدين أولًا لأن حبّ الناس لأديانهم فوق حبهم لأموالهم اهـ. "خطيب" وفي الآية إشارة إلى أن فرعون من عمى قلبه ظن أن الله يذره أن يقتل موسى بحوله وقوّته، أو يذره قومه، ولم يعلم أن الله يهلكه ويهلك قومه، وينجي موسى وقومه، وقد خاف من تبديل الدين أو الفساد في الأرض، ولم يخف هلاك نفسه وهلاك قومه وفساد حالهم في الدارين.
والمعنى: أي (٢) إني أخاف أن يفسد موسى عليكم أمر دينكم الذي أنتم عليه من عبادة غير الله سبحانه، ويدخلكم في دينه الذي هو عبادة الله وحده، أو يوقع بين الناس الخلاف والفتنة، إذ يجتمع إليه الهمل الشرد، ويكثرون من الخصومات والمنازعات وإثارة القلاقل والاضطرابات، فتتعطل المزارع والمتاجر، وتعدم المكاسب.
والخلاصة: أنه يقول: إنّي أخاف أن يفسد عليكم أمر دينكم بالتبديل، أو يفسد عليكم أمر دنياكم بالتعطيل، وهما أمران أحلاهما مر.
وقرأ الكوفيون ويعقوب (٣): ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ﴾ بأو التي للإبهام وترديد الخوف بين تبديل الدين وظهور الفساد، وقرأ باقي السبعة ﴿وأن يظهر﴾ بدون ألفٍ، على معنى وقوع الأمرين جميعًا، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: بفتح الياء من ﴿إِنِّي أَخَافُ﴾، وقرأ أنس بن مالك وابن المسيب ومجاهد وقتادة وأبو رجاء والحسن
стр. 11478
والجحدري ونافع وأبو عمرو وحفص: ﴿يُظْهِرَ﴾ بضم الياء وكسر الهاء، من أظهر الرباعي، وفاعله: ضمير ﴿مُوسَى﴾ و ﴿الْفَسَادَ﴾: منصوب على أنه مفعول به، وقرأ باقي السبعة والأعرج والأعمش وابن وثاب وعيسى: ﴿يَظهَر﴾ بفتح الياء والهاء من ظهر الثلاثي، مبنيًا للفاعل ورفع ﴿الفساد﴾ على الفاعلية، وقرأ زيد بن علي: ﴿يُظهَر﴾ بضم الياء وفتح الهاء، مبنيًا للمفعول ﴿الفساد﴾ رفعًا على النيابة عن الفاعل، وقرأ مجاهد: ﴿يظّهّرَ﴾ بشد الظاء والهاء ﴿الفساد﴾ رفعًا.
٢٧ - ولما سمع موسى ﵇ بمقالة فرعون .. استعاذ بالله من شر كل متكبر عن الإيمان به منكر بالبعث والنشور، فصانه من كل بلية، وإلى ذلك أشار بقوله: ﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ ﵇ لقومه حين سمع بما يقوله اللعين من حديث قتله ﵇: ﴿إِنِّي عُذْتُ﴾ واستجرت ﴿بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾.
قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي هنا وفي الدخان (١): ﴿عذتُّ﴾ بإدغام الذال في التاء، وقرأ الباقون: بالإظهار، وخص (٢) اسم الرب؛ لأن المطلوب هو الحفظ والتربية، وإضافته إليه وإليهم للحث على موافقته في العياذ به تعالى، والتوكل عليه، فإن في تظاهر النفوس تأثيرًا قويًا. في استجلاب الإجابة، وهو السبب الأصلي في اجتماع الناس لأداء الصلوات الخمس والجمعة والأعياد والاستسقاء ونحوها.
﴿مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾؛ أي: من شر كل متعظم عن الإيمان بالله سبحانه، والتكبر: تعاظم الإنسان في نفسه مع حقارته. ﴿لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ والجزاء صفة لما قبله، عقب به لأن طبع المتكبر القاسي وشأنه إبطال الحق، وتحقير الخلق، لكنه قد ينزجر إذا كان مقرًّا بالجزاء، وخائفًا من الحساب، وأما إذا اجتمع التكبر والتكذيب بالبعث .. كان أظلم وأطغى، فلا عظيمة إلا ارتكبها، فيكون بالاستعاذة أولى وأحرى.
