المناسبة
قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن (١) هذا المؤمن لما رأى تمادي قومه في تمردهم وطغيانهم .. أعاد إليهم النصح مرةً أخرى، فدعاهم أولًا إلى قبول هذا الدين الذي هو سبيل الخير والرشاد، ثم بيّن لهم حقارة الدنيا وعظم شأن الآخرة، وأنها هي الدار التي لا زوال لها، ثم ذكر أنه يدعوهم إلى الإيمان بالله، الذي يوجب النجاة والدخول في الجنات، وهم يدعونه إلى الكفر الذي يوجب الدخول في النار، ثم أردف هذا ببيان أنْ الأصنام لا تستجاب لها دعوه، فلا فلائدة في عبادتها، ومردُّ الناس جميعًا إلى الله العلم بكل الأشياء، وهو الذي يجازي كل نفس بما كسبت، وأن المسرفين في المعاصي هم أصحاب النار، ثم ختم نصحه بتحذيرهم من بأس الله، وتفويض أمره إلى الله الذي يدفع عنه كل سوء يراد به، ثم أخبر سبحانه بأنه استجاب دعاءه فوقاه السوء الذي دبّروه له، وحفظه مما أرادوه به من اغتياله، وأحاط بآل فرعون سوء العذاب فغرقوا في البحر، ويوم القيامة يكون لهم أشد العذاب في النار.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر في أول السورة أنه لا يجادل في آيات الله إلا القوم الكافرون، ثم ردّ على أولىك المبطلين المجادلين، تسليةً لرسوله، وتصبيرًا له على تحمل أذى قومه .. أردف ذلك وعده له بالنصرة على أعدائه في الدنيا والآخرة، وتلك سنة الله تعالى، فهو ينصر الأنبياء والرسل، ويقيّض لهم من ينصرهم على أعدائهم، ويملأ قلوبهم بنور اليقين، ويلهمهم أنّ النصرة لهم آخرًا مهما تقلبت بهم الأمور.
وعبارة أبي حيان هنا قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها: أنه سبحانه لما ذكر (٢) ما حل بآل فرعون، واستطرد من ذلك إلى ذكر شيء من أحوال الكفار في الآخرة .. عاد إلى ذكر ما منح رسوله موسى عليه
стр. 11518
السلام، فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى﴾ تأنيسًا لمحمد ﷺ ، وتذكيرًا لما كانت العرب تعرفه من قصة موسى ﵇. انتهى.
قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله (١) سبحانه لما ذكر (٢) فيما سلف أنهم يجادلون في آيات الله بغير سلطان، وكان من جدلهم أنهم ينكرون البعث، ويعتقدون استحالته، ويعملون أَقْبسة وَهْميّة وقَضايا جَدلية، كقولهم: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧)﴾ وقولهم: ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨)﴾ .. ذكر هنا برهانًا يؤيد إمكان حدوثه، ويبعد عن أذهانهم استحالته، وهو خلقه للسموات والأرض ابتداءً على عِظم أجرامهما، ومن قدر على ذلك .. فهو قادر على إعادتكم، كما جاء في الآية الأخرى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما أثبت أن يوم القيامة حق، وكان المرء لا ينتفع فيه إلّا بطاعة الله، والتضرع له، وأشرف أنواع الطاعات الدعاء؛ أي العبادة لا جرم، أمر الله تعالى بها في هذه الآية، ولما كانت العبادة لا تنفع إلا إذا أقيمت الأدلة على وجود المعبود .. ذكر من ذلك تعاقب الليل والنهار، وخلق السموات والأرض، وخلق الإنسان في أحسن صورة، ورزقه من الطيبات.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ في آيَاتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ...﴾ الآية، سبب نزولها (٣): ما أخرجه عبد بن حميد وابن أبي حاتم، قال السيوطي بسند صحيح عن أبي العالية: إن اليهود أتوا النبي ﷺ فقالوا: إن الدجال يكون منّا في آخر الزمان، ويكون من أمره كذا وكذا، فعظّموا أمره وقالوا: نصنع كذا وكذا، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ في آيَاتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ في صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾، قال: لا يبلغ الذي يقول: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ فأمر نبيّه
стр. 11519
أن يتعوّذ من فتنة الدجال، لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الدجال. وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار في الآية. قال: هم اليهود نزلت فيهم فيما ينتظرونه من أمر الدجال، وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿إِنْ في صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾ قال عظمة قريش.
التفسير وأوجه القراءة
٤١ - ثم كرّر ذلك المؤمن دعاءَهم إلى الله، وصرّح بإيمانه، ولم يسلك المسالك المتقدمة، من إبهامه لهم أنه منهم، وأنه إنما تصدى لتذكيرهم، كراهة أن يصيبهم بعض ما توعدهم به موسى، كما يقول الرجل المحب لقومه تحذيرًا لهم من الوقوع فيما يخاف عليهم من مواضع الهلكة، فقال: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي﴾ الاستفهام فيه: للتوبيخ المضمن للتعجب؛ أي: أي شيء ثبت لي من المصالح حال كوني ﴿أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ﴾؛ أي: إلى الإيمان الذي يوجب لكم النجاة من النار، شفقةً عليكم، واعترافًا بحقكم. ﴿و﴾ أيّ شيء ثبت لكم من المصالح في أنكم ﴿تَدْعُونَنِي إِلَى﴾ الكفر الذي يوجب لي الهلاك في ﴿النَّارِ﴾. وفي "روح البيان" قوله: ﴿أَدْعُوكُمْ﴾ في موضع (١) الحال من المنويّ في الخير، وتدعونني عطف عليه، ومدار التعجب دعوتهم إياه إلى النار لا دعوته إياهم إلى النجاة، كأنه قيل: أخبروني كيف هذا الحال، أدعوكم إلى الخير وتدعونني إلى الشر، وقال بعضهم: معنى ﴿مَا لِي أَدْعُوكُمْ﴾ ما لكم أدعوكم. إلخ. فهو من قبيل ما لي أراك حزينًا؟ أي: ما لك تكون حزينًا؟
قال الزمخشري (٢): فإن قلت: لِمَ جاء بالواو في النداء الأول والثالث دون الثاني؟.
قلت: لأنّ الثاني داخل في كلام هو بيان للمجمل وتفسير له، فأعطي الداخل عليه حكمه في امتناع دخول الواو، وأما الثالث: فداخل على كلام ليس بتلك المثابة. اهـ "سمين". وعبارة الكرخي: ترك العطف في النداء الثاني؛ لأنه تفصيل لإجمال الأول، وهنا عطف لأنه ليس بتلك المثابة؛ لأنه كلام مباين للأول والثاني،
стр. 11520
فحسن إيراد الواو العاطفة فيه. اهـ.
والمعنى: أي أخبروني كيف أنتم وما حالكم أدعوكم إلى النجاة من عذاب الله بإيمانكم بالله، وإجابة رسوله، وتصديق ما جاء به من عند ربه، وتدعونني إلى عمل أهل النار بما تريدون منى من الشرك؟
٤٢ - ثم فسّر الدعوتين على سبيل السلف والنشر المشوّش بقوله: ﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللهِ﴾ أي: بوحدانيته ﴿و﴾ لـ ﴿أُشْرِكَ بِهِ﴾ سبحانه ﴿مَا﴾؛ أي: مخلوقًا ﴿لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾؛ أي: ليس لي علم بشركته مع الله في المعبودية، وقيل: علم بربوبيته، والمراد: نفي المعلوم رأسًا، وهو المعبود، فضلًا عن عبادته.
وهذه الجملة (١): بدل من ﴿تَدْعُونَنِي﴾ الأول على جهة البيان والتعليل لها والدعاء، كالهداية في التعدية بإلى واللام، وأتي في قوله: ﴿تَدْعُونَنِي﴾ بجملة فعلية؛ ليدل على أن دعوتهم باطلة لا ثبوت لها، وأتي في قوله: ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ﴾ إلخ. بجملةٍ اسمية؛ ليدل على ثبوت دعوته وتقويتها. اهـ "سمين".
أي: وأنا أدعوكم ﴿إِلَى﴾ توحيد ﴿الْعَزِيزِ﴾ في انتقامه ممن أشرك به، وإلى عبادة ﴿الْغَفَّارِ﴾ لذنب من آمنَ بِهِ؛ أي: أدعوكم إلى الإيمان بالعزيز الذي لم يكن له كفوًا أحد، وأما المخلوقات فبعضها أكفاء بعض، وأيضًا إلى القادر على تعذيب المشركين به، الغفار لمن تاب ورجع إليه، القادر على غفران ذنوب المذنبين.
والمعنى: أي تدعونني إلى الكفر بالله والإشراك به في عبادته ما لم يقم دليل على ألوهيته، وأنا أدعوكم إلى من استجمع صفات الألوهية من كمال القدرة والغلبة والعلم والإرادة والتمكن من المجازاة، والقدرة على التعذيب والغفران.
٤٣ - ثم أكّد ما سلف بقوله: ﴿لَا جَرَمَ﴾ ﴿لا﴾: كلمة (٢) نفي ورد لما ادعوه وزعموه من الكفر والإشراك، و ﴿جَرَمَ﴾: فعل ماض بمعنى حق: وثبت، وفاعله: قوله تعالى: ﴿أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾؛ أي: إلى عبادته وإشراكه من الأوثان والأصنام ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ للناس ﴿في الدُّنْيَا﴾ إلى عبادته ﴿وَلَا﴾ استجابة دعوة أحدٍ لها ﴿في الْآخِرَةِ﴾ للشفاعة.
стр. 11521
والمعنى: لا أكفر بالله ولا أشرك به ما ليس لي به علم, لأنه قد حق ووجب وثبت عدم دعوة آلهتكم إلى عبادة نفسها أصلًا، ومن حق المعبود أن يدعو الناس إلى عبادته بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وهذا الشأن منتفٍ عن الأصنام بالكلية، لأنها في الدنيا جمادات لا تستطيع دعاء غيرها، وفي الآخرة إذا أنشأها الله حيوانًا ناطقًا .. تتبرأ من عبدتها. أو المعنى: حتى وثبت عدم استجابة دعوة أحد من الناس لها؛ أي: ليس لها استجابة دعوة أحد من الناس، لا في الدنيا بالبقاء والصحة والغنى ونحوها, ولا في الآخرة بالنجاة ورفعة الدرجات وغيرهما، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ فكيف تكون الأصنام ربًّا وليس لها قدرة على إجابة دعاء الداعين، ومن شأن الرب استجابة الدعوات وقضاء الحاجات.
وقيل: ﴿جَرَمَ﴾ بمعنى: كسب وفاعله: مستكن فيه؛ أي: لا أكفر بالله ولا أشرك به شيئًا لدعوتكم إيّاي إلى ذلك، بل كسب ذلك الدعاء إلى الكفر والإشراك، وأفاد وأثبت بطلان دعوته؛ أي: بطلان دعوة المدعو إليه بمعنى ما حصل من ذلك إلا ظهور بطلان دعوته؛ كأنه قيل: إنكم تزعمون أن دعاءكم إلى الإشراك يبعثني على الإقبال عليه، وأنه سبب الإعراض وظهور بطلانه، وقال: ﴿جَرَمَ﴾: فعل من الجرم، وهو القطع، كما أن بد من لا بد، فعل من التبديد، وهو التفريق.
والمعنى: لا قطع؛ أي: لا انقطاع لبطلان ألوهية الأصنام؛ أي: لا ينقطع في وقت ما فينقلب حقًا، فيكون ﴿جَرَمَ﴾ اسم لا مبنيًا على الفتح لا فعلًا ماضيًا، كما هو على الوجهين الأولين.
وفي "القاموس": ﴿لَا جَرَمَ﴾؛ أي: لا بدّ أو حقًا أو لا محالة، أو هذا أصله، ثم كثر حتى تحول إلى معنى القسم، فلذلك يجاب عنه باللام فيقال: لا جرم لآتينّك. انتهى. وفي "المختار": وقولهم لا جرم، قال الفراء: هي كلمة كانت في الأصل بمنزلة لا بد ولا محالة، فجرَت على ذلك وكثرت، حتى تحولت إلى معنى القسم، وصارت بمنزلة حقًّا، فلذلك يجاب عنه باللام كما يجاب بها عن القسم، ألا تراهم يقولون: لا جرم لآتينك. اهـ.
والخلاصة: حقًا إن ما تدعونني إليه من الأصنام لا يجب دعوة من يدعوه،
стр. 11522
فهو لا ينفع ولا يضرّ في الدنيا ولا في الآخرة.
وقوله: ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا﴾؛ أي: مرجعنا ﴿إِلَى اللهِ﴾ ؛ أي: بالموت ومفارقة الأرواح الأجسادَ: معطوف على قوله: ﴿إنما تدعونني﴾ داخل في حكمه، وكذا قوله: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ﴾؛ أي: المجاوزين الحدّ في الضلال والطغيان، كالإشراك وسفك الدماء ﴿هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾؛ أي: ملازموها وخالدون فيها.
