الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فعلى هذا هو من كلام المأمورين بالعبادة؛ أي: ولما كان تعالى موصوفًا بصفات الجلال والعزّة .. استحق لذاته أن يقال له: الحمد لله رب العالمين، ويجوز أن يكون من كلامه تعالى، على أنه استئناف لحمد ذاته بذاته. اهـ "شهاب".
والمعنى: أي هو سبحانه الحيّ الذي لا يموت، وما سواه فمنقطع الحياة، غير دائمها, لا معبود بحق غيره، ولا تصلح الألوهية إلا له، فادعوه مخلصين له الطاعة، ولا تشركوا في عبادته شيئًا سواه من وثن أو صنم، ولا تجعلوا له ندًّا ولا عدلًا، ثمّ أمر عباده أن يحمدوه على جزيل نعمه، وجليل إحسانه فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾؛ أي: احمدوه سبحانه، فهو مالك جميع أصناف الخلق، من ملك وإنس وجن، لا الآلهة التي تعبدونها, ولا تملك لنفسها نفعًا ولا ضرًّا، فضلًا عن نفع غيرها وضرّه.
الإعراب
﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١)﴾.
﴿وَيَا قَوْمِ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿يَا قَوْمِ﴾: منادى مضاف معطوف على المنادى الأول. ﴿مَا﴾: اسم استفهام للاستفهام التعجبي في محل الرفع مبتدأ، ﴿لِي﴾: جار ومجرور خبره، والجملة الاسمية، في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب النداء. ﴿أَدْعُوكُمْ﴾: فعل مضارع ومفعول به وفاعل مستتر. ﴿إِلَى النَّجَاةِ﴾: متعلق بـ ﴿أَدْعُوكُمْ﴾ والجملة الفعلية: في محل النصب حال من ضمير ﴿لِي﴾. ﴿وَتَدْعُونَنِي﴾ ﴿الواو﴾: حالية. ﴿تدعونني﴾: فعل وفاعل ومفعول به مرفوع بثبات النون والنون الثانية للوقاية، و ﴿الياء﴾: مفعول به. ﴿إِلَى النَّارِ﴾: متعلق بـ ﴿تدعونني﴾، وهذه الجملة (١) مستأنفة أخبر عنهم بذلك بعد استفهامه عن دعائه لهم، ويجوز أن يكون التقدير: وما لكم تدعونني إلى النار، وهو الظاهر، ويضعف أن تكون الجملة حالًا؛ أي: ما لي أدعوكم إلى النجاة حال دعائكم إياي إلى النار. اهـ "سمين". وعبارة أبي السعود: ﴿مَا لِي أَدْعُوكُمْ﴾: ﴿مَا﴾: مبتدأ، والظرف بعدها خبر عنها، وجملة
стр. 11552
﴿أَدْعُوكُمْ ...﴾ إلخ. حال، والاستفهام المفاد بـ ﴿مَا﴾ تعجبي، ومدار التعجب: دعوتهم إياه إلى النار لا دعوته إياهم إلى النجاة، كأنه قال: أخبروني، كيف هذه الحال، أدعوكم إلى الخير وتدعونني إلى الشر؟!.
﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (٤٢)﴾.
﴿تَدْعُونَنِي﴾: فعل مضارع وفاعل ونون وقاية ومفعول به مرفوع بثبات النون، والجملة الفعلية: بدل من جملة ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ أو مستأنفة مسوقة لبيانها ﴿لِأَكْفُرَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل. ﴿أكفر﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام كي، وفاعله: ضمير مستتر يعود على المؤمن. ﴿بِاللهِ﴾: متعلق بـ ﴿أكفر﴾ والجملة الفعلية مع أن المضمرة: في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: تدعونني إلى كفري بالله، والدعاء يتعدى كالهداية بـ ﴿إلى﴾ وباللام. ﴿وَأُشْرِكَ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر معطوف على ﴿أكفر﴾ ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿أشرك﴾، و ﴿مَا﴾: مفعول به، ﴿لَيْسَ﴾: فعل ماض ناقص، و ﴿لِي﴾: خبرها المقدم، ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿عِلْمٌ﴾ و ﴿عِلْمٌ﴾: اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر، وجملة ﴿لَيْسَ﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة ﴿وَأَنَا﴾ ﴿الواو﴾: حالية. ﴿أنا﴾: ضمير المتكلم في محل الرفع مبتدأ. ﴿أَدْعُوكُمْ﴾: فعل مضارع ومفعول به وفاعل مستتر، والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: في محل النصب حال من ياء المتكلم في ﴿تَدْعُونَنِي﴾ أو معطوفة على ﴿تَدْعُونَنِي﴾، ﴿إِلَى الْعَزِيزِ﴾: متعلق بـ ﴿أَدْعُوكُمْ﴾، ﴿الْغَفَّارِ﴾ صفة لـ ﴿الْعَزِيزِ﴾.
﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيَا وَلَا في الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٤٣)﴾.
﴿لَا﴾: نافية لرد ما قبلها، كما مر في مبحث التفسير. ﴿جَرَمَ﴾: فعل ماض بمعنى حق ووجب. ﴿أَنَّمَا﴾: ﴿أن﴾: حرف نصب وتوكيد ومصدر. ﴿ما﴾: اسم موصول في محل النصب اسمها، فكان حقها أن تكتب مفصولة من النون، كما هو القاعدة: أن الموصولة مفصولة، والكافَّة متصلة بها لكنها رسمت في المصحف متصلةً بالنون؛ تبعًا للرسم العثماني. ﴿تَدْعُونَنِي﴾: فعل مضارع وفاعل ونون وقاية
стр. 11553
ومفعول به. ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿تَدْعُونَنِي﴾ وهو العائد إلى ﴿ما﴾ الموصولة، والجملة الفعلية: صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة. ﴿لَيْسَ﴾: فعل ماض ناقص، ﴿لَهُ﴾: خبرها مقدم، ﴿دَعْوَةٌ﴾: اسمها مؤخر، ﴿في الدُّنْيَا﴾: صفة لـ ﴿دَعْوَةٌ﴾. ﴿وَلَا في الْآخِرَةِ﴾: معطوف على ﴿في الدُّنْيَا﴾ وجملة ﴿لَيْسَ﴾: في محل الرفع خبر ﴿أَنَّ﴾، وجملة ﴿أن﴾: في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية لـ ﴿جَرَمَ﴾ تقديره: حق وثبت بطلان دعوة ما تدعونني إليه في الدنيا والآخرة. ﴿وَأَنَّ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿أَن﴾: حرف نصب. ﴿مَرَدَّنَا﴾: اسمها. ﴿إِلَى اللهِ﴾ خبرها، وجملة ﴿أَن﴾: معطوفة على جملة ﴿أَنَّمَا تَدْعُونَنِي﴾ على كونها في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية، تقديره: جرم بطلان دعوة ما تدعونني إليه، وكون مردنا إلى الله تعالى. ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ﴾ ناصب واسمه ﴿هُمْ﴾: ضمير فصل. ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾: خبره، وجملة ﴿أَن﴾: في تأويل مصدر معطوفة على ما قبله؛ أي: وحق كون المسرفين من أصحاب النار.
﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٤٤) فَوَقَاهُ الله سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾.
﴿فَسَتَذْكُرُونَ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم ما ذكرته لكم، وأردتم بيان عاقبتكم .. فأقول لكم، و ﴿السين﴾: حرف استقبال. ﴿تذكرون﴾: فعل وفاعل مرفوع بثبات النون ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به، والجملة الفعلية: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة: في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿أَقُولُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية: صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة والعائد: محذوف، تقديره: ما أقوله، ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به معطوف على ﴿تذكرون﴾، ﴿إِلَى اللهِ﴾. متعلق بـ ﴿أفوض﴾. ﴿إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ﴾: ناصب واسمه وخبره. ﴿بِالْعِبَادِ﴾: متعلق بـ ﴿بَصِيرٌ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها، على كونها مقول ﴿قال﴾. ﴿فَوَقَاهُ الله﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف يقتضيه السياق، تقديره: وقصدوا قتله فهرب منهم فوقاه الله، ﴿وقاه الله﴾: فعل ماض ومفعول به أول وفاعل معطوف على ذلك المحذوف. ﴿سَيِّئَاتِ﴾: مفعول به ثان ﴿سَيِّئَاتِ﴾: مضاف ﴿مَا﴾: اسم موصول
стр. 11554
في محل الجر مضاف إليه. ﴿مَكَرُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصولة، والعائد: محذوف، تقديره: ما مكروه. ﴿وَحَاقَ﴾: فعل ماض معطوف على ﴿وقاه﴾. ﴿بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾: متعلق بـ ﴿حاق﴾، ﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾: فاعل ومضاف إليه. ﴿النَّارُ﴾: مبتدأ، ﴿يُعْرَضُونَ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة ونائب فاعل، والجملة الفعلية، في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة: مستأنفة ﴿عَلَيْهَا﴾: متعلق بـ ﴿يُعْرَضُونَ﴾، ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾: ظرفان متعلقان بـ ﴿يُعْرَضُونَ﴾، ﴿وَيَوْمَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿يَوْمَ﴾: منصوب على الظرفية الزمانية، متعلق بقول محذوف، تقديره: ويقال يوم تقوم الساعة، والقول المحذوف: مستأنف، وجملة ﴿تَقُومُ السَّاعَةُ﴾: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾. ﴿أَدْخِلُوا﴾: فعل أمر وفاعل، ﴿آلَ فِرْعَوْنَ﴾: مفعول به أول. ﴿أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾: مفعول به ثان، والجملة الفعلية: في محل الرفع نائب فاعل محكي للقول المحذوف.
﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ في النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧)﴾.
﴿وَإِذْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿إذ﴾: ظرف لما مضى من الزمان متعلق بمحذوف، تقديره: واذكر لقومك يا محمد قصة ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ﴾، والجملة المحذوفة: مستأنفة، ﴿يَتَحَاجُّونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذ﴾. ﴿في النَّارِ﴾: متعلق بـ ﴿يَتَحَاجُّونَ﴾. ﴿فَيَقُولُ﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفصيل. ﴿يقول الضعفاء﴾: فعل وفاعل والجملة: في محل الجر معطوفة على جملة ﴿يَتَحَاجُّونَ﴾، ﴿لِلَّذِينَ﴾: متعلق بـ ﴿يقول﴾، وجملة ﴿اسْتَكْبَرُوا﴾: صلة الموصول. ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه. ﴿كُنَّا﴾ فعل ماض ناقص واسمه. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿تَبَعًا﴾، ﴿تَبَعًا﴾ خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾: في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾: في محل النصب مقول ﴿يقول﴾. ﴿فَهَلْ﴾: الفاء عاطفة. ﴿هل﴾: حرف استفهام. ﴿أَنْتُمْ مُغْنُونَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة: في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إن﴾، ﴿عَنَّا﴾: متعلق بـ ﴿مُغْنُونَ﴾، ﴿نَصِيبًا﴾: منصوب بفعل محذوف دل عليه مغنون تقديره: هل أنتم دافعون عنا نصيبًا، كما مر في بحث التفسير. ﴿مِنَ النَّارِ﴾ صفة لـ ﴿نَصِيبًا﴾.
﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (٤٨) وَقَالَ
стр. 11555
الَّذِينَ في النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩)﴾.
﴿قَالَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة، وجملة ﴿اسْتَكْبَرُوا﴾: صلة ﴿الَّذِينَ﴾. ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه. ﴿كُلٌّ﴾: مبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة قصد العموم. ﴿فِيهَا﴾: جار ومجرور خبر ﴿كُلٌّ﴾، وجملة المبتدأ مع خبره: في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ ﴿إِنَّ اللهَ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿قَدْ حَكَمَ﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾ ﴿بَيْنَ الْعِبَادِ﴾: متعلق بـ ﴿حَكَمَ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ مسوقة لتعليل ما قبلها على كونها مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿قَالَ﴾ الأول، ﴿في النَّارِ﴾: جار ومجرور صلة ﴿الَّذِينَ﴾. ﴿لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿قَالَ﴾. ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾: فعل أمر وفاعل ومفعول به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿يُخَفِّفْ﴾: فعل مضارع مجزوم بالطلب السابق، وفاعله ضمير يعود على الرب ﷻ . ﴿عَنَّا﴾: متعلق بـ ﴿يُخَفِّفْ﴾، ﴿يَوْمًا﴾: ظرف متعلق بـ ﴿يُخَفِّفْ﴾ أيضًا ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾: صفة لمحذوف هو مفعول ﴿يُخَفِّفْ﴾؛ أي: يخفف عنا شيئًا من العذاب في يوم، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب الطلب.
﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا في ضَلَالٍ (٥٠)﴾.
﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة. ﴿أَوَلَمْ تَكُ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري التوبيخي، داخلة على محذوف دل عليه السياق، و ﴿الواو﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: ألم تنتهوا عن هذا ولم تك تأتيكم إلخ. والجملة المحذوفة: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿لَمْ﴾: حرف جزم، ﴿تَكُ﴾: فعل مضارع ناقص مجزوم، وعلامة جزمه السكون الظاهر على النون المحذوفة للتخفيف، واسمها: ضمير مستتر يعود على الرسل. ﴿تَأْتِيكُمْ﴾: فعل مضارع ومفعول به. ﴿رُسُلُكُمْ﴾: فاعل ﴿تَأْتِيكُمْ﴾ وقد تنازعه كل من ﴿تَكُ﴾ فأعطي فاعلًا للثاني وأضمر في الأول، ويجوز العكس. ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾: متعلق بـ ﴿تَأْتِيكُمْ﴾ وجملة ﴿تَأْتِيكُمْ﴾: في محل النصب خبر تك، وجملة تك معطوفة على الجملة المحذوفة. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿بَلَى﴾: حرف جواب لإثبات النفي نائب عن الجواب، تقديره: بلى أتتنا رسلنا فكذبنا، والجملة المحذوفة
стр. 11556
في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾، ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة. ﴿فَادْعُوا﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا كان الأمر كذلك، وأردتم بيان جزائكم .. فأقول لكم: ادعوا ﴿ادعوا﴾: فعل أمر وفاعل، والجملة: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾: ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة: ﴿ما﴾: نافية. ﴿دُعَاءُ الْكَافِرِينَ﴾: مبتدأ ومضاف إليه. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿في ضَلَالٍ﴾: خبر المبتدأ، والجملة: في محل النصب معطوفة على جملة ﴿فَادْعُوا﴾.
﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾.
﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه. ﴿لَنَنْصُرُ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء ﴿ننصر﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله. ﴿رُسُلَنَا﴾: مفعول به ﴿وَالَّذِينَ﴾: معطوف على ﴿رُسُلَنَا﴾، وجملة ﴿ننصر﴾: في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ضياع دعائهم، وجملة ﴿آمَنُوا﴾: صلة الموصول. ﴿في الْحَيَاةِ﴾: متعلق بـ ﴿ننصر﴾ ﴿الدُّنْيَا﴾ صفة لـ ﴿الْحَيَاةِ﴾. ﴿وَيَوْمَ﴾: ظرف معطوف على ﴿في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ أي: لننصرنهم في الحياة الدنيا وفي يوم يقوم الأشهاد، وجملة ﴿يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ من الفعل والفاعل: في محل الجر مضاف إليه ﴿يَوْمَ﴾: بدل من ﴿يَوْمَ﴾ قبله، ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يَنْفَعُ﴾: فعل مضارع ﴿الظَّالِمِينَ﴾: مفعول به، ﴿مَعْذِرَتُهُمْ﴾: فاعل، والجملة الفعلية: في محل الجر مضاف إليه. لـ ﴿يوم﴾ ﴿وَلَهُمُ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لَهُمُ﴾: خبر مقدم. ﴿اللَّعْنَةُ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة: في محل الجر معطوفة على جملة ﴿لَا يَنْفَعُ﴾. ﴿اللَّعْنَةُ﴾: خبر مقدم. ﴿سُوءُ الدَّارِ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة: معطوفة على ما قبلها.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (٥٣) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٥٤) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٥٥)﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿آتَيْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿مُوسَى﴾: مفعول أول. ﴿الْهُدَى﴾: مفعول ثان،
стр. 11557
والجملة: جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم، مستأنفة مسوقة لإيراد نموذج عظيم من نماذج النصر الذي وعد الله أنبياءه في الدنيا. ﴿وَأَوْرَثْنَا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿آتَيْنَا﴾، ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: مفعول أول، ﴿الْكِتَابَ﴾: مفعول ثان. ﴿هُدًى وَذِكْرَى﴾: منصوبان على أنهما مفعولان لأجله؛ أي: لأجل الهدى والذكرى، أو على أنهما مصدران في موضع الحال ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بذكرى أو صفة له. ﴿فَاصْبِرْ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت وعد الله النصر لأنبيائِهِ، وأردت بيان ما هو اللازم لك .. فأقول لك: ﴿اصبر﴾، ﴿اصبر﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، ﴿إِنَّ وَعْدَ اللهِ﴾: ناصب واسمه، ﴿حَقٌّ﴾: خبره، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل الأمر بالصبر. ﴿وَاسْتَغْفِرْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر معطوف على ﴿اصبر﴾ ﴿لِذَنْبِكَ﴾: متعلق بـ ﴿استغفر﴾، ﴿وَسَبِّحْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر معطوف أيضًا على ﴿اصبر﴾ ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾: حال من فاعل ﴿سبح﴾، ﴿بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ متعلق بـ ﴿سبح﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ في آيَاتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ في صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦)﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: ناصب واسمه. وجملة ﴿يُجَادِلُونَ﴾: صلة الموصول. ﴿في آيَاتِ اللهِ﴾: متعلق بـ ﴿يُجَادِلُونَ﴾: ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من فاعل ﴿يُجَادِلُونَ﴾ تقديره: حال كونهم غير مستندين في جدالهم إلى حجة، وجملة ﴿أَتَاهُمْ﴾ صفة ﴿سُلْطَانٍ﴾ ﴿إِنْ﴾: نافية، ﴿في صُدُورِهِمْ﴾: خبر مقدم، ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿كِبْرٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل الرفع خبر ﴿إِنْ﴾ وجملة ﴿إِنْ﴾: مستأنفة. ﴿مَا﴾: حجازية ﴿هُمْ﴾: في محل الرفع اسمها. ﴿بِبَالِغِيهِ﴾: ﴿الباء﴾: زائدة في خبر ﴿مَا﴾ الحجازية. ﴿بالغيه﴾: خبر ﴿ما﴾ الحجازية، وجملة ﴿مَا﴾ الحجازية: في محل الرفع صفة لـ ﴿كِبْرٌ﴾. ﴿فَاسْتَعِذْ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت حال المجادلين، وأردت بيان ما هو الأصلح له .. فأقول لك: ﴿استعذ بالله﴾ ﴿استعذ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر ﴿بِاللهِ﴾: متعلق بـ ﴿استعذ﴾
стр. 11558
والجملة: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة: مستأنفة. ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه. ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل، ﴿السَّمِيعُ﴾: خبر أول لها، ﴿الْبَصِيرُ﴾: خبر ثان، وجملة ﴿إِنَّ﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧) وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ (٥٨) إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٩)﴾.
﴿لَخَلْقُ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿خلق السموات﴾: مبتدأ ومضاف إليه، ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ ﴿أَكْبَرُ﴾: خبره، والجملة الاسمية: مستأنفة. ﴿مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾: متعلق بـ ﴿أَكْبَرُ﴾، ﴿وَلَكِنَّ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لكن﴾: حرف نصب واستدراك. ﴿أَكْثَرَ النَّاسِ﴾: اسمها، وجملة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾: خبرها، والجملة الاستدراكية: معطوفة على الجملة التي قبلها، أو في محل النصب حال، ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿ما﴾: نافية. ﴿يَسْتَوِي الْأَعْمَى﴾: فعل وفاعل. ﴿وَالْبَصِيرُ﴾: معطوف على ﴿الْأَعْمَى﴾، والجملة الفعلية: معطوفة على الجملة التي قبلها، أو مستأنفة، ﴿وَالَّذِينَ﴾: معطوف على ﴿الْأَعْمَى﴾، ﴿آمَنُوا﴾: صفة ﴿الَّذِينَ﴾، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: معطوف على ﴿آمَنُوا﴾، ﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لا﴾: زائدة للتوكيد. ﴿الْمُسِيءُ﴾: معطوف على ﴿الْأَعْمَى﴾. ﴿قَلِيلًا﴾: مفعول مطلق أو ظرف زمان؛ لأنه صفة مصدر أو ظرف محذوف؛ أي: تذكرًا قليلًا، أو زمانًا قليلًا، ﴿مَا﴾ زائدة لتأكيد القلة. ﴿تَتَذَكَّرُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿إِنَّ السَّاعَةَ﴾: ناصب واسمه. ﴿لَآتِيَةٌ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء. ﴿آتية﴾: خبره، والجملة: مستأنفة. ﴿لَا﴾ نافية. ﴿رَيْبَ﴾: في محل النصب اسمها. ﴿فِيهَا﴾: جار ومجرور خبر ﴿لَا﴾، وجملة ﴿لَا﴾ في محل الرفع خبر ثان لـ ﴿إن﴾ ﴿وَلَكِنَّ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة أو حالية، ﴿لكنَّ﴾: حرف نصب واستدراك ﴿أَكْثَرَ النَّاسِ﴾: اسمها، وجملة ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾: خبرها، وجملة ﴿لكن﴾: معطوفة أو حالية كما سبق.
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠) الله الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ
стр. 11559
اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١)﴾.
﴿وَقَالَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿قَالَ رَبُّكُمُ﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة. ﴿كَلِمَتُ﴾: فعل أمر وفاعل ونون وقاية. ومفعول به، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَسْتَجِبْ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر مجزوم بالطلب السابق. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب الطلب. ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾: صلة ﴿الَّذِينَ﴾، ﴿عَنْ عِبَادَتِي﴾ متعلق بـ ﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾، ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به على السعة. ﴿دَاخِرِينَ﴾: حال، والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ ﴿الله الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر، والجملة: مستأنفة. ﴿جَعَلَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر، والجملة: صلة الموصول، ﴿لَكُمُ﴾: متعلق بـ ﴿جَعَلَ﴾؛ لأنه بمعنى خلق، ﴿اللَّيْلَ﴾: مفعول به، ﴿لِتَسْكُنُوا﴾ ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل. ﴿تسكنوا﴾: فعل مضارع وفاعل منصوب بأن مضمرة بعد لام كي. ﴿فِيهِ﴾: متعلق بـ ﴿تسكنوا﴾ والجملة: في تأويل مصدر مجرور باللام، الجار والمجرور بدل من الجار والمجرور في قوله: ﴿لَكُمُ﴾، ﴿فِيهِ﴾: متعلق بـ ﴿تسكنوا﴾، ﴿وَالنَّهَارَ﴾: معطوف على ﴿اللَّيْلَ﴾. ﴿مُبْصِرًا﴾: حال من ﴿النهار﴾. ﴿إِنَّ اللهَ﴾: ناصب واسمه ﴿لَذُو فَضْلٍ﴾: خبره، و ﴿اللام﴾: حرف ابتداء. ﴿عَلَى النَّاسِ﴾: متعلق بـ ﴿فَضْلٍ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿لَا يَشْكُرُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿لكن﴾: معطوفة على جملة ﴿إِنَّ﴾.
﴿ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢) كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ (٦٣)﴾.
﴿ذَلِكُمُ الله﴾: مبتدأ وخبر أول، والجملة: مستأنفة. ﴿رَبُّكُمْ﴾: خبر ثان. ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾: خبر ثالث، وجملة ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: خبر رابع. ﴿فَأَنَّى﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية أو عاطفة، ﴿أنى﴾: اسم استفهام بمعنى كيف، في محل النصب على الحال مبني على السكون. ﴿تُؤْفَكُونَ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة ونائب فاعل، والجملة: مستأنفة مسوقة لإفادة التعجب من حالهم، أو معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿كَذَلِكَ﴾: صفة لمصدر محذوف؛ أي: إفكًا مثل إفك هؤلاء
стр. 11560
المشركين. ﴿يُؤْفَكُ الَّذِينَ﴾: فعل مضارع ونائب فاعل، والجملة: مستأنفة. ﴿كَانُوا﴾: فعل ماض ناقص واسمه. ﴿بِآيَاتِ اللهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَجْحَدُونَ﴾ وجملة ﴿يَجْحَدُونَ﴾: خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾: صلة الموصول.
﴿الله الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ الله رَبُّ الْعَالَمِينَ (٦٤) هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾.