وصدر (٣) الكلام بـ ﴿إنّ﴾ تأكيدًا وإشعارًا على أن السبب المؤكد في دفع الشر هو العياذ بالله تعالى، والمسلم إذا قال عند القراءة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .. فالله تعالى يصون دينه وإخلاصه عن وساس شياطين الجن، فكذلك إذا
стр. 11479
قال: أعوذ بالله عند توجه الآفات والمخافات، فالله يصونه عن كل الآفات والمخافات من شياطين الإنس.
والمعنى (١): أي إني استجرت بالله ربي وربكم، واستعصمت به من شر كل مستكبر لا يذعن للحق، ولا يؤمن بيوم يحاسب الله فيه الخلائق، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بما أساء، وإنما خص الاستعاذة بمن جمع بين الاستكبار والتكذيب بالجزاء؛ لأنهما عنوان قلة المبالاة بالعواقب، وعنوان الجرأة على الله وعلى عباده، فمن لم يؤمن بيوم الحساب .. لم يكن للثواب على الإحسان راجيًا، ولا من العقاب على الإساءة وقبيح ما يأتي من الأفعال خائفًا، وإنما لم يسم فرعون باسمه، بل ذكره بوصف يعمه وغيره من جبابرة أركانه وغيرهم؛ لتعميم الاستعاذة والإشعار بعلة القساوة والجرأة على الله، وهي التكبر وما يليه من عدم الإيمان بالبعث، وإنما قال: ﴿مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ ولم يقل منه سلوكًا لطريق التعريض، وتحاشيًا مما قد يعرض له من الأذى إذا هو سمع كلامه، فهو واف بالغرض، ومبين للعلة
التي لأجلها أبى واستكبر.
فائدة: سئل أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - أي ذنب أخوف على سلب الإيمان؟ قال: ترك الشكر على الإيمان, وترك خوف الخاتمة، وظلم العباد، فإن من كان فيه هذه الخصال الثلاث .. فالأغلب أن يخرج من الدنيا كافرًا إلا من أدركته السعادة.
وفي الخبر: "إن الله سخر الريح لسليمان ﵇ فحملته وقومه على السرير، حتى سمعوا كلام أهل السماء، فقال ملك - لآخر إلى جنبه -: لو علم الله في قلب سليمان مثقال ذرة من كبر .. لأسفله في الأرض مقدار ما رفعه مِنَ الأرض إلى السماء".
وفي الحديث: "ما من أحد إلا وفي رأسه سلسلتان: إحداهما إلى السماء السابعة، والأخرى إلى الأرض السابعة، فإذا تواضع .. رفعه الله بالسلسلة التي في السماء السابعة، وإذا تكبر .. وضعه الله بالسلسلة التي في الأرض السابعة" فالمتكبر
стр. 11480
أيًا كان مقهور لا محالة، ما يقال (١): إن أول ما خلق درة بيضاء، فنظر إليها بالهيبة فذابت وصارت ماء، وارتفع زبدها، فخلق الله منه الأرض فافتخرت الأرض وقالت: من مثلي، فخلق الله الجبال فجعلها أوتادًا في الأرض، فقهر الأرض بالجبال، فتكبرت الجبال فخلق الحديد، وقهر الجبال به، فتكبر الحديد فقهره بالنار، فتكبرت النار فخلق الماء فقهرها به، فتكبر الماء فخلق السحاب، ففرق الماء في الدنيا فتكبر السحاب فخلق الرياح، ففرقت السحاب فتكبرت الرياح، فخلق الآدمي حتى جعل لنفسه بيتًا وكنًا من الحر والبرد والرياح، فتكبر الآدمي فخلق النوم فقهره به، فتكبر النوم فخلق المرض فقهره به، فتكبر المرض فخلق الموت فقهره به، فتكبر الموت فقهره بالذبح يوم القيامة، حيث يذبح بين الجنة والنار، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾؛ يعني إذا ذبح الموت .. فالقاهر فوق الكل هو الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ ثم إن الكبر من أشد صفات النفس الأمارة بالسوء، فلا بد من إزالته