والمعنى: وحق أن مرجعنا ومصيرنا إليه سبحانه بالموت أولًا، وبالبعث آخرًا، فيجازي كل أحد بما يستحقه من خير أو شر، وحق أن المسرفين؛ أي: المستكبرين من معاصي الله هم أصحاب النار، قال قتادة وابن سيرين: يعني المشركين، وقال مجاهد والشعبيُّ: هم السفهاء السفّاكون للدماء بغير حقها، الذين ركبوا أهواءَهم ودسّوا أنفسهم بصنوف المعاصي،
٤٤ - ثم ختم نصحه بكلمة فيها تحذير ووعيد لهم؛ ليتفكروا في عاقبة أمرهم لعلهم يرعوون عن غيهم، فقال: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ﴾؛ أي: فسيذكر بعضكم بعضًا عند معاينة العذاب ﴿مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ من النصائح وتعلمون أني قد بالغت في نصحكم وتذكيركم بما لم يبق بعده مستزاد لمستزيد، فتندمون حيث لا ينفع الندم، وفي هذا الإبهام من التهديد والتخويف ما لا يخفي.
ثمّ ابتدأ كلامًا آخر يبيِّن به اطمئنانه إلى ما يجري به القدر، ويخبئه له الغيب، كما هو دأب المؤمنين الصادقين، فقال: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي﴾؛ أي: أرد أمري وشأني ﴿إِلَى اللهِ﴾ ، وأسلمه إليه وأتوكل عليه ليعصمني من كل سوء، قاله؛ لما أنهم كانوا توعّدوه بالقتل. قال مقاتل: هرب هذا المؤمن إلى الجبل، فطلبوه فلم يقدروا عليه، وقيل (١): القائل هو موسى ﵇، والأول أولى.
وحقيقة التفويض: تعطيل الإرادة في تدبير الله تعالى، كما في "عين المعاني": وكمال التفويض أن لا يرى لنفسه ولا للخلق جميعًا قدرةً على النفع والضرّ، كما في "عرائس" البقلي: قال بعضهم: التفويض قبل نزول القضاء، والتسليم بعد نزوله.
ثم ذكر ما هو كالعلة لذلك فقال: ﴿إِنَّ اللهَ﴾ ﴿بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ يعلم المحق من المبطل، فيحرس من يلوذ به من المكاره ويتوكل عليه؛
стр. 11523
أي: إن الله سبحانه خبير بهم، فيهدي من يستحق الهداية، ويضل من يستحق الإضلال لسوء استعداده وتدسيته نفسه، وله الحجة الدامغة، والحكمة البالغة، والقدرة النافذة.
ودلت الآية (١): على أن الله تعالى مطلع على العباد وأحوالهم، فلا بد من تصحيح الحال ومراقبة الأحوال، وروي أنّ نبيًّا من الأنبياء كان يتعبّد في جبل وكان في قرية عين جارية، فجاز بها فارس، وشرب منها ونسي عندها صرّة فيها ألف دينار، فجاء آخر فأخذ الصرة، ثم جاء رجل فقير على ظهره حزمة حطب، فشرب واستلقى ليستريح، فرجع الفارس لطلب الصرة فلم يرها، فأخذ الفقير فطلبها منه فلم يجدها عنده، فعذبه حتى قتله، فقال ذلك النبي: إلهي، ما هذا أخذ الصرة، بل أخذها ظالم آخر، وسلّطت هذا الظالم عليه حتى قتله، فأوحى الله تعالى إليه أن اشتغل بعبادتك، فليس معرفة مثل هذا من شأنك، إن هذا الفقير قد قتل أبا الفارس، فمكّنته من القصاص، وأنّ أبا الفارس قد كان أخذ ألف دينار من مال آخذ الصرة فرددته إليه من تركته، ذكره الغزالي - رحمه الله تعالى -.
٤٥ - ثم أخبر سبحانه أنه قد كانت النصرة له والهلاك لعدوة، فقال: ﴿فَوَقَاهُ الله﴾ ؛ أي: فوّض ذلك المؤمن أمره إلى الله تعالى، فوقاه الله تعالى؛ أي: حفظه الله ﴿سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾؛ أي: حفظه الله تعالى من شدائد مكرهم، وما همُّوا به من إلحاق أنواع العذاب بمن خالفهم؛ أي: حفظه الله مما أرادوا به من المكر السيء في الدنيا، إذ نجّاه مع موسى ﵇، وفي الآخرة بإدخاله دار النعيم. ﴿وَحَاقَ﴾؛ أي: أحاط ونزل بـ ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾ وقومه ﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾؛ أي: العذاب السيء في الدنيا بالغرق في اليم.
والمراد بآل فرعون: فرعون وقومه، وترك التصريح به (٢) للاستغناء بذكرهم عن ذكره؛ لكونه أولى منهم بذلك من حيث كونه متبوعًا لهم، ورئيسًا ضالًا، أو المراد بآل فرعون: نفسه، والأول أولى، وفي هذا إيماء إلى أنهم قصدوا بالسوء، وقد روي عن ابن عباس أنه لما ظهر إيمانه .. قصد فرعون قتله فهرب ونجا، وهذا عذابهم في الدنيا.
стр. 11524
٤٦ - ثم بيَّن عذابهم في البرزخ بقوله: ﴿النَّارُ﴾؛ أي: نار جهنم، وهو مبتدأ، خبره: ﴿يُعْرَضُونَ﴾؛ أي: يعرض فرعون وآله ﴿عَلَيْهَا﴾؛ أي: على النار، ومعنى عرضهم على النار: إحراق أرواحهم وتعذيبهم بها ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾؛ أي: في أول النهار وآخره، وذكر الوقتين: إما للتخصيص، وإما فيما بينهما، فالله تعالى أعلم بحالهم إما أن يعذّبوا بجنس آخر، أو بنفس عنهم، وإما للتأييد كما في قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾؛ أي: على الدوام، فارتفاع ﴿النَّارُ﴾ (١) علي أنها بدل من ﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾ وقيل: على أنها خبر مبتدإٍ محذوف، أو مبتدأً، خبره: ﴿يُعْرَضُونَ﴾ كما مر، ويقوي هذا الوجه قراءة من نصب، وهي على تقدير فعل يفسره ﴿يُعْرَضُونَ﴾ من حيث المعنى؛ أي: يدخلون النار، يعرضون عليها، أو على الاختصاص، وأجاز الفراء الخفض على البدل من ﴿الْعَذَابِ﴾.
قال ابن مسعود ﵁: إن أرواح آل فرعون في أجواف طير سود، يعرضون على النار مرتين، فيقال: يا آل فرعون هذه داركم، قال ابن الشيخ في "حواشيه": وهذا يؤذن بأنّ العرض ليس بمعنى التعذيب والإحراق بل بمعنى الإظهار والإبراز، وأنّ الكلام على القلب، كما في قولهم: عرضت الناقة على الحوض، فإن أصلح: عرضت الحوض على الناقة بسوقها إليه، وإيرادها عليه (٢)، فكذا هنا أصل الكلام: تعرض عليهم؛ أي: على أرواحهم، بأن يساق الطير التي أرواحهم فيها؛ أي: في أجوافها إلى النار، وفي الحديث: إن أحدكم إذا مات .. عرض عليه مقعده بالغداة والعشيّ، إن كان من أهل الجنة .. فمن الجنة، وإن كان من أهل النار .. فمن النار، يقال: هذا مقعدك حين يبعثك الله يوم القيامة. أخرجه البخاري ومسلم.
يقول الفقير: أما كون أرواحهم في أجواف طير سود .. فليس المراد ظرفية الأجواف للأرواح حتى لا يلزم التناسخ، بل هو تصوير لصور أرواحهم البرزخية، وأما العرض بمعنى الإظهار .. فلا يقتضي عدم التعذيب، فكل روح إما معذَّب أو منعم، وللتعذيب والتنعيم مراتب، ولأمر ما ذكر الله تعالى عرض أرواح آل فرعون على النار، فإنّ عرضها ليس كعرض سائر الأرواح الخبيثة.
стр. 11525
وهذا العرض ما دامت الدنيا ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ وتعود الأرواح إلى الأبدان، يقال للملائكة: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ﴾؛ أي: فرعون وقومه ﴿أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ وأغلظه؛ أي: عذاب جهنم، فإنه أشد مما كانوا فيه، فإنه للروح والجسد جميعًا، وهو أشد مما كان للروح فقط، كما في البرزخ، وذلك أن الأرواح بعد الموت ليس لها نعيم ولا عذاب حسي جسماني، ولكن ذلك نعيم أو عذاب معنوي روحاني، حتى تبعث أجسادها فترد إليها، فتعذب عنه ذلك حسًا ومعنًى أو تنعم.
ويجوز أن المعنى (١): أدخلوا آل فرعون أشد عذاب جهنم، فإن عذابها ألوان بعضها أشد من بعض، وفي الحديث: "أهون أهل النار عذابًا رجل في رجليه نعلان من نار، يغلي منهما دماغه".
ومعنى الآية (٢): أي تعرض أرواحهم من حين موتهم إلى قيام الساعة على النار بالغداة والعشي، وينفس عنهم فيما بين ذلك، ويدوم هذا إلى يوم القيامة، وحينئذ يقال لخزنة جهنم: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾.
قال بعض العلماء: وفي الآية دليل على عذاب القبر، ويؤيده ما رواه البخاري ومسلم أن رسول الله ﷺ قال: "إن أحدكم إذا مات .. عرض عليه مقعده بالغداة والعشي" ... الحديث. كما مر ثم قرأ: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾.
قال العلماء (٣): عذاب القبر هو عذاب البرزخ، أضيف إلى القبر؛ لأنه الغالب، وإلا فكل ميت أراد الله تعذيبه ناله ما أراد به، قبر أو لم يقبر، بأن صلب أو غرق في البحر، أو أحرق حتى صار رمادًا، وذري في الجو، قال إمام الحرمين: من تفرقت أجزاؤه يخلق الله الحياة في بعضها أو كلها، ويوجه السؤال عليها، ومحل العذاب والنعيم؛ أي: في القبر هو: الروح والبدن جميعًا باتفاق أهل السنة، قال اليافعي: وتختص الأرواح دون الأجساد بالنعيم والعذاب ما دامت في علّيين أو سجين، وفي القبر يشترك الروح والجسد.
قال الفقيه أبو الليث: الصحيح عندي أن يقر الإنسان بعذاب القبر ولا يشتغل بكيفيته، وروى ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: "ما أحسن محسن مسلم أو كافر ..
стр. 11526
إلا أثابه الله" قلنا يا رسول الله: ما إثابة الكافر؟ قال: "المال والولد والصحة وأشباه ذلك" قلنا: وما إثابته في الآخرة؟ قال: "عذابًا دون العذاب" وقرأ: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾.
وقد أثبت علماء الأرواح حديثًا (١): نعيم الروح وعذابها، وشبهوا ذلك بما يراه النائم حين نومه، فقد نرى نائمين في سرير واحد، يقوم أحدهما مذعورًا كئيبًا وجلًا مما شاهد في نومه بينما نرى الثاني مستبشرًا فرحًا بما لاقى من المسرة والنعيم، فيروي أنه كان في حديقةً غناء، وشاهد كذا وكذا مما فيها من بهجة وبهاء وجمال ورواء.
وقرأ الأعرج وأبو جعفر وشيبة والأعمش وابن وثاب وطلحة ونافع وحمزة والكسائي وحفص (٢): ﴿أَدْخِلُوا﴾ أمرًا للخزنة، من أدخل الرباعي، وهو على تقدير القول كما ذكرنا، وقرأ علي والحسن وقتادة وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر: ﴿ادخلوا﴾ بهمزة وصل من دخل الثلاثي، أمرًا لآل فرعون بالدخول، بتقدير حرف النداء؛ أي: ادخلوا يا آل فرعون أشد العذاب.
٤٧ - والظرف في قوله: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ في النَّارِ﴾ متعلق (٣) بمحذوف، تقديره: واذكر يا محمد لقومك وقت محاجة ومخاصمة أهل النار في النار، سواء كانوا آل فرعون أو غيرهم، وهذا ابتداء قصص لا يختص بآل فرعون، ثم شرح مخاصمتهم بقوله: ﴿فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ﴾ منهم في القدر والمنزلة والحال في الدنيا ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ عن الانقياد للأنبياء والاتباع لهم، أي: أظهروا الكبر باطلًا، وهم رؤساؤُهم، ولذا لم يقل الكبراء؛ لأنه ليس الكبرياء صفتهم في نفس الأمر ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ﴾ في الدنيا ﴿تَبَعًا﴾؛ أي: أتباعًا في كل حال خصوصًا فيما دعوتمونا إليه من الشرك والتكذيب، جمع تابع، كخدم جمع خادم، كما سيأتي البحث عنه في المفردات. ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ﴾ ونافعون لنا اليوم ودافعون ﴿عَنَّا نَصِيبًا﴾؛ أي: بعضًا وجزءًا ﴿مِنَ النَّارِ﴾ باتباعنا إياكم، فقد كنا في الدنيا ندفع المؤونة عنكم، يقال: ما يغني عنك هذا؛ أي: ما يجزيك وينفعك، و ﴿نَصِيبًا﴾: منصوب بمضمر يدل عليه ﴿مُغْنُونَ﴾ فإن أغنى إذا عدي بكلمة عن .. لا يتعدى إلى مفعول آخر
стр. 11527
بنفسه، كما سيأتي.
