والدلالات الواضحة تفسيرية وتفصيلية لما أبهم وأجمل من عدم الإغناء، إذ التفسير يعقب المفسّر، وقد كثر في الكلام مثل هذه الفاء ومبناها على التفسير بعد الإبهام والتفصيل بعد الإجمال ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾؛ أي: أظهروا الفرح بذلك، واستحقروا علم الرسل، والمراد بعلمهم: ما لهم من العقائد الزائفة، والشبه الباطلة، كما قالوا: لا نبعث ولا نعذّب، وما أظنّ الساعة قائمة ونحو ذلك، وتسميتها علمًا مع أنّ الاعتقاد الغير المطابق للواقع حقّه أن يسمّى جهلًا؛ للتهكُّم بهم، فهي علم على زعمهم لا في الحقيقية، أو المراد: علمهم بأمور الدنيا، ومعرفتهم بتدبيرها، كما قال: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾.
فلما (١) جاءتهم الرسل بعلوم الديانات، وهي أبعد شيء من علمهم، لبعثها على رفض الدنيا، والإعراض عن الملاذّ والشهوات .. لم يلتفتوا إليها، وصغّروها واستهزؤوا بها، واعتقدوا أنه لا علم أنفع وأجلب للفوائد من علمهم، ففرحوا به، أو المراد: علم الفلاسفة والدهريين، وهو علم الطبائع والتنجيم، فإن الحكماء كانوا إذا سمعوا بوحي الله .. دفعوه، وصغّروا علم الأنبياء بالنسبة إلى علمهم، ويكتفون بما يكسبونه بنظر العقل، ويقولون: نحن قوم مهتدون فلا حاجة بنا إلى من يهدينا، كما قال سقراط لما ظهر موسى ﵇: نحن قوم مهذّبون، لا حاجة بنا إلى من يهذّبنا، وكان أبو جهل يكنى في الجاهلية بأبي الحكم؛ لأنهم يزعمون أنه عالم ذو حكمة، فكناه النبيّ ﷺ بأبي جهل، لأنه لو كان له علم حقيقة .. لآمن بالرسول ﵇، وقيل: الذين فرحوا بما عندهم من العلم هم الرسل، وذلك أنه لما كذّبهم قومهم .. أعلمهم الله تعالى بأنه مهلك الكافرين، ومنجي المؤمنين ففرحوا بذلك، أو المراد فرحوا بما عند الرسل من العلم فرح ضحك منه، واستهزاء به، كأنه قال: استهزؤوا بالبينات وبما جاؤوا به من علم الوحي، فرحين به مرحين، ويدل عليه قوله: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾؛ أي: نزل بالكفار وأصحابهم ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾؛ أي: وبال استهزائهم بالأنبياء، واستحقارهم لعلومهم، وما أخبروا به من العذاب ونحوه، فلم يعجزوا الله في مراده منهم.
والمعنى (٢): أي فلما جاء هذه الأمم المكذّبة للرسل من أرسلوا إليهم بالأدلة
стр. 11587
الواضحة، والبراهين الظاهرة .. فرحوا بما عندهم من شبهات ظنّوها علمًا نافعًا، كقولهم: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾، وقولهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾، وقولهم: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ ولكن حل بهم ما كانوا يستعجلون به رسلهم استهزاءً وسخريةً.
٨٤ - ثمّ ذكر حالهم حين عاينوا العذاب فقال: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا﴾؛ أي: فلما رأت الأمم السالفة المكذبة، وعاينوا ﴿بَأْسَنَا﴾؛ أي: شدّة عذابنا في الدنيا، ووقعوا في مذلة الخيبة، ومنه قوله تعالى: ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾؛ أي: شديد .. ﴿قَالُوا﴾ مضطزين ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ لا شريك له ﴿وَكَفَرْنَا﴾؛ أي: حجدنا ﴿بِمَا كُنَّا بِهِ﴾؛ أي: بسبب الإيمان به يعنون الأصنام التي يعبدونها، وهذه ﴿الفاء﴾: (١) لمجرد التعقيب، وجعل ما بعدها تابعًا لما قبلها، واقعًا عقيبه؛ لأن مضمون قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ﴾ إلخ. هو أنهم كفروا، فصار مجموع الكلام بمنزلة أن يقال: فكفروا ثم لما رأوا باسنا .. آمنوا.
أي (٢): فلما عاينوا عذابنا النازل بهم .. قالوا: آمنا بالله، وكفرنا بتلك المعبودات الباطلة، والآلهة الزائفة، التي لا تجدي فتيلًا ولا قطميرًا.
ثم بيّن أن ذلك لا يفيدهم شيئًا، فقد فات الأوان، فلا يفيد الندم ولا الاعتراف بالحق شيئًا.
نَدِمَ الْبُغَاةُ وَلاتَ سَاعَةَ مَنْدَمِ ... والْبَغْيُ مَرْتَعُ مُبْتَغِيْهِ وَخِيْمُ
٨٥ - فقال سبحانه: ﴿فَلَوْ يَكُ﴾ أصله يكن حذفت النون لكثرة استعماله ﴿يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ﴾؛ أي: تصديقهم بالوحدانية اضطرارًا، وقوله: ﴿إيمانهم﴾: يجوز (٣) أن يكون اسم ﴿كان﴾ و ﴿يَنْفَعُهُمْ﴾: خبره مقدما عليه، وأن يكون فاعل ﴿يَنْفَعُهُمْ﴾ واسم ﴿كان﴾: ضمير الشأن المستتر فيه ﴿لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾؛ أي: حين رؤيتهم شدة عذابنا، والوقوع فيه لامتناع قبوله حينئذٍ امتناعًا عاديًا، كما يدل عليه قوله: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ ...﴾ إلخ.
стр. 11588
فامتنع القبول؛ لأنهم لم يأتوا به في الوقت المأمور به، لذلك قيل: ﴿فَلَمْ يَكُ﴾ بمعنى: لم يصحّ ولم يستقم، فإنه أبلغ في نفي النفع من لم ينفعهم إيمانهم، وهذه الفاء: للعطف على ﴿آمَنُوا﴾ كأنه قيل: فآمنوا فلم ينفعهم، لأنّ النافع هو الإيمان الاختياري الواقع مع القدرة على خلافه، ومن عاين نزول العذاب .. لم يبق له القدرة على خلاف الإيمان فلم ينفعه، وعدم نفعه في الدنيا دليل على عدم نفعه في الآخرة.
والمعنى (١): أي فلم يفدهم إيمانهم عندما عاينوا عقابنا، وحين نزل بهم عذابنا، ومضى فيهم حكمنا، فمثل هذا الإيمان لا يفيد شيئًا، كما قال تعالى لفرعون حين الغرق وحين قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)﴾.
وبعد إذ ذكر سبحانه أنّ هذه سنته فيهم وفي أمثالهم من المكذّبين فقال: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ وقوله: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ﴾ (٢): من المصادر المؤكدة لفعل محذوف، و ﴿خَلَتْ﴾ من الخلوّ، يستعمل في الزمان والمكان، لكن لما تصوّر في الزمان المضي .. فسّر أهل اللغة قولهم: خلا الزمان، بقولهم: مضى وذهب؛ أي: سنّ الله سبحانه عدم قبول إيمان من آمن وقت رؤية البأس ومعاينته، سنةً ماضيةً في عباده مطّردةً؛ أي: في الأمم السالفة المكذبة كلها، ويجوز أن ينتصب ﴿سُنَّتَ اللَّهِ﴾ على التحذير؛ أي: احذروا يا أهل مكة سنة الله المطّردة في المكذبين السابقين، والأول أولى، والسنة: الطريقة والعادة المسلوكة، وسنة الله: طريقة حكمته.
والمعنى: أي وهكذا كانت سنة الله في الذين سلفوا، إذا عاينوا عذابه أن لا ينفعهم إيمانهم حينئذ، بعد أن جحدوا به، وأنكروا وحدانيته، وعبدوا من دونه من الأصنام والأوثان.
وقصارى ذلك (٣): أن حكم الله في جميع من تاب حين معاينة العذاب أن لا تقبل منه توبة، وقد جاء في الحديث: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر"؛ أي:
стр. 11589
فإذا غرغر، وبلغت الروح الحلقوم .. فلا توبة، ولهذا قال: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمبطِلُونَ﴾ و ﴿هُنَالِكَ﴾ (١): اسم مكان، في الأصل موضوع للإشارة إلى المكان، وقد استعير في هذا المقام للزمان، لأنه لم أشير به إلى مدلول قوله: ﴿لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ و ﴿لَمَّا﴾ للزمان .. تعيَّن أن يراد به الزمان، تشبيهًا له بالمكان في كونه ظرفًا للفعل كالمكان.
والمعنى على ما قال ابن عباس ﵄ هلك الكافرون بوحدانية الله تعالى، المكذبون بها وقت رؤيتهم البأس والعذاب. وقال الزجاج: الكافر خاسر في كل وقت، ولكنه تبيّن لهم خسرانهم، إذا رأوا العذاب، ولم يرج فلاحهم، ولم يقل: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمبطِلُونَ﴾ كما قال فيما سبق، لأنه متصل بإيمان غير مسجد، ونقيض الإيمان: الكفر كما في "برهان القرآن"؛ أي فحسن موقعه هنا، كما حسن موقع قوله: ﴿الْمبطِلُونَ﴾ هناك على ما عرف سره في موضعه.
الإعراب
﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٦)﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة: مستأنفة. ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه. ﴿نُهِيتُ﴾: فعل ماض مغير الصيغة ونائب فاعل، والجملة الفعلية، في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾: في محل النصب مقول لـ ﴿قُل﴾، ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿أَعْبُدَ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على محمد. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿أَعْبُدَ﴾ والجملة الفعلية مع ﴿أَن﴾ المصدرية: في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافص تقديره: قل: إني نهيت عن عبادة الذين. وجملة ﴿تَدْعُونَ﴾ صلة الموصول، والعائد: محذوف، تقديره: تدعونهم. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿تَدْعُونَ﴾؛ أي: مجاوزين الله، أو من العائد المحذوف. ﴿لَمَّا﴾: ظرف بمعنى حين في محل النصب على الظرفية مبني على السكون لشبهها بالحرف شبهًا افتقاريًا، والظرف: متعلق
стр. 11590
بـ ﴿نُهِيتُ﴾، ﴿جَاءَنِيَ﴾: فعل ونون وقاية ومفعول به. ﴿الْبَيِّنَاتُ﴾ فاعل؛ والجملة: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿لَمَّا﴾. ﴿مِنْ رَبِّي﴾: حال من ﴿الْبَيِّنَاتُ﴾ أو متعلق بـ ﴿جاء﴾، ﴿وَأُمِرْتُ﴾ فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعل في محل النصب معطوف على ﴿نُهِيتُ﴾. ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿أُسْلِمَ﴾: فعل مضارع ونائب فاعل يعود على محمد منصوب بـ ﴿أَن﴾ المصدرية، والجملة الفعلية مع ﴿أَن﴾ المصدرية: في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض، تقديره: وأمرت بالإسلام. و ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: متعلق بـ ﴿أُسْلِمَ﴾.
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾.
