فعل شرط لها، والظرف بمتعلق بالجواب ﴿فَإِنِّي﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إذا﴾ وجوبًا. ﴿إن﴾: حرف توكيد ونصب و ﴿الياء﴾: اسمها. ﴿قَرِيبٌ﴾: خبر أول لها، وجملة ﴿إن﴾ من اسمها وخبرها في محل النصب مقول لمحذوف هو جواب؛ تقديره: فقل لهم: إني قريب أجيب وجملة ﴿إذا﴾ جملة معترضة لا محل لها من الإعراب لاعتراضها بين مباحث الصيام. ﴿أُجِيبُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، والجملة في محل الرفع خبر ثان لـ ﴿إنَّي﴾؛ تقديره: مجيب. ﴿دَعْوَةَ﴾: مفعول به وهو مضاف. ﴿الدَّاعِ﴾: مضاف إليه مجرور وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء المحذوفة للتخفيف منع من ظهورها الثقل؛ لأنه اسم منقوص. ﴿إِذَا دَعَانِ﴾: ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان مجرد عن معنى الشرط في محل النصب على الظرفية. ﴿دَعَانِ﴾: ﴿دعا﴾: فعل ماض. و ﴿النون﴾: للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة للتخفيف في النصب مفعول به، وفاعله ضمير يعود إلى ﴿الدَّاعِ﴾، والجملة من الفعل والفاعل في محل الجر بإضافة ﴿إذَا﴾ إليها، والظرف متعلق بـ ﴿أُجِيبُ﴾؛ تقديره: أجيب دعوة الداعي وقت دعوته إياي. ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر؛ تقديره: إذا عرفت أني أجيب دعوتهم، وأردت بيان ما هو اللازم لهم .. فأقول لك: ﴿اللام﴾: لام الأمر. ﴿يستجيبوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بلام الأمر. ﴿لِي﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة. ﴿وَلْيُؤْمِنُوا﴾: الواو: عاطفة. ﴿اللام﴾: لام الأمر. ﴿يؤمنوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بلام الأمر. ﴿بِي﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة معطوفة على جملة ﴿يستجيبوا﴾. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾: ﴿لعل﴾: حرف نصب وتعليل. و ﴿الهاء﴾: اسمها، وجملة ﴿يَرْشُدُونَ﴾: خبرها؛ تقديره: لعلهم راشدون، وجملة ﴿لعل﴾: في محل الجر بلام التعليل المقدرة؛ تقديره: وليؤمنوا بي لرشادهم؛ أي: لنيل رشادهم وفوز هدايتهم.
﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾.
стр. 1192
﴿أُحِلَّ﴾: فعل ماضٍ مغيَّر الصيغة. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾: ظرف ومضاف إليه، والظرف متعلق بـ ﴿أُحِلَّ﴾. ﴿الرَّفَثُ﴾: نائب فاعل، والجملة مستأنفة. ﴿إِلَى نِسَائِكُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿الرَّفَثُ﴾: ﴿هُنَّ﴾: مبتدأ. ﴿لِبَاسٌ﴾: خبر، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة ﴿لِبَاسٌ﴾. ﴿وَأَنْتُمْ﴾ الواو: عاطفة. ﴿أَنْتُمْ﴾: مبتدأ. ﴿لِبَاسٌ﴾: خبر، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾. ﴿لَهُنَّ﴾: جار ومجرور صفة ﴿لِبَاسٌ﴾. ﴿عَلِمَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿أنكم﴾: ﴿أنّ﴾: حرف نصب ومصدر و ﴿الكاف﴾ في محل النصب اسمها. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿تَخْتَانُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾: مفعول ومضاف إليه، والجملة من الفعل والفاعل في محل النصب خبر ﴿كان﴾؛ تقديره: مختانين أنفسكم، وجملة كان في محل الرفع خبر ﴿أن﴾ تقديره: أنكم مختانون أنفسكم، وجملة ﴿أنَّ﴾ من اسمها وخبرها في تأويل مصدر سادٍّ مسد مفعولي علم تقديره: علم الله اختيانكم؛ أي: خيانتكم أنفسكم. ﴿فَتَابَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿تاب﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة ﴿عَلِمَ﴾، أو معطوفة على محذوف؛ تقديره: فتبتم فتاب عليكم. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تاب﴾، ﴿وَعَفَا﴾: الواو: عاطفة. ﴿عَفَا﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة ﴿تاب﴾ ﴿عَنْكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿عَفَا﴾.
﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾.
﴿فَالْآنَ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر؛ تقديره: إذا عرفتم أن الله تاب عليكم وعفا عنكم، وأردتم بيان ما هو الأصلح لكم .. فأقول: الآن باشروهن. ﴿الآن﴾: ظرف للزمان الحاضر في محل النصب على الظرفية متعلق بـ ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾. ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿وَابْتَغُوا﴾: الواو: عاطفة. ﴿وَابْتَغُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾.
стр. 1193
﴿مَا﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول به. ﴿كَتَبَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف؛ تقديره: ما كتبه الله لكم.
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾.
﴿وَكُلُوا﴾: الواو: عاطفة. ﴿كلوا﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾. ﴿وَاشْرَبُوا﴾: الواو: عاطفة. ﴿اشربوا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية بمعنى ﴿إلى﴾. ﴿يَتَبَيَّنَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أن﴾ مضمرة وجوبًا بعد حتى بمعنى ﴿إلى﴾. ﴿لَكُمُ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿الْخَيْطُ﴾: فاعل. ﴿الْأَبْيَضُ﴾: صفة له. ﴿مِنَ الْخَيْطِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَتَبَيَّنَ﴾. ﴿الْأَسْوَدِ﴾: صفة للخيط. ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾: جار وجرور متعلق بمحذوف حال من ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾؛ تقديره: حالة كون الخيط الأبيض كائنًا من الفجر، وجملة ﴿يَتَبَيَّنَ﴾ صلة أن المضمرة، ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى ﴿إلى﴾؛ تقديره: إلى تبين الخيط الأبيض من الفجر من الخيط الأسود، الجار والمجرور تنازع فيه كلوا واشربوا.
﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾.
﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب. ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾. ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾: جار ومجرور معلق بـ ﴿أَتِمُّوا﴾. ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾: الواو: استئنافية. ﴿لا﴾: ناهية. ﴿تُبَاشِرُوهُنَّ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة. ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ﴾ الواو: حالية. ﴿أنتم﴾: مبتدأ. ﴿عَاكِفُونَ﴾: خبر، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿تُبَاشِرُوهُنَّ﴾. ﴿فِي الْمَسَاجِدِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿عَاكِفُونَ﴾. ﴿تِلْكَ﴾: مبتدأ. ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾: خبر ومضاف إليه، والجملة مستأنفة. ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف تقديره: تنبهوا فلا تقربوها ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَقْرَبُوهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول مجزوم بلا الناهية، والجملة معطوفة على ذلك المحذوف.
стр. 1194
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.
﴿كَذَلِكَ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لمصدر محذوف؛ تقديره: بيانًا كائنًا كذلك. ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾: فعل وفاعل ومفعول به ومضاف إليه، والجملة مستأنفة. ﴿لِلنَّاسِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُبَيِّنُ﴾. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾: ﴿لعل﴾: حرف ترجٍّ ونصب، و ﴿الهاء﴾: اسمها، وجملة ﴿يَتَّقُونَ﴾: خبرها. وجملة ﴿لعل﴾: في محل الجربـ ﴿لام﴾ التعليل المقدرة المتعلقة بـ ﴿يُبَيِّنُ﴾.
التصريف ومفردات اللغة
﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ﴾ الفدية: مصدرُ فدى يفدي فِدْيةً وفِداءً، والهاء فيها لا تدل على المرة الواحدة، بل هي للتأنيث فقط، وطعام: اسم مصدر لأطعم يطعم إطعامًا وطعامًا، فهو هنا بمعنى الإطعام كالعطاء بمعنى الإعطاء، ويضعف (١) أن يكون الطعام هنا بمعنى المطعوم؛ لأنه أضافه إلى المسكين، وليس الطعام للمسكين قبل تملكه إياه، فلو حمل على ذلك .. لكان مجازًا؛ لأنه يكون تقديره: فعليه إخراج الطعام يصير للمساكين، ولو حملت الآية على هذا .. لم يمتنع؛ لأن حذف المضاف جائز، وتسمية الشيء بما يؤول إليه جائز.
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ والشهر (٢) لأهل اللغة فيه قولان:
أشهرهما: أنه اسم لمدة الزمان الذي يكون مبدؤها الهلال ظاهرًا إلى أن يستتر، سمي بذلك لشهرته في حاجة الناس إليه من المعاملات.
والثاني: قاله الزجاج اسم للهلال نفسه. و ﴿رَمَضَانَ﴾ علم لهذا الشهر المخصوص، وهو علم جنس، وفي تسميته رمضان أقوال:
أحدها: أنه وافق مجيئه في الرمضاء، وهي شدة الحر، فسمي به كربيع لموافقته الربيع، وجمادى لجمود الماء فيه.
وثانيها: أنه يرمض الذنوب؛ أي: يحرقها، بمعنى: يمحوها.
стр. 1195
وثالثها: أن القلوب ترمض؛ أي: تحترق فيه من الموعظة.
﴿الْقُرْآنُ﴾: في الأصل مصدر قرأت، ثم صار علمًا لما بين الدفتين، وهو من قرأ بالهمزة إذا جمع؛ لأنه يجمع السور والآيات والحكم والمواعظ، والجمهور على همزه، وقرأ ابن كثير من غير همز بنقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها، ثم حذفها.
﴿دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾؛ أي: دعاء الداعي لا خصوص المرة، فـ (فعلة) ليست هنا للمرة؛ لأن محل كونها للمرة إذا لم يبن المصدر عليها كضربة، وأما إذا بُني المصدر عليها كرحمة ودعوة: فلا تكون للمرة إلا بذكر الواحدة، كما هو مبين في محله.