﴿الله الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر، والجملة: مستأنفة، ﴿جَعَلَ﴾: فعل ماض بمعنى صير، وفاعل مستتر. ﴿لَكُمُ﴾: حال من ﴿قَرَارًا﴾. ﴿الْأَرْضَ﴾: مفعول أول، ﴿قَرَارًا﴾: مفعول ثان، والجملة الفعلية: صلة ﴿الَّذِي﴾، ﴿وَالسَّمَاءَ﴾: معطوف على ﴿الْأَرْضَ﴾، ﴿بِنَاءً﴾: مفعول ثان. ﴿وَصَوَّرَكُمْ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به معطوف على ﴿جَعَلَ﴾، ﴿فَأَحْسَنَ﴾ عطف على صوركم ﴿صُوَرَكُمْ﴾ مفعول به ﴿وَرَزَقَكُمْ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به معطوف على ﴿جَعَلَ﴾ ﴿مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾: متعلق بـ ﴿رزقكم﴾. ﴿ذَلِكُمُ الله﴾: مبتدأ وخبر أول. ﴿رَبُّكُمْ﴾: خبر ثان، والجملة: مستأنفة. ﴿فَتَبَارَكَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة أو استئنافية. ﴿تبارك الله﴾: فعل وفاعل. ﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾: نعت للجلالة، والجملة الفعلية: مستأنفة أو معطوفة على الجملة الاسمية. ﴿هُوَ الْحَيُّ﴾: مبتدأ وخبر أول، والجملة: مستأنفة، وجملة ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: خبر ثان ﴿فَادْعُوهُ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم ما ذكر من الصفات لله تعالى، وأردتم بيان ما هو اللازم لكم .. فأقول لكم: ﴿ادعوه﴾ ﴿ادعوه﴾: فعل أمر وفاعل ومفعول به. ﴿مُخْلِصِينَ﴾: حال من فاعل ﴿ادعوه﴾. ﴿لَهُ﴾: متعلق بـ ﴿مُخْلِصِينَ﴾، ﴿الدِّينَ﴾: مفعول لـ ﴿مُخْلِصِينَ﴾، والجملة الفعلية: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة: مستأنفة. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: مبتدأ وخبر. ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: نعت للفظ الجلالة، والجملة الاسمية: في محل النصب مقول لقول محذوف، حال من فاعل ﴿ادعوه﴾ تقديره: فادعوه مخلصين له الدين حال كونكم قائلين: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
стр. 11561
التصريف ومفردات اللغة
﴿إِلَى النَّجَاةِ﴾؛ أي: إلى الإيمان بالله، الذي ثمرته وعاقبته النجاة. ﴿إلى النار﴾؛ أي: إلى اتخاذ الأنداد والأوثان الذي عاقبته النار. ﴿أَدْعُوكُمْ﴾ أصله: أدعوكم بوزن أفعل سكنت الواو لوقوعها بعد ضَمة فصارت حرف مَدّ ﴿النجاة﴾ أصله: النجوة، بوزن فعلة كالدعوة، نقلت حركة الواو إلى الجيم، ثم قلبت الواو ألفًا؛ لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها الآن. ﴿تَدْعُونَنِي﴾ أصله: تدعوونني، حذفت الضمة التي على الواو تخفيفًا، ثم حذفت الواو لالتقاء الساكنين، فوزنه تفعونني. ﴿مَرَدَّنَا﴾ أصله مرددنا، نقلت حركة الدال الأولى إلى الراء فسكنت، ثم أدغمت في الدال الثانية. ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي﴾ قال في "القاموس": فوض إليه الأمر: رده إليه. انتهى. وحقيقة التفويض: تعطيل الإرادة في تدبير الله تعالى كما في "عين المعاني".
﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ﴾؛ أي: الذين يغلب شرهم على خيرهم. ﴿فَوَقَاهُ الله﴾ فيه إعلال بالقلب، أصله: وفيه، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ ومعنى عرضهم على النار: إحراق أرواحهم وتعذيبهم بها من قولهم: عرض الأسارى على السيف: إذا قتلوا به. قال في "القاموس": عرض القوم على السيف: قتلهم، وعلى السوط: ضربهم. ﴿غُدُوًّا﴾ وزنه فعول، أصله: غدووًا، أدغمت واو فعول في واو لام الكلمة. ﴿وَعَشِيًّا﴾ لامه واو، أصله: عشيو، اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما ساكنة فقلبت الواو ياءً وأدغمت فيها الياء.
﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ﴾ أصله: يتحاججون، سكنت الجيم الأولى وأدغمت في الثانية، والتحاج بالتشديد: التخاصم كالمحاجة. ﴿مُغْنُونَ﴾ أصله: مغنيون، استثقلت الضمة على الياء فحذفت، فلما سكنت .. التقى ساكنان، فحذفت الياء وضمت النون لمناسبة الواو. ﴿تَبَعًا﴾: جمع تابع، كخدم جمع خادم، قال في "القاموس": التبع: محركة التابع يكون واحدًا وجمعًا؛ أي: أتباعًا في كل حال، خصوصًا فيما دعوتمونا إليه من الشرك والتكذيب، أو مصدر وصف به. ﴿نَصِيبًا﴾ وهو الحظ المنصوب؛ أي: المعين كما في "المفردات". ﴿لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ جمع خازن، والخزن: حفظ الشيء في الخزانة، ثم يعبر به عن كل حفظ، كحفظ السر
стр. 11562
ونحوه. قاله الراغب. ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾: جمع شاهد، مثل صاحب وأصحاب. قال النحاس: ليس لباب فاعل أن يجمع على أفعال ولا يقاس عليه، ولكن ما جاء فيه مسموعًا أدي على ما سمع فهو على هذا جمع شهيد مثل شريف وأشراف. ﴿مَعْذِرَتُهُمْ﴾ والمعذرة: بمعنى العذر. ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ أصله: أتيهم قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح.
﴿فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ أصله: استعوذ، بوزن استفعل، نقلت حركة الواو إلى العين فسكنت، فالتقت ساكنةً، مع الذال آخر الفعل المسكن لبناء الأمر، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين. ﴿الْمُسِيءُ﴾ أصله: المسوىء، بوزن الفعل، نقلت حركة الواو إلى السين فسكنت إثر كسرة فقلبت ياءً حرف مد. ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فيه إعلال بالنقل والتسكين والحذف، أصله: أستجوب: فعل مضارع مرفوع بالضمة، ثم وقع جوابًا للأمر فجزم بالسكون، ثم نقلت حركة الواو إلى الجيم فسكنت فالتقى ساكنان فحذفت الواو، فوزنه استفل. ﴿دَاخِرِينَ﴾: اسم فاعل من دخر كمنع وفرح إذا صغر وذل. وفي "المصباح": دخر الشخص يدخر بفتحتين دخورًا: ذل وهان؛ وأدخرته بالألف لتعدية.
﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ السماء، أصله: السماو من السمو، والهمزة: مبدلة من واو لتطرفها إثر ألف زائدة، وكذلك قوله: ﴿بِنَاءً﴾: أصله: بناو؛ لأنك تقول: بنيت البنيان، أبدلت الياء همزةً لتطرفها إثر ألف زائدة. ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ﴾ قال الراغب: الأفك كل مصروف عن وجهه الذي يحق أن يكون عليه، ومنه قيل للرياح العادلة عن المهاب: المؤتفكات.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: تكرير نداء قومه في قوله: ﴿يَا قَوْمِ﴾؛ مبالغة في التنبيه والتحدي وقرع العصا وإمحاض النصيحة لهم، والإيقاظ من سنة الغفلة.
ومنها: الإتيان بالواو في النداء الثالث دون الثاني, لأن النداء الثاني بمثابة بيان للأول، وتفسير له، فأعطي حكمه في عدم دخول الواو عليه، وأما الثالث:
стр. 11563
فداخل على كلام ليس بتلك المثابة.
ومنها: الاستفهام التوبيخي في قوله: ﴿مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ﴾.
ومنها: الطباق بين ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾، وبين الأعمى، والبصير في قوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩)﴾ وفيه الاستعارة اللطيفة: استعار ﴿الْأَعْمَى﴾ للكافر ﴿وَالْبَصِيرُ﴾ للمؤمن.
ومنها: المقابلة بين ﴿الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ وبين ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ﴿والمسيء﴾.
فائدة: واعلم: أن التقابل يجيء على ثلاث طرق:
إحداها: أن يجاور المناسب ما يناسبه كهذه الآية.
والثانية: أن يتأخر المتقابلان، كقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾.
والثالثة: أن يقدم مقابل الأول ويؤخر مقابل الآخر، كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠)﴾ وكل ذلك تفنن في البلاغة، وقدم ﴿الْأَعْمَى﴾ في نفي التساوي؛ لمجيئه بعد صفة الذم في قوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ كما مر اهـ "سمين".
ومنها: وضع الظاهر موضع المضمر في قوله: ﴿لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ لإفادة التهويل والتفظيع, لأن مقتضى السياق أن يقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ في النَّارِ﴾ لخزنتها، والتفخيم فيه من وجهين:
أحدهما: وضع الظاهر موضع المضمر.
والثاني: ذكره وهو شيء واحد بظاهر غير الأول أفظع منه, لأن جهنم أفظع من النار إذ النار مطلقة وجهنم أشدها.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾ لأن الايراث الحقيقي إنما يتعلق بالمال، فلما تعذّر حمله على معناه هنا .. أريد به الترك مجازًا كما مر، فاستعير الإيراث للترك ثم اشتق من الإيراث بمعنى الترك، وأورثنا بمعنى تركنا على طريقة الاستعارة التصريحية التبعية.
ومنها: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في قوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ على
стр. 11564
قراءة التاء الفوقانية, لأن ما قبله وما بعده على الغيبة، وفائدة الالتفات في مقام التوبيخ: هي إظهار العنف الشديد والإنكار البليغ، كما في "الكرخي" وغيره.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿ادْعُونِي﴾ لأن الدعاء مجاز عن العبادة، علاقته السببية, لأن الدعاء سبب العبادة.
ومنها: الإسناد المجازي في قوله: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ فقد أسند الإبصار إلى النهار, لأنه يبصر فيه، ولأن الإبصار في الحقيقة لأهل النار.
ومنها: وضع الظاهر موضع المضمر في قوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ فقد كان السياق يقتضي أن يقول: ولكن أكثرهم لا يشكرون، فلا يتكرر ذكر الناس، ولكن في هذا التكرار تخصيصًا لكفران النعمة بهم، وأنهم هم المتميزون بهذه الصفة المستولية على الطباع, تتوالى عليهم النعم وتترادف الآلاء, وهم مصرون على الجحود والكفران, وكان ذلك شأن الإنسان وخاصته.
ومنها: الجناس الناقص في قوله: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾.
ومنها: التأكيد بأن واللام في قوله: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ لأن المخاطبين هنا هم الكفار وهم منكرون، وجرد في طه عن اللام حيث قال: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ﴾؛ لكون المخبر ليس بشاك في الخبر كما مر.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
والكمال .. أمر رسوله ﷺ أن يخبرهم بأنه نهى عن عبادة غيره، وأورد ذلك بألين قول وألطفه، ليصرفهم عن عبادة الأوثان، ثم بين أن سبب النهي هو البينات التي جاءته، إذ قد ثبت بصريح العقل أن إله العالم الذي تجب عبادته هو الموصوف بصفات العظمة لا الأحجار المنصوبة والخشب المصورة، ثم ذكر أنه بعد أن نهى عن عبادة غيره أمر بعبادته تعالى، وقد ذكر من الأدلة على وجوده خلق الأنفس على أحسن الصور ورزقها من الطيبات، ثم تكوين الجسم من ابتداء كونه نطفةً وجنينًا إلى الشيخوخة ثم الموت.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ في آيَاتِ اللهِ ...﴾ الآيات، وهذه الآيات عود على بدء بالتعجيب من أحوال المجادلين الشنيعة، وآرائهم الفاسدة، والتمهيد لما يعقبه من بيان تكذيبهم بالقرآن وبسائر الكتب والشرائع، وترتيب الوعيد على ذلك.
قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنه لما كان الكلام من أول السورة إلى هنا في تزييف طرق المجادلين في آيات الله تعالى .. أمر هنا رسوله بالصبر على أذاهم وتكذيبهم، فإن الله سبحانه سينجز له ما وعده من النصر والظفر على قومه، ويجعل العاقبة له ولمن اتبعه من المؤمنين في الدنيا والآخرة.
قوله تعالى: ﴿الله الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما أوعد المبطلين، وبالغ في ذلك بما فيه العبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .. عاد إلى ذكر الدلائل على وجوده ووحدانيته، بذكر نعمة من نعمه التي لا تحصى، ثم لفت أنظارهم إلى ما يحيط بهم من أدلة هم عنها معرضون.
قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا في الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما أطال الكلام في هذه السورة في توبيخ الذين يجادلون في آيات الله طلبًا للرياسة والجاه، والحصول على المال، وكسب حظوظ الدنيا .. ختمها بتهديدهم، وأبان أن هذه الدنيا فانية ذاهبة، فما فيها من مال وجاه ظل زائل لا يغني عنهم من الله شيئًا، وقد ضرب لهم المثل بمن كانوا قبلهم ممن كانوا أكثر
стр. 11567
منهم عددًا، وأشد قوةً وآثارًا في الأرض، فلم ينفعهم شيء من ذلك حين حل بهم بأس الله، ثم ذكر أن المكذبين حين رأوا العباس، تركوا الشرك وآمنوا بالله وحده، وأنى لهم ذلك، هيهات هيهات فذلك لا يجديهم فتيلًا ولا قطميرًا، سنة الله في عباده أن لا ينفع الإيمان حين حلول العذاب، وأحاط بهم، وما أحسن قول بعضهم:
صَاحِ هَلْ رَيْتَ أَوْ سَمِعْتَ بِرَاعٍ ... رَدَّ فِيْ الضَّرْعِ مَا قَرَى فِيْ الْحِلاَبِ
أَسباب النزول
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه جويبر عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة قالا: يا محمد، ارجع عما تقول وعليك بدين آبائك وأجدادك، فأنزل الله سبحانه: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ ...﴾ الآية.
