وقرىء: بكسر الجيم، وفي "تاريخ الطبري": اسمه جبر، وقيل: حبيب النجار، وهو الذي عمل تابوت موسى حين أرادت أمه أن تلقيه في اليم، وهو غير حبيب النجار صاحب يس، وقيل: خربيل بن نوحائيل أو حزقيل، ويدل عليه قوله ﷺ : "سبّاق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين: حزقيل مؤمن آل فرعون الذي قال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾، وحبيب النجار صاحب ياسين، وعلي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - وهو ﵁ أفضلهم" كما في "إنسان العيون" نقلًا عن "العرائس".
وقال ابن الشيخ في "حواشيه": روي عن النبي ﷺ أنه قال: "الصديقون ثلاثة: حبيب النجار مؤمن آل يس، ومؤمن آل فرعون، والثالث: أبو بكر الصديق وهو أفضلهم" انتهى. وقال صاحب "روح البيان": يمكن أن يقال لا مخالفة بين هاتين الروايتين لما أن المراد تفضيل أبي بكر في الصديقية، وتفضيل علي في السبق، وعدم صدور الكفر عنه، ولو لحظةً، فأفضلية كل منهما من جهة أخرى.
ثم إن الروايتين دلتا على كون ذلك الرجل قبطيًا، لا إسرائيليًا، وأيضًا أن فرعون أصغى إلى كلامه واستمع منه، ولو كان إسرائيليًا لكان عدوًا له، ولم يكن ليصغي إليه.
قال في "التكملة": فإن قلت: الآل قد يستعمل في غير القرابة بدليل قوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ ولم يرد إلا كل من كان على دينه من ذوي قرابته وغيرهم؟
فالجواب: أن هذا الرجل لم يكن من أهل دين فرعون وإنما كان مؤمنًا، فإذا لم يكن من أهل دينه .. فلم يبق لوصفه بأنه من آله إلا أن يكون من عشيرته. انتهى، وقيل: كان إسرائيليًا ابن عم قارون، أو أبوه من آل فرعون وأمه من بني إسرائيل، وقيل: كان عربيًا موحدًا ينافقهم لأجل المصلحة، ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾؛ أي: يستره ويخفيه من فرعون وملثه، لا خوفًا بل ليكون كلامه بمحل من القبول، وقيل: خوفًا، وكان قد آمن بعد مجيء موسى أو قبله بمئة سنة، وكتمه، فلما بلغه خبر قصد فرعون بموسى .. قال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾؛ أي: أتقصدون قتله ظلمًا بلا دليل، والاستفهام إنكاري، ﴿أَنْ يَقُولَ﴾؛ أي: لأن يقول أو كراهة أن يقول: ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾
стр. 11482
وحده لا شريك له، وهو في موضع نصب بنزع الخافض، والحصر مستفاد من تعريف طرفي الجملة، مثل: صديقي زيد لا غير ﴿و﴾ الحال أنه ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ والمعجزات الظاهرة الواضحة التي شاهدتموها ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ لم يقل من ربه, لأنهم إذا سمعوا أنه جاءهم بالبينات من ربهم .. دعاهم ذلك إلى التأمل في أمره، والاعتراف به وترك المكابرة معه؛ لأن ما كان من قِبَلِ رَبِّ الجميع يجب اتباعه وإنصاف مبلغه.
وعن عروة بن الزبير قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: حدثني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله ﷺ ، قال: أقبل عقبة بن أبي معيط، ورسول الله يصلي عند الكعبة، أو لقيه في الطواف، فأخذ بمجامع ردائه ﷺ ، فلوى ثوبه على عنقه وخنقه خنقًا شديدًا، وقال له: أنت الذي تنهانا عما يعبد آباؤُنا، فقال النبي ﷺ : "أنا ذاك"، فأقبل أبو بكر ﵁ فأخذ بمنكبيه ﷺ والتزمه من ورائه، ودفعه عن رسول الله ﷺ وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ رافعًا صوته، وعيناه تسفحان دمعًا أي: تجريان حتى أرسلوه، أخرج البخاري بمعناه. وفيه بيان أن ما تولى أبو بكر من رسول الله كان أشد مما تولاه الرجل المؤمن من موسى, لأنه كان يظهر إيمانه، وكان بمجمع طغاة قريش، وحكى ابن عطية في "تفسيره" عن أبيه: أنه سمع أبا الفضل بن الجوهري على المنبر، وقد سئل أن يتكلم في شيء من فضائل الصحابة ﵃ فأطرق قليلًا ثم رفع رأسه، فقال:
عَنِ الْمَرْءِ لَا تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِيْنِهِ ... فَكُلُّ قَرِيْنٍ بِالْمُقَارَنِ يَقْتَدِيْ
ماذا ترون من قوم قرنهم الله تعالى بنبيه، وخصهم بمشاهدته، وتلقى الروح عنه؟ وقد أثنى الله تعالى على رجل مؤمن من آل فرعون كتم إيمانه وأَسرَّهُ، فجعله في كتابه، وأثبت ذكره في المصاحف لكلام قاله في مجلس من مجالس الكفر، وأين هو من عمر بن الخطاب ﵁! إذ جرد سيفه بمكة وقال: والله لا أعبد الله سرًا بعد اليوم، فكان ما كان من ظهور الدين بسيفه.
والمعنى (١): أي وقال رجل من آل فرعون بكتم إيمانه منهم، خوفًا على
стр. 11483
نفسه: أينبغي لكم أن تقتلوا رجلًا ما زاد على أن قال: ربي الله، وقد جاءكم بشواهد دالة على صدقه، ومثل هذه المقالة لا تستدعي قتلًا، ولا تستحق عقوبةً، فاستمع فرعون لكلامه، وأصغى لمقاله، وتوقف عن قتله.
وخلاصة ذلك: أترتكبون هذه الفعلة، القبيحة الشنعاء وهي قتل النفس المحرمة من غير روية ولا تأمل ولا اطلاع على سبب يوجب قتله، وما لكم علة في ارتكابها إلا كلمة الحق، وهي قوله: ربي الله، ثم أخذهم الرجل المؤمن بالاحتجاج من باب الاحتياط، بإيراده في صورة الاحتمال من الظن بعد القطع يكون قتله منكرًا، فقال: ﴿وَإِنْ يَكُ﴾ الرجل الذي تريدون قتله ﴿كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ لا يتخطاه وبال كذبه وضرره، فيحتاج في دفعه إلى قتله؛ يعني: أن الكاذب إنما يقتل إذا تعدى ضرر كذبه إلى غيره، كالزنديق الذي يدعو الناس إلى زندقته، والمبتدع الذي يدعو الناس إلى بدعته، وهذا لا يقدر على أن يحمل الناس على قبول ما أظهره من الدين، لكون طباع الناس آبية عن قبوله، ولقدرتكم على منعه من إظهار مقالته ودينه ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا﴾ في قوله فكذبتموه وقصدتم له بسوء ﴿يُصِبْكُمْ﴾ ويحل بكم ﴿بَعْضُ﴾ العذاب ﴿الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ ويخبركم بوقوعه عليكم، وهو عذاب الدنيا، فكان الأولى على كلا التقديرين إبقاءه حيًا.
والحاصل: أن المقصود بيان أنه لا حاجة إلى قتله، بل يكفيكم أن تعرضوا عنه، وأن تمنعوه عن إظهار دينه.
أي (١): إن لم يصبكم كله فلا أقل من إصابة بعضه، وفي بعض ذلك كفاية لهلاكهم، فذكر البعض ليوجب الكل، لا أن البعض هو الكل، وحذفت النون من يكن في الموضعين؛ تخفيفًا لكثرة الاستعمال، كما قاله سيبويه، وهذا كلام صادر عن غاية الإنصاف وعدم التعصب، ولذلك قدم من شِقَّي الترديد كونه كاذبًا، وصرح بإصابة البعض دون الجميع، مع أن الرسول صادق في جميع ما يقوله، وإنما الذي يصيب بعض ما يعده دون بعض هم الكهان والمنجمون، ويجوز أن يكون المعنى: يصبكم ما يعدكم من عذاب الدنيا، وهو بعض ما يعدهم, لأنه كان يتوعدهم بعذاب الدنيا والآخرة، كأنه خوّفهم بما هو ظهر احتمالًا عندهم. وفي "عين المعاني":
стр. 11484
لأنه وعد النجاة بالإيمان والهلاك بالكفر، وقد يكون البعض بمعنى الكل، كما في قوله:
قَدْ يُدَرِكُ الْمُتَأَنِّيْ بَعْضَ حَاجَتِهِ ... وَقَدْ يَكُوْنُ مَعَ الْمُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ
وقول الآخر:
إِنَّ الأُمُوْرَ إِذَا الأَحْدَاثُ دَبَّرَهَا ... دُوْنَ الشُّيُوْخِ تَرَى فِيْ بَعْضِهَا خَلَلاَ
وكما في قوله تعالى: ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾؛ أي: جميعه، وفي قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾؛ أي: بكلها، كما في "كشف الأسرار" وقال أبو الليث: ﴿بَعْضُ﴾ هنا: صلة يريدُ يُصِبْكم الذي يعدم.
وعبارة "فتح الرحمن" هنا: وإن قلت: كيف قال المؤمن ذلك في حق موسى ﵇، مع أنه صادق عنده وفي الواقع، ويلزم منه أن يصيبهم جميع ما وعدهم لا بعضه فقط؟.
قلت: كلمة ﴿بَعْضُ﴾: صلة، أو هي بمعنى كل، كما قيل به في البيتين السابقين وفي الآيتين، أو ذكر البعض تنزلًا وتلطفًا بهم، مبالغًا في نصحهم، لئلا يتهموه بميل ومحاباة، أو هي باقية على معناها, لأنه وعدهم على كفرهم الهلاك في الدنيا، والعذاب في الآخرة، فهلاكهم في الدنيا بعض ما وعدهم به.
والمعنى: أي إن كان كاذبًا في قيله: أن الله أرسله إليكم ليأمركم بعبادته، وترك دينكم الذي أنتم عليه .. فإنما إثم كذبه عليه دونكم، وإن يك صادقًا في قيله ذلك .. أصابكم الذي أوعدكم به من العقوبة على مقامكم على الدين الذي أنتم عليه مقيمون، فلا حاجة بكم إلى قتله فتسخطوا ربكم سخطين: سخطًا على الكفر، وسخطًا على قتل رسوله، وفي قوله: ﴿بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ مبالغة في التحذير، فإنه إذ حذرهم من بعض العذاب .. أفاد أنه مهلك مخوف، فما بال كله إلى ما فيه من الإنصاف وإظهار عدم التعصب. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ وهذا من تمام كلام الرجل المؤمن، والمسرف: هو الذي يتجاوز الحد في المعصية، أو هو السفاك للدم بغير حق، والكذاب: هو الذي يكذب مرةً بعد أخرى، وقيل: هو الكذاب على الله سبحانه, لأن الكذب عليه ليس كالكذب على غيره، وهو احتجاج آخر ذو وجهين:
стр. 11485
أحدهما: أنه لو كان مسرفًا كذابًا .. لما هداه الله تعالى إلى البينات، ولما أيده بتلك المعجزات.
وثانيهما: أنه إن كان كذلك .. خذله الله تعالى وأهلكه، فلا حاجة لكم إلى قتله، ولعله أراهم وهو عاكف على المعنى الأول لتلين شكيمتهم، وقد عرّض به لفرعون, لأنه ﴿مُسْرِفٌ﴾ حيث قتل الأبناء بلا جرم ﴿كَذَّابٌ﴾ حيث ادعى الألوهية، لا يهديه الله سبيل الصواب، ومنهاج النجاة، بل يفضحه ويهدم أمره،
٢٩ - ولما أقام مؤمن آل فرعون أنواع الدلائل على أنه لا يجوز الإقدام على قتل موسى .. خوفهم في ذلك بعذاب الله تعالى فقال: ﴿يَا قَوْمِ﴾؛ أي: يا قومي ﴿لَكُمُ الْمُلْكُ﴾ والسلطان ﴿الْيَوْمَ﴾ حال كونكم ﴿ظَاهِرِينَ﴾ أي غالبين عالين على بني إسرائيل والعامل في الحال وفي قوله: ﴿الْيَوْمَ﴾ ما تعلق به لكم ﴿فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: أرض مصر، لا يقاومكم أحد في هذا الوقت، ومعنى الظهور: الاستعلاء على الناس والغلبة عليهم.
﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا﴾ ويمنعنا ويحفظنا ﴿مِنْ بَأْسِ اللَّهِ﴾؛ أي: من سطوته وأخذه وعذابه، ويحول بيننا وبينه ﴿إِنْ جَاءَنَا﴾ وحل بنا، وفي هذا (١) تحذير منه لهم من نقمة الله بهم، وإنزال عذابه عليهم، والاستفهام فيه: إنكاري؛ أي: لا ناصر لنا؛ أي: فلا تفسدوا أمركم، ولا تتعرضوا لبأس الله بقتله، فإنه إن جاءنا .. لم يمنعنا منه أحد.
وإنما نسب ما يسرهم من الملك والظهور في الأرض إليهم خاصةً، ونظم نفسه في سلكهم فيما يسوْءُهم من مجيء بأس الله سبحانه؛ تطييبًا لقلوبهم، وإيذانًا بأنه ناصح لهم، ساع في تحصيل ما يجديهم، ودفع ما يرديهم سعيه في حق نفسه، ليتأثروا بنصحه.
ولما سمع فرعون ما قاله هذا الرجل من النصح .. جاء بمراوغة يوهم بها قومه أنه لهم من النصيحة والرعاية بمكان مكين، وأنه لا يسلك بهم إلا مسلكًا يكون فيه جلب النفع لهم، ودفع الضر عنهم، كما حكى سبحانه عنه بقوله: ﴿قَالَ
стр. 11486
فِرْعَوْنُ﴾ بعدما سمع نصحه، إضرابًا عن المجادلة ﴿مَا أُرِيكُمْ﴾؛ أي: ما أشير عليكم ﴿إِلَّا مَا أَرَى﴾ وأستصوبه من قتله، قطعًا لمادة الفتنة ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ﴾ بهذا الرأي ﴿إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ وطريق الصواب، فهو من الرأي، ويجوز أن يكون من الرؤية بمعنى العلم؛ أي: لا أعلمكم إلا ما أعلم، ولا أسر عنكم خلاف ما أظهره، ولقد كذب حيث كان مستشعرًا للخوف الشديد، ولكنه كان يظهر الجلادة وعدم المبالاة، ولولاه لما استشار أحدًا.
وقرأ الجمهور (١): ﴿الرَّشَادِ﴾ بتخفيف الشين، وقرأ معاذ بن جبل: بتشديدها، على أنه صيغة مبالغة، كضراب، وقال النحاس: هي لحن ولا وجه لذلك، وقال أبو الفتح: هو اسم فاعل في بنية مبالغة من الفعل الثلاثي، يقال: رشد فهو رشّاد كعبّاد من عبد، وقال الزمخشري: أو من رشد، كعلام من علم.
والمعنى (٢): أي قال فرعون مجيبًا هذا المؤمن الناهي عن قتل موسى: لا أشير عليكم برأي سوى ما ذكرته، من وجوب قتله حسمًا للفتنة، وإني لأرى أن هذا هو سبيل الرشاد والصلاح، ولا أَعدُّ غير هذا صوابًا.
٣٠ - ثم كرر ذلك الرجل المؤمن تذكيرهم، وحذرهم أن ينزل بهم ما نزل بمن قبلهم، فقال الله حاكيًا عنه: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ﴾ من آل فرعون، مخاطبًا لقومه واعظًا لهم.
وفي الحديث: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر"، وذلك من أجل علة الخوف والقهر، ولأن الجهاد بالحجة والبرهان أكبر من الجهاد بالسيف والسنان ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ في تكذيب موسى ﵇، والتعرض له بسوء، كالقتل والأذى ﴿مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾؛ أي: مثل عذاب أيام الأمم الماضية، يعني وقائعهم العظيمة، وعقوباتهم الهائلة، على طريق ذكر المحل وإرادة الحال.
فإن قلت: الظاهر أن يقال: مثل أيام الأحزاب، إذ لكل حزب يوم على حدة.
قلت: جمع الأحزاب مع تفسيره بالطوائف المختلفة المتباينة الأزمان
стр. 11487
والأماكن، أغنى عن جمع اليوم، إذ بذلك ارتفع الالتباس، وتبين أن المراد الأيام لا اليوم الواحد،
٣١ - ثم فسر الأحزاب فقال: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ بدل من المثل الأول، والمراد بالدأب واليوم واحد، إذ المعنى: إني أخاف عليكم مثل حال قوم نوح وشأنهم في العذاب، حيث أغرقوا بالطوفان الذي استأصل كل ما على وجه الأرض؛ أي: أخاف عليكم مثل عذاب قوم نوح ﴿وَ﴾ مثل عذاب ﴿عَادٍ﴾ قوم هود، حيث أهلكوا بريح صرصر عاتية ﴿وَ﴾ مثل عذاب ﴿ثَمُودَ﴾ قوم صالح، حيث أهلكوا بالصيحة الطاغية ﴿وَ﴾ مثل عذاب الأقوام ﴿الَّذِينَ﴾ كانوا ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾؛ أي: من بعد هؤلاء المذكورين من كفار الأمم المكذبة لرسلها، كقوم لوط وشعيب عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى السلام.
والحاصل: أن حزقيل خوفهم بعذاب معجل في الدنيا.
والمعنى: أي وقال ذلك المؤمن ناصحًا لقومه: يا قوم إني أخاف عليكم إن كذبتم موسى، وتعرضتم له بسوء أن يحل بكم مثل ما حل بالذين تحزبوا على أنبيائهم من الأمم الماضية وكذبوهم، كقوم نوح وعاد وثمود ومن بعدهم، فقد نزل بهم من بأس الله وعذابه ما لم يجدوا له واقيًا ولا عاصمًا، وهذه سنة الله في المكذبين جميعًا، فحذار حذار أيها القوم، إني لكم ناصح أمين، وما أهلكهم إلا بسوء أفعالهم، وعظيم ما اجترحوا من الآثام والمعاصي، وما ظلمهم الله سبحانه ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، وإلى هذا أشار بقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ فلا يهلكهم قبل ثبوت الحجة عليهم، ولا يعاقبهم بغير ذنب، ولا يخلي الظالم منهم بغير انتقام؛ أي: وما أهلك الله سبحانه هذه الأمم المذكورة ظلمًا لهم بغير جرم اجترموه، بل أهلكهم بإجرامهم وكفرهم وتكذيبهم رسله، بعد أن جاؤوهم بالبينات، فأنفذ فيهم قدره وحكمه، وأحلّ بهم وعيده وانتقامه، حيث استأصلهم وقطع دابرهم كالأمس الدابر.
٣٢ - وبعد أن خوفهم العذاب الدنيوي، خوفهم العذاب الأخروي فقال: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢)﴾؛ أي: عذاب يوم التناد، وهو يوم القيامة، لما فيه من العذاب على المصرين والمؤذين للرسل والأنبياء، فهو منصوب على المفعولية به، ولكنه على حذف مضاف كما قدرنا، سمي يوم التناد؛ لأنه ينادي فيه بعضهم بعضًا للاستغاثة، كقولهم: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا﴾ أو يتصايحون بالويل
стр. 11488
والثبور، بنحو قولهم: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ أو يتنادى أصحاب الجنة وأصحاب النار: أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا من الجنة والنعيم المقيم حقًا، فهل وجدتم ما وعد ربكم من عذاب النار حقًا؟ قالوا: نعم، ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة: أن أفيضوا علينا من الماء، أو مما رزقكم الله.
وقرأ الجمهور (١): ﴿التَّنَادِ﴾ بتخفيف الدال وحذف الياء، والأصل: التنادي، وهو التفاعل من النداء، يقال: تنادى القوم؛ أي: نادى بعضهم بعضًا، وقرأ الحسن وابن السميفع ويعقوب وابن كثير ومجاهد: بإثبات الياء على الأصل، وقرأ ابن عباس والضحَّاك وعكرمة: بتشديد الدال؛ أي: يوم فرار بعضهم من بعض، قال بعض أهل اللغة: هو لحن؛ لأنه من ند يندّ: إذا مرّ على وجهه هاربًا، قال النحاس: وهذا غلط، والقراءة حسنةٌ على معنى التنافي، قال الضحاك: معناه: أنهم إذا سمعوا بزفير جهنم .. ندّوا هربًا فلا يأتون قطرًا من أقطار الأرض إلا وجدوا صفوفًا من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾.
والمعنى على قراءة الجمهور: يوم ينادي بعضهم بعضًا، أو ينادي أهل النار أهل الجنة، وأهل الجنة أهل النار، أو ينادى فيه بسعادة السعداء، وشقاوة الأشقياء، أو يوم ينادى فيه: كل أناس بإمامهم، ولا مانع من الحمل على جميع هذه المعاني.
٣٣ - وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ﴾ بدل من يوم التناد، أي: إني أخاف عليكم عذاب يوم يولّي بعضكم بعضًا دبره، حال كونكم ﴿مُدْبِرِينَ﴾؛ أي: منصرفين من الموقف إلى النار، أو فارّين منها, لأنهم إذ سمعوا زفير النار .. ندّوا هاربين، فلا يأتون قطرًا من الأقطار إلا وجدوا ملائكةُ صفوفًا، فبينما هم يموج بعضهم في بعض .. إذا سمعوا مناديًا: أقبلوا إلى الحساب، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، وحال كونكم ﴿مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾؛ أي: ما لكم من عاصم يعصمكم من عذابه تعالى، ويحفظكم في فراركم حتى تعذَّبوا في النار، والجملة: حال أخرى من ضمير ﴿تُوَلُّونَ﴾.
стр. 11489
والمعنى: أي إني أخاف عليكم عذاب يوم القيامة، حين ينادي بعضكم بعضًا ليستغيث به من شدّة الهول، أو حين ينادي أصحاب الأعراف رجالًا يعرفونهم بسيماهم، وينادي أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟ قالوا: نعم، وينادي أصحاب النار أصحاب الجنة: أن أفيضوا علينا من الماء، أو مما رزقكم الله، قالوا: إن الله حرّمهما على الكافرين يوم تولّون مدبرين هربًا من زفير النار وشهيقها، فلا يُجْديكم ذلك شيئًا، ولا تجدون من يعصمكم من العذاب فتردّون إليه، ونالكم منه ما قدّر لكم وكتب عليكم.
ولما يئس الرجال المؤمن من إيمانهم .. نبّه إلى شدّة ضلالتهم وعظيم جهالتهم، فقال: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾؛ أي: ومن يخذله الله ولا يلهمه رشده ﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ يهديه إلى طريق النجاة، ويوفّقه إلى الخلاص، وفي هذا إيماء إلى أنه يئس من قبولهم نصحه.
وفي الآيات (١): إشارة إلى أن الله إذا شاء بكمال قدرته إظهارًا لفضله ومنته، يخرج الحيّ من الميّت، كما أخرج من آل فرعون مؤمنًا حيًّا قلبه بالإيمان, من بين كفارٍ أموات قلوبهم بالكفر، ليتحقق قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ وإذا شاء إظهارًا لعزته وجبروته يعمي ويصمّ الملوك، والعقلاء مثل: فرعون وقومه، لئلا يبصروا آيات الله الظاهرة، ولا يسمعوا الحجج الباهرة، مثل: ما ناصحهم با مؤمن آل فرعون ليتحقّق قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ قوله: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي ...﴾ الآية. كما في "التأويلات النجمية".
وأسند الإضلال إلى الله تعالى؛ لأنه خالق الضلالة، وإنما الشيطان ونحوه من الوسائط، فالجاهل يرى القلم مسخّرًا للكاتب، والعارف أنه مسخر في يده لله تعالى؛ لأنه خالق الكاتب والقلم وكذا فعل الكاتب.
وفي قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ إشارة (٢) إلى أنّ التوفيق والاختيار للواحد القهار، فلو كان لآدم .. لاختار قابيل، ولو كان لنوح .. لاختار كنعان، ولو كان لإبراهيم .. لاختار آزر، ولو كان لموسى .. لاختار فرعون، ولو كان لمحمد ﷺ ..
стр. 11490
لاختار عمّه أبا طالب.
ويقال: سبعة أمور عامة، وسبعة في جنبها خاصة، الأمر عام والتوفيق خاص، والنهي عام والعصمة خاص، والدعوة عام والهداية خاص، والموت عام والبشارة خاص، والحشر يوم القيامة عام والسعادة خاص، وورود النار عام والنجاة منها خاص، والخلق عام والاختيار خاص؛ يعني: ليس كل من خلقه الله تعالى اختاره، بل خص منه قومًا، وكذا خلق أمورًا وأشياء فخصّ منها البعض ببعض الخواص.