٤٨ - ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾؛ أي: تكبروا وتعظموا عن الإيمان, وهم القادة للسفلة ﴿إِنَّا كُلٌّ﴾؛ أي: كلنا نحن وأنتم، وبهذا صح وقوعه مبتدأَ خبره: ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في النار، فكيف نغني عنكم، ولو قدرنا .. لأغنينا عن أنفسنا.
وقرأ الجمهور (١): ﴿كُلٌّ﴾ بالرفع على الابتداء، وخبره: ﴿فِيهَا﴾ والجملة: خبر ﴿إِنَّ﴾ وقرأ ابن السميقع وعيسى بن عمر ﴿إنا كلًّا﴾ بنصب كل. قال الزمخشري وابن عطية: على التوكيد لاسم ﴿إن﴾ وهو معرفة، والتنوين عوض عن المضاف إليه، فكأنه قال: إنا كلنا فيها، وخبر ﴿إن﴾ هو ﴿فِيهَا﴾. قال أبو حيان: والذي أختاره في هذه القراءة: أن ﴿كلا﴾: بدل من اسم ﴿إن﴾ لأن ﴿كلًّا﴾ يتصرف فيها بالابتداء ونواسخه، فكأنه قال: إنّ كلًّا فيها، وقيل: حال من الضمير المستكن في خبر ﴿إن﴾ أعني فيها؛ أي: إنا كائنون فيها، حال كوننا كلًّا.
ومعنى الآية (٢): أي واذكر أيها الرسول لقومك وقت حجاج أهل النار وتخاصمهم وهم في النار، فيقول الأتباع للقادة السادة: إنا أطعناكم فيما دعوتمونا إليه في الدنيا من الكفر والضلال، فتكبرتم على الناس بنا، فهل تقدرون أن تحملوا عنا قسطًا من العذاب فتخففوه عنا؟ فقد كنا نسارع إلى محبتكم في الدنيا، ومن قبلكم جاءنا العذاب، ولولا أنتم .. لكنا مؤمنين، ومقصدهم من هذا المقال: تخجيلهم وإيلام قلوبهم، وإلا فهم يعلمون أنهم لا قدرة لهم على ذلك التخفيف، فرد عليهم أولىك الرؤساء بما حكاه الله عنهم بقوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ الخ؛ أي: قال: رؤساؤهم الذي أبو الانقياد للأنبياء: إنا جميعًا واقعون في العذاب، فلو قدرنا على إزالته عن أنفسنا .. لدفعناه عنكم.
وخلاصة مقالهم: إنا وأنتم في العذاب سواء.
﴿إِنَّ اللهَ﴾ ﴿قَدْ حَكَمَ﴾ وقضى ﴿بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ بماهية (٣) كل أحد، فأدخل المؤمنين الجنة على تفاوتهم في الدركات، والكافرين النار على طبقاتهم في الدرجات، ولا معقب لحكمه؛ أي: حكم بينهم بفصل قضائه، فلا
стр. 11528
يؤاخذ أحدًا بذنب غيره، وكل منا كافر وكل منا يستحق العقاب، ولا يغني أحد عن أحد شيئًا.
٤٩ - ولما يئس الأتباع من المتبوعين .. رجعوا إلى خزنة جهنم يطلبون منهم الدعاء، كما حكى الله عنهم بقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ في النَّارِ﴾ من الضعفاء والمستكبرين جميعًا لما ذاقوا شدة العذاب، وضاقت حيلهم. ﴿لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾؛ أي: للقوام بتعذيب أهل النار، جمع خازن من الخزن وهو: حفظ الشيء في الخزانة، ثم يعبر به عن كل حفظ، كحفظ السر ونحوه، ووضع ﴿جَهَنَّمَ﴾ موضع الضمير؛ للتهويل والتفظيع، وهي اسم لنار الله الموقدة: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ شافعين لنا ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا﴾؛ أي: في مقدار يومٍ واحدٍ من أيام الدنيا ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾؛ أي: شيئًا منه، فقوله: ﴿يَوْمًا﴾: ظرف لـ ﴿يُخَفِّفْ﴾ ومفعوله: محذوف و ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾: بيان لذلك المحذوف، واقتصارهم (١) في الاستدعاء على تخفيف قدر يسير من العذاب في مقدار قصير من الزمان دون رفعه رأسًا، أو تخفيف قدر كثير منه في زمان مديد لعلمهم بعدم كونه في حيز الإمكان.
والمعنى (٢): أي وقال أهل جهنم لخدمها وقوامها مستغيثين بهم من عظيم ما هم فيه من البلاء، رجاء أن يجدوا لديهم فرجًا من ذلك الكرب الذي هم فيه: ادعوا ربكم أن يخفف عنا مقدار يوم شيئًا من العذاب.
٥٠ - فرد عليهم الخزنة موبخين لهم على سوء ما كانوا يصنعون مما استحقوا عليه شديد العذاب، فـ ﴿قَالُوا﴾؛ أي: الخزنة لهم بعد مدة ﴿أَوَلَمْ تَكُ﴾: ﴿الهمزة﴾ فيه: للاستفهام التوبيخي التقريعي، داخلة على محذوف، و ﴿الواو﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، تقديره: ألم تنبهوا على هذا ولم تك ﴿تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ﴾ في الدنيا على الاستمرار ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾؛ أي: بالحجج الواضحة الدالة على سوء عاقبة ما كنتم عليه من الكفر والمعاصي، أرادوا بذلك إلزامهم وتوبيخهم على إضاعة أوقات الدعاء، وتعطيل أسباب الإجابة؛ أي: أو ما جاءتكم الرسل بالحجج على توحيد الله لتؤمنوا به، وتبرؤوا مما دونه من الآلهة، فأجابوهم فـ ﴿قَالُوا﴾ أي الكفرة في جواب الخزنة ﴿بَلَى﴾ أي أتونا بها فكذبناهم كما في سورة المُلك أي قالوا أتونا بها فكذبناهم ولم
стр. 11529
نؤمن بهم ولا بما جاؤوا به من البينات الواضحة والبراهين الساطعة وحينئذ، تهكم بهم خزنة جهنم فـ ﴿قَالُوا﴾ لهم: إذا كان الأمر كذلك. ﴿فَادْعُوا﴾ أنتم بأنفسكم، فإن الدعاء لمن يفعل ذلك مما يستحيل صدوره منا, ولم يريدوا بأمرهم بالدعاء إطماعهم في الإجابة، بل إقناطهم منها، وإظهار حقيقتهم حسبما صرحوا به في قولهم ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ لأنفسهم، فالمصدر مضاف لفاعله، أو وما دعاء غيرهم لهم بتخفيف العذاب عنهم، فالمصدر مضاف إلى مفعوله ﴿إِلَّا في ضَلَالٍ﴾؛ أي: إلا في ضياع وبطلان لا يجاب, لأنهم دعوا في غير وقته.
والمعنى (١): أي قالوا لهم؛ أي: قالت الخزنة لهم: إذا كان الأمر كما ذكرتم .. فادعوا أنتم وحدكم، فإنا لا نعدو لمن كفر بالله، وكذب رسله، وإن دعاءكم لا يفيدكم شيئًا، فما هو إلا في خسران وتبار، وسواء دعوتم أو لم تدعوا، فإنه لا يستجاب لكم، ولا يخفف عنكم.
روى الترمذي وغيره، عن أبي الدرداء ﵁ قال: يلقى على أهل النار الجوع، حتى يعدل ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون منه، فيغاثون بالضريع، لا يسمن ولا يغني من جوع، فيأكلون لا يغني عنهم شيئًا، فيستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة، فيغصون به، فيذكرون أنهم كانوا في الدنيا يجيزون الغصص بالماء، فيستغيثون بالشراب فيرفع لهم الحميم بالكلاليب، فإذا دنا من وجوههم .. شواها، فإذا وقع في بطونهم .. قطع أمعاءهم وما في بطونهم، فيستغيثون بالملائكة يقولون: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ فيجيبونهم ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا في ضَلَالٍ﴾.
وقد اختلف العلماء (٢) في أنه هل يجوز أن يقال: يستجاب دعاء الكافرين فمنعه الجمهور لقوله تعالى: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا في ضَلَالٍ﴾ ولأن الكافر لا يدعو الله, لأنه لا يعرفه, لأنه وإن أقر به لما وصفه بما لا يليق به نقض إقراره، وما روي في الحديث: "إن دعوة المظلوم وإن كان كافرًا تستجاب". فمحمول على كفران النعمة، وجوزه بعضهم لقوله تعالى حكايةً عن إبليس: ﴿رب أنظرني﴾؛ أي: أمهلني ولا تمتني سريعًا، فقال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ فهذه إجابة لدعائه.
стр. 11530
فإذا ثبت أن الله تعالى يجيب الدعوات، لا ما سواه من الأصنام ونحوها .. فلا بد من توحيده، وإخلاص الطاعة والعبادة له، وعرض الافتقار إليه، إذ لا ينفع الغير لا في الدنيا ولا في الآخرة، جعلنا الله سبحانه وإياكم من التابعين للهدى، المحفوظين من الهوى، آمين.
٥١ - وجملة قوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾: مستأنفة من جهته تعالى، والإتيان بالنون دلالةً على استحقاقه العظمة، أو باعتبار الصفات أو المظاهر، والنصر: العون؛ أي: نجعلهم الغالبين لأعدائهم القاهرين لهم، والموصول في قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾: معطوف على ﴿رُسُلَنَا﴾؛ أي: لننصر رسلنا وننصر الذين آمنوا معهم واتبعوهم ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بالحجة والظفر والانتقام لهم من الكفرة بالاستئصال والقتل والسبي وغير ذلك من العقوبات، ولا يقدح في ذلك ما قد يتفق لهم من صورة المغلوبية امتحانًا، إذ العبرة إنما هي بالعقوبات وغالب الأمر، وأيضًا ما يقع في بعض الأحيان من الانهزام إنما كان يعارض كمخالفة أمر القائد، كما في غزوة أحد، وكطلب الدنيا والعجب والغرور كما في بعض وقائع المؤمنين، وأيضًا أن الله تعالى ينتقم من الأعداء ولو بعد حين، كما بعد الموت؛ ألا ترى أن الله انتقم ليحيى ﵇ بعد استشهاده من بني إسرائيل، بتسليط بختنصر عليهم حتى قُتل منهم سبعون ألفًا.
والظاهر (١) في دفع التعارض بين قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾ وبين قوله: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ ما قاله ابن عباس ﵄ والحسن - رحمه الله تعالى - من أنه: لم يقتل من الأنبياء إلا من لم يؤمر بقتال، وكل من أمر بقتال نصر كما في "تفسير القرطبي" في سورة البقرة، وكان زكريا ويحيى وشعيب ونحوهم ﵈ ممن لم يؤمر بقتال ﴿وَ﴾ ننصرهم ﴿يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ وهو يوم القيامة؛ أي: لننصرنهم في الدنيا والآخرة، وعبّر عن يوم القيامة بذلك للاشعار بكيفية النصرة، وإنها تكون عند جمع الأولين والآخرين بشهادة الأشهاد للرسل بالتبليغ، وعلى الكفرة بالتكذيب، وهم الملائكة والمؤمنون من أمة محمد ﷺ قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾.
стр. 11531
وقرأ الجمهور: ﴿يَقُومُ﴾ بالياء، وابن هرمز وإسماعيل والمنقري عن أبي عمرو: بتاء تأنيث الجماعة. ذكره أبو حيان. قال الزجاج: الأشهاد: جمع شاهد مثل: صاحب وأصحاب. قال النحاس: ليس لباب فاعل أن يجمع على أفعال، ولكن ما جاء منه مسموعًا أدي على ما سمع ولا يقاس عليه، فهو على هذا جمع شهيد مثل: شريف وأشراف.
والمعنى (١): أي إنا لنجعل رسلنا هم الغالبين لأعدائهم، القاهرين لهم، وننصر معهم من آمن بهم في الحياة الدنيا، إما بإعلائهم على من كذبوهم كما فعلنا بداود وسليمان فأعطيناهما من الملك والسلطان ما قهرا به كل كافر، وكما فعلنا بمحمد ﷺ بإظهاره على من كذبه من قومه، وإما بانتقامنا ممن حادهم وشاقهم بإهلاكهم وإنجاء الرسل، كما فعلنا شرح وقومه، من إغراقهم وإنجائه، وكما فعلنا بموسى وفرعون وقومه، إذ أهلكناهم غرقًا ونجينا موسى ومن آمن معه من بني إسرائيل، وإما بانتقامنا منهم بعد وفاة رسلنا، كما نصرنا شعيبًا بعد مهلكِه، بتسليطنا على من قَتلهُ مَنْ سلطنا حتى انتصرنا بهم ممن قَتله.
