إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾.
﴿شَرَعَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿اللَّهُ﴾، ﴿لَكُمْ﴾ متعلق به، ﴿مِنَ الدِّينِ﴾: حال من المفعول الآتي، ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول شرع، وجملة شرع مستأنفة، مسوقة لتفصيل ما أجمله أولًا، ولك أن تجعله الخبر الحادي عشر، ﴿وَصَّى﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿اللَّهُ﴾، ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿وَصَّى﴾، ﴿نُوحًا﴾: مفعول به، وجملة ﴿وَصَّى﴾: صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة ﴿وَالَّذِي﴾: معطوف على ﴿مَا﴾ وجملة ﴿أَوْحَيْنَا﴾ صلة له، والعائد محذوف تقديره: والذي أوحيناه، ﴿إِلَيْكَ﴾ متعلق بـ ﴿أَوْحَيْنَا﴾، ﴿وَمَا﴾: معطوف على ﴿مَا﴾ الأولى أيضًا، ﴿وَصَّيْنَا﴾: فعل وفاعل ﴿بِهِ﴾: متعلق به ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ مفعول به، ﴿وَمُوسَى وَعِيسَى﴾: معطوفان على إبراهيم، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، ﴿أَنْ﴾ تفسيرية بمعنى أي، لأنها سبقت بما فيه معنى القول دون حروفه، وهو ﴿وَصَّى﴾، ويجوز أن تكون مصدرية مؤولة، مع ما بعدها بمصدر، في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو أن أقيموا أو في محل نصب بدلًا من الموصول، وهو ما، و ﴿أَقِيمُوا الدِّينَ﴾: فعل أمر وفاعل ومفعول به، ﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿لا﴾: ناهية ﴿تَتَفَرَّقُوا﴾: فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، و ﴿فِيهِ﴾: متعلق به، والجملة معطوفة على ﴿أَقِيمُوا﴾، ﴿كَبُرَ﴾: فعل ماض، ﴿عَلَى الْمُشْرِكِينَ﴾: متعلق به، ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل الرفع فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، وجملة ﴿تَدْعُوهُمْ﴾: صلة لـ ﴿مَا﴾ ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿تَدْعُوهُمْ﴾، و ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَجْتَبِي﴾: خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، ﴿إِلَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿يَجْتَبِي﴾، ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب، مفعول به، وجملة ﴿يَشَاءُ﴾: صلة له، ﴿وَيَهْدِي﴾: معطوف على ﴿يَجْتَبِي﴾، ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَهْدِي﴾، ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به، وجملة ﴿يُنِيبُ﴾: صلته.
﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾.
﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿ما﴾ نافية، ﴿تَفَرَّقُوا﴾ فعل وفاعل والجملة
стр. 11797
مستأنفة، ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ متعلق بـ ﴿تَفَرَّقُوا﴾، ﴿مَا﴾ مصدرية، ﴿جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ فعل ومفعول به وفاعل، والجملة الفعلية مع ﴿مَا﴾ المصدرية في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه، والتقدير: من بعد مجيء العلم إياهم. والاستثناء من أعم الأحوال؛ أي: ما تفرقوا في حال من الأحوال إلا في حال مجيء العلم إياهم، ﴿بَغْيًا﴾ مفعول لأجله أو منصوب على الحال بتأويله بمشتق؛ أي: باغين، ﴿بَيْنَهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿بَغْيًا﴾؛ أي: لم يكن تفرقهم لقصور في البيان والحجج ولكن للبغي والظلم والاشتغال بالدنيا.
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾.
﴿وَلَوْلَا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿لولا﴾: حرف امتناع لوجود ﴿كَلِمَةٌ﴾ مبتدأ، محذوف الخبر وجوبًا، وجملة ﴿سَبَقَتْ﴾ صفة للكلمة، ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ متعلق بـ ﴿سَبَقَتْ﴾، ﴿إِلَى أَجَلٍ﴾ متعلق بـ ﴿سَبَقَتْ﴾ أيضًا، ﴿مُسَمًّى﴾ صفة لـ ﴿أَجَلٍ﴾، ﴿لَقُضِيَ﴾ اللام: رابطة لجواب ﴿لولا﴾، ﴿قضي﴾: فعل ماض مغير الصيغة ﴿بَيْنَهُمْ﴾: ظرف اعتباري في محل الرفع، نائب فاعل، والجملة الفعلية جواب ﴿لولا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لولا﴾ مستأنفة، ﴿وَإِنَّ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: ناصب واسمه، ﴿أُورِثُوا﴾: فعل ماض ونائب فاعل، ﴿الْكِتَابَ﴾: مفعول ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿أُورِثُوا﴾، ﴿لَفِى﴾: اللام: حرف ابتداء، ﴿في شك﴾: جار ومجرور خبر ﴿إنَّ﴾. ﴿مِنْهُ﴾: صفة أولى لـ ﴿شَكٍّ﴾، ﴿مُرِيبٍ﴾: صفة ثانية له، وجملة ﴿إِنَّ﴾ معطوفة على جملة ﴿لولا﴾. ﴿فَلِذَلِكَ﴾: الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت ما شرعنا لكم، وأردت بيان ما هو اللازم لك .. فأقول لك: لذلك فادع ﴿لذلك﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿ادع﴾، واللام: فيه بمعنى إلى ﴿فَادْعُ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ، والفاء: الثانية تأكيد للأولى، والجملة الفعلية في محل النصب، مقول لجواب إذا
стр. 11798
المقدرة ﴿وَاسْتَقِمْ﴾: معطوف على ادع، ﴿كَمَا﴾: الكاف نعت لمصدر محذوف، و ﴿مَا﴾: موصولة. ﴿أُمِرْتَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: واستقم استقامة، كالاستقامة التي أمرت بها، من قبل، ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿لا﴾: ناهية، ﴿تَتَّبِعْ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر مجزوم بلا ناهية، ﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿اسْتَقِمْ﴾.
﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾.
﴿وَقُلْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر معطوف على قوله ﴿فَادْعُ﴾، ﴿آمَنْتُ﴾: فعل وفاعل ﴿بِمَا﴾: متعلق بـ ﴿آمَنْتُ﴾، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾، وجملة ﴿أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: أنزله الله، ﴿مِنْ كِتَابٍ﴾: حال من العائد المحذوف ﴿وَأُمِرْتُ﴾: فعل ماض ونائب فاعل معطوف على ﴿آمَنْتُ﴾، ﴿لِأَعْدِلَ﴾ اللام: لام الصيرورة ﴿أَعْدِلَ﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام الصيرورة، وفاعله ضمير مستتر تقديره: أنا ﴿بَيْنَكُمُ﴾: متعلق به، والتقدير: وأمرت للعدل بينكم؛ أي: بالعدل بينكم ﴿اللَّهُ رَبُّنَا﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾، ﴿وَرَبُّكُمْ﴾: معطوف على ربنا ﴿رَبُّنَا﴾: خبر مقدم ﴿أَعْمَالُنَا﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾، ﴿وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾: مبتدأ وخبر معطوف على ما قبله ﴿لَا﴾: نافية للجنس ﴿حُجَّةَ﴾: اسمها، ﴿بَيْنَنَا﴾: ظرف متعلق بمحذوف، هو خبر ﴿لَا﴾ والجملة في محل النصب، مقول ﴿قل﴾ ﴿وَبَيْنَكُمُ﴾ معطوف على ﴿بَيْنَنَا﴾. ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَجْمَعُ﴾: خبره، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قل﴾، ﴿بَيْنَنَا﴾ ظرف متعلق بـ ﴿يَجْمَعُ﴾ ﴿وَإِلَيْهِ﴾: خبر مقدم، ﴿الْمَصِيرُ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة في محل للنصب مقول ﴿قل﴾.
﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ
стр. 11799
غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (١٦) اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧)﴾.
﴿وَالَّذِينَ﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية، ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ أول، وجملة ﴿يُحَاجُّونَ﴾ صلة ﴿الَّذِينَ﴾، ﴿فِي اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿يُحَاجُّونَ﴾، وهو على حذف مضاف؛ أي: في دين الله ﴿مِنْ بَعْدِ﴾: متعلق بـ ﴿يُحَاجُّونَ﴾، أو حال من الجلالة، و ﴿مَا﴾ مصدرية ﴿اسْتُجِيبَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة. ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور في محل الرفع، نائب فاعل لـ ﴿اسْتُجِيبَ﴾، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿مَا﴾ مع صلتها في تأويل مصدر، ومجرور بإضافة الظرف إليه، تقديره: من بعد الاستجابة له. ﴿حُجَّتُهُمْ﴾: مبتدأ ثان ﴿دَاحِضَةٌ﴾: خبره ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: ظرف متعلق بداحضة. والجملة من المبتدأ الثاني، وخبره في محل الرفع خبر للأول، وجملة الأول مستأنفة ﴿وَعَلَيْهِمْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿عَلَيْهِمْ﴾: خبر مقدم. ﴿غَضَبٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة معطوفة على جملة قوله: حجتهم داحضة على كونها خبرا للمبتدأ الأول، ﴿وَلَهُمْ﴾: خبر مقدم ﴿عَذَابٌ﴾: مبتدأ مؤخر ﴿شَدِيدٌ﴾: صفة لـ ﴿عَذَابٌ﴾ والجملة معطوفة على ما قبلها، ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ ﴿الَّذِي﴾: خبره، والجملة مستأنفة، ﴿أَنْزَلَ الْكِتَابَ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به. والجملة صلة الموصول، ﴿بِالْحَقِّ﴾: متعلق بـ ﴿أَنْزَلَ﴾، أو حال من فاعله، أو من الكتاب، ﴿وَالْمِيزَانَ﴾: معطوف على الكتاب ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. أو استئنافية ﴿مَا﴾: اسم استفهام في محل الرفع، مبتدأ ﴿يُدْرِيكَ﴾: فعل مضارع ومفعول أول. وفاعله ضمير يعود على ما. والجملة خبر المبتدأ، والجملة معطوفة أو مستأنفة، ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾: ناصب واسمه وخبره. وجملة ﴿لَعَلَّ﴾ في محل النصب، مفعول ثان لـ (يُدري)؛ لأنها عاقت عن العمل في لفظه بالترجي، ولا بد من تقدير مضاف؛ أي: لعل مجيء الساعة قريب.
﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (١٨)﴾.
﴿يَسْتَعْجِلُ﴾: فعل مضارع ﴿بِهَا﴾: متعلق به، ﴿الَّذِينَ﴾: فاعل، والجملة
стр. 11800
مستأنفة. وجملة ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾: صلة الموصول. ﴿وَالَّذِينَ﴾: مبتدأ. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، ﴿مُشْفِقُونَ﴾: خبره. والجملة معطوفة على جملة ﴿يَسْتَعْجِلُ﴾، ﴿مِنْهَا﴾: متعلق بـ ﴿مُشْفِقُونَ﴾، ﴿وَيَعْلَمُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿مُشْفِقُونَ﴾، ﴿أَنَّهَا الْحَقُّ﴾: ناصب واسمه وخبره، وجملة ﴿أَنَّ﴾ من اسمها وخبرها، سادة مسد مفعولي ﴿يَعْلَمُونَ﴾، ﴿أَلَا﴾: أداة استفتاح، ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: ناصب واسمه، ﴿يُمَارُونَ﴾: صلة الموصول. ﴿فِي السَّاعَةِ﴾: متعلق بـ ﴿يُمَارُونَ﴾، ﴿لَفِي ضَلَالٍ﴾: اللام: حرف ابتداء. ﴿فِي ضَلَالٍ﴾: جار ومجرور خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿بَعِيدٍ﴾: صفة لـ ﴿ضَلَالٍ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة.