ثم العجب أنّ مثل موسى ﵇ يكون وسط قومه لا يهتدون به، وذلك لأنّ صاحب المُرة لا يجد حلاوة العسل، والضرير لا يرى الشمس، وليس ذلك إلا من سوء المِزاج وفساد الحال وفقدان الاستعداد.
٣٤ - ثم قال مؤمن آل فرعون موبّخًا لهم بأنهم ورثوا التكذيب بالرسل من آبائهم الأولين، وأسلافهم الغابرين ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ﴾؛ أي: وعزة الله وجلاله لقد جاءكم يا أهل مصر ﴿يُوسُفُ﴾ بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ﵈، وكان قد أقام فيهم نبيًا عشرين سنةً، وقيل: المراد بيوسف هنا: يوسف بن إفراثيم بن يوسف بن يعقوب، وحكى النقاش عن الضحاك: أن الله بعث إليهم رسولًا من الجن، يقال له: يوسف، والأول أولى.
أي: ولقد جاء أيها القبطيون آباءَكم الأقدمين يوسف بن يعقوب ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل موسى ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾؛ أي: بالمعجزات الواضحة التي من جملتها تعبير الرؤيا وشهادة الطفل على براءة ذمته، وقد كان بعث إلى القبط قبل موسى بعد موت الملك، وكان فرعون موسى قد أدرك أيام يوسف بن يعقوب، فعاش إلى زمانه، وذلك لأنّ فرعون موسى قد عُمّر أكثر من أربع مئة سنة.
وكان (١) بين إبراهيم وموسى تسع مئة سنة على ما رواه ابن قتيبة في كتابه "المعارف"، فيجوز أن يكون بين يوسف وموسى مدة عمر فرعون تقريبًا، فيكون الخطاب لفرعون، وجُمع لأنّ المجيء إليه بمنزلة المجيء إلى قومه، وإلا فأهل
стр. 11491
عصر موسى لم يروا يوسف بن يعقوب، والأظهر أنه على نسبة أحوال الآباء إلى الأبناء، وتوبيخ المعاصرين بحال الماضين ﴿فَمَا زِلْتُمْ﴾؛ أي: فما برحتم مستمرين ﴿فِي شَكٍّ﴾ وريب ﴿مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ﴾؛ أي: في حقية الذي جاءكم به من الدين الحق، الذي هو التوحيد ﴿حَتَّى إِذَا هَلَكَ﴾ ومات يوسف ﴿قُلْتُمْ﴾ ضمًّا إلى تكذيب رسالته تكذيب رسالة من بعده ﴿لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾؛ أي: من بعد موت يوسف ﴿رَسُولًا﴾ أصلًا فكفرتم به في حياته، وكفرتم بمن بعده من الرسل بعد موته، وظنوا أنَّ ذلك لا يحدد عليهم الحجة، وقرىء (١): ﴿ألن يبعث﴾ بإدخال همزة الاستفهام على حرف النفي، كأن بعضهم يقرر بعضًا على نفي البعثة.
والمعنى (٢): أي ولقد جاء آباءَكم يوسفُ من قبل موسى بالآيات الواضحات، والمعجزات الباهرات، فلم يزالوا في ريب من أمره، وشك من صدقه، فلم يؤمنوا به، حتى إذا مات قالوا: لن يبعث الله رسولًا من بعده يدعو إليه، ويحذّر بأسه، ويخوّف من عقابه، فالتكذيب متوارث، والعناد قديم، والريب دأب آبائِكم الغابرين، وقد نسب تكذيب الآباء إليهم لما تقدم من أنّ الأمم متكافلة فيما بينها، فينسب ما حدث من بعضها إلى جميعها إذا تواطؤوا واتفقوا عليه، كما جاء في قصص ثمود حين كذب قدار فعقر الناقة، فنسب التكذيب والعقر إلى ثمود جميعها، كما قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥)﴾. وقد قالوا هذه المقالة على سبيل التشهِّي والتمنِّي من غير حجة ولا برهان، ليكون لهم أساس في تكذيب من بعده، وليس إقرارًا منهم برسالته، بل هو ضمّ إلى الشك في رسالته التكذيب برسالة من بعده.
وفي الآية (٣): إشارة إلى أنَّ في الإنسان ظلوميةً وجهوليةً لو خلّي وطبعه .. لا يؤمن بنبّي من أنبياء الله ولا بمعجزاتهم أنها آيات الحق تعالى، وهذه طبيعة المتقدّمين والمتأخرين منهم، وإنما المهتدي من يهديه الله تعالى بفضله وكرمه، ومن إنكارهم الطبعيّ: أنهم ما آمنوا بنبوّة يوسف، فلما هلك .. أنكروا أن يكون بعده رسول الله، وذلك من زيادة شقاوة الكافرين، كما أن من كمال سعادة المؤمنين أن
стр. 11492
يؤمنوا بالأنبياء قبل نبيهم.
﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: أضلالًا مثل ذلك الإضلال الفظيع الواقع لهم ﴿يُضِلُّ اللَّهُ﴾ سبحانه ويصد عن سبيل الحق وقصد السبيل ﴿مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾ منهمك في المعاصي متجاوز الحد فيها، مستكثر منها ﴿مُرْتَابٌ﴾ شاك في وحدانيته ووعده ووعيده؛ لغلبة الوهم عليه وانهماكه في التقليد.
٣٥ - والموصول في قوله (١): ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾: بدل من ﴿مَنْ﴾ الموصولة، والجمع باعتبار معناها؛ إذ لا يريد مسرفًا واحدًا بل كل مسرف، أو عطف بيان لها، أو في محل نصب بإضمار أعني، أو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هم الذين، أو مبتدأ وخبره ﴿يَطْبَعُ﴾. والمراد بالمجادلة: ردّ الآيات والطعن فيها ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾ متعلق بـ ﴿يُجَادِلُونَ﴾؛ أي: بغير حجة وبرهان صالحة للتمسك بها ﴿أَتَاهُمْ﴾ صفة لسلطان ﴿كَبُرَ﴾؛ أي: عظم من هو مسرف مرتاب أو الجدال، ففاعله: ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ في قوله: ﴿مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾. وقيل: ضمير يعود على الجدال المفهوم من يجادلون، وهذا أولى كما في "الشوكاني"؛ أي: عظم الجدال ﴿مَقْتًا﴾؛ أي: من جهة البغض الشديد والنفور القوي ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ سبحانه، متعلق بـ ﴿كَبُرَ﴾ وكذلك قوله: ﴿وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال ابن عباس ﵄: يمقتهم الذين آمنوا بذلك الجدال، قيل: هذا من كلام الرجل المؤمن، يحتمل أن يراد به التعجب، وأن يراد به الذم كبئس، وقيل: ابتداء كلام من الله سبحانه.
والمعنى (٢): أي إنّ هؤلاء المسرفين المرتابين هم الذين يخاصمون في حجج الله التي أتتهم بها رسله ليدحضوها بالباطل من الحجج التي لا مستساغ لها من عقل ولا نقل، فيتمسّكون بتقليد الآباء والأجداد ويتمسَّكون بترّهات الأباطيل التي لا يتقبلها ذوو الحصافة والرأي، كبر ذلك الجدال بغضًا لدى الله والمؤمنين، فمقت الله إياهم يكون بما يستتبعه من سوء العذاب، ومقت المؤمنين تظهر آثاره في هجرهم إياهم، والاحتراس من التعامل معهم، وعدم الركون إليهم في الدين والدنيا.
стр. 11493
ثم بيَّن أنّ هذه سنة الله فيهم وفي أمثالهم فقال: ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: كما طبع الله سبحانه على قلوب المسرفين الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم وختم عليها ﴿يَطْبَعُ اللَّهُ﴾ سبحانه، ويختم ﴿عَلَى كُلِّ قَلْبِ﴾ شخص ﴿مُتَكَبِّرٍ﴾ عن الإيمان ﴿جَبَّارٍ﴾ عن قبول الحق والهدى، فيصدر عنه أمثال ما ذكر من الإسراف والارتياب والمجادلة بالباطل.
أي (١): يطبع على قلوب جميع المتكبرين الجبارين الذين أبو أن يوحدوا الله تعالى ويصدقوا رسله، واستعظموا عن اتباع الحق، فيصدر عنهم أمثال ما ذكر من الإسراف وغيره مما مرّ قريبًا.
قال صاحب "الروح": واعلم (٢): أنّ الطابع هو الله تعالى، والمطبوع هو القلب، وسبب الطبع هو التكبّر والجبارية، وحكمه أن لا يخرج من القلب ما فيه من الكفر والنفاق والزيغ والضلال، فلا يدخل فيه ما في الخارج من الإيمان والإخلاص والسداد والهدى، وهو أعظم عقوبة من الله سبحانه، فعلى العاقل أن يتشبّث بالأسباب المؤدّية إلى شرح الصدر لا إلى طبع القلب، قال إبراهيم الخوَّاص: ﵀: دواء القلب خمسة: قراءة القرآن بالتدبّر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرّع إلى الله عند السحر، ومجالسة الصالحين.
وقرأ الجمهور (٣): بإضافة ﴿قَلْبِ﴾ إلى ﴿مُتَكَبِّرٍ﴾ واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم، وعليها ففي الكلام حذف تقديره: كذلك يطبع الله على كل قلب كل شخص متكبر جبار، فحذف كل الثاني لدلالة الأول عليه.
والمعنى: أنه سبحانه يطبع على قلوب جميع المتكبرين الجبارين.
وقرأ أبو عمرو وابن محيصن وابن ذكوان عن أهل الشام، والأعرج بخلاف عنه: بتنوين ﴿قلب﴾ على أنّ ﴿متكبّر﴾ صفة له فيكون القلب مرادًا به الجملة، ونسب التكبر إلى القلب؛ لأنه هو الذي يتكبَّر وسائر الأعضاء تبع له، ولهذا قال النبي ﷺ : "إنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد
стр. 11494
الجسد كله ألا وهي القلب". وقال مقاتل: المتكبّر: المعاند في تعظيم أمر الله تعالى، والجبّار: المسلّط على خلق الله، وقال قتادة: آية الجبابرة القتل بغير حق.
قال في "الكواشي": وكل على كلا القراءَتين لعموم الطبع جميع القلب لا لعموم جميع القلوب. انتهى. وقرأ ابن مسعود: (على قلب كل متكبر). وفي الآية ذم للمتكبر والجبار، وقال ﷺ : "يحشر الجبارون والمتكبرون يوم القيامة في صورة الذرّ يطأهم الناس لهوانهم على الله" وذلك لأنّ الصورة المناسبة لحال المتكبر الجبار صورة الذر، كما لا يخفى على أهل القلب.
٣٦ - ثمّ لمّا سمع فرعون هذا .. رجع إلى تكبّره وتجبّره، معرضًا عن الموعظة، نافرًا من قبولها ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ﴾ اللعين لوزيره، قصدًا إلى صعود السموات لغاية تكبره وتجبره: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي﴾ أمر من بني يبني بناء، ﴿صَرْحًا﴾؛ أي: قصرًا مشيدًا بالآجر؛ أي: بناء عاليًا رفيعًا مكشوفًا ظاهرًا لا يخفى على الناطرين، وإن بعد من الآجر وهو الطوب المحروق، كما قال في سورة القصص: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾ ولهذا كره الآجر في القبور، كما في "عين المعاني"؛ أي: لأنّ فرعون أول من اتخذه.
قال في "كشف الأسرار": كان هامان وزير فرعون، ولم يكن من القبط ولا من بني إسرائيل؛ يقال: إنه لم يغرق مع فرعون وعاش بعده زمانًا شقيًا محزونًا يتكفف الناس. ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ﴾ وأصعد من ذلك الصرح ﴿الْأَسْبَابَ﴾ والطرق العلوية
٣٧ - ﴿أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾؛ أي: طرقها وأبوابها، وهو بيان للأسباب؛ لأن الشيء إذا أبهم ثم فسّر .. كان أوقع في النفوس، وأنشد الأخفش عند تفسيره للآية بيت زهير:
وَمَنْ هَابَ أَسْبَابَ الْمَنَايَا يَنَلْنَهُ ... وَلَوْ رَامَ أَسْبَابَ السَّمَاءِ بِسُلَّمِ
وقيل: أسباب السموات: الأمور التي يستمسك بها، وفي "فتح الرحمن": فإن قلت: ما فائدة التكرار هنا؟.
قلت: فائدته: أنه إذا أبهم ثم أوضح .. كان تفخيمًا لشأنه، فلما أراد تفخيم ما أمل بلوغه من أسباب السموات .. أبهمها ثم أوضحها. اهـ.