٥٢ - وكذلك ننصرهم عليهم يوم القيامة يوم يقوم الأشهاد من الملائكة والأنبياء والمؤمنين على الأمم المكذبة لرسلها بالشهادة، بأن الرسل قد بلغوا رسالات ربهم، وأن الأمم قد كذبتهم، فيجازيهم الله بأعمالهم، فيدخلهم الجنة ويكرمهم بكراماته، ويجازي الكفار بأعمالهم، فيلعنهم ويدخلهم النار، وهو معنى قوله: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ بدل من اليوم الأول، والمعذرة: مصدر ميمي بمعنى العذر؛ أي: يوم لا ينفع الظالمين عذرهم عن كفرهم لو اعتذروا في بعض الأوقات؛ لأن معذرتهم باطلة، فيقال لهم: اخسؤُوا ولا تكلمون، ويجوز أن يكون عدم نفع المعذرة لأنه لا يؤذن لهم فيعتذرون، فيكون من نفي المقيد والقيد لا معذرة ولا نفع يومئذ، وفي "عرائس البيان" ظلمهم عدولهم عن الحق إلى الخلق، واعتذارهم في الآخرة لا في الدنيا.
وقرأ الجمهور: ﴿تنفع﴾ بالفوقية، وقرأ نافع والكوفيون بالتحتية، والكل جائز
стр. 11532
في اللغة. ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾؛ أي: البعد عن الرحمة ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾؛ أي: الدار السيء، والمقر الفظيع، وهي جهنم بخلاف المؤمنين العارفين، فإنهم تنفعهم معذرتهم لتنصلهم، فلهم من الله الرحمة ولهم حسن الدار، وإنما قال: ﴿سُوءُ الدَّارِ﴾ (١): فإن جهنم حرها شديد، وقعرها بعيد، وحليها حديد، وشرابها صديد، وكلامها هل من مزيد، وأسوأ الظالمين المشركون كما قال تعالى حكايةً عن لقمان: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ وأسوأ المشركين المنافقون، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ في الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ لاستهزائهم بالمؤمنين.
فليحذر العاقل عن الظلم سواء كان لنفسه بالإشراك والمعصية، أو لغيره بكسر العرض وأخذ المال ونحوهما, وليتذكر الإنسان يومًا بقول فيه الظالمون: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)﴾ فيجيبهم الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾. وروي أن أهل النار يبكون بكاءً شديدًا حتى الدم، فيقول مالك: ما أحسن هذا البكاء لو كان في الدنيا.
فعلم: أنه لا تنفع المعذرة والبكاء في الآخرة، فليتدارك العاقل تقصيره في الدنيا بالندامة والصلاح والتقوى، ليستريح في الآخرة، ويصل إلى الدرجات العلى، مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، فمن أراد اللحوق بزمرتهم فليكن على حالهم وسيرتهم، فإن الله ينصرهم في دنياهم وآخرتهم، فإن طاعة الله وطاعة الرسول توصل العبد إلى المراد وإلى حيز القبول.
والمعنى (٢): أي إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا يوم لا ينفع أهل الشرك اعتذارهم, لأنهم لا يعتذرون إلا بباطل، كما حكى سبحانه عنهم من قولهم: ﴿وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ ﴿وَلَهُمْ﴾ في هذا اليوم طرد من رحمة الله تعالى، ولهم شر ما في الآخرة من العذاب الأليم، والقرار في سواء الجحيم.
٥٣ - ولما بين سبحانه أنه ينصر الأنبياء والمرسلين في الدنيا والآخرة .. ذكر نوعًا
стр. 11533
من تلك النصرة في الدنيا فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾؛ أي: وعزتي وجلالي فقد أعطينا بمحض فضلنا ﴿مُوسَى﴾ بن عمران ﴿الْهُدَى﴾؛ أي: ما يهتدي به من الضلالة إلى الحق من المعجزات والصحف والشرائع والتوراة ﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾؛ أي: وأبقينا في بني إسرائيل من بعد موت موسى من الهدى المذكور ﴿الْكِتَابَ﴾؛ أي: التوراة فإن معجزاته انقرضت بموته.
والإيراث (١): ميراث الدين, والمراد بالكتاب: التوراة، ولما كان الإيراث الحقيقي إنما يتعلق بالمال .. تعذّر حمله على معناه هنا، فأريد به الترك مجازًا، إشعارًا بأن ميراث الأنبياء ليس إلا العلم والكتاب في باب الدين.
والمعنى: وتركنا عليهم من بعد موسى التوراة، إذ سائر ما اهتدى به في أمر الدين قد ارتفع بموت موسى ﵇, وبقيت فيهم التوراة، وتوارثوها خلفًا عن سلف، وقرنًا بعد قرن، وقيل: المراد بالكتاب سائر الكتب المنزلة على أنبياء بني إسرائيل بعد موت موسى من الزبور والإنجيل.
٥٤ - وقوله: ﴿هُدًى وَذِكْرَى﴾: منصوبان على أنه مفعولان لأجله؛ أي: أورثناهم الكتاب لأجل هدايتهم من الضلالة إلى الحق, ولأجل البيان لهم أحكام شريعتهم وعظةً وتذكرةً ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾؛ أي: لأصحاب العقول السليمة، العاملين بما في تضاعيف ذلك الكتاب دون الذين لا يعقلون, أو حالان من ﴿الْكِتَابَ﴾ على أنهما مصدران بمعنى اسم الفاعل؛ أي: أبقينا فيهم الكتاب حال كونه هاديًا لهم من الضلالة والجهالة، وحال كونه مذكرًا وواعظًا لأصحاب العقول الكاملة منهم.
والفرق بين الهدى والذكر (٢): أن الهدى ما يكون دليلًا على شيء آخر، وليس من شرطه أن يذكر شيئًا آخر كان معلومًا ثم صار منسيًا، وأما الذكرى فليس من ذلك، وكتب الأنبياء مشتملة على هذين القسمين, فإن بعضها دلائل في أنفسها، وبعضها مذكرات لما ورد في الكتب الإلهية المتقدمة.
والمعنى (٣): أي ولقد أعطينا موسى من المعجزات والشرائع ما يهتدي به
стр. 11534
الناس في الدنيا والآخرة، وأنزلنا عليه التوراة هدى لقومه، فتوارثوها خلفًا عن سلف، وصارت هدايةً لهم، وتذكرةً لأصحاب العقول السليمة، التي بعدت من شوائب التقليد والوهم.
٥٥ - وبعد أن بين سبحانه أنه ينصر رسله والمؤمنين، وضرب لذلك مثلًا بحال موسى .. خاطب نبيه محمدًا ﷺ بقوله: ﴿فَاصْبِرْ﴾ وهذا كلام مرتب على قوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى﴾ إلخ جملة معترضة سيقت للبيان والتأكيد لنصرة الرسل، و ﴿الفاء﴾ فيه: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا سمعت يا محمد ما وعدت به من نصرة الرسل، وما فعلناه بموسى، وأردت بيان ما هو اللازم لك .. فأقول لك: اصبر على ما أصابك من أذية المشركين، فهو غير منسوخ بآية السيف، إذ الصبر محمود في كل المواطن، وقال الكلبي: نسخ هذا بآية السيف ﴿إِنَّ وَعْدَ اللهِ﴾ سبحانه إياك بالنصرة، وظهور الإِسلام على الأديان كلها، وفتح مكة ونحوها ﴿حَقٌّ﴾ لا يحتمل الإخلاف أصلًا، واستشهد بحال موسى وفرعون ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ تداركًا لما فرط منك من ترك الأولى في بعض الأحيان، فإنه تعالى كافيك في نصرة دينك وإظهاره على الدين كله، وفي "عين المعاني": واستغفر من ذنب إن كان منك، وقيل: هذا تعبد من الله لرسوله؛ ليزيد به درجة, لأنه قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أو ليصير ذلك سنة لمن بعده، وفي "عرائس البقلي": واستغفر لما جرى على قلبك من أحكام البشرية. اهـ. وقيل: المراد ذنب أمتك، فهو على حذف مضاف. وقيل المراد: الصغائر عند من يجوزها على الأنبياء. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾؛ أي: ودم على اعتقاد تنزيه ربك عن كل ما لا يليق به، حال كونك متلبسًا بحمده بلسانك، أو المعنى: دم على قولك: سبحانه الله وبحمده ﴿بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾؛ أي: في آخر النهار وأوله. وقيل المراد: صل في الوقتين: صلاة العصر وصلاة الفجر: قاله الحسن وقتادة، وقيل: هما صلاتان: ركعتان غدوة وركعتان عشية، وذلك قبل أن تفرض الصلوات الخمس.
فالمقصود من ذكر العشي والإبكار: الدلالة على المداومة عليهما في جميع الأوقات، بناءً على أن الإبكار عبارة: عن أول النهار إلى نصفه، والعشي عبارة: عن نصف النهار إلى أول النهار من اليوم الثاني، فيدخل فيهما كل الأوقات.
стр. 11535
والمعنى (١): أي فاصبر أيها الرسول لأمر ربك، وبلغ قومك ومن أمرت بإبلاغه ما أنزل إليك، وأيقن بأن الله منجز وعده، وناصرك وناصر من صدقك وآمن بك على من كذبك، وأنكر ما جئت به من عند ربك، وسل غفران ذنبك وعفوه عنك، وصلّ شكرًا له طرفي النهار كما جاء في الآية الأخرى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾.
وقد يكون المراد من ذلك المواظبة على ذكر الله، وأن لا يفتر اللسان عنه، ولا يغفل القلب، حتى يدخل في زمرة الملائكة الذين قال سبحانه في وصفهم: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾.
٥٦ - ولما ابتدأ سبحانه بالرد على الذين يجادلون في آيات الله، واتصل الكلام بعضه ببعض، على النسق المتقدم .. نبه هنا إلى السبب الذي يحملهم على تلك المجادلة، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾ ويخاصمون ﴿في آيَاتِ اللهِ﴾ سبحانه ويجحدون بها ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾ وحجة قاهرة ﴿أَتَاهُمْ﴾ في ذلك من جهته تعالى؛ أي: جادلوا في ردها بغير حجة ظاهرة واضحة جاءتهم من جهته تعالى، وتقييد (٢) المجادلة بذلك مع استحالة إتيانه؛ للإيذان بأن التكلم في أمر الدين لا بد من استناده إلى سلطان مبين البتة ﴿إِنَّ﴾: نافية ﴿في صُدُورِهِمْ﴾؛ أي: في قلوبهم، عبر بالصدر عن القلب؛ لكونه موضع القلب ﴿إِلَّا كِبْرٌ﴾ وحسد، وفي الحصر إشعار بأن قلوبهم قد خلت عن كل شيء سوى الكبر؛ أي: ما في قلوبهم إلا تكبر عن الحق، وتعظم عن التكبر والتعليم، أو إلا إرادة الرياسة والتقدم على النبي والمؤمنين، أو إلا إرادة أن تكون النبوة لهم دونك يا محمد، حسدًا وبغيًا، ولذلك يجادلون فيها, لأن فيها موقع جدال ما، أو أن لهم شيئًا يتوهم أن يصلح مدارًا لمجادلتهم في الجملة، واعتبرت الإرادة في هذين الوجهين؛ لأن نفي الرياسة والنبوة ليستا في قلوبهم. وجملة قوله: ﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾: صفة ﴿كِبْرٌ﴾ فالضمير راجع إلى الكبر، بتقدير مضاف؛ أي: ما هم ببالغي مقتضى كبرهم، وهو دفع الآيات، فإني أنشر أنوارها في الآفاق، وأعلي قدرك، أو ما هم بمدركي مقتضى ذلك الكبر، وهو ما أرادوه من الرياسة والنبوة، وقال ابن قتيبة: المعنى: إن
стр. 11536
في صدورهم إلا كبر؛ أي: تكبر على محمد ﷺ ، وطمع أن يغلبوه وما هم ببالغي ذلك.
والمعنى (١): أي إن الذين يخاصمونك أيها الرسول فيما أتيتهم به من عند ربك من الآيات بغير حجة، وهم المشركون أوِ اليهود، ما يحملهم على هذا الجدال إلا كبر في صدورهم يمنعهم عن اتباعك، وعن قبول الحق الذي جئتهم به، إذ لو سلموا بنبوّتك .. لزمهم أن يكونوا تحت لوائك، وطوع أمرك ونهيك, لأن النبوة ملك ورياسة، وهم في صدورهم كبر لا يرضون معه أن يكونوا في خدمتك، وما هم ببالغي موجب الكبر، وهو دفع الرياسة والنبوة عنك، فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وليس ذلك بالذي يدرك بالأماني.