٢٨ - ولما استعاذ موسى ﵇ بالله، واعتمد على فضله ورحمته .. فلا جرم صانه الله تعالى من كل بلية، وأوصله إلى كل أمنية، وقيض له إنسانًا أجنبيًا، حتى ذب عنه بأحسن الوجوه في تسكين تلك الفتنة، كما حكى الله تعالى عنه بقوله: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ﴾ كائن ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ فهو صفة ثانية لـ ﴿رَجُلٌ﴾ وقوله: ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾: صفة ثالثة، قدم الأول؛ أعني مؤمن، لكونه أشرف الأوصاف، ثم الثاني لئلا يتوهم خلاف المقصود، وذلك لأنه لو أخر عن ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ .. لتوهم أن ﴿من﴾ صلته، فلم يفهم أن ذلك الرجل كان من آل فرعون، وآل الرجل خاصته الذين يؤول إليه أمرهم للقرابة أو الصحبة أو الموافقة في الدين، وكان ذلك الرجل المؤمن من أقارب فرعون؛ أي: ابن عمه، وهو منذر موسى ﵇ بقوله: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾، كما سبق في سورة القصص، واسمه شمعان بالشين المعجمة بوزن سلمان، وهو أصح ما قيل فيه، قاله الإِمام السهيلي.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿رَجُلٌ﴾ بضم الجيم، وقرأ عيسى وعبد الوارث وعبيد بن عقيل، وحمزة بن القاسم عن أبي عمرو: بسكون الجيم، وهي لغة تميم ونجد،
стр. 11481
وقرىء: بكسر الجيم، وفي "تاريخ الطبري": اسمه جبر، وقيل: حبيب النجار، وهو الذي عمل تابوت موسى حين أرادت أمه أن تلقيه في اليم، وهو غير حبيب النجار صاحب يس، وقيل: خربيل بن نوحائيل أو حزقيل، ويدل عليه قوله ﷺ : "سبّاق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين: حزقيل مؤمن آل فرعون الذي قال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾، وحبيب النجار صاحب ياسين، وعلي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - وهو ﵁ أفضلهم" كما في "إنسان العيون" نقلًا عن "العرائس".
وقال ابن الشيخ في "حواشيه": روي عن النبي ﷺ أنه قال: "الصديقون ثلاثة: حبيب النجار مؤمن آل يس، ومؤمن آل فرعون، والثالث: أبو بكر الصديق وهو أفضلهم" انتهى. وقال صاحب "روح البيان": يمكن أن يقال لا مخالفة بين هاتين الروايتين لما أن المراد تفضيل أبي بكر في الصديقية، وتفضيل علي في السبق، وعدم صدور الكفر عنه، ولو لحظةً، فأفضلية كل منهما من جهة أخرى.
ثم إن الروايتين دلتا على كون ذلك الرجل قبطيًا، لا إسرائيليًا، وأيضًا أن فرعون أصغى إلى كلامه واستمع منه، ولو كان إسرائيليًا لكان عدوًا له، ولم يكن ليصغي إليه.