والياءان (١) من قوله: ﴿الدَّاعِ﴾ و ﴿دَعَانِ﴾ من الزوائد عند القراء، ومعنى ذلك أن الصحابة لم تثبت لها صورة في المصحف، فمن القراء من أسقطها تبعًا للرسم، وقفًا ووصلًا، ومنهم من يثبتها في الحالين، ومنهم من يثبتها وصلًا ويحذفها وقفًا. ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ السين والتاء فيه زائدان بمعنى: فليجيبوا لي، ويكون استفعل فيه بمعنى: أفعل الرباعي، وهو كثير في القرآن، كقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ﴾، ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾: إلا أن تعديته في القرآن باللام، وقد جاء في كلام العرب معدى بنفسه، قال الشاعر:
وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يُجِيبُ إِلَى النِّدَا ... فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيْبُ
أي: فلم يجبه، ونظيره من كلام العرب كاستحصد الزرع بمعنى: أحصد، واستعجل الشيء بمعنى: أعجل، واستقر بمعنى أقر، وكون استفعل بمعنى أفعل هو أحد المعاني التي ذكروها لـ (استفعل).
﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ يقال: رَشِدَ (٢) رشدًا من باب تعب، ورشد يرشد من باب قتل، فهو راشد، والاسم الرشاد ويتعدى بالهمزة، والرشد والرشاد
стр. 1196
الصلاح، وهو خلاف الغي والضلال، وهو إصابة الصواب.
﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ يقال: رفث في منطقه رفثًا من باب طلب، ويرفِث - بالكسر - لغة: إذا أفحش فيه، أو صرح بما يكنى عنه من ذكر النكاح، والمراد بالرفث هنا: الجماع. ﴿نِسَائِكُمْ﴾ والهمزة (١) في نساء مبدلة من واو، لقولك في معناه نسوة، وهو جمع لا واحد له من لفظه، بل واحدته امرأة، وقيل النساء جمع نسوة، والنسوة جمع امرأة فهو جمع الجمع.
﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾ يقال: تبين الشيء وبان وأبان واستبان كله لازم، وقد يستعمل أبان واستبان وتبين متعديةً.
البلاغة
﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ﴾ التشبيه في الفرضية لا في الكيفية، وهذا التشبيه يسمى عندهم تشبيهًا مرسلًا مجملًا.
﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾ فيه إظهار في مقام الإضمار؛ ليدل على التنويه به والتعظيم له، وفيه من أنواع المجاز: المجاز اللغوي؛ وهو إطلاق اسم الكل على الجزء، حيث أطلق الشهر وهو اسم للكل، وأراد جزءًا منه.
﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ فيه من المحسنات البديعية: طباق السلب؛ وهو أن يجمع المتكلم في كلامه بين لفظين يتنافى وجود معناهما معًا في شيء واحد في وقت واحد، وخلاصة هذا الكلام أن طباق السلب: هو ما اختلف فيه الضدان إيجابًا وسلبًا بحيث يجمع بين فعلين من مصدر واحد أحدهما مثبت مرة والآخر منفي تارةً أخرى في كلام واحد نحو قوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾.
﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ علة للأمر بمراعاة العدد ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ علة للأمر بالقضاء، وبيان كيفيته. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ علة للترخيص والتيسير، وهذا نوع من اللف لطيف المسالك، لا يكاد يهتدي إلى تبيينه إلا النقاد من علماء البيان.
стр. 1197
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾؛ أي: عن قربي وبعدي، ففيه مجاز بالحذف.
﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾: ﴿الرفث﴾: الجماع، وعداه بإلي وإن كان أصله التعدية بالباء؛ لتضمينه معنى الإفضاء، وحسن اللفظ به هذا التضمين، فصار ذلك قريبًا من الكنايات التي جاءت في القرآن من قوله: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾، ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾، ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ مثلًا.
﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ﴾.
جمعت (١) هذه الآية ثلاثة أنواع من البيان: الطباق المعنوي بقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ فإنه يقتضي تحريمًا سابقًا، فكأنه قيل: أحل لكم ما حرم عليكم، أو ما حرم على من قبلكم، والكناية: بقوله: ﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ وهو كناية عن الجماع، والاستعارة البديعة بقوله: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾ فإنه شبه (٢) كل واحد من الزوجين لاشتماله على صاحبه في العناق والضم باللباس المشتمل على لابسه؛ أي: كالفراش واللحاف، وحاصله أنه تمثيل لصعوبة اجتنابهن وشدة ملابستهن، أو لستر أحدهما الآخر عن الفجور.
﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ فيه مجازان (٣)؛ لأنه شبه بالخيط الأبيض ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق، وبالأسود ما يمتد معه من غبش الليل وظلامه، شبها بخيطين أبيض وأسود، وأخرجه من الاستعارة إلى التشبيه قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ كقولك: رأيت أسدًا من زيد، فلو لم يذكر من زيد كان استعارة، وكان التشبيه هنا أبلغ من الاستعارة؛ لأن الاستعارة لا تكون إلا حيث يدل عليها الحال أو الكلام، وهنا لو لم يأت من الفجر .. لم يعلم الاستعارة.
والله أعلم
* * *
стр. 1198
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨) يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩) وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣) الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤) وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾.
المناسبة
قوله تعالى (١): ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ...﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة: وذلك أن من يعبد الله تعالى بالصيام، فحبس نفسه عما تعوده من الأكل والشرب والمباشرة بالنهار، ثم حبس نفسه بالتقييد لها في مكان تعبد الله تعالى صائمًا له ممنوعًا من اللذة الكبرى بالليل والنهار، جدير أن لا يكون مطعمه ومشربه إلا من الحلال الخالص الذي ينور القلب، ويزيده بصيرة، ويفضي به إلى الاجتهاد فهي العبادة .. فلذلك نهى عن أكل الحرام الذي يمضي به إلى عدم قبول عبادته من صيامه واعتكافه.
وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ...﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة: وهي أن ما قبلها من الآيات نزلت في الصيام، وأن صيام رمضان مقرون برؤية الهلال، وكذلك الإفطار في شهر شوال، ولذلك قال ﷺ : "صوموا لرؤيته
стр. 1199
وأفطروا لرؤيته".
وكان أيضًا قد تقدم كلام في شيء من أعمال الحج، وهو الطواف والحج أحد الأركان التي بني عليها الإِسلام، وكان قد مضى الكلام في توحيد الله تعالى، وفي الصلاة والزكاة والصيام، فأتى بالكلام على الركن الخامس وهو الحج، ليكون قد كملت الأركان التي بُني الإِسلام عليها.
قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى ...﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه لما ذكر أن الأهلة مواقيت للحج .. استطرد إلى ذكر شيء كانوا يفعلونه في الحج زاعمين أنه من البر، فبين لهم أن ذلك ليس من البر، وإنما جرت العادة به قبل الحج أن يفعلوه في الحج، ولما ذكر سؤالهم عن الأهلة بسبب النقصان والزيادة، وما حكمة ذلك، وكان من المعلوم أنه تعالى حكيم فأفعاله جارية على الحكمة .. رد عليهم بأن ما يفعلونه من إتيان البيوت من ظهورها إذا أحرموا ليس من الحكمة في شيء، ولا من البر، ولما وقعت القصتان في وقت واحد .. نزلت الآية فيهما معًا، ووصل إحداهما بالأخرى.
قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ...﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه تعالى لمّا أمرهم بالتقوى، وكان أشد أقسام التقوى وأشقها على النفس قتال أعداء الله .. أمر به، فقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، والظاهر أن المقاتلة في سبيل الله هي الجهاد في الكفار لإظهار دين الله وإعلاء كلمته، وأكثر علماء التفسير أنها أول آية نزلت في الأمر بالقتال، أمر فيها بقتال من قاتل والكف عمن كف، فهي ناسخة لآية الموادعة.
أسباب النزول
قوله تعالى (١): ﴿وَلَا تَأْكُلُوا ...﴾ أخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير
стр. 1200
قال: إن امرئ القيس بن عابس الكندي وعبدان بن الأشوع الحضرمي اختصما في أرض، وأراد امرؤ القيس أن يحلف، ففيه نزلت: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ...﴾.
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ...﴾ أخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي، عن ابن عباس ﵁ قال: سأل الناس رسول الله ﷺ عن الأهلة، فنزلت هذه الآية.
وأخرج أبو نعيم وابن عساكر من طريق السدي الصغير، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس ﵄ أن معاذ بن جبل، وثعلبة بن غنم قالا: يا رسول الله، ما بال الهلال يبدو ويطلع دقيقًا مثل الخيط، ثم يزيد حتى يعظم ويستوي ويستدير، ثم لا يزال ينقص ويدق، حتى يعود كما كان، ولا يكون على حال واحد كالشمس؟ فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ...﴾.
قوله تعالى (١): ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا ...﴾ روى البخاري عن البراء ﵁ نزلت هذه الآية فينا، كانت الأنصار إذا حجّوا فجاؤوا .. لم يدخلوا من قبل أبواب بيوتهم، ولكن من ظهورها، فجاء رجل من الأنصار فدخل من قبل بابه، فكأنه عُيِّر بذلك، فنزلت: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾.
قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ...﴾ أخرج (٢) الواحدي من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في صلح الحديبية، وذلك أن رسول الله ﷺ لما صُدَّ من البيت الحرام .. صالحه المشركون على أن يرجع عامه ذلك، ثم يرجع من العام المقبل، فلما كان العام القابل تجهز هو وأصحابه لعمرة القضاء، وخافوا أن لا تفي قريش بذلك، وأن يصدوهم عن المسجد الحرام ويقاتلوهم، وكره أصحابه قتالهم في الشهر الحرام .. فأنزل الله ذلك.
стр. 1201
قوله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ ...﴾ أخرج ابن جرير عن قتادة قال: أقبل نبي الله ﷺ وأصحابه معتمرين في ذي القعدة، ومعهم الهدي، حتى إذا كانوا بالحديبية .. صدهم المشركون، وصالحهم النبي ﷺ على أن يرجع من عامه ذلك، ثم يرجع من العام المقبل، فلما كان العام المقبل .. أقبل هو وأصحابه حتى دخلوا مكة معتمرين في ذي القعدة، فأقام بها ثلاث ليال، وكان المشركون قد فخروا عليه حين ردوه، فأقصه الله منهم، فأدخله مكة في مثل ذلك الشهر الذي كانوا ردوه فيه، فأنزل الله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ...﴾.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ...﴾ أخرج البخاري عن حذيفة: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال نزلت في النفقة.