والخلاصة: أنه ما يحملهم على تكذيبك إلا ما في صدورهم من الكبر والحسد لك، وما هم ببالغي إرادتهم فيه، فإن الله قد أذلّهم.
قال المفسرون: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾ الآية، وإن نزل في مشركي مكة، لكنه عام لكل مجادل مبطل، فإن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب.
ثم أمر رسوله أن يستعيذ من هؤلاء المجادلين المستكبرين، فيقيه من أذاهم وشرهم، ويكلؤه ويحفظه منهم، فقال: ﴿فَاسْتَعِذْ﴾ يا محمد ﴿بِاللهِ﴾ سبحانه والتجىء إليه من شرهم وكيدهم وبَغيهمْ عليك، واطلب السلامة منه من كيد كل من يحسدك ويبغي عليك ﴿إِنَّهُ﴾ سبحانه ﴿هُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالهم ﴿الْبَصِيرُ﴾ لأفعالهم، لا تخفى عليه من ذلك خافية.
وقيل (٢): المجادلون هم اليهود كما مرت الإشارة إليه، وكانوا يقولون لرسول الله ﷺ : لست صاحبنا المذكور في التوراة، بل هو المسيح بن داود، يريدون أن الدجال يخرج في آخر الزمان، ويبلغ سلطانه البر والبحر، وتسير معه الأنهار، وهو آية من آيات الله تعالى، فرِجع إلينا الملك، فسمى الله تمنيهم ذلك كبرًا، ونفى أن يبلغوا متمنّاهم، فإن الدجال وإن كان يخرج في آخر الزمان، لكنه
стр. 11537
ومن تبعه من اليهود يقتلهم عيسى والمؤمنون، بحيث لا ينجو منهم واحد، فمعنى قوله: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾؛ أي: من فتنة الدجال، فإنه ليس فتنة أعظم من فتنة الدجال.
٥٧ - وقوله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ تحقيق للحق وتبيين لأشهر ما يجادلون فيه، وهو أمر البعث؛ أي: لخلق السموات والأرض ابتداءً من غير مثال سابق مع عظمهن ﴿أَكْبَرُ﴾؛ أي: أعظم في النفوس، وأجل في الصدور ﴿مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ مرةً ثانيةً، وهي الإعادة لعظم أجرامهما واستقرارهما من غير عمد وجريان الأفلاك بالكواكب من غير سبب، فمن قدر على خلق الأعظم الأقوى بلا أصل ولا مادة .. وجب أن يقدر على خلق الأذل الأضعف من الأصل والمادة بطريق الأولى، فكيف يقرون بأن الله خلق السموات والأرض، وينكرون الخلق الجديد يوم البعث؟ وقد جرت العادة في مزاولة الأفعال أن علاج الشيء الكبير أشقّ من علاج الشيء الصغير, فمن قدر على ذلك .. قدر على ما دونه، كما قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)﴾ وقال أيضًا: ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١)﴾.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ يعني الكفار ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنّ الإعادة أهون من البداية، لقصورهم في النظر والتأمل، لفرط غفلتهم واتباعهم لأهوائهم؛ أي: ولكن هؤلاء المشركين لا يتدبّرون هذه الحجة ولا يتأملونها, ولا يعلمون أنّ الله سبحانه لا يعجزه شيء.
قال أبو العالية: المعنى: لخلق السموات والأرض أعظم من خلق الدجال حين عظّمته اليهود، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، يعني اليهود الذين يخاصمون في أمر الدجال.
فصل في ذكر الأحاديث الواردة في الدجال
وعن هشام بن عروة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة، خلق أكبر من الدجال" أخرجه مسلم، معناه: أكبر فتنةً، وأعظم شوكة من الدجال.
وعن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن النبي ﷺ ذكر الدجال فقال: "إنه
стр. 11538
أعور العين اليمنى، كأنها عنبة طافية" متفق عليه. ولأبي داود والترمذي عنه قال: قام النبي ﷺ في الناس، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم ذكر الدجال فقال: إني أنذركموه وما من نبي إلا وقد أنذر قومه، لقد أنذر نوح قومه، لكني سأقول لكم فيه قولًا لم يقله نبي لقومه، تعلمون أنه أعور، وأنّ الله ليس بأعور.
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من نبي إلا وقد أنذر أمته الأعور الكذاب، ألا إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، مكتوب بين عينيه كافر" متفق عليه. وفي رواية لمسلم: "بين عينيه كافر، ثم تهجّي ك ف ر، يقرؤه كل مسلم".
وعن أسماء بنت يزيد الأنصارية قالت: كان رسول الله ﷺ في بيتي، فذكر الدجال فقال: "إن بين يديه ثلاث سنين: سنة تمسك السماء ثلث قطرها، والأرض ثلث نباتها، والثانية تمسك السماء ثلثي قطرها، والأرض ثلثي نباتها، والثالث تمسك السماء قطرها، والأرض نباتها كله، فلا تبقى ذات ظلف ولا ضرس من البهائم إلا هلكت، ومن أشد فتنته أنه يأتي الأعرابي فيقول: أرأيت إن أحييت لك إبلك، ألست تعلم أني ربك، قال: فيقول: بلى، فيتمثل له الشيطان نحو إبله كأحسن ما تكون ضروعًا، وأعظمه أسمنةً، ويأتي الرجل قد مات أخوه ومات أبوه، فيقول: أرأيت إن أحييت لك أخاك وأباك .. ألست تعلم أني ربك، فيقول: بلى، فيتمثل له الشيطان نحو أخيه ونحو أبيه" قالت: ثم خرج رسول الله ﷺ لحاجته ثم رجع والقوم في اهتمام وغمّ مما حدّثهم، قالت: وأخذ بلحمتي الباب فقال: "مه يا أسماء" فقلت: يا رسول الله، لقد خلعت أفئدتنا بذكر الدجال، قال: "إن يخرج وأنا حي .. فأنا حجيجُه، وإلا فإن ربي خليفتي على كل مؤمن" قالت أسماء: فقلت: يا رسول الله، والله. إنا لنعجن عجينًا فما نخبزه حتى نجوع، فكيف بالمؤمنين يومئذ؟ قال: "يجزيهم ما يجزي أهل السماء من التسبيح والتقديس" وفي رواية عنها قالت: قال النبي ﷺ : "يمكث الدجّال في الأرض أربعين سنةً، السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كاضطرام السعفة في النار" هذا حديث أخرجه البغوي بسنده، والذي جاء في "صحيح مسلم" قال: قلنا: يا رسول الله، ما لبثه في الأرض قال: "أربعون يومًا، يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم هذه" قلنا: يا رسول الله، فذلك اليوم كسنة، أتكفينا صلاة يوم، قال: "لا، أقدروا
стр. 11539
له قدرة" قلنا: يا رسول الله، وما إسراعه في الأرض، قال: "كالغيث استذرته الريح" وفي رواية أبي داود عنه: "فمن أدركه منكم .. فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، فإنها جواركم من فتنته" وفيه: "ثم ينزل عيسى ﵇ عند المنارة البيضاء، شرقي دمشق، فيدركه عند باب لد فيقتله".
وعن حذيفة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن مع الدجال إذا خرج ماءً ونارًا، فأما الذي يرى الناس أنه نار .. فماء بارد، والذي يرى الناس أنه ماء فنار محرقة، فمن أدرك ذلك منكم .. فليقع في الذي يرى أنه نار، فإنه ماء عذب بارد". متفق عليه.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أحدّثكم حديثًا عن الدجال ما حدَّث به نبي قومه، إنه أعور، وإنه يجيء بمثال الجنة والنار، فالتي يقول: إنها الجنة هي النار، وإني أنذركم كما أنذر نوح قومه". متفق عليه.
وعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: ما سأل أحد رسول الله ﷺ عن الدجال ما سألته، وإنه قال لي: "ما يضرّك" قلت: إنهم يقولون: إن معه جبل خبر ونهر وماء، قال: "هو أهون على الله من ذلك". متفق عليه. وسيأتي تفسير هذه الجملة الأخيرة إن شاء الله تعالى.
وعن عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من سمع الدجال .. فليتأمنه، فوالله إنّ الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يبعث به من الشبهات" أو قال: "لما يبعث به من الشبهات" أخرجه أبو داود.
وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة، ليس نقب من نقابها إلا عليه الملائكة صافّين يحرسونها، فينزل السبخة، ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فيخرج إليه كل كافر ومنافق" متفق عليه.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يأتي المسيح من قبل المشرق وهمته المدينة، حتى ينزل مدبر أحد، ثم تصرف الملائكة وجهه قبل الشام وهناك يهلك" أخرجه مسلم.
وعن أبي بكر الصديق ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ قال:
стр. 11540
"الدجال يخرج بأرض بالمشرق، يقال لها: خراسان، يتبعه أقوام كأن وجوههم المجان المطرقة" أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن غريب.
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفًا، عليهم الطيالسة" أخرجه مسلم.
وعن مجمع بن جارية الأنصاري، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يقتل ابن مريم الدجال بباب لد" أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
وقال النواوي - رحمه الله تعالى -: قال القاضي عياض: هذه الأحاديث التي وردت في قصة الدجال حجة للمذاهب الحق في صحة وجوده، وأنه شخص بعينه عورٌ، ابتلى الله تعالى به عباده، فأقدره على أشياء من المقدورات، من إحياء الميت الذي يقتله، ومن ظهور زهرة الدنيا، والخصب معه وجنته وناره، واتباع كنوز الأرض له، وأمره السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، ويقع كل ذلك بقدرة الله تعالى وفتنته، ثم يعجزه الله تعالى بعد ذلك، فلا يقدر على قتل ذلك الرجل ولا غيره، ويبطل أمره، ويقتله عيسى بن مريم ﵇، ويثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت، هذا مذهب أهل السنة وجميع المحدثين والفقهاء، خلافًا لمن أنكره وأبطل أمره من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة، وخلافًا للجبائي المعتزلي وموافقيه من الجهمية وغيرهم، في أنه صحيح الوجود، ولكن الأشياء التي يأتي بها زعموا أنها مخاريق وخيالات لا حقائق لها، وزعموا أنها لو كانت حقًا .. لضاهت معجزات الأنبياء، وهذا غلط من جميعهم؛ لأنه لم يدّع النبوة، فيكون ما معه كالتصديق له، وإنما يدعي الربوبية، وهو في نفس دعواه مكذب لها بصورة حاله، ووجود دلائل الحدوث فيه، ونقص صورته، وعجزه عن إزالة العور الذي في عينه، وعن إزالة الشاهد بكفره المكتوب بين عينيه، ولهذا الدلائل لا يغترّ بها إلا عوام من الناس لشدة الحاجة والفاقة، رغبةً في سد الرمق، أو خوفًا من فتنته, لأنّ فتنته عظيمةٌ جدًّا، تدهش العقول وتحير الألباب، ولهذا حذّرت الأنبياء من فتنته، فأما أهل التوفيق فلا يغترون به ولا يخدعون بما معه؛ لما سيق لهم من العلم بحاله، ولهذا يقول له الذي يقتله ثم يحييه: ما ازددت فيك إلا بصيرةً.
قوله في حديث المغيرة بن شعبة: قلت يا رسول الله: إنهم يقولون: إنّ معه
стр. 11541
جبل خبز ونهر ماء، قال: "هو أهون على الله من ذلك" معناه: هذا أهون على الله تعالى من أن يجعل ما خلقه الله على يده مضلًا للمؤمنين، ومشككًا لقلوبهم، بل إنما جعله الله له ليزداد الذين آمنوا إيمانًا، وتثبت الحجة على الكافرين والمنافقين، وليس معناه: أنه ليس معه شيء من ذلك, لأنه ثبت في الحديث أنَّ معه ماءً ونارًا، فماؤه نار، وناره ماء بارد. والله أعلم. انتهى من "الخازن".
٥٨ - ولمّا ذكر سبحانه الجدال بالباطل .. ذكر مثالًا للباطل والحق، وأنهما لا يستويان، فقال: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى﴾؛ أي: المشرك الجاهل الغافل ﴿وَالْبَصِيرُ﴾؛ أي: الموحد العالم المستبصر، والمراد بالأعمى: من عمي قلبه عن رؤية الآيات والاستدلال بها، والبصير: من أبصرها، قال الشاعر:
أَيُّهَا الْمُنْكِحَ الثُّرَيَّا سُهَيْلًا ... عَمْرُكَ اللَّهُ كَيْفَ يَلْتَقِيَانِ
هِيَ شَامِيَّةٌ إِذَا مَا اسْتَقَلَّتْ ... وَسُهَيْلٌ إِذَا اسْتَقَلَّ يَمَانِيْ
أي: فكما لا تساوي بينهما فكذلك لا تساوي بين المؤمن والكافر، والعالم والجاهل، وقدَّم الأعمى على البصير في نفي التساوي؛ لمناسبة ما قبله من نفي النظر والتأمل، وفي "السمين": وقدم الأعمى مع كونه أخسّ الوصفين؛ لمجيئه بعد صفة الذم في قوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَ﴾ ما يستوي ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله ﴿وَعَمِلُوا﴾ الأعمال ﴿الصَّالِحَاتِ﴾ وقدمهم على المسيء لمجاورة البصير ولشرفهم عليه ﴿وَلَا الْمُسِيءُ﴾؛ أي: ولا الذين كفروا بالله ورسوله وعملوا السيئات، والمسيء (١): اسم جنس يعم المسيئين.