التصريف ومفردات اللغة
﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ﴾ قرأ ابن كثير: ﴿يُوحِي﴾ بالبناء للمجهول. وفيه إعلال بالقلب، أصله: يوحي، قلبت الياء ألفا، لتحركها بعد فتح، وحذفت منه همزة أفعل في صورة ابتداء المضارع بهمزة المتكلم، فرارا من توالي الأمثال، وفي غيرها، حملا عليها، كما هو مقرر في محله.
﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ﴾: مضارع كاد من باب خاف، بمعنى قرب، فيه إعلال بالنقل والتسكين، والقلب أصله: تكود بوزن تفعل مضارع كود بكسر العين، يكود بفتحها، نقلت حركة ﴿الواو﴾ إلى الكاف فسكنت، لكنها أبدلت ألفا لتحركها في الأصل، وفتح ما قبلها في الحال. ﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾؛ أي يتشققن، وأصل الفطر: الشق طولا؛ أي يتشققن من عظمة الله تعالى، وخشيته وإجلاله، كقوله: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾. ﴿يُسَبِّحُونَ﴾؛ أي ينزهون الله تعالى عما لا يليق به. ﴿مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ﴾ والأولياء الشركاء والأنداد. ﴿حَفِيظٌ﴾؛ أي: رقيب على أحوالهم وأعمالهم. ﴿بِوَكِيلٍ﴾؛ أي: بموكول إليك أمورهم حتى تؤاخذهم بها، ولا وكل إليك هدايتهم، وإنما عليك البلاغ فحسب.
﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾؛ أي: لتخوف أهل مكة بعذاب الله، إن أصروا على الكفر: والعرب تسمي أصل كل شيء بالأم. كأم النحل، وهو يعسوبها، سميت مكة بأم القرى، تشريفا لها. وإجلالا لاشتمالها على الكعبة المشرفة، شرفنا الله
стр. 11801
سبحانه، وجميع المسلمين بجوارها. ﴿فِي السَّعِيرِ﴾؛ أي: في النار، سميت بالسعير لالتهابها واتقادها بهم. ﴿لَجَعَلَهُمْ﴾؛ أي: في الدنيا. ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾؛ أي: جماعة متفقة مهتدين أو ضالين. ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيّ﴾؛ أي: المعين، الناصر لمن آمن به. ﴿أُنِيبُ﴾ مضارع أناب الرباعي، وأصله: أأنوب بوزن يؤكرم، حذفت الهمزة الثانية لتوالي الأمثال، فصار أنوب بوزن أكرم، نقلت حركة الواو إلى النون، فسكنت إثر كسرة، فقلبت ياء حرف مد. ففيه إعلال بالنقل والتسكين، والقلب والحذف.
﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾؛ أي: يكثركم أيها الناس، والأنعام، من الذرء وهو البث، قال في "القاموس": ذرأ كجعل خلق، والشيءَ كَثَّره، ومنه الذرية، مثلثة لنسل الثقلين، وقال شارحه في "التاج": وقد يطلق على الآباء والأصول أيضًا، قال تعالى: ﴿أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾، والجمع ذراري كسراري. ﴿لَهُ﴾ جمع مقلاد، وفيه إعلال بالقلب حيث قلبت ألفه ياء، لوقوعها بعد كسرة، عند بناء اللفظ على صيغة منتهى الجموع، وتقدم البسط فيه في سورة الزمر، فجدد به عهدًا، قال الجواليقي في كتابه "المعرب": المقليد: المفتاح، فارسي معرب لغة في الأقليد، والجمع مقاليد، فالمقاليد المفاتيح، وهي كناية عن الخزائن، وقدرته عليها وحفظه لها، وفيه مزيد دلالة على الاختصاص؛ لأن الخزائن لا يدخلها، ولا يتصرف فيها إلا من بيده مفاتيحها. ﴿شَرَعَ لَكُمْ﴾؛ أي: سن لكم ﴿مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ التوصية وكذا الوصية التقديم إلى الغير بما يعمل به مقترنًا بوعظه. ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾؛ أي: حافظوا عليه، ولا تخلوا بشيء من مقوماته، والمراد بالدين: دين الإسلام، وهو توحيد الله وطاعته، والإيمان برسله واليوم الآخر، وسائر ما يكون به العبد مؤمنًا، كما مرّ ﴿وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾؛ أي: ولا تختلفوا فيه، فتأتوا ببعض وتتركوا بعضًا. ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ﴾؛ أي: عظم عليهم وشق. ﴿يَجْتَبِي إِلَيْهِ﴾؛ أي: يصطفي ويجتلب إليه، والاجتباء افتعال من الجباية وهي الجمع، قال الراغب: يقال: جبيت الماء في الحوض؛ أي: جمعته فيه، ومنه قوله تعالى: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ والاجتباء الجمع على طريق الاصطفاء، قال تعالى: ﴿لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾، واجتباء الله العبد تخصيصه إياه بفيض إلهي لتحصل له أنواع النعم بلا سعي منه. ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ الشك اعتدال النقيضين عند الإنسان
стр. 11802
وتساويهما، مريب؛ أي: موقع في القلق والاضطراب من الريبة، والريبة قلق النفس واضطرابها، وفي "القاموس": أراب الأمر، صار ذا ريب.
﴿وَاسْتَقِمْ﴾ أصله: استقوم بوزن استفعل نقلت حركة الواو إلى القاف، فسكنت ثم حذفت لالتقاء الساكنين. ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ فيه إعلال بالإبدال، أصله: أهوايهم من الهوى، أبدلت الياء همزة لتطرفها إثر ألف زائدة. ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ﴾ أصله: يحاججون بوزن يفاعلون، أدغمت الجيم الأولى في الثانية. ﴿اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ فيه إعلال بالنقل والتسكين والقلب، أصله: استجوب بوزن استفعل، نقلت حركة الواو إلى الجيم، فسكنت إثر كسرة، فقلبت ياء حرف مدّ. ﴿دَاحِضَةٌ﴾ باطلة، وفي "المختار": دحضت حجته بطلت، وبابه خضع، وأدحضها الله، ودحضت رجله زلقت، وبابه قطع، والإدحاض الإزلاق، والدحض بتشديد الدال وسكون الحاء المهملتين، وبفتح الحاء أيضًا، وآخره ضاد معجمة هو الزلق. ﴿وَالْمِيزَانَ﴾ أصله: الموزان مفعال من الوزن، قلبت الواو ياء لسكونها إثر كسرة، والوزن معرفة قدر الشيء بآلة. ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ من الإدراء بمعنى الإعلام؛ أي: أيّ شيء يجعلك داريًا؛ أي: عالمًا بحال الساعة. ﴿قَرِيبٌ﴾؛ أي: شيء قريب، أو قريب مجيئها، وإلا فالفعيل بمعنى الفاعل لا يستوي فيه المذكر والمؤنث عند سيبويه. فكان الظاهر فيه أن يقال: قريبة لكونه مسندًا إلى ضمير الساعة، إلا أنه قد ذكر لكونه صفة جارية على غير من هي له.
فائدة: فإن قلت: متى يستوي المذكر والمؤنث؟
قلت: يستوي المذكر والمؤنث في خمسة أوزان:
الأول: فعول بفتح الفاء، بمعنى، فاعل كرجل صبور بمعنى صابر، وامرأة صبور بمعنى صابرة، ولو كان فعول بمعنى مفعول، لحقته التاء الفاصلة جوازًا نحو: جمل ركوب وناقة ركوبة.
والثاني: فعيل بمعنى مفعول، نحو: رجل جريح، وامرأة جريح، بمعنى مجروحة، فإن كان فعيل بمعنى فاعل، لحقته التاء الفاصلة، نحو: امرأة رحيمة وظريفة.
стр. 11803
والثالث: مفعال بكسر الميم كمنحار، يقال: رجل منحار، وامرأة منحار، أي: كثير النحر، وشذ ميقانة من اليقين، وهو عدم التردد، يقال: رجل ميقان لا يسمع شيئًا إلا أيقنه، وامرأة ميقانة.
والرابع: مفعيل بكسر الميم، كمعطير من العطر، وشذ امرأة مسكينة، لخروجه عن القاعدة، ومع ذلك فإنه محمول على فقيرة، وسمع امرأة مسكين على القياس، حكاه سيبويه.
والخامس: مفعل بكسر الميم وفتح العين كمغشم، وهو الذي لا ينتهي عما يريده ويهواه من شجاعته، ومدعس من الدعس، وهو الطعن.
﴿يُمَارُونَ﴾ أصله: يماريون استثقلت الضمة على الياء، فحذفت فالتقى ساكنان، فحذفت الياء وضمت الراء، لمناسبة الواو، قال الراغب: المرية التردد في الأمر، وهو أخص من الشك، والمماراة: المحاجة فيما فيه مرية، انتهى. ويحتمل أن يكون من مريت الناقة، إذا مسحت ضرعها بشدة الحلب، فيكون تفسيره بيجادلون حملًا له على الاستعارة التبعية، كما سيأتي في مبحث البلاغة.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه في قوله: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ﴾ حيث استعمل المضارع في حقيقته ومجازه، فهو مستعمل في المستقبل بالنظر لما ينزل عليه من القرآن، إذ ذاك، وفي الماضي بالنظر لما أنزل بالفعل، وبالنظر لما أنزل على الرسل السابقين.
ومنها: جمع المؤكدات مع صيغة المبالغة في قوله: ﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ وهي ﴿لَا﴾ و ﴿إِنَّ﴾ وضمير الفصل.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾؛ أي: لتنذر أهل مكة؛ لأنّ الإنذار لأهل القرية لا لها.
стр. 11804
ومنها: الاحتباك في هذه الآية، حيث حذف من كل نظير ما أثبته في الآخر، والتقدير: لتنذر أم القرى العذاب، وتنذر الناس يوم الجمع؛ أي: عذابه.
ومنها: الطباق بين ﴿الْجَنَّةِ﴾ و ﴿السَّعِيرِ﴾ وبين ﴿يَبْسُطُ﴾ ﴿وَيَقْدِرُ﴾.
ومنها: مخالفة مقتضى الظاهر في قوله: ﴿وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ لأن مقتضى الظاهر أن يقال: ولكن يدخل من يشاء في رحمته، ويدخل من يشاء في غضبه، ولكنه عدل عن ذلك إلى ذكر الظالمين، تسجيلًا عليهم باسم الظلم، ومبالغة في الوعيد.
ومنها: الإتيان بجملة معرّفة الطرفين في قوله: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ لغرض إفادة حصر الولاية في الله .
ومنها: إيثار صيغة الماضي في قوله: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾، وصيغة المضارع في قوله: ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ لكون التوكل أمرًا واحدًا مستمرًا، فيناسبه الماضي، وكون الإنابة متعددة، متجددة، بحسب تجدد موادها، فيناسبها المضارع، وفيهما أيضًا تقديم المعمول على عامله، لإفادة الحصر.
ومنها: زيادة الكاف في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ لتأكيد نفي المثلية.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ لأن المقاليد المفاتيح. وهو كناية عن الخزائن؛ لأن فيه مزيد دلالة على الاختصاص، لأن الخزائن لا يدخلها ولا يتصرف فيها، إلا من بيده مفاتيحها.
ومنها: الالتفات من الغيبة إلى نون العظمة في قوله: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ لإظهار كمال الاعتناء بإيحائه إليه، وهو السر في تقديمه على ما بعده، مع تقدمه عليه زمانًا.
ومنها: التعبير بالأصل في الموصولات، وهو الذي للتعظيم.