التفسير وأوجه القراءة
٦٦ - ﴿قُلْ﴾ يا محمد لمشركي مكة حين قالوا لك: ارجع إلى دين آبائك: ﴿إِنِّي نُهِيتُ﴾ وزجرت ومنعت، من النهي، وهو طلب الترك ﴿أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ وتعبدون ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ ؛ أي: منعت من عبادة الأصنام والأوثان التي تعبدونها من دون الله تعالى ﴿لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ﴾؛ أي: حين جاءني الأدلة الواضحة، والبراهين القاطعة، الدالة على وحدانيته تعالى: ﴿مِنْ رَبِّي﴾ فإنها توجب التوحيد؛ أي: منعني ربي من الإشراك وقت مجيء الآيات القرآنية من ربي، وذلك (١) لأنه لا نهي ولا وجوب عند أهل السنة إلا بعد ورود الشرع، ويجوز أن يقال: كان منهيًا عن عبادتها عقلًا بحسب دلالة الشواهد على التوحيد، فأكد النهي بالشرع، ويجوز أنه نهي له ﷺ ، والمراد: غيره. وفي قوله: ﴿مِنْ رَبِّي﴾ إشارة إلى أن دلائل التوحيد، وشواهد أنوار الحقيقة لا تطلع إلا من مطلع الهداية الأزلية، ولكن ينبغي للملتمسين أن يتوجهوا إلى ذلك الجانب بالإعراض عن السوى وترك أصنام البدع والهوى.
стр. 11568
وفي "الخطيب" (١): لما أورد على المشركين تلك الأدلة، الدالة على إثبات إله العالم .. أمره بقوله: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ﴾ إلخ؛ أي: قل لهؤلاء الذين يجادلونك في ألبعث، مقابلًا لانكارهم بالتوكيد ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ﴾؛ أي: نهيًا عامًا ببراهين العقول، ونهيًا خاصًا بأدلة النقل، أن أعبد الذين تعبدون من دون الله حين جاءني البينات من ربي؛ أي: دلائل التوحيد العقلية والنقلية. اهـ.
وخلاصة المعنى (٢): أي قل أيها الرسول لمشركي قومك من قريش وغيرهم: إني نهيت أن أعبد ما تعبدون من دون الله من وثن أو صنم، حين جاءتني الأدلة من عند ربي، وهي آيات الكتاب الذي أنزله علي، وهي مؤيدة لأدلة العقل، ومنبهة لها، وجملة ذلك: أن الايات التنزيلية مفسرات للآيات التي في الأكوان والأنفس.
ولما بين أنه نهى عن عبادة غير الله تعالى .. أردف ذلك بأنه أمر بعبادته تعالى فقال: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: أمرت بأن أنقاد أو أخلص، فالأول على أن يكون ﴿أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ من قولم: أسلم أمره إلى الله؛ أي: سلم وفوض، وذلك إنما يكون بالرضا والانقياد لحكمه، والثاني مفعول ﴿أُسْلِمَ﴾ محذوفًا؛ أي: أمرت أن أسلم أمري أو أخلص توحيدي وطاعتي له. اهـ "زاده"؛ أي: أمرت بالانقياد والخضوع أو بالإخلاص له.
قال في "برهان القرآن": مدح سبحانه نفسه وختم ثلاث آيات على التوالي بقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وليس له في القرآن نظير.
٦٧ - ثم ذكر من الدلائل على وجوده تعالى تكوين الإنسان من ابتداء النطفة إلى وقت الشيخوخة، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ ...﴾ وعبارة زاده هنا: لما استدل على ثبوت الإله ووجوده بأربع من دلائل الآفاق، وهي الليل والنهار، والأرض والسماء، وبثلاث من دلائل الأنفس، وهي التصوير وحسن الصورة، ورزق الطيبات .. ذكر من دلائل الأنفس كيفية تكون البدن من ابتداء كونه نطفة إلى آخر الشيخوخة والموت، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ الخ. انتهى.
أي: هو الإله الذي خلقكم وأوجدكم يا بني آدم ﴿مِنْ تُرَابٍ﴾؛
стр. 11569
أي: في ضمن خلق أبيكم آدم من تراب؛ أي: خلق أباكم الأول - وهو آدم - من تراب وخلقه من تراب، يستلزم خلق ذريته منه. ﴿ثُمَّ﴾ خلقكم خلقًا تفصيليًا ﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾؛ أي: من منى، قال الراغب: النطفة: الماء الصافي، ويعبر بها عن ماء الرجل؛ أي: ماء الصلب يوضع في الرحم. كما قال ابن سينا:
لَا تُكْثِرَنَّ مِنَ الْجِمَاعِ فَإِنَّهُ ... مَاءُ الحَيَاةِ يُصَبُّ فِيْ الأَرْحَامِ
والمعنى: خلق أصلكم آدم من تراب، ثم خلقكم من نطفة نسلًا بعد نسل، أو خلق كل واحد منكم من التراب، بمعنى أن كل إنسان مخلوق من المني، وهو من الدم، وهو من الأغذية الحيوانية والنباتية، والحيوانية لا بد أن تنتهي إلى النباتية، وإلا لزم أن يتسلسل الحيوانيات إلى غير النهاية، والنبات إنما يتولد من الماء والتراب، أو خلق قالبكم في بدء أمركم من الذرة الترابية، التي استخرجها من صلب آدم، ثم أودعها في قطرة نطفة بنيه.
﴿ثُمَّ﴾ خلقكم ﴿مِنْ عَلَقَةٍ﴾ وهي الدم الجامد، لأن المني يصير على هذا الشكل بعد أربعين يومًا في بطن الأم. ﴿ثُمَّ﴾ خلقكم مضغة مخلقة وغير مخلقة، ثم ﴿يُخْرِجُكُمْ﴾ من بطون أمهاتكم حالة كونكم ﴿طِفْلًا﴾؛ أي: أطفالًا صغارًا، حال من الكاف في ﴿يُخْرِجُكُمْ﴾ ولما كانت الحال مفردة، وصاحبها جمعًا، وهذا لا يسوغ .. أولناها بالجمع ليحصل التطابق، وأفرده هنا؛ لكونه اسم جنس وضع موضع الجمع؛ أي: الأطفال، أو المعنى: ثم يخرج كل واحد منكم من رحم الأم حال كونه طفلًا، لتكبروا شيئًا فشيئًا. ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾؛ أي: كمالكم في القوة والعقل، قال في "القاموس": الأشد واحد، جاء علي بناء الجمع بمعنى القوة، وهو ما بين ثماني عشرة إلى ثلاثين. وفي "كشف الأسرار": يقال: إذا بلغ الإنسان إحدى وعشرين سنة .. دخل في الأشد، وذلك حين اشتد عظامه، وقويت أعضاؤه ﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾؛ أي: تصيروا إلى حالة الشيخوخة، والشيخ: يقال لمن طعن في السنن، واستبانت فيه، أو من خمسين أو إحدى وخمسين إلى آخر عمره، أو إلى ثمانين. كما في "القاموس".
قال في "كشف الأسرار" يقال: إذا ظهر البياض بالإنسان .. فقد شاب. وإذا دخل في الهرم .. فقد شاخ. قال الشاعر:
стр. 11570
وَمَنْ عَاشَ شَبَّ وَمَنْ شَبَّ شَابَ ... وَمَنْ شَابَ شَاخَ وَمَنْ شَاخَ مَاتَ
روي: أن أبا بكر ﵁ قال: يا رسول الله، قد شبت فقال: "شيبتني هود وأخواتها"؛ يعني: سورة هود، وكان الشيب برسول الله ﷺ قليلًا، يقال: كان شاب منه إحدى وعشرون شعرةً بيضاء، ويقال: سبع عشرة شعرة. قال أنس: لم يكن في رأسه ولحيته عشرون شعرةً بيضاء، وقال بعض الصحابة: ما شاب رسول الله ﷺ ، وسئل آخر منهم، فأشار إلى عنفقته؛ يعني كان البياض في عنفقته؛ أي: في شعيرات بين الشفة السفلى والذقن، وإنما اختلفوا لقلتها، يقال: كان إذا ادهن خفي شيبة.
والحاصل (١): أن ﴿اللام﴾ التعليلية في ﴿لِتَبْلُغُوا﴾: معطوفة على علة أخرى ليخرجكم مناسبة لها، والتقدير: لتكبروا شيئًا فشيئًا، ثم لتبلغوا غاية الكمال، وقوله ﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ معطوف على ﴿لِتَبْلُغُوا﴾.
وقرأ نافع وحفص وأبو عمرو وابن محيصن وهشام: ﴿شُيُوخًا﴾ بضم الشين، وقرأ الباقون: بكسرها، وقرىء: ﴿شيخًا﴾ بالإفراد لقوله: طفلًا.
يعني: أن مراتب الإنسان بعد خروجه من بطن أمه ثلاث: الطفولية وهي حالة النمو، والزيادة إلى أن يبلغ كمال الأشد من غير ضعف، ثم يتناقص بعد ذلك وهي الشيخوخة، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى﴾؛ أي: يقبض روحه ويموت ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل الشيخوخة بعد بلوغ الأشد أو قبله أيضًا، وقوله: ﴿وَلِتَبْلُغُوا﴾: متعلق (٢) بفعل مقدر بعده؛ أي: ولتبلغوا جميعًا ﴿أَجَلًا مُسَمًّى﴾؛ أي: وقتًا محدودًا معينًا لا تتجاوزونه هو وقت الموت، أو يوم القيامة يفعل ذلك؛ أي: ما ذكر من خلقكم من تراب وما بعده من الأطوار المختلفة، ولكون المعنى على هذا لم يعطف على ما قبله من ﴿لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ و ﴿لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾، وإنما قلنا: أو يوم القيامة؛ لأن الآية تحتوي على جميع مراتب الإنسان، من مبدأ فطرته إلى منتهى أمره، فجاز أن يراد أيضًا يوم الجزاء؛ لأنه المقصد الأقصى، وإليه كمِّيَّةُ الأحوال ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون﴾؛ أي: ولكي تعقلوا ما في ذلك الانتقال من طور، إلى طور من فنون
стр. 11571
الحكم والعبر، وتستدلوا به على وجود خالق القوى والقدر؛ أي: لكي تعقلوا توحيد ربكم، وقدرته البالغة في خلقكم على هذه الأطوار المختلفة.
ومعنى الآية (١): أي هو الذي خلقكم من التراب، إذ كل إنسان مخلوق من المني، والمني مخلوق من الدم، والدم يتولد من الأغذية، والأغذية تنتهي إلى النبات، والنبات يتكون من التراب والماء، ثم ذلك التراب يصير نطفةً ثم علقةً إلى مراتب كثيرة، حتى ينفصل الجنين من بطن الأم.
وقد رتب سبحانه عمر الإنسان ثلاث مراتب:
١ - الطفولة.
٢ - بلوغ الأشد.
٣ - الشيخوخة، ومن الناس من يتوفى قبل المرتبة الأخيرة، وهو يفعل ذلك ويبقيكم لتبلغوا الأجل المسمى، وهو يوم القيامة، وتعقلوا ما في التنقل في هذه الأطوار المختلفة من فنون العبر والحكم.
٦٨ - وكما استدل بهذه التغيرات على وجود الإله القادر، استدل على ذلك بانتقال الإنسان من الحياة إلى الموت، ومن الموت إلى الحياة، فقال: ﴿هُوَ﴾ الإله ﴿الَّذِي يُحْيِي﴾ الأموات كما في الأرحام وعند البعث ﴿وَيُمِيتُ﴾ الأحياء كما عند انقضاء الأجل وفي القبر بعد السؤال، وأيضًا يحيي القلوب الميتة بنور ربوبيته ولطفه، ويميت القلوب بنار قهره، فإذا حيي القلب .. مات النفس، وإذا مات القلب .. حيي النفس ﴿فَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾؛ أي: فإذا قدر شيئًا من الأشياء، وأراد كونه وحصوله .. ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ﴾ سبحانه ﴿لَهُ﴾؛ أي: لذلك الأمر ﴿كُنْ﴾؛ أي: أحدث ﴿فَيَكُونُ﴾ ذلك الأمر؛ أي: فهو يحدث ويوجد من غير توقف على شيء من الأشياء أصلًا.
وهذا تمثيل (٢) لتأثير قدرته تعالى في المقدورات عند تعلق إرادته بها، وتصوير لسرعة ترتب المكونات على تكوينه من غير أن يكون هناك آمر ومأمور حقيقةً، وذهب بعضهم إلى أنه حقيقة، وأن الله تعالى مكون الأشياء بهذه الكلمة، فيقول
стр. 11572
بكلامه الأزلي لا بالكلام الحادث الذي هو مركب من الأصواب والحروف: ﴿كن﴾؛ أي: احدث، فيكون؛ أي: فيحدث.