وأخرج أبو داود والترمذي، وصححه ابن حبان والحاكم وغيرهم، عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما أعز الله الإِسلام وكثر ناصروه .. قال بعضنا لبعض سرًّا: إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإِسلام، فلو أقمنا في أموالنا، فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله يرد علينا ما قلنا: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها، وتركنا الغزو.
التفسير وأوجه القراءة
١٨٨ - ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾؛ أي: لا يأخذ بعضكم مال بعض بالطريق الحرام شرعًا كالنهب والغصب واللهو كالقمار، وأجرة المغني، وثمن الخمر والملاهي، والرشوة وشهادة الزور، والخيانة في الأمانة، وذلك لأن الله قدر لكلٍّ رزقه، فلا يتسع بالباطل، ولا يضيق بالحق. ﴿و﴾ لا ﴿تدلوا﴾ عطف على المنهي، وقرأ أبي: (ولا تدلوا) بإعادة لا الناهية؛ أي: ولا تلقوا ﴿بِهَا﴾؛ أي: بحكومتها؛ أي: لا تسرعوا ولا تبادروا بالخصومة على الأموال ﴿إِلَى الْحُكَّامِ﴾؛ أي: إلى الولاة ليعينوكم على إبطال حق، أو تحقيق باطل ﴿لِتَأْكُلُوا﴾؛ أي: تأخذوا بالتحاكم إليهم ﴿فَرِيقًا﴾؛ أي: قطعة وجملة ﴿مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ وسماها
стр. 1202
فريقًا؛ لأنها تفرق بين الناس، وقيل في الكلام تقديم وتأخير والتقدير: لتأكلوا أموال فريق من الناس ﴿بِالْإِثْمِ﴾؛ أي: بالظلم والعدوان، وقال ابن عباس ﵃ باليمين الكاذبة، وقيل: بشهادة الزور ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: حال كونكم عالمين أن ذلك باطل ليس من الحق في شيء فالإقدام على القبيح مع العلم بقبحه أقبح، وصاحبه بالتوبيخ أحق.
وعن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ سمع جلبة خصم بباب حجرته، فخرج إليهم، فقال: "إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم فلعل بعضهم ألحن بحجته من بعض، فأحسب أنه صادق، فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار فليحملها أو يذرها" متفق عليه.
ويستفاد من الآية: أن أكل أموال الناس بالوجه الباطل حرام، فأكله (١) بالباطل على وجوه:
الأول: أن يأكله بطريق التعدي والنهب والغصب.
الثاني: أن يأكله بطريق اللهو كالقمار وأجرة المغني، وثمن الخمر والملاهي ونحو ذلك.
الثالث: أن يأكله بطريق الرشوة في الحكم، وشهادة الزور.
الرابع: الخيانة، وذلك في الوديعة والأمانة ونحو ذلك، وإنما عبر عن أخذ المال بالأكل؛ لأنه المقصود الأعظم، ولهذا وقع في التعارف: فلان يأكل أموال الناس؛ بمعنى: يأخذها بغير حلها.
١٨٩ - ولما سأل معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم الأنصاريان رسول الله ﷺ فقالا: يا رسول الله، ما بال الهلال يبدو دقيقًا، ثم يزيد حتى يمتليء نورًا، ثم لا يزال ينقص حتى يعود دقيقًا كما بدأ، ولا يكون على حالة واحدة كالشمس؟ نزل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾؛ أي: يسألك الناس يا محمد ﴿عَنِ﴾ حكمة اختلاف ﴿الْأَهِلَّةِ﴾ بالزيادة والنقصان لماذا؟ وقرأ (٢) الجمهور ﴿عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ بكسر النون
стр. 1203
وإسكان لام الأهلة بعدها همزة وورش على أصله من نقل حركة الهمزة وحذف الهمزة، وقرىء شاذًا بإدغام نون عن في لام الأهلة بعد النقل والحذف، و ﴿الْأَهِلَّةِ﴾ جمع هلال، وهو اسم لما يبدو أول الشهر، ويسمى بالهلال ليلتين أو ثلاثًا، وبعد ذلك يسمى: قمرًا، وسمي هلالًا؛ لأن الناس يرفعون أصواتهم عند رؤيته، وإنما جمعها نظرًا إلى هلال كل شهر، أو كل ليلة تنزيلًا لاختلاف الأوقات منزلة اختلاف الذوات.
﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿هِيَ﴾: الأهلة ﴿مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾؛ أي: علامات لأوقات أغراض الناس الدينية والدنيوية ﴿و﴾ علامات لأوقات ﴿الحج﴾؛ يعني أن الحكمة في زيادة القمر ونقصانه: زوال الالتباس عن أوقات أغراض الناس في متاجرهم وآجال ديونهم وعدد نسائهم، وأيام حيضهن، وأجور أجرائهم، ومدد حواملهم، وصومهم وفطرهم، وأوقات زرعهم، ودخول وقت الحج وخروجه، وإنما أفرد الحج بالذكر مع دخوله في بقية الأغراض .. اعتناء بشأنه من حيث أن الوقت أشد لزومًا له من بقية العبادات: وذلك لأنه لا يصح فعله أداء ولا قضاء إلا في وقته المعلوم، وأما غيره من العبادات، فلا يتقيد قضاؤه بوقت أدائه، وقرأ الجمهور: ﴿وَالْحَجِّ﴾ بفتح الحاء، وقرأ ابن أبي إسحاق - شذوذًا - بكسرها في جميع القرآن.
﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ﴾ والخير ﴿بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ﴾ وتدخلوا في حال الإحرام. ﴿مِنْ ظُهُورِهَا﴾ وسطوحها وخلفها كما فعلوا ذلك في الجاهلية وصدر الإِسلام، فكان (١) الرجل إذا أحرم بالعمرة أو الحج .. لم يحل بينه وبين السماء شيء، فإن كان من أهل المدر .. نقب نقبًا في ظهر بيته يدخل منه، أو يتخذ سلمًا ليصعد، وإن كان من أهل الوبر .. دخل وخرج من خلف الخباء، ولا يدخل ولا يخرج من الباب، وكان إذا عرضت له حاجة في بيته .. لا يدخل من باب الحجرة من أصل سقف الباب مخافة أن يحول بينه وبين السماء شيء، فيفتح الجدار من
стр. 1204
ورائه، ثم يقف في صحن داره، فيأمر بحاجته.
ووجه (١) اتصال هذا الكلام بالسؤال عن الأهلة والجواب عنه: أنهم سألوا عن الحكمة في اختلاف حال القمر، وعن حكم دخولهم بيوتهم من غير أبوابها.
﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ بر ﴿مَنِ اتَّقَى﴾ محارم الله ومخالفة أمره كالصيد، وتوكل على الله في جميع أموره، وقرأ نافع وابن عامر بتخفيف لكنْ ورفع البرُّ، والباقون ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ بالتشديد والنصب، ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ﴾ جمع بيت ككعب وكعوب، وقرىء بضم الباء وكسرها؛ أي: وادخلوا بيوتكم في حالة الإحرام ﴿مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ التي كنتم تدخلونها وتخرجون منها قبل ذلك؛ إذ ليس في العدول عنها بر، فباشروا الأمور من وجوهها ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: خافوا الله في تغيير أحكامه والاعتراض على أفعاله فيما أمركم به ونهاكم عنه ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾؛ أي: لكي تفوزوا بالخير في الدين والدنيا، والنعيم السرمدي في الآخرة، أو لكي تنجوا من السخط والعذاب.
١٩٠ - ﴿وَقَاتِلُوا﴾؛ أي: جاهدوا أيها المهاجرون، والخطاب للمهاجرين كما قاله ابن جرير ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: في طاعته وطلب رضوانه في الحل والحرم لإعلاء كلمته وإعزاز دينه. وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ : "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا .. فهو في سبيل الله". ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾؛ أي: الذين يبدؤونكم بالقتال من الكفار؛ يعني: قريشًا، ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ عليهم ولا تظلموا بابتداء القتال في الحرم ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾؛ أي: لا يريد الخير بالمتجاوزين الحد بمخالفة أمره ونهيه،
١٩١ - وهذا منسوخ بآية براءة: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾، أو بقوله: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾؛ أي: في أي محل وجدتموهم فيه من الحل والحرم وإن لم يبدؤوكم ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾؛ يعني: من مكة، وقد فعل بهم رسول الله ﷺ ذلك
стр. 1205
القتل والإخراج بمن لم يسلم منهم عام الفتح.
﴿وَالْفِتْنَةُ﴾؛ أي: شركهم بالله وعبادة الأوثان في الحرم وصدهم لكم عنه ﴿أَشَدُّ﴾؛ أي: أشر وأقبح. ﴿مِنَ الْقَتْلِ﴾؛ أي: من قتلكم إياهم في الحرم الذي استعظمتموه، وإنما (١) كان الشرك أعظم من القتل؛ لأن الشرك بالله ذنب يستحق صاحبه الخلود في النار، وليس القتل كذلك، والكفر يخرج صاحبه من الأمة، وليس القتل كذلك، فثبت أن الفتنة أشد من القتل، وهذه الجملة جواب عن سؤال مقدر؛ تقديره: إن خفتم أن تقاتلوهم في الشهر الحرام وراعيتم حرمة الشهر والإحرام والحرم .. فالشرك الذي حصل منهم الذي فيه تهاون برب الحرم أبلغ، أو المعنى: والمحن التي يفتتن بها الإنسان كالإخراج من الوطن أشد؛ أي: أصعب من القتل، لدوام تعبها وبقاء تألم النفس بها.
﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ﴾؛ أي: لا تبدؤوهم بالقتال ﴿عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾؛ أي: في الحرم ﴿حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾؛ أي: حتى يبدؤوكم بالقتال فيه؛ أي: في الحرم ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ﴾؛ أي: فإن بدؤوكم بالقتال في الحرم ﴿فَاقْتُلُوهُمْ﴾؛ أي: فقاتلوهم فيه ولا تبالوا بقتالهم فيه؛ لأنهم الذين هتكوا حرمته، فاستحقوا أشد العذاب، وقرأ حمزة والكسائي: ﴿ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم فإن قتلوكم﴾ كله بغير ألف؛ والمعنى: حتى يقتلوا بعضكم، كقولهم: قتلنا بنو أسد.