قال في "التكملة": فإن قلت: الآل قد يستعمل في غير القرابة بدليل قوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ ولم يرد إلا كل من كان على دينه من ذوي قرابته وغيرهم؟
فالجواب: أن هذا الرجل لم يكن من أهل دين فرعون وإنما كان مؤمنًا، فإذا لم يكن من أهل دينه .. فلم يبق لوصفه بأنه من آله إلا أن يكون من عشيرته. انتهى، وقيل: كان إسرائيليًا ابن عم قارون، أو أبوه من آل فرعون وأمه من بني إسرائيل، وقيل: كان عربيًا موحدًا ينافقهم لأجل المصلحة، ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾؛ أي: يستره ويخفيه من فرعون وملثه، لا خوفًا بل ليكون كلامه بمحل من القبول، وقيل: خوفًا، وكان قد آمن بعد مجيء موسى أو قبله بمئة سنة، وكتمه، فلما بلغه خبر قصد فرعون بموسى .. قال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾؛ أي: أتقصدون قتله ظلمًا بلا دليل، والاستفهام إنكاري، ﴿أَنْ يَقُولَ﴾؛ أي: لأن يقول أو كراهة أن يقول: ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾
стр. 11482
وحده لا شريك له، وهو في موضع نصب بنزع الخافض، والحصر مستفاد من تعريف طرفي الجملة، مثل: صديقي زيد لا غير ﴿و﴾ الحال أنه ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ والمعجزات الظاهرة الواضحة التي شاهدتموها ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ لم يقل من ربه, لأنهم إذا سمعوا أنه جاءهم بالبينات من ربهم .. دعاهم ذلك إلى التأمل في أمره، والاعتراف به وترك المكابرة معه؛ لأن ما كان من قِبَلِ رَبِّ الجميع يجب اتباعه وإنصاف مبلغه.
وعن عروة بن الزبير قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: حدثني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله ﷺ ، قال: أقبل عقبة بن أبي معيط، ورسول الله يصلي عند الكعبة، أو لقيه في الطواف، فأخذ بمجامع ردائه ﷺ ، فلوى ثوبه على عنقه وخنقه خنقًا شديدًا، وقال له: أنت الذي تنهانا عما يعبد آباؤُنا، فقال النبي ﷺ : "أنا ذاك"، فأقبل أبو بكر ﵁ فأخذ بمنكبيه ﷺ والتزمه من ورائه، ودفعه عن رسول الله ﷺ وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ رافعًا صوته، وعيناه تسفحان دمعًا أي: تجريان حتى أرسلوه، أخرج البخاري بمعناه. وفيه بيان أن ما تولى أبو بكر من رسول الله كان أشد مما تولاه الرجل المؤمن من موسى, لأنه كان يظهر إيمانه، وكان بمجمع طغاة قريش، وحكى ابن عطية في "تفسيره" عن أبيه: أنه سمع أبا الفضل بن الجوهري على المنبر، وقد سئل أن يتكلم في شيء من فضائل الصحابة ﵃ فأطرق قليلًا ثم رفع رأسه، فقال:
عَنِ الْمَرْءِ لَا تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِيْنِهِ ... فَكُلُّ قَرِيْنٍ بِالْمُقَارَنِ يَقْتَدِيْ
ماذا ترون من قوم قرنهم الله تعالى بنبيه، وخصهم بمشاهدته، وتلقى الروح عنه؟ وقد أثنى الله تعالى على رجل مؤمن من آل فرعون كتم إيمانه وأَسرَّهُ، فجعله في كتابه، وأثبت ذكره في المصاحف لكلام قاله في مجلس من مجالس الكفر، وأين هو من عمر بن الخطاب ﵁! إذ جرد سيفه بمكة وقال: والله لا أعبد الله سرًا بعد اليوم، فكان ما كان من ظهور الدين بسيفه.
والمعنى (١): أي وقال رجل من آل فرعون بكتم إيمانه منهم، خوفًا على
стр. 11483
نفسه: أينبغي لكم أن تقتلوا رجلًا ما زاد على أن قال: ربي الله، وقد جاءكم بشواهد دالة على صدقه، ومثل هذه المقالة لا تستدعي قتلًا، ولا تستحق عقوبةً، فاستمع فرعون لكلامه، وأصغى لمقاله، وتوقف عن قتله.