والمعنى: وما يستوي المحسن والمسيء؛ أي: الصالح والطالح، فلا بد أن يكون لهم حالة أخرى، يظهر فيها ما بين الفريقين من التفاوت، وهي فيما بعد البعث وهو احتجاج آخر على حقيقة البعث والجزاء، وزيادة ﴿لَا﴾ في المسيء؛ لتأكيد النفي لطول الكلام بالصلة بعد قسم المؤمنين، ولأنّ المقصود نفي مساواته للمحسن, لأنه كما لا يساوي المحسن المسيء فيما يستحقه المسيء من المهانة
стр. 11542
والحقارة، كذلك لا يساوي المسيء المحسن فيما يستحقه المحسن من الفضل والكرامة.
والعاطف في قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ عطف الموصول بما عطف عليه على الأعمى والبصير، مع أنَّ المجموع؛ أي: مجموع الغافل والمستبصر هو مجموع المسيء والمحسن، لتغاير الوصفين؛ يعني: أن المقصود في الأولين إلى العلم، فإن العمى والبصيرة في القلب، وفي الأخيرين إلى العمل, لأن الإيمان والأعمال في الجوارح، وإلا ففي الحقيقة المراد بالبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات واحد، وبالأعمى والمسيء واحد، ويجوز أن يراد الدلالة بالصراحة والتمثيل على أن يتحد الوصفان في المقصود، بأن يكون المراد بالأولين أيضًا: المحسن والمسيء، فالصراحة بالنسبة إلى الذين آمنوا وعملوا الصالحات والمسيء، والتمثيل بالنسبة إلى ما قبله، فإن الأعمى والبصير من قبيل التمثيل. ﴿قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿مَا﴾: زائدة لتأكيد معنى القلة، و ﴿قَلِيلًا﴾: مفعول مطلق على أنه صفة لموصوف محذوف؛ أي: تتذكرون تذكرًا قليلًا أيها الكفار المجادلون؛ يعني: وإن كنتم تعلمون أن التبصر خير من الغفلة، ولا يستويان، وكذا العمل الصالح خير من العمل الفاسد، لكنكم لا تتذكرون إلا تذكرًا قليلًا، أو لا تتذكرون أصلًا، فإنه قد يعبّر بقلة الشيء عن عدمه، مثل: أن يقال: فلان قليل الحياء، أي: لا حياء له.
وقرأ الجمهور والأعرج والحسن وأبو جعفر وشيبة (١): ﴿يتذكرون﴾ بالتحتية على الغيبة، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم للمناسبة؛ لأنّ ما قبلها وما بعدها على الغيبة لا على الخطاب، وقرأ قتادة وطلحة وأبو عبد الرحمن وعيسى والكوفيون ﴿تَتَذَكَّرُونَ﴾ بالفوقية على الخطاب بطريقة الالتفات، وفائدة الالتفات في مقام التوبيخ: هو إظهار العنف الشديد، والإنكار البليغ. كما سيأتي في مبحث البلاغة إن شاء الله تعالى.
ومعنى الآية (٢): أي وما يستوي الكافر الذي لا يتأمل حجج الله بعينيه، فيتدبرها ويعتبر بها، فيعلم وحدانيته، وقدرته على خلق ما يشاء، ويؤمن بذلك ويصدق به، والمؤمن الذي يرى بعينيه تلك الحجج فيتفكّر فيها ويتعظ بها، ويعلم ما
стр. 11543
تدل عليه من توحيده، وعظيم سلطانه، وقدرته على خلق الأشياء جميعها، صغيرها وكبيرها، وقد ضرب لهما مثل الأعمى والبصير، ليستبين ذلك الفارق على أتم وجه وأعظم تفصيل، فما الأمثال إلا وسائل للإيضاح، تبيّن للناس المعقولات وهي لابسة ثوب المحسوسات، فيتضح ما انْبَهَم منها، وخفي من أمرها، كما قال: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا ...﴾ إلخ؛ أي: وكذلك لا يستوي المؤمنون المطيعون لربهم، والعاصون المخالفون لأمره، ونحو الآية قوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠)﴾.
﴿قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾؛ أي: ما أقل ما تتذكرون حجج الله، فتعتبرون بها وتتعظون، ولو تذكرتم واعتبرتم .. لعرفتم خطأ ما أنتم عليه مقيمون، من إنكاركم قدرة الله على إحياء من فني من خلقه، وإعادته لحياة أخرى غير هذه الحياة.
٥٩ - ولمّا قرّر الدليل على إمكان وجود يوم القيامة والبعث والنشر .. أردفه الإخبار بأنه واقع لا محالة، فقال: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ﴾؛ أي: إن القيامة، ومر وجه التسمية بها مرارًا ﴿لَآتِيَةٌ﴾ أكّد؛ باللام (١) لأنّ المخاطبين هم الكفار، وجرّد في سورة طه حيث قال: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ﴾؛ لكون المخبَر ليس بشاك في الخبر. كذا في "برهان القرآن" ﴿لَا رَيْبَ فِيهَا﴾؛ أي: لا شك في مجيئها لوضوح شواهدها، ومنها ما ذكر بقوله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ ...﴾ إلخ. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾؛ يعني الكفار ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: لا يصدقون بها لقصور أنظارهم على الظواهر، وقوة اللهم بالمحسوسات، وهذا الكفر والتكذيب طبيعة النفوس، إلا من عصمه الله تعالى، ونظر إلى قلبه بنظر العناية.
والمعنى (٢): أي إن يوم القيامة الذي يحيي الله فيه الموتى للثواب والعقاب لآت لا شك فيه، فايقنوا بمجيئه، وإنكم مبعوثون من بعد مماتكم، ومجازون بأعمالكم، فتوبوا إلى ربكم، واشكروا له جزيل إنعامه، ليدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها أبدًا، وفيها ترون ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر
стр. 11544
على قلب بشر، ولكن أكثر الناس لا يصدقون بمجيئه، ومن ثم ركبوا رؤوسهم، وعاثوا في الأرض فسادًا، واجترحوا السيئات دون خوف الرقيب الحسيب.
٦٠ - ثمّ لما بيّن سبحانه أن قيام الساعة حق لا شك فيه ولا شبهة .. أرشد عباده إلى ما هو الوسيلة إلى السعادة في دار الخلود، فأمر رسوله ﷺ أن يحكي عنه ما أمره بإبلاغه، وهو قوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ﴾ أيها الناس ﴿ادْعُونِي﴾؛ أي: وحّدوني واعبدوني ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾؛ أي: أثبكم بقرينة قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾؛ أي: يتعظمون عن طاعتي أو توحيدي ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ﴾ يوم القيامة حال كونهم ﴿دَاخِرِينَ﴾؛ أي: صاغرين ذليلين، ﴿وإن﴾: فسر الدعاء بالسؤال بجلب النفع، ودفع الضر كان الاستبكار الصارف عنه منزّلًا منزلة الاستكبار عن العبادة، فأقيم الثاني مقام الأول للمبالغة، أو المراد بالعبادة: الدعاء، فإنه من أفضل أبوابها، فأطلق العام على الخاص، ففيه مجاز مرسل، والأول (١) أولى؛ لأنّ الدعاء في أكثر استعمالات الكتاب العزيز هو العبادة.
قلت: بل الثاني أولى؛ لأن معنى الدعاء لغةً وشرعًا هو الطلب، فإن استعمل في غير ذلك .. فهو مجاز.
وعن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: "الدعاء هو العبادة" ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾، أخرجه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
وعن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله ﷺ : "من لم يسأل الله .. يغضب عليه". أخرجه الترمذي، وقال: حديث غريب.
وعن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: "الدعاء مخ العبادة" أخرجه الترمذي.
وعنه عن النبي ﷺ قال: "ليس شيء أكرم على الله من الدعاء" أخرجه الترمذي، وقال: حديث غريب.
فإن قلت (٢): كيف قال سبحانه: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ وقد يدعو الإنسان
стр. 11545
كثيرًا فلا يستجاب له.
قلت: الدعاء له شروط: منها: الإخلاص في الدعاء، وأن لا يدعو وقلبه لاهٍ مشغول بغير الدعاء، وأن يكون المطلوب بالدعاء مصلحةً للإنسان، وأن لا يكون فيه قطيعة رحم، فإذا كان الدعاء بهذه الشروط .. كان حقيقًا بالإجابة، فإما أن يعجّلها، وإما أن يؤخّرها له، يدل له ما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من رجل يدعو الله تعالى بدعاء .. إلا استجيب له، فإما أن يعجّل له به في الدنيا، وإما أن يدّخر له في الآخرة، وإما أن يكفّر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم أو يستعجل" قالوا: يا رسول الله، وكيف يستعجل؟ قال: "يقول: دعوت ربي فما استجاب لي" أخرجه الترمذي، وقال: حديث غريب.
يقال: ادعوني بلا غفلة أستجب لكم بلا مهلة، ادعوني بلا خفاء استجيب لكم بالوفاء، ادعوني بلا خطأ استجيب لكم بالعطاء، ادعوني بشرط الدعاء، وهو الأكل من الحلال. قيل: الدعاء مفتاح الحاجة، وأسنانه لقمة الحلال، وقوله: ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ وعيد شديد لمن استكبر عن دعاء الله تعالى، وفيه لطفٌ بعباده عظيم، وإحسان إليهم جليل، حيث توعّد من ترك طلب الخير منه، واستدفاع الشرِّ به بهذا الوعيد البالغ، وعاقبه بهذه العقوبة العظيمة.
وقيل: هذا الوعد بالإجابة مقيّد بالمشيئة؛ أي: أستجب لكم إن شئت، كقوله تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾؛ أي: الله، وقرأ الجمهور والحسن وشيبة (١): ﴿سَيَدْخُلُونَ﴾ مبنيًا للفاعل، وقرأ زيد بن علي بن وابن كثير وابن محيصن وورث وأبو جعفر: ﴿سيُدخلون﴾ بضم الياء وفتح الخاء مبنيًا للمفعول، واختلف عن عاصم وأبي عمرو.
فيا عباد الله، وجّهوا رغباتكم، وعوّلوا في كل طلباتكم على من أمركم، بتوجيهها إليه، وأرشدكم إلى التوكل عليه، وكفل لكم الإجابة بإعطاء مطالبكم، وحصول رغباتكم، فهو الكريم الجواد، الذي يجيب دعوة الداعي إذا دعاه،
стр. 11546
ويغضب على من لم يطلب من فضله العظيم، وملكه الواسع ما يحتاج إليه من أمور الدين والدنيا.
٦١ - ولما أمر بالدعاء والاشتغال به، لا بد أن يسبق بمعرفة المدعو .. ذكر الدليل عليه بذكر بعض نعمه، فقال: ﴿الله﴾ الذي أمرتم بالدعاء له، واللجوء إليه هو ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ﴾؛ أي: خلق لمصالحكم ﴿اللَّيْلَ﴾ مظلمًا ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ من الحركات في طلب الكسب، ولتستريحوا فيه من تعب النهار، فإن الليل لكونه باردًا رطبًا، تضعف فيه القوى المحرّكة، ولكونه مظلمًا، يؤدّي إلى سكون الحواسّ، فتستريح النفس والقوى والحواس بقلة أشغالها وأعمالها والنوم ﴿و﴾ جعل لكم ﴿النَّهَارَ مُبْصِرًا﴾؛ أي: مضيئًا لتبصروا فيه حوائجكم، وتتصرّفوا في طلب معايشكم؛ أي: مبصرًا فيه أو به، يعني: يبصر به المبصرون الأشياء، ولكونه حارًّا يقوّي الحركات في اكتساب المعاش، فإسناد الإبصار إلى النهار مجاز فيه مبالغة، ولقصد المبالغة عدل به عن التعليل إلى الحال، بأن قال: ﴿مُبْصِرًا﴾ دون لتبصروا فيه أو به؛ يعني: أنّ نفس النهار لما جُعِلَ مبصرًا .. فُهم أنّ النهار لكمال سببيّته للإبصار، وكثرة آثار القوة الباصرة، جعل كأنه هو المبصر.
فإن قيل (١): فلِمَ لَمْ يَسْلك في الليل سبيل المبالغة؟.
قلنا: لأنّ نعمة النهار لشبهها بالحياة أتمّ وأولى من نعمة الليل، التي تشبه الموت، فكانت أحق بالمبالغة، إذ المقام مقام الامتنان، ولأنّ الليل يوسف بالسكون؛ لسكون هوائه وصفًا مجازيًا متعارفًا، فسلوك سبيل المبالغة فيه يرفع الاشتباه، كما أشير إليه في "الكشاف".
ثمّ إذا حملت الآية على الاحتباك كما جرينا عليه أولًا .. فقيل: التقدير حينئذ: الله الذي جعل لكم الليل مظلمًا لتسكنوا فيه، والنهار مبصرًا لتنتشروا فيه، ولتبتغوا من فضله، فحذف من الأول بقرينة الثاني، ومن الثاني بقرينة الأول لم يحتج إلى ما ذكر كذا أفاده سعدي المفتي.
والمعنى (٢): أي إنّ الله الذي لا تصلح الألوهية إلا له، ولا تنبغي العبادة
стр. 11547
لغيره، وهو الذي جعل الليل للسكون والاستراحة من الحركة، والتردّد في طلب المعاش، والحصول على ما يفي بحاجات الحياة، وجعل النهار مضيئًا بشمسه. ذات البهجة والرواء، لتتصرفوا فيه بالأسفار، وجوب الأقطار، والتمكن من مزاولة الصناعات، ومختلف التجارات، وصنوف الزراعات والحراثات.
ثمّ ذكر نتيجة لما تقدم فقال: ﴿إِنَّ اللهَ﴾ ﴿لَذُو فَضْلٍ﴾ عظيم، وإحسان قديم ﴿عَلَى النَّاسِ﴾ بخلق الليل والنهار لا يوازيه فضل، ولا يدانيه طول، فهو المتفضل عليهم بالنعم التي لا تحصى، ولا يمكن أن تستقصى.
ثمّ بيّن أن كثيرًا من عباده جحدوا هذه النعم، واستكبروا عن عبادة المنعم، فقال: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ هذه النعم، ولا يعترفون بها، إما لجحودهم وكفرهم بها، كما هو شأن الكفّار، وإما لإهمالهم النظر، وغفلتهم عمّا يجب من شكر المنعم، كما هو حال الجاهلين، وتكرير ﴿النَّاسِ﴾ (١)؛ لتنصيص تخصيص الكفران بهم، بإيقاعه على صريح اسمهم الظاهر، الموضوع موضع الضمير الدال على أنّ ذلك كان شأن الإنسان وخاصته في الغالب.
أي: لا يشكرون فضل الله وإحسانه، لجهلهم بالمنعم، وإغفالهم مواضع النعم؛ أي: رفعة شأنها، وعلوّ قدرها، وإذا فقدوا شيئًا منها .. يعرفون قدرها، مثل أن يتفق لبعض والعياذ بالله أن يحبسه بعض الظلمة في بئر عميق مظلم مدة مديدة، فإنه حينئذ يعرف قدر نعمة الهواء الصافي، وقدر نعمة الضوء.
ونحو الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾.
٦٢ - ثم بين كمال قدرته، المقتضية لوجوب توحيده، فقال: ﴿ذَلِكُمُ﴾ المتفرّد بالأفعال المقتضية للألوهية والربوبية ﴿الله﴾؛ أي: المعبود بالحق، المستحق منكم العبادة دون غيره ﴿رَبُّكُمْ﴾؛ أي: مالككم ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من المخلوقات، علويّها وسُفليّها ﴿لَا إِلَهَ﴾؛ أي: لا معبود بحق في الوجود ﴿إِلَّا هُوَ﴾ ، أخبار مترادفة، تخصّص السابقة منها اللاحقة وتقرّرها. قال في "كشف
стр. 11548
الأسرار": ﴿كُلِّ﴾ هنا بمعنى البعض، وقيل: عام خصّ منه ما لا يدخل في الخلق.
وقرأ الجمهور: ﴿خَالِقُ﴾ بالرفع على أنه خبر بعد الخبر الأول عن المبتدأ، وقرأ زيد بن علي ﴿خالق﴾ بفتح القاف بنصبه على الاختصاص، ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾؛ أي: فكيف تنقلبون أيها المشركون عن توحيده، ومن أيّ وجه تصرفون عن عبادته خاصة إلى عبادة غيره، وقرأ طلحة في رواية ﴿يؤفكون﴾ بياء الغيبة، والجمهور: ﴿تُؤْفَكُونَ﴾ بتاء الخطاب، وقال الراغب: قوله: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾؛ أي: تصرفون من الحق في الاعتقاد إلى الباطل، ومن الصدق في المقال إلى الكذب، ومن الجميل في الفعل إلى القبيح، كما سيأتي.
ومعنى الآية: أي ذلكم الذي فعل كل هذا، وأنعم عليكم بهذه النعم هو الله الواحد الأحد، خالق جميع الأشياء، لا إله غيره، ولا ربّ سواه فكيف تنقلبون عن عبادته والإيمان به وحده، مع قيام البرهان الساطع، والدليل الواضح، وتعبدون غيره من الأصنام التي لا تخلق شيئًا، وهي مخلوقة منحوتة بأيديكم.
٦٣ - ثم ذكر أنّ هؤلاء ليسوا ببدع في الأمم قبلهم، بل قد سبقهم إلى هذا خلق كثير، فقال ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مثل ذلك الإفك العجيب، الذي لا وجه له ولا مصحّح له أصلًا؛ أي: كما صرف قومك وهم قريش عن الحق، وحرموا من التحلي به مع قيام الدلائل ﴿يُؤْفَكُ﴾ ويصرف عنه ﴿الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾؛ أي: يصرف عنه كل جاحد قبلهم أو بعدهم بآياته أيّ آية كانت، لا إفكًا آخر له وجه ومصحح في الجملة؛ أي: كما ضل هؤلاء بعبادة غير الله .. ضل وأفك الذين من قبلهم فعبدوا غيره بلا دليل ولا برهان، بل للجهل والهوى.
٦٤ - وبعد أن ذكر من الدلائل تعاقب الليل والنهار، ذكر منها خلق الأرض والسماء، فقال: ﴿الله﴾ الذي يستحق منكم العبادة هو ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ وسير ﴿لَكُمُ﴾؛ أي: لمصالحكم وحوائجكم ﴿الْأَرْضَ قَرَارًا﴾؛ أي (١): مستقرًا. أي: موضع قرار ومكان ثبات وسكون، فإن القرار كما يجيء بمعنى الثبات والسكون،
стр. 11549
ويجيء بمعنى ما قرّ فيه، وبمعنى المطمئن من الأرض. كما في "القاموس" قال ابن عباس ﵄: ﴿قَرَارًا﴾؛ أي: منزلًا في حال الحياة وبعد الممات ﴿و﴾ جعل ﴿السَّمَاءَ بِنَاءً﴾ قبةً مبينةً ومظلةً مرفوعة فوقكم، فالبناء بمعنى المبني، ومنه أبنية العرب لمضاربهم, لأن السماء في نظر العين كقبة مضروبة على فضاء الأرض. وفي "التأويلات النجمية": خلق الأرض لكم استقلالا, ولغيركم طفيليًّا. وتبعًا، لتكون مقركم، والسماء أيضًا خلق لكم لتكون سقفكم، مستقلّين به، وغيركم تبع لكم فيه.
والمعنى (١): أي الله الذي جعل لكم الأرض مستقرًا تعيشون عليها، وتتصرّفون فيها، وتمشون في مناكبها، وجعل لكم السماء سقفًا محفوظًا مزيّنًا بنجوم، ينشأ عنها الليل والنهار، والظلام والضياء.
وبعد أن ذكر دلائل الآفاق والأكوان .. ذكر دلائل الأنفس فقال: ﴿وَصَوَّرَكُمْ﴾ في الأرحام ﴿فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ من صور الدوابّ، ويقال: أحكم صوركم، ويقال: ﴿وَصَوَّرَكُمْ﴾؛ أي: أحدث صورتكم على غير نظام واحد ﴿فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ ولم يخلق الله تعالى حيوانًا أحسن صورةً من الإنسان.
وهذا بيان لفضله المتعلق بأنفسهم، و ﴿الفاء﴾ (٢): في ﴿فَأَحْسَنَ﴾: تفسيرية، فإن "الإحسان عين التصوير، كما في قوله ﷺ : "إن الله أدّبني فأحسن تأديبي" فإن "الإحسان عين التأديب، فإن تأديب الله لمثله لا يكون إلا حسنًا بل أحسن.
والمعنى: وصوّركم أحسن تصوير، حيث خلقكم منتصبي القامة، بادي البشرة، متناسبي الأعضاء والتخطيطات، متهيِّئين لمزاولة الصنائع واكتساب الكمالات. قال ابن عباس ﵄: خلق ابن آدم قائمًا معتدلًا، يأكل ويتناول بيده، وغير ابن آدم يتناول بفيه.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿صُوَرَكُمْ﴾ بضم الصاد وفتح الواو، وقرأ الأعمش وأبو رزين: بكسرها؛ فرارًا من الضمة قبل الواو استثقالًا، وجمع فعلة بضم الفاء على فعل بكسرها: شاذٌّ، وقالوا: قوة وقوى بكسر القاف على الشذوذ أيضًا، قال
стр. 11550
الجوهري: والصور بكسر الصاد: لغة في الصور بضمها، وقرأت فرقة: ﴿صوركم﴾ بضم الصاد وإسكان الواو على نحو بسرة وبسر ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾؛ أي: من المأكولات اللذيذة، والمشروبات الحلوية.
والمعنى: أي وخلقكم فأحسن خلقكم، إذ خلق كلًّا منكم منتصب القامة، بادي البشرة، متناسب الأعضاء، متهيأً لمزاولة الصناعات واكتساب الكمالات، ورزقكم من طيبات المطاعم والمشارب.
﴿ذَلِكُمُ﴾ الموصوف بما ذكر من الصفات الجميلة، مبتدأ، خبره: ﴿الله﴾؛ أي: المستحق منكم العبادة ﴿رَبُّكُمْ﴾ الذي ربَّاكم بما يصلحكم، خبر آخر ﴿فَتَبَارَكَ الله رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ صفة خاصة بالله تعالى، أي: تقدّس وتنزّه وتعالى بذاته عن أن يكون له شريك في العبادة، إذ لا شريك له في شيء من تلك النعم، أو المعنى: كثر خيره، وتزايد برّه، ﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: مالكهم ومربّيهم، والكل تحت ملكوته، مفتقرٌ إليه في ذاته ووجودهِ وسائر أحواله جميعًا، بحيثُ لو انقطع فيضه عنه آنًا .. لانعدم بالكلية.
أي (١): ذلكم الذي أنعم عليكم بهذه النعم، هو الذي لا ينبغي الألوهية إلا له، ولا تصلح الربوبية لغيره، لا مَنْ لا ينفع ولا يضر، فتقدس سبحانه وتنزّه، وهو رب العالمين.
٦٥ - ثم نبَّه إلى وحدانيته، وأمر بإخلاص العبادة له، فقال: ﴿هُوَ﴾ ﴿الْحَيُّ﴾؛ أي: المتصف بالحياة الدائمة، المنفرد بالحياة الذاتية الحقيقة لا يموت، ويميت الخلق ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ ، إذ لا موجود يدانيه في ذاته وصفاته وأفعاله ﴿فَادْعُوهُ﴾؛ أي: فاعبدوه خاصةً لاختصاص ما يوجبه به تعالى ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾؛ أي: الطاعة والعبادة من الشرك الجلي والخفيّ، مقرين له بالعبودية، قائلين ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾.
وعن ابن عباس ﵄: من قال: لا إله إلا الله .. فليقل على إثرها: الحمد لله رب العالمين، وذلك قوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
стр. 11551
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فعلى هذا هو من كلام المأمورين بالعبادة؛ أي: ولما كان تعالى موصوفًا بصفات الجلال والعزّة .. استحق لذاته أن يقال له: الحمد لله رب العالمين، ويجوز أن يكون من كلامه تعالى، على أنه استئناف لحمد ذاته بذاته. اهـ "شهاب".
والمعنى: أي هو سبحانه الحيّ الذي لا يموت، وما سواه فمنقطع الحياة، غير دائمها, لا معبود بحق غيره، ولا تصلح الألوهية إلا له، فادعوه مخلصين له الطاعة، ولا تشركوا في عبادته شيئًا سواه من وثن أو صنم، ولا تجعلوا له ندًّا ولا عدلًا، ثمّ أمر عباده أن يحمدوه على جزيل نعمه، وجليل إحسانه فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾؛ أي: احمدوه سبحانه، فهو مالك جميع أصناف الخلق، من ملك وإنس وجن، لا الآلهة التي تعبدونها, ولا تملك لنفسها نفعًا ولا ضرًّا، فضلًا عن نفع غيرها وضرّه.
الإعراب
﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١)﴾.
﴿وَيَا قَوْمِ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿يَا قَوْمِ﴾: منادى مضاف معطوف على المنادى الأول. ﴿مَا﴾: اسم استفهام للاستفهام التعجبي في محل الرفع مبتدأ، ﴿لِي﴾: جار ومجرور خبره، والجملة الاسمية، في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب النداء. ﴿أَدْعُوكُمْ﴾: فعل مضارع ومفعول به وفاعل مستتر. ﴿إِلَى النَّجَاةِ﴾: متعلق بـ ﴿أَدْعُوكُمْ﴾ والجملة الفعلية: في محل النصب حال من ضمير ﴿لِي﴾. ﴿وَتَدْعُونَنِي﴾ ﴿الواو﴾: حالية. ﴿تدعونني﴾: فعل وفاعل ومفعول به مرفوع بثبات النون والنون الثانية للوقاية، و ﴿الياء﴾: مفعول به. ﴿إِلَى النَّارِ﴾: متعلق بـ ﴿تدعونني﴾، وهذه الجملة (١) مستأنفة أخبر عنهم بذلك بعد استفهامه عن دعائه لهم، ويجوز أن يكون التقدير: وما لكم تدعونني إلى النار، وهو الظاهر، ويضعف أن تكون الجملة حالًا؛ أي: ما لي أدعوكم إلى النجاة حال دعائكم إياي إلى النار. اهـ "سمين". وعبارة أبي السعود: ﴿مَا لِي أَدْعُوكُمْ﴾: ﴿مَا﴾: مبتدأ، والظرف بعدها خبر عنها، وجملة
стр. 11552
﴿أَدْعُوكُمْ ...﴾ إلخ. حال، والاستفهام المفاد بـ ﴿مَا﴾ تعجبي، ومدار التعجب: دعوتهم إياه إلى النار لا دعوته إياهم إلى النجاة، كأنه قال: أخبروني، كيف هذه الحال، أدعوكم إلى الخير وتدعونني إلى الشر؟!.
﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (٤٢)﴾.
﴿تَدْعُونَنِي﴾: فعل مضارع وفاعل ونون وقاية ومفعول به مرفوع بثبات النون، والجملة الفعلية: بدل من جملة ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ أو مستأنفة مسوقة لبيانها ﴿لِأَكْفُرَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل. ﴿أكفر﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام كي، وفاعله: ضمير مستتر يعود على المؤمن. ﴿بِاللهِ﴾: متعلق بـ ﴿أكفر﴾ والجملة الفعلية مع أن المضمرة: في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: تدعونني إلى كفري بالله، والدعاء يتعدى كالهداية بـ ﴿إلى﴾ وباللام. ﴿وَأُشْرِكَ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر معطوف على ﴿أكفر﴾ ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿أشرك﴾، و ﴿مَا﴾: مفعول به، ﴿لَيْسَ﴾: فعل ماض ناقص، و ﴿لِي﴾: خبرها المقدم، ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿عِلْمٌ﴾ و ﴿عِلْمٌ﴾: اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر، وجملة ﴿لَيْسَ﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة ﴿وَأَنَا﴾ ﴿الواو﴾: حالية. ﴿أنا﴾: ضمير المتكلم في محل الرفع مبتدأ. ﴿أَدْعُوكُمْ﴾: فعل مضارع ومفعول به وفاعل مستتر، والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: في محل النصب حال من ياء المتكلم في ﴿تَدْعُونَنِي﴾ أو معطوفة على ﴿تَدْعُونَنِي﴾، ﴿إِلَى الْعَزِيزِ﴾: متعلق بـ ﴿أَدْعُوكُمْ﴾، ﴿الْغَفَّارِ﴾ صفة لـ ﴿الْعَزِيزِ﴾.
﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيَا وَلَا في الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٤٣)﴾.
﴿لَا﴾: نافية لرد ما قبلها، كما مر في مبحث التفسير. ﴿جَرَمَ﴾: فعل ماض بمعنى حق ووجب. ﴿أَنَّمَا﴾: ﴿أن﴾: حرف نصب وتوكيد ومصدر. ﴿ما﴾: اسم موصول في محل النصب اسمها، فكان حقها أن تكتب مفصولة من النون، كما هو القاعدة: أن الموصولة مفصولة، والكافَّة متصلة بها لكنها رسمت في المصحف متصلةً بالنون؛ تبعًا للرسم العثماني. ﴿تَدْعُونَنِي﴾: فعل مضارع وفاعل ونون وقاية
стр. 11553
ومفعول به. ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿تَدْعُونَنِي﴾ وهو العائد إلى ﴿ما﴾ الموصولة، والجملة الفعلية: صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة. ﴿لَيْسَ﴾: فعل ماض ناقص، ﴿لَهُ﴾: خبرها مقدم، ﴿دَعْوَةٌ﴾: اسمها مؤخر، ﴿في الدُّنْيَا﴾: صفة لـ ﴿دَعْوَةٌ﴾. ﴿وَلَا في الْآخِرَةِ﴾: معطوف على ﴿في الدُّنْيَا﴾ وجملة ﴿لَيْسَ﴾: في محل الرفع خبر ﴿أَنَّ﴾، وجملة ﴿أن﴾: في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية لـ ﴿جَرَمَ﴾ تقديره: حق وثبت بطلان دعوة ما تدعونني إليه في الدنيا والآخرة. ﴿وَأَنَّ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿أَن﴾: حرف نصب. ﴿مَرَدَّنَا﴾: اسمها. ﴿إِلَى اللهِ﴾ خبرها، وجملة ﴿أَن﴾: معطوفة على جملة ﴿أَنَّمَا تَدْعُونَنِي﴾ على كونها في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية، تقديره: جرم بطلان دعوة ما تدعونني إليه، وكون مردنا إلى الله تعالى. ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ﴾ ناصب واسمه ﴿هُمْ﴾: ضمير فصل. ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾: خبره، وجملة ﴿أَن﴾: في تأويل مصدر معطوفة على ما قبله؛ أي: وحق كون المسرفين من أصحاب النار.
﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٤٤) فَوَقَاهُ الله سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾.
﴿فَسَتَذْكُرُونَ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم ما ذكرته لكم، وأردتم بيان عاقبتكم .. فأقول لكم، و ﴿السين﴾: حرف استقبال. ﴿تذكرون﴾: فعل وفاعل مرفوع بثبات النون ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به، والجملة الفعلية: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة: في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿أَقُولُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية: صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة والعائد: محذوف، تقديره: ما أقوله، ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به معطوف على ﴿تذكرون﴾، ﴿إِلَى اللهِ﴾. متعلق بـ ﴿أفوض﴾. ﴿إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ﴾: ناصب واسمه وخبره. ﴿بِالْعِبَادِ﴾: متعلق بـ ﴿بَصِيرٌ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها، على كونها مقول ﴿قال﴾. ﴿فَوَقَاهُ الله﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف يقتضيه السياق، تقديره: وقصدوا قتله فهرب منهم فوقاه الله، ﴿وقاه الله﴾: فعل ماض ومفعول به أول وفاعل معطوف على ذلك المحذوف. ﴿سَيِّئَاتِ﴾: مفعول به ثان ﴿سَيِّئَاتِ﴾: مضاف ﴿مَا﴾: اسم موصول
стр. 11554
في محل الجر مضاف إليه. ﴿مَكَرُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصولة، والعائد: محذوف، تقديره: ما مكروه. ﴿وَحَاقَ﴾: فعل ماض معطوف على ﴿وقاه﴾. ﴿بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾: متعلق بـ ﴿حاق﴾، ﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾: فاعل ومضاف إليه. ﴿النَّارُ﴾: مبتدأ، ﴿يُعْرَضُونَ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة ونائب فاعل، والجملة الفعلية، في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة: مستأنفة ﴿عَلَيْهَا﴾: متعلق بـ ﴿يُعْرَضُونَ﴾، ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾: ظرفان متعلقان بـ ﴿يُعْرَضُونَ﴾، ﴿وَيَوْمَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿يَوْمَ﴾: منصوب على الظرفية الزمانية، متعلق بقول محذوف، تقديره: ويقال يوم تقوم الساعة، والقول المحذوف: مستأنف، وجملة ﴿تَقُومُ السَّاعَةُ﴾: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾. ﴿أَدْخِلُوا﴾: فعل أمر وفاعل، ﴿آلَ فِرْعَوْنَ﴾: مفعول به أول. ﴿أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾: مفعول به ثان، والجملة الفعلية: في محل الرفع نائب فاعل محكي للقول المحذوف.
﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ في النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧)﴾.
﴿وَإِذْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿إذ﴾: ظرف لما مضى من الزمان متعلق بمحذوف، تقديره: واذكر لقومك يا محمد قصة ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ﴾، والجملة المحذوفة: مستأنفة، ﴿يَتَحَاجُّونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذ﴾. ﴿في النَّارِ﴾: متعلق بـ ﴿يَتَحَاجُّونَ﴾. ﴿فَيَقُولُ﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفصيل. ﴿يقول الضعفاء﴾: فعل وفاعل والجملة: في محل الجر معطوفة على جملة ﴿يَتَحَاجُّونَ﴾، ﴿لِلَّذِينَ﴾: متعلق بـ ﴿يقول﴾، وجملة ﴿اسْتَكْبَرُوا﴾: صلة الموصول. ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه. ﴿كُنَّا﴾ فعل ماض ناقص واسمه. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿تَبَعًا﴾، ﴿تَبَعًا﴾ خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾: في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾: في محل النصب مقول ﴿يقول﴾. ﴿فَهَلْ﴾: الفاء عاطفة. ﴿هل﴾: حرف استفهام. ﴿أَنْتُمْ مُغْنُونَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة: في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إن﴾، ﴿عَنَّا﴾: متعلق بـ ﴿مُغْنُونَ﴾، ﴿نَصِيبًا﴾: منصوب بفعل محذوف دل عليه مغنون تقديره: هل أنتم دافعون عنا نصيبًا، كما مر في بحث التفسير. ﴿مِنَ النَّارِ﴾ صفة لـ ﴿نَصِيبًا﴾.
﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (٤٨) وَقَالَ
стр. 11555
الَّذِينَ في النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩)﴾.
﴿قَالَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة، وجملة ﴿اسْتَكْبَرُوا﴾: صلة ﴿الَّذِينَ﴾. ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه. ﴿كُلٌّ﴾: مبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة قصد العموم. ﴿فِيهَا﴾: جار ومجرور خبر ﴿كُلٌّ﴾، وجملة المبتدأ مع خبره: في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ ﴿إِنَّ اللهَ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿قَدْ حَكَمَ﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾ ﴿بَيْنَ الْعِبَادِ﴾: متعلق بـ ﴿حَكَمَ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ مسوقة لتعليل ما قبلها على كونها مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿قَالَ﴾ الأول، ﴿في النَّارِ﴾: جار ومجرور صلة ﴿الَّذِينَ﴾. ﴿لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿قَالَ﴾. ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾: فعل أمر وفاعل ومفعول به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿يُخَفِّفْ﴾: فعل مضارع مجزوم بالطلب السابق، وفاعله ضمير يعود على الرب ﷻ . ﴿عَنَّا﴾: متعلق بـ ﴿يُخَفِّفْ﴾، ﴿يَوْمًا﴾: ظرف متعلق بـ ﴿يُخَفِّفْ﴾ أيضًا ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾: صفة لمحذوف هو مفعول ﴿يُخَفِّفْ﴾؛ أي: يخفف عنا شيئًا من العذاب في يوم، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب الطلب.
﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا في ضَلَالٍ (٥٠)﴾.
﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة. ﴿أَوَلَمْ تَكُ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري التوبيخي، داخلة على محذوف دل عليه السياق، و ﴿الواو﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: ألم تنتهوا عن هذا ولم تك تأتيكم إلخ. والجملة المحذوفة: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿لَمْ﴾: حرف جزم، ﴿تَكُ﴾: فعل مضارع ناقص مجزوم، وعلامة جزمه السكون الظاهر على النون المحذوفة للتخفيف، واسمها: ضمير مستتر يعود على الرسل. ﴿تَأْتِيكُمْ﴾: فعل مضارع ومفعول به. ﴿رُسُلُكُمْ﴾: فاعل ﴿تَأْتِيكُمْ﴾ وقد تنازعه كل من ﴿تَكُ﴾ فأعطي فاعلًا للثاني وأضمر في الأول، ويجوز العكس. ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾: متعلق بـ ﴿تَأْتِيكُمْ﴾ وجملة ﴿تَأْتِيكُمْ﴾: في محل النصب خبر تك، وجملة تك معطوفة على الجملة المحذوفة. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿بَلَى﴾: حرف جواب لإثبات النفي نائب عن الجواب، تقديره: بلى أتتنا رسلنا فكذبنا، والجملة المحذوفة