واختلف العلماء في هذه الآية (٢) هل هي محكمة أم لا؟ فذهب مجاهد في جماعة من العلماء إلى أنها محكمة، وأنه لا يحل أن يقاتل في المسجد الحرام إلا من قاتل فيه وثبت في "الصحيح" عن النبي ﷺ أنه قال: "إن مكة لا تحل لأحد قبلي ولا لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، ثم عادت حرامًا إلى يوم القيامة". فثبت بهذا تحريم القتال في الحرم إلا أن يُقَاتَلوا فيقَاتِلوا، ويكون دفعًا لهم.
стр. 1206
وذهب قتادة إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله سبحانه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ فأمر بقتالهم في الحل والحرم، وقيل: إنها منسوخة بقوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾.
﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مثل هذا الجزاء الواقع منكم بالقتل والإخراج ﴿جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: يفعل بهم مثل ما فعلوا بغيرهم من المؤمنين.
١٩٢ - ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ عن قتالكم ودخلوا في الإِسلام ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لهم ما سلف منهم من الكفر ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم بقبول توبتهم وإيمانهم بعد كفرهم وقتالهم.
١٩٣ - ﴿وَقَاتِلُوهُمْ﴾؛ أي: وبادئوا المشركين بالقتال في الحل والحرم ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾؛ أي: حتى يسلموا ولا يوجد شرك، ﴿و﴾ حتى ﴿يكون الدين﴾ كله والعبادة خالصًا ﴿لِلَّهِ﴾ وحده ليس للشيطان فيه نصيب ولا يعبد في الحرم وغيره إلا الله، وترك (١) هنا ﴿كله﴾ وذكره في الأنفال؛ لأن القتال هنا مع أهل مكة فقط، وتم مع جميع الكفار فناسب ذكره، ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ وانزجروا وانكفوا عن الكفر وقتالكم في الحرم .. فلا تعتدوا عليهم، دل عليهم ﴿فَلَا عُدْوَانَ﴾؛ أي: فلا اعتداء بقتل أو غيره؛ أي: فلا سبيل لكم بالقتل ﴿إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: على المبتدئين بالقتل، أو المعنى: فإن انتهوا عن الأمر الذي يوجب قتالهم، وهو إما كفرهم، أو قتالهم .. فلا قتل إلا على الذين لا ينتهون عن الكفر، فإنهم بإصرارهم على كفرهم ظالمون أنفسهم، وسمي جزاء الظالمين ظلمًا للمشاكلة.
١٩٤ - ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ﴾ الذي دخلت فيه - يا محمَّد - لقضاء العمرة؛ وهو ذو القعدة من السنة السابعة، وسمي بالحرام لحرمة القتال فيه مقابل ﴿بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ الذي صدوك فيه عن دخول مكة؛ وهو ذو القعدة من السنة السادسة؛ أي: من استحل دمكم من المشركين في الشهر الحرام .. فاستحلوه فيه؛ أي: إن قاتلوكم فيه فقاتلوهم فيه ﴿وَالْحُرُمَاتُ﴾ جمع حرمة؛ وهي ما يجب احترامه، وقرأ الحسن شذوذًا: ﴿والحرْمات﴾ بإسكان الراء على الأصل؛ إذ هو جمع حرمة، والضم في
стр. 1207
الجمع اتباع؛ أي: الشهر الحرام والبلد الحرام وحرمة الإحرام. ﴿قِصَاصٌ﴾؛ أي: يجري فيه قصاص وبدل؛ أي: فكما هتكوا حرمة شهركم بالصد والقتال .. فافعلوا بهم مثله، وادخلوا عليهم عنوة فاقتلوهم إن قاتلوكم، ولا تبالوا بالحرمات كما قال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى﴾؛ أي: تعدى ﴿عَلَيْكُمْ﴾ بالقتال في الحرم أو الإحرام، أو الشهر الحرام ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾؛ أي: جازوه ﴿بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: بعقوبة مثل الجناية التي اعتدى عليكم بها، سمى المجازاة اعتداء للمشاكلة، وكان مقتضى الظاهر أن يقال: فمن اعتدى عليكم فقابلوه وجازوه بمثل ما اعتدى عليكم به ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: خافوا الله في الانتصار ممن اعتدى عليكم، فلا تعتدوا إلى ما لم يرخص لكم فيه. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ بالنصر والحفظ فيحرسهم ويصلح شأنهم.
والحاصل: أنه لما أباح لهم الاقتصاص بالمثل، وشأن النفس حب المبالغة في الانتقام .. حذرهم من ذلك فقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾.
١٩٥ - ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: وابذلوا أموالكم وأنفسكم في طاعة الله ومراضيه سواء الجهاد وغيره، فالإنفاق (١): صرف المال في وجوه المصالح الدينية، كالإنفاق في الحج والعمرة، وصلة الرحم والصدقة، وفي الجهاد وتجهيز الغزاة، وعلى النفس والعيال وغير ذلك مما فيه قربة إلى الله تعالى؛ لأن كل ذلك مما هو في سبيل الله، لكن إذا أطلقت هذه اللفظة .. انصرفت إلى الجهاد ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾؛ أي: ولا توقعوا ولا تطرحوا أنفسكم ﴿إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾؛ أي: إلى الهلاك، وعبر بالأيدي عن الأنفس اكتفاء بالجزء الأهم؛ لأن بها البطش والحركة؛ أي: لا تلقوا أنفسكم إلى الهلاك بالإسراف وتضييع وجه المعاش، أو بالكف عن الغزو والإنفاق فيه؛ لأن به يقوى العدو، وتكثر المصائب في الدين والذل لأهله كما هو مشاهد، ومن أنفق أمواله ونفسه في سبيل الله .. فقد ألقى نفسه إلى العز الدائم في الدنيا والآخرة.
стр. 1208
﴿وَأَحْسِنُوا﴾ أعمالكم وأخلاقكم، أو أحسنوا في الإنفاق على من تلزمكم مؤنته بأن يكون ذلك الإنفاق وسطًا، فلا تسرفوا ولا تقتروا، أو أحسنوا الظن بالله في الإخلاف عليكم ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: يريد بهم الخير ويثيبهم على إحسانهم.
الإعراب
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية، ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَأْكُلُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، والجملة مستأنفة. ﴿أَمْوَالَكُمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿بَيْنَكُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه، والظرف متعلق بـ ﴿تَأْكُلُوا﴾، وعبارة (١) "السمين" هنا قوله: ﴿بَيْنَكُمْ﴾: في هذا الظرف وجهان:
أحدهما: أن يتعلق بـ ﴿تَأْكُلُوا﴾ بمعنى لا تتناولوها فيما بينكم بالأكل.
والثاني: أنه متعلق بمحذوف؛ لأنه حال من ﴿أَمْوَالَكُمْ﴾؛ أي: لا تأكلوها كائنة بينكم.
﴿بِالْبَاطِلِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَأْكُلُوا﴾، وفي "السمين" (٢) قوله ﴿بِالْبَاطِلِ﴾: فيه وجهان:
أحدهما: تعلقه بالفعل؛ أي: لا تأخذوها بالسبب الباطل.
والثاني: أن يكون حالًا فيتعلق بمحذوف، ولكن في صاحبها احتمالان: أحدهما: أنه المال، كأن المعنى لا تأكلوها متلبسة بالباطل.
والثاني: أنه الضمير في تأكلوا، كان المعنى لا تأكلوها مبطلين؛ أي: متلبسين بالباطل.
стр. 1209
﴿وَتُدْلُوا﴾: الواو: عاطفة. ﴿تدلوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿تَأْكُلُوا﴾ مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية. ﴿بِهَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تدلوا﴾. ﴿إِلَى الْحُكَّامِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تدلوا﴾ أيضًا. ﴿لِتَأْكُلُوا﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل، ﴿تأكلوا﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أن﴾ مضمرة جوازًا بعد لام كي. ﴿فَرِيقًا﴾: مفعول به. ﴿مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿فَرِيقًا﴾؛ تقديره: فريقًا كائنًا من أموال الناس، وجملة ﴿تَأْكُلُوا﴾ صلة ﴿أن﴾ المضمرة، ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿لام﴾ التعليل؛ تقديره: لأكلكم فريقًا ﴿مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تدلوا﴾. ﴿بِالْإِثْمِ﴾: جار ومجرور متعلق بقوله: ﴿لِتَأْكُلُوا﴾، وعبارة "السمين" قوله: ﴿بِالْإِثْمِ﴾: يحتمل أن تكون ﴿الباء﴾ سببية، فتتعلق بقوله: ﴿لِتَأْكُلُوا﴾، وأن تكون للمصاحبة؛ فتكون حالًا من الفاعل في ﴿لِتَأْكُلُوا﴾، وتتعلق بمحذوف؛ أي: لتأكلوا ملتبسين بالإثم. ﴿وَأَنْتُمْ﴾: الواو: حالية، ﴿أنتم﴾: مبتدأ. ﴿تَعْلَمُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿لِتَأْكُلُوا﴾، وذلك على رأي من يجيز تعدد الحال، وأما من لا يجيز تعدده: فيجعل ﴿بِالْإِثْمِ﴾ غير حال.
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾.
﴿يَسْأَلُونَكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة. ﴿عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يسألون﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة. ﴿هِيَ﴾، مبتدأ. ﴿مَوَاقِيتُ﴾: خبر، والجملة في محل النصب مقول القول. ﴿لِلنَّاسِ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿مَوَاقِيتُ﴾؛ تقديره: كائنات للناس. ﴿وَالْحَجِّ﴾: معطوف على ﴿النَّاسِ﴾.
﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾.
﴿وَلَيْسَ﴾: الواو استئنافية، ﴿ليس البرُّ﴾. فعل ناقص واسمه. ﴿بِأَنْ تَأْتُوا﴾: ﴿الباء﴾: زائدة. ﴿أن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿تَأْتُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أن﴾. ﴿الْبُيُوتَ﴾: مفعول به. ﴿مِنْ ظُهُورِهَا﴾: جار ومجرور
стр. 1210
ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تَأْتُوا﴾، وجملة ﴿تَأْتُوا﴾ صلة ﴿أن﴾ المصدرية، ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على كونه خبر ﴿ليس﴾ تقديره: وليس البر إتيانكم البيوت من ظهورها، وجملة ﴿ليس﴾ مستأنفة.
﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
﴿وَلَكِنَّ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿لكن﴾ حرف نصب واستدراك. ﴿الْبِرَّ﴾: اسمها ﴿مَنِ﴾: اسم موصول في محل الرفع خبر ﴿لكن﴾، ولكنه على حذف مضاف؛ تقديره: ولكن البرَّ برُّ من اتقى كما مر في الحل، والجملة معطوفة على جملة ﴿ليس البر﴾. ﴿اتَّقَى﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، والجملة صلة الموصول. ﴿وَأْتُوا﴾: الواو: عاطفة، ﴿أتوا البيوت﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ﴾. ﴿مِنْ أَبْوَابِهَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أتوا﴾. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: ﴿لعل﴾: حرف نصب وتعليل، والكاف: اسمها، وجملة ﴿تُفْلِحُونَ﴾: خبرها، وجملة ﴿لعل﴾ في محل الجر بـ ﴿لام﴾ التعليل المقدرة المتعلقة بـ ﴿اتقوا﴾؛ تقديره: واتقوا الله؛ لفوزكم وفلاحكم.
﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾.
﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿قاتلوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿قاتلوا﴾ ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به. ﴿يُقَاتِلُونَكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَعْتَدُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، والجملة معطوفة على جملة ﴿قاتلوا﴾. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب، ﴿اللَّهَ﴾
стр. 1211
اسمها ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يُحِبُّ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾.
﴿الْمُعْتَدِينَ﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل الجر بلام التعليل.
﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾.
﴿وَاقْتُلُوهُمْ﴾ الواو: استئنافية، ﴿اقتلوهم﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة قوله: و ﴿وَقَاتِلُوا﴾. ﴿حَيْثُ﴾: ظرف مكان في محل النصب على الظرفية، والظرف متعلق بـ ﴿اقتلوهم﴾. ﴿ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿حَيْثُ﴾. ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿أخرجوهم﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَاقْتُلُوهُمْ﴾. ﴿مِنْ حَيْثُ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿أخرجوا﴾. ﴿أَخْرَجُوكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿حَيْثُ﴾. ﴿وَالْفِتْنَةُ﴾: الواو: اعتراضية. ﴿الفتنة﴾: مبتدأ. ﴿أَشَدُّ﴾: خبر. ﴿مِنَ الْقَتْلِ﴾: متعلق به، والجملة معترضة لا محل لها من الإعراب لاعتراضها بين المعطوف والمعطوف عليه.
﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ﴾: الواو: عاطفة، ﴿لا﴾: ناهية، ﴿تقاتلوهم﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾، مؤكدة لها ومفسرة. ﴿عِنْدَ الْمَسْجِدِ﴾: ظرف ومضاف إليه. ﴿الْحَرَامِ﴾: صفة لـ ﴿الْمَسْجِدِ﴾، والظرف متعلق بـ ﴿تُقَاتِلُوهُمْ﴾. ﴿حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾: ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية. ﴿يُقَاتِلُوكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول منصوب بـ ﴿أن﴾ مضمرة. ﴿فِيهِ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة صلة أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حتى﴾؛ تقديره: إلى مقاتلتهم إياكم، الجار والمجرور متعلق بقوله: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ﴾.
﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾.
стр. 1212
﴿فَإِنْ﴾: الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر؛ تقديره: إذا عرفتم حكم ما إذا لم يقاتلوكم، وأردتم بيان حكم ما إذا قاتلوكم .. فأقول: إن قاتلوكم، ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿قَاتَلُوكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿فَاقْتُلُوهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب إن الشرطية وجوبًا. ﴿اقتلوهم﴾: فعل وفاعل ومفعول في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿كَذَلِكَ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿جَزَاءُ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿الْكَافِرِينَ﴾. مضاف إليه، والجملة مستأنفة.
﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢)﴾.
﴿فَإِنِ﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر؛ تقديره: إذا عرفت حكم ما إذا قاتلوا، وأردت بيان حكم ما إذا انتهوا .. فأقول لك: إن انتهوا، ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿انْتَهَوْا﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل الشرط. ﴿فَإِنَّ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية، ﴿إن﴾: حرف نصب وتوكيد. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿غَفُورٌ﴾: خبر أول لها. ﴿رَحِيمٌ﴾: خبر ثان، وجملة إنَّ في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونها جوابًا لها، وجملة إن الشرطية في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة.
﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾.
﴿وَقَاتِلُوهُمْ﴾ الواو: استئنافية، ﴿قاتلوهم﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿تَكُونَ﴾: فعل مضارع تام منصوب بـ ﴿أن﴾ مضمرة. ﴿فِتْنَةٌ﴾: فاعل، والجملة صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى المتعلقة بـ ﴿قاتلوهم﴾؛ تقديره: وقاتلوهم إلى عدم فتنة وشرك. ﴿وَيَكُونَ﴾: الواو: عاطفة، ﴿يكون﴾: فعل مضارع معطوف على تكون، منصوب بـ ﴿أن﴾ مضمرة، ولكن يصح كونها ناقصة وتامة، وعلى كونها ناقصة: ﴿الدِّينُ﴾: اسمها. ﴿لِلَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق
стр. 1213
بمحذوف خبر ﴿يكون﴾؛ تقديره: ويكون الدين خالصًا لله، والجملة في محل الجر معطوفة على جملة ﴿لَا تَكُونَ﴾ تقديره: وقاتلوهم إلى عدم فتنة، وإلى كون الدين خالصًا لله.
﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.
﴿فَإِنِ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر؛ تقديره: إذا عرفت وجوب مقاتلتهم إلى عدم الفتنة، وأردت بيان حكم ما إذا انتهوا .. فأقول لك: إن انتهوا، ﴿إن﴾: حرف شرط جازم. ﴿انْتَهَوْا﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾. ﴿فَلَا عُدْوَانَ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب إن وجوبًا. ﴿لا﴾: نافية تعمل عمل إن. ﴿عُدْوَانَ﴾: في محل النصب اسمها. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿عَلَى الظَّالِمِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ﴿لا﴾؛ تقديره: فلا عدوان كائن إلا على الظالمين، وجملة ﴿لا﴾ في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة.
﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾.
﴿الشَّهْرُ﴾: مبتدأ. ﴿الْحَرَامُ﴾: صفة له. ﴿بِالشَّهْرِ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿الْحَرَامِ﴾: صفة للشهر مجرور؛ والتقدير: الشهر الحرام مقابل الشهر الحرام، والجملة مستأنفة. ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ﴾ على كونها مستأنفة.
﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾.
﴿فَمَنِ﴾: ﴿الفاء﴾: تفريعية، وهي التي كان ما قبلها علة لما بعدها. ﴿من﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط على الراجح. ﴿اعْتَدَى﴾: فعل ماضٍ في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿اعْتَدَى﴾. ﴿فَاعْتَدُوا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿مَن﴾ الشرطية؛ لكون الجواب
стр. 1214
جملة طلبية، ﴿اعتدوا﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونه جواب الشرط، وجملة ﴿من﴾ الشرطية معطوفة على جملة قوله ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾؛ لأنها مفرعة عليها. ﴿عَلَيْهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿اعتدوا﴾. ﴿بِمِثْلِ﴾: جار ومجرور متعلق أيضًا بـ ﴿اعتدوا﴾.
وعبارة "السمين" (١) في هذه ﴿الباء﴾ قولان:
أحدهما: أن تكون غير زائدة، بل تكون متعلقة بـ ﴿اعتدوا﴾، والمعنى: بعقوبة مثل جناية اعتدائه.
والثاني: أنها زائدة؛ أي: مثل اعتدائه، فيكون نعتًا لمصدر محذوف، أي: اعتداء مماثلًا لاعتدائه، و ﴿ما﴾ يجوز أن تكون مصدرية، فلا تفتقر إلى عائد، وأن تكون موصولة، فيكون العائد محذوفًا، أي: بمثل ما اعتدى عليكم به، وجاز حذفه؛ لأن المضاف إلى الموصول قد جر بحرف جر، وبه العائد، واتحد المتعلقان. انتهى.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية، ﴿اتقوا الله﴾: فعل وفاعل ومفعول والجملة مستأنفة. ﴿وَاعْلَمُوا﴾: الواو: عاطفة، ﴿اعلموا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿اتقوا﴾. ﴿أَنَّ﴾: حرف نصب ومصدر، ﴿اللَّهَ﴾. اسمها. ﴿مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بمحذوف خبر ﴿أَنَّ﴾، وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر سادٍّ مسد مفعولي ﴿اعلموا﴾؛ تقديره: واعلموا كون الله مع المتقين.
﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
﴿وَأَنْفِقُوا﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية، ﴿أَنْفِقُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أنفقوا﴾. ﴿وَلَا تُلْقُوا﴾
стр. 1215
الواو: عاطفة، ﴿لا﴾: ناهية جازمة، ﴿تُلْقُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَأَنْفِقُوا﴾. ﴿بِأَيْدِيكُمْ﴾: ﴿الباء﴾: زائدة، ﴿أيديكم﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تُلْقُوا﴾.
﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
﴿وَأَحْسِنُوا﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿أحسنوا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿أنفقوا﴾. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿يُحِبُّ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾. ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾: مفعول به، وجملة ﴿يُحِبُّ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل الجر بـ ﴿لام﴾ التعليل المقدرة؛ تقديره: وأحسنوا لمحبة الله المحسنين؛ أي: لطلب محبته إياكم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿الباطل﴾: اسم فاعل من بطل الشيء يبطل بطولًا فهو باطل؛ أي: زائل ذاهب، والمراد هنا الطريق الحرام كالنهب والغصب ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ يقال: أدلى الدلو في البئر إذا أرسلها فيه؛ فهو من الرباعي المزيد، والمراد بالإدلاء هنا: المبادرة إلى الحكام بالخصومة، أو بالرشوة ليحكم له بالباطل.