ومنها: توجيه الخطاب إليه ﷺ بطريق التلوين، للتشريف والتنبيه على أنه تعالى شرعه لهم على لسانه.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿وَاسْتَقِمْ﴾؛ لأنه كناية عن الثبات والدوام على الدعوة.
стр. 11805
ومنها: المجاراة معهم في قوله: ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ﴾ لأنه لا حجة لهم أصلًا، وإنما عبر عن أباطيلهم بالحجة، مجاراة معهم على زعمهم الباطل.
ومنها: التنوين في قوله: ﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ دلالة على عظم الغضب عليهم لمكابرتهم الحق بعد ظهوره.
ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿وَالْمِيزَانَ﴾ حيث استعار الميزان العرفي للشرع، الذي يوزن به الحقوق الواجبة الأداء، سواء كان من حقوق الله، أو من حقوق العباد، بجامع العدل والتسوية في كل، ويحتمل أن يكون المراد بالميزان: العدل والتسوية؛ أي: أنزل العدل في الكتب الإلهية، فيكون تسمية العدل بالميزان، تسمية المسمى باسم آلته، فإن الميزان آلة للعدل.
ومنها: الاحتباك في قوله: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾ حيث ذكر الاستعجال أولًا، وحذف الإشفاق، وذكر الإشفاق ثانيًا وحذف الاستعجال؛ لأن التقدير: يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها. فلا يشفقون منها، والذين آمنوا مشفقون فلا يستعجلون بها.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ﴾ إذا قلنا إنه مأخوذ من مريت الناقة، وفسرناه بيجادلون، حيث شبه المجادلة بمماراة الحالب للضرع، لاستخراج ما فيه من اللبن، من حيث إن كلا من المتجادلين يستخرج ما عند صاحبه، بكلام فيه شدة اهـ "روح البيان".
ومنها: المجاز العقلي في قوله: ﴿لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ ففيه وصف الشيء بوصف صاحبه؛ لأن البعد في الحقيقة للضال؛ لأنه هو الذي يتباعد عن الطريق فوصف به فعله.
والله أعلم
* * *
قبلها: أن الله لما ذكر (١) فيما سبق، أنه أنزل عليهم الكتاب المشتمل على الدلائل الموصلة إلى السعادة، وأن المتفرقين في الدين، استوجبوا شديد العذاب، لكنه أخره إلى يوم معلوم .. أرشد هنا إلى أن ذلك من لطف الله بعباده، ولو شاء لجعلهم في عماية من أمرهم، وتركهم في ضلالهم يعمهون، ولو شاء لعجل لهم العذاب. ثم بين أن من يعمل للآخرة يرجو ثوابها .. يضاعف له فيها الجزاء إلى سبع مئة ضعف، ومن يعمل للدنيا وجلب لذاتها .. يؤته ما يريد، وليس له في الآخرة نصيب من نعيمها، ثم أعقب هذا، بذكر ما وسوست به الشياطين للمشركين، وزينت لهم به، من الشرك بالله وإنكار البعث، إلى نحو ذلك. ثم بين أنهم كانوا يستحقون العذاب العاجل على ذلك، لكنه أجله لما سبق في علمه، من أنظارهم إلى يوم معلوم، ثم ذكر مآل كل من الكافرين والمؤمنين يوم القيامة، فالأولون خائفون، وجلون من جزاء ما عملوا، والآخرون مترفون منعمون.
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر في الآيات السالفة، أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يتمتعون بالنعيم في روضات الجنات، وأنه يعطيهم من فضله ما فيه قرة أعينهم، رحمة من لدنه .. ذكر هنا أن ذلك كائن لهم لا محالة، ببشارة منه لهم، ثم أعقب هذا، بأن أمر رسوله بأن يقول لهم: إنه لا يسألهم على هذا البلاغ والنصح أجرًا، وإنما يطلب منهم التقرب إلى الله وحسن طاعته، ثم رد عليهم قولهم: أن القرآن مفترى، بأنه لا يفتري الكذب على الله إلا من كان مختومًا على قلبه، ومن سنن الله تعالى إبطال الباطل ونصرة الحق، فلو كان محمد ﷺ كذابًا مفتريًا، لفضحه وكشف باطله، ولكن أيده بالنصر والقوة، ثم ندبهم إلى التوبة مما نسبوه إلى رسوله من افترائه القرآن، ثم وعد المؤمنين بأنه يجيب دعاءهم إذا هم دعوه ويزيدهم من نعمه، وأوعد الكافرين بشديد العقاب، كفاء ما اجترحوا من الشرور والآثام.
стр. 11808
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما بين فيما سلف، أنه يجيب دعاء المؤمنين إذا هم أنابوا إليه وأخبتوا .. ذكر هنا أنه لا يعطيهم كل ما يطلبون من الأرزاق، بل ينزلها بقدر بحسب ما يعلم من مصلحتهم، فإن كثرة الرزق تجعل الناس يتجبرون ويتكبرون، والله هو الخبير بما يصلح حالهم من فقر وغنى.
قال خباب بن الأرت: فينا نزلت هذه الآية، نظرنا إلى أموال بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع، فتمنيناها، ثم أعقب هذا بأنهم إذا احتاجوا إلى الرزق، لا يمنعه منهم، وهو المتولي أمورهم بإحسانه، المحمود على ما يوصل للخلق من صنوف الرحمة، ثم أقام الأدلة على ألوهيته بخلقه للسموات والأرض وما فيهما من الحيوان، ثم جمعهم للحساب يوم القيامة، ثم ذكر أن ما يصيب الإنسان من نكبات الدنيا، من الأمراض والأسقام والفقر والغنى، فبكسب الإنسان واختياره، كما دلت على صدق ذلك التجارب، ثم أعقب ذلك، بآية أخرى على ألوهيته، وهي جريان السفن في البحار، فتارة بجعل الريح ساكنة، فتظل السفن على سطحها، وأخرى تعصف الرياح فتفرقها، أو تنجو بحسب تقديره تعالى.
قوله تعالى: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر (١) دلائل توحيده، وعظيم قدرته وسلطانه، بخلق السموات والأرض وجري السفن ماخرات في البحار .. أردف ذلك بالتنفير من الدنيا وزخرفها؛ لأن المانع من النظر في الأدلة، إنما هو الرغبة فيها، طلبًا للرياسة والجاه، فإذا صغرت الدنيا في عين المرء، لم يلتفت إليها، وانتفع بالأدلة ووجه النظر إلى ملكوت السموات والأرض، ثم أبان أن ما عند الله خير لمن آمن به، وتوكل عليه واجتنب كبائر الذنوب والفواحش، وكان منقادًا له، مطيعًا لأوامره، تاركًا لنواهيه وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يبرم أمرًا إلا بعد
стр. 11809
مشورة، وانتصر لنفسه ممن ظلمه.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (١): ما أخرجه الطبراني بسند ضعيف عن ابن عباس قال: قالت الأنصار: لو جمعنا لرسول الله - صلي الله عليه وسلم - مالًا، فأنزل الله سبحانه ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ فقال بعضهم: إنما قال هذا، ليقاتل عن أهل بيته وينصرهم، فأنزل الله ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ فعرض لهم التوبة إلى قوله: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
وأخرج أحمد بسنده عن طاووس قال: سأل رجل ابن عباس، عن معنى قول الله : ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ فقال سعيد بن جبير: قربى محمد ﷺ ، قال ابن عباس: عجلت، إن رسول الله - صلي الله عليه وسلم - لم يكن بطن من قريش إلا لرسول الله ﷺ فيهم قرابة، فنزلت: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾؛ أي: إلا أن تصلوا قرابة ما بيني وبينكم.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه الحاكم وصححه عن علي، قال: نزلت هذه الآية في أصحاب الصفة، وذلك أنهم قالوا: لو أن لنا، فتمنوا الدنيا، وأخرج الطبراني عن عمرو بن حريث مثله، وعمرو بن حريث، مختلف في صحبنه كما في "الإصابة".
التفسير وأوجه القراءة
١٩ - ﴿اللَّهُ﴾ : ﴿لَطِيفٌ﴾؛ أي: بر بليغ البر ﴿بِعِبَادِهِ﴾ يفيض عليهم (٢) من فنون ألطافه، ما لا يكاد يناله أيدي الأفكار والظنون، وقولنا: من فنون ألطافه يؤخذ ذلك من صيغة لطيف، فإنها للمبالغة، وتنكيره أيضًا، وقولنا: ما لا يكاد، إلخ، مأخذه مادة الكلمة، فإن اللطف إيصال النفع إلى العبد على
стр. 11810
وجه فيه دقة: وقال مقاتل: لطيف بالبار والفاجر، حيث لم يقتلهم جوعًا بمعاصيهم، وقال القرطبي: لطيف بهم في العرض والمحاسبة، وقيل (١): كثير الإحسان بهم بالحياة والعقل ودفع أكثر البليات عنهم، وإعطاء ما لا بد منه من الرزق، وتأخير العذاب عمن يستحقون العذاب.
والمعنى (٢): أنه يجري لطفه على عباده في كل أمورهم، ومن جملة ذلك، الرزق الذي يعيشون به في الدنيا، وهو معنى قوله: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ منهم أن يرزقه كيفما يشاء، فيوسع على هذا، ويضيق على هذا، فيخص كلا من عباده، الذين عمهم جنس لطفه، بنوع من البر على ما تقتضيه مشيئته، المبنية على الحكم البالغة، فلا مخالفة بين عموم الجنس وخصوص النوع، يعني: أن المخصوص بمن يشاء هو نوع البر وصنفه، وذلك لا ينافي عموم جنس بره بجميع عباده، على ما أفادته إضافة العباد إلى ضميره تعالى، حتى يلزم التناقض بين الكلامين، فالله تعالى يبرهم جميعًا، لا بمعنى أن جميع أنواع البر، وأصنافه يصل إلى كل أحد فإنه مخالف الحكمة الإلهية، إذ لا يبقى الفرق حينئذٍ بين الأعلى والأدنى، بل يصل بره إليهم على سبيل التوزيع، بأن يخص أحدًا بنعمة وآخر بأخرى، فيرجع بذلك كل واحد منهم إلى الآخر، فيما عنده من النعمة، فينتظم به أحوالهم، ويتم أسباب معاشهم، وصلاح دنياهم وعمارتها، فيؤدي ذلك إلى فراغهم لاكساب سعادة الآخرة، وقال بعضهم: معناه: يرزق من يشاء بغير حساب، إذ الآيات القرآنية يفسر بعضها بعضًا.
﴿وَهُوَ﴾ سبحانه ﴿الْقَوِيُّ﴾؛ أي: العظيم القوة الباهرة، والقدرة البالغة وهو يناسب عموم لطفه للعباد، قيل: والقوة في الأصل: صلابة البنية وشدتها المضادة للضعف، ولما كانت محالًا في حق الله تعالى، حملت على القدرة، لكونها مسببة من القوة.
قلت: ولا حاجة إلى هذا التأويل؛ لأن القوة صفة ثابتة لله تعالى، أثرها
стр. 11811
عدم الضعف في أفعاله، والقدرة صفة ثابتة لله تعالى، أثرها عدم العجز عن إيجاد أي ممكن كان وإعدامه ﴿الْعَزِيزُ﴾؛ أي: الغالب الذي يغلب كل شيء، ولا يغلبه شيء، وهو يلائم تخصيص من يشاء بما شاء.