وخلاصة ذلك: أترتكبون هذه الفعلة، القبيحة الشنعاء وهي قتل النفس المحرمة من غير روية ولا تأمل ولا اطلاع على سبب يوجب قتله، وما لكم علة في ارتكابها إلا كلمة الحق، وهي قوله: ربي الله، ثم أخذهم الرجل المؤمن بالاحتجاج من باب الاحتياط، بإيراده في صورة الاحتمال من الظن بعد القطع يكون قتله منكرًا، فقال: ﴿وَإِنْ يَكُ﴾ الرجل الذي تريدون قتله ﴿كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ لا يتخطاه وبال كذبه وضرره، فيحتاج في دفعه إلى قتله؛ يعني: أن الكاذب إنما يقتل إذا تعدى ضرر كذبه إلى غيره، كالزنديق الذي يدعو الناس إلى زندقته، والمبتدع الذي يدعو الناس إلى بدعته، وهذا لا يقدر على أن يحمل الناس على قبول ما أظهره من الدين، لكون طباع الناس آبية عن قبوله، ولقدرتكم على منعه من إظهار مقالته ودينه ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا﴾ في قوله فكذبتموه وقصدتم له بسوء ﴿يُصِبْكُمْ﴾ ويحل بكم ﴿بَعْضُ﴾ العذاب ﴿الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ ويخبركم بوقوعه عليكم، وهو عذاب الدنيا، فكان الأولى على كلا التقديرين إبقاءه حيًا.
والحاصل: أن المقصود بيان أنه لا حاجة إلى قتله، بل يكفيكم أن تعرضوا عنه، وأن تمنعوه عن إظهار دينه.
أي (١): إن لم يصبكم كله فلا أقل من إصابة بعضه، وفي بعض ذلك كفاية لهلاكهم، فذكر البعض ليوجب الكل، لا أن البعض هو الكل، وحذفت النون من يكن في الموضعين؛ تخفيفًا لكثرة الاستعمال، كما قاله سيبويه، وهذا كلام صادر عن غاية الإنصاف وعدم التعصب، ولذلك قدم من شِقَّي الترديد كونه كاذبًا، وصرح بإصابة البعض دون الجميع، مع أن الرسول صادق في جميع ما يقوله، وإنما الذي يصيب بعض ما يعده دون بعض هم الكهان والمنجمون، ويجوز أن يكون المعنى: يصبكم ما يعدكم من عذاب الدنيا، وهو بعض ما يعدهم, لأنه كان يتوعدهم بعذاب الدنيا والآخرة، كأنه خوّفهم بما هو ظهر احتمالًا عندهم. وفي "عين المعاني":
стр. 11484
لأنه وعد النجاة بالإيمان والهلاك بالكفر، وقد يكون البعض بمعنى الكل، كما في قوله:
قَدْ يُدَرِكُ الْمُتَأَنِّيْ بَعْضَ حَاجَتِهِ ... وَقَدْ يَكُوْنُ مَعَ الْمُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ
وقول الآخر:
إِنَّ الأُمُوْرَ إِذَا الأَحْدَاثُ دَبَّرَهَا ... دُوْنَ الشُّيُوْخِ تَرَى فِيْ بَعْضِهَا خَلَلاَ
وكما في قوله تعالى: ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾؛ أي: جميعه، وفي قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾؛ أي: بكلها، كما في "كشف الأسرار" وقال أبو الليث: ﴿بَعْضُ﴾ هنا: صلة يريدُ يُصِبْكم الذي يعدم.
وعبارة "فتح الرحمن" هنا: وإن قلت: كيف قال المؤمن ذلك في حق موسى ﵇، مع أنه صادق عنده وفي الواقع، ويلزم منه أن يصيبهم جميع ما وعدهم لا بعضه فقط؟.
قلت: كلمة ﴿بَعْضُ﴾: صلة، أو هي بمعنى كل، كما قيل به في البيتين السابقين وفي الآيتين، أو ذكر البعض تنزلًا وتلطفًا بهم، مبالغًا في نصحهم، لئلا يتهموه بميل ومحاباة، أو هي باقية على معناها, لأنه وعدهم على كفرهم الهلاك في الدنيا، والعذاب في الآخرة، فهلاكهم في الدنيا بعض ما وعدهم به.