﴿الْأَهِلَّةِ﴾: جمع هلال، وهو القمر أول ما يراه الناس ليلة أو ليلتين أو ثلاثًا كما مر، ثم يكون قمرًا، ثم بدرًا حين تكامل نوره، وأصل الأهلة: أهللة، نقلت كسرة اللام الأولى إلى الساكن قبلها، ثم أدغمت في اللام الأخرى، وهو جمع مقيس في فعال المضعف نحو عِنَان وأَعِنَّة، وشذ فيه (فعل) قالوا: عنن في عنان، وحجج في حجاج. ﴿مَوَاقِيتُ﴾؛ جمع ميقات، أصله: موقات قلبت ﴿الواو﴾ ياء لسكونها إثر كسرة، وهو الوقت كالميعاد بمعنى الوعد، وقيل: الميقات منتهى الوقت.
والفرق (١) بين الوقت والمدة والزمان: أن المدة المطلقة: امتداد حركة
стр. 1216
الفلك من مبدئها إلى منتهاها. والزمان: مدة منقسمة إلى الماضي والحال والمستقبل، والوقت: الزمان المفروض لأمر.
﴿بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ﴾ البيوت (١) يقرأ: بضم الباء، وهو الأصل في الجمع على فعول، والمعتل كالصحيح، وإنما ضم أول هذا الجمع ليشاكل ضمة الثاني والواو بعده. ويقرأ بكسر الباء؛ لأن بعده ياء، والكسرة من جنس الباء، ولا يستثقل بالخروج من كسر إلى ضم؛ لأن الضمة هنا في الياء، والياء مقدرة بكسرتين، فكانت الكسرة في الياء كأنها وليت كسرة، وهكذا الخلاف في العيون والجيوب والشيوخ، ومن هنا جاز في التصغير الكسر، فيقال في بيت: بييت.
﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ يقال: ثقُف الرجل - من باب ظرُف - إذا صار حاذقًا خفيفًا، فهو ثَقف مثل ضخُم فهو ضخم، ومنه الثقافة. وثقف من باب طرب لغةٌ فيه، فهو ثَقِفْ وثَقُف كعضد، وفي "القاموس": وثقفه كسمعه إذا أخذه أو ظفر به أو أدركه، وأصل الثقف الحذق في إدراك الشيء علمًا أو عملًا، وفيه معنى الغلبة.
﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ وأصل انتهوا: انتهيوا استثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان؛ فحذفت الألف وبقيت الفتحة تدل عليها.
﴿وَالْحُرُمَاتُ﴾ جمع حرمة كالظلمات جمع ظلمة، وإنما جمع الحرمات؛ لأنه أراد الشهر الحرام والبلد الحرام وحرمة الإحرام، والحرمة ما منع الشرع من انتهاكه.
﴿التهلكة﴾ مصدر (٢) لهلك من باب ضرب، وفي "المختار" يقال: هلك الشيء يهلِك - بالكسر من باب ضرب - هلاكًا وهلوكًا وتهلُكةً بضم اللام، والاسم: الهلك بالضم، قال اليزيدي: التهلكة من نوادر المصادر، ليست مما يجري على القياس، وقيل (٣): التهلكة ما أمكن التحرز منه، والهلاك ما لا يمكنه التحرز منه، وقيل: التهلكة الشيء المهلك، والهلاك حدوث التلف، وقيل:
стр. 1217
التهلكة كل ما تصير غايته إلى الهلاك.
البلاغة
﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ وقد جعل (١) بعض علماء المعاني هذا الجواب من الأسلوب الحكيم، وهو تلقي المخاطب بغير ما يَترقب مُنَبِّها على أنه الأولى بالقصد، ووجه ذلك أنهم سألوا عن أجرام الأهلة باعتبار زيادتها ونقصانها، فأجيبوا بالحكمة التي كانت تلك الزيادة والنقصان لأجلها؛ لكون ذلك أولى بأن يقصد السائل، وأحق بأن يتطلع لعلمه. انتهى.
لأنه من الأحكام الظاهرة (٢) التي شأن الرسول التصدي لبيانها، وأما سبب اختلافه: فهو من قبيل المغيبات التي لا غرض للمكلف في معرفتها، ولا يليق أن تبين له.
﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فالمراد بالسبيل دين الله؛ لأن السبيل في الأصل الطريق، ففيه استعارة تصريحية أصلية، حيث شبه دين الله بالسبيل بجامع الوصول إلى المقصود في كلٍّ.
﴿عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ المراد به الحرم كله، ففيه مجاز مرسل من إطلاق اسم الجزء على الكل.
﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ فيه مجاز بالحذف؛ تقديره: هتك حرمة الشهر الحرام له وقع منكم مقابلٌ بهتك حرمة الشهر الحرام الواقع منهم؛ لأنم قاتلوا المسلمين في عام الحدييبة قتالًا خفيفًا بالرمي بالسهام والحجارة.
﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ تسمية جزاء العدوان عدوانًا من قبيل المشاكلة؛ وهي الاتفاق في اللفظ مع الاختلاف في المعنى، كقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ قال الزجاج: العرب تقول: ظلمني فلان فظلمته؛ أي: جازيته بظلمه.
﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ فيه مجاز حيث أطلق الأيدى، وأراد الأنفس
стр. 1218
من إطلاق الجزء على الكل.
فائدة: وفي تفسير (١) التهلكة أقوال تسعة:
أحدها: ترك الجهاد والإخلاد إلى الراحة وإصلاح الأموال. قاله أبو أيوب.
الثاني: ترك النفقة في سبيل الله خوف العيلة. قاله حذيفة، وابن عباس، والحسن، وعطاء، وعكرمة، وابن جبير.
الثالث: التقحم في العدو بلا نكاية. قاله أبو القاسم البلخي.
الرابع: التصدق بالخبيث قاله عكرمة.
الخامس: الإسراف بإنفاق كل المال قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾، ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾. قاله أبو علي.
السادس: الانهماك في المعاصي ليأسه من قبول توبته، قاله البراء، وعبيدة السلماني.
السابع: القنوط من التوبة. قاله قوم.
الثامن: السفر للجهاد بغير زاد. قاله زيد بن أسلم، وقد فعل ذلك قوم فأداهم إلى الانقطاع في الطريق، أو إلى كونهم عالة على الناس،
التاسع: إحباط الثواب بالمن والرياء والسمعة، كقوله: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ وهذه الأقوال كلها تحتمل هذه الآية، والظاهر أنهم نهوا عن كل ما يؤول بهم إلى الهلاك في غير طاعة الله؛ يعني غير الجهاد.
والله أعلم
* * *
стр. 1219
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦) الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩) فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢) وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)﴾.
المناسبة
لمّا ذكر الله في الآيات السابقة أحكام الصيام .. أردف ذلك بذكر أحكام الحج؛ لأن شهور الحج تأتي مباشرة بعد شهر الصيام، وأما آيات القتال التي فصلت بين آيات الصيام وآيات الحج: فقد ذكرت عرضًا لبيان حكم هام؛ وهو بيان الأشهر الحرم، وحكم القتال فيها فيما لو تعرض المشركون للمؤمنين، وهم في حالة الإحرام هل يباح لهم رد العدو عن أنفسهم والقتال في الأشهر الحرم؟ فقد وردت الآيات السابقة تبين حكمة الأهلة وأنها مواقيت للصيام والحج ثم بينت الآيات بعدها موقف المسلمين من القتال في الشهر الحرام،
стр. 1220
وذلك حين أراد رسول الله ﷺ العمرة وصده المشركون ومنعوه من دخول مكة، ووقع صلح الحديبية، ثم لما أراد القضاء في العام القابل وخشي أصحابه غدر المشركين بهم، وهم في حالة الإحرام .. نزلت الآيات تبين أنه ليس لهم أن ينتهكوا هذه الحرمات على سبيل الابتداء، بل على سبيل القصاص ودفع العدوان، ثم عاد الكلام إلى أحكام الحج وحكم الإحصار فيه، فهذا هو الارتباط والمناسبة بين الآيات السابقة واللاحقة.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ...﴾ أخرج ابن أبي حاتم عن صفوان بن أمية قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ متضمخًا بالزعفران، عليه جبة فقال: كيف تأمرني يا رسول الله في عمرتي، فأنزل الله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ فقال ﷺ : "أين السائل عن العمرة؟ " قال: ها أنا ذا، فقال له ﷺ : "ألق عنك ثيابك، ثم اغتسل واستنشق ما استطعت، ثم ما كنت صانعًا في حجك فاصنعه في عمرتك".
قوله (١) تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا ...﴾ روى البخاري عن كعب بن عجرة ﵁ أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾ قال: حملت إلى النبي ﷺ والقمل يتناثر على وجهي، فقال: "ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا، أما تجد شاة" قلت: لا. قال: "صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام، واحلق رأسك"، فنزلت فيّ خاصة، وهي لكم عامة.
قوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا ...﴾ الآية، روى البخاري، وغيره عن ابن عباس ﵁ قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن متوكلون، فأنزل الله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ ...﴾ الآية، روى البخاري عن ابن عباس قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقًا في الجاهلية فتأثموا أن
стр. 1221
يتجروا في الموسم، فسألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ...﴾ أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: كانت العرب تقف بعرفة، وكانت قريش تقف دون ذلك بالمزدلفة، فأنزل الله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ...﴾.
وأخرج ابن المنذر عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: كانت قريش يقفون بالمزدلفة، ويقف الناس بعرفة إلا شيبة بن ربيعة، فأنزل الله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ ...﴾ الآية، أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم، يقول الرجل منهم: كان أبي يطعم ويحمل الحمالات، ليس لهم ذكر أفعال آبائهم، فأنزل الله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ ...﴾ الآية.
قوله تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا ...﴾ أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف، فيقولون: اللهم اجعله عام غيث وعام خصب وعام ولاء وحسن، لا يذكرون من أمر الآخرة شيئًا، فأنزل الله فيهم: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ ويجيء بعدهم آخرون من المؤمنين، فيقولون: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢)﴾.