﴿فأطلع﴾ وأنظر ﴿إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ بفتح الهمزة ونصب العين على جواب الترجي، وقرأ الجمهور ﴿فأطلع﴾ بالرفع عطفًا على ﴿أبلغ﴾، فهو على هذا داخل
стр. 11495
في حيّز الترجي، وقرأ الأعرج والسلمي وعيسى بن عمر وحفص وأبو حيوة وزيد بن علي والزعفراني وابن مقسم ﴿فَأَطَّلِعَ﴾ بالنصب على جواب الترجي، كما قاله أبو عبيد وغيره، أو على جواب الأمر في قوله: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ نظير قوله:
يَا نَاقُ سِيْرِيْ عَنَقًا فَسِيْحَا ... إِلَى سُلَيْمَانَ فَنَسْتَرِيْحَا
قال النحاس: ومعنى النصب خلاف معنى الرفع, لأنّ معنى النصب متى بلغت الأسباب اطلعت، ومعنى الرفع ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ ولعلي أطلع بذلك، وفي هذا دليل على أنّ فرعون كان بمكان من الجهل عظيم، وبمنزلة من فهم حقائق الأشياء سافلة جدًّا ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ﴾؛ أي: أظن موسى ﴿كَاذِبًا﴾ في ادعائه بأن له إلهًا، أو فيما يدّعيه من الرسالة.
يقول الفقير: لم يقل: كذّابًا، كما قال عند إرساله إليه لأن القائل هنا هو فرعون وحده وحيث قال كذّاب. رجعت المبالغة إلى فرعون وهامان وقارون، فافهم.
والمعنى: أي وقال فرعون بعد سماعه عظة المؤمن، وتحذيره له من بأس الله إذا كذب بموسى وقتله: يا هامان، ابن لي قصرًا منيفًا عالي الذرا، رفيع العماد، علَّني أبلغ أبواب السماء وطرقها، حتى إذا وصلت إليها .. رأيت إله موسى، ولا يريد بذلك إلا الاستهزاء والتهكُّم وتكذيب دعوى الرسالة من رب السموات والأرض.
والخلاصة: أن هذا نفي لرسالته من عند ربه، ثم أكّد هذا النفي الضمني بالتصريح به بقوله: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ فيما يقول ويدعي من أنّ له في السماء ربًا أرسله إلينا، وقد قال هذا (١) تمويهًا وتلبيسًا على قومه، توصلًا بذلك إلى بقائهم على الكفر، وإلا فهو يعلم أنّ الإله ليس في السماء فحسب، وكأنه يقول: لو كان الإله موجودًا لكان له محل، ومحله إما الأرض، وإما السماء، ولم نره في الأرض فإذًا هو في السماء، والسماء لا يتوصّل إليها إلا بسلّم، فيجب أن يبني الصرح لنصل إليه.
стр. 11496
ثم بين السبب الذي دعاه إلى ما صنع، فقال: ﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أي: ومثل ذلك التزيين البليغ المفرط ﴿زُيِّنَ﴾ وحسَّن ﴿لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ﴾؛ أي: عمله السيء فانهمك فيه انهماكًا بليغًا لا يرعوي عنه بحال ﴿وَصُدَّ﴾؛ أي: صرف فرعون ومنع ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾؛ أي: عن سبيل الرشاد، والفاعل في الحقيقة هو الله تعالى، وبالتوسط هو الشيطان، ولذا قال في آية أخرى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ وهذا عند أهل السنة، وأما عند المعتزلة فالمزيّن والصاد هو الشيطان.
أي (١): ومثل ذلك التزيين المذكور من بناء الصلاح والإطلاع إلى إله موسى، زيّن الشيطان لفرعون عمله السيىء من الشرك والتكذيب، فتمادى في غيّه واستمرّ في طغيانه، ولم يرعو عنه بحال، وصدّ عن سبيل الرشاد بأمثال هذه التمويهات والشبهات، وما كان ذلك إلا بسوء استعداده وتدسيته نفسه، والسير بها قدمًا في شهواتها، دون أن يكون لها وازع يصدها عن غيّها، ويثوب بها إلى رشدها.
والنفسُ كالطِّفلِ إِنْ تهملْهُ شبَّ على ... حُبِّ الرضاعِ وإِنْ تفطمْهُ يَنفَطِمِ
وقرأ الجمهور (٢): ﴿وَصُدَّ﴾ بفتح الصاد والدال؛ أي: صد فرعون الناس عن السبيل، وقرأ الكوفيون: ﴿وصدَّ﴾ بضم الصاد مبنيًا للمفعول، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم، ولعل وجه الاختيار لها منهما كونها مطابقة لما أجمعوا عليه في ﴿زُيِّنَ﴾ من البناء للمفعول، وقرأ يحيى بن وثّاب وعلقمة: ﴿صدّ﴾ بكسر الصاد وقرأ ابن أبي إسحاق وعبد الرحمن بن أبي بكرة بفتح الصاد وضم الدال منوّنًا على أنه مصدر معطوف على ﴿سُوءُ عَمَلِهِ﴾؛ أي: زين له الشيطان سوء العمل والصدّ.
ثم ذكر عاقبة مكره وتدليسه وأنه ذاهب سدًى، وأنّ الله ناصرٌ أولياءَهُ ومهلكٌ أعداءَهُ، متَبّرُ ما هم فيه وباطلٌ ما كانوا يعملون، وإلى هذا أشار بقوله: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ﴾ واحتياله الذي يحتال به ليطلع على إله موسى ﴿إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾؛ أي: إلا في خسار وهلاك وذهاب مال؛ لأنها نفقة تذهب باطلًا سُدًى، دون أن يصل إليه شيء مما أراده من القضاء على دعوة موسى، فالنصر في العاقبة له ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
стр. 11497
٣٨ - ثم إنّ ذلك الرجل المؤمن أعاد التذكير والتحذير، كما حكى الله عنه بقوله: ﴿وَقَالَ﴾ الرجل ﴿الَّذِي آمَنَ﴾ من آل فرعون ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ﴾ فيما دلَلْتكم عليه، أصله: يا قومي اتبعوني ﴿أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾؛ أي: أدلُّكم سبيلًا يصل إلى المقصود والرشد، والرشاد: الاهتداء لمصالح الدين والدنيا، وفيه تعريض بأن ما سلكه فرعون وقومه سبيل الغيّ والضلال، وفيه إشارة إلى أن الهداية مودعة في اتباع الأنبياء والأولياء، وللوليّ أن يهدي سبيل الرشاد بتبعيّة النبي ﵇، كما يهدي النبي إليه؛ أي: اقتدوا بي في الدين، أهدكم سبيل الرشاد وهو الجنة.
وقرأ معاذ بن جبل (١): ﴿الرشّاد﴾ بتشديد الشين، ما تقدم قريبًا الكلام على هذه القراءة، والرد على من جعلها في كلام فرعون، ووقع في المصحف ﴿اتبعون﴾ بدون ياء، كذلك قرأ أبو عمرو ونافع: بحذفها في الوقف، وإثباتها في الوصل، وقرأ يعقوب وابن كثير: بإثباتها وصلًا ووقفًا، وقرأ الباقون: بحذفها وصلًا ووقفًا، فمن أثبتها فعلى ما هو الأصل، ومن حذفها فلكونها حذفت في المصحف.
والمعنى (٢): أي يا قوم إن اتبعتموني فقبلتم منّي ما أقول لكم .. سلكتم الطريق الذي به ترشدون باتباعكم دين الله الذي ابتعث به موسى،
٣٩ - ثم زهّدهم في الدنيا التي قد آثروها على الآخرة، فصدّوا عن التصديق برسول الله فقال: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾ يتمتّع بها أيامًا، ثم تنقطع وتزول؛ أي: تمتّع يسيرٌ وانتفاعٌ قليل لسرعة زوالها؛ لأنَّ الدنيا بأسرها ساعة، فكيف عمر إنسان واحدٍ، قال محمد بن علي الترمذي ﵀: لم تزل الدنيا مذمومة في الأمم السالفة عند العقلاء منهم، ولم يزل طالبوها مهانين عند الحكماء الماضية، وما قام داع في أُمة إلا حذّر متابعة الدنيا وجمعها والحب لها، ألا ترى إلى مؤمن آل فرعون كيف قال: ﴿اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، كأنهم قالوا: وما سبيل الرشاد؟، فقال: ﴿إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ ...﴾ إلخ. يعني: لن تصل إلى سبيل الرشاد وفي قلبك محبّة للدنيا وطلب لها ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾؛ أي: الاستقرار؛ لكونها دائمة لا تنقطع ومستمرّة لا تزول لخلودها ودوام ما فيها، فالدائم خير من المنقضي، قال بعض العارفين: لو كانت الدنيا ذهبًا فانيًا، والآخرة خزفًا باقيًا .. لكانت الآخرة خيرًا من
стр. 11498
الدنيا، فكيف والدنيا خزفٌ فانٍ، والآخرة ذهب باقٍ.
وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ نام على حصير، فقام وقد أثر في جسده، فقال ابن مسعود: يا رسول الله لو أمرتنا أن لنبسط لك لنفعل، فقال: "ما لي وللدنيا، وما أنا والدنيا إلا كراكب استظلّ تحت شجرة ثمّ راح وتركها" وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ...﴾ الآية. قال: الدنيا جمعة من جمع الآخرة سبعة آلاف سنة، وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إنّ الحياة الدنيا متاع، وليس من متاعها شيء أفضل من المرأة الصالحة، التي إذا نظرت إليها .. سرّتك، وإذا غبت عنها .. حفظتك في نفسها ومالها". وعن أنس بن مالك ﵁ أنّ النبي ﷺ قال: "يا بنيّ أكثر ذكر الموت، فإنك إذا أكثرت ذكر الموت .. زهدت في الدنيا، ورغبت في الآخرة، وإنّ الآخرة دار قرار، والدنيا غرّارة، والمغرور من اغْترّ بها".
والمعنى (١): أي يا قوم ما هذا النعيم الذي عجِّل لكم في هذه الحياة الدنيا إلا قليل المدى، تستمتعون به إلى أجل أنتم بالغوه ثم تموتون، وإن الآخرة هي دار الاستقرار التي لا زوال لها, ولا انتقال منها, ولا ظعن عنها إلى غيرها، وفيها إما نعيم مقيمْ وإما عذاب أليم.
٤٠ - ثم بيّن كيف تحصل المجازاة في الآخرة، وأشار إلى أنّ جانب الرحمة فيها غالب على جانب العقاب، فقال: ﴿مَنْ عَمِلَ﴾ في هذه الدار الدنيا ﴿سَيِّئَةً﴾؛ أي: معصيةً من المعاصي كائنةً ما كانت ﴿فَلَا يُجْزَى﴾ في الآخرة ﴿إِلَّا مِثْلَهَا﴾ ولا يعذب إلا بقدرها، عدلًا من الله سبحانه، فخلود الكافرين في النار مثل لكفره ولو ساعةً لأَبديّة اعتقاده، وأما المؤمن العاصي فعقابه منقطع، إذ ليس على عزم أن يبقى مصرًّا على المعصية.
والظاهر: شمول الآية لكل ما يطلق عليه اسم السيئة، وقيل: هي خاصة بالشرك، ولا وجه لذلك، وفي الآية دليل على أنّ الجنايات سواء كانت في النفوس
стр. 11499
أو الأعضاء أو الأموال تغرم بأمثالها، والزائد على الأمثال غير مشروع ﴿وَمَنْ عَمِلَ﴾ عملًا ﴿صَالِحًا﴾ وهو (١) كل ما طلب به رضي الله تعالى أيّ عملٍ كان من الأعمال المشروعة، سواء كان ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ﴾ كان من ﴿أُنْثَى﴾ ذكرهما ترغيبًا لهما في الصالحات ﴿وَهُوَ﴾؛ أي: والحال أنه ﴿مُؤْمِنٌ﴾ بالله وبما جاءت به رسله جعل العمل عمدة، والإيمان حالًا للإيذان بأنه لا عبرة بالعمل بدون الإيمان, إذ الأحوال مشروطة على ما تقرّر في علم الأصول ﴿فَأُولَئِكَ﴾ الذين جمعوا بين العمل الصالح والإيمان ﴿يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ حالة كونهم ﴿يُرْزَقُونَ فِيهَا﴾؛ أي: يُعطَون فيها من نعيمها ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾؛ أي: بغير تقدير وموازنة بعملهم، بل أضعافًا مضاعفة، فضلًا من الله ورحمة.
وفي "التأويلات النجمية": ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾؛ أي: مما لم يكن في حساب العبد أن يرزق مثله، قال مقاتل: يقول لا تبعة عليهم فيما يعطون في الجنة من الخير، وقيل: العمل الصالح هو لا إله إلا الله، وقرأ أبو رجاء وشيبة والأعمش والأخوان - حمزة والكسائي - والصاحبان نافع وابن عامر وحفص (٢): ﴿يَدْخُلُونَ﴾ بفتح الياء مبنيًا للفاعل، وباقي السبعة ابن كثير وأبو عمرو وابن محيصن ويعقوب وأبو بكر عن عاصم والأعرج والحسن وأبو جعفر وعيسى: بضمها مبنيًا للمفعول.
والمعنى: أي من عمل في دار الدنيا معصية من المعاصي، كائنةً ما كانت فلا يعذب إلا بقدرها من غير مضاعفة للعقاب، ومن عمل بطاعة الله وائتمر بأمره وانتهى عمّا نهى عنه، ذكرًا كان أو أنثى وهو مؤمن بربّه، مصدق بأنبيائه ورسله .. فأولئك يدخلون الجنة، ويمتعون بنعيمها بلا تقدير ولا موازنة للعمل، بل يجازون أضعافًا مضاعفةً بلا انقضاء ولا نفاد.
الإعراب
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٢٥)﴾.
стр. 11500
﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿أَرْسَلْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿مُوسَى﴾: مفعول به، والجملة الفعلية، جواب لقسم محذوف، تقديره: والله لقد أرسلنا موسى، وجمله القسم: مستأنفة. ﴿بِآيَاتِنَا﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من ﴿مُوسَى﴾؛ أي: حالة كونه مؤيّدًا بآياتنا التكوينية والتنزيلية ﴿وَسُلْطَانٍ﴾: معطوف على ﴿آياتنا﴾ ﴿مُبِينٍ﴾: صفة ﴿وَسُلْطَانٍ﴾. ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾ ﴿وَهَامَانَ وَقَارُونَ﴾: معطوفان على ﴿فِرْعَوْنَ﴾ وكل من الثلاثة مجرور بالفتحة، لأنها من الأسماء الأعجمية. ﴿فَقَالُوا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿قالوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿أَرْسَلْنَا﴾. ﴿سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾: خبران لمبتدأ محذوف؛ أي: هو ساحر كذاب، والجملة الاسمية: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿فَلَمَّا﴾ ﴿الفاء﴾: استئنافية. ﴿لما﴾: اسم شرط غير جازم في محل نصب على الظرفية الزمانية. ﴿جَاءَهُمْ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿مُوسَى﴾. ومفعول به، والجملة: فعل شرط لـ ﴿لما﴾ في محل جر بالإضافة ﴿بِالْحَقِّ﴾: متعلق بجاءهم. ﴿مِنْ عِنْدِنَا﴾: متعلق بمحذوف حال من الحق. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل جواب ﴿لما﴾، لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لما﴾: مستأنفة. ﴿اقْتُلُوا﴾: فعل أمر وفاعل، ﴿أَبْنَاءَ الَّذِينَ﴾: مفعول به، ومضاف إليه، والجملة الفعلية: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿مَعَهُ﴾ ظرف متعلق بـ ﴿آمَنُوا﴾ ﴿وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾: فعل أمر وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿اقْتُلُوا﴾. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: حالية ﴿مَا﴾: نافية ﴿كَيْدُ الْكَافِرِينَ﴾: مبتدأ ومضاف إليه، وهو إظهار في مقام الإضمار؛ أي: وما كيدهم بموسى ﵇. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرّغ. ﴿فِي ضَلَالٍ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: في محل النصب حال من فاعل ﴿قَالُوا﴾ والرابط اسم الظاهر القائم مقام الضمير؛ لأنّ الأصل أن يقال: وما كيدهم.
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (٢٦)﴾.
﴿وَقَالَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿قَالُوا﴾ ﴿ذَرُونِي﴾: فعل أمر وفاعل، ونون وقاية، ومفعول به، والجملة: في محل النصب
стр. 11501
مقول قال. ﴿أَقْتُلْ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على ﴿فِرْعَوْنُ﴾، مجزوم بالطلب السابق. ﴿مُوسَى﴾: مفعول به، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿وَلْيَدْعُ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿واللام﴾: حرف جزم وطلب. ﴿يدع﴾: فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾. ﴿رَبَّهُ﴾: مفعول به، والجملة: معطوفة على جملة ﴿ذَرُونِي﴾، والمقصود بالأمر هنا: التعجيز بزعمه. ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿أَخَافُ﴾: من الفعل المضارع، والفاعل المستتر: في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾: في محل النصب مقول ﴿قال﴾، على كونها مسوقة لتعليل القتل ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر، ﴿يُبَدِّلَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أَن﴾، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾، ﴿دِينَكُمْ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية مع أن المصدرية: في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، تقديره: إني أخاف تبديله دينكم الذي أنتم عليه، ﴿أَوْ﴾ حرف عطف. ﴿أَنْ يُظْهِرَ﴾: معطوف على ﴿أَنْ يُبَدِّلَ﴾، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق بـ ﴿يُظْهِرَ﴾. ﴿الْفَسَادَ﴾: مفعول ﴿يُظْهِرَ﴾، والتقدير: أو إظهاره الفساد في الأرض.
﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (٢٧)﴾.
﴿وَقَالَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿قال موسى﴾: فعل وفاعل معطوف على قالوا أيضًا. ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه. ﴿عُذْتُ﴾: فعل وفاعل في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾: في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿بِرَبِّي﴾ متعلق بـ ﴿عُذْتُ﴾، ﴿وَرَبِّكُمْ﴾: معطوف على ﴿ربي﴾. ﴿مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿عُذْتُ﴾ وجملة ﴿لَا يُؤْمِنُ﴾: صفة لـ ﴿مُتَكَبِّرٍ﴾. ﴿بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ متعلق بـ ﴿يُؤْمِنُ﴾.
﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
﴿وَقَالَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿قال رجل﴾: فعل وفاعل. ﴿مُؤْمِنٌ﴾: صفة أولى لـ ﴿رَجُلٌ﴾. ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ نعت ثان له. ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على ﴿رَجُلٌ﴾ ومفعوله، والجملة: في محل الرفع صفة ثالثة
стр. 11502
لـ ﴿رَجُلٌ﴾، وجملة ﴿قال﴾: مستأنفة مسوقة لإيراد الحل الملائم للعقدة القصصية بعد أن عاذ موسى بربه ليكفيه شر هذا اللعين. ﴿أَتَقْتُلُونَ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري، ﴿تقتلون رجلًا﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة: في محل النصب مقول قال ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿يَقُولَ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على ﴿رَجُلًا﴾ والجملة الفعلية مع أن المصدرية: في تأويل مصدر منصوب على كونه مفعولًا لأجله؛ أي: أتقتلونه لأجل قوله: ﴿رَبِّيَ﴾: مبتدأ، ﴿اللَّهُ﴾: خبره أو بالعكس والجملة الاسمية: في محل النصب مقول لـ ﴿يَقُولَ﴾، ﴿وَقَدْ﴾: ﴿الواو﴾: حالية. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿جَاءَكُمْ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾: متعلق بـ: جاء. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾: حال من ﴿البينات﴾ والجملة الفعلية: في محل النصب حال من ﴿رَجُلًا﴾ فإن قيل: هو نكرة .. فالجواب: أنه في حيز الاستفهام، وكل ما سَوّغ الابتداء بالنكرة سوغ انتصاب الحال منها، ويجوز أن يكون حالًا من فاعل ﴿يَقُولَ﴾. اهـ "سمين".
﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾.
﴿وَإِنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إن﴾: حرف شرط جازم. ﴿يَكُ﴾: فعل مضارع ناقص مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية، وعلامة جزمه السكون الظاهر على النون المحذوفة للتخفيف، واسمها: ضمير مستتر يعود على ﴿رَجُلًا﴾. ﴿كَاذِبًا﴾: خبرها. ﴿فَعَلَيْهِ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا. ﴿عليه﴾: خبر مقدم. ﴿كَذِبُهُ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية: في محل الجزم جواب ﴿إن﴾ الشرطية، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿أَتَقْتُلُونَ﴾ على كونها مقولًا لـ ﴿قال﴾ ﴿وَإِنْ يَكُ﴾: جازم ومجزوم. ﴿صَادِقًا﴾: خبر ﴿يَكُ﴾. ﴿يُصِبْكُمْ﴾: فعل مضارع ومفعول به مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه جوابًا لها. ﴿بَعْضُ الَّذِي﴾: فاعل ومضاف إليه، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية: معطوفة على جملة ﴿إِن﴾ الأولى، وجملة ﴿يَعِدُكُمْ﴾: صلة الموصول، والعائد: محذوف، تقديره: يعدكموه، ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿لَا يَهْدِي﴾: خبره وجملة ﴿إِنَّ﴾: في محل النصب مقول ﴿قال﴾ على كونها مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿يَهْدِي﴾. ﴿هُوَ مُسْرِفٌ﴾: مبتدأ وخبر. ﴿كَذَّابٌ﴾: خبر ثان،
стр. 11503
والجملة الاسمية: صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة.
﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (٢٩)﴾.
﴿يَا قَوْمِ﴾: ﴿يا﴾ حرف نداء. ﴿قوم﴾: منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة، وجملة النداء، في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾؛ لأنه من تتمة كلام الرجل المؤمن. ﴿لَكُمُ﴾: خبر مقدم. ﴿الْمُلْكُ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿الْيَوْمَ﴾: ظرف متعلق بما تعلق به الخبر. ﴿ظَاهِرِينَ﴾: حال من الضمير في ﴿لَكُمُ﴾ والعامل فيها وفي اليوم ما تعلق به لكم. اهـ "سمين". ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق بـ ﴿ظَاهِرِينَ﴾؛ أي: غالبين في الأرض، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿فَمَنْ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة, لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم ما قلت لكم، وأردت النصيحة لكم .. فأقول لكم ﴿مَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ﴾. ﴿مَنْ﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ. ﴿يَنْصُرُنَا﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به. ﴿مِنْ بَأْسِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَنْصُرُنَا﴾، والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ويصح أن تكون ﴿الفاء﴾: عاطفة ما بعدها على جملة قوله: ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ وإن طال الفصل، ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿جَاءَنَا﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الـ ﴿بَأْسِ﴾ ومفعول به، والجملة: في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها، وجوابها معلوم مما قبلها، تقديره: إن جاءنا بأس الله فمن ينصرنا منه، وجملة ﴿إِن﴾ الشرطية: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿أُرِيكُمْ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول أول. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿أُرِيكُمْ﴾. والجملة الفعلية: في محل النصب، مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَرَى﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على ﴿فِرْعَوْنُ﴾، والجملة: صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة والعائد: محذوف، تقديره: إلا ما أراه لنفسي. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿ما﴾: نافية. ﴿أَهْدِيكُمْ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به أول. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾: مفعول ثان لـ ﴿أَهْدِيكُمْ﴾ والجملة الفعلية: في محل
стр. 11504
النصب معطوفة على جملة ﴿مَا أُرِيكُمْ﴾ على كونها مقولًا لـ ﴿قَالَ﴾.
﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (٣١)﴾.
﴿وَقَالَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿قال الذي﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ﴾، وجملة ﴿آمَنَ﴾: صلة الموصول، وجملة النداء. في قوله ﴿يَا قَوْمِ﴾: في محل النصب مقول ﴿قال﴾، ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿أَخَافُ﴾: خبره. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿أَخَافُ﴾، ﴿مِثْلَ﴾: مفعول به لـ ﴿أَخَافُ﴾. ﴿مِثْلَ﴾: مضاف. ﴿يَوْمِ﴾: مضاف إليه. ﴿يَوْمِ﴾: مضاف. ﴿الْأَحْزَابِ﴾: مضاف إليه، وكثرة الإضافة لا تخرج الكلام عن الفصاحة، لورودها في الكتاب والسنة. ﴿مِثْلَ﴾: بدل عن ﴿مِثْلَ﴾ الأول، أو عطف بيان له وهو مضاف، ﴿دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ مضاف إليه. ﴿وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾: معطوفان على ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾: في محل الجر معطوف على ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾ أيضًا. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: جار ومجرور صلة الموصول، ﴿وَمَا اللَّهُ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿ما﴾: حجازية: ﴿اللَّهُ﴾ اسمها، وجملة ﴿يُرِيدُ﴾: خبرها، ﴿ظُلْمًا﴾: مفعول به لـ ﴿يُرِيدُ﴾. ﴿لِلْعِبَادِ﴾: متعلق بـ ﴿ظُلْمًا﴾ وجملة ﴿ما﴾ الحجازية: معطوفة على جملة ﴿يَا قَوْمِ﴾ على كونها مقولًا لـ ﴿قال﴾.
﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣)﴾.
﴿وَيَا قَوْمِ﴾: معطوف على جملة النداء الأول، ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه. ﴿أَخَافُ﴾: خبره، وجملة ﴿إن﴾: معطوفة على جملة ﴿إن﴾ الأولى على كونها مقولًا لـ ﴿قال﴾ ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿أَخَافُ﴾ ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾: مفعول به لـ ﴿أَخَافُ﴾. ﴿يَوْمَ﴾: مضاف، ﴿التَّنَادِ﴾: مضاف إليه مجرور بالمضاف، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء المحذوفة تبعًا لرسم المصحف، منع من ظهورها الثقل؛ لأنه اسم منقوص. ﴿يَوْمَ﴾: بدل من ﴿يَوْمَ﴾ الأول. ﴿تُوَلُّونَ﴾: فعل وفاعل مرفوع بثبات النون. ﴿مُدْبِرِينَ﴾: حال من فاعل ﴿تُوَلُّونَ﴾، والجملة الفعلية: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾. ﴿مَا﴾: نافية حجازية. ﴿لَكُمْ﴾: خبرها مقدم ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿عَاصِمٍ﴾ ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿عَاصِمٍ﴾: اسمها مؤخر، وجملة ﴿مَا﴾ الحجازية: في محل النصب
стр. 11505
حال ثانية من فاعل ﴿تُوَلُّونَ﴾، ولك أن تهمل ﴿مَا﴾؛ لتقدم خبرها، ﴿وَمَنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿من﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر: جملة الشرط أو الجواب أو هما. ﴿يُضْلِلِ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها. ﴿فَمَا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة. ﴿ما﴾: تميمية أو حجازية. ﴿لَهُ﴾: خبرها مقدم أو خبر مقدم ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿هَادٍ﴾: اسمها مؤخر أو مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية: في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَن﴾ الشرطية في محل النصب معطوفة على ما قبلها على كونها مقولًا لـ ﴿قال﴾.
﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية أو عاطفة، و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿جَاءَكُمْ يُوسُفُ﴾: فعل ماض ومفعول به وفاعل، والجملة: جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم: مستأنفة أو معطوفة على ما قبلها. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: جار ومجرور حال من ﴿يُوسُفُ﴾؛ أي: من قبل موسى، فبناء الظرف على الضم؛ لأن المضاف إليه منوي معناه ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾: متعلق بـ ﴿جَاءَكُمْ﴾ ﴿فَمَا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿ما﴾: نافية. ﴿زِلْتُمْ﴾: فعل ماض ناقص و ﴿التاء﴾: اسمها. ﴿فِي شَكٍّ﴾: خبرها، وجملة ﴿زال﴾ معطوفة على جملة ﴿جَاءَكُمْ﴾ ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿شَكٍّ﴾ وجملة ﴿جَاءَكُمْ﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة. ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿جَاءَكُمْ﴾ ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية لقوله: ﴿ما زلتم﴾، ﴿إِذَا﴾: ظرف لما: يستقبل من الزمان. ﴿هَلَكَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿يُوسُفُ﴾. والجملة: في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف: متعلق بالجواب. ﴿قُلْتُمْ﴾: فعل وفاعل جواب ﴿إِذَا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إِذَا﴾ من فعل شرطها وجوابها: في محل الجر بـ ﴿حَتَّى﴾ تقديره: ﴿فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ﴾ إلى قولكم وقت هلاكَه: ﴿لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾: الجار والمجرور صفة ثانية لـ ﴿شَكٍّ﴾ أو متعلق بـ ﴿زال﴾ ﴿لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ﴾ ناصب وفعل وفاعل ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ جار ومجرور حال من ﴿رَسُولًا﴾ لأنه صفة نكرة قدمت عليها، ﴿رَسُولًا﴾: مفعول به، والجملة الفعلية: في محل النصب مقول
стр. 11506
﴿قُلْتُمْ﴾.
﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ الله مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (٣٤) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ في آيَاتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥)﴾.
﴿كَذَلِكَ﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف. ﴿يُضِلُّ الله﴾: فعل وفاعل، ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿يُضِلُّ﴾. ﴿هُوَ﴾: مبتدأ. ﴿مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾: خَبرَانِ لَهُ، والجملة الاسمية: صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، والتقدير: ﴿يُضِلُّ الله﴾ سبحانه ﴿مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾: إضلالًا مثل الإضلال الفظيع الواقع لفرعون وقومه، والجملة الاسمية: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ، ﴿يُجَادِلُونَ﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿في آيَاتِ اللهِ﴾: متعلق بـ ﴿يُجَادِلُونَ﴾، ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾: متعلق به أيضًا، وجملة ﴿أَتَاهُمْ﴾: في محل الجر صفة لـ ﴿سُلْطَانٍ﴾. ﴿كَبُرَ﴾: فعل ماض قال على التعجب والاستعظام لجدالهم، وفاعله: ضمير مستتر يعود على المصدر المفهوم من ﴿يُجَادِلُونَ﴾. ﴿مَقْتًا﴾: تمييز محول عن الفاعل؛ أي: كبر مقت جدالهم؛ أي: المقت المرتب على جدالهم. ﴿عِنْدَ اللهِ﴾ متعلق بـ ﴿كَبُرَ﴾، ﴿وَعِنْدَ الَّذِينَ﴾: معطوف على ﴿عِنْدَ اللهِ﴾، وجملة ﴿آمَنُوا﴾: صلة ﴿الَّذِينَ﴾ وجملة ﴿كَبُرَ﴾: من الفعل والفاعل في محل الرفع خبر المبتدأ، والتقدير: الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم، كبر جدالهم وعظم عند الله وعند الذين آمنوا من جهة كونه ممقوتًا، والجملة الاسمية: مستأنفة؛ لأنه ابتداء كلام من الله تعالى. قال أبو حيان في "النهر": والأولى في إعراب هذا الكلام أن يكون ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ، وخبره ﴿كَبُرَ﴾ والفاعل: ضمير المصدر المفهوم من ﴿يُجَادِلُونَ﴾، وهذه الصفة موجودة في فرعون وقومه، ويكون الواعظ لهم قد عدل عن مخاطبتهم إلى الاسم الغائب لحسن مجاورته لهم واستجلاب قلوبهم، وهنا أوجه عن الإعراب، أوصلها بعضهم إلى عشرة لا طائل تحتها، وأولاها بالذكور، وأقربها إلى المعقول ما ذكرناه، وقال أبو البقاء: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾ فيه أوجه:
أحدها: أن يكون خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هم الذين، وهم يرجع على قوله: ﴿مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾؛ لأنه في معنى الجمع.
стр. 11507
والثاني: أن يكون مبتدأ، والخبر ﴿يَطْبَعُ الله﴾ والعائد: محذوف؛ أي: على كل قلب متكبر منهم. ﴿كَذَلِكَ﴾: خبر مبتدأ محذوف؛ أي: الأمر كذلك، وما بينهما معترض.
الثالث: أن يكون الخبر ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾؛ أي: كبر قولهم مقتًا.
والرابع: أن يكون الخبر محذوفًا؛ أي: معاندون، ونحو ذلك.
والخامس: أن يكون منصوبًا بإضمار أعني. وقال الزمخشري: الذين يجادلون بدل من ﴿مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾ نظرًا لمعنى مَنْ لا للفظ بها, لأنها جمع في المعنى لأنه لا يريد مسرفًا واحدًا، فكأنه قال: كل مسرف، ﴿كَذَلِكَ﴾ صفة لمصدر محذوف؛ أي: طبعًا مثل ذلك الطبع. ﴿يَطْبَعُ الله﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَى كُلِّ﴾: متعلق بـ ﴿يطبع﴾، ﴿كُلِّ﴾: مضاف. ﴿قَلْبِ﴾: مضاف إليه. ﴿قَلْبِ﴾: مضاف. ﴿مُتَكَبِّرٍ﴾: مضاف إليه. ﴿جَبَّارٍ﴾: صفة ﴿مُتَكَبِّرٍ﴾ أو ﴿مُتَكَبِّرٍ﴾ على تنوين ﴿قَلْبِ﴾ صفة أولى له، ﴿جَبَّارٍ﴾: صفة ثانية له.
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا في تَبَابٍ (٣٧)﴾.
﴿وَقَالَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿قال فرعون﴾: فعل وفاعل معطوف على الجمل التي قبلها، أو مستأنفة استئنافًا بيانيًا. ﴿يَا هَامَانُ﴾: منادى مفرد العلم في محل النصب مبني على الضم، وجملة النداء، في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿ابْنِ﴾: فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، وفاعله: ضمير مستتر يعود على ﴿هامان﴾، تقديره: أنت، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قال﴾ على كونها جواب النداء. ﴿لِي﴾: متعلق بمحذوف حال من ﴿صَرْحًا﴾ لأنه صفة نكرة قدمت عليه. ﴿صَرْحًا﴾: مفعول به، ﴿لَعَلِّي﴾: ناصب واسمها، وجملة ﴿أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾: خبر ﴿لعل﴾، وجملة ﴿لعل﴾ في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾: بدل من الأسباب بدل كل من كل، وفائدة الإبدال: أن الشيء إذا أبهم ثم أوضح .. كان تفخيمًا لشأنه، وهذا هو مراد فرعون. ﴿فَأَطَّلِعَ﴾: بالنصب ﴿الفاء﴾: عاطفة سببية. ﴿أطلعَ﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد ﴿الفاء﴾ السببية
стр. 11508
الواقعة في جواب الأمر، وهو ﴿ابْنِ﴾ أو في جواب الترجي وهو ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ وفاعله: ضمير مستتر يعود على ﴿فِرْعَوْنُ﴾ تقديره: أنا، والجملة الفعلية، صلة أن المضمرة وأن مع صلتها: في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الجملة التي قبلها من غير سابك لإصلاح المعنى، تقديره: ليكن بناؤُك صرحًا لي فاطلاعي إلى إله موسى، أو ليكن بلوغي الأسباب أسباب السموات، فاطلاعي على إله موسى، وقرىء ﴿فأطلع﴾ بالرفع، على أن ﴿الفاء﴾: عاطفة مجردة عن معنى السبب على ﴿أَبْلُغُ﴾ فهو داخل في حيز الترجي، ﴿إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أطلع﴾ ﴿وَإِنِّي﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إني﴾: ناصب واسمه، ﴿لَأَظُنُّهُ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء. ﴿أظنه﴾: فعل مضارع ناسخ، وفاعل مستتر، ومفعول أول. ﴿كَاذِبًا﴾: مفعول ثان، والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾: معطوفة على جملة ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي﴾ على كونها مقولًا لـ ﴿قال﴾، ﴿وَكَذَلِكَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿كَذَلِكَ﴾: ﴿الكاف﴾: صفة لمصدر محذوف تقديره: تزيينًا مثل ذلك التزيين المذكور؛ أي: كتزيين القول المذكور له، ﴿زُيِّنَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة. ﴿لِفِرْعَوْنَ﴾: متعلق به، ﴿سُوءُ عَمَلِهِ﴾: نائب فاعل لـ ﴿زُيِّنَ﴾، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿وَصُدَّ﴾: فعل ماض مغير الصيغة معطوف على ﴿زُيِّنَ﴾، ونائب فاعله: ضمير يعود على ﴿فِرْعَوْنَ﴾، ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ متعلق بـ ﴿صُدَّ﴾ ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة أو حالية. ﴿ما﴾: نافية. ﴿كَيْدُ فِرْعَوْنَ﴾: مبتدأ ومضاف إليه، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿في تَبَابٍ﴾: خبر المبتدأ، والجملة، معطوفة على جملة ﴿زُيِّنَ﴾: أو حال من نائب فاعل ﴿زُيِّنَ﴾.
﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (٣٨)﴾.
﴿وَقَالَ الَّذِي﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ﴾، ﴿آمَنَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر صلة ﴿الَّذِي﴾ ﴿يَا قَوْمِ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء: في محل النصب مقول ﴿قال﴾، ﴿اتَّبِعُونِ﴾: فعل أمر مبني على حذف النون، و ﴿الواو﴾: فاعل، و ﴿النون﴾: للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بكسرة نون الوقاية: في محل النصب مفعول به، وقرىء: بإثباتها وحذفها وصلًا ووقفًا، هذا بالنظر للفظ، وأما في الرسم فهي محذوفة لا غير, لأنها من ياءات الزوائد، والجملة
стр. 11509
الفعلية: في محل النصب مقول ﴿قال﴾ على كونها جواب النداء. ﴿أَهْدِكُمْ﴾؛ فعل مضارع مجزوم بالطلب السابق، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وهي الياء، وفاعله: ضمير مستتر وجوبًا، تقديره: أنا و ﴿الكاف﴾: مفعول به، ﴿سَبِيلَ﴾: مفعول به ثان أو منصوب بنزع الخافض، ﴿الرَّشَادِ﴾: مضاف إليه، والجملة الفعلية. جملة جوابية لا محل لها من الإعراب، ولكنها في محل النصب مقول ﴿قال﴾.
﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (٣٩) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (٤٠)﴾.
﴿يَا قَوْمِ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء: في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر، بمعنى ما النافية وإلا المثبتة، ﴿هَذِهِ﴾: مبتدأ. ﴿الْحَيَاةُ﴾ بدل، ﴿الدُّنْيَا﴾: نعت ﴿الْحَيَاةُ﴾ ﴿مَتَاعٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿وَإِنَّ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿الْآخِرَةَ﴾: اسمها ﴿هِيَ﴾: ضمير فصل أو مبتدأ. ﴿دَارُ الْقَرَارِ﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾ أو خبر ﴿هِيَ﴾، والجملة خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾: في محل النصب معطوفة على ما قبلها على كونها مقول ﴿قال﴾، ﴿مَنْ﴾ اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر: جملة الشرط أو الجواب أو هما، ﴿عَمِلَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها. ﴿سَيِّئَةً﴾: مفعول به ﴿فَلَا﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية جوازًا. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يُجْزَى﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعله: ضمير مستتر تقديره: هو يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿مِثْلَهَا﴾: مفعول ثان لـ ﴿يُجْزَى﴾ والجملة الفعلية: في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية: في محل النصب مقول ﴿قال﴾، ﴿ومن﴾: ﴿الواو﴾: عاطفه. ﴿مَنْ﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر: جملة الشرط أو الجواب أو هما، ﴿عَمِلَ﴾: فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، ﴿صَالِحًا﴾: مفعول به، أو نعت لمصدر محذوف؛ أي: عملًا صالحًا. ﴿مِنْ ذَكَرٍ﴾: حال من فاعل ﴿عَمِلَ﴾. ﴿أَوْ أُنْثَى﴾: معطوف على ﴿ذَكَرٍ﴾. ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة: في محل
стр. 11510
النصب حال من فاعل ﴿عَمِلَ﴾. ﴿فَأُولَئِكَ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿مِنْ﴾ الشرطية وجوبًا. ﴿أولئك﴾: مبتدأ. ﴿يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة: في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿مَنْ﴾ الأولى. ﴿يُرْزَقُونَ﴾: فعل ونائب فاعل. ﴿فِيهَا﴾: جار ومجرور حال من ﴿واو﴾: ﴿يُرْزَقُونَ﴾ أو متعلق به ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه صفة لمفعول به محذوف، تقديره: ﴿يُرْزَقُونَ﴾ رزقًا واسعًا بلا حساب ولا تبعة، وجملة ﴿يُرْزَقُونَ﴾: في محل النصب حال من ﴿واو﴾ ﴿يَدْخُلُونَ﴾.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَسُلْطَانٍ﴾ والسلطان: الحجة والبرهان. ﴿فِرْعَوْنَ﴾: ملك القبط بالديار المصرية. ﴿وَهَامَانَ﴾: وزيره. ﴿وَقَارُونَ﴾: كان أكثر الناس في زمانه تجارةً ومالًا. ﴿كَذَّابٌ﴾ والكذاب: هو الذي عادته الكذب، بأن يكذب مرةً بعد أخرى، ولم يقولوا: سحار؛ لأنهم كانوا يزعمون أنه ساحر، وأن سحرتهم أسحر منه، كما قالوا: ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢)﴾ كما مر في مبحث التفسير.
﴿أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾: ﴿الهمزة﴾: فيه مبدلة من واو أصله أبناو أبدلت الواو همزة لتطرفها إثر ألف زائدة. ﴿واستحيوا﴾: أصله استحييوا: أمر من استحيي من باب استفعل، ومضارعه: يستحييون استثقلت الضمة على الياء الثانية، فنقلت إلى الأولى بعد سلب حركتها، ثم حذفت الياء الثانية لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ لأنها لما سلبت حركتها .. سكنت فوزنه استفعوا.
﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي﴾ من عاذ يعوذ، كقال يقول، أصله: عوذ، قلبت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار عاذ، كقال، ثم لما أسند الفعل إلى ضمير الرفع المتحرك .. سكن آخره، فالتقى ساكنان: الألف والذال الساكنة، فحذفت الألف ثم سلبت حركة الفاء وعوض عنها شكلة مجانسة للعين المحذوفة التي هي الواو، والمجانس لها هو الضمة، فقيل: عذت بوزن قلت بضم الفاء، والعوذ: الالتجاء إلى الغير والتعلق به.
﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾؛ أي: اتركوني، يقال: ذره؛ أي: دعه، يذره تركًا ولا
стр. 11511
تقل وذرًا، وأصله: وذره يذره، كوسعه يسعه، لكن ما نطقوا بماضيه ولا بمصدره ولا باسم الفاعل كما في "القاموس".
﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ﴾ والرجل المؤمن: هو ابن عم فرعون، وولى عهده وصاحب شرطته، وهو الذي نجا مع موسى ﵊، وهو المراد بقوله: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾. ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ وآل الرجل، خاصته الذي يؤول إليه أمرهم للقرابة أو الصحبة أو الموافقة في الدين، واسمه: شمعان، بالمعجمة على وزن سلمان، كما مر. وأصله: أهل أبدلت الهاء همزةً توصلًا لإبدالها ألفًا، ثم أبدلت ألفًا حرف مد مجانسًا لحركة الهمزة المفتوحة قبلها، وقيل: إن أصله أول، قلبت الواو همزةً لتحركها وانفتاح ما قبلها.
قال الشاطبي - رحمه الله تعالى - مبينًا الخلاف في كلمة آل:
فإِبدالُهُ من هَمزةٍ هاءٌ اصْلُها ... وقد قالَ بعضُ النَّاسِ مِنْ واوٍ ابْدِلا
﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ وهي الشواهد الدالة على صدقه. ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا﴾: ﴿يَكُ﴾: مضارع كان، وأصله: يكون بوزن يفعل، نقلت حركة الواو إلى الكاف فسكنت إثر ضم فصارت حرف مد، ولما دخل الجازم ﴿إِنْ﴾ الشرطية على الفعل .. سكن آخره فصار اللفظ يكونْ، فالتقى ساكنان فحذفت الواو لذلك، ثم حذفت النون أيضًا حذفًا غير مطرد، كما ذكره في "الخلاصة" بقوله:
وَمِنْ مُضَارعٍ لكَانَ مُنْجَزِمْ ... تُحْذَفُ نُوْنٌ وَهُوَ حَذْفٌ مَا الْتُزِمْ
﴿مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ المسرف: المقيم على المعاصي المستكثر منها، والكذاب: المفتري. ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ هو يوم القيامة، تَسَمَّى بذلك لأن الناس ينادي فيه بعضهم بعضًا للاستغاثة. قال أمية بن أبي الصلت:
وَبَثَّ الْخَلْقَ فِيْهَا إِذْ دَحَاهَا ... فَهُمْ سُكَّانُهَا حَتَّى التَّنَادِ
وأصله: يوم التنادي بالياء، على أنه مصدر تنادى القوم بعضهم بعضًا تناديًا بضم الدال، ثم كسر لأجل مناسبة الياء المحذوفة لتناسب الفواصل، وأصل هذه الياء واو من الندوة، وهو مكان الالتقاء. ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ﴾ أصله: توليون استثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان فحذفت الياء وضمت اللام لمناسبة الواو.
стр. 11512
﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ الدأب: العادة المستمر عليها والشأن. ﴿فَمَا زِلْتُمْ﴾ من زال يزال، كخاف يخاف أصل زال: زول، كخاف أصله: خوف قلبت الواو ألفًا لتحركها بعد فتح ثم لما أسند الفعل إلى ضمير الرفع المتحرك، سكن آخره فالتقى ساكنان: الألف وآخر الفعل، فحذفت الألف فصار اللفظ: زلتم فحذفت حركة الفاء، ونقلت إليه شكلة العين المحذوفة، وهي الكسرة لأن ماضيه من باب فعل بكسر العين، فقيل ﴿زِلْتُمْ﴾ بوزن فِلتم.
﴿يُضِلُّ الله﴾ أصله: يضال نقلت حركة اللام الأولى إلى الضاد فسكنت، فأدغمت في اللام الثانية، ﴿مُرْتَابٌ﴾ فيه إعلال بالقلب، أصله: مرتيب بصيغة اسم الفاعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿صَرْحًا﴾ والصرح: القصر الشامخ المنيف. وفي "المصباح": الصرح بيت واحد يبنى مفردًا طويلًا ضخمًا. وفي "الكشاف": الصرح: البناء الظاهر الذي لا يخفى على الناظر، وإن بعد اشتقوه من صرح الشيء بالتشديد إذا ظهر، فإنه يكون لازمًا أيضًا، وفي "السمين" في سورة النمل: الصرح: القصر أو صحن الدار أو بلاط يتخذ من زجاج، وأصله: من التصريح، وهو: الكشف. اهـ.
وهذه المادة عجيبة في مدلولها, لإنها تدل في جميع مشتقاتها على الظهور والإبانة، قالوا: لبن صريح: إذا ذهبت رغوته وخلص، وعربي صريح، من عرب صرحاء غير هجناء، ونسب صريحٍ، وكأس صراح: لم تمزج، وصرحت الخمرة: ذهب عنها الزبد، ولقيته مصارحةً؛ أي: مجاهرةً، وصرح النهار: ذهب سحابه وأضاءت شمسه، وصرح بما في نفسه وبنى صرحًا وصروحًا وقعد في صرحة داره؛ أي: في ساحتها.
﴿الْأَسْبَابَ﴾: جمع سبب، وهو ما يتوصل به إلى شيء من حبل وسلم وطريق، والمراد هنا: الأبواب، قال زهير بن أبي سلمى:
وَمَنْ هَابَ أَسْبَابَ الْمَنَايَا يَنَلْنَهُ ... وَلَوْ رَامَ أَسْبَابَ السَّمَاءِ بِسُلَّمِ
والسبب أيضًا: من مقطعات الشعر حرف متحرك وحرف ساكن، أو حرفان متحركان، والأول يسمى خفيفًا، والثاني ثقيلًا. ﴿إِلَّا في تَبَابٍ﴾ والتباب: الخسران والهلاك، ومنه قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾. ﴿فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ أصله:
стр. 11513
فأطتلع، أبدلت تاء الافتعال طاءً وأدغمت فيها الطاء. ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ﴾ أصله: أظننه بوزن أفعله، نقلت حركة النون الأولى إلى الظاء فسكنت فأدغمت في الثانية. ﴿سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ والرشد والرشاد: الاهتداء لمصالح الدنيا والدين. ﴿إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾ والمتاع: اسم مصدر من تمتّع بمعنى المتعة، وهي التمتع والانتفاع، لا بمعنى السلعة؛ لأنّ وقوعه خبرًا عن الحياة الدنيا يمنع منه. اهـ من "الروح".
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: عطف الخاص على العام في قوله: ﴿بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾؛ تفخيمًا لشأن الخاص.
ومنها: تخصيص فرعون وهامان بالذكر؛ لأنّ الإرسال إليهما إرسال إلى القوم كلهم.
ومنها: المبالغة في قوله: ﴿كَذَّابٌ﴾، وفي قوله: ﴿سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾.
ومنها: المقابلة بين القتل والاستحياء في قوله: ﴿اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾.
ومنها: إطلاق الجمع على الواحد في قوله: ﴿قَالُوا اقْتُلُوا﴾ لأنّ القائل هو فرعون وحده؛ لأنه بمنزلة الكل، كما في قوله: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾.
ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا في ضَلَالٍ﴾ إشعارًا بعلة الحكم، وذمًّا لهم بالكفر، وحق العبارة أن يقال: وما كيدهم.
ومنها: الاعتراض بهذه الجملة في تضاعيف ما حكي عنهم من الأباطيل للمسارعة إلى بيان بطلان ما أظهروه، وإضمحلاله بالمرة، اهـ "أبو السعود".
ومنها: الإتيان بلام الأمر في قوله: ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ للتعجيز؛ لأنه أمر تعجيز بزعمه أنّ موسى لا يمنعه ربّه منه.
ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾.
стр. 11514
ومنها: الطباق بين قوله: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا﴾.
ومنها: إعادة النكرة نكرة في قوله تعالى: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ بعد قوله: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ لأنّ المراد بالنكرة الثانية غير الأولى, لأنّ المراد بالأولى شمعان ابن عمّ فرعون، وبالثانية موسى جريًا على القاعدة المشهورة عندهم المذكورة في قول بعضهم:
ثُمَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُشْتَهَرَهْ ... إِذَا أَتَت نَكِرَةً مُكَرَّرَهْ
تَغَايَرَتْ وَإِنْ يُعَرَّفْ ثَانِيْ ... تَوَافَقَا كَذَا الْمُعَرَّفَانِ
ومنها: الحصر المستفاد من تعريف طرفي الجملة في قوله: ﴿رَبِّيَ الله﴾ مثل: صديقي زيد لا غير.
ومنها: الإتيان بضمير المخاطبين في قوله: ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ حيث لم يقل من ربه، تهييجًا لهم على التأمل في أمره، والاعتراف به، وترك المكابرة معه؛ لأنّ ما كان من قبل رب الجميع يجب اتباعه، وإنصاف مبلغه. اهـ من "الروح".
ومنها: التعريض في قوله: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ لأنه عرّض به لفرعون؛ لأنه ﴿مُسْرِفٌ﴾ حيث قتل الأبناء بلا جرم ﴿كَذَّابٌ﴾ حيث ادّعى الألوهية، لا يهديه الله سبيل الصواب ومنهاج النجاة، بل يفضحه ويهدم أمره.
ومنها: الإجمال ثم التفصيل في قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (٣١) ...﴾ إلخ.
ومنها: التشبيه في قوله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ﴾، وقوله: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله﴾ وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ﴾.
ومنها: الإسناد العقلي في قوله: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي﴾ لما فيه من إسناد ما للعَمَلَةِ إلى الآمر.
ومنها: الإبهام ثم الإيضاح في قوله: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ ﴿أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ لأنّ في إبهامها أولًا، ثم إيضاحها تفخيمًا لشأنها، وتشويقًا للسامع إلى معرفتها.
стр. 11515
ومنها: المقابلة بين قوله: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾ وقوله: ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ فقد قابل بين الدنيا والآخرة، وهي من المحسنات البديعية.
ومنها: التنوين في قوله: ﴿مَتَاعٌ﴾ إفادة للتقليل.
ومنها: التعريض في قوله: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ فإن فيها تعريضًا بأن ما يسلكه فرعون وقومه سبيل الغي والضلال.
ومنها: المقابلة في قوله: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
المناسبة
قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن (١) هذا المؤمن لما رأى تمادي قومه في تمردهم وطغيانهم .. أعاد إليهم النصح مرةً أخرى، فدعاهم أولًا إلى قبول هذا الدين الذي هو سبيل الخير والرشاد، ثم بيّن لهم حقارة الدنيا وعظم شأن الآخرة، وأنها هي الدار التي لا زوال لها، ثم ذكر أنه يدعوهم إلى الإيمان بالله، الذي يوجب النجاة والدخول في الجنات، وهم يدعونه إلى الكفر الذي يوجب الدخول في النار، ثم أردف هذا ببيان أنْ الأصنام لا تستجاب لها دعوه، فلا فلائدة في عبادتها، ومردُّ الناس جميعًا إلى الله العلم بكل الأشياء، وهو الذي يجازي كل نفس بما كسبت، وأن المسرفين في المعاصي هم أصحاب النار، ثم ختم نصحه بتحذيرهم من بأس الله، وتفويض أمره إلى الله الذي يدفع عنه كل سوء يراد به، ثم أخبر سبحانه بأنه استجاب دعاءه فوقاه السوء الذي دبّروه له، وحفظه مما أرادوه به من اغتياله، وأحاط بآل فرعون سوء العذاب فغرقوا في البحر، ويوم القيامة يكون لهم أشد العذاب في النار.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر في أول السورة أنه لا يجادل في آيات الله إلا القوم الكافرون، ثم ردّ على أولىك المبطلين المجادلين، تسليةً لرسوله، وتصبيرًا له على تحمل أذى قومه .. أردف ذلك وعده له بالنصرة على أعدائه في الدنيا والآخرة، وتلك سنة الله تعالى، فهو ينصر الأنبياء والرسل، ويقيّض لهم من ينصرهم على أعدائهم، ويملأ قلوبهم بنور اليقين، ويلهمهم أنّ النصرة لهم آخرًا مهما تقلبت بهم الأمور.
وعبارة أبي حيان هنا قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها: أنه سبحانه لما ذكر (٢) ما حل بآل فرعون، واستطرد من ذلك إلى ذكر شيء من أحوال الكفار في الآخرة .. عاد إلى ذكر ما منح رسوله موسى عليه
стр. 11518
السلام، فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى﴾ تأنيسًا لمحمد ﷺ ، وتذكيرًا لما كانت العرب تعرفه من قصة موسى ﵇. انتهى.
قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله (١) سبحانه لما ذكر (٢) فيما سلف أنهم يجادلون في آيات الله بغير سلطان، وكان من جدلهم أنهم ينكرون البعث، ويعتقدون استحالته، ويعملون أَقْبسة وَهْميّة وقَضايا جَدلية، كقولهم: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧)﴾ وقولهم: ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨)﴾ .. ذكر هنا برهانًا يؤيد إمكان حدوثه، ويبعد عن أذهانهم استحالته، وهو خلقه للسموات والأرض ابتداءً على عِظم أجرامهما، ومن قدر على ذلك .. فهو قادر على إعادتكم، كما جاء في الآية الأخرى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما أثبت أن يوم القيامة حق، وكان المرء لا ينتفع فيه إلّا بطاعة الله، والتضرع له، وأشرف أنواع الطاعات الدعاء؛ أي العبادة لا جرم، أمر الله تعالى بها في هذه الآية، ولما كانت العبادة لا تنفع إلا إذا أقيمت الأدلة على وجود المعبود .. ذكر من ذلك تعاقب الليل والنهار، وخلق السموات والأرض، وخلق الإنسان في أحسن صورة، ورزقه من الطيبات.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ في آيَاتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ...﴾ الآية، سبب نزولها (٣): ما أخرجه عبد بن حميد وابن أبي حاتم، قال السيوطي بسند صحيح عن أبي العالية: إن اليهود أتوا النبي ﷺ فقالوا: إن الدجال يكون منّا في آخر الزمان، ويكون من أمره كذا وكذا، فعظّموا أمره وقالوا: نصنع كذا وكذا، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ في آيَاتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ في صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾، قال: لا يبلغ الذي يقول: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ فأمر نبيّه
стр. 11519
أن يتعوّذ من فتنة الدجال، لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الدجال. وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار في الآية. قال: هم اليهود نزلت فيهم فيما ينتظرونه من أمر الدجال، وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿إِنْ في صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾ قال عظمة قريش.
التفسير وأوجه القراءة
٤١ - ثم كرّر ذلك المؤمن دعاءَهم إلى الله، وصرّح بإيمانه، ولم يسلك المسالك المتقدمة، من إبهامه لهم أنه منهم، وأنه إنما تصدى لتذكيرهم، كراهة أن يصيبهم بعض ما توعدهم به موسى، كما يقول الرجل المحب لقومه تحذيرًا لهم من الوقوع فيما يخاف عليهم من مواضع الهلكة، فقال: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي﴾ الاستفهام فيه: للتوبيخ المضمن للتعجب؛ أي: أي شيء ثبت لي من المصالح حال كوني ﴿أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ﴾؛ أي: إلى الإيمان الذي يوجب لكم النجاة من النار، شفقةً عليكم، واعترافًا بحقكم. ﴿و﴾ أيّ شيء ثبت لكم من المصالح في أنكم ﴿تَدْعُونَنِي إِلَى﴾ الكفر الذي يوجب لي الهلاك في ﴿النَّارِ﴾. وفي "روح البيان" قوله: ﴿أَدْعُوكُمْ﴾ في موضع (١) الحال من المنويّ في الخير، وتدعونني عطف عليه، ومدار التعجب دعوتهم إياه إلى النار لا دعوته إياهم إلى النجاة، كأنه قيل: أخبروني كيف هذا الحال، أدعوكم إلى الخير وتدعونني إلى الشر، وقال بعضهم: معنى ﴿مَا لِي أَدْعُوكُمْ﴾ ما لكم أدعوكم. إلخ. فهو من قبيل ما لي أراك حزينًا؟ أي: ما لك تكون حزينًا؟
قال الزمخشري (٢): فإن قلت: لِمَ جاء بالواو في النداء الأول والثالث دون الثاني؟.
قلت: لأنّ الثاني داخل في كلام هو بيان للمجمل وتفسير له، فأعطي الداخل عليه حكمه في امتناع دخول الواو، وأما الثالث: فداخل على كلام ليس بتلك المثابة. اهـ "سمين". وعبارة الكرخي: ترك العطف في النداء الثاني؛ لأنه تفصيل لإجمال الأول، وهنا عطف لأنه ليس بتلك المثابة؛ لأنه كلام مباين للأول والثاني،
стр. 11520
فحسن إيراد الواو العاطفة فيه. اهـ.
والمعنى: أي أخبروني كيف أنتم وما حالكم أدعوكم إلى النجاة من عذاب الله بإيمانكم بالله، وإجابة رسوله، وتصديق ما جاء به من عند ربه، وتدعونني إلى عمل أهل النار بما تريدون منى من الشرك؟
٤٢ - ثم فسّر الدعوتين على سبيل السلف والنشر المشوّش بقوله: ﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللهِ﴾ أي: بوحدانيته ﴿و﴾ لـ ﴿أُشْرِكَ بِهِ﴾ سبحانه ﴿مَا﴾؛ أي: مخلوقًا ﴿لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾؛ أي: ليس لي علم بشركته مع الله في المعبودية، وقيل: علم بربوبيته، والمراد: نفي المعلوم رأسًا، وهو المعبود، فضلًا عن عبادته.
وهذه الجملة (١): بدل من ﴿تَدْعُونَنِي﴾ الأول على جهة البيان والتعليل لها والدعاء، كالهداية في التعدية بإلى واللام، وأتي في قوله: ﴿تَدْعُونَنِي﴾ بجملة فعلية؛ ليدل على أن دعوتهم باطلة لا ثبوت لها، وأتي في قوله: ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ﴾ إلخ. بجملةٍ اسمية؛ ليدل على ثبوت دعوته وتقويتها. اهـ "سمين".
أي: وأنا أدعوكم ﴿إِلَى﴾ توحيد ﴿الْعَزِيزِ﴾ في انتقامه ممن أشرك به، وإلى عبادة ﴿الْغَفَّارِ﴾ لذنب من آمنَ بِهِ؛ أي: أدعوكم إلى الإيمان بالعزيز الذي لم يكن له كفوًا أحد، وأما المخلوقات فبعضها أكفاء بعض، وأيضًا إلى القادر على تعذيب المشركين به، الغفار لمن تاب ورجع إليه، القادر على غفران ذنوب المذنبين.
والمعنى: أي تدعونني إلى الكفر بالله والإشراك به في عبادته ما لم يقم دليل على ألوهيته، وأنا أدعوكم إلى من استجمع صفات الألوهية من كمال القدرة والغلبة والعلم والإرادة والتمكن من المجازاة، والقدرة على التعذيب والغفران.
٤٣ - ثم أكّد ما سلف بقوله: ﴿لَا جَرَمَ﴾ ﴿لا﴾: كلمة (٢) نفي ورد لما ادعوه وزعموه من الكفر والإشراك، و ﴿جَرَمَ﴾: فعل ماض بمعنى حق: وثبت، وفاعله: قوله تعالى: ﴿أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾؛ أي: إلى عبادته وإشراكه من الأوثان والأصنام ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ للناس ﴿في الدُّنْيَا﴾ إلى عبادته ﴿وَلَا﴾ استجابة دعوة أحدٍ لها ﴿في الْآخِرَةِ﴾ للشفاعة.