والمعنى (١): أنه تعالى بر بعباده، يرسل إليهم أعظم المنافع، ويدفع عنهم أكبر البلاء، فيرزق البر والفاجر، لا ينسى أحدًا منهم، ويوسع الرزق على من يشاء منهم، ويقتره على من يشاء، ليمتحن الغني بالفقير، والفقير بالغني، وليحتاج بعض إلى بعض، كما قال: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾، ونحو الآية قوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾، ثم ذكر ما هو كالعلة لذلك، فقال: ﴿وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾؛ أي: وهو القادر على ما يشاء، العزيز الذي لا يقدر أحد أن يمنعه عن شيء مما يريده.
٢٠ - وبعد أن أبان أن الرزق ليس إلا في يده، أتبعه بما يزهد في التكالب على طلب رزق البدن، ويرغب في الجد في طلب رزق الروح، والسعي في رفع منزلتها عند ربها ليرضى عنها، فقال: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ﴾ ويقصد بعمله الصالح ﴿حَرْثَ الْآخِرَةِ﴾ وثوابها، والحرث في الأصل (٢): إلقاء البذر في الأرض، ويطلق على الزرع الحاصل منه، ويطلق على ثمرات الأعمال، ونتائجها بطريق الاستعارة، المبنية على تشبيهها بالغلال، الحاصلة من البذور، المتضمن لتشبيه الأعمال بالبذور، من حيث إنها فائدة تحصل بعمل الدنيا، ولذلك قيل: الدنيا مزرعة الآخرة.
والمعنى: من كان يريد بأعماله ثواب الآخرة ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ وثوابه؛ أي: نضاعف له ثوابه، ونعط له بالعمل الواحد عشر حسنات إلى سبع مئة فما فوقها، وقيل: نزد له في توفيقه، وإعانته وتسهيل سبيل الخيرات والطاعات له. وقيل: نزد له في قوته ونشاطه، أو نزد له على ما قصده من حرث الآخرة، بالبسط له في الدنيا.
стр. 11812
ولم يقل في حقه (١): وله في الدنيا نصيب، مع أن الرزق المقسوم له، يصل إليه لا محالة، للاستهانة بذلك، والإشعار بأنه في جنب ثواب الآخرة ليس بشيء، ولذلك قال سليمان ﵇: لتسبيحة خير من ملك سليمان.
فإن قيل: ظاهر اللفظ يدل على أن من صلى لأجل طلب الثواب، أو لأجل دفع العقاب، فإنه تصح صلاته، وأجمعوا على أنها لا تصح؛ لأن الرغبة في الإيمان والطاعة لا تنفع، إلا إذا كانت تلك الرغبة فيه، رغبة فيه لكونه إيمانًا وطاعة، وأما الرغبة فيه لطلب الثواب، وللخوف من العقاب فغير مفيد، لأنه يكون عليلًا مريضًا.
والجواب: أن الحرث لا يتأتى إلا بإلقاء البذر الصحيح في الأرض، والبذر الصحيح الجامع للخيرات، والسعادات، ليس إلا عبودية الله تعالى، فلا يكون العمل أخرويًا إلا بأن يطلب فيه رضي الله تعالى.
﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ﴾ ويقصد بأعماله الصالحة ﴿حَرْثَ الدُّنْيَا﴾؛ أي: ثوابها ومتاعها وزخارفها وطيباتها، والمراد: الكافر أو المنافق، حيث كانوا مع المؤمنين في المغازي وغرضهم الغنيمة، ودخل فيه أصحاب الأغراض الفاسدة جميعًا. ﴿نُؤْتِهِ﴾؛ أي: نعطه شيئًا كائنًا ﴿مِنْهَا﴾؛ أي: من الدنيا حسبما قسمنا له أزلًا، لا ما يريده ويبتغيه، وقوله: منها متعلق بكائنًا المحذوف، الواقع صفة للمفعول الثاني، ويجوز أن تكون كلمة من للتبعيض؛ أي: بعضها، ومآل المعنى واحد، دلت الآية على أن طالب الدنيا لا ينال مراده من الدنيا.
وفي الحديث: "من كانت نيته الآخرة، جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت نيته الدنيا، فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب الله له".
﴿وَمَا لَهُ﴾؛ أي: لمريد الدنيا ﴿فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾؛ لأنه لم يعمل للآخرة، فلا نصيب له فيها. و ﴿مَنْ﴾: مزيدة للاستغراق؛ أي: ما له نصيب وحظ في الآخرة،
стр. 11813
إذ كانت همته مقصورة على الدنيا، ولكل امرىء ما نوى، فيكون محرومًا من ثواب الآخرة بالكلية، وقرأ الجمهور (١): ﴿نَزِدْ﴾ و ﴿نُؤْتِهِ﴾ بالنون فيهما، وابن مقسم والزعفراني ومحبوب والمنقري، كلاهما عن أبي عمرو بالياء فيهما، وقرأ سلام: ﴿نؤتهُ منها﴾ بضم الهاء، وهي لغة الحجاز، ذكره في "البحر المحيط". وقال الإمام الراغب: إن الإنسان في دنياه حارث، وعمله حرثه، ودنياه محرثه، ووقت الموت وقت حصاده، والآخرة بيدره، ولا يحصد إلا ما زرعه، ولا يكيل إلا ما حصده.
حكي: أن رجلًا ببلخ، أمر عبده أن يزرع حنطة، فزرع شعيرًا، فرآه وقت الحصاد وسأله، فقال العبد: زرعت شعيرًا على ظن أن ينبت حنطة، فقال مولاه: يا أحمق، هل رأيت أحدًا زرع شعيرًا فحصد حنطة، فقال العبد: فكيف تعصي أنت، وترجو رحمته، وتغتر بالأماني، ولا تعمل العمل الصالح.
وكما أن في البيدر مكيالًا، وموازين وأمناء وحفاظًا وشهودًا، كذلك في الآخرة مثل ذلك، وكما أن للبيدر تذرية وتمييزًا بين النقاوة والحطام، كذلك في الآخرة تمييزٌ بين الحسنى والآثام، فمن عمل لآخرته بورك له في كيله ووزنه، وجعل له منه زادًا لا بد، ومن عمل لدنياه خاب سعيه وبطل عمله، فأعمال الدنيا كشجرة الخلاف، بل كالدقلي والحنظل في الربيع، يرى غض الأوراق، حتى إذا جاء حين الحصاد لم ينل طائلًا، وإذا حضر مجتناه في البيدر، لم يفد نائلًا. ومثل أعمال الآخرة كشجرة الكرم والنخل المستقبح المنظر في الشتاء، فإذا حان وقت القطاف والاجتناء أفادتك زادًا، وادخرت عدةً وعتادًا.
ولما كانت زهرات الدنيا رائقة الظاهر، خبيثة الباطن، نهى الله تعالى عن الاغترار بها، فقال: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١)﴾ فالقذر قذر، وإن كان في ظرف من الذهب، فالعاقل لا يتناوله.
وحاصل معنى الآية (٢): من كان يريد بأعماله، وكسبه ثواب الآخرة، نوفقه
стр. 11814
لصالح الأعمال، ونجزه بالحسنة عشر أمثالها، إلى ما شاء الله تعالى، ومن كان سعيه موجهًا إلى شؤون الدنيا وطلب طيباتها واكتساب لذاتها، وليس له هم في أعمال الآخرة، نؤته منها ما قسمناه له، وليس له في ثواب الآخرة حظ، فالأعمال بالنيات ولكل امرىء ما نوى، قال قتادة: إن الله يعطي على نية الآخرة، ما شاء من أمر الدنيا، ولا يعطي على نية الدنيا إلا الدنيا. وقال ابن عباس: من يؤثر دنياه على آخرته .. لم يجعل الله له نصيبًا في الآخرة إلا النار، ولم يزد بذلك من الدنيا شيئًا، إلا رزقًا فرغ منه وقسم له.
وأخرج أحمد والحاكم وصححه، وابن مردويه ابن حبان عن أبي بن كعب: أن رسول الله ﷺ قال: "بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والنصر والتمكين في الأرض، ما لم يطلبوا الدنيا بعمل الآخرة، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا .. لم يكن له في الآخرة من نصيب".
وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي عن أبي هريرة قال: تلا رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ﴾ الآية، ثم قال: "يقول الله لابن آدم: تفرغ لعبادتي، أملأ صدرك غنى، وأسد فقرك، وإلا تفعل ملأت صدرك شغلًا، ولم أسد فقرك".
وعن علي كرم الله وجهه قال: الحرث: حرثان، فحرث الدنيا المال والبنون، وحرث الآخرة الباقيات الصالحات. ونحو الآية قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾.
٢١ - ولما بين القسطاس الأقوم في أعمال الآخرة وأعمال الدنيا .. أردفه بالتنبيه إلى ما هو الأصل في باب الضلالة والشقاوة، فقال: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾ أم (١) منقطعة، مقدرة ببل التي للإضراب الانتقالي من قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾، والهمزة التي للتقرير والتوبيخ، وشركاؤهم شياطينهم من الإنس والجن، والضمير في ﴿لَهُمْ﴾ للمشركين من قريش، وإضافة الشركاء إلى ضميرهم في قولنا:
стр. 11815
شركاؤهم على حقيقتها.
والمعنى: بل ألهم شركاء من الشياطين؛ أي: نظراء يشاركونهم في الكفر والعصيان، ويعاونونهم عليه بالتزيين والإغراء ﴿شَرَعُوا﴾ وسنوا ﴿لَهُمْ﴾ بالتسويل والتزيين ﴿مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ﴾ ويأمر ﴿بِهِ اللَّهُ﴾ ، كالشرك وإنكار البعث، والعمل للدنيا، وسائر مخالفات الشريعة، وموافقات الطبيعة؛ لأنهم لا يعلمون غيرها، وتعالى الله عن الإذن في مثل هذا والأمر به، والتعبير عنه بالدين للمشاكلة؛ لأنه ذكر في مقابلة دين الله، أو للتهكم، وقيل: شركاءهم أوثانهم، فالهمزة للإنكار، فإن الجماد الذي لا يعقل شيئًا، كيف يصح أن يشرع دينًا، والحال أن الله تعالى، لم يشرع لهم ذلك الدين الباطل، وإضافتها إليهم حينئذٍ؛ لأنهم الذين جعلوها شركاء لله، وإسناد الشرع إليها، مع كونها بمعزل عن الفاعلية، إسناد مجازي، من إسناد الفعل إلى السبب؛ لأنها سبب ضلالتهم وافتتانهم، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾.
والمعنى (١): أي هم ما اتبعوا، ما شرع الله من الدين القويم، بل اتبعوا ما شرع لهم شياطينهم من الجن والإنس، فحرموا عليهم ما حرموا من البحيرة، والسائبة والوصيلة، وحللوا لهم أكل الميتة والدم والقمار، إلى نحو أولئك، من الضلالات والجهالات، التي كانوا قد اخترعوها في الجاهلية.
وقد ثبت في "الصحيح"، أن رسول الله - صلي الله عليه وسلم - قال:" رأيت عمرو بن لُحَيّ بن قمعة يجر قصبة أمعائه في النار؛ لأنه أول من سيّب السوائب، وحمل قريشًا على عبادة الأصنام، وكان أحد ملوك خزاعة"، وقصارى ذلك: أن الشيطان زين لهم الشرك والمعاصي والشرائع المضلة وإنكار البعث والعمل للدنيا.
ثم بين أنه رحمة بعباده، أخر عذاب المشركين ليوم معلوم، ولم يعجله لهم، فقال: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ﴾؛ أي: القضاء السابق بتأخير العذاب عنهم، أو العدة لهم، بأن الفصل يكون يوم القيامة، حيث قال: ﴿بَلِ السَّاعَةُ
стр. 11816
مَوْعِدُهُمْ﴾ والفصل: القضاء بين الحق والباطل، كما في "القاموس"، ويوم الفصل هو اليوم الذي فيه يبين الحق من الباطل، ويفصل بين الناس بالحكم، كما في "المفردات": ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ في الدنيا، فعوجلوا بالعقوبة. والضمير في ﴿بَيْنَهُمْ﴾ راجع إلى المؤمنين والمشركين، أو إلى المشركين وشركائهم.