ومعنى الآية (١): أي قل لهم أيها الرسول: هو الذي يحيي من يشاء بعد مماته، ويميت من يشاء من الأحياء، وإذا أراد كون أمر من الأمور التي يريد تكوينها .. فإنما يقول له: كن فيكون، بلا معاناةٍ ولا كلفةٍ.
٦٩ - ثم عجب سبحانه من أحوال المجادلين في آيات الله فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ يا محمد أو أيها المخاطب ﴿إِلَى﴾ حال ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾ ويخاصمون ﴿فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ سبحانه؛ أي: في إبطالها ودفعها ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾؛ أي: كيف يصرفون عنها مع قيام الأدلة الدالة على صحتها؟
أي: انظر يا محمد إلى هؤلاء المكابرين المجادلين في آياته تعالى الواضحة، الموجبة للإيمان بها، الزاجرة عن الجدال فيها، وتعجب من أحوالهم الشنيعة، وآرائهم الركيكة، كيف يصرفون عن تلك الآيات القرآنية، والتصديق بها إلى تكذيبها، مع تعاضد الدواعي إلى الإقبال عليها بالإيمان وانتفاء الصوارف عنها بالكلية.
وتكرير ذم المجادلة في أربعة مواضع من هذه السورة (٢): إما لتعدد المجادل بأن يكون في أقوام مختلفة، أو المجادل فيه بأن يكون في آيات مختلفة أو للتأكيد.
وعبارة أبي السعود قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ ...﴾ إلخ، تعجيب من أحوالهم الشنيعة، وآرائهم الركيكة، وتمهيد لما يعقبه من بيان تكذيبهم بكل القرآن، وبسائر الكتب والشرائع، وترتيب الوعيد على ذلك، كما أن ما سبق من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ ...﴾ الخ: بيان لابتناء جدالهم على معنى فاسد، لا يكاد يدخل تحت الوجود، فلا تكرار فيه.
والخلاصة: أي انظر واعجب من هؤلاء المكابرين في آياتنا الواضحة، الموجبة للإيمان بها الزاجرة عن الجدال فيها، كيف يصرفون عنها مع تعاضد الدواعي على الإقبال عليها، وانتفاء الصوارف عنها، وقيام الأدلة على صحتها،
стр. 11573
وأنها في نفسها موجبة للتوحيد.
٧٠ - ثم بين صفات هؤلاء المبطلين بقوله: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ﴾؛ أي: بكل القرآن. وعبارة "السمين" هنا: يجوز في الموصول أوجه من الإعراب؛ إما أن يكون بدلًا من الموصول قبله، أو بيانًا له، أو نعتًا أو خبرًا لمبتدأ محذوف، أو منصوبًا على الذم، وعلى هذه الأوجه فقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: جملة مستأنفة سيقت للتمهيد، ويجوز (١) أن يكون مبتدأ، والخبر: الجملة من قوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾، ودخول ﴿الفاء﴾ فيه: واضح اهـ.
قال في "الإرشاد": إنما وصل الموصول الثاني بالتكذيب دون المجادلة؛ لأن المعتاد وقوع المجادلة في بعض المواد لا في الكل، وصيغة الماضي للدلالة على التحقق، كما أن صيغة المضارع في الصلة الأولى للدلالة على تجدد المجادلة وتكررها. اهـ.
﴿وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ من سائر الكتب؛ أي: هم الذين كذبوا بالقرآن وبجميع ما أرسلنا به رسلنا، من إخلاص العبادة له سبحانه، والبراءة مما يعبد من دونه من الالهة والأنداد، والاعتراف بالبعث بعد الممات، ثم هددهم وأوعدهم على ما يفعلون فقال: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة أمرهم، ووبال كفرهم، وكته جدالهم، وتكذيبهم عند مشاهدتهم لعقوباته، وهي جملة مستأنفة مسوقة للتهديد،
٧١ - والظرف (٢) في قوله: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: فسوف يعلمون عاقبة أمرهم وقت كون الأغلال في أعناقهم.
فإن قلت (٣): إن ﴿إِذِ﴾ ظرف للزمن الماضي، و ﴿يَعْلَمُونَ﴾ مستقبل لفظًا ومعنًى، فهو مثل قولك: سوف أصوم أمس، فهو لا يجوز؟.
قلت: إن وقت العلم مستقبل تحقيقًا، وماضٍ تنزيلًا وتأويلًا؛ لأن ما سيعلمونه يوم القيامة، فكأنهم علوه في الزمن الماضي، لتحقق وقوعه ﴿فَسَوْفَ﴾ بالنظر إلى الاستقبال التحقيقي، و ﴿إذ﴾ بالنظر إلى المضي التأويلي، و ﴿الْأَغْلَالُ﴾: جمع غل بالضم، وهو: ما يقيد به فيجعل الأعضاء وسطه كما سيأتي؛ يعني: تغل
стр. 11574
أيديهم إلى أعناقهم مضمومةً إليها ﴿وَالسَّلَاسِلُ﴾ معطوف على ﴿الْأَغْلَالُ﴾، والجار: في نية التأخير، والتقدير: إذ الأغلال والسلاسل في أعناقهم، وهو جمع سلسلة بالكسر، وذلك لأن السلسلة بالفتح: إيصال الشيء بالشيء، ولما كان في السلسلة بالكسر إيصال بعض الخلق بالبعض .. سميت بها.
٧٢ - وجملة قوله: ﴿يُسْحَبُونَ﴾ ﴿فِي الْحَمِيمِ﴾: حال من فاعل ﴿يَعْلَمُونَ﴾ أو من ضمير ﴿أَعْنَاقِهِمْ﴾؛ أي: سوف يعلمون عاقبة وبالهم حال كونهم مسحوبين؛ أي: مجرورين، تجرّهم على وجوههم خزنة جهنم بالسلاسل إلى الحميم؛ أي: إلى الماء المسخن بنار جهنم، ولا يكون إلا شديد الحرارة جدًّا، لأن ما سخن بنار الدنيا التي هي جزء واحد من سبعين جزءًا من نار جهنم، إذا كان لا يطاق حرارته .. فكيف ما يسخن بنار جهنم، وفي كلمة ﴿فِي﴾ إشعار بإحاطة حرارة الماء لجميع جوانبهم، كالظرف للمظروف، حتى كأنهم في عين الحميم ويسحبون فيها، والظاهر أن معنى ﴿يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ﴾؛ أي: يجرون إلى النار على وجوههم.
ويجوز (١) أن يرتفع ﴿السلاسل﴾ على أنه مبتدأ، وخبره: محذوف لدلالة ﴿فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ عليه، ويجوز أن يكون الخبر ﴿يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ﴾ بحذف العائد؛ أي: يسحبون بها في الحميم، وعلى هذا قراءة الجمهور برفع ﴿السلاسل﴾، وقراءة ابن عباس وابن مسعود وابن وثاب وعكرمة وزيد بن علي وأبو الجوزاء: ﴿والسلاسل﴾ بالنصب (٢) على المفعول، وقرؤوا ﴿يسحبون﴾ بفتح الياء مبنيًا للفاعل، فيكون ﴿السلاسل﴾ مفعولًا مقدمًا، وهو عطف جملة فعلية على جملة اسمية، وقرأ فرقة منهم ابن عباس ﴿والسلاسل﴾ بجر اللام، قال ابن عطية: على تقدير إذ أعناقهم في الأغلال والسلاسل، وقال الزجاج: المعنى على هذه القراءة وفي السلاسل يسحبون، واعترضه ابن الأنباري بأن ذلك لا يجوز في العربية، ومحل ﴿يُسْحَبُونَ﴾ على تقدير عطف ﴿السلاسل﴾ على ﴿الْأَغْلَالُ﴾ وعلى تقدير كونها مبتدأ، وخبرها: ﴿فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ النصب على الحال، أو لا محل له، بل هو مستأنف جواب سؤال مقدر.
стр. 11575
﴿ثُمَّ﴾ بعد الجر بالسلاسل إلى الحميم ﴿فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾؛ أي: يحرقون بالنار، وهي محيطة بهم، من سجر التنور: إذا ملأه بالوقود، ومن كانوا في النار وكانت هي محيطة بهم، وصارت أجوافهم مملوءة بها، لزم أن يحرقوا بها على أبلغ الوجوه، فهم يملؤون بالنار كائنين فيها ويحرقون، والمراد: بيان أنهم يعذبون بأنواع العذاب، وينقلون من لون إلى لون.
حكي: أنه توفيت النوارة - امرأة الفرزدق - فخرج في جنازتها وجوه أهل البصرة، وخرج فيها الحسن البصري، فقال الحسن للفرزدق: يا أبا فراس، ما أعددت لهذا اليوم؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ ثمانين سنة، فلما دفنت .. قام الفرزدق على قبرها وأنشد هذه الأبيات:
أَخَافُ وَرَاءَ الْقَبْرِ إِنْ لَمْ يُعَافِنِيْ ... أَشَدَّ مِنَ القَبْرِ الْتِهَابًا وَأَضْيَقَا
إِذَا جَاءَنِيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَائِدٌ ... عَنِيْفٌ وَسَوَّاقٌ يَسُوْقُ فَرَزْدَقَا
لَقَدْ خَابَ مِنْ أَوْلَادِ آدَمَ مَنْ مَشَى ... إِلَى النَّارِ مَغْلُولَ الْقِلَادَةِ أَزْرَقَا
ومعنى الآية: أي فسوف يعلم هؤلاء المكذبون حقيقة ما نخبرهم به، وصدق ما هم به اليوم مكذبون من هذا الكتاب، حين تجعل الأغلال والسلاسل في أعناقهم، يسحبون بها في الحميم، فينسلخ كل شيء عليهم من جلد ولحم وعروق، ثم تملأ بهم النار، ونحو الآية قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨)﴾ وقوله: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠)﴾.
٧٣ - ثم ذكر أنهم يسألون سؤال تبكيت وتوبيخ عن آلهتهم التي كانوا يعبدونها، فقال: ﴿ثُمَّ﴾؛ أي: بعد الإحراق ﴿قِيلَ لَهُمْ﴾؛ أي: يقال لهم على سبيل التوبيخ والتقريع، وصيغة الماضي للدلالة على التحقق ﴿أَيْنَ مَا﴾؛ أي: أين الشركاء الذين ﴿كُنْتُمْ﴾ في الدنيا على الاستمرار ﴿تعبدون﴾ هم
٧٤ - ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ؛ رجاء شفاعتهم ادعوهم ليشفعوا لكم ويعينوكم، وهو نوع آخر من تعذيبهم ﴿قَالُوا﴾؛ أي: يقولون: ﴿ضَلُّوا عَنَّا﴾؛ أي: الشركاء؛ أي: غابوا ﴿عَنَّا﴾؛ أي: عن أعيننا، وإن كانوا قائمين؛ أي: غيرها لكين، من قول العرب: ضل المسجد والدار؛ أي: لم
стр. 11576
يعرف موضعهما، وذلك (١) قبل أن يقرن بهم آلهتهم، فإن النار فيها أمكنة متعددة، وطبقات مختلفة، فلا مخالفة بينه وبين قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ أو ضاعوا عنا فلم نجد ما كنا نتوقع منهم، على أن يكون ﴿ضل﴾ بمعنى ضاع وهلك، تنزيلًا لوجودهم منزلة الضيفاع والهلاك، لفقدهم النفع الذي يتوقعونه منهم، وإن كانوا مع المشركين في جميع الأوقات.
ثم أضربوا عن ذلك، وانتقلوا إلى الإخبار بعدمهم، وأنه لا وجود لهم، فقالوا: ﴿بَل﴾ تبين لنا أنا ﴿لَمْ نَكُنْ نَدْعُو﴾ ونعبد ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: في الدنيا بعبادتهم ﴿شَيْئًا﴾ ينفع لما ظهر لنا اليوم، أنهم لم يكونوا شيئًا يعتد به، كقولك: حسبته شيئًا فلم يكن؛ أي (٢): بل لم نكن نعبد من قبل هذا البعث شيئًا يضر وينفع، ويبصر ويسمع، وهذا اعتراف بأن عبادتهم الأصنام كانت باطلةً، قالوا ذلك: لما تبين لهم ما كانوا فيه من الضلالة والجهالة، وأنهم كانوا يعبدون ما لا ينفع ولا يضر. وليس هذا إنكار لوجود عبادتهم لها، بل اعتراف ببطلانها وعدم نفعها لم، أو المعنى: بل لم نكن نعبد من قبل هذا اليوم شيئًا من دون الله أصلًا، فيكون إنكارًا لعبادة الأصنام ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي (٣): مثل ضلال آلهتهم عنهم ﴿يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ عن آلهتهم، حتى لو طلبوا الالهة أو طلبتهم الالهة .. لم يتصادفوا، وهذا بالنظر إلى التفسير الأول في قوله: ﴿ضَلُّوا عَنَّا﴾؛ أي: غابوا عن أعيننا، أو كما أضل الله هؤلاء المجادلين حيث لم يهتدوا في الدنيا إلى شيء ينفعهم في الآخرة، من العقائد الصحيحة، والأعمال الصالحة، يضل الله سائر الكافرين، الذين علم منهم اختيار الضلالة على الدين، وهذا بالنظر إلى التفسير الثاني في ﴿ضَلُّوا عَنَّا﴾، ومعنى إضلال الله سبحانه عبده: هو عدم عصمته إياه مما نهاه عنه، وعدم معونته وإمداده بما يتمكن به من الإتيان بما أمره به، أو الانتهاء عما نهاه عنه، كما في "تفسير الفاتحة" للشيخ صدر الدين القنوي ﵀.
والمعنى (٤): أي ثم يسألون، ويقال لهم: أين الأصنام التي كنتهم تعبدونها من
стр. 11577
دون الله، ليغيثوكم وينقذوكم مما أنتم فيه من البلاء والعذاب؟ فيجيبون ويقولون: غابوا عنا، وأخذوا طريقًا غير طريقنا، وتركونا في البلاء، لا بل الحق أننا ما كنا ندعو في الدنيا شيئًا يعتد به، وهذا كما تقول: حسبت أن فلانًا شيء، فإذا هو ليس بشيء إذا خبرته فلم تر عنده خيرًا.
والخلاصة: أنهم اعترفوا بأن عبادتهم إياها كانت عبادة باطلة عاطلة ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: كما أضل الله تعالى هؤلاء المجادلين، وأبطل كذلك يفعل بأعمال جميع من يدين بالكفر، فلا ينتفعون بشيء منها.
٧٥ - ثم بين السبب فيما يأتيهم من هذا العذاب، فقال: ﴿ذَلِكُمْ﴾ الإضلال أيا الكفار، والالتفات؛ للمبالغة في التوبيخ، أو ذلكم العذاب الذي نزل بكم وهو العذاب المذكور بقوله: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ﴾، قال ابن الشيخ: ولا يخلو عن بعد. ﴿بِمَا﴾ ﴿الباء﴾: سببية؛ أي: بسبب ما ﴿كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ﴾ وتبطرون وتتكبرون ﴿فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: في الدنيا ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ وهو الشرك والطغيان، و ﴿الباء﴾: صلة الفرح؛ أي: تفرحون فرحًا بغير الحق، وهو الفرح بمعاصي الله، والسرور بمخالفة رسله وكتبه، أو الفرح بالمال والأتباع والصحة ﴿وبـ﴾ سبب ﴿مَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ وتختالون وتتوسعون في العدوان. وفي "المفردات": الفرح: انشراح الصدر بلذة عاجلة، ولم يرخص إلا في الفرح بفضل الله ورحمته وبنصر الله، والمرح بفضل الله ورحمته وبنصر الله، والمرح: شدة الفرح والنشاط والتوسع فيه. كما سيأتي. والمعنى (١): أي هذا الذي فعلنا بكم اليوم من شديد العذاب بسبب فرحكم الذي كنتم تفرحونه في الدنيا، بارتكاب الشرك والمعاصي، ومرحكم وبطركم فيها بتمتّعكم باللّذّات
٧٦ - ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ السبعة المقسومة لكم، كما قال تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾ حال كونكم ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: في جهنم؛ أي: مقدّرين الخلود فيها أبدًا ﴿فَبِئْسَ﴾ وقبح ﴿مَثْوَى﴾؛ أي: مقرّ ومنزل ﴿الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ عن قبول الحق، والمخصوص بالذم: جهنم؛ أي: فحينئذ يقال ﴿بِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ على الله في الدنيا، من أن يوحدوه ويؤمنوا برسله.
стр. 11578
وكان (١) مقتضى النظم القرآني أن يقال: فبئس مدخل المتكبرين، ليناسب عجز الكلام صدره كما يقال: زر بيت الله فنعم المزار، فصلّ في المسجد الحرام فنعم المصلى، لكن لما كان الدخول المقصود بالخلود سبب الثواء؛ أي: الإقامة .. عبّر بالمثوى الذي هو محل الإقامة، فاتحد آخر الكلام بأوله.
وفي الآية: ذمّ الكبر، فلا بدّ من علاجه بضدّه وهو التواضع، وعن بعض الحكماء افتخر الكلأ في المفازة على الشجر، فقال: أنا خير منك، يرعاني البهائم التي لا تعصي الله طرفة عين، فقال الشجر: أنا خير منك، يخرج منّي الثمار ويأكلها المؤمنون، وتواضع القصب، قال: لا خير فيّ، لا أصلح للمؤمنين ولا للبهائم، فلما تواضع رفعه الله، وخلق فيه السكّر الذي هو أحلى شيء، فلما نظر إلى ما وضع الله فيه من الحلاوة وتكبّر، فأخرج الله منه رأس القصب، حتى اتخذ منه الآدميون المكنسات، فكنسوا بها القاذورات، فهذا حال كبر غير المكلف، فكيف حال المكلف؟
٧٧ - ثم أمر الله سبحانه رسوله ﷺ بالصبر، فقال: ﴿فَاصْبِرْ﴾ يا محمد على أذيّة قومك لك، بسبب تلك المجادلات وغيرها، إلى أن يلاقوا ما وعدت لهم من العذاب ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: إنّ وعده بتعذيبهم والانتقام منهم ﴿حَقٌّ﴾؛ أي: ثابت كائن لا محالة، إما في الدنيا أو في الآخرة، ولهذا قال: ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾؛ أي: فإن نرك، و ﴿مَا﴾: مزيدة لتأكيد الشرطية، ولذا لحقت النون الفعل، ولا تلحقه مع إن وحدها، فلا تقول: إن تكرمني .. أكرمك بنون التأكيد، بل إما تكرمني .. أكرمك؛ أي: فإن نرك يا محمد في الدنيا ﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ من العذاب بالقتل والأسر والقهر، وجوابه: محذوف؛ أي: فذاك ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبل أن تراه؛ أي: أو نُمتْكَ قبل إنزال العذاب بهم ﴿فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ وهو جواب ﴿نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾؛ أي: يردون إلينا يوم القيامة لا إلى غيرنا لنجازيهم بأعمالهم.
ومعنى الآية (٢): أي فاصبر أيها الرسول على ما يجادلك به هؤلاء المشركون في آيات الله التي أنزلها عليك، وعلى تكذيبهم إيّاك، فإن الله منجز لك فيهم ما وعدك، من الظفر بهم، والعلوّ عليهم، وإحلال العقاب بهم، إما في الدنيا وإما في
стр. 11579
الآخرة، كما قال: ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ إلخ؛ أي: فإما نرينك في حياتك بعض الذي نعدهم من العذاب والنقمة، كالقتل والأسر يوم بدر، فذاك ما يستحقّونه، أو نتوفّينك قبل ذلك فإلينا يرجعون يوم القيامة، فنجازيهم بأعمالهم، وننتقم منهم أشدّ الانتقام، وناخذهم أخذ عزيز مقتدر، ونحو الآية قوله: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢)﴾.
وقرأ الجمهور (١): ﴿يُرْجَعُونَ﴾ بياء الغيبة مبنيًا للمفعول، وقرأ أبو عبد الرحمن ويعقوب: بفتح الياء، وطلحة بن مصرف ويعقوب في رواية الوليد بن حسان: بفتح تاء الخطاب.
٧٨ - ثم ردّ على العرب في إنكارهم بعثة الرسل، فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ روي إن الذين كانوا يجادلون في آيات الله تعالى، اقترحوا معجزات زائدة على ما أظهره الله على يده ﷺ ، من تفجير العيون، وإظهار البساتين، وصعود السموات ونحوها، مع كون ما أظهره من المعجزات كافية في الدلالة على صدقه، فأنزل الله تعالى قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لقد بعثنا ﴿رُسُلًا﴾ ذوي عدد كثير إلى قومهم ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾؛ أي: من قبل بعثتك يا محمد، أو من قبل زمانك ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: من أولئك الرسل، خبر مقدم ﴿مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة: صفة ﴿رُسُلًا﴾ من قصّ عليه إذا بيّن، وأخبر؛ أي: من بيّناهم وأخبرناهم وسميناهم لك في القرآن، فأنت تعرفهم؛ أي: أنبأناك بأخبارهم، وما لقوه من قومهم ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾؛ أي: لم نسمّهم، ولم نخبرك خبرهم، ولا أوصلنا إليك علم ما كان بينهم وبين قومهم.
وعن علي وابن عباس: أن الله بعث نبيًا أسود في الحبش، فهو ممن لم يقصص على محمد ﷺ ، أخرجه الطبراني في "الأوسط" وابن مردويه. قال بعضهم: لعل معناه: أن الله بعث نبيًا أسود إلى السودان، فلا يخالف ما ورد من أنّ الله تعالى ما بعث نبيًا إلا حسن الاسم، حسن الصورة حسن الصوت، وذلك لأنَّ في كل جنس حسنًا بالنسبة إلى جنسه. انتهى.
стр. 11580
والحاصل (١): أنّ المذكور قصصهم من الأنبياء أفراد معدودة، وقد قيل: عدد الأنبياء مئة وأربعة وعشرون ألفًا، قال في "شرح المقاصد": روى أحمد في "مسنده" عن أبي ذرّ الغفاري ﵁ أنه قال: قلت لرسول الله ﷺ : كم عدد الأنبياء؟ فقال: "مئة ألف وأربعة وعشرون ألفًا" فقلت: فكم الرسل منهم؟ فقال: ثلاث مئة وثلاثة عشر جمًّا غفيرًا" وفي رواية مئتا ألف وأربعة وعشرون ألفًا، كما في "شرح العقائد" للتفتازاني. قال ابن أبي شريف: لم أر هذه الرواية.
لكن ذكر بعض العلماء أن الأولى أن لا يقتصر على عددهم؛ لأنّ خبر الواحد على تقدير اشتماله على جميع الشرائط، لا يفيد إلا الظن، ولا يعتبر إلا في العمليات دون الاعتقادات، وهاهنا حصر عددهم يخالف ظاهر قوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا﴾ إلخ. ويحتمل أيضًا مخالفة الواقع، وإثبات من ليس بنبي إن كان عددهم في الواقع أقلّ مما ذكر، ونفي النبوة عمن هو نبي إن كان أكثر، فالأولى عدم التنصيص على عدد.
والمذكور في القرآن باسم العلم على ما ذكر بعض المفسرين: ثمانية وعشرون، وهم: آدم ونوح وإدريس وصالح وهود وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويوسف ولوط ويعقوب وموسى وهارون وشعيب وزكريا ويحيى وعيسى وداود وسليمان وإلياس واليسع وذو الكفل وأيوب ويونس ومحمد وذو القرنين وعزيز ولقمان على القول بنبوة هذه الثلاثة الأخيرة، وفي "الأمالي":
وَذُوْ القَرْنَينِ لَم يُعْرَفْ نَبِيًّا ... كَذَا لُقْمَانُ فَاحْذَرْ عَنْ جِدَالِ
وذلك لأنّ ظاهر الأدلّة يشير إلى نفي النبوة عن الأنثى، وعن ذي القرنين ولقمان ونحوهما، كتبع، فإنه ﵇ قال: "لا أدري أهو نبي أم ملك" وكالخضر، فإنه قيل: نبي، وقيل: ولي، وقيل: رسول، فلا ينبغي لأحد أن يقطع بنفي أو إثبات، فإن اعتقاد نبوّة من ليس بنبي كفر، كاعتقاد نفي نبوة نبي من الأنبياء، يعني إذا كان متفقًا على نبوته أو عدم نبوته، وأما إذا كان فيه خلاف .. فلا يكفر؛ لأنه كالدليل الظنّي، والكفر في القطعيّ.
стр. 11581
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ لاستغنائك عن ذلك، تخفيفًا لك عمَّا لا يعنيك، وهذا أمارة كمال العناية فيما قصّ عليه، وفيما لم يقصص عليه.
والمعنى: أي ولقد أرسلنا رسلًا وأنبياء من قبلك إلى أممهم، منهم من أنبأناك بأخبارهم في القرآن، وبما لاقوه من قومهم، وهم خمسة وعشرون، ومنهم من لم نقصص عليك فيه خبرهم، ولا أوصلنا إليك علم ما كان بينهم وبين أقوامهم.
﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ﴾، أي: وما صحّ وما استقام لرسول منهم ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ﴾ ومعجزة تقترح عليه ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وإرادته، لا من قبل نفسه فإن المعجزات تشعب فنونها عطايا من الله تعالى، قسمها بينهم حسبما اقتضته مشيئته المبنيّة على الحكم البالغة، كسائر القسم، ليس لهم اختيار في إيثار بعضها، ولا استبداد بإتيان المقترح بها، وفيه تسلية لرسول الله ﷺ ، كأنه قيل: ما من رسول من قبلك سواء كان مذكورًا أو غير مذكور، أعطاه الله آيات ومعجزات إلا جادله قومه فيها، وكذّبوه عنادًا وعبثًا، فصبروا وظفروا، فاصبر كما صبروا، تظفر كما ظفروا ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ سبحانه بالعذاب في الدنيا والآخرة .. ﴿قُضِيَ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: حكم بين الرسل ومكذّبيهم بإنجاء المحق، وإهلاك المبطل وتعذيبه ﴿وَخَسِرَ﴾؛ أي: هلك أو تحقّق، وتبيّن أنه خسر ﴿هُنَالِكَ﴾؛ أي: وقت مجيء أمر الله تعالى، وهو اسم مكان استعير للزمان ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾ المتمسّكون بالباطل على الإطلاق، فيدخل فيهم المعاندون المقترحون دخولًا أوليًا، جمع مبطل، والمبطل: صاحب الباطل والمتمسك به العامل له، كما أن المحق صاحب الحق والعامل به، والباطل؛ ضد الحق.
ولم يقل هنا (١): وخسر هنالك الكافرون، لما سبق من نقيض الباطل الذي هو الحق. كما في "برهان القرآن". وفي الآية إشارة إلى أنه يجب الرجوع إلى الله قبل أن يجيء أمرُه وقضاؤه بالموت والعذاب، فإنه ليس بعده إلا الأحزان.
وحاصل المعنى (٢): أي وليس في الرسل أحد إلا آتاه الله آيات ومعجزات جادله قومه فيها وكذّبوه، وجرى عليه من الإيذاء ما يقارب ما جرى عليك، فصبر على ما أوذي، وكانوا يقترحون عليه المعجزات على سبيل التعنّت والعناد، لا
стр. 11582
للحاجة إليها، فكان من الحكمة عدم إجابتهم إلى ما طلبوا، ولم يكن ذلك بقادح في نبوّتهم، فلا عجب أن يقترح قومك عليك المعجزات التي لم يكن إظهارها صلاحًا ولا جرم، لم يجابوا إلى ما طلبوا لأنَّ المصلحة في عدم إجابتهم إليه، فإذا جاء أمر الله وهو عذابه ونكاله المحيط بالمكذبين .. قضي بالعدل، فنجّي رسله والذين امنوا معهم، وأهلك الذين افتروا على الله الكذب وجادلوا في آياته، وزعموا أن له شريكًا.
٧٩ - ثمّ امتنّ سبحانه على عباده بنوع من أنواع نعمه التي لا تحصى، فقال: ﴿اللَّهُ﴾ الذي يستحق منكم العبادة هو ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ وخلق ﴿لَـ﴾ أجلـ ﴿كُمْ﴾ ومصلحتكم ﴿الْأَنْعَامَ﴾؛ أي: الإبل، جمع نعم بفتحتين، وهو في الأصل الماشية الراعية، والكثير استعماله في الإبل، وقيل: الأنعام: الأزواج الثمانية. كما سيأتي عن بعضهم ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿من﴾: لابتداء الغاية، ومعناها: ابتداء الركوب، والأكل منها؛ أي: تعلقهما بها أو للتبعيض؛ أي: لتركبوا بعضها وتأكلوا بعضها، لا أن كلًّا من الركوب والأكل مختص ببعض معيّن منها، بحيث لا يجوز تعلقه بما تعلق به الآخر، بل على أن كل بعض منها صالح لكل منهما، وهذا أولى.
وتغيير (١) النظم في الجملة الثانية؛ لمراعاة الفواصل مع الإشعار بأصالة الركوب؛ لأنّ الغرض إنما يكون في المنافع، والركوب: متعلق بالمنفعة؛ لأنه إتلاف المنفعة، بخلاف الأكل، فإنه متعلق بالعين، لأنه إتلاف العين، ولا يقدح في ذلك كون الأكل أيضًا من المنافع، ولهذا جاء ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾.
٨٠ - ﴿وَلَكُمْ فِيهَا﴾؛ أي: في الأنعام أيضًا ﴿مَنَافِعُ﴾ أخرى غير الركوب والأكل، كألبانها وأوبارها وجلودها، أو كالصوف والشعر والزبد والسمن والجبن وغير ذلك، وقوله: ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾ معطوف على قوله: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا﴾، و ﴿حَاجَةً﴾: مفعول ﴿لِتَبْلُغُوا﴾؛ أي: ولتقضوا بها حاجة في قلوبكم، يحمل أثقالكم عليها من بلد إلى بلد ﴿وَعَلَيْهَا﴾؛ أي: على الإبل في البر ﴿وَعَلَى الْفُلْكِ﴾؛ أي: السفن في البحر ﴿تُحْمَلُونَ﴾ نظيره ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾.
стр. 11583
قال في "الإرشاد": لعل المراد به (١) حمل النساء والولدان عليها بالهودج، وهو السر في فصله عن الركوب، والجمع بينها وبين الفلك؛ لما بينهما من المناسبة التامة، حتى سمّيت سفائن البر؛ وإنما قال: ﴿وَعَلَى الْفُلْكِ﴾، ولم يقل: في الفلك، كما قال ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا﴾ للمزاوجة؛ أي: ليزاوج ويطابق قوله: ﴿وَعَلَيْهَا﴾ فإن محمولات الأنعام مستعلية عليها، فذكرت كلمة الاستعلاء في الفلك أيضًا للمشاكلة. انتهى.
وفي "المدارك": الإيعاء ومعنى الاستعلاء كلاهما مستقيم؛ لأنّ الفلك وعاء لمن يكون فيها حمولة له، يستعليها، فلما صحّ المعنيان. صحت العبارتان. انتهى.
وقال بعض المفسرين: المراد (٢) بالأنعام في هذا المقام: الأزواج الثمانية. كما ذكرناه أولًا: وهي الإبل والبقر والضان والمعز باعتبار ذكورتها وأنوثتها. فمعنى الركوب والأكل منها: تعلقهما بالكل، لكن لا على أنّ كلًّا منهما يجوز تعلقه بكل منها، ولا على أنّ كلًّا منهما مختص ببعض معين منها، بحيث لا يجوز تعلقه بما تعلق به الآخر، بل على أن بعضها يتعلق به الأكل فقط كالغنم، وبعضها يتعلق به كلاهما كالإبل والبقر، والمنافع تعمُّ الكل، وبلوغ الحاجة عليها يعمّ البقر. انتهى.
٨١ - ثمّ ذكر أنّ هناك آيات من آياته الباهرة، التي لا مجال لإنكارها، فقال: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾؛ أي: يبين لكم سبحانه دلائله الدالة على كمال قدرته ووفور رحمته ﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ فإن كلًّا منها من الظهور بحيث لا يكاد يتجرأُ على إنكارها من له عقل في الجملة؛ أي: فإنها كلها من الظهور وعدم الخفاء، بحيث لا ينكرها منكر، ولا يجحدها جاحد، وفيه تقريع لهم وتوبيخ عظيم.
والمعنى (٣): أَيْ أَيَّ آيَةٍ من تلك الآيات تنكرون، فإنها لظهورها لا تقبل الإنكار، وإضافة (٤) الآيات إلى الاسم الجليل لتربية المهابة، وتهويل إنكارها كما سيأتي.
فإن قلت: كان الظاهر أن يقال: فأية آيات الله بتاء التأنيث، لكون ﴿أيّ﴾
стр. 11584
عبارةً عن المؤنث لإضافته إليها ..
قلت: تذكير ﴿أيّ﴾ هو الشائع المستفيض، والتأنيث قليل؛ لأنّ التفرقة بين المذكّر والمؤنث في الأسماء غير الصفات نحو حمار وحمارة، وإنسان وإنسانة غريب، وهو في أيّ أغرب لإبهامه، فإن قصد التمييز والتفرقة ينافي الإبهام، وهذا في غير النداء، فإن اللغة الفصيحة الشانعة أن تؤنث أيّ الواقعة في نداء المؤنث، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧)﴾ ولم يسمع أن يقال: يا أيها المرأة بالتذكير، ومن قلة تأنيث أيّ قوله:
بِأَيِّ كِتَابٍ أَمْ بِأَيَّةِ سُنَّةٍ ... تَرَى حُبَّهُمْ عَارًا عَلَيَّ وَتَحْسَبِ
واعلم: أنّ جميع أجزاء العالم آيات بينات، وحجج واضحات، ترشدك إلى وحدانية الله تعالى وكمال قدرته.
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ... تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ
لكن هداية الله تعالى إلى جهة الإرشاد، وكيفيته أصل الأصول.
والمعنى (١): أي إنّ له تعالى آيات يراها خلقه عيانًا، ويشاهدونها متجدّدةً كل يوم، وفي كل آن فأيًا منها تنكرون، وبأيها تعترفون، وهي ظاهرة بادية للعيان لا سبيل إلى جحدها.
وقصارى ذلك: أنكم لا تقدرون على إنكار شيء من آياته، إلا أن تعاندوا وتكابروا.
٨٢ - و ﴿الهمزة﴾ (٢) في قوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾: للاستفهام التوبيخي المضمّن للإنكار، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على مقدر يقتضيه السياق؛ أي: أقعد قومك قريش في منازلهم فلم يسيروا ولم يسافروا ﴿فِي﴾ نواحي ﴿الْأَرْضِ﴾ وأرجائها ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ﴾ كانوا ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من الأمم المهلكة فيعتبروا بهم؛ يعني: أنهم قد ساروا في أطراف الأرض، وسافروا إلى جانب الشام واليمن، وشاهدوا مصارع المكذبين من الأمم السالفة، وآثارهم، فليحذروا من مثل عذابهم، فلا يكذّبوك يا محمد، فإن الآثار الموجودة في ديارهم تدل على ما نزل بهم من العقوبة، وما
стр. 11585
صاروا إليه من سوء العاقبة.
ثمّ بيّن سبحانه أن تلك الأمم كانوا فوق هؤلاء في الكثرة والقوة، فقال: ﴿كَانُوا﴾؛ أي: تلك الأمم ﴿أَكْثَرَ﴾ عددًا ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: من قومك ﴿قُوَّةً﴾ في الأبدان والعدد ﴿وَآثَارًا﴾ باقية بعدهم ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ من الأبنية والقصور والمصانع وهي جمع مصنعة بفتح النون وضمها شيء كالحوض يجمع فيه ماء المطر، ويقال له: الصهريج وأكثر بلاد العرب محتاجة إلى هذا لقلة الماء الجاري والآبار فيها؛ أي: كانوا أكثر منهم عددًا، وأقوى منهم أجسادًا، وأوسع منهم أموالًا، وأظهر منهم آثارًا في الأرض بالعمائر والمصانع والحرث ﴿فَمَا أَغْنَى﴾ ودفع ﴿عَنْهُمْ﴾؛ أي: عن تلك الأمم المهلكة ﴿مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾؛ أي: كسبهم أو مكسوبهم من الأموال والأولاد شيئًا من عذاب الله تعالى حين جاءهم؛ فإذا لم تفدهم تلك المكنة العظيمة إلا الخبيبة والخسار .. فكيف هؤلاء الفقراء المساكين، ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾ الأولى استقهامية؛ أي: أيّ شيء أغنى عنهم، أو نافية؛ أي: لم يغن عنهم، و ﴿مَا﴾ الثانية: يجوز أن تكون موصولة، وأن تكون مصدرية، وهذه ﴿الفاء﴾؛ أعني: قوله: ﴿فَمَا أَغْنَى﴾ لبيان عاقبة كثرتهم وشدة قوتهم، وما كانوا يكسبون بذلك، زعمًا منهم أنَّ ذلك يغني عنهم، فلم يترتب عليه إلا عدم الإغناء، فهذا الاعتبار جرى مجرى النتيجة، وإن كان عكس الغرض ونقيض المطلوب، كما في قولك: وعظته فلم يتعظ؛ أي: لم يترتب عليه إلا عدم الاتعاظ، مع أنه عكس المتوقع.
وحاصل معنى الآية (١): أي أفلم يسر هؤلاء المجادلون في آيات الله من مشركي قريش في البلاد، فإنهم أهل سفر إلى الشام واليمن، فينظروا فيما وطئوا من البلاد إلى ما حلّ بالأمم قبلهم، ويشاهدوا ما أحللنا بهم من بأسنا حين تكذيبهم رسلنا، وجحودهم بآياتنا، وكيف كانت عاقبة أمرهم، وقد كانوا أكثر منهم عددًا، وأشد بطشًا، وأقوى جندًا، وأبقى في الأرض أثرًا؛ لأنهم كانوا ينحتون من الجبال بيوتًا، ويتخذون مصانع، ويبنون أهرامًا ضخمة، فلما جاءهم بأسنا، وحلّت بهم نقمتنا .. لم يغن ذلك عنهم شيئًا، ولا ردّ عنهم العذاب الذي حل بهم.
٨٣ - و ﴿الفاء﴾ في قوله (٢): ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾؛ أي: بالمعجزات
стр. 11586
والدلالات الواضحة تفسيرية وتفصيلية لما أبهم وأجمل من عدم الإغناء، إذ التفسير يعقب المفسّر، وقد كثر في الكلام مثل هذه الفاء ومبناها على التفسير بعد الإبهام والتفصيل بعد الإجمال ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾؛ أي: أظهروا الفرح بذلك، واستحقروا علم الرسل، والمراد بعلمهم: ما لهم من العقائد الزائفة، والشبه الباطلة، كما قالوا: لا نبعث ولا نعذّب، وما أظنّ الساعة قائمة ونحو ذلك، وتسميتها علمًا مع أنّ الاعتقاد الغير المطابق للواقع حقّه أن يسمّى جهلًا؛ للتهكُّم بهم، فهي علم على زعمهم لا في الحقيقية، أو المراد: علمهم بأمور الدنيا، ومعرفتهم بتدبيرها، كما قال: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾.
فلما (١) جاءتهم الرسل بعلوم الديانات، وهي أبعد شيء من علمهم، لبعثها على رفض الدنيا، والإعراض عن الملاذّ والشهوات .. لم يلتفتوا إليها، وصغّروها واستهزؤوا بها، واعتقدوا أنه لا علم أنفع وأجلب للفوائد من علمهم، ففرحوا به، أو المراد: علم الفلاسفة والدهريين، وهو علم الطبائع والتنجيم، فإن الحكماء كانوا إذا سمعوا بوحي الله .. دفعوه، وصغّروا علم الأنبياء بالنسبة إلى علمهم، ويكتفون بما يكسبونه بنظر العقل، ويقولون: نحن قوم مهتدون فلا حاجة بنا إلى من يهدينا، كما قال سقراط لما ظهر موسى ﵇: نحن قوم مهذّبون، لا حاجة بنا إلى من يهذّبنا، وكان أبو جهل يكنى في الجاهلية بأبي الحكم؛ لأنهم يزعمون أنه عالم ذو حكمة، فكناه النبيّ ﷺ بأبي جهل، لأنه لو كان له علم حقيقة .. لآمن بالرسول ﵇، وقيل: الذين فرحوا بما عندهم من العلم هم الرسل، وذلك أنه لما كذّبهم قومهم .. أعلمهم الله تعالى بأنه مهلك الكافرين، ومنجي المؤمنين ففرحوا بذلك، أو المراد فرحوا بما عند الرسل من العلم فرح ضحك منه، واستهزاء به، كأنه قال: استهزؤوا بالبينات وبما جاؤوا به من علم الوحي، فرحين به مرحين، ويدل عليه قوله: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾؛ أي: نزل بالكفار وأصحابهم ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾؛ أي: وبال استهزائهم بالأنبياء، واستحقارهم لعلومهم، وما أخبروا به من العذاب ونحوه، فلم يعجزوا الله في مراده منهم.
والمعنى (٢): أي فلما جاء هذه الأمم المكذّبة للرسل من أرسلوا إليهم بالأدلة
стр. 11587
الواضحة، والبراهين الظاهرة .. فرحوا بما عندهم من شبهات ظنّوها علمًا نافعًا، كقولهم: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾، وقولهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾، وقولهم: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ ولكن حل بهم ما كانوا يستعجلون به رسلهم استهزاءً وسخريةً.
٨٤ - ثمّ ذكر حالهم حين عاينوا العذاب فقال: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا﴾؛ أي: فلما رأت الأمم السالفة المكذبة، وعاينوا ﴿بَأْسَنَا﴾؛ أي: شدّة عذابنا في الدنيا، ووقعوا في مذلة الخيبة، ومنه قوله تعالى: ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾؛ أي: شديد .. ﴿قَالُوا﴾ مضطزين ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ لا شريك له ﴿وَكَفَرْنَا﴾؛ أي: حجدنا ﴿بِمَا كُنَّا بِهِ﴾؛ أي: بسبب الإيمان به يعنون الأصنام التي يعبدونها، وهذه ﴿الفاء﴾: (١) لمجرد التعقيب، وجعل ما بعدها تابعًا لما قبلها، واقعًا عقيبه؛ لأن مضمون قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ﴾ إلخ. هو أنهم كفروا، فصار مجموع الكلام بمنزلة أن يقال: فكفروا ثم لما رأوا باسنا .. آمنوا.
أي (٢): فلما عاينوا عذابنا النازل بهم .. قالوا: آمنا بالله، وكفرنا بتلك المعبودات الباطلة، والآلهة الزائفة، التي لا تجدي فتيلًا ولا قطميرًا.
ثم بيّن أن ذلك لا يفيدهم شيئًا، فقد فات الأوان، فلا يفيد الندم ولا الاعتراف بالحق شيئًا.
نَدِمَ الْبُغَاةُ وَلاتَ سَاعَةَ مَنْدَمِ ... والْبَغْيُ مَرْتَعُ مُبْتَغِيْهِ وَخِيْمُ
٨٥ - فقال سبحانه: ﴿فَلَوْ يَكُ﴾ أصله يكن حذفت النون لكثرة استعماله ﴿يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ﴾؛ أي: تصديقهم بالوحدانية اضطرارًا، وقوله: ﴿إيمانهم﴾: يجوز (٣) أن يكون اسم ﴿كان﴾ و ﴿يَنْفَعُهُمْ﴾: خبره مقدما عليه، وأن يكون فاعل ﴿يَنْفَعُهُمْ﴾ واسم ﴿كان﴾: ضمير الشأن المستتر فيه ﴿لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾؛ أي: حين رؤيتهم شدة عذابنا، والوقوع فيه لامتناع قبوله حينئذٍ امتناعًا عاديًا، كما يدل عليه قوله: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ ...﴾ إلخ.
стр. 11588
فامتنع القبول؛ لأنهم لم يأتوا به في الوقت المأمور به، لذلك قيل: ﴿فَلَمْ يَكُ﴾ بمعنى: لم يصحّ ولم يستقم، فإنه أبلغ في نفي النفع من لم ينفعهم إيمانهم، وهذه الفاء: للعطف على ﴿آمَنُوا﴾ كأنه قيل: فآمنوا فلم ينفعهم، لأنّ النافع هو الإيمان الاختياري الواقع مع القدرة على خلافه، ومن عاين نزول العذاب .. لم يبق له القدرة على خلاف الإيمان فلم ينفعه، وعدم نفعه في الدنيا دليل على عدم نفعه في الآخرة.
والمعنى (١): أي فلم يفدهم إيمانهم عندما عاينوا عقابنا، وحين نزل بهم عذابنا، ومضى فيهم حكمنا، فمثل هذا الإيمان لا يفيد شيئًا، كما قال تعالى لفرعون حين الغرق وحين قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)﴾.
وبعد إذ ذكر سبحانه أنّ هذه سنته فيهم وفي أمثالهم من المكذّبين فقال: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ وقوله: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ﴾ (٢): من المصادر المؤكدة لفعل محذوف، و ﴿خَلَتْ﴾ من الخلوّ، يستعمل في الزمان والمكان، لكن لما تصوّر في الزمان المضي .. فسّر أهل اللغة قولهم: خلا الزمان، بقولهم: مضى وذهب؛ أي: سنّ الله سبحانه عدم قبول إيمان من آمن وقت رؤية البأس ومعاينته، سنةً ماضيةً في عباده مطّردةً؛ أي: في الأمم السالفة المكذبة كلها، ويجوز أن ينتصب ﴿سُنَّتَ اللَّهِ﴾ على التحذير؛ أي: احذروا يا أهل مكة سنة الله المطّردة في المكذبين السابقين، والأول أولى، والسنة: الطريقة والعادة المسلوكة، وسنة الله: طريقة حكمته.
والمعنى: أي وهكذا كانت سنة الله في الذين سلفوا، إذا عاينوا عذابه أن لا ينفعهم إيمانهم حينئذ، بعد أن جحدوا به، وأنكروا وحدانيته، وعبدوا من دونه من الأصنام والأوثان.
وقصارى ذلك (٣): أن حكم الله في جميع من تاب حين معاينة العذاب أن لا تقبل منه توبة، وقد جاء في الحديث: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر"؛ أي:
стр. 11589
فإذا غرغر، وبلغت الروح الحلقوم .. فلا توبة، ولهذا قال: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمبطِلُونَ﴾ و ﴿هُنَالِكَ﴾ (١): اسم مكان، في الأصل موضوع للإشارة إلى المكان، وقد استعير في هذا المقام للزمان، لأنه لم أشير به إلى مدلول قوله: ﴿لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ و ﴿لَمَّا﴾ للزمان .. تعيَّن أن يراد به الزمان، تشبيهًا له بالمكان في كونه ظرفًا للفعل كالمكان.
والمعنى على ما قال ابن عباس ﵄ هلك الكافرون بوحدانية الله تعالى، المكذبون بها وقت رؤيتهم البأس والعذاب. وقال الزجاج: الكافر خاسر في كل وقت، ولكنه تبيّن لهم خسرانهم، إذا رأوا العذاب، ولم يرج فلاحهم، ولم يقل: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمبطِلُونَ﴾ كما قال فيما سبق، لأنه متصل بإيمان غير مسجد، ونقيض الإيمان: الكفر كما في "برهان القرآن"؛ أي فحسن موقعه هنا، كما حسن موقع قوله: ﴿الْمبطِلُونَ﴾ هناك على ما عرف سره في موضعه.
الإعراب
﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٦)﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة: مستأنفة. ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه. ﴿نُهِيتُ﴾: فعل ماض مغير الصيغة ونائب فاعل، والجملة الفعلية، في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾: في محل النصب مقول لـ ﴿قُل﴾، ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿أَعْبُدَ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على محمد. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿أَعْبُدَ﴾ والجملة الفعلية مع ﴿أَن﴾ المصدرية: في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافص تقديره: قل: إني نهيت عن عبادة الذين. وجملة ﴿تَدْعُونَ﴾ صلة الموصول، والعائد: محذوف، تقديره: تدعونهم. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿تَدْعُونَ﴾؛ أي: مجاوزين الله، أو من العائد المحذوف. ﴿لَمَّا﴾: ظرف بمعنى حين في محل النصب على الظرفية مبني على السكون لشبهها بالحرف شبهًا افتقاريًا، والظرف: متعلق
стр. 11590
بـ ﴿نُهِيتُ﴾، ﴿جَاءَنِيَ﴾: فعل ونون وقاية ومفعول به. ﴿الْبَيِّنَاتُ﴾ فاعل؛ والجملة: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿لَمَّا﴾. ﴿مِنْ رَبِّي﴾: حال من ﴿الْبَيِّنَاتُ﴾ أو متعلق بـ ﴿جاء﴾، ﴿وَأُمِرْتُ﴾ فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعل في محل النصب معطوف على ﴿نُهِيتُ﴾. ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿أُسْلِمَ﴾: فعل مضارع ونائب فاعل يعود على محمد منصوب بـ ﴿أَن﴾ المصدرية، والجملة الفعلية مع ﴿أَن﴾ المصدرية: في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض، تقديره: وأمرت بالإسلام. و ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: متعلق بـ ﴿أُسْلِمَ﴾.
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾.
﴿هُوَ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر، والجملة: مستأنفة مسوقة لبيان كيفية تكوّن البدن. ﴿خَلَقَكُمْ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة: صلة الموصول. ﴿مِنْ تُرَابٍ﴾: متعلق بـ ﴿خلق﴾ ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾: معطوفان على ﴿مِنْ تُرَابٍ﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب. ﴿يُخْرِجُكُمْ﴾: فعل ومفعول به وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة: معطوفة على جملة ﴿خَلَقَكُمْ﴾ ﴿طِفْلًا﴾: حال من ﴿الكاف﴾ في ﴿يُخْرِجُكُمْ﴾ على تأويله بالجمع؛ أي: أطفالًا، ليطابق الحال صاحبه، ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿لِتَبْلُغُوا﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل. ﴿تبلغوا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة ﴿أَشُدَّكُمْ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية مع أن المضمرة: في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿اللام﴾. والجار والمجرور: متعلق بمحذوف معطوف على ﴿يُخْرِجُكُمْ﴾ والتقدير: ثم يخرجكم طفلًا، ثم يبقيكم لبلوغكم أشدكم. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿لِتَكُونُوا﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل، ﴿تكونوا﴾: فعل مضارع ناقص واسمه ﴿شُيُوخًا﴾: خبره، والجملة مع أن المضمرة: في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿اللام﴾؛ أي: ثم لكونكم شيوخًا، الجار والمجرور: معطوف على الجار والمجرور قبله. ﴿وَمِنْكُمْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿منكم﴾: خبر مقدم ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة: مستأنفة. ﴿يُتَوَفَّى﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعل مستتر ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: متعلق بـ ﴿يُتَوَفَّى﴾. والجملة الفعلية: صلة ﴿مَّن﴾ الموصولة ﴿وَلِتَبْلُغُوا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لِتَبْلُغُوا﴾: ﴿اللام﴾: حرف