والمعنى: أي إن كان كاذبًا في قيله: أن الله أرسله إليكم ليأمركم بعبادته، وترك دينكم الذي أنتم عليه .. فإنما إثم كذبه عليه دونكم، وإن يك صادقًا في قيله ذلك .. أصابكم الذي أوعدكم به من العقوبة على مقامكم على الدين الذي أنتم عليه مقيمون، فلا حاجة بكم إلى قتله فتسخطوا ربكم سخطين: سخطًا على الكفر، وسخطًا على قتل رسوله، وفي قوله: ﴿بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ مبالغة في التحذير، فإنه إذ حذرهم من بعض العذاب .. أفاد أنه مهلك مخوف، فما بال كله إلى ما فيه من الإنصاف وإظهار عدم التعصب. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ وهذا من تمام كلام الرجل المؤمن، والمسرف: هو الذي يتجاوز الحد في المعصية، أو هو السفاك للدم بغير حق، والكذاب: هو الذي يكذب مرةً بعد أخرى، وقيل: هو الكذاب على الله سبحانه, لأن الكذب عليه ليس كالكذب على غيره، وهو احتجاج آخر ذو وجهين:
стр. 11485
أحدهما: أنه لو كان مسرفًا كذابًا .. لما هداه الله تعالى إلى البينات، ولما أيده بتلك المعجزات.
وثانيهما: أنه إن كان كذلك .. خذله الله تعالى وأهلكه، فلا حاجة لكم إلى قتله، ولعله أراهم وهو عاكف على المعنى الأول لتلين شكيمتهم، وقد عرّض به لفرعون, لأنه ﴿مُسْرِفٌ﴾ حيث قتل الأبناء بلا جرم ﴿كَذَّابٌ﴾ حيث ادعى الألوهية، لا يهديه الله سبيل الصواب، ومنهاج النجاة، بل يفضحه ويهدم أمره،
٢٩ - ولما أقام مؤمن آل فرعون أنواع الدلائل على أنه لا يجوز الإقدام على قتل موسى .. خوفهم في ذلك بعذاب الله تعالى فقال: ﴿يَا قَوْمِ﴾؛ أي: يا قومي ﴿لَكُمُ الْمُلْكُ﴾ والسلطان ﴿الْيَوْمَ﴾ حال كونكم ﴿ظَاهِرِينَ﴾ أي غالبين عالين على بني إسرائيل والعامل في الحال وفي قوله: ﴿الْيَوْمَ﴾ ما تعلق به لكم ﴿فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: أرض مصر، لا يقاومكم أحد في هذا الوقت، ومعنى الظهور: الاستعلاء على الناس والغلبة عليهم.
﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا﴾ ويمنعنا ويحفظنا ﴿مِنْ بَأْسِ اللَّهِ﴾؛ أي: من سطوته وأخذه وعذابه، ويحول بيننا وبينه ﴿إِنْ جَاءَنَا﴾ وحل بنا، وفي هذا (١) تحذير منه لهم من نقمة الله بهم، وإنزال عذابه عليهم، والاستفهام فيه: إنكاري؛ أي: لا ناصر لنا؛ أي: فلا تفسدوا أمركم، ولا تتعرضوا لبأس الله بقتله، فإنه إن جاءنا .. لم يمنعنا منه أحد.
وإنما نسب ما يسرهم من الملك والظهور في الأرض إليهم خاصةً، ونظم نفسه في سلكهم فيما يسوْءُهم من مجيء بأس الله سبحانه؛ تطييبًا لقلوبهم، وإيذانًا بأنه ناصح لهم، ساع في تحصيل ما يجديهم، ودفع ما يرديهم سعيه في حق نفسه، ليتأثروا بنصحه.
ولما سمع فرعون ما قاله هذا الرجل من النصح .. جاء بمراوغة يوهم بها قومه أنه لهم من النصيحة والرعاية بمكان مكين، وأنه لا يسلك بهم إلا مسلكًا يكون فيه جلب النفع لهم، ودفع الضر عنهم، كما حكى سبحانه عنه بقوله: ﴿قَالَ