والمعنى: أي ولولا القضاء السابق منه تعالى، بتأخير العذاب إلى يوم القيامة، لعوجلوا بالعذاب في الدنيا.
﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ أنفسهم، وهم المشركون والمكذبون ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الدنيا والآخرة؛ أي: نوع من العذاب متفاقم ألمه، وأقام المظهر مقام المضمر، تسجيلًا عليهم بالظلم، ودلالة على أن العذاب الأليم، الذي لا يكتنه كنهه، إنما يلحقهم بسبب ظلمهم، وانهماكهم فيه.
والمعنى: أي وإن الظالمين أنفسهم، بشرع ما لم يأذن به الله، مما ابتدعوه من التحليل، والتحريم، لهم عذاب شديد الإيلام في جهنم، وبئس المصير، وقرأ الجمهور (١): وإن الظالمين بكسر الهمزة على الاستئناف، والإخبار بما ينالهم في الدنيا، من القتل والأسر والنهب، وفي الآخرة من النار، وقرأ الأعرج ومسلم بن جندب: ﴿وأنّ﴾ بفتح الهمزة، عطفًا على كلمة الفصل، فهو في موضع رفع؛ أي: ولولا كلمة الفصل وكون الظالمين لهم عذاب أليم في الآخرة، لقضي بينهم في الدنيا، وفصل بين المتعاطفين بجواب ﴿لولا﴾، كما فصل في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩)﴾.
٢٢ - ثم ذكر أحوال أهل العقاب، وأهل الثواب يوم القيامة، مبتدئًا بالأولين، فقال: ﴿تَرَى﴾ وتبصر يا محمد، أو يا من يصلح للرؤية ﴿الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: المشركين يوم القيامة ﴿مُشْفِقِينَ﴾؛ أي: خائفين ﴿مِمَّا كَسَبُوا﴾؛ أي: لأجل ما كسبوا واقترفوا في الدنيا من الشرك والمعاصي؛ أي (٢): مشفقين إشفاقًا ناشئًا من
стр. 11817
السيئات، التي عملوها في الدنيا ومن أجلها، فكلمة من للتعليل، وليست صلة مشفقين، حتى يحتاج إلى تقدير المضاف، مع أنه أيضًا معنى صحيح؛ لأنه أبلغ وأدخل في الوعيد ﴿وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾؛ أي: والحال أن وبال ما كسبوه، وجزاءه، لا حق بهم لا محالة، أشفقوا أو لم يشفقوا والجملة حال من ضمير مشفقين، أو اعتراض. قال سعدي المفتي: يعني ينعكس الحال في الآخرة، فالآمنون في الدنيا يشفقون في الآخرة، والمشفقون في الدنيا يأمنون في الآخرة؛ أي: ترى الظالمين خائفين، وجلين أشد الخوف والوجل، لأجل ما كسبوا في الدنيا من السيئات، والحال أن جزاءه واقع بهم، نازل عليهم لا محالة، أشفقوا أو لم يشفقوا، وذكر الآخرين بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾؛ أي: استعملوا تكاليف الشرع لقمع الطبع، وكسر الهوى، وتزكية النفس وتصفية القلب وتحلية الروح، مستقرون ﴿فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ﴾؛ أي: في أطيب بقاع الجنات وأنزهها، كما أنها في الدنيا أحسن أمكنتها.
قال في "حواشي الكشاف": الروضة اسم لكل موضع فيه ماء وعشب، وفي "كشف الأسرار": هي الأماكن المتسعة، المونقة ذات الرياحين. والزهر، انتهى. وفي الحديث: ثلاث يجلون البصر، النظر إلى الخضرة، وإلى الماء الجاري، وإلى الوجه الحسن. قال ابن عباس: ﵁: والإثمد عند النوم، قال الراغب: قوله: ﴿فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ﴾ إشارة إلى ما أعد لهم في العقبى من حيث الظاهر، وقيل: إشارة إلى ما أهلهم له من العلوم والأخلاق التي من تخصص بها طاب قلبه؛ أي: والذين آمنوا بالله، وأطاعوه فيما أمر به ونهى عنه، لهم في الآخرة روضات الجنات، متمتعين بمحاسنها ولذاتها.
ثم بين ما يكون لهم من النعيم، في تلك الروضات، فقال: ﴿لَهُمْ﴾ خبر مقدم ﴿مَا يَشَاءُونَ﴾ مبتدأ مؤخر؛ أي: ما يشتهونه من فنون المستلذات من مآكل ومشارب، ومناظر مما لاعين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، حاصل لهم ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ على أن عند ربهم ظرف للاستقرار العامل في ﴿لَهُمْ﴾، وقيل: ظرف ليشاؤون على أن يكون عبارة عن كونهم عند الله.
стр. 11818
وفي الآية (١): احتباك، حيث أثبت الإشفاق أولًا، دليلًا على حذف الأمن ثانيًا، وأثبت الجنات ثانيًا، دليلًا على حذف النيران أولًا، كما سيأتي في مبحث البلاغة.
والإشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ إلى ما ذكر للمؤمنين، وهو مبتدأ، خبره جملة قوله: ﴿هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِير﴾؛ أي: ذاك المذكور من أجر المؤمنين، هو الفضل العظيم، والمن الجسيم، الذي يصغر دونه ما لغيرهم من الدنيا، أو تحقر عنده الدنيا بحذافيرها من أولها إلى آخرها. وهذا في حق الأمة، وأما النبي ﷺ فمخصوص بالفضل العظيم، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾.
٢٣ - ﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: الفضل الكبير، وهو مبتدأ، خبره قوله: ﴿الَّذِي﴾؛ أي: ذلك الفضل المذكور هو الثواب الذي ﴿يُبَشِّرُ اللَّهُ﴾ به ﴿عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾؛ أي: يبشرهم به على لسان النبي ﷺ ، فحذف الجار ثم العائد إلى الموصول؛ لأنهم لا يجوزون حذف المفعول الجار والمجرور، إلا على التدريج، بخلاف مثل: السمن منوان بدرهم؛ أي: منه؛ أي (٢): ذلك الذي أخبرتكم بأني أعددته في الآخرة من النعيم، والكرامة، لمن آمن بالله ورسوله وعمل صالح الأعمال. هي البشرى التي أبشركم بها في الدنيا، ليتبين لكم أنها حق، وأنها كائنة لا محالة.
والخلاصة: أن هؤلاء الجامعين بين الإيمان والعمل، بما أمر الله به، وترك ما نهى عنه، هم المبشرون بتلك البشارة.
يقول الفقير: حكمة تخصيص الروضة، وتعميم المشيئة، أن أكثر بلاد العرب خالية عن الأنهار الجارية والروضات، وأنهم لا يجدون كل المشتهيات، فيشوقهم بذلك ليكونوا على أهبة وتدارك، ولا يقيسوا الآخرة على الدنيا، فإن الدنيا محل البلاء والآفات، والآخرة دار النعيم والضيافات، وتدارك كل ما فات، فمن أحب مولاه اجتهد في طريق رضاه.
стр. 11819
قال شقيق البلخي رحمه الله تعالى: رأيت في طريق مكة مقعدًا، يزحف على الأرض، فقلت له: من أين أقبلت؟ قال: من سمرقند، قال: قلت: وكم لك في الطريق؟ فذكر أعوامًا تزيد على العشرة، فرفعت طرفي انظر إليه متعجبًا، فقال لي: يا شقيق، مالك تنظر إليّ، فقلت: متعجبًا من ضعف مهجتك، وبعد سفرتك، فقال لي: يا شقيق، أما بعد سفرتي فالشوق يقربها، وأما ضعف مهجتي فمولاها يحملها، يا شقيق، أتعجب من عبد ضعيف يحمله المولى اللطيف، فمن وصل إليه بشارة الله بفضله وجوده .. هان عليه بذل وجوده.
قرأ الجمهور (١): ﴿يُبَشِّرُ﴾: بتشديد الشين من بشر المضاعف، وعبد الله بن يعمر، وابن أبي إسحاق والجحدري والأعمش وطلحة، في رواية: والكسائي وحمزة ﴿يبشر﴾ ثلاثيًا، وقرأ حميد بن قيس ومجاهد: ﴿يبشر﴾ بضم الياء وتخفيف الشين من أبشر الرباعي، وهو معدى بالهمزة، من بشر، اللازم المكسور الشين، وأما بشر بفتحها فمتعد، وبشر بالتشديد للتكثير لا للتعدية؛ لأن المتعدي إلى واحد، وهو مخفف لا يعلى بالتضعيف إليه، فالتضعيف فيه للتكثير لا للتعدية.
وبعد أن ذكر سبحانه، ما أخبر به نبيه ﷺ من هذه الأحكام، التي اشتمل عليها كتابه، أمره أن يخبرهم: بأنه لا يطلب منهم بسبب هذا التبليغ أجرًا، فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لقريش قومك ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾؛ أي: لا أطلب منكم على تبليغ الرسالة ﴿أَجْرًا﴾؛ أي: جعلا ولا نفعًا، كما لا يطلب الأنبياء من قبلي أجرًا على تبليغهم الرسالة ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ المودة (٢) مودة الرسول ﷺ ، والقربى مصدر، كالزلفى بمعنى القرابة، التي هي بمعنى الرحم. و ﴿فِي﴾ للسببية، أو بمعنى اللام، متعلقة بالمودة، ومودته كناية عن ترك أذيته، والجري على موجب قربته سمى ﵇ المودة أجرًا، واستثناها منه تشبيهًا لها به، والاستثناء من قبيل قول من قال:
стр. 11820
وَلاَ عَيْبَ فِيْهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوْفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلُوْلٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائبِ
وذلك لأنه لا يجوز من النبي ﷺ أن يطلب الأجر، أيًا كان على تبليغ الرسالة؛ لأن الأنبياء لم يطلبوه، وهو أولى بذلك؛ لأنه أفضل، ولأنه صرح بنفيه في قوله: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾، ولأن التبليغ واجب عليه، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ وطلب الأجر على أداء الواجب لا يليق به، ولأن متاع الدنيا أخس الأشياء، فكيف يطلب في مقابلة تبليغ الوحي الإلهي الذي هو أعز الأشياء؛ لأن العلم جوهر ثمين، والدنيا خزف مهين، ولأن طلب الأجر يوهم التهمة، وذلك ينافي القطع بصحة النبوة. وقرأ الجمهور ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ﴾ وقرأ زيد بن علي ﴿إلا مودة﴾.
فمعنى الآية (١): قل لا أسألكم على التبليغ أجرًا أصلًا، إلا أن تودوني لأجل قرابتي منكم وبسببها، وتكفوا عني الأذى، ولا تعادوني إن كان ذلك أجرًا يختص بي، لكنه ليس بأجر؛ لأنه لم يكن بطن من بطونكم يا قريش، إلا وبيني وبينها قرابة فإذا كانت قرابتي قرابتكم، فصلتي، ودفع الأذى عني لازم لكم في الشرع والعادة والمروءة، سواء كان مني التبليغ أو لا، وقد كنتم تتفاخرون بصلة الرحم، ودفع الأذى عن الأقارب، فما لكم تؤذونني والحال ما ذكر.