التفسير وأوجه القراءة
١٩٦ - ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾؛ أي: أدوهما تامين كاملين بأركانهما وشروطهما وواجباتهما وآدابهما خالصين ﴿لِلَّهِ﴾ غير مخلوطين بشيء من الأغراض الدنيوية كالتجارة والاكتساب، أو بشيء مما يحبطهما كالرياء والسمعة والشهرة باسمهما، وفي قراءة ﴿وأقيموا الحج والعمرة لله﴾ واختلف العلماء في معنى إتمامها. قال ابن عباس: إتمامهما: أن يتمهما بمناسكهما وحدودهما
стр. 1222
وسننهما، وقيل: إتمامهما: أن يتحرم بهما من دويرة أهلك، وقيل: هو أن تفرد لكل واحد منهما سفرًا، وقيل: إتمامهما أن تكون النفقة حلالًا، وتنتهي عما نهى الله عنه، وقيل: إتمامهما أن تخرج من أهلك، لهما لا للتجارة ولا لحاجة، وقيل، إذا شرع فيهما وجب عليه الإتمام.
فصل
واتفقت الأمة على وجوب الحج على من استطاع إليه سبيلًا. روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ ، فقال: "أيها الناس، قد فرض عليكم الحج فحجوا"، فقال رجل: أفي كل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله ﷺ : "لو قلت نعم .. لوجب ولما استطعتم".
وفي وجوب العمرة قولان للشافعي:
أصحهما: أنها واجبة، وهو قول علي، وابن عمر، وابن عباس، والحسن، وابن سيرين، وعطاء، وطاووس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وإليه ذهب أحمد بن حنبل ﵃ أجمعين.
وحجتهم على أنها واجبة ما روي في حديث الضبي بن معبد أنه قال لعمر بن الخطاب ﵁: إني وجدت الحج والعمرة مكتوبين علي، وإني أهللت بهما، فقال: هديت لسنة نبيك محمَّد ﷺ أخرجه أبو داود، والنسائي بأطول من هذا.
وجه الاستدلال أنه أخبر عن وجوبهما عليه، وصوبه عمر وبين أنه مهتد بما رآه في وجوبهما عليه لسنة النبي ﷺ .
وما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إنها كقرينها في كتاب الله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾.
وما روي عن ابن عمر ﵄ أنه قال: الحج والعمرة فريضتان، وعنه ﵁: ليس أحد من خلق الله إلا وعليه حجة وعمرة واجبتان من استطاع إلى ذلك سبيلًا.
стр. 1223
وما روي عن ابن عباس ﵄ أيضًا قال: العمرة واجبة كوجوب الحج.
وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والفضة، وليس لحجة مبرورة ثواب إلا الجنة" أخرجه الترمذي والنسائي "وما من مؤمن يظل يومه محرمًا إلا غابت الشمس بذنوبه" وقال حديث حسن صحيح.
وجه الاستدلال: أنه أمر بالمتابعة بين الحج والعمرة، والأمر للوجوب، ولأنها قد نظمت مع الحج في الأمر بالإتمام، فكانت واجبة كالحج.
والقول الثاني: أنها سنة، ويروى ذلك عن ابن مسعود، وجابر، وإبراهيم، والشعبي، وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة ﵃.
وحجتهم على أنها سنة: ما روي عن جابر ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن العمرة أواجبة هي؟ قال: "لا وأن تعتمروا خير لكم" أخرجه الترمذي.
وأجيب عنه بأن هذا الحديث يرويه حجاج بن أرطاه، وحجاج ليس ممن يقبل منه ما تفرد به لسوء حفظه، وقلة مراعاته لما يحدث به.
وأجمعت الأمة على جواز أداء الحج والعمرة على إحدى ثلاثة أوجه: إفراد وتمتع وقران.
فصورة الإفراد: أن يحج، ثم بعد فراغه منه يعتمر من أدنى الحل، أو يعتمر قبل أشهر الحج، ثم يحج في تلك السنة.
وصورة التمتع: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ويأتي بأعمالها فإذا فرغ من أعمالها أحرم بالحج من مكة في تلك السنة، وإنما سمي تمتعًا؛ لأنه يستمتع بمحظورات الإحرام بعد التحلل من العمرة إلى أن يحرم بالحج.
وصورة القران: أن يحرم بالحج والعمرة معًا في أشهر الحج فينويهما بقلبه، وكذلك لو أحرم بالعمرة في أشهر الحج، ثم أدخل عليها الحج قبل أن يفتتح الطواف فيصير قارنًا.
стр. 1224
واختلفت الأئمة في الأفضل منها، فذهب مالك والشافعي إلى أن الإفراد أفضل، ثم التمتع، ثم القران، ويدل عليه ما روي عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ أفرد بالحج. أخرجه مسلم.
وله عن ابن عمر ﵄ قال: أهللنا مع رسول الله ﷺ بالحج مفردًا، وفي رواية أن رسول الله ﷺ أهل بالحج مفردًا. وله عن جابر ﵁ قال: قدمنا مع رسول الله ﷺ ، ونحن نصرخ بالحج صراخًا.
وذهب الثوري وأبو حنيفة إلى أن القران أفضل، ويدل عليه ما روي عن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يلبي بالحج والعمرة جميعًا، وفي رواية: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لبيك عمرة وحجًّا". أخرجاه في "الصحيحين".
وذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه إلى أن التمتع أفضل، ويدل عليه ما روي عن ابن عباس ﵄ قال: تمتع رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان ﵃، فأول من نهى عنها معاوية. أخرجه الترمذي.
واختلفت الروايات في حجة النبي ﷺ : هل كان مفردًا، أو متمتعًا، أو قارنًا؟ وهي ثلاثة أقوال للعلماء بحسب مذاهبهم السابقة، ورجحت كل طائفة نوعًا، وادعت أن حجة النبي ﷺ كذلك، وطريق الجمع بين روايات الصحابة واختلافهم في حجته ﷺ أنه كان أولًا مفردًا، ثم أنه ﷺ أحرم بالعمرة بعد ذلك، وأدخلها على الحج، فصار قارنًا.
فمن روى أنه كان مفردًا فهو الأصل، ومن روى القِران اعتمد آخر الأمر، ومن روى التمتع أراد التمتع اللغوي، وهو الانتفاع والارتفاق، وقد ارتفق بالقِران كارتفاق التمتع وزيادة، وهو الاقتصار على عمل واحد، وبهذا أمكن الجمع بين الروايات المختلفة في صفة حجة الوداع، وهو الصحيح.
واختار الشافعي الإفراد واحتج في ترجيحه بأنه صح ذلك من رواية جابر وابن عمر وابن عباس وعائشة ﵃ وهؤلاء لهم مزية في حجة
стр. 1225
الوداع على غيرهم، فأما جابر ﵁: فهو أحسن الصحابة سياقة لرواية حديث حجة الوداع، فإنه ذكرها من حين خرج النبي ﷺ من المدينة إلى آخرها، فهو أضبط لها من غيره.
وأما ابن عمر ﵄: فصح عنه أنه كان آخذًا بخطام ناقة النبي ﷺ في حجة الوداع، وإنما سمعه يلبي بالحج، وأما ابن عباس ﵄ فمحله من العلم والفقه والدين معروف مع كثرة بحثه عن أحوال رسول الله ﷺ ، وأما عائشة ﵂: فقربها من رسول الله ﷺ معروف، واطلاعها على باطن أمره وظاهره مع كثرة فقهها وعلمها.
ومن دلائل ترجيح الإفراد أن الخلفاء الراشدين أفردوا الحج بعد رسول الله ﷺ ، وواظبوا عليه وأركان الحج خمسة: الإحرام والوقوف بعرفة، والطواف والسعي بين الصفا والمروة، وحلق الرأس أو التقصير في أصح القولين.
وأركان العمرة أربعة: الإحرام، والطواف، والسعي، والحلق أو التقصير، وبهذه الأركان يحصل تمام الحج والعمرة.
﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾؛ أي: منعتم عن إتمام الحج أو العمرة، بعدوّ أو مرض أو كسر أو سجن، وأردتم التحلل من إحرامكم ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ﴾؛ أي: فعليكم ذبح ما تيسر وسهل لكم ﴿مِنَ الْهَدْيِ﴾ من بدنة أو بقرة أو شاة، واذبحوها حيث أحصرتم من حل أو حرم؛ لأنه ﷺ ذبح عام الحديبية بها، وإليه ذهب الشافعي وأحمد ومالك، وقال أبو حنيفة: أنه يقيم على إحرامه، ويبعث بهديه إلى الحرم، ويواعد من يذبحه هناك، ثم يحل في ذلك الوقت، والهدي: هو ما يهدي إلى بيت الله الحرام، أعلاه بدنة، وأوسطه بقرة، وأدناه شاة؛ أي: فعليكم ذبح ما تيسر من هذه الأجناس، ويشترط (١) فيها أن تكون مجزئة في الأضحية، فإن لم يتيسر .. عدل إلى قيمة الحيوان، واشترى به طعامًا: وتصدق به في مكان الإحصار، فإن
стр. 1226
لم يقدر .. صام عن كل مد يومًا حيث شاء، وله التحلل حالًا؛ أي: قبل الصوم وهذا الدم دم ترتيب وتعديل، هكذا قال الفقهاء، وليس لهم عليه حجة.
والظاهر من الآية: أنه إذا لم يتيسر له .. فلا شيء عليه.
﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾؛ أي: ولا تحللوا من إحرامكم أيها المحصورون بالحلق أو التقصير ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾؛ أي: حتى يصل الهدي المكان الذي يحل فيه ذبحه، وهو الحرم عند أبي حنيفة، ومكان الإحصار عند الشافعي وهو الراجح؛ لأنه ﷺ ذبح عام الحديبية بها، وهي من الحل، فيذبح فيه بنية التحلل، ويفرق على مساكينه، ويحلق أو يقصر وبه يحصل التحلل والخروج من النسك، فبلوغ الهدي محله كناية عن ذبحه في مكان الإحصار، فتفيد الآية وجوب تقديم الذبح على الحلق، وهو كذلك كما هو مقرر في الفروع، و ﴿الْهَدْيُ﴾ (١) جمع هدية كجدي وجدية، وقرىء ﴿من الهدي﴾ جمع هدية كمطي جمع مطية، والمَحِل - بالكسر - يطلق على المكان والزمان، ويطلق (٢) الهدي على الحيوان الذي يسوقه الحاج أو المعتمر هدية لأهل الحرم من غير سبب يقتضيه، وهذا ليس مرادًا هنا، ويطلق على ما وجب على الحاج أو المعتمر بسبب، سواء كان محظورًا وهو الواجب بفعل حرام أو ترك واجب، أو لم يكن كالإحصار والتمتع، وهذا هو المراد هنا.