﴿هُوَ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر، والجملة: مستأنفة مسوقة لبيان كيفية تكوّن البدن. ﴿خَلَقَكُمْ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة: صلة الموصول. ﴿مِنْ تُرَابٍ﴾: متعلق بـ ﴿خلق﴾ ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾: معطوفان على ﴿مِنْ تُرَابٍ﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب. ﴿يُخْرِجُكُمْ﴾: فعل ومفعول به وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة: معطوفة على جملة ﴿خَلَقَكُمْ﴾ ﴿طِفْلًا﴾: حال من ﴿الكاف﴾ في ﴿يُخْرِجُكُمْ﴾ على تأويله بالجمع؛ أي: أطفالًا، ليطابق الحال صاحبه، ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿لِتَبْلُغُوا﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل. ﴿تبلغوا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة ﴿أَشُدَّكُمْ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية مع أن المضمرة: في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿اللام﴾. والجار والمجرور: متعلق بمحذوف معطوف على ﴿يُخْرِجُكُمْ﴾ والتقدير: ثم يخرجكم طفلًا، ثم يبقيكم لبلوغكم أشدكم. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿لِتَكُونُوا﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل، ﴿تكونوا﴾: فعل مضارع ناقص واسمه ﴿شُيُوخًا﴾: خبره، والجملة مع أن المضمرة: في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿اللام﴾؛ أي: ثم لكونكم شيوخًا، الجار والمجرور: معطوف على الجار والمجرور قبله. ﴿وَمِنْكُمْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿منكم﴾: خبر مقدم ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة: مستأنفة. ﴿يُتَوَفَّى﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعل مستتر ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: متعلق بـ ﴿يُتَوَفَّى﴾. والجملة الفعلية: صلة ﴿مَّن﴾ الموصولة ﴿وَلِتَبْلُغُوا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لِتَبْلُغُوا﴾: ﴿اللام﴾: حرف
стр. 11591
جر وتعليل. ﴿تبلغوا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة. ﴿أَجَلًا﴾: مفعول به ﴿مُسَمًّى﴾: صفة لـ ﴿أَجَلًا﴾، والجملة الفعلية مع أن المضمرة: في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿اللام﴾ والجار والمجرور: متعلق بمحذوف معطوف على ﴿يُتَوَفَّى﴾، والتقدير: ومنكم من يتوفى من قبل، ومنكم من يبقي لبلوغكم أجلًا مسمى ﴿وَلَعَلَّكُمْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿لعل﴾: حرف ترّج وتعليل. و ﴿الكاف﴾: اسمها، وجملة ﴿تَعْقِلُونَ﴾: خبرها، وجملة ﴿لعل﴾: معطوفة على جملة ﴿لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾؛ أي: ثم يبقيكم لبلوغكم أشدكم، ولجعلكم عاقلين.
﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨)﴾.
﴿هُوَ الَّذِي﴾ مبتدأ وخبر، والجملة: مستأنفة. وجملة ﴿يُحْيِي﴾: صلة الموصول. ﴿وَيُمِيتُ﴾. معطوف على ﴿يُحْيِي﴾. ﴿فَإِذَا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿قَضَى﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله. ﴿أَمْرًا﴾: مفعول به، والجملة: في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها، على كونها فعل شرط لها، والظرف: متعلق بالجواب. ﴿فَإِنَّمَا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إذا﴾، ﴿إنما﴾: كافة ومكفوفة. ﴿يَقُولُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر. ﴿لَهُ﴾: متعلق بـ ﴿يَقُولُ﴾، والجملة الفعلية: جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾: معطوفة على جملة ﴿يُحْيِي﴾؛ أي: وهو الذي يحيي ويميت، يقول: كن وقت قضائه أمرًا ﴿كُنْ﴾: فعل أمر تام، وفاعل مستتر يعود على ﴿أَمْرًا﴾ والجملة: في محل النصب مقول ﴿يَقُولُ﴾. ﴿فَيَكُونُ﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية. ﴿يكون﴾: فعل مضارع تام، وفاعله: ضمير يعود على ﴿أَمْرًا﴾ والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: فهو يكون، والجملة الاسمية: مستأنفة.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١)﴾.
﴿أَلَمْ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التقريري التعجبي. ﴿لم﴾: حرف نفي وجزم، ﴿تَرَ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على محمد مجزوم بـ ﴿لم﴾، وعلامة جزمه: حذف حرف العلة، والجملة: مستأنفة. ﴿إِلَى الَّذِينَ﴾: متعلق بـ ﴿تَرَ﴾. ﴿يُجَادِلُونَ﴾:
стр. 11592
فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿يُجَادِلُونَ﴾، ﴿أَنَّى﴾: اسم استفهام بمعنى كيف، في محل النصب على الحال، ﴿يُصْرَفُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، ومتعلقه: محذوف، تقديره: كيف يصرفون عن الإيمان بالكلية. ﴿الَّذِينَ﴾: في محل الجر بدل من ﴿الَّذِينَ﴾ الأول. ﴿كَذَّبُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة: صلة الموصول. ﴿بِالْكِتَابِ﴾: متعلق بـ ﴿كَذَّبُوا﴾ ﴿وَبِمَا﴾: جار ومجرور معطوف على ﴿بِالْكِتَابِ﴾ ﴿أَرْسَلْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾. ﴿رُسُلَنَا﴾: مفعول به، والجملة: صلة الموصول ﴿فَسَوْفَ﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية ﴿سوف﴾: حرف تنفيس. ﴿يَعْلَمُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة مسوقة للتهديد، هذا ويجوز أن تعرب الذين خبرًا لمبتدأ محذوف، أو منصوبًا على الذم، ويجوز أن يكون مبتدأ، خبره: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ و ﴿الفاء﴾: رابطة لما في الموصول من رائحة الشرط، ﴿إِذ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، في محل النصب على الظرفية، مبني على السكون المقدر، والظرت: متعلق بـ ﴿يَعْلَمُونَ﴾، أو هي في محل النصب مفعول به لـ ﴿يَعْلَمُونَ﴾ ولا يتنافى كون الظرف ماضيًا، و ﴿سوف يعلمون﴾ مستقبلًا، ففي جعلها مفعولًا به تناف من استحالة عمل المستقبل في الزمن الماضي، ولك أن تقول: لا منافاة؛ لأنّ الأمور المستقبلة لما كانت في أخبار الله تعالى متيقّنة مقطوعًا بها .. عبّر عنها بلفظ ما كان ووجد، والمعنى على الاستقبال. ﴿الْأَغْلَالُ﴾ مبتدأ، ﴿فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾: خبر. ﴿وَالسَّلَاسِلُ﴾: معطوف على ﴿الْأَغْلَالُ﴾، والظرف: في نية التأخير عنهما، فهو خبر عنهما معًا، والجملة الاسمية: في محل الجرّ مضاف إليه لـ ﴿إِذِ﴾؛ أي: فسوف يعلمون عاقبة أمرهم وقت كون الأغلال والسلاسل في أعناقهم. ﴿يُسْحَبُونَ﴾: فعل ونائب فاعل.
﴿فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (٧٤)﴾.
﴿فِي الْحَمِيمِ﴾: متعلق بـ ﴿يُسْحَبُونَ﴾ والجملة الفعلية: في محل النصب حال من ضمير ﴿أَعْنَاقِهِمْ﴾ لوجود شرطه وهو كون المضاف بعضًا من المضاف إليه. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب. ﴿فِي النَّارِ﴾: متعلق بـ ﴿يُسْجَرُونَ﴾. وجملة ﴿يُسْجَرُونَ﴾: في محل النصب معطوفة على جملة ﴿يُسْحَبُونَ﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب. ﴿قيِلَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة ﴿لَهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿قيِلَ﴾ وجملة ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾:
стр. 11593
نائب فاعل محكي لـ ﴿قيِلَ﴾. وجملة ﴿قِيلَ﴾: معطوفة على جملة ﴿يُسْجَرُونَ﴾. وإن شئت قلت: ﴿أَيْنَ﴾: اسم استفهام في محل النصب على الظرفية المكانية، والظرف: متعلق بمحذوف خبر مقدم ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ، والجملة الاسمية: في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿قيِلَ﴾. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه. وجملة ﴿تُشْرِكُونَ﴾: خبره ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: حال من فاعل ﴿تُشْرِكُونَ﴾. وجملة ﴿كان﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة.
﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (٧٤) ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦)﴾.
﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿ضَلُّوا﴾: فعل وفاعل. ﴿عَنَّا﴾: متعلق به، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ ﴿بَل﴾: حرف إضراب للإضراب الانتقالي. ﴿لَمْ﴾: حرف جزم ﴿نَكُنْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾ واسمها ضمير يعود على المتكلمين. وجملة ﴿نَدْعُو﴾: خبرها. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: جار ومجرور حال من ﴿شَيْئًا﴾ أو متعلق بـ ﴿نَدْعُو﴾. ﴿شَيْئًا﴾: مفعول به لـ ﴿نَدْعُو﴾ وجملة ﴿لَمْ نَكُنْ﴾: في محل النصب معطوفة على جملة ﴿ضَلُّوا﴾ على كونا مقولًا لـ ﴿قَالُوا﴾. ﴿كَذَلِكَ﴾ صفة لمصدر محذوف: ﴿يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة: مستأنفة؛ أي: يضل الله الكافرين كلهم إضلالًا مثل إضلالهم المذكور. ﴿ذَلِكُمْ﴾: مبتدأ. ﴿بِمَا﴾: خبر، والجملة: في محل النصب مقول لقول محذوف، تقديره: وتقول لهم الخزنة: ذلكم ... إلخ. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه. وجملة ﴿تَفْرَحُونَ﴾: خبره. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق بـ ﴿تَفْرَحُونَ﴾، ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: حال من فاعل ﴿تَفْرَحُونَ﴾ وجملة ﴿كان﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة أو لـ ﴿ما﴾ المصدرية، وقوله: ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾: معطوف على قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ﴾. ﴿ادْخُلُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة: أيضًا مقول لقول محذوف؛ أي: ويقال لهم: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾. ﴿أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾: مفعول به على السعة ﴿خَالِدِينَ﴾: حال من فاعل ﴿ادْخُلُوا﴾. ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾. ﴿فَبِئْسَ﴾ ﴿الفاء﴾: استئنافية أو عاطفة ﴿بئس﴾: فعل ماض من أفعال الذم. ﴿مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾: فاعل ومضاف إليه، والمخصوص بالذم: محذوف، تقديره: هي،
стр. 11594
وجملة ﴿بئس﴾: مستأنفة مسوقة لإنشاء الذم، أو معطوفة على جملة ﴿ادْخُلُوا﴾.
﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٧٧)﴾.
﴿فَاصْبِرْ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا بدا لك منهم ما بدا من صد وإعراض، وأردت بيان ما هو اللازم لك .. فأقول لك: ﴿اصبر﴾ ولا تبتئس فإنا سننتقم لك منهم ﴿اصبر﴾: فعل أمر وفاعل مستتر، تقديره: أنت، والجملة الفعلية: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة: مستأنفة ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾: ناصب واسمه وخبره، وجملة ﴿إِنَّ﴾: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، على أنها مسوقة لتعليل الأمر بالصبر. ﴿فَإِمَّا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿إما﴾ ﴿إن﴾: حرف شرط جازم مبني بسكون على النون المدغمة في ميم ﴿ما﴾ الزائدة، و ﴿ما﴾: زائدة، ﴿نُرِيَنَّكَ﴾: فعل مضارع في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية، على كونه فعل شرط لها. مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، و ﴿نون﴾ التوكيد الثقيلة: حرف لا محل لها من الإعراب، وفاعله: ضمير مستتر فيه وجوبًا، تقديره: نحن. والكاف: ضمير المخاطب في محل النصب مفعول أول ﴿بَعْضَ الَّذِي﴾: مفعول ثان لـ ﴿رأى﴾، لأنه من رأى البصرية، تعدّت إلى المفعول الثاني بالهمزة. ﴿نَعِدُهُمْ﴾: فعل مضارع ومفعول به وفاعل مستتر، والجملة: صلة الموصول، وجواب ﴿إن﴾ الشرطية: محذوف، تقديره: ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ وهو القتل والأسر يوم بدر، فذاك غاية أملك، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية: في محل النصب معطوفة على جملة ﴿اصبر﴾ على كونها مقولًا لجواب إذا المقدرة، ﴿أَوْ﴾: حرف عطف: ﴿نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾: فعل مضارع في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية بالعطف على ﴿نُرِيَنَّكَ﴾ مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله: ضمير مستتر فيه وجوبًا، تقديره: نحن، و ﴿الكاف﴾: ضمير المخاطب في محل النصب مفعول به. ﴿فَإِلَيْنَا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية جوازًا. ﴿إلينا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُرْجَعُونَ﴾، ﴿يُرْجَعُونَ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة ونائب فاعل، والجملة: في محل الجزم جواب للشرط الثاني، وجواب الشرط الأول: محذوف كما مرّ آنفًا، والتقدير: فإما نرينّك بعض الذي نعدهم من العذاب، وهو القتل والأسر يوم بدر، فذاك المطلوب ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبل
стр. 11595
يوم بدر ﴿فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ يوم القيامة فننتقم منهم أشدّ الانتقام. وإنما حذف جواب الأول دون الثاني؛ لأن الأول إن وقع .. فذاك غاية الأمل في إنكائهم، فالثابت على تقدير وقوعه معلوم، وهو حصول المراد على التمام، وأما إن لم يقع ووقع الثاني وهو توفيه قبل حلول المجازاة بهم .. فهذا هو الذي يحتاج إلى ذكره للتسلية وتطمين النفس، على أنه وإن تأخر جزاؤُهم عن الدنيا .. فهو حتم في الآخرة ولا بد منه.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨)﴾.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم ﴿قد﴾ حرف تحقيق. ﴿أَرْسَلْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿رُسُلًا﴾: مفعول به. ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾: متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾، أو صفة لـ ﴿رُسُلًا﴾ والجملة الفعلية: جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم: مستأنفة. ﴿مِنْهُمْ﴾: خبر مقدم ﴿مَنْ﴾ اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخر. وجملة ﴿قَصَصْنَا﴾: صلة لـ ﴿مَنْ﴾ الموصولة، والعائد: محذوف، تقديره: قصصناهم ﴿عَلَيْكَ﴾: متعلق بـ ﴿قَصَصْنَا﴾، والجملة الاسمية: في محل النصب صفة لـ ﴿رُسُلًا﴾ أو مستأنفة استئنافًا بيانيًا. ﴿وَمِنْهُمْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مِنْهُمْ﴾: خبر مقدم ﴿مَنْ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية: معطوف على جملة قوله: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا﴾. ﴿لَمْ﴾: حرف جزم ﴿نَقْصُصْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾ وفاعله: ضمير مستتر، تقديره: نحن. ﴿عَلَيْكَ﴾: متعلق بـ ﴿نَقْصُصْ﴾ والجملة: صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة. والعائد: محذوف، تقديره: من لم نقصصهم عليك.
﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾.
﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿كاَنَ﴾: فعل ماض ناقص ﴿لِرَسُولٍ﴾: خبرها مقدم على اسمها. ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿يَأْتِيَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أَن﴾ المصدرية، وفاعله: ضمير يعود على ﴿رسول﴾. ﴿بِآيَةٍ﴾:
стр. 11596
متعلق بـ ﴿يَأْتِيَ﴾ والجملة الفعلية مع ﴿أَن﴾ المصدرية: في تأويل مصدر مرفوع على كونه اسم ﴿كاَنَ﴾ مؤخرًا، والتقدير: وما كان الإتيان بآية كائنًا لرسول من الرسل إلا بإذن الله تعالى، وجملة ﴿كاَنَ﴾: معطوفة على جملة ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ أو مستأنفة. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ من أعم الأحوال، ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿يَأْتِيَ﴾؛ أي: وما كان لرسول أن يأتي بآية في جال من الأحوال، إلا بإذن الله، ﴿فَإِذَا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾: فعل وفاعل، والجملة: في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها والظرف: متعلق بالجواب. ﴿قُضِىَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ﴿بِالْحَقِّ﴾: جار ومجرور في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿قُضِيَ﴾، وجملة ﴿قُضِيَ﴾: جواب ﴿إذا﴾ وجملة ﴿إذا﴾: معطوفة على جملة ﴿كاَنَ﴾ أو مستأنفة. ﴿وَخَسِرَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿خسر﴾: فعل ماض. ﴿هُنَالِكَ﴾: ظرف مكان متعلق بـ ﴿خسر﴾، ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾: فاعل لـ ﴿خسر﴾، والجملة: معطوفة على جملة ﴿قُضِيَ﴾ على كونها جواب ﴿إذا﴾ الشرطية.
﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠) وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (٨١)﴾.
﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ ﴿الَّذِي﴾: خبره، والجملة: مستأنفة مسوقة لتعداد بعض آلائه سبحانه. ﴿جَعَلَ﴾: فعل ماض بمعنى خلق، وفاعله: ضمير مستتر، والجملة: صلة الموصول. ﴿لَكُمُ﴾: متعلق بـ ﴿جَعَلَ﴾، ﴿الْأَنْعَامَ﴾: مفعول به ﴿لِتَرْكَبُوا﴾: ﴿اللام﴾: حرف جرّ وتعليل. ﴿تركبوا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة بعد لام كي. ﴿مِنْهَا﴾ - أي: بعضها - متعلق بـ ﴿تركبوا﴾ والجملة الفعلية مع أن المضمرة. في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿اللام﴾ والجار والمجرور: متعلق بـ ﴿جَعَلَ﴾، والتقدير: الله الذي خلق لكم الأنعام لمنفعة ركوبكم إياها. ﴿وَمِنْهَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿مِنْهَا﴾: متعلق بـ ﴿تَأْكُلُونَ﴾: قدمه عليه لرعاية الفواصل. ﴿تَأْكُلُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة: معطوفة على جملة ﴿تركبوا﴾؛ أي: خلقها لركوبكم إياها ولأكلكم منها. ﴿وَلَكُمْ﴾ ﴿الواو﴾: اعتراضية. ﴿لَكُمُ﴾: خبر مقدم. ﴿فِيهَا﴾: حال من ﴿مَنَافِعُ﴾، و ﴿مَنَافِعُ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية: معترضة لا محل لها من
стр. 11597
الإعراب، لاعتراضها بين المعطوف والمعطوف عليه. ﴿وَلِتَبْلُغُوا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿اللام﴾: حرف جرّ وتعليل، ﴿تبلغوا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، ﴿عَلَيْهَا﴾: متعلق بـ ﴿تبلغوا﴾ ﴿حَاجَةً﴾ مفعول به. ﴿فِي صُدُورِكُمْ﴾: صفة لـ ﴿حَاجَةً﴾ والجملة الفعلية مع أن المضمرة: في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿اللام﴾ والجار والمجرور: معطوف. على الجار والمجرور في قوله: ﴿لِتَرْكَبُوا﴾ والتقدير: الله الذي خلق لكم الأنعام لركوبها، ولبلوغ حاجة في صدوركم عليها. ﴿وَعَلَيْهَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿عَلَيْهَا﴾: متعلق بـ ﴿تُحْمَلُونَ﴾، ﴿وَعَلَى الْفُلْكِ﴾: معطوف على ﴿عَلَيْهَا﴾، ﴿تُحْمَلُونَ﴾: فعل مضارع مغير ونائب فاعل، والجملة: مستأنفة استئنافًا بيانيًا. ﴿وَيُرِيكُمْ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر، ومفعول أول. ﴿آيَاتِهِ﴾: مفعول ثان، والجملة الفعلية: معطوفة على جملة ﴿جَعَلَ﴾، ﴿فَأَيَّ﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية، ﴿أي﴾: اسم استفهام للاستفهام التوبيخي، منصوب على أنه مفعول مقدم وجوبًا لـ ﴿تُنْكِرُونَ﴾؛ لأن اسم الاستفهام مما يلزم الصدارة. ﴿آيَاتِ اللَّهِ﴾ مضاف إليه ﴿تُنْكِرُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة مسوقة للتوبيخ والتقريع.
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾.
﴿أَفَلَمْ﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التوبيخي المضمّن للإنكار، داخلة على محذوف، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أقعد قومك قريب في منازلهم ولم يسيروا في الأرض؛ والجملة المحذوفة: مستأنفة. ﴿لم﴾: حرف نفي وجزم. ﴿يَسِيرُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لم﴾ ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق بـ ﴿يَسِيرُوا﴾ والجملة: معطوفة على تلك المحذوفة. ﴿فَيَنْظُرُوا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة أو سببية واقعة في جواب الاستفهام ﴿ينظروا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿يَسِيرُوا﴾ ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام في محل النصب خبر ﴿كاَنَ﴾ مقدم وجوبًا ﴿كاَنَ﴾: فعل ماض ناقص. ﴿عَاقِبَةُ﴾: اسم ﴿كاَنَ﴾. ﴿الَّذِينَ﴾: مضاف إليه. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: صلة ﴿الَّذِينَ﴾، وجملة ﴿كاَنَ﴾: في محل النصب مفعول ﴿ينظروا﴾: معلق عنها باسم الاستفهام.
﴿كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
﴿كَانُوا أَكْثَرَ﴾: فعل ناقص واسمه، وخبره ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿أَكْثَرَ﴾
стр. 11598
وجملة ﴿كان﴾: مستأنفة مسوقة لبيان مبدأ أحوالهم وعواقبها، ﴿وَأَشَدَّ﴾: معطوف على ﴿أَكْثَرَ﴾ ﴿قُوَّةً﴾. تمييز محوّل عن اسم ﴿كان﴾ ﴿وَآثَارًا﴾: معطوف على ﴿قُوَّةً﴾ ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: صفة لـ ﴿آثارًا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿ما﴾: نافية أو استفهامية في محل النصب مفعول مقدم لـ ﴿أَغْنَى﴾. ﴿أَغْنَى﴾: فعل ماض ﴿عَنْهُم﴾: متعلق بـ ﴿أَغْنَى﴾، ﴿مَا﴾: اسم موصول بمعنى الذي في محل الرفع فاعل ﴿أَغْنَى﴾ أو مصدرية والمصدر المؤوّل بها: فاعل ﴿أَغْنَى﴾؛ ﴿كَانُوا﴾: فعل ماض ناقص واسمه. وجملة ﴿يَكْسِبُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿كَانُوا﴾: صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، والعائد: محذوف، تقديره: ما كانوا يكسبونه، أو صلة لـ ﴿مَا﴾ المصدرية، والمصدر المؤوّل فاعل ﴿أَغْنَى﴾؛ أي: لم يغن عنهم، أو أيّ شيء أغنى عنهم مكسوبهم أو كسبهم، وجملة ﴿فَمَا أَغْنَى﴾: معطوفة على جملة ﴿كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ﴾.
﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣)﴾.
﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: تفصيلية تفسيرية. ﴿لما﴾: اسم شرط غير جازم في محل نصب على الظرفية الزمانية ﴿جَاءَتْهُمْ﴾: فعل ومفعول به ﴿رُسُلُهُمْ﴾: فاعل. ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾: متعلق بـ ﴿جَاءَتْهُمْ﴾ أو حال من ﴿الرسل﴾ والجملة: فعل شرط لـ ﴿لمّا﴾ في محل جر بالإضافة. ﴿فَرِحُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة: جواب ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة لما: جملة مفسرة لجملة قوله: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ﴾: لا محل لها من الإعراب، ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿فَرِحُوا﴾، ﴿عِندَهُم﴾: ظرف متعلق بمحذوف صلة لـ ﴿ما﴾ ﴿مِنَ الْعِلْمِ﴾: حال من ﴿ما﴾ الموصولة، أو من الضمير المستكن في الظرف ﴿وَحَاقَ﴾: فعل ماض معطوف على ﴿فَرِحُوا﴾. ﴿بِهِم﴾: متعلق بـ ﴿حاق﴾. ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل الرفع فاعل ﴿حاق﴾ ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وجملة ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾: خبر ﴿كان﴾ وجملة ﴿كان﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة.
﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤)﴾.
﴿فَلَمَّا﴾ ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتعقيب. ﴿لما﴾: اسم شرط غير جازم في محل نصب على الظرفية الزمانية. ﴿رَأَوْا﴾: فعل وفاعل. ﴿بَأْسَنَا﴾: مفعول به لرأى
стр. 11599
لأنها بصرية، والجملة الفعلية: فعل شرط لـ ﴿لمّا﴾ في محل جر بالإضافة، ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة: جواب ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لما﴾: معطوفة على جملة ﴿لما﴾ الأولى، ﴿آمَنَّا﴾ فعل وفاعل ﴿بِاللهِ﴾: متعلق بـ ﴿آمَنَّا﴾ والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾، ﴿وَحْدَهُ﴾: حال من الجلالة حال لازمة. ﴿وَكَفَرْنَا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿آمَنَّا﴾. ﴿بِمَا﴾: متعلق بـ ﴿كفرنا﴾ ﴿كُنَّا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿مُشْرِكِينَ﴾ ﴿مُشْرِكِينَ﴾: خبر ﴿كان﴾ وجملة كان صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة.
﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥)﴾.
﴿فَلَمْ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿لم﴾: حرف جزم: ﴿يَكُ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لم﴾، وعلامة جزمه السكون الظاهر على النون المحذوفة للتخفيف، واسمها: ضمير الشأن. ﴿يَنْفَعُهُمْ﴾: فعل ومفعول. ﴿إِيمَانُهُمْ﴾: فاعل، والجملة الفعلية: في محل النصب خبر ﴿يكون﴾، وجملة ﴿يكون﴾: معطوفة على جملة ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾. ﴿لَمَّا﴾: ظرف زمان مجرّد عن معنى الشرط، متعلق بـ ﴿إِيمَانُهُمْ﴾. ﴿رَأَوْا بَأْسَنَا﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿لمّا﴾. ﴿سُنَّتَ اللَّهِ﴾: منصوب على المفعولية المطلقة بفعل مقدر من لفظه؛ أي: سنّ الله بهم ذلك سنة من قبلهم؛ أي: سنته فيمن قبلهم، والجملة المحذوفة: مستأنفة. ﴿الَّتِي﴾: اسم موصول في محل النصب صفة لـ ﴿سُنَّتَ اللَّهِ﴾. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿خَلَتْ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الموصول، والجملة: صلة الموصول لا محل لها من الإعراب ﴿فِي عِبَادِهِ﴾: متعلق بـ ﴿خَلَتْ﴾، ﴿وَخَسِرَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿خسر﴾: فعل ماض ﴿هُنَالِكَ﴾: متعلق به ﴿الْكَافِرُونَ﴾: فاعل، والجملة: مستأنفة.
التصريف ومفردات اللغة
﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ﴾: ماض مغيّر الصيغة من النهي، وهو الزجر عن شيء. ﴿أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يقال: أسلم أمره لله: إذا سلّم، وذلك إنما يكون بالرضى والانقياد لحكمه، وأسلمت له الشيء: إذا جعلته سالمًا خالصًا له. ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾
стр. 11600
قال الراغب: النطفة: الماء الصافي، ويعبّر بها عن ماء الرجل؛ أي: ماء الصلب يوضع في الرحم كما مرّ. ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ وهو الدم الجامد. ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ والطفل: الولد ما دام ناعمًا، كما في "المفردات" والصغير من كل شيء أو المولود. كما في "القاموس" وحد الطفل: من أول ما يولد يستهل صارخًا إلى انقضاء ستة أعوام كما مرّ. ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ قال في "القاموس": الأشد: مفرد جاء علي بناء الجمع من الشدة بمعنى القوّة، وهو ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين. ﴿شُيُوخًا﴾: جمع شيخ، وهو: من طعن في سنّ الكبر واستبانت فيه الشيخوخة، أو من خمسين أو إحدى وخمسين إلى آخر عمره، أو إلى ثمانين كما في "القاموس".
﴿أَجَلًا مُسَمًّى﴾؛ أي: وقتًا محدّدًا معيّنًا لموتكم. ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أصل يميت يموت بوزن بفعل، نقلت حركة الواو إلى الميم فسكنت إثر كسرة فقلبت ياءً حرف مدّ. ﴿فَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ من القضاء بمعنى التقدير، عبّر به عن لازمه الذي هو إرادة التكوين، كأنه قيل: إذا قدّر شيئًا من الأشياء وأراد كونه. ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ﴾: جمع غلّ بضم الغين المعجمة، وهو: ما يقيد به فيجعل الأعضاء وسطه، وغل فلان: قيد به؛ أي: وضع في عنقه أو يده الغلّ. ﴿فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ جمع عنق وهي الرقبة. ﴿وَالسَّلَاسِلُ﴾ جمع سلسلة بالكسر، وهي الدائرة من حديد أو نحوه تتصل أجزاؤُها أو حلقاتها بعضها ببعض، ومنه سلاسل البرق؛ أي: ما استطال منه في عرض السحاب وسلاسل الكتاب سطوره. قال الراغب: وتسلسل الشيء: اضطرب كأنه تصوّر منه تسلسل متردد، فتردّد لفظه تنبيه على تردد معناه، وماء مسلسل؛ أي: متردد في مقرّه، وأما السلسلة بالفتح فهو إيصال الشيء بالشيء، ولما كان في السلسلة بالكسر إيصال بعض الخلق بالبعض؛ سميت بها. ﴿يُسْحَبُونَ﴾ من السحب، وهو: الجرّ بعنف، ومنه السحاب؛ لأنّ الريح تجرُّه، أو لأنه يجرّ الماء، وسحبه كمنعه، جرّه على وجه الأرض. ﴿فِي الْحَمِيمِ﴾ والحميم: الماء الذي تناهى حرّه. قال في "القاموس": الحميم: الماء الحار، والماء البارد ضد، والقيظ والعرق؛ أي: على التشبيه. كما في "المفردات". ﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ من سجر التنور: إذا ملأه بالوقود. ﴿ضَلُّوا عَنَّا﴾ من قول العرب، ضل المسجد والدار؛ أي: لم يعرف موضعهما.
стр. 11601
﴿بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ قال في "القاموس": الفرح السرور والبطر انتهى، والبطر النشاط والأشر وقلّة احتمال النعمة والأشر شهدّة البطر، وهو أبلغ عن البطر، والبطر: أبلغ من الفرح، وفي "المفردات" الفرح: انشراح الصدر بلذّة عاجلة، ولم يرخّص إلا في الفرح بفضل الله تعالى وبرحمته وبنصر الله، والبطر: دهش يعتري الإنسان من سوء احتمال النعمة وقلة القيام بحقها، وصرفها إلى غير وجهها. ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ أصله؛ نرئينّك: نقلت حركة الهمزة إدي الراء، ثم حذفت للتخفيف فوزنه نُفِلَنَّكَ. ﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ قياسه نوعدهم، حذفت فاؤه حذفًا مطردًا لوقوعها بين ياء مفتوحة وكسرة. وقوله: ﴿أشَدُّ قُوَة﴾ أصله أشدد، نقلت حركة الدال الأولى إلى الشين فسكنت، فأدغمت في الدال الثانية. ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ﴾ يقال: أغنى عنه كذا: إذا كفاه ونفعه، وهو إذا استعمل بعن .. يتعدّى إلى مفعول؛ أي: لم يدفع ولم ينفع، وأصله: أغني بوزن أفعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها.
﴿فَلَمَّا رَأَوْا﴾ أصله: رأيوا، بوزن فعلوا قلبت الياء ألفا لتحركها بعد فتح ثم حذف الألف لالتقاء الساكنين. ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ﴾ أصله: يكون، دخل الجازم ﴿لم﴾: فصار يكون فالتقي ساكنان فحذفت الواو فصار يكن بوزن يفل، ثم حذفت النون حذفًا غير مطرد، فصار بوزن يفُ، وقد تقدم القول في حذف نون المضارع المجزوم بشرط كونه مجزومًا بالسكون، غير متصل بضمير نصب ولا بساكن، وقد وقع ذلك في التنزيل في ثمانية عشر موضعًا، وقد سمع حذفها في الشعر إذا وليها ساكن، كما في قول الخنجر بن صخر الأسديّ:
فَإِنْ لَمْ تَكُ الْمِرْآةُ أَبْدَتْ وَسَامَةً ... فَقدْ أَبْدَتِ الْمِرْآةُ جَبْهَةَ ضَيْغَمِ
فحذف النون مع ملاقاة الساكن، والمرآة بكسر الميم ومدّ الهمزة: آلة الرؤية، فكأنه نظر وجهه فيها فلم يره حسنًا، فتسلّى بأنه يشبه الضيغم وهو الأسد، والوسامة بفتح الواو: الحسن والجمال، وحمله جمهور النحاة على الضرورة. ﴿سُنَّتَ اللَّهِ﴾ من المصادر المؤكدة لعاملها المحذوف من لفظها، والسنة الطريقة والعادة المسلوكة، وسنة الله: طريقته وحكمته كا مرّ. ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ من الخلوّ وهو المضي، أصله: خلو قلبت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلا فصار خلا، ثم اتصلت بالفعل تاء التأنيث الساكنة، فالتقى ساكنان الألف والتاء، فحذفت الألف لذلك فوزنه:
стр. 11602
فعت.
فائدة: رسمت ﴿سُنَّتَ﴾ مجرور التاء ووقف عليها ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بالهاء، والباقون: بالتاء، وأمال الكسائي الهاء في الوقف. اهـ "خطيب".
البلاغة
وقد تضمّنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الطباق بين ﴿نُهِيتُ﴾ و ﴿أمرت﴾ في قوله: ﴿إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
ومنها: المجاز بالحذف في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾؛ أي: خلق أصلكم آدم من تراب.
ومنها: وضع المفرد موضع الجمع في قوله: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾؛ أي: أطفالًا لإرادة الجنس.
ومنها: الطباق بين ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾.
ومنها: الاستفهام التعجبي في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾.
ومنها: تكرير ذم المجادلة في أربعة مواضع من هذه السورة. إما لتعدد المجادل، بأن يكون في أقوام مختلفة، أو تعدّد المجادل فيه بأن يكون في آيات مختلفة أو للتأكيد.
ومنها: وصل الموصول الثاني بالتكذيب دون المجادلة في قوله: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ﴾ لأنّ المعتاد وقوع المجادلة في بعض موضوع الكتاب لا في الكل.
ومنها: صيغة الماضي في الصلة الثانية أعني: ﴿كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ﴾ للدلالة على التحقق كما أنّ صيغة المضارع في الصلة الأولى للدلالة على تجدد المجادلة وتكرُّرها.
стр. 11603
ومنها: الإتيان بصيغة الماضي في قوله: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣)﴾ للدلالة على التحقيق والوقوع، لأنّ مقتضى الظاهر أن يقال: ثمّ يقال لهم، وفي قوله: ﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾؛ أي: يقولون.
ومنها: التشبيه في قوله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾.
ومنها: الالتفات من الغيبة في قوله: ﴿يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ إلى الخطاب في قوله: ﴿ذَلِكُم﴾ الإضلال أيها الكفار للمبالغة في التوبيخ.
ومنها: الجناس الناقص بين ﴿تَفْرَحُونَ﴾ و ﴿تَمْرَحُونَ﴾.
ومنها: جناس الاشتقاق بين ﴿أَرْسَلْنَا﴾ و ﴿رُسُلًا﴾.
ومنها: طباق السلب في قوله: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾.
ومنها: الإتيان بخلاف مقتضى الظاهر في قوله: ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ لأن الظاهر أن يقال: فبئس مدخل المتكبّرين، فعبّر عن المدخل بالمثوى؛ لكون دخولهم بطريق الخلود. اهـ "أبو السعود". وفي "السمين": ولم يقل فبئس مدخل المتكبرين؛ لأن الدخول لا يدوم، وإنما يدوم الثواء، فلذلك خصّه بالذّم، وإن كان الدخول أيضًا مذمومًا. اهـ.
ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ لأن ﴿هُنَالِكَ﴾: موضوع للإشارة إلى المكان، فاستعير هنا للزمان.
ومنها: التعبير بالماضي في قوله: ﴿وَخَسِرَ﴾ للدلالة على تحقق الوقوع.
ومنها: المزاوجة في قوله: ﴿وَعَلَى الْفُلْكِ﴾ لأنّ مقتضى الظاهر أن يقال: وفي الفلك، كما في قوله: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا﴾ ليزاوج ويطابق قوله: ﴿وَعَلَيْهَا﴾.
ومنها: الاستطراد في قوله: ﴿وَعَلَى الْفُلْكِ﴾ وهو ذكر الشيء في غير موضعه لمناسبة بينه وبين ذلك الموضوع، لأنّ المقام مقام الامتنان بخلق الأنعام.
ومنها: إضافة الآيات إلى الاسم الجليل في قوله: ﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ لتربية المهابة وتهويل إنكارها.
ومنها: الاستفهام التوبيخي في قوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾.
стр. 11604
ومنها: التهكم في قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ وهو في اصطلاح البيانيين الاستهزاء والسخرية من المتكبرين لمخاطبتهم بلفظ الإجل الذي موضع التحقير، والبشارة في موضع التحذير، والوعد في موضع الوعيد، والعلم في موضع الجهل تهاونًا من القائل بالمقول له، واستهزاءً به.
ومنها: الزيادة والحذف في عدّة مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 11605
مجمل ما حوته هذه السورة الكريمة
اشتملت هذه السورة على المقاصد التالية:
١ - وصف الكتاب الكريم.
٢ - الجدل بالباطل في آيات الله.
٣ - وصف الملائكة الذين يحملون العرش ومن حوله.
٤ - طلب أهل النار الخروج منها لشدة الهول، ثم رفض هذا الطلب.
٥ - إقامة الأدلة على وجود الإله القادر.
٦ - إنذار المشركين بأهوال يوم القيامة.
٧ - قصص موسى ﵇ مع فرعون، وما دار من الحوار بين فرعون وقومه والذي يكتم إيمانه.
٨ - أمر الرسول ﷺ بالصبر على أذى قومه، كما صبر أولوا العزم من الرسل.
٩ - تعداد نعم الله سبحانه على عباده في البر والبحر.
والله أعلم
* * *
стр. 11606
سورة فصلت
سورة فصلت: وتسمى (١) سورة السجدة، وسورة حم السجدة، وسورة المصابيح: مكية، قال القرطبي: في قوله الجميع. وآيها: ثلاث أو أربع وخمسون آية. وكلماتها: سبع مئة وتسع وتسعون كلمةً. وحروفها: ثلاثة آلاف وثلاث مئة وخمسون حرفًا.
الناسخ والمنسوخ فيها: قال أبو عبد الله محمد بن حزم - رحمه الله تعالى - في كتابه (٢) "الناسخ والمنسوخ": سورة فصلت كلها محكمة، إلا آية واحدة، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ الآية (٣٤) نسخت بآية السيف. اهـ.
مناسبتها لما قبلها: (٣) أنهما اشتركتا في شيئين:
أحدهما: في تهديد قريش وتقريعهم، فقد توعدهم في السورة السابقة بقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ إلخ. وهددهم هنا بقوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾.
وثانيهما: أن كلتيهما بُدِئت بوصف الكتاب الكريم.
وقال أبو حيان: مناسبة هذه السورة لما قبلها (٤): أنه قال في آخر السابقة ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ إلى آخرها. فضمن وعيدًا وتهديدًا وتقريعًا لقريش، فأتبع ذلك التقريع والتوبيخ والتهديد بتوبيخ آخر، فذكر أنه نزل كتابًا مفصلًا آياته، بشيرًا لمن اتبعه، ونذيرًا لمن أعرض عنه، وأن أكثر قريش أعرضوا عنه، ثم ذكر قدرة الإله على إيجاد العالم العلوي والسفلي، ثم قال: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً﴾ فكان هذا كله مناسبًا لآخر سورة المؤمن، من عدم انتفاع مكذبي الرسل حين التبس بهم العذاب، وكذلك قريش حل بصناديدها من القتل والأسر والنهب والسبي
стр. 11607
واستئصال أعداء رسول الله ﷺ ما حل بعاد وثمود من استئصالهم. انتهى.
ومن فضائلها: ما روى عن النبي ﷺ : "من قرأ سورة السجدة أعطاه الله تعالى بكل حرف منها عشر حسنات" ذكره البيضاوي. ولكن لا أصل له.
ومما يدل على فضلها: ما أخرجه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو يعلى والحاكم، وصححه ابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في "الدلائل" وابن عساكر عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: اجتمعت قريش يومًا فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر، فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وعاب ديننا فليكلمه، ولينظر بم يرد عليه، فقالوا: ما نعلم أحدًا غير عتبة بن ربيعة، فقالوا: ائته يا أبا الوليد، فأتاه فقال: يا محمد، أنت خير أم عبد الله، أنت خير أم عبد المطلب، فسكت رسول الله ﷺ قال عتبة: فإن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك .. فقد عبدوا الآلهة التي عبت، وإن كنت تزعم أنك خير منهم .. فتكلم حتى نسمع قولك، أما والله ما رأينا سخلة قط أشأم على قومك منك، فرقت جماعتنا، وشتت أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب، حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرًا، وأن في قريش كاهنًا، والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف، يا رجل، إن كان إنما بك الحاجة .. جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلًا، وإن كان إنما بك الباءة .. فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجك عشرًا، فقال رسول الله ﷺ : فرغت قال: نعم، فقال رسول الله ﷺ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ حتى بلغ ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾ فقال عتبة: حسبك حسبك، ما عندك غير هذا، قال: "لا" فرجع إلى قريش، فقالوا: ما وراءك، قال ما تركت شيئًا أرى أنكم تكلمونه به إلا كلمته، قالوا: فهل أجابك قال: والذي نصبها بنيةً - يريد الكعبة - ما فهمت شيئًا مما قال، غير أنه أنذركم صاعقةً مثل صاعقة عاد وثمود، قالوا: ويلك يكلمك الرجل بالعربية وما تدري ما قال، لا والله ما فهمت شيئًا مما قال غير ذكر الصاعقة.
ومنه ما أخرجه أبو نعيم والبيهقي في "الدلائل" عن ابن عمر قال: لما قرأ النبي ﷺ علي بن ربيعة: ﴿حم (١)﴾ أتى أصحابه فقال: يا قوم، أطيعوني في هذا اليوم، واعصوني بعده، فوالله لقد سمعت من هذا الرجل كلامًا ما سمعت أذني
стр. 11608
قط كلامًا مثله، وما دريْت ما أردّ عليه، وفي هذا الباب روايات كثيرة تدل على اجتماع قريش وإرسالهم عتبة بن ربيعة، وتلاوته ﷺ أول هذه السورة عليه.
وعرض هذه السورة على عتبة بن ربيعة للرد عليهم مما يدل على فضلها وجزالتها وبلاغتها، وفي رواية أن عتبة بن ربيعة ذهب إلى رسول الله ﷺ ليعظم عليه أمر مخالفته لقومه، وليقبح عليه فيما بينَه وبينَه، وليبعد ما جاء به، فلما تكلم عتبة .. قرأ رسول الله ﷺ : ﴿حم (١)﴾ ومر في صدرها حتى انتهى إلى قوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾ فأرعد الشيخ ووقف شعره، وأمسك على فم رسول الله ﷺ بيده، وناشده بالرحم أن يمسك، وقال حين فارقه: والله لقد سمعت شيئًا ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، ولقد ظننت أن صاعقة العذاب على رأسي.
والله أعلم
* * *
المناسبة
المناسبة بين آخر السابقة وأول هذه السورة: أن السابقة ختمت بتهديد المعرضين عن آيات الله المكذبين بها، وهذه بدئت ببيان سبب إعراضهم بأن على قلوبهم أكنةً، وفي آذانهم وقر.
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما بين (١) ما يذكر المشركون من الأسباب التي تحول بينهم وبين قبول دعوته .. أمر رسوله أن يجيب عن كلامهم بأنه لا يقدر على جبرهم على الإيمان، وحملهم عليه قسرًا، فإنه بشر مثلهم، ولا ميزة له عليهم، إلا بأن الله أوحى إليه ولم يودع إليهم.
ثم ذكر أن خلاصة الوحي علم وعمل، أما العلم فدعامته التوحيد، وأما العمل فأسُّه الاستغفار والتوبة مما فرط من الذنوب، ثم أردف ذلك بالتهديد لمن يشرك بالله، ولا يزكي نفسه من دنس الشح والبخل، وينكر البعث والجزاء والحساب يوم القيامة، وينصرف إلى الدنيا ولذاتها، وبعد أن ذكر وعيد الكفار أعقبه بوعد المؤمنين الذين يعملون الصالحات، بأن لهم عند ربهم أجرًا دائمًا غير مقطوع ولا ممنوع.
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه، لما أمر رسوله بأن يقول للمشركين: إن ما تلقيته بالوحي، أن إلهكم إله واحد، فاخلصوا له العبادة .. أردف هذا بما يدل على كمال قدرته وحكمته في خلق السموات والأرض، على أطوار مختلفة متعاقبة، وأكمل لكل منها ما هي مستعدة له، وزين السماء بالنجوم والكواكب الثوابت والسيارات، ولا عجب؛ فذلك تقدير العزيز الغالب على أمره، العلم بكل ما فيها، لا يخفى عليه شيء منهما، فكيف يسوغ لكم أن تجعلوا الأوثان والأصنام شركاء له، وليس لها شيء في خلقهما وتقديرهما تعالى عن ذلك.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً ...﴾ الآيات، مناسبتها لما
стр. 11611
قبلها: أن الله سبحانه لما أنكر عليهم عبادة الأنداد والأوثان، وطلب إليهم أن لا يعبدوا إلا الله الذي خلق السموات والأرض، وزين السماء الدنيا بالمصاييح، وأوجد في الأرض جبالًا رواسي، ثم أعرضوا عن كل ذلك، ولم يبق حينئذ طريق لعلاجهم .. أمر رسوله أن ينذرهم بحلول شديد النقم بهم، إن هم أصروا على عنادهم كما نزل بعاد وثمود من قبلهم.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما بين كيف عاقب أولئك الجاحدين في الدنيا، وأذاقهم عذاب الهون بما كانوا يكسبون .. أردف ذلك بذكر عقابهم في الآخرة، ليكون ذلك أتم للزجر، وأكثر في الاعتبار لمن اعتبر.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وأحمد وغيرهم عن ابن مسعود قال: كنت مستترًا بأستار الكعبة، فجاء ثلاثة أنفار: قرشي وثقفيان، أو ثقفي وقرشيان، قليل فقه قلوبهم، كثير شحم بطونهم، فتكلموا بكلام لم أسمعه، فقال: أترون أن الله سمع كلامنا هذا، فقال الآخر: إنا إذا رفعنا أصواتنا .. سمعه، وإذا لم نرفعه .. لم يسمعه، فقال الآخر: إن سمع منه شيئًا .. سمع كله، قال: فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فأنزل الله : ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
التفسير وأوجه القراءة
١ - ﴿حم (١)﴾ خبر لمبتدأ محذوف؛ أي (١): هذه السورة مسماة بـ ﴿حم (١)﴾ فيكون إطلاق الكتاب عليها في قوله: ﴿كِتَابٌ﴾ إلخ. باعتبار أنها من الكتاب وجزء من أجزائه، وقيل: ﴿حم (١)﴾ اسم للقران، فيكون إطلاق الكتاب عليه حقيقة، وإنما (٢) افتتح السورة بـ ﴿حم (١)﴾ لأن معنى حم بضم الحاء وتشديد الميم على ما قال سهل - رحمه الله تعالى - قضي ما هو كائن.
стр. 11612
ولما كانت هذه السورة مصدرةً بذكر الكتاب الذي قدرت فيه الأحكام، وبينت .. ناسب أن تفتح بـ ﴿حم (١)﴾ رعايةً لبراعة الاستهلال، وإنما سميت هذه السور السبع بـ ﴿حم (١)﴾؛ لاشتراكها في الاشتمال على ذكر الكتاب، والرد على المجادلين في آيات الله تعالى، والحث على الإيمان بها، والعمل بمقتضاها ونحو ذلك.
وقال بعضهم: معنى الحاء. والميم؛ أي: هذا الخطاب والتنزيل من الحبيب الأعظم إلى المحبوب المعظم، وقيل: هو قسم أقسم به تعالى؛ أي: بحياتي ومجدي هذا تنزيل، أو بحياتك ومشاهدتك يا حبيبي ويا محبوبي، أو بالحجر الأسود والمقام، فإنهما ياقوتتان من يواقيت الجنة، وسران عظيمان من أسرار الله تعالى، فناسب أن يقسم بهما، أو هذه الحروف ﴿تَنْزِيلٌ﴾ إلخ. نزل بها جبريل ﵇ من عند الله تعالى وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين.
٢ - وقوله: ﴿تَنْزِيلٌ﴾: خبر بعد خبر؛ أي: هذه السورة مسماة بحم، منزلة من عنده تعالى؛ لأن التعبير عن المفعول بالمصدر مجاز مشهور، كقولهم: هذا الدرهم ضرب الأمير؛ أي: مضروبه، ومعنى كونها منزلة: أنه تعالى كتبها في اللوح المحفوظ، وأمر جبريل أن يحفظ تلك الكلمات، ثم ينزل بها على رسوله ﷺ ، ويؤديها إليه، فهلما حصل تفهيم هذه الكلمات بواسطة نزول جبريل .. سمي ذلك تنزيلًا، وإلا فالكلام النفسي القائم بذات الله تعالى لا يتصور فيه النزول والحركة من الأعلى إلى الأسفل، وقوله: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ متعلق بـ ﴿تَنْزِيلٌ﴾ مؤكد لما أفاده التنوين من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية، ونسبة التنزيل إلى الرحمن الرحيم؛ للإيذان بأن القرآن مدار للمصالح الدينية والدنيوية واقع بمقتضى الرحمة الربانية، وذلك لأن المنزل ممن صفته الرحمة الغالبة، لا بد وأن يكون مدارًا للمصالح كلها،
٣ - وقوله: ﴿كِتَابٌ﴾: خبر آخر مشتق من الكتب، وهو الجمع، فسمي كتابًا لأنه جمع فيه علوم الأولين والآخرين، وقوله: ﴿فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ صفة ﴿كِتَابٌ﴾؛ أي: كتاب بينت آياته بالأمر والنهي، والحلال والحرام، والوعد والوعيد، والقصص والتوحيد، وقرىء: ﴿فَصَلت﴾ (١) بفتح الفاء والصاد مخففةً؛
стр. 11613
أي: فرقت بين الحلال والحرام، أو فصل بعضها من بعض باختلاف معانيها، من قولهم: فصلت العير؛ أي: انفصلت، وفصل من البلد؛ أي: انفصل منه، حالة كونه ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾؛ أي: مجموعًا من لسان العرب ولغتهم، حال من ﴿كتاب﴾ لتخصصه بالصفة، ويقال لها: الحال الموطئة، وهو اسم جامد موصوف بصفة هي الحال في الحقيقة، وهذا أولى من نصبه على المدح؛ أي: أريد بهذا الكتاب المفصل آياته قرآنًا عربيًا أو على المصدرية؛ أي: يقرؤه قرآنًا، وبوجود كلمةٍ عجمية فيه معرّبة لا يخرج عن كونه عربيًا؛ لأن العبرة للأكثر، وذلك كالقسطاس، فإنه رومي معرب بمعنى الميزان والسجيل، فإنه فارسي معرب سنك وكل، والصلوات فإنه عبراني معرب صلوتا، بمعنى المصلي، والرقيم فإنه رومي بمعنى الكلب، والطور فإنه الجبل بالسرياني ﴿لِقَوْمٍ﴾ عرب ﴿يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: كائنًا لقوم يعلمون معانيه، لكونه على لسانهم، فهو صفة أخرى لـ ﴿قُرْآنًا﴾ وفي "التأويلات النجمية": ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ العربية والعربية بحروفها مخلوقة، والقرآن منزه عنها، وكأنه رد على من زعم أن في القرآن ما ليس من كلام العرب. اهـ. أو متعلق بـ ﴿فُصِّلَتْ﴾ والأول أولى. وقال الضحاك؛ أي: يعلمون أن القرآن منزل من عند الله تعالى، وقال مجاهد؛ أي: يعلمون أنه إله واحد في التوراة والإنجيل.
وحاصل معنى الآية (١): أي هذا القرآن منزل من الله الرحمن الرحيم على نبيه محمد ﷺ ، وخص هذين الوصفين ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ بالذكر؛ لأن الخلق في هذا العالم كالمرضى المحتاجين إلى الدواء، والقرآن مشتمل على كل ما يحتاج إليه المرضى من الأدوية، وعلى ما يحتاج إليه الأصحاء من الأغذية، فكان رحمةً لهم، ولطفًا بهم، كما قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾.
هو ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ وبينت وميزت لفظًا بفواصل ومقاطع ومبادىء للسور وخواتم لها، وميزت معنًى بكونها وعدًا ووعيدًا ومواعظ ونصائح وتهذيب أخلاق ورياضة نفس وقصص الأولين وتواريخ الماضي، حال كونه ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾؛ أي: أنزلناه بلغة العرب ليسهل عليهم فهمه، كما قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾، وفي هذا امتنان من الله عليهم ليسهل عليهم قراءته
стр. 11614
وفهمه ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ معانيه لكونه جاء بلغتهم، فهم أهل اللسان فيفهمونه بلا واسطة وغيرهم لا يفهمه إلا بواسطتهم،
٤ - حالة كونه ﴿بَشِيرًا﴾؛ أي: مبشرًا، وليائه بالجنة والنعيم المقيم، إن داموا على العمل بما فيه من أوامر ونواه ﴿وَنَذِيرًا﴾؛ أي: منذرًا مخوفًا لأعدائه بالعذاب الأليم، إن هم أصروا على التكذيب به، والجدل فيه بالباطل، وترك أوامره وفعل نواهيه، فهما صفتان أخريان لـ ﴿قُرْآنًا﴾ أو حالان من ﴿كِتَابٌ﴾ وقرأ (١) زيد بن علي: ﴿بشير ونذير﴾ برفعهما على أنهما صفتان لـ ﴿كِتَابٌ﴾ أو على أنهما خبران لمبتدأ محذوف.
ثم بين حال المشركين حين أنزل إليهم فقال: ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ﴾ عن تدبره مع كونه على لغتهم، والضمير (٢) لأهل مكة أو العرب أو المشركين، دل عليه ما سيجيء من قوله: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾؛ أي: فأعرض المشركون عما اشتمل عليه من النذارة ﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ ـه سماع تفكر وتأمل وقبول، حتى يفهموا جلالة قدره وجزالة معانيه فيؤمنوا به، وفي "التأويلات النجمية": فأعرض أكثرهم عن أداء حقه، فهم لا يسمعون بسمع القبول والانقياد، وفيه إشارة إلى أن الأقل هم أهل السماع، وإنما سمعوا بأن أزال الله تعالى بلطفه ثقل الآذان، فامتلأت الأذهان بمعاني القرآن.
والمعنى (٣): أي فاستكبر أكثر المشركين عن الإصغاء إليه، ولم يقبلوه ولم يطيعوا ما فيه من أوامر ونواه، إعراضًا عن الحق،
٥ - ثم صرحوا بنفرتهم منه وتباعدهم عنه، وذكروا لذلك ثلاثة أسباب، تعللًا واحتقارًا لدعوته:
١ - ﴿وَقَالُوا﴾؛ أي: المشركون لرسول الله ﷺ عند دعوته إياهم إلى الإيمان، وللعمل بما في القرآن ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ﴾؛ أي: في أغطية متكاثفة مثل الكنانة التي فيها السهام ﴿مِمَّا تَدْعُونَا﴾ يا محمد ﴿إِلَيْهِ﴾؛ أي: في أغطية تمنعنا من فهم ما تدعونا وتورده علينا، وحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وحذف متعلق حرف الجر أيضًا، والأكنّة: جمع كنان كأسلحة جمع سلاح وهو الغطاء، قال مجاهد: الكنان للقلب: كالجنة للنبل، شبهوا (٤) قلوبهم بالشيء المحوي المحاط
стр. 11615
بالغطاء، المحيط له بحيث لا يصيبه شيء من حيث تباعدها عن إدراك الحق واعتقاده.
فإن قلت: لِمَ عبَّر هنا بكلمة في حيث قال: ﴿فِي أَكِنَّةٍ﴾، وعبر بكلمة على في سورة الكهف حيث قال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ فما الفرق بين المقامين؟
قلت: عبر هنا بكلمة ﴿فِي﴾ لأن القصد هنا المبالغة في عدم القبول، والأكنة إذا احتوت عليها احتواء الظرف على المظروف، لا يمكن أن يصل إليها شيء؛ وليست تلك المبالغة في ﴿عَلَى﴾، والسياق في الكهف للعظمة، فيناسبه أداة الاستعلاء. اهـ سعدي المفتي.
أي: إن قلوبنا في أغطية متكاثفة مما تدعونا إليه من الإيمان بالله وحده، وترك ما ألفينا عليه آباءنا، فهي لا تفقه ما تقول من التوحيد، ولا يصل إليها قولك يا محمد.
٢ - ﴿وَفِي آذَانِهِمْ﴾ وأسماعنا ﴿وَقْرًا﴾؛ أي: صمم يمنعها من استماع قولك، وفي "القاموس": الوقر: ثقل في الأذن أو ذهاب السمع كله، شبهوا أسماعهم بآذان بها صمم من حيث إنها تمج الحق ولا تميل إلى استماعه.
وفي "التأويلات النجمية": ﴿وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ﴾: ما ينفعنا كلامك، قالوه حقًا، وإن قالوا على سبيل الاستهزاء والاستهانة، لأن قلوبهم في أكنة حب الدنيا وزينتها مقفولة بقفل الشهوات والأوصاف البشرية، ولو قالوا ذلك على بصيرة .. لكان ذلك منهم توحيدًا، فتعرضوا للمقت لما فقدوا من صدق القلب.
وقرأ طلحة بن مصرف (١): ﴿وقر﴾ بكسر الواو وسكون القاف، وقرىء: ﴿وقر﴾ بفتحتين، وقرأ الجمهور: ﴿وَقْرٌ﴾ بفتح الواو وسكون القاف.
٣ - ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ عظيم، وستر غليظ يمنعنا عن إجابتك، وعن التواصل والتوافق معك، روي أن أبا جهل استغشى على رأسه ثوابًا وقال: يا محمد، بيننا وبينك حجاب استهزاءً منه، و ﴿مِنْ﴾: للدلالة (٢) على أن الحجاب
стр. 11616
مبتدأ من الجانبين، بحيث استوعب ما بينهما من المسافة المتوسطة المعبر عنها بالبين ولم يبق ثمة فراغ أصلًا، فيكون حجابًا قويًا عريضًا مانعًا من التواصل بخلاف ما لو قيل: بيننا وبينك، فإنه يدل على مجرد حصول الحجاب في المسافة المتوسطة بينهم وبينه من غير دلالة على ابتدائه من الطرفين، فيكون حجابًا في الجملة، لا كما ذكروا:
هذا فائدة زيادة من في قوله: ﴿مِنْ بَيْنِنَا﴾ شبهوا حال أنفسهم مع رسول الله ﷺ بحال شيئين بينهما حجاب عظيم، يمنع من أن يصل أحدهما إلى الآخر ويراه ويوافقه، وإنما (١) اقتصروا على ذكر هذه الأعضاء الثلاثة؛ لأن القلب محل المعرفة، والسمع والبصر أقوى ما يتوسل إلى تحصيل المعارف، فإذا كانت هذه الثلاثة محجوبة .. كان ذلك أقوى ما يكون من الحجاب.
وقصارى ما يقولون (٢): أن قلوبهم نابية عن إدراك ما جئت به من الحق وتقبله واعتقاده، كأنها في غلف وأغطية تمنع من نفوذه فيها، وأسماعهم لا يدخل إليها شيء منه، كأن بها صممًا، ولتباعد الدّينين وتباين الطريقين، كأن بينهم وبين رسول الله ﷺ حجاب كثيف وحاجز منيع، ثم بارزوه بالخلاف، وشن الغارات الجدلية، بما لم يبق بعده مجال للوفاق، فقالوا: ﴿فَاعْمَلْ﴾ على دينك ﴿إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ على ديننا، وقال الكلبي (٣): اعمل في هلاكنا، فإنا عاملون في هلاكك، وقال مقاتل: اعمل لإلهك الذي أرسلك، فإنا نعمل لآلهتنا التي نعبدها، وقيل: اعمل لآخرتك، فإنا عاملون لدنيانا، وقيل: فأعمل في إبطال أمرنا جهد طالتك، ونحن نعمل جاهدين في فض الناس من حولك، وتشتيت شمل من آمن بك، حتى تبطل دعوتك.
٦ - ثم أمره سبحانه أن يجيب عن قولهم هذا فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد، لهؤلاء المشركين، جوابًا لهم عما يقولون: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾؛ أي: إنما أنا كواحد منكم لولا الوحي، ولم أكن من جنس مغاير لكم حتى تكون قلوبكم في أكنة مما أدعوكم إليه، وفي آذانكم وقر، ومن بيني وبينكم حجاب، إلا أني يوحي إلى ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾؛ أي: ما إلهكم الذي يستحق العبادة منكم إلا إله واحد لا غيره،
стр. 11617
وهذا تلقين للجواب عما ذكره المشركون.
وقرأ الجمهور: ﴿قُلْ﴾ على صيغة الأمر، وقرأ ابن وثاب والأعمش: ﴿قال﴾ بصيغة الماضي، وقرأ الجمهور: ﴿يُوحَى﴾: بفتح الحاء مبنيًا للمفعول، وقرأ النخعي والأعمش: ﴿يوحي﴾ بكسرها مبنيًا للفاعل؛ أي: يوحي الله إلى.
والمعنى: أي إني لا أقدر على أن أحملكم على الإيمان قسرًا، فإني بشر مثلكم، ولا امتياز لي عنكم إلا أني أوحي إلى التوحيد والأمر به، فعلي البلاغ وحده، فإن قبلتم رشدتم، وإن أبيتم هلكتم.
وقبل المعنى (١): أني لست من جنس مغاير لكم، من ملك وجن حتى يكون بيني وبينكم حجاب وتباين مصحح لتباين الأعمال والأديان، كما ينبىء عنه قولكم: ﴿فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ بل إنما أنا بشر وآدمي مثلكم، مأمور بما أمرتم به، حيث أخبرنا الله جميعًا بالتوحيد بخطاب جامع بيني وبينكم، فإن الخطاب في إلهكم محكي منتظم للكل، لا أنه خطاب منه ﷺ للكفرة، كما في قوله: ﴿مِثْلُكُمْ﴾، وقد أوحي إلى دونكم، فصرت بالوحي نبيًا، ووجب عليكم اتباعي ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾؛ أي: وجهوا استقامتكم وامتثالكم وطاعتكم إليه تعالى لا إلى غيره؛ أي: توجهوا إليه تعالى قلبًا وقالبًا، بالتوحيد وإخلاص العبادة، غير ذاهبين يمينًا وشمالًا (٢)، ولا ملتفتين إلى ما يسول لكم الشيطان، من اتخاذ الأولياء والشفعاء؛ أي: توجهوا بالكلية إلى سبيلة لا إلى غيره، وهذا من جملة المقول (٣)، و ﴿الفاء﴾: لترتيب ما بعدها على ما قبلها، من إيحاء الوحدانية، فإن ذلك موجب لاستقامتهم إليه تعالى بالتوحيد، والإخلاص في الأعمال، وعدي فعل الاستقامة بإلى لتضمنه معنى توجهوا، والاستقامة: الاستمرار على جهة واحدة، وطريقة مستقيمة.
﴿وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ تعالى مما كنتم عليه من الشرك وسوء العقيدة والعمل، وقال الحسن في معنى الآية: إن الله سبحانه علم رسوله ﷺ كيف يتواضع بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾، ولهذا كان يعود المريض، ويشيع الجنازة، ويركب الحمار، ويجيب دعوة العبد، وكان يوم قريظة والنضير على حمار مخطوم بحبل من ليف عليه
стр. 11618
إكاف من ليف.
وفي الآية: إشارة إلى أن البشر كلهم متساوون في البشرية، مسدود دونهم باب المعرفة؛ أي: معرفة الله بالوحدانية بالآلات البشرية من العقل وغيره، وإنما فتح هذا الباب على قلوب الأنبياء بالوحي، وعلى قلوب المؤمنين بالتبليغ والإلهام.
وحاصل المعنى (١): أي قل أيها الرسول لقومك: ما أنا إلا بشر مثلكم في الجنس والصورة والهيئة، ولست بملك ولا جني، لا يمكنكم التلقي مني، ولا أدعوكم إلى ما تنبو عنه العقول، بل أدعوكم إلى التوحيد الذي دلت عليه الدلائل الكونية، وأيده النقل عن الأنبياء جميعًا من آدم، فمن بعده، فأخلصوا له العبادة، وسلوه العفو عن ذنوبكم التي سلفت منكم بالتوبة من شرككم، يتب عليكم ويغفر لكم.
ثم هدد المشركين وتوعدهم فقال: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ بالله تعالى غيره في العبادة والطاعة؛ أي: وهلاك وخسار كائن لمن أشرك بربه في ذاته وصفاته وأفعاله،
٧ - ثم وصفهم بقوله: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾؛ أي: يمنعونها ولا يخرجونها إلى المستحقين، ولم يواس البائس الفقير بشيء من ماله يدفع به عوزه، ويزيل خصاصته، وقال الحسن وقتادة: لا يقرون بوجوبها، وقال الضحاك ومقاتل: لا يتصدقون ولا ينفقون في الطاعة، وقيل المعنى لا يشهدون أن لا إله إلا الله، لأنها زكاة الأنفس وتطهيرها، وقال الفراء: كان المشركون ينفقون النفقات، ويسقون الحجيج ويطعمونهم، فحرموا ذلك على من آمن بمحمد ﷺ ، فنزلت فيهم هذه الآية، وقوله: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾: معطوف على ﴿لَا يُؤْتُونَ﴾ داخل (٢) معه في حيز الصلة، واختلافهما بالفعلية والاسمية؛ لما أن عدم إيتائها متجدد، والكفر أمر مستمر؛ أي: منكرون للآخرة بما فيها من الحساب والجزاء، جاحدون لها، والمجيء بضمير الفصل، لقصد الحصر، وكان يقال (٣): الزكاة قنطرة الإِسلام، فمن قطعها نجا، ومن تخلف عنها .. هلك، وإنما جعل منع الزكاة مقرونًا بالكفر بالآخرة؛ لأن أحب شيء إلى الإنسان ماله، وهو شقيق روحه، فإذا بذله في سبيل الله .. فذاك أقوى دليل على استقامته وثباته، وصدق نيته، وصفاء طويته، وما خدع
стр. 11619
المؤلفة قلوبهم إلا بلمظة من الدنيا بها لانت شكيمتهم وزالت عصبيتهم، وما ارتدت بنو حنيفة بعد رسول الله ﷺ إلا بمنعهم للزكاة، فعرضوا أنفسهم للحرب والطعن والضرب، إبقاءً على أموالهم، ولو ذهبت مهجهم وأرواحهم.
وقصارى ذلك: دمار وهلاك لمن أشرك بربه، ولم يطهر نفسه من دنس الرذائل، التي من أهمها البخل بالمال، ودفع غائلة الجوع عن المسكين والفقير، وإنكار البعث والجزاء، ونحو الآية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾.
٨ - وبعد أن ذكر وعيد المشركين، أردفه وعد المؤمنين، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله سبحانه، وصدقوا بما جاء به محمد ﷺ ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ بامتثال الأوامر، واجتنبوا السيئات بترك النواهي ﴿لَهُمْ﴾ عند ربهم في الآخرة ﴿أَجْرٌ﴾ وثواب ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾؛ أي: غير مقطوع أبدًا، ولا ممنوع عنهم، مِنْ مَنَنْتُ الحَبْلَ: إذا قَطعْتُه، وقيل: غير منقوص، من مَنَنْت حقه: إذا نَقَصْته، وقال مجاهد: غير محسوب عليهم، وقيل: غير ممنون عليهم على طريق الحذف والإيصال؛ أي: لا يمن به عليهم فيتكدر بالمنة؛ أي: بالامتنان عليهم؛ أي: عد النعمة عليهم، لأنه إنما يمن بالتفضل، فأما الأجر فحق أداؤه، والمنة في الأصل: النعمة الثقيلة التي لا يطلب معطيها أجرًا ممن أعطاها إليه، ثم استعملت بمعنى الامتنان؛ أي: عد النعمة على من أعطاها إليه، وقال السدي: نزلت هذه الآية في المرضى والزمنى والهرمى إذا ضعفوا عن الطاعة .. كتب لهم من الأجر مثل ما كانوا يعملون في الصحة، ونحو الآية قوله: ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣)﴾، وقوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾.
وفي الآية (١): إشارة إلى أن من آمن، ولم يعمل صالحًا .. لم يؤجر إلا ممنونًا؛ أي: ناقصًا، وهو أجر الإيمان، ونقصانه من ترك العمل الصالح، فيدخل النار ويخرج منها بأجر الإيمان ويدخل الجنة، ولكنه لا يصل إلى الدرجات العالية المنوطة بالأعمال البدنية، مثل: الصلاة والصوم والحج ونحوها.
٩ - ثم أمر الله سبحانه رسوله ﷺ أن يوبخهم ويقرعهم، فقال: ﴿أَئِنَّكُمْ﴾ أيها
стр. 11620
المشركون ﴿لَتَكْفُرُونَ﴾؛ أي: لتنكرون ﴿بـ﴾ توحيد الإله العظيم الشأن ذي القدرة الباهرة والحكمة البالغة ﴿الَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ﴾ وأوجدها وأبدعها ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ قيل: اليومان، يوم الأحد والاثنين؛ أي: قدر وحكم في الأزل بأنها ستوجد في مقدار يومين من أيام الآخرة، ويقال: من أيام الدنيا، كما في "تفسير" أبي الليث، وفي "عين المعاني" تعليمًا للتأني، وإن أمكن الإيجاد في الحال بلا إمهال، ووجه حمل اليومين على المعنيين المذكورين: أن اليوم الحقيقي إنما يتحقق بعد وجود الأرض، وتسوية السموات، وإبداع نيراتها وترتيب حركاتها؛ يعني: أن اليوم عبارة: عن زمان كون الشمس فوق الأرض، ولا يتصور ذلك قبل خلق الأرض والسماء والكواكب، فكيف يتصور الأرض في يومين؟ ويجوز أن يراد خلق الأرض في يومين؛ أي: في نوبتين، على معنى أن ما يوجد في كل نوبة يوجد بأسرع ما يكون، فيكون اليومان مجازًا عن دفعتين، على طريق ذكر الملزوم وإرادة اللازم، وقال سعدي المفتي: الظاهر أن اليوم على هذا التفسير بمعنى مطلق الوقت. انتهى.
وقرأ الجمهور (١): ﴿أَئِنَّكُمْ﴾: بهمزتين الثانية بين بين، وقرأ ابن كثير: بهمزة بعدها ياء خفيفة؛ أي: قل أيها الرسول لمشركي قومك، توبيخًا وتقريعًا لهم: كيف تكفرون بالله الذي خلق الأرض التي تقلكم في نوبتين، فتقولوا: إنه لا يقدر على حشر الموتى من قبورهم، وتنسبوا إليه الأولاد، وتقولوا: إنه لم يبعث أنبياء أي: كيف تقولون هذا مع أنه خلق الأرض في يومين؟.
وقوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾؛ أي: أشباها وأمثالًا من الملائكة والجن والأصنام التي تعبدونها من دونه، معطوف على ﴿تَكْفُرُونَ﴾ داخل في حكم الإنكار والتوبيخ، وجمع الأنداد باعتبار ما هو الواقع، لا بأن يكون مدار الإنكار هو التعدد بمعنى تصفون له شركاء وأشباهًا وأمثالًا من الآلهة، والحال أنه لا يمكن أن يكون له ند واحد، فضلًا عن الأنداد.
والحاصل: أن الله أمر رسوله ﷺ بأن ينكر عليهم أمرين (٢):
الأول: كفرهم بالله بإلحادهم في ذاته وصفاته، كالتجسم واتخاذ الصاحبة
стр. 11621
والولد، والقول بأنه لا يقدر على إحياء الموتى، وأنه لا يبعث البشر رسلًا.
والثاني: إثبات الشركاء والأنداد له تعالى، فالكفر المذكور أولًا مغاير لإثبات الأنداد له؛ ضرورة عطف أحدهما على الآخر.
﴿ذَلِكَ﴾ العظيم الشأن، الذي فعل ما ذكر من خلق الأرض في يومين، وهو مبتدأ، خبره: قوله: ﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: خالق جميع الموجودات ومربيها دون الأرض خاصة، فكيف يتصور أن يكون أخس مخلوقاته ندًا له تعالى؟ وعبارة المراغي هنا: ﴿ذَلِكَ﴾ الذي (١) خلق الأرض في نوبتين - نوبةً جعلها جامدةً بعد أن كانت كرةً غازيةً، ومرةً جعلها ستًا وعشرين طبقةً في ستة أطوار، كما بين ذلك علماء طبقات الأرض الجيولوجيا - هو ﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ لا ربها وحدها، فهو مربي المخلوقات جميعًا، فإن رباها في نوبتين .. فقد ربى غيرها في نوبات، يعلم سبحانه عددها، فكيف يكون شيء منها ندًا له، وضريبًا؟
١٠ - ثم بين أحكام ذلك الخلق وحسن تدبيره، فقال: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا﴾؛ أي: في الأرض ﴿رَوَاسِيَ﴾؛ أي: جبالًا ثوابت ﴿مِنْ فَوْقِهَا﴾؛ أي: من فوق الأرض، وهو معطوف على ﴿خَلَقَ﴾: داخل في حكم الصلة؛ أي: كيف تكفرون بالذي خلق الأرض في يومين، وجعل فيها رواسي من فوقها، والجعل (٢): إبداعي، والمراد: تقدير الجعل، لا الجعل بالفعل، والمراد بالرواسي: الجبال الثابتة المستقرة، و ﴿مِنْ فَوْقِهَا﴾ متعلق بجعل أو بمضمر، هو صفة لـ ﴿رَوَاسِيَ﴾؛ أي: كائنةً (٣) من فوقها، مرتفعة عليها، لتكون منافعها ظاهرةً للطلاب، وليظهر للناظر ما فيها من وجوه الاستدلال، وإلا فالجبال التي أثبتت فوق الأرض لا تمنعها عن الميدان، ولو كانت تحتها كأساطين الغرف، أو مركوزة فيها كالمسامير. لمنعتها عنه.
والمعنى (٤): أي كائنةً من فوق الأرض، ليرى الإنسان بعينه، وليتفكر بقلبه أن الجبال أثقال على أثقال، وكلها مفتقرة إلى ممسك وحافظ، وما ذاك الحافظ المدبر إلا الله تعالى، ولو جعل في الأرض رواسي من تحتها .. لأوهم ذلك أن تلك الأساطين التحتانية هي التي أمسكت هذه الأرض الثقيلة عن النزول، وقيل: جملة
стр. 11622
﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾: مستأنفة غير معطوفة على ﴿خَلَقَ﴾ لوقوع الفصل بينهما بالأجنبي، والأول أولى لأن الجملة الفاصلة هي مقررة لمضمون ما قبلها، فكانت بمنزلة التأكيد، ومعنى ﴿مِنْ فَوْقِهَا﴾: أنها مرتفعة عليها، لأنها من أجزاء الأرض، وإنما خالفتها باعتبار الارتفاع، فكانت من هذه الحيثية كالمغايرة لها.
وعبارة المراغي: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا﴾؛ أي (١): وجعل في الأرض جبالًا ثوابت مرتفعةً عليها، أسسها في الأرض وهي الطبقة الصوانية، وهذه الطبقة هي التي برزت منها الجبال، فالجبال أساسها بعيدة الغور، ضاربة في جميع الطبقات، واصلة إلى أول طبقة وهي الطبقة الصوانية، التي لولاها لم تكن الأرض أرضًا، ولم نستقر عليها، فأرضنا كرة من النار، غطيت بطبقة صوانية فوقها طبقات، ألطف منها تكون فيها الحيوان والنبات على مدى الزمان، والجبال نتوءات نتأت من تلك الطبقة، وارتفعت فوقها عشرات آلاف الكيلومترات، وصارت مخازن المياه والمعادن، وهداية للطرق، وحافظة للهواء والسحاب. انتهى.
﴿وَبَارَكَ فِيهَا﴾؛ أي: في الأرض؛ أي: أنزل البركة والخير فيها، بشق الأنهار وخلق الأشجار والثمار، وأصناف الحيوانات، وكل ما يحتاج إليه من الخيرات؛ أي: وجعلها مباركةً كثيرة الخيرات، بما خلق فيها من المنافع، فجعل جبالها مبدأ لجريان الأنهار، ومخازن للمعادن، كالذهب والفضة والحديد والنحاس ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا﴾؛ أي: وأوجد في الأرض ﴿أَقْوَاتَهَا﴾؛ أي: أقوات أهلها وأرزاقهم، من الأنواع المختلفة المناسبة لها على مقدار معين، تقتضيه الحكمة البالغة؛ أي: قدر لأهلها من الأقوات ما يناسب حال كل إقليم، من مطاعم وملابس ونبات، ليكون بعض الناس محتاجًا إلى بعض، فتروج المتاجر بينهم، وتنتقل المحصولات والمنتوجات من بلد إلى آخر، ومن قطر إلى قطر، وفي هذا عمار للأرض، وانتظام أمور العالم.
وأضاف (٢) الأقوات إلى الأرض من حيث هي فيها وعنها برزت. قاله السدي.
стр. 11623
وقُرِىء (١): ﴿وقسم فيها أقواتا﴾؛ أي (٢): قسم في الأرض أرزاق العباد والبهائم. وقيل: قدر في كل بلدة ما لم يجعله في الأخرى، ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة، وقيل: قدر البر لأهل قطر من الأرض، والتمر لأهل قطر آخر، والذرة لأهل قطر، والسمك لأهل قطر، وكذلك سائر الأقوات، وقيل: إن الزراعة أكثر الحرف بركةً، لأن الله تعالى وضع الأقوات في الأرض، قال تعالى: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾؛ أي: مع اليومين الأولين من أيام الآخرة (٣)، أو من أيام الدنيا، فخلق الأرض في يومين، وقدر الأقوات في يومين، وهما يوم الثلاثاء والأربعاء، فصارت أربعة أيام، رد الآخر على الأول في الذكر؛ أي: أن خلق الأرض وجعل الرواسي فيها في يومين، وإكثار خيراتها وتقدير أقواتها في يومين، فيكون ذلك في أربعة أيام. كما يقول القائل: خرجت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام، وإلى الكوفة في خمسة عشر يومًا؛ أي: في تتمة خمسة عشر يومًا.
وقصارى ذلك: أن حصول جميع ما تقدم من خلق الأرض وخلق الجبال الرواسي فيها، وتقدير الأقوات في أربعة أيام، حالة كون تلك الأيام الأربعة ﴿سَوَاءً﴾؛ أي: مستويةً كاملة تامة بلا زيادة ولا نقصان.
وقرأ الجمهور: ﴿سَوَاءً﴾ بالنصب على الحال من ﴿أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ لتخصصه بالإضافة، أو من الأرض، أو من الضمائر الراجعة إليها، أو على أنه مصدر مؤكد لفعل محذوف هو صفة لـ ﴿الأَيَّامٍ﴾؛ أي: استوت تلك الأيام وتمت سواءً؛ أي: استواءً وتمامًا، وقرأ أبو جعفر؛ برفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هي سواء؛ أي: تلك الأربعة مستوية تامة، وقرأ زيد بن علي والحسن وابن أبي إسحاق وعيسى ويعقوب وعمرو بن عبيد: بخفضه، على أنه صفة لـ ﴿أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾؛ أي: في أربعة أيام مستوية تامة كاملة.
وقوله: ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾: متعلق بمحذوف، تقديره: هذا الحصر في الأربعة للسائلين عن مدة خلق الأرض وما فيها، القائلين: في كم خلقت الأرض وما فيها؟ فالسؤال استفتائي، و ﴿اللام﴾: للبيان أو متعلق بقدر. قال في "بحر العلوم" وهذا هو الظاهر؛ أي: قدر فيها أقواتها لأجل السائلين؛ أي: لأجل الطالبين لها،
стр. 11624
المحتاجين إليها من المقتاتين، فإن أهل الأرض كلها طالبون للقوت، محتاجون إليه، فالسؤال استعطافي، واللام للأجل.
قال الفراء (١): في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: وقدر فيها أقواتها سواءً كاملةً للمحتاجين في أربعة أيام، واختار هذا ابن جرير.
١١ - ولما انتهى من الكلام في الأرض .. أخذ يذكر السماء، فالترتيب في الذكر فحسب؛ أي: لما ذكر سبحانه خلق الأرض وما فيها .. ذكر كيفية خلقه للسموات، فقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى﴾ ؛ أي: وجه قصده وإرادته ﴿إِلَى﴾ خلق ﴿السَّمَاءِ﴾ وتكوينها، قال الرازي: هو من قولهم: استوى إلى مكان كذا: إذا توجه إليه توجهًا لا يلتفت معه إلى عمل آخر، وهو من الاستواء الذي هو ضد الاعوجاج، ونظيره قولهم: استقام إليه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾.
والمعنى: ثم دعاه سبحانه داعي الحكمة البالغة، والقدرة الباهرة، والإرادة التامة إلى خلق السموات وسمكها بعد خلق الأرض وما فيها ﴿وَهِيَ دُخَانٌ﴾؛ أي: والحال أن السماء أمر ظلماني مثل الدخان المرتفع من النار، الذي لا تماسك فيه؛ أي: مثل السحاب الغير المتماسك. و ﴿الواو﴾ (٢): للحال، والضمير للسماء، لأنها من المؤنثات السماعية، والدخان أجزاء أرضية لطيفة؛ أي: غير متماسكة، ترتفع في الهواء مع الحرارة. وفي "المفردات": الدخان: العثان المسْتَصْحِب لِلَهب، والبخار: أجزاء مائية رطبة ترتفع في الهواء مع الشعاعات الراجفة من سطوح المياه.
والمعنى: والحال أن السماء دخان؛ أي: أمر ظلماني يشبه الدخان، وهو المرتفع من النار وهو من قبيل التشبيه البليغ ولما كانت أول حدوثها مظلمة صحت تسميتها بالدخان تشبيهًا لها به، من حيث إنها أجزاء متفرقة غير متواصلة، عديمة النور كالدخان، فإنه ليس له صورة تحفظ تركيبه. كما في "حواشي ابن الشيخ". وقال بعضهم: ﴿وَهِيَ دُخَانٌ﴾؛ أي: دخان مرتفع من الماء؛ يعني: السماء، بخار الماء كهيئة الدخان.
стр. 11625
وكان عرش الرحمن قبل خلق السموات والأرض على الماء، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾، فلما أراد الله أن يخلق السموات والأرض .. أمر الريح فضربت الماء فاضطرب الحاء اضطرابًا شديدًا فأزبد وارتفع، فخرج منه دخان، فأما الزبد: فبقي على وجه الماء، فخلق فيه اليبوسة، وأحدث منه الأرض، وأما الدخان: فارتفع وعلا، فخلق منه السموات.
فإن قلت: هذه (١) الآية مشعرة بأن خلق الأرض كان قبل السماء، وقوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ مشعر بأن خلق الأرض بعد خلق السماء، فكيف الجمع بينهما؟
قلت: الجواب المشهور: أنه تعالى خلق الأرض أولًا، ثم خلق السماء بعدها، ثم بعد خلق السماء دحا الأرض ومدّها، وفيه جواب آخر، وهو أن يقال: إن خلق السماء مقدم على خلق الأرض، فعلى هذا يكون معنى الآية خلق الأرض في يومين، وليس الخلق عبارةً عن الإيجاد والتكوين فقط، بل هو عبارة عن التقدير أيضًا، فيكون المعنى: قضى أن يحدث الأرض في يومين بعد إحداث السماء، فعلى هذا يزول الإشكال. والله أعلم بالحقيقة.
ولعل تقديم (٢) بيان ما يتعلق بالأرض وأهلها، لما أن بيان اعتنائه تعالى بأمر المخاطبين، وترتب مبادي معايشهم قبل خلقهم، مما يحملهم على الإيمان، ويزجرهم عن الكفر والطغيان.
﴿فَقَالَ لَهَا﴾؛ أي: للسماء ﴿وَلِلْأَرْضِ﴾ التي قدر وجودها، ووجود ما فيها: ﴿ائْتِيَا﴾؛ أي: كُونا واحدُثَا على وجه معين، وفي وقت مقدر لكل منكما، وهو عبارة عن تعلق إرادته تعالى بوجودهما تعلقًا فعليًا، بطريق التمثيل، بعد تقدير أمرهما، من غير أن يكون هناك آمر ومأمور، كما في قوله: ﴿كُن﴾ بأن شبه تأثير قدرته فيهما، وتأثرهما عنها بأمر آمر نافذ الحكم يتوجه نحو المأمور المطيع، فيتمثل أمره، فعبر عن الحالة المشبهة بما يعبر به عن الحالة المشبهة بها.
ومعنى ﴿ائْتِيَا﴾ (٣): افعلا ما آمركما به، وجيئا به، كما يقال: ائت ما هو