ويجوز أن يراد بالقربى: أهل قرابته ﷺ على تقدير المضاف وبالمودة مودة أقربائه، وترك أذيتهم، فكلمة ﴿فِي﴾ على هذا للظرفية، والظرف حال من المودة، والمعنى: إلا أن تودوا أهل قرابتي، مودةً ثابتة، متمكنة فيهم. وقد اختلف في هذه الآية اختلافًا كثيرًا، يرجع إليه في المطولات، وأحسن ما قرأناه في صددها، ما ذكره مجاهد وقتادة.
وخلاصته: أنكم قومي، وأحق من أجابني وأطاعني، فإذا قد أبيتم ذلك، فاحفظوا حق القربى وصلوا رحمي، ولا تؤذوني.
وفي "الخازن": فإن قلت (٢): طلب الأجر على تبليغ الرسالة والوحي، لا
стр. 11821
يجوز، لقوله في قصة نوح ﵇ وغيره من الأنبياء: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩)﴾.
قلت: لا نزاع في أنه لا يجوز طلب الأجر على تبليغ الرسالة، بقي الجواب عن قوله: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ فالجواب عنه من وجهين:
الأول: معناه لا أطلب منكم إلا هذا، وهذا في الحقيقة ليس بأجر، نظير قوله: (وَلَا عَيْبَ فِيْهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوْفَهُمْ)، البيت، معناه: إذا كان هذا عيبهم، فليس فيهم عيب بل هو مدح فيهم؛ ولأن المودة بين المسلمين أمر واجب، وإذا كان كذلك في حق جميع المسلمين، كان في أهل بيت النبي ﷺ أولى. فقوله: ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ فالمودة في القربى ليست أجرًا في الحقيقة؛ لأن قرابته قرابتهم، فكانت مودتهم وصلتهم لازمة لهم، فثبت أن لا أجر البتة.
والوجه الثاني: أن هذا الاستثناء منقطع، وتم الكلام عند قوله: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾، ثم ابتدأ فقال: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾؛ أي: لكن أذكركم المودة في قرابتي، الذين هم قرابتكم، فلا تؤذوهم.
واختلف أهل العلم في قرابته ﷺ . فقيل: علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله تعالى عنهم، وقيل: أهل بيته من تحرم عليهم الصدقة من أقاربه، وهم بنو هاشم، وبنو المطلب، الذين لم يفترقوا في الجاهلية، ولا في الإِسلام.
روى مسلم عن زيد بن أرقم، أن رسول الله ﷺ قال: "إني تارك فيكم ثقلين، أولهما: كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله تعالى، واستمسكوا به"، فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: "وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي"، فقال له حصين: من أهل بيته يا زيد، أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرمت عليه الصدقة بعده، قال: ومن هم قال: هم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس، انتهى.
стр. 11822
﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ﴾ ويكتسب ﴿حَسَنَةً﴾؛ أي حسنة (١) كانت سيما مودة قربى رسول الله ﷺ ، وعن السدي: أنها المودة في آل رسول الله ﷺ ، نزلت في أبي بكر ﵁، ومودته فيهم، والظاهر العموم في أي حسنة كانت إلا أنها تتناول المودة تناولًا أوليًا لذكرها عقب ذكر المودة في القربى؛ أي: ومن يكتسب حسنة واحدة، ولو مثقال ذرة ﴿نَزِدْ لَهُ﴾؛ أي: لذلك العامل ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في جزاء تلك الحبسنة ﴿حُسْنًا﴾؛ أي: فضلًا وزيادة على قدر ما يستحقه، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف، فما فوق، كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿نَزِدْ لَهُ﴾ بالنون، وقرأ زيد بن علي وعبد الوارث عن أبي عمرو وأحمد بن جبير عن الكسائي: ﴿يزد﴾ بالياء؛ أي: يزد الله. وقرأ الجمهور: ﴿حُسْنًا﴾: بالتنوين، وعبد الوارث عن أبي عمرو: ﴿حسنى﴾ بغير تنوين، على وزن رجعى وبشرى، وزيادة حسنها مضاعفة أجرها.
والمعنى (٣): أي ومن يعمل عملًا فيه طاعة الله ورسوله، نزد له فيه أجرًا وثوابًا، فنجعل له مكان الحسنة عشرة أمثالها، إلى سبع مئة ضعف إلى ما فوق ذلك، فضلًا منا ورحمة. ونحو الآية قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿غَفُورٌ﴾؛ أي: كثير المغفرة للمذنبين ﴿شَكُورٌ﴾؛ أي: كثير الشكر للمطيعين بتوفيقه الثواب، والتفضل عليه بالزيادة، فالشكر (٤) من الله مَجَازٌ عن هذا المعنى؛ لأن معناه الحقيقي، وهو فعل ينبيء عن تعظيم المنعم، لكونه منعمًا لا يتصور من الله سبحانه، لامتناع أن ينعم عليه أحد، حتى يقابل بالشكر، شبهت الإثابة والتفضل بالشكر، من حيث إن كل واحد منهما يتضمن الاعتداد بفعل الغير، وإكرامًا لأجله؛ أي: إنه تعالى يغفر الكثير من
стр. 11823
السيئات، ويكثر القليل من الحسنات، فيستر ويغفر ويضاعف فيشكر. قال قتادة: غفور للذنوب، شكور للحسنات.
٢٤ - ثم أنكر عليهم نسبة افتراء القرآن إلى محمد ﷺ ، ووبخهم على مقالهم، فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ أم منقطعة، بمعنى بل التي للإضراب الانتقالي من قوله: أم لهم شركاء إلخ، وبهمزة الاستفهام الإنكاري التوبيخي؛ أي: بل أيقول كفار مكة ﴿افْتَرَى﴾ محمد واختلق ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ سبحانه ﴿كَذِبًا﴾ بدعوى النبوة وتلاوة القرآن؛ أي (١): أيقع في قلوبهم ويجري على ألسنتهم، أن ينسبوا مثله ﷺ . إلى الافتراء على الله، وهو أقبح أنواع الفرية وأفحشها، وهذا المقال منهم أفظع من الشرك الذي جعلوه شرعًا لهم، فإنهم قد جعلوا الحق الأبلج، الذي يعاضده الدليل، ويؤيده البرهان، افتراءً على الله، واختلاقًا للكذب عليه، وفي ذلك أتم دلالة على بعده ﷺ من الافتراء.
وخلاصة ذلك: أنهم قالوا: إن هذا الذي يتلوه علينا من القرآن، ما هو إلا اختلاق من قبل نفسه، وليس بوحي من عند ربه، كما يدعي.
ثم زاد في استبعاد الافتراء من مثله ﷺ ، والإنكار له، على أتم وجه، فقال: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ﴾ خذلانك ﴿يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ لتجترىء بالافتراء عليه، فإنه لا يفعل مثل هذا إلا من كان في مثل حالهم، قد ختم الله على قلبه، وأعمى بصيرته.
والخلاصة: أنه إن يشأ يجعلك منهم؛ لأنهم هم المفترون الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله.
وفي "التأويلات النجمية": يعني أنك إن افتريته ختم الله على قلبك، ولكنك لم تكذب على ربك، فلم يختم على قلبك، وما أجمل هذا التعريض بانهم مفترون، وأنهم في نسبة الافتراء إليه مفترون أيضًا، وشبيه بالآية قول أمين نسب
стр. 11824
إلى الخيانة: لعل الله خذلني لعل الله أعمى بصيرتي، لا يريد بمقاله إثبات الخذلان وعمى القلب، بل يريد استبعاد الخيانة من مثله، وأن من نسبه إلى ذلك فقد ركب شططًا وأتي أمرًا إدّا، وقال قولًا نكرًا.
ثم أكد استبعاد إلافتراء منه وزاده إيضاحًا، فقال: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ استئناف مقرر لنفي الافتراء غير معطوف على ﴿يَخْتِمْ﴾ كما ينبىء عنه إظهار الاسم الجليل، وصيغة المضارع.
فائدة (١): وكتب ﴿يمح﴾ في المصحف بحاء مرسلة، كما كتبوا، (ويدع الإنسان)، و (يدع الداع) و (سندع الزبانية)، مما ذهبوا فيه إلى الحذف، والاختصار نظرًا إلى اللفظ، وحملًا للموقف على الوصل. يعني: أن سقوط الواو لفظًا لالتقاء الساكنين، حال الوصل، وخطًا أيضًا، حملًا للخط على اللفظ؛ أي: على أنه خلاف القياس، وليس سقوطها منه، لكونه مجزومًا بالعطف على ما قبله، لاستحالة المعنى؛ لأنه تعالى يمحو الباطل مطلقًا لا معلقًا بالشرط.
والمعنى: كيف يكون منه الافتراء على الله، وقد جرت عادته تعالى، أن يمحو الباطل ويمحق الشرك، ويثبت الحق والإِسلام والتوحيد بكلماته؛ أي: بقضائه أو بوحيه. أو بما أنزله من القرآن. وينشره بين الناس، وها هو ذا يزداد ما أوتيه محمد ﷺ كل يوم قوة وانتشارًا، فلو كان مفتريًا كما تدعون، لكشف افتراءه ومحقه، وقذف بالحق على باطله فدمغه.
وقد يكون المعنى: أن هذه عدة من الله لرسوله بالنصر، ويكون المراد يمحو الله باطلهم وما بهتوك به. ويثبت الحق الذي أنت عليه بقضائه، الذي لا مرد له فيكون هذا كلامًا معترضًا بين ما قبله وما بعده، مؤكدًا لما سبق من الكلام، من كونهم مبطلين في نسبة الافتراء إلى من هو أصدق الناس حديثًا.
﴿إِنَّهُ﴾ ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾؛ أي: عالم بما في قلب العباد؛ أي: بما تضمره القلوب، فيجري عليها أحكامها اللائقة بها، من المحو
стр. 11825
والإثبات. ولم يقل (١): ذوات الصدور لإرادة الجنس، وذات هنا تأنيث ذي، بمعنى صاحب، فحذف الموصوف وأقيمت صفته مقامه؛ أي: عليم بالمضمرات صاحبة الصدور، وهي الخواطر القائمة بالقلب، من الدواعي والصوارف الموجودة فيه، وجعلت صاحبة للصدور بملازمتها، وحلولها فيها، كما يقال للبن: ذو الإناء ولولد المرأة وهو جنين ذو بطنها، وفي الآية إشارة إلى أن الله تعالى يتصرف في عباده بما يشاء، من إبعاد قريب، وإدناء بعيد.
والمعنى: أي فيعلم ما تكنه الضمائر، وتنطوي عليه السرائر، وتجري الأمور بحسب علمه الواسع، المحيط بكل شيء.
٢٥ - ثم امتن على عباده بقبول توبتهم، إذا هم تابوا ورجعوا إليه فقال: ﴿وَهُوَ﴾ الإله ﴿الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ من الذنوب ﴿عَنْ عِبَادِهِ﴾ بالتجاوز عما فرط منهم في الزمن الماضي، من الذنوب، واقترفوا فيه من السيئات؛ لأنه إن لم يقبل كان إغراء بالمعاصي، وعدى القبول بعن؛ لتضمنه معنى التجاوز، قال ابن عباس ﵄: هي عامة للمؤمن والكافر والولي والعدو، ومن تاب منهم، قبل الله توبته.
فصل في ذكر التوبة وحكمها
قال العلماء (٢): التوبة واجبة من كل ذنب، فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى، لا تتعلق بحق آدمي .. فلها ثلاثة شروط:
أحدها: أن يقلع عن المعصية.
والثاني: أن يندم على فعلها.
والثالث: أن يعزم أن لا يعود إليها أبدًا، فإذا حصلت هذه الشروط صحت التوبة، كان فقد أحد الثلاثة لم تصح توبته، وإن كانت المعصية تتعلق بحق آدمي،
стр. 11826
فشروطها أربعة: هذه الثلاثة.
والشرط الرابع: أن يبرأ من حق صاحبها، فهذه شروط التوبة الصحيحة. وقيل: التوبة الانتقال عن المعاصي نيةً وفعلًا، والإقبال على الطاعات نيةً وفعلًا، وقال سهل بن عبد الله التستري: التوبة الانتقال من الأحوال المذمومة إلى الأحوال المحمودة.
وقد ورد في الحث على التوبة كثير من الأحاديث في "الصحيحين" وغيرهما.
فمن ذلك: ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه، في اليوم أكثر من سبعين مرة" أخرجه البخاري.
ومنها: ما رُوي عن الأغر بن بشار المزني قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أيها الناس، توبوا إلى الله، فإني أتوب إليه في اليوم مئة مرة"، أخرجه مسلم.
ومنها: ما رُوي عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لله أفرح بتوبة عبده المؤمن، من رجل نزل في أرض دوية، مهلكة، معه راحلته عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه، فنام نومة فاسيقظ، وقد ذهبت راحلته فطلبها، حتى إذا اشتد الحر والعطش، أو ما شاء الله، قال: أرجع إلى مكان الذي كنت فيه، فانام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ فإذا راحلته عنده عليها طعامه وشرابه. فالله أشد فرحًا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده" متفق عليه، الدوية الفلاة والمفازة.
ومنها: ما رُوي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "للَّه أفرح بتوبة عبده المؤمن من أحدكم سقط على بعيره وقد أصله في أرض فلاة" متفق عليه.
ومنها: لمسلم عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لله أشد فرحًا بتوبة عبده، حين يتوب إليه، من أحدكم، كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه. وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتي شجرة فاضطجع في ظلها، قد أيس من راحلته،
стр. 11827
فبينا هو كذلك، إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة فرحه: اللهم أنت عبدي، وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح".
ومنها: ما رُوي عن صفوان بن عسال المرادي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله جعل بالمغرب بابًا، عرضه تفسيرة سبعين عامًا، للتوبة لا يغلق ما لم تطلع الشمس من قبله، وذلك قوله تعالى ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ الآية، أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح.
ومنها: ما رُوي عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "إن الله ، يقبل توبة العبد ما لم يغرغر"، أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن غريب.
ومنها: ما رُوي عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله ، يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار. ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها". أخرجه مسلم.
وروى جابر ﵁ أن أعرابيًا دخل مسجد رسول الله ﷺ وقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك وكبر، فلما فرغ من صلاته، قال له علي ﵁: إن سرعة اللسان بالاستغفار، توبة الكذابين، وتوبتك تحتاج إلى التوبة، فقال يا أمير المؤمنين: ما التوبة، قال: التوبة اسم يقع على ستة معان، على الماضي من الذنوب الندامة، ولتضييع الفرائض الإعادة ورد المظالم. وإذاقة النفس مرارة الطاعة، كما أذقتها حلاوة المعصية، وإذابتها في الطاعة، كما ربيتها في المعصية. والبكاء بدل كل ضحك ضحكته.
﴿وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ في المستقبل؛ أي: يعفو عن صغائرها في المستقبل، بمحض فضله، وإن لم يتوبوا؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات. وقيل: يعفو عن السيئات صغائرها وكبائرها، غير الشرك لمن يشاء بمحض فضله ورحمته. وفي "التأويلات النجمية": ويعفو عن كثير من الذنوب، التي لا يطلع العبد عليها، فيتوب عنها، وأيضًا يعفو عن كثير من الذنوب، قبل التوبة، ليصير العبد به قابلًا للتوبة، وإلا لما تاب ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ كائنًا ما كان من خير أو شر، فيجازي
стр. 11828
بالثواب أو بالعقاب، أو يتجاوز بالعفو بحسب ما تقتضيه مشيئته، المبنية على الحكم والمصالح. وفي "التأويلات النجمية": ويعلم ما تفعلون من السيئات والحسنات، مما لا تعلمون أنها من السيئات والحسنات، فبتلك الحسنات يعفو عن السيئات، وفي هذا حث على لزوم الحذر منه تعالى، والإخلاص له وإمحاض التوبة.
وقرأ الجمهور (١): ﴿مَا تَفْعَلُونَ﴾ بياء الغيبة، وقرأ عبد الله وعلقمة وحمزة والكسائي وخلف وحفص: ﴿مَا تَفْعَلُونَ﴾ بتاء الخطاب، واختار القراءة الأولى أبو عبيد وأبو حاتم؛ لأن هذا الفعل وقع بين خبرين.
٢٦ - والموصول في قوله: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ في موضع نصب على المفعولية، والفاعل ضمير يعود على الله سبحانه؛ أي: يستجيب الله سبحانه، للذين آمنوا دعاءهم ويعطيهم ما طلبوه منه. يقال: استجاب وأجاب بمعنًى وقيل: المعنى: يقبل الله عبادة الذين آمنوا، وعملوا الصالحات؛ أي: يقبل عبادة المؤمنين المخلصين، ويثيبهم على طاعاتهم، يعني: يعطيهم الثواب في الآخرة. والإثابة (٢) معنى مجازي للإجابة؛ لأن الطاعة لما شبهت بالدعاء، باعتبار ما يترتب عليها من الثواب، كانت الإثابة عليها، بمنزلة إجابة الدعاء، فعبر بها عنها، وقيل: إن الموصول في محل رفع على الفاعلية؛ أي: يجيب الذين آمنوا ربهم إذا دعاهم إلى طاعته، كقوله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾، والأول أولى باعتبار السياق ﴿وَيَزِيدُهُمْ﴾ الله سبحانه على ما طلبوه، أو على ما يستحقونه من الثواب ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ وكرمه وجوده ما يشاء تفضلًا وكرمًا منه، وهو معطوف على ﴿يَسْتَجِيبُ﴾ على الوجه الأول أعني: نصب الموصول، وعلى الوجه الثاني، أعني: رفع الموصول يكون قوله. ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ معطوفًا على مقدر تقديره: ويستجيبون لله تعالى بالطاعة، ويزيدهم على ما استحقوه من الثواب تفضلًا منه، وقيل: معنى ويزيدهم من فضله: يشفعهم في إخوانهم.
стр. 11829
والمعنى (١): أي ويجيب الذين آمنوا إذا دعوه، ويزيدهم من فضله على ما طلبوه بالدعاء.
وبعد أن ذكر ما أعده للمؤمنين من الثواب، أردف بما أعده للكافرين من العذاب فقال: ﴿وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ﴾ يوم القيامة ﴿عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾؛ أي: وجيع مؤلم بدل ما للمؤمنين من الثواب والفضل المزيد، فالمؤمنون استجاب لهم دعاءهم وزادهم من فضله، وهؤلاء الكفرة لا يستجيب لهم دعاءً ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾.
٢٧ - ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ﴾ ﴿الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ﴾؛ أي: لجمعيهم، ووسعه عليهم ﴿لَبَغَوْا﴾؛ أي: جميعهم ﴿فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: لطغوا وعصوا وأفسدوا فيها، لأن الغنى مبطرة مأشرة؛ أي: داع إلى البطر والأشر، أو لظلم بعضهم بعضًا، وقيل: المعنى: لو جعلهم سواءً في الرزق لما انقاد بعضهم لبعض، ولتعطلت الصنائع، قال ابن عباس ﵄: بغيهم في الأرض، طلبهم منزلة بعد منزلة ومركبًا بعد مركب. وملبسًا بعد ملبس، وقال بعضهم: لو أن الله تعالى رزق العباد من غير كسب، لتفرغوا للفساد في الأرض، ولكن شغلهم بالكسب حتى لا يتفرغوا للفساد، ونعم ما قيل:
إِنَّ الشَّبَابَ وَالْفَرَاغَ وَالْجِدَهْ ... مَفْسَدَةٌ لِلْمَرْءِ أَيُّ مَفْسَدَهْ
أي: داعية إلى الفساد. ومعنى الفراغ: عدم الشغل، ولزوم البغي على بسط الرزق على الغالب، وإلا فقد يكون الفقير مستكبرًا وظالمًا، يعني: أن البغي مع الفقر أقل؛ لأن الفقر مؤد إلى الانكسار والتواضع غالبًا، ومع الغنى أكثر وأغلب؛ لأن الغنى مؤد إلى البغي غالبًا، فلو عم البسط كل واحد من العباد، لغلب البغي، وانقلب الأمر إلى عكس ما عليه الآن.
وذكروا في كون بسط الرزق موجبًا للطغيان وجوهًا (٢):
الأول: أن الله لو سوى في الرزق بين الكل. امتنع كون البعض محتاجًا إلى البعض، وذلك يوجب خراب العالم وتعطيل المصالح.
стр. 11830
ثانيها: أن هذه الآية مختصة بالعرب، فإنهم كما اتسع رزقهم، ووجدوا من ماء المطر ما يرويهم، ومن الكلأ والعشب ما يشبعهم، قدموا على النهب والغارة.
ثالثها: أن الإنسان متكبر بالطبع، فإذا وجد الغنى والقدرة .. عاد إلى مقتضى خلقته الأصلية، وهو التكبر وإذا وقع في شدة وبلية ومكروه .. انكسر وعاد إلى التواضع والطاعة، وكفى بحال قارون عبرة.
قال علماؤنا (١): أفعال الرب سبحانه لا تخلو عن مصالح، وإن لم يجب على الله الاستصلاح، فقد يعلم من حال عبده، أنه لو بسط عليه الرزق .. قاده ذلك إلى الفساد، فيزوي عنه الدنيا مصلحة له، فليس ضيق الرزق هوانًا، ولا سعة الرزق فضيلة، وقد أعطى قومًا مع علمه بأنهم يستعملونه في الفساد، ولو فعل بهم خلاف ما فعل، لكانوا أقرب من الصلاح، وبالجملة فالأمر مفوض إلى مشيئته تعالى، ولا يمكن التزام مذهب الاستصلاح، في كل فعل من أفعاله تعالى.
وروى أنس عن النبي ﷺ ، فيما يرويه عن ربه ﵎، قال: "إن من عبادي المؤمنين، من يسألني الباب من العبادة، وإني عليم أني لو أعطيته إياه لدخله العجب فأفسده، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه، إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسده الفقر، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسده الغنى، وإني لأدبر عبادي لعلمي بقلوبهم، فإني عليم خبير"، ثم قال أنس: اللهم إني من عبادك المؤمنين، الذين لا يصلحهم إلا الغنى فلا تفقرني برحمتك.
﴿وَلَكِنْ يُنَزِّلُ﴾ من الرزق لعباده ﴿بِقَدَرٍ﴾؛ أي: بتقدير أزلي ﴿مَا يَشَاءُ﴾ أن ينزله مما تقتضيه مشيئته، وهو مفعول ينزل ﴿إِنَّهُ﴾ سبحانه ﴿بِعِبَادِهِ﴾؛ أي: بأحوال عباده ﴿خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾؛ أي: محيط بخفايا أمورهم، وجلاياها، فيقدر لكل واحد منهم في كل وقت من أوقاتهم، ما يليق بشأنهم،
стр. 11831
فيفقر ويغني ويمنع ويعطي ويقبض ويبسط حسبما تقتضيه الحكمة الربانية، ولو أغناهم جميعًا لبغوا, ولو أفقرهم جميعًا لهلكوا، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم (١): ﴿يُنَزِّلُ﴾ بتشديد الزاي. وابن كثير وأبو عمرو بالتخفيف.
والمعنى (٢): أي ولو أعطى عباده من الرزق فوق حاجتهم، لحملهم ذلك على البغي والطغيان، وطلب ما ليس لهم طلبه؛ لأن الغنى مبطرة مأشرة، وكفى بحال قارون وفرعون، عبرة لمن اعتبر، ولكن يرزقهم ما فيه صلاحهم، وهو أعلم بحالهم، فيغني من يستحق الغنى، ويفقر من يستحق الفقر، بحسب ما يعلم من المصلحة في ذلك.
والخلاصة: أنه تعالى خبير بما يصلح عباده، من توسيع الرزق، وتضييقه، فيقدر لكل واحد منهم ما يصلحه. فيبسط ويقبض ويعطي ويمنع، ولو أغناهم جميعًا لبغوا. ولو أفقرهم جميعًا لهلكوا، فنظام العالم لا يستقر إلا على هذا الوضع القائم، الجامع بين الأمرين، فخوف الأغنياء يَزَعُهُم عن الظلم، وخوف الفقراء من الأغنياء، يدعوهم إلى التعاون معهم ليفوزوا بمبتغاهم، ويزعهم عن البغى، وقال قتادة: كان يقال: خير الرزق ما لا يطغيك ولا يلهيك.
٢٨ - وبعد أن بين أنه لا يعطي عباده ما زاد على حاجتهم؛ لأنه يعلم أن الزيادة تضرهم في دينهم، ذكر أنهم لو احتاجوا إلى الغيث، فهو لا يمنعه عنهم، فقال: ﴿وَهُوَ﴾ الإله: ﴿الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ والمطر من السماء على الأرض، فيغيثهم به من الجدب، ولذلك خص بالنافع منه. فإن المطر قد يضر. وقد لا يكون في وقته. قال الراغب: الغيث يقال في المطر. والغوث في النصرة ﴿مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ أي: يئسوا منه. وتقييد تنزيله بذلك مع تحققه بدونه أيضًا، لتذكير كمال النعمة. فإن حصول النعمة بعد اليأس والبلية، أوجب لكمال الفرح. فيكون أدعى إلى الشكر. وقرأ الجمهور: ﴿قَنَطُوا﴾ بفتح النون، وقرأ الأعمش وابن وثاب بكسرها. ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾؛ أي: يبسط بركات الغيث ومنافعه وما
стр. 11832
يحصل به من الخصب في كل شيء من السهل والجبل والنبات والحيوان، وفي "فتح الرحمن": ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾: وهي الشمس، وذاك تعديد نعمة غير الأولى. وذلك أن المطر إذا جاء بعد القنوط حسن موقعه، فإذا دام سئم، وتجيء الشمس بعده عظيمة الوقع ﴿وَهُوَ﴾ ﴿الْوَلِيُّ﴾؛ أي: السيد المالك، الذي يتولى عباده بالإحسان ونشر الرحمة ﴿الْحَمِيدُ﴾؛ أي: المستحق للحمد على ذلك وغيره، لا غيرُه.
وقال بعضهم: قوله: ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ﴾؛ أي: متولي المطر، ومتصرفه، يرسده مرة بعد مرة ﴿الْحَمِيدُ﴾؛ أي: الأهل لأن يحمد على صنعه. إذ لا قبح فيه؛ لأنه بالحكمة. ودل الغيث على الاحتياج، وعند الاحتياج تتقوى العزيمة، والله تعالى يجيب دعوة المضطر. وقال قتادة: ذكر لنا أن رجلًا قال لعمر ﵁: اشتد القحط وقنط الناس. فقال: مطروا إذن، ثم قرأ هذه الآية.
والمعنى: أي وهو الذي ينزل المطر من السماء، فيغيثهم به من بعد يأسهم من نزوله حين حاجتهم إليه، وينشر بركات الغيث، ومنافعه، وما يحصل به من الخصب، وهو الذي يتولى عباده بإحسانه، ويحمد على ما يوصله إليهم من رحمته.
وعن ابن عباس ﵄: إن تحت العرش بحرًا، ينزل منه أرزاق الحيوانات، يوحي الله سبحانه إليه. فيمطر ما شاء من سماء إلى سماء، حتى ينتهي إلى سماء الدنيا ويوحي إلى السماء أن غربليه. فتغربله فليس من قطرة تقطر إلا ومعها ملك يضعها موضعها, ولا ينزل من السماء قطرة إلا بكيل معلوم، ووزن معلوم، إلا ما كان من يوم الطوفان من ماء، فإنه نزل بغير قيل ولا وزن.
وروي: أن الملائكة يعرفون عدد المطر، ومقداره في كل عام؛ لأنه لا يختلف فيه البلاد، وفي الحديث: كما من سنة بامطر من أخرى، ولكن إذا عمل قوم بالمعاصي، حول الله ذلك إلى غيرهم، فإذا عصوا جميعًا صرف الله ذلك إلى الفيافي والبحار".
٢٩ - ثم أقام الأدلة على ألوهيته فقال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ ؛ أي:
стр. 11833
ومن دلائل قدرته تعالى، الموجبة لتوحيده، وصدق ما وعد به من البعث ﴿خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: خلقهما على هذه الكيفية العجيبة والصنعة الغريبة، فإنهما بذاتهما وصفاتهما يدلان على شؤونه العظيمة، والإضافة (١) في ﴿خَلْقُ السَّمَاوَاتِ﴾ من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي: السموات المخلوقة، والأرض المخلوقة ﴿وَمَا بَثَّ﴾ وفرق ونشر ﴿فِيهِمَا﴾؛ أي: في السموات والأرض، معطوف على السموات؛ أي: وفي خلق ما بث فيهما، أو على الخلق؛ أي: في خلق السموات والأرض، وفي ما بث فيهما ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾؛ أي: من حي. فهو من إطلاق المسبب، وهو الدبيب وإرادة السبب، وهو الحياة. فتكون الدابة بمعنى الحي، فتتناول الملائكة، فإن الملائكة ذووا حركات طيارون في السماء، وإن كانوا لا يمشون في الأرض.
وفي "الخازن": فإن قلت: كيف (٢) يجوز إطلاق لفظ الدابة على الملائكة؟
قلت: الدبيب في اللغة: المشي الخفيف على الأرض، فيحتمل أن يكون للملائكة مشي مع الطيران، فيوصفون بالدبيب، كما يوسف به الإنسان. وقيل: يحتمل أن الله تعالى خلق في السموات أنواعًا من الحيوانات، يدبون دبيب الإنسان، وقيل: يحتمل أنه من إطلاق المثنى على المفرد، فيعود الضمير في ﴿فِيهِمَا﴾ إلى الأرض فقط، كما في قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾ وإنما يخرجان من أحدهما وهو الملح.
يقول الفقير: إن للملائكة أحوالًا شى، وصورًا مختلفة، لا يقتضي موطنهم الحصر، في شيء من المشي والطيران، فطيرانهم إشارة إلى قوتهم في قطع المسافة، وإن كان ذلك لا ينافي أن يكون لهم أجنحة ظاهرة، فلهم أجنحة يطيرون بها. ولهم أرجل يمشون بها. والله أعلم.
﴿وَهُوَ﴾ ﴿عَلَى جَمْعِهِمْ﴾؛ أي: على جمع الأجسام وحشرهم بعد البعث للمحاسبة ﴿إِذَا يَشَاءُ﴾؛ أي: في أي وقت شاء جمعهم ﴿قَدِيرٌ﴾؛ أي:
стр. 11834
قادر متمكن منه. وقوله: ﴿هُوَ﴾ (١) مبتدأ. و ﴿قَدِيرٌ﴾ خبره. و ﴿عَلَى جَمْعِهِمْ﴾ متعلق بقدير، وإذا مجردة عن معنى الشرط، متعلقة بجمعهم لا بقدير، لفساد المعنى. فإن المقيد بالمشيئة جمعه تعالى لا قدرته، و ﴿إذا﴾ عند كونها بمعنى الوقت، مجردة عن الشرط كما تدخل على الماضي تدخل على المضارع، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾.
والمعنى (٢): أي ومن دلائل عظمته وقدرته وسلطانه القاهر، خلق السموات والأرض، وما نشر فيهما من دابة، تدب وتتحرك، وهذا يشمل الملائكة والإنس والجن وسائر الحيوان على اختلاف أشكالهم وألوانهم، وهو يجمعهم يوم القيامة، فيجمع الأولين والآخرين، وسائر الخلائق في صعيد واحد، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، ثم يحكم بينهم بحكمه العدل، وهو اللطيف الخبير.
وقصارى ذلك: أنه قدير على جمع ما بث فيهما من دابة، إذا شاء جمعه، كما لم يتعذر خلقه وتفريقه.
٣٠ - ثم ذكر سبحانه دستورًا للناس في أعمالهم، إذا تأملوه .. أقلعوا عما يرتكبونه من الآثام، فقال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ﴾؛ أي (٣): والذي وصل إليكم أيها الناس ﴿مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ أي مصيبة كانت، من الآلام والأسقام والقحط والخوف، حتى خدش العود وعثرة القدم واختلاج العرق وغير ذلك، في البدن، أو في المال، أو في الأهل والعيال، ويدخل فيه الحدود على المعاصي، كما أنه يدخل في قوله: ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ما لم يجعل له حد ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾؛ أي: فهو واقع بكم بسبب معاصيكم التي اكتسبتموها، فإن ذكر الأيدي لكون أكثر الأعمال، مما يزاول بها، فكل نكد لاحق إنما هو بسبب ذنب سابق، أقله التقصير.
وفي الحديث: "لا يرد القدر إلا بالدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن
стр. 11835
الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، وقوله: لا يرد القدر إلخ؛ لأن من جملة القضاء رد البلاء بالدعاء، فالدعاء سبب لدفع البلاء، وجلب الشرح؛، كما أن الترس سبب لدفع السلاح، والماء سبب لخروج النبات من الأرض، وقال الضحاك: ما تعلم رجل القرآن ثم نسيه إلا بذنب، وأي معصية أقبح من نسيان القرآن، وتلا الآية.
وقرأ نافع وابن عامر (١): ﴿بما كسبت﴾ بغير فاء، وقرأ الباقون بالفاء. و ﴿ما﴾ في قوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ﴾ هي الشرطية، ولهذا دخلت الفاء في جوابها، على قراءة الجمهور، ولا يجوز حذفها عند سيبويه والجمهور، وجوز الأخفش الحذف كما في قوله: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾، وقول الشاعر:
مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللهُ يَشْكُرُهَا ... وَالشَّرُّ بِالشَّرِّ عِنْدَ الله مِثْلَانِ
وقيل: هي الموصولة، فيكون الحذف والإثبات جائزين، والأول أولى، وقال الزجاج: إثبات الفاء أجود؛ لأن الفاء مجازاة جواب الشرط، ومن حذف الفاء، فعلى أن ﴿ما﴾ في معنى الذي، وقال بعضهم: ﴿ما﴾ موصول مبتدأ، دخلت الفاء في خبره، لتضمنه معنى الشرط.
والمعنى: والذي أصابكم، فواقع بما كسبت أيديكم، قال الحسن: المصيبة هنا: الحدود على المعاصي، والأولى العمل على العموم، كما يفيده وقوع النكرة في سياق النفي، ودخول من الاستغراقية عليها.
﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ من الذنوب التي يفعلها العباد، فلا يعاقب عليها، ولولا عفوه وتجاوزه ما ترك على ظهرها من دابة، وهذا من تتمة قوله: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾.
والمعنى (٢): أي وما يحل بكم أيها الناس، من المصائب في الدنيا، فإنما تصابون به عقوبة لكم، على ما اجترحتم من الآثام، واقترفتم من الشرور والمعاصي، ويعفو لكم عن كثير من جرائمكم، فلا يعاقبكم بها، وقد ثبتت الأدلة