واقتصاره على الهدي (٣) دليل على عدم وجوب القضاء، وقال أبو حنيفة: يجب القضاء.
﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ مرتب على محذوف؛ تقديره: ولا تحلقوا رؤسكم في حال الإحرام إلا أن تضطروا إلى حلقه لمرض أو أذى كقمل وصداع؛ أي: فمن كان منكم أيها المحرمون مريضًا في بدنه محتاجًا إلى المداواة واستعمال الطيب
стр. 1227
واللباس ﴿أَوْ﴾ كان ﴿بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾؛ أي: ألم في رأسه بسبب الجراحة، أو بسبب القمل والصئبان أو بسبب الصداع، أو كان عنده خوف من حدوث مرض أو ألم، فحلق أو تطيب أو لبس ﴿فـ﴾ عليه ﴿فدية من صيام﴾ ثلاثة أيام ﴿أَوْ صَدَقَةٍ﴾ بثلاثة آصع من غالب قوت مكة على ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع ﴿نُسُكٍ﴾؛ أي: ذبح شاة مجزئة في الأضحية، وهذه الفدية على التخيير لأن ﴿أَوْ﴾ في الآية للتخيير، إن شاء ذبح أو صام أو تصدق، وكل هدي أو طعام يلزم المحرم فإنه لمساكين الحرم إلا الهدي المحصر؛ فإنه يذبحه حيث أحصر، وأما الصوم: فله أن يصوم حيث شاء، وقد سبق لك أن هذه الآية نزلت في كعب بن عجرة ﵁ وقد بين في حديثه مقدار الصيام والصدقة والنسك.
﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ من العدو أو لم يكن من أول الأمر؛ أي: فإذا كنتم آمنين من العدو بعد ما وقع الإحصار، أو كنتم آمنين من أول الأمر ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ﴾؛ أي: فمن تلذذ بمحظورات الإحرام كالطيب والدهن واللباس والنساء بسبب فراغه من أعمال العمرة ﴿إِلَى الْحَجِّ﴾؛ أي: إلى إحرامه بالحج ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾؛ أي: فعليه ذبح ما تيسر وسهل له من الدم، وهو شاة يذبحها يوم النحر، وهو الأفضل، فلو ذبح قبله بعد ما أحرم بالحج. أجزأه عند الشافعي كسائر دم الجبرانات، ولا يجزئه ذبحه عند أبي حنيفة قبل يوم النحر.
ولوجوب دم التمتع خمسة شرائط:
الأول: أن يقدم العمرة في أشهر الحج.
الثاني: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج.
الثالث: أن يحج بعد الفراغ من العمرة في هذه السنة.
الرابع: أن يحرم بالحج من جوف مكة، ولا يعود إلى ميقات بلده، فإن رجع إلى الميقات وأحرم منه .. لم يكن متمتعًا.
الخامس: أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام. فهذه الشروط معتبرة
стр. 1228
في وجوب دم التمتع، ومتى فُقِد شيء منها لم يكن متمتعًا، ودمُ التمتعِ دمُ جبران عند الشافعي، فلا يجوز أن يأكل منه، وقال أبو حنيفة: هو دم نسك، فيجوز أن يأكل منه. ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ الهدي لفقده أو فقد ثمنه ﴿فـ﴾ عليه ﴿صيام ثلاثة أيام في﴾ حال إحرامه بـ ﴿الحج﴾؛ أي: في أيام اشتغاله بأعمال الحج؛ يعني: بعد إحرامه وقبل التحلل منه، والأفضل أن يصومها قبل يوم عرفة؛ ليكون مفطرًا فيه بأن يصوم خامسه وسادسه وسابعه بعد ما أحرم بالحج في اليوم الرابع مثلًا، وقال أبو حنيفة: يصومها في أشهره بين الإحرامين، ولا يجوز صومها يوم النحر وأيام التشريق عند الأكثرين، وقرىء ﴿صيامَ﴾ - بالنصب - على تقدير: فليصم، والمصدر مضاف إلى ظرفه في المعنى، وهو في اللفظ مفعول به على السعة كما ذكره العكبري. ﴿و﴾ عليه أيضًا صيام ﴿سبعة﴾ أيام ﴿إذا﴾ فرغتم من الحج و ﴿رَجَعْتُمْ﴾ إلى أهليكم ووطنكم مكة أو غيرها، ففيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، وكان مقتضى السياق أن يقول: إذا رجع، وقرأ ابن أبي عبلة ﴿سبعةَ﴾ - بالنصب - عطفًا على محل ﴿ثلاثة﴾، أو بفعل محذوف تقديره: وصوموا سبعة أيام إذا رجعتم ﴿تِلْكَ﴾ الأيام الثلاثة والسبعة جملتها ﴿عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ في الثواب والأجر، أو في مقامها مقام الهدي؛ لأنه قد يحتمل أن يظن ظان أن الثلاثة قد قامت مقام الهدي، فأعلم الله أن العشرة بكمالها هي القائمة مقام الهدي.
وقيل: فائدة ذلك: الفذلكة في علم الحساب؛ وهو أن يعلم العدد مفصلًا، ثم يعلمه جملة؛ ليحتاط به من جهتين، و ﴿ذلك﴾ الحكم المذكور من وجوب الهدي أو الصيام على من تمتع ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ بأن يكونوا على مرحلتين فأكثر من الحرم عند الشافعي رحمه الله تعالى، أو يكونوا وراء المواقيت الخمسة: ذي الحليفة، والجحفة، وقرن، ويلملم، وذات عرق عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، أو يكونوا من أهل الحل عند طاووس ﵁، أو يكونوا غير مكيين عند مالك رحمه الله تعالى، فحاضرو الحرم عند الشافعي رحمه الله تعالى من كان وطنه دون مرحلتين منه، ومن كان من أهل المواقيت أو دونها عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وأهل الحرم عند طاووس، وأهل مكة عند مالك رحمه الله تعالى.
стр. 1229
والمراد (١) بالأهل: الزوجة والأولاد الذين تحت حجره دون الآباء والأخوة.
ومفهوم الآية: أن من كان من حاضري المسجد الحرام .. فلا هدي ولا صمام عليه وإن تمتع على ما قاله الشافعي ومن وافقه، وألحق بالتمتع في وجوب الدم أو بدله القارن بالسنة، وهو من أحرم بالحج والعمرة معًا، أو يدخل الحج عليها قبل الطواف كما مر.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: خافوا الله تعالى بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه في الحج وفي غيره. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لمن خالف أمره، وتهاون بحدوده، وارتكب مناهيه.
١٩٧ - ﴿الْحَجُّ﴾؛ أي: وقت الحج ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾؛ أي: معروفات بين الناس، وهي شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة إلى طلوع فجر يوم النحر عند الشافعي.
فإن قلتَ: ما وجه جمع الأشهر مع أن الوقت شهران وعشر ليال؟
قلتُ: إنما جمعه؛ لأن المراد بالجمع ما فوق الواحد كما في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾، أو أنه نزل بعض الشهر منزلة كله.
وأما وقت العمرة: فجميع السنة، وهذه الآية مخصصة لعموم آية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ حيث اقتضت أن جميع الأهلة وقت للحج.
تنبيه: واختلفت الأئمة في وقت الحج، وقال (٢) الشافعي رحمه الله تعالى: وقت الحج: شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة، فيخرج وقته بطلوع فجر يوم النحر، وبه قال عبد الله بن مسعود، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن الزبير ﵃، ومن التابعين: الحسن، وابن سيرين، والشعبي، وعليه الثوري، وأبو ثور رحمهم الله تعالى.
стр. 1230
وحجة الشافعي رحمه الله تعالى ومن وافقه: أن الحج يفوت بطلوع الفجر الثاني من يوم النحر، والعبادة لا تفوت مع بقاء وقتها، فدل على أن يوم النحر ليس من أشهر الحج، وأيضًا فإن الإحرام بالحج فيه لا يجوز، فدل على أنه وما بعده ليس من أشهر الحج.
وقال ابن عباس ﵄: أشهر الحج: شوال وذو القعدة وعشرة أيامٍ من ذي الحجة آخرها يوم النحر، وبه قال ابن عمر، وعروة بن الزبير، وطاووس، وعطاء، والنخعي، وقتادة، ومكحول، وأبو حنيفة؛ وأحمد بن حنبل، وهي إحدى الروايتين عن مالك، وحجة هذا القول: أن يوم النحر هو يوم الحج الأكبر، ولأن فيه يقع طواف الإفاضة، وهو تمام أركان الحج، وهذا القول شاذ في مذهب الشافعي.
وقيل: إن أشهر الحج: شوال وذو القعدة وذو الحجة بكماله، وهو رواية عن ابن عمر وبه قال الزهري، وهي الرواية الأخرى عن مالك، وحجة هذا القول: أن الله تعالى ذكر أشهر الحج بلفظ الجمع وأقل الجمع المطلق ثلاث، ولأن كل شهر كان أوله من أشهر الحج كان آخره كذلك، وعلى هذا القول: يصح الإحرام في جميع ذي الحجة، وهذا القول أشذ وأبعد.
﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾؛ أي: فمن أوجب الحج على نفسه بالإحرام في هذه الأشهر عند الشافعي، أو بالتلبية، أو سوق الهدي عند أبي حنيفة؛ لأنه يقول لا يصح الشروع في الإحرام بمجرد النية حتى تنضم إليه التلبية أو سَوْق الهدي، ووجهه: أن الحج عبادة لها تحليل وتحريم، فلا بد من انضمام شيء إلى النية كتكبيرة الإحرام مع النية في الصلاة، وفي الآية: دليل على أن الإحرام بالحج لا ينعقد إلا في أشهره. ﴿فَلَا رَفَثَ﴾؛ أي: فلا جماع، أو فلا فحش من الكلام ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾؛ أي: ولا خروج عن حدود الشرع بالسباب وارتكاب المحظورات.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من حج ولم يرفث ولم يفسق .. رجع كيوم ولدته أمه" متفق عليه. ﴿ولا جدال﴾